← Адаб

Адаб · id 10496

لباب الآداب لأسامة بن منقذ

أسامة بن منقذ

Полный текст (498 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

٣- باب الكرم [مما ورد فى الكتاب العزيز] قال الله في سورة البقرة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ، وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [٢٥٤] . ومنها: مَثَلُ «١» الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ؛ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ [٢٦١] الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [٢٦٢] . ومنها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ، وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [٢٦٧] الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ، وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا، وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ [٢٦٨] . ومنها: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ، وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ، وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ [٢٧٢] . ومن سورة آل عمران: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ

стр. 107

فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ، بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ، سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [١٨٠] . ومن سورة النساء: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً [٣٦] الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً [٣٧] . ومن سورة إبراهيم «١» : قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ [٣١] . ومن سورة بني إسرائيل: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ، وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً [١٠٠] . ومن سورة سبأ: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ «٢» وَيَقْدِرُ لَهُ، وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ، وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [٣٩] . ومن سورة يس: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا: أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ؟ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [٤٧] . ومن سورة محمد ﷺ : إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ، وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ [٣٦] إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ «٣» تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ [٣٧] ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ

стр. 108

تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ «١» ، فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ، وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ، وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ [٣٨] . ومن سورة الحديد: وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ، أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا، وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [١٠] . ومنها: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها، إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [٢٢] لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ، وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ «٢» فَخُورٍ [٢٣] الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ، وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [٢٤] . ومن سورة التغابن: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [١٦] . ومن الأحاديث ٢٦* عن علي بن زيد بن جدعان «٣» قال قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى

стр. 109

ليحب [أن] «١» يُرى أثر نعمته على عبده في مأكله ومشربه» «٢» . وعن ابن جريج قال قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى ليحب البيت* ٢٧ الخصب «٣» » . وعن عطاء عن عبد الله بن عمر ﵃ قال: أحب الطعام إلى الله تعالى ما كثرت عليه الأيدي «٤» . وعن شهر بن حوشب قال: كان يقال: إذا اجتمع للطعام أربع «٥» فقد كمل «٦» كل شيء: إذا كان أوله حلالاً، وذُكر اسم الله تعالى عليه حين يوضع، وكثرت عليه الأيدي، وحمد الله تعالى حين يفرغ منه. وعن جابر بن عبد الله ﵀ عن النبي ﷺ أنه قال: «كفى بالمرء* ٢٨ شراً أن يتسخَّط ما قرِّب إليه «٧» » .

стр. 110

وقال جابر ﵀: هلاكٌ بالرجل يدخل عليه الرجل من إخوانه فيحتقر ما في بيته أن يقدمه له، وهلاكٌ بالقوم أن يحتقروا ما قرِّب إليهم «١» . وعن الأصمعي عن إسحق بن إبراهيم قال: دخلنا على كهمس العابد ﵀، فقدم إلينا إحدى عشرة تمرةً حمراء، وقال: هذا الجهد «٢» من أخيكم، والله المستعان. وقال الأحنف بن قيس: ثلاث ليس فيهن انتظار: الجنازة «٣» إذا وجدت من يحملها. والأيِّم «٤» إذا أصبت لها كفؤاً. والضيف إذا نزل لم يُنتظر له الكلفة. وعن بكر بن عبد الله المزني «٥» ﵀ قال: إذا أتاك الضيف فلا تنتظر به ما ليس عندك وتمنعه ما عندك، قدِّم له ما حضر، وانتظر بعد ذلك ما تريد من إكرامه. وقال أبو خلدة «٦» : دخلنا على محمد بن سيرين ﵀ أنا وعبد الله «٧» بن عون فقال: ما أدري ما أتحفكم؟ كل منكم في بيته خبزٌ ولحم، ولكن

стр. 111

سأطعمكم شيئاً لا أراه في بيوتكم، فجاء بشهدة «١» ، فكان يقطع بالسكين ويلقمنا. وعن الأعمش عن خيثمة «٢» قال: كان عيسى ابن مريم صلى الله عليه إذا دعا أصحابه قام عليهم، ثم قال: هكذا اصنعوا بالقِرى. وعن أبي هريرة ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من السُّنة أن* ٢٩ يمشي الرجل مع ضيفه إلى باب الدار «٣» » . عن أبي قتادة ﵁ قال: «لما قدم وفد النجاشي على النبي* ٣٠ ﷺ قام يخدمهم، فقال أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله، قال: إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، فأنا أحب أن أكافئهم «٤» » . وسئل مجاهد ﵀ عن قول الله تعالى: ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ [الذاريات ٢٤] قال: خدمته إياهم بنفسه «٥» . عن ثابت البناني ﵀ قال: جئت إلى أنس بن مالك ﵀ لأبيت عنده، فلما تعشينا جاء الغلام بالطسْت، فوضعه بين يدي أنسٍ، فأخذه أنسٌ، وضعه بين يديَّ، فرددته إليه، فقال لي: يا ثابت، إذا دخلت

стр. 112

على أخيك المسلم فأكرمك فاقبل كرامته: حيث أجلسك فاجلس، وما قدَّم إليك فكُل، فإن المؤمن إنما يكرم ربه «١» . ٣١* وعن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا وضعت المائدة فليأكل الرجل مما يليه، ولا يرفع يديه وإن شبع، وليعذِّر، فإن ذلك يخجل جليسه» . التعذير: التقصير. «٢» وكان بعض السلف ﵃ يقول: مؤاكلة الأسخياء دواء، ومؤاكلة البخلاء داء. وروي: الخير أسرع إلى البيت الذي يطعم فيه الطعام من السيل إلى مستقره «٣» . ٣٢* وعن عبد الله بن عمرو ﵀: «أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ قال: أي الإسلام خيرٌ؟ قال: تُطعم الطعام وتفشي السلام على من عرفت ومن لم تعرف «٤» » . ٣٣* وعن أبي هريرة ﵀ عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا إنَّ كل جوادٍ في الجنة، حتم على الله تعالى، وأنا به كفيلٌ. ألا وإن كل بخيل في النار حتمٌ على الله تعالى، وأنا به كفيل. قالوا: يا رسول الله: مَنِ الجواد، ومن البخيل؟

стр. 113

قال: الجواد من جاد بحقوق الله في ماله، والبخيل من منع حقوق الله تعالى وبخل على ربه. وليس الجواد من أخذ حراماً وأنفق إسرافاً «١» » . وعن أبي هريرة ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن السخيَّ* ٣٤ قريبٌ من الله، قريبٌ من الناس، قريبٌ من الجنة، بعيدٌ من النار. وإن البخيل بعيدٌ من الله، بعيد من الناس، بعيدٌ من الجنة، قريبٌ من النار. ولَجاهلٌ سخيٌ أحبُّ إلى الله تعالى من عابد بخيل. وأكبر الداء البخل «٢» » وعن عبد الله بن عمرو ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ : «خلقان يحبهما* ٣٥ الله ، وخلقان يبغضهما الله : فأما اللذان يحبهما الله تعالى فالسخاء وحسن الخُلُق. وأما اللذان يبغضهما الله فالبخل وسوء الخلق. وإذا أراد الله بعبدٍ خيراً استعمله على قضاء حوائج الناس «٣» » . رفع الواقدي ﵀ إلى المأمون رقعةً يذكر فيها كثرة الدين وقلة* ٣٦ صبره عليه. فوقَّع فيها المأمون: أنت رجلٌ فيك خلتان: السخاء والحياء. فالسخاء أطلق ما في يديك، والحياء منعك من إبلاغنا ما أنت عليه. وقد أمرت لك بمائة ألفٍ، فإن كنتُ أصبتُ إرادتك فازدد في بسط يدك «٤» وإن لم

стр. 114

أصبْ إرادتك فبجنايتك على نفسك. وأنت كنت حدثتني- إذ كنت على قضاء الرشيد- عن محمد بن اسحق عن الزهري عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «إن مفاتيح أرزاق العباد بإزاء العرش، يبعث الله إلى عباده على قدر نفقتهم، فمن قَلَّل قُلِّل له، ومن كثَّر كُثِّر له» . فقال الواقدي: فلمذاكرة أمير المؤمنين أعجب إليَّ من الجائزة. ٣٧* وعن جابر بن عبد الله ﵀ قال: «سُئل رسول الله ﷺ عن الإيمان؟ فقال: الصبر والسماح» . وعن الحميدي قال: قدِمَ الشافعي ﵁ مرةً من اليمن، ومعه عشرون ألف دينار، فضرب خيمته خارجاً من مكة، وأقام حتى فرقها كلها. ٣٨* وعن أبي الحسن المدائني عن النبي ﷺ : «أنه اطَّلع من وافد قومٍ على كذبةٍ، فقال: لولا سخاءٌ فيك وَمِقَكَ الله «١» عليه لشرَّدت بك من وافد قومٍ «٢» » . وقال: أوحى الله ﵎ إلى موسى ﵇: أن لا تقتل السامري، فإنه سخي. وقيل للحسن بن علي رضوان الله عليهما: من الجواد؟ قال: الذي لو كانت الدنيا له فأنفقها لرأى على نفسه بعد ذلك حقوقاً. وقال أبو الحسن المدائني: تحمَّل الهُذيْل بن زُفر بن الحارث دِياتِ

стр. 115

قومه، فأتى يزيد بن المهلب، فقال: أصلحك الله، إنه قد عظُم شأنك عن أن يستعان بك أو يستعان عليك، ولست تصنع شيئاً من المعروف إلا أنت أعظم منه، وليس العجب أن تفعل، إنما العجب أن لا تفعل! فقال: حاجتك؟ فسأله أن يعينه في الديات التي تحمل، فأمر له بها وبمائة ألف درهم، فقبل الديات ولم يقبل المائة ألف درهم، وقال: ليس هذا موضعها «١» . ودعا الحسن ﵀ حجَّاماً ليُسوِّي من شار به، فأعطاه درهمين، فقيل له في ذلك: فقال لا تدَنِّقوا فيدَنَّق عليكم «٢» . وقال حذيفة بن اليمان ﵁: ربَّ رجلٍ فاجرٍ في دينه، أخرق «٣» في معيشته-: يدخل بسماحه الجنة. وقال شيخٌ من بني عمرو بن كلابٍ: خرج عبد الله بن جعفر ﵄ يريد الشأم، فألجأه المطر إلى أبيات، فإذا قبةٌ حمراء بفنائها رجلٌ ينادي: الذَّرى الذَّرى «٤» ! قال عبد الله: فأنخنا فدخلنا القبة، وحُطَّ عن رواحلنا، ثم أتى بجزورٍ فنحرها، فبتْنا في شِواءٍ وقديد «٥» وتحدث معنا من الليل هنيهة ثم انصرف. فلما أصبح وقف عن القبّة «٦» ، وسألنا عن تنبيتنا؟

стр. 116

وانصرف، فأتى بجزورٍ فعقرها، فقلنا: رحمك الله ما تريد إلى هذا؟! قال: كلوا رحمكم الله طرياً، فإنا لا نطعم الضيف غابَّاً «١» . قال عبد الله ﵀: فدعوتُ بثوبٍ فجعلت فيه زعفراناً وصررتُ في طرفٍ منه مائة دينارٍ، ثم بعثت به إلى أهله، فقالوا: إنا لا نقدر على أخذه إلا بإذنه، فسألته أن يقبله مني، فأبى، فلما ارتحلنا وودعته أمرْتُ فألقي الثوب بين البيوت، ومضينا. فإنا لنسير إذ لحقنا على فرسٍ مشْرعاً رُمحه «٢» ، قد احمرَّت عيناه، والثوب بين يديه، فصاح بنا: أغنوا عني هذا «٣» ، ونبذه إلينا، وولّى وهو يقول: وإذا أخذتُ ثواب ما أعطيتُهُ ... فكفى «٤» بذاكَ لنائِلي تكديرا عن محمد بن سلاَّم «٥» قال: أخبرني أبان بن عثمان قال: أراد رجلٌ أن يضارَّ عُبيد الله بن العباس- ﵄ فأتى وجوه قريشٍ، فقال: يقول لكم عبيد الله: تغدُّوا عندي اليوم. فأتوه فملئت عليه الدار، فقال: ما هذا؟! فأُخبر بما صنع الرجل، وعرف ما أراد. فأمر بالباب فأُغلِق، وأرسل الى السّوق فجيىء بالفاكهة، وأرسل قوماً فذبحوا وخبزوا وشووا، فلم ينقض أكلهم الفاكهة حتى جاء الطعام، وكان فيما أتاهم من الفاكهة الأُتْرُجُّ والعسل، قال: فأكل القوم حتى صدروا، فقال عبيد الله لو كلائه: أموجودٌ هذا كلما أردت؟ قالوا: نعم، قال: فليتغدّ عندنا هؤلاء «٦» في كلّ يوم.

стр. 117

وقال مصعب الزبيري «١» حجّ معاوية بن أبي سفيان، فلما انصرف مرّ بالمدينة، فقال الحسين بن علي لأخيه الحسن- رحمهما الله-: لا تلقَه ولا تسلِّم عليه. فلما خرج معاوية ﵀، قال الحسن: يا أخي، إن علينا ديناً ولا بد لي أن أذهب إليه، فلحقه بثنية النول «٢» ، وهو منحدر على الوادي، فسلّم عليه وأخبره بدينه، فمروا ببختيٍّ «٣» عليه ثمانون ألف دينار، وهو يضلعُ «٤» وهم يُزَجُّونه «٥» ، فقال معاوية: ما هذا؟ قالوا: أعيى «٦» وعليه المال، ونحن نزجِّيه ليلحق، فقال: اصرفوه إلى أبي محمد «٧» ، فدفعه إليه وعليه ثمانون ألف دينار. قال: لما قدم مصعب بن الزبير «٨» - رحمهما الله- من العراق القدمة الأولى مر بالمدينة ليلاً، فجاوزها ونزل البيداء، فبلغ عبد الله بن جعفر وعاصم بن عمر بن الخطاب ﵃ ما صنع من ذلك، فالتقيا في صلاة الصبح في المسجد، فقال أحدهما لصاحبه: هل لك بنافيه، فلا ينجيه منا ما فعل؟ فركبا إليه، حتى أتياه بالبيداء خلف الشجرة إلى مكة، فوجدوا فسطاطاً مضروباً وقد فُرش، فقيل لهما: انزلا حتى يخرج إليكما، فأتاهما يمشي، حتى دخل عليهما الفسطاط، فسلَّم عليهما وحياهما، ثم قال له عبد الله بن جعفر: إنه قد بلغنا خبر وأردنا أن نلقيه إليك لتكون منه على علم: إن أخاك عبد الله بن

стр. 118

الزبير لا يضع عبد الله بن أبي فروة «١» من لسانه، فجعل عليه: لئن أظفره الله به ليقطعن يده وليأتين على ما وراء ظهره، فخذ حذرك، فإنما يريد قتلك. فأمر مصعب براحلتين فرحلتا «٢» ، ثم قال: عليَّ بعبد الله بن أبي فروة، فأتاه عبد الله بن أبي فروة، فقال له: إنه بلغني أن أمير المؤمنين عليك غضبان، ولا قرار على غضبه، فعزمت عليك إلا ركبت وعون معك من أعوانك هاتين الراحلتين، ثم مضيت حتى تدفع يدك في يده، ثم لا يسألك «٣» عن شيء إلا صدقته عنه، اركب، فركب ومضى لوجهه. ثم أقبل مصعب على عبد الله بن جعفر وعلى عاصم، فقال: كأني بكما التقيتما في المسجد، فذكرتما مروري بالمدينة ليلاً، ثم تجاوزتها ولم أنزل بها، غير صلاةٍ صليتها في مسجد رسول الله ﷺ ، وقلتما: لا ندعه، ولنغيظنه؟! والله ما يغيظني من أمير المؤمنين شيء، وما عندنا إلا السمع والطاعة، ولكني أعتذر إليكما: إنه كتب إلي يأمرني أن أطوي المدينة فلا أجعلها منزلاً حتى يكون منزلي البيداء، ثم لا أريمها «٤» حتى يأتيني أمره، فلم أجاوز ما أمرني به، وما أجهل حقوقكما وما يجب لكما علي، يا عاصم، احتكم وسل ما شئت. فجعل عاصم يقول كذا وكذا، حتى ذكر الغلة والماشية والرقيق وما يحتاج إليه الانسان، فقال: قوِّم هذا، قال: عشرين ألف دينار، قال: هي لك، قال: وصلتك رحم أيها الأمير. ثم أقبل على عبد الله بن جعفر وقال: هي لك وضعفها، فقال له عبد الله: ما منعك أن

стр. 119

تحكِّمني كما حكَّمت صاحبي؟! قال: أنا أعرف سرفك! ولك في هذا مقنع! قال: أما لو فعلت لأخرجتك صفراً، أو لألحقتك عجزاً! فأمر لهما بالمال وانصرفا. قال: قدم المغيرة بن خنساء- أظنه «ابن حبناء» - «١» - على طلحة الطلحات «٢» يطلب صلته فأخرج إليه حجري ياقوت في درج «٣» ، فقال: أيما أحبُّ إليك: عشرة آلاف «٤» ، أو هذان الحجران؟ فقال: ما كنت لأختار الحجارة على الدراهم! فأعطاه عشرة آلاف «٥» درهم فقال: إن نفسي قد تتبعت أحد «٦» الحجرين، فدفعهما إليه «٧» ، فقال المغيرة: أرى الناس عاضوا ثم غاضوا «٨» ولا أرى ... بني خَلَفٍ إلا رواءَ المواردِ إذا نفعوا عادوا لمن ينفعونهُ ... وكائنْ ترى من نافعٍ غير عائدِ وقال مصعب: قدم الراعي «٩» على سعيد بن عبد الرحمن بن عتَّاب بن أسيد

стр. 120

بن أبي العيص «١» ، فأنشده مديحه، فقال له: حاجتك؟ قال: ثلاثة آلاف «٢» دينار، فأمر له بها. فقال: حاجةٌ أخرى. قال: ما هي؟ قال: ترحلني الساعة، فرحله إلى أهله، فقال: وأنضاءٍ «٣» أنخن «٤» إلى سعيدٍ ... طُروقاً ثم عجَّلن ابتكارا حمدن مزاره ورضين منه «٥» ... عطاءً لم يكن عدةً ضمارا «٦» قال أبو الحسن المدائني: لقي ابن أبي بكرة سعيد بن عثمان بن عفان «٧» ﵃ وقد ولاه معاوية خراسان، وابن أبي بكرة يريد المدينة- فرأى خباءً مضروباً رثّاً، فقال: لمن هذا؟ قالوا: لسعيد بن عثمان بن عفان، يريد خراسان. فمشى إليه، وقال: أنت ابن أمير المؤمنين عثمان والي خراسان في هذه الهيئة؟! اجعل طريقك بالبصرة، وأكتب إلى وكيلي يجهزك. فكتب إلى وكيله سليم الناصح: أن أعطه عشرين ألفاً وعشرين عبداً وعشرين برذوناً وعشرين بعيراً وعشرين طيلساناً. فظن سعيد «٨» بن عثمان بن عفان

стр. 121

رحمه الله أنه يهزأ به، فدخل البصرة، فنزل على مولى لعثمان بن عفان ﵀، وقال: إن ابن أبي بكرة قد كتب إلى وكيله بشيء، أفتراه ينفذ ما كتب به؟ فأرسل إلى وكيله، فأعطاه الكتاب، فقال: أجلني جمعةً، فأجله، فأتاه بما في الكتاب. ثم قال له سليم: ألك حاجةٌ؟ فقال له سعيدٌ: ولو كانت لي حاجةٌ كنت تقضيها؟ قال: أما في مثل ما أعطاك مولاي ما كنت لأفعل، فقال سعيد: ما أدري أيكما أكرم؟!. عن سليمان بن عياش قال: قال إبراهيم بن هشام- وكان في مالٍ له قريباً من أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة: - هل لكم أن أبخل أبا عبيدة «١» بن عبد الله؟! فركب إليه في سبعين راكباً، وأبو عبيدة «٢» بما له بالفرش «٣» ، فوافاه قبل طلوع الشمس؛ فقال له: أصلحك الله، انزل بنا، قال: لسنا ننزل، ولكن عجّل لنا ما حضر، فوافاهم بسبعين رأساً قد شويت من الليل، فغاظه ما رأى من تعجيل ذلك عليه، فانصرف ولم يأكل عنده شيئاً. قال أبو الحسن المدائني: قال عبد الله بن عباس ﵀: لقد رأيت من. عبد الله بن عامرٍ «٤» منظراً وددت أني كنت فعلته! كنا في الربيع في المسجد،

стр. 122

فنشأت سحابةٌ فأمطرت فتقوضت الحلق «١» ، فدعا ابن عامرٍ بطيالسةٍ، فألقى على كل رجلٍ من جلسائه طيلساناً مطبقاً، ثم لم تلبث أن تجلت، فقال: قوموا بها. قال مصعب الزبيري: حدثني مصعب بن عثمان قال: كان قيس بن سعد بن عبادة ﵀ بعين «٢» ، وكان بينه وبين رجلٍ عداوةٌ، وكان لقيسٍ على الناس دينٌ كثيرٌ، فذهب الرجل إلى الناس، فقال: يدعوكم قيسٌ، فحضره ناسٌ كثير، فقال: ما بال الناس؟! فأخبر بذلك، فأخذ صكاكاً كانت عنده بعشرين ألف دينار فقال: هذه لكم، فتوزعوها بينكم. قال: وباع ثابت بن عبيد الله دار الشقاق من مقاتل بن مقاتل «٣» بنسيئة «٤» ، ثم تقاضاه، فلزمه في مسجد ابن أبي عبيدة «٥» ، فرأى عبيد الله مقاتلاً، فقال له: مالك يا أبا المهاجر؟ قال: لزمني ابنك، قال: بم؟ قال: بثمن دار الشقاق «٦» ، قال: يا ثابت، ما وجدت محبساً لغرمائك «٧» إلا داري؟ ادفع إليه صكه وأعوضك، فعوضه عنها.

стр. 123

كان الحزين الكناني «١» مع قوم من أهل المدينة يقامر، فقمر ثيابه، فكان عرياناً في جانب البيت، وكانوا بالعقيق، فبيناهم كذلك إذ أقبل عبد الله بن جعفر ﵄، فقال الحزين: أعطوني ثوباً حتى ألقاه، فلعله يخلف علي ثيابي، فما أمنوه حتى تبعه رجلٌ يمسك بطرف رداء أعاروه «٢» إياه، فقال له: أَقُولُ لَهُ حِينَ وَاجَهْتُهُ: ... عَليْكَ السلاَمُ أَبَا جَعْفَرِ قال: وعليك السلام، فقال: فَأَنْتَ المُهَذبُ مِنْ هَاشِمٍ ... وَفِي البَيْتِ مِنْهُ الذِي يُذْكَرُ فقال: كذبت! ذاك رسول الله ﷺ ، فقال: فَهَذِي ثِيَابِيَ قد أَخْلَقَتْ وَقَدْ عَضني زَمَنٌ مُنْكَرُ قال: فثيابي لك بها، وانصرف حتى أتى منزله، وبعث إليه بثيابه التي كانت عليه. قال أبو الحسن المدائني: كان لبيد بن ربيعة «٣» لا يمر به يومٌ إلا أراق فيه دماً، وكان يفعل ذلك إذا هبت الرياح، وربما ذبح العناق إذا أضاف، فصعد الوليد بن عقبة المنبر وقد هبت الرياح، فقال: أعينوا أبا عقيل على مروءته، وبعث إليه بمائة ناقةٍ، فلما جاءته قال لابنته: أجيبيه عني، وكان لبيدٌ قد ترك قول الشعر، فقالت ابنته: إِذَا هَبتْ رِيَاحُ أَبِي عَقِيلٍ ... دَعَوْنَا عِنْدَ هَبتِهَا الوَلِيدَا

стр. 124

طَوِيلَ البَاعِ أَبْيَضَ عَبْشَمِيًا «١» ... أَعَانَ عَلَى مُرُوءَتِهِ لَبِيدَا بِأَمْثَالِ الهِضَابِ كَأَن رَكْباً ... عَلَيْهَا مِنْ بنى حام قعودا أبا وهب جزاك اللهُ خَيْراً ... نَحَرْناهَا وأَطْعَمْنَا «٢» الثرِيدَا فَعُدْ إن الكَريمَ لَهُ مَعَادٌ ... وَظَني يَابْنَ أَرْوَى أَنْ تَعُودَا فقال لها أبوها لبيد: أحسنت، لولا أنك سالت! فقالت: إن الملوك لا يستحي من مسئلتهم، قال: وأنت في هذه أشعر. قال: خرج عبد الرحمن بن هشام في بعض طرقه، ثم انصرف على طريق الكوفة، فمر بالوليد بن عقبة، فلما صار بقصر ابن مقاتل «٣» أنفض «٤» من الزاد، فبعث إلى الوليد بن عقبة براحلتين، ولم يدخل الكوفة، ومضى على طريق المدينة، وقال: إنا أرملنا من الزاد، فابعث إلينا من زاد العراق، فبعث إليه عليهما ستين ألف درهم. قال أبو الحسن المدائني: بلغني أن أسد بن عبد الله قدم خراسان، ومعه مرزبان مرو الروذ، فلما صار بأصبهان «٥» بعث إلى واليها خالد بن ورقاء

стр. 125

الرياحي «١» : أن ابعث إلينا من شهد بلادك. فنظر خالد فوجد في بيت المال سبع مائة ألف درهم، فأمر بحملها إليه، وكتب إليه: إنّي قد بعثت إليك بجميع ما كان عندي من الشّهد، ولو حضرني أكثر منه لبعثت [اليك] به. فقال المرزبان: لست أعجب من قدر المال، ولكن من بعثه كلّ شيء عنده! قال ابن عائشة: كان طلحة بن عبد الله «٢» بن عوف جواداً، وولي المدينة، وأنشدني بعض قريش فيه: يا طلح أنت أخو النّدى وعقيده ... إنّ النّدى إن مات طلحة ماتا «٣» إنّ الفعال إليك أطلق رحله ... فبحيث بتّ من المنازل باتا قال: وقدم الفرزدق المدينة وقد مات طلحة، فقال: يا أهل المدينة، أنتم أذلّ قوم في الأرض. قالوا: وما ذاك؟ قال: غلبكم الموت على طلحة!. قال مصعب بن عبد الله الزبيري: حدثني مصعب بن عثمان عن نوفل بن عمارة قال: بلغني أنّ رجلاً من قريش من بني أميّة بن عبد شمس، له قدرٌ وخطرٌ، لم يسم لي-: رهقة «٤» دينٌ، وكان له مال من نخل وزرع، فخاف أن يباع ماله عليه، فشخص من المدينة يريد الكوفة، يعمد «٥» خالد

стр. 126

بن عبد الله القسري- وكان والياً لهشام بن عبد الملك على العراق، وكان يبرّ من قدم عليه، من قريش- فخرج الرجل إليه، وأعدّ له الهدايا من طرف المدينة، فسار حتّى قدم فيداً «١» فأصبح بها، فنظر إلى فسطاط عنده جماعة، فسأل عنه؟ فقيل له: الحكم بن المطلب بن حنطب «٢» ، فلبس نعليه ثم خرج حتّى دخل عليه، فلما رأه قام إليه فتلقاه وسلّم عليه، وأجلسه في صدر فراشه، ثم سأله عن مخرجه؟ فأخبره بدينه وما أراد من إتيان خالد بن عبد الله القسري، فقال له الحكم: انطلق بنا إلى منزلك، فلو علمت بمقدمك لسبقتك إلى إتيانك، فمضى معه حتى أتى منزله، فرأى الهدايا التّي أعدّ لخالد، فتحدث معه ساعة ثم قال: إن منزلنا أحضر عدة، وأنت مسافر ونحن مقيمون، فأقسمت عليك إلا قمت معي إلى المنزل وجعلت لنا من هديّتك نصيبا، فقام معه، وقال: خذ منها ما أحببت، فأمر بها فحملت إلى منزله، وجعل الرجل يستحي أن يمنعه شيئاً منها، حتّى صار معه إلى منزله، فدعا بالغداء فتغدّى «٣» ، وأمر بالهدايا ففتحت، فأكل منها هو ومن حضر، ثم أمر ببقيّتها فرفع إلى خزانته، وقام الناس. ثم أقبل على الرجل فقال: أنا أولى بك من خالد وأقرب

стр. 127

إليك «١» رحماً ومنزلاً، وهاهنا مال للغارمين أنت أولى الناس به، ليس عليك فيه منّة إلا لله تعالى، يقضى به دينك. ثم دعا بكيس فيه ثلاثة ألاف «٢» دينار، فدفعه إليه، وقال: قد قرّب الله عليك الخطوة، فانصرف إلى أهلك مصاحباً «٣» محفوظاً. فقام الرجل من عنده وهو يدعو «٤» ويشكر، ولم يكن له همّة إلا الرجوع إلى أهله، وانطلق الحكم معه ليشيّعه، فسار معه، ثم قال: لكأني بزوجتك قد قالت لك: أين طرائف العراق؟ أما كان لنا معك نصيب؟! ثم أخرج صرّة فيها خمس مائة دينار، وقال: أقسم عليك إلا جعلت لها هذه عوضاً عن هدايا العراق. وودعه وانصرف. قال مصعب «٥» : كان الحكم بن المطلب من أبرّ الناس بأبيه، وكان أبوه- المطلب بن عبد الله- يحب ابناً له يقال له «الحارث» حباً شديداً مفرطاً، وكانت بالمدينة جارية مشهورة بالجمال والفراهة، فاشتراها الحكم من أهلها بمال عظيم، فقال له أهلها- وكانت مولدة عندهم-: دعها عندنا حتى نصلح من شأنها، ثم نزفها إليك بما تستأهل الجارية منا، فإنما هي لنا ولدٌ. فتركها عندهم حتى أصلحوا حالها، ثم نقلوها كما تزف العروس إلى زوجها، وتهيأ الحكم بأجمل ثيابه وتطيب. ثم انطلق، ثم بدأ بأبيه ليراه في تلك

стр. 128

الهيئة ويدعو له- تبركاً بدعائه- حتى دخل عليه وعنده الحارث بن المطلب أخوه. فلما رآه أبوه في تلك الهيئة أقبل عليه فقال: إنّ لي حاجة. قال: ما تقول يا أبه؟! إنما أنا عبدك، فمرني بما أحببت. قال: تهب جاريتك هذه للحارث أخيك، وتعطيه ثيابك هذه الّتي عليك، وتطيّبه من طيبك، وتدعه حتى يدخل على هذه الجارية، فإني لا أشكّ أنّ نفسه قد تاقت إليها! فقال له الحارث: لم تكدر على أخي وتفسد عليه قلبه؟! وذهب يريد يحلف. فبدره «١» الحكم، فقال: هي حرة إن لم تفعل ما أمرك به أبي، فإن قرة عيني أسر إلي «٢» من هذه الجارية. وخلع ثيابه فألبسه إياها، وطيبه، ودفع إليه الجارية!! قال: وكان الحكم بعد حاله هذه قد تخلى «٣» من الدنيا، ولزم الثغور، حتى مات بالشام بمنبج «٤» . وأمه السيدة بنت جابر بن الأسود بن عوف الزهرية. وفي الحكم يقول ابن هرمة «٥» : ماذا بمنبج لو تنبش مقابرها ... من المقدم «٦» بالمعروف والكرم؟

стр. 129

سالوا عن المجد والمعروف: «ما فعلا؟» ... فقلت: «إنّهما ما تامع الحكم» «١» . قال مصعب الزبيري: وحدثني عبد الله بن مصعب قال: خرج عبيد الله بن عباس- رحمهما الله- يريد معاوية، فأصابته السماء وهو في أرض قفر ليلاً، فرفعت له نار، فقال لغلامه مقسم «٢» : أقصد بنا النار، فأتاها، فاذا شيخ معه أهله، وكان عبيد الله من أجمل الناس، فلما رآه الشيخ أعظمه، وقال لامرأته: إن كان هذا قرشياً فهو من بني هاشم، وإن كان يمانياً فهو من بني آكل المرار «٣» ، فهيّئي لنا غنزك أقضي بها ذمامه، فقالت له امرأته: اذاً تموت ابنتي من الجوع، قال الشيخ: الموت خير من اللؤم «٤» ، فأخذ الشفرة وقام إلى العنز وهو يقول: قرينتا «٥» لا توقظي بنيه» إن توقظيها تنتحب عليهْ وتنزع الشفرة من يديه ... أبغض بهذا وبذا إليهْ فذبحها، وحدّث عبيد الله حتى نضجت، فأكل عبيد الله منها وبات ليلته، فلما قرب الرحيل قال لمقسم: كم معك من نفقتنا؟ قال: خمس مائة دينار، قال: ألقها إلى الشيخ، قال مقسم: سبحان الله! إنما كان يكفيه أن

стр. 130

تضعف «١» له ثمن عنزه، والله ما يعرفك، ولا يدري من أنت!! قال: لكني أعرف نفسي، وأدري من أنا! هذا لم يكن له من الدنيا غير هذه العنز، فجاد لنا بها وهو لا يعرفنا، فخرج من دنياه، وأعطيناه بعض دنيانا، فهو أجود منا «٢» ! وسار عُبيد الله حتى قدم على معاوية، وقضى حوائجه، فلما انصرف قال: يا مقسم، مُرَّ بنا على الشيخ ننظر كيف حاله «٣» فإذا إبلٌ عظيمة، وأنشده الشيخ شعراً قال فيه: توسمَّته لما رأيت مهابةً ... عليه وقلت: المرء من آل هاشمِ وإلا فمن آلِ المرارِ فإنهم ... ملوك ملوكٍ من ملوكٍ خضارمِ «٤» فقمت إلى عنزٍ بقية أعنزٍ ... فأذبحها فعل امرىء غير عاتمِ «٥» فعوَّضني منها غناي ولم تكن ... تساوي عناقي غير خمس دراهمِ «٦» فقلت لعرسي- في الخلا- وصبيتي: ... أألحق هذا أو هو أضغاث حالمِ «٧» ؟! فقالوا جميعاً: لا، بل الحق هذه ... يخبُّ بها الرّكبان وسط المواسم بخمس مئين «٨» من دنانيرَ عُوِّضت ... من العنز، ما جادت بها كف حاتمِ

стр. 131

[فلما «١» ] ارتحل عُبيد الله سار الشيخ في العرب بالذي صنع عبيد الله، [زبلغ «٢» ] ذلك معاوية، فقال: لله عُبيد الله! من أي بيضةٍ خرج، ومن أي عشٍ درج! وهذا لعمري من فعلاته!! أذكرني قول مِقسِمٍ مولى «٣» عُبيد الله بن عباس ﵄: شيئاً جرى لي، وإن لم يكن من باب الكرم. قلت يوماً لمؤدبي- الشيخ العالم أبي عبد الله محمد بن يوسف المعروف بابن المنيرة «٤» : - يا شيخ أبا عبد الله، لو ركبت حصاناً، ولبست كزاغنداً «٥» واعتقلت رمحاً، ووقفت في طريق مسجد القاضي- وكان الإفرنج يدخلون من هناك لقتالنا- لكنت تردُّهم وتمنعهم؟! قال: لا والله، وإلّا كانوا يجوزون كلهم! قلتُ: كانوا يُبصرون هيكلك- وما يعرفونك- فيخافون منك! قال: سبحان الله! إن لم يعرفوني أنا ما أرف نفسي؟!! «٦» قال الهيثم بن عدي: حدثني أبو جَهضم- شيخٌ من بني العنبر- عن أبيه قال: أقبل عُبيد الله بن أبي بكرة- ﵀ مرَّة من العراق، فمرَّ بنا في منازلنا، ونحن بالجبّانة، فإذا شابٌ من الحي قد كان يختلف إليه، فلما

стр. 132

رآه قال: أبا حاتم، فداك أبي وأمي، طعامٌ حاضرٌ، فلو نزلت «١» له؟! فنزل، قال: وأمّه تخبز، فقام إلى داجنةٍ له فذبحها، وقال لأخيه: اكْشُطْ جلدها، ودخل عبيد الله منزله، فجاءه ببساطٍ، وما جُعل تحته فراش ولا مصلَّى، إلاّ أنه أتاه بمرفقةٍ «٢» فاتكأ «٣» عليها، وجلس أصحابه، وسُلخت الشاة، وجُعلت في التنور، وأخرج الخبز حاراً ففتّه، ثم كدر «٤» عليه السَّمن، ثم علاه بالسمن على الشاة، ثم جاء بالجفنة يحملها حتى وضعها بين يديه، فقال عُبيد الله: ما أكلتُ قط طعاماً أطيب من هذا، ثم دعا بتمرٍ بَرْنِيٍّ «٥» وزُبْدٍ، فأكل، ثم توضأ «٦» وركب. فقلت: ويحك! ما صنعت! أمِثل عُبيد الله يدخل منزلك ثم أجلسته على بساط؟! فقال: قد علم أني لم آله تكرمةً، وإني أتيته بما عندي، وقد ذبحت له فلانة الداجنة، قال: فأقمنا يومين، ثم جاء رسوله فدعاه، فقال له: والله ما زلتُ معجباً بك! ثم سرَّني إلقاؤك «٧» الحشمة فيما بيني وبينك، وقد رأيت أمراً غمني، خذ هذه الخمسة آلاف «٨» درهم فابتع بها سواراً لابنتك، وهذه الثلاثون ألف درهم فأقم بها وجهك، وهذه الخمسة آلاف «٩» درهم فابن بها دارك، وهذه خمسون جريباً «١٠» قد أمرت لك بها. قال أبو جهضم: فحدثني أبي قال: فرأيته بعد ذلك وإنه لمن رجال بني تميم يساراً وفضلاً وهيبةً.

стр. 133

عن الهيثم عن صالح بن حسان قال: قدم عبد الرحمن بن خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ﵀، وكان رجلاً فقيهاً فاضلاً موسراً كثير الغزو والحج، أعطى حتى بلغت عطاياه قواعد المسجد، قال: فبينا هو يوماً يتغدَّى «١» حيث فرغ من غدائه-: إذ استأذن عليه رجلٌ مكفوفٌ من بني فهرٍ، تقوده أمةٌ سوداءٌ، فقال: يا غلام، طعامك، فأقبل يأكل معه كأنه لم يأكل شيئاً، ثم قال: حاجتك، قال: حفظك الله، شيخٌ من بني فهر، لي أربع بنات، ليس لي ولا لهن إلا الأمة السوداء، فإن خدمتني أضرَّ ذلك بهن، وإن خدمتهن أضرّ ذلك بي، والله ما أصبحت أملك شيئاً، فانظر في حاجتي وصلك الله، فأقبل يعتذر إليه: ويذكر مسيره ومن يأتيه من قومه وما يتكلف، فقلنا: يعطيه خمسة دنانير، فإن أعطاه عشرةً فذلك كثير! فقال: يا غلام، أعطه أربع مائة دينار، وأخدم كل ابنة له خادماً، وأعطه قائداً، وأجر عليه من مالنا بالسقيا كذا وكذا وسقْاً من تمر. فلما نهض الشيخ قيل له: يرحمك الله! اعتذرت إليه فقلنا: يعطيه خمس دنانير فإن زاده أعطاه عشرة دنانير! فقال: إي والله! لأن يكون فعلي أحسن من قولي أحب إليَّ من أن يكون قولي أحسن من فعلي!! وعن صالح بن حسان قال: لما قدم سليمان بن عبد الملك المدينة أهدى له خارجة بن زيد بن ثابت ﵀ ألف عرق موز، وألف قرعة عسل أبيض، وألف شاة، ومائة أوزة، وألف دجاجة، ومائة جزور، فقال له سليمان:

стр. 134

يا خارجة، أجحفت بنفسك، وما كنت تصنع بهذا في مثل هذا الموضع؟! فقال: يا أمير المؤمنين، قدمت بلد رسول الله ﷺ ونزلت في بني مالك بن النجار، فأنت ضيفٌ، وإنما هذا قِرى. قال: يغفر الله لك! هذا أجحف ببني مخزوم، وصلك الله. قال صالح: فقال سليمان: هذا وأبيكم السؤدد! رجلٌ أهدى إليّ- فسمَّى كل ما «١» أهدى له، حتى أتى على آخره- ثم سأل: ما عليه من الدين؟ فقال: خمسة وعشرون ألف دينار، قال: اقضوها عنه، وأمر له بعشرة آلاف «٢» دينار، وهلك خارجة في تلك السنة، حين صدر سليمان عن الحج، سنة تسع وتسعين. عن عكرمة بن الأغر عن أبيه قال: كان الأشعث بن قيس لا يقدم من سفر فيصلي الفجر إلا كسا «٣» أهل المسجد ووصلهم، قال: وكانت لي على رجل من كندة ألف وخمس مائة درهم، فأتيته أتقاضاه، فقال: ما عندي شيء، ولكن الأشعث قد قدم اليوم، وما قدم من سفرٍ قط فصلَّى الفجر في المسجد-: إلا كسا «٤» ووصل، فاحضرنا بالغداة فصلِّ معنا، فإني لأرجو أن تأخذ مالك. قال: فصليت معهم الفجر، فلما سلّم الإمام قام رجلٌ فقال: أيها القوم، أقيموا في صفوفكم. ثم أعطى كل رجلٍ حلةً وخمس مائة دره فقال: فجاءني الرجل فأعطاني الخمس مائة درهم التي دفعت إليه، وأعطيت أنا خمس مائة أخرى لنفسي. فانصرفت بألف درهم.

стр. 135

وعن أبي المجالد الجهني قال: كان زيد بن وهب «١» إذا خرج عطاؤه لم يدع أحداً من كبار أهل ربيعة إلا كساه ثوباً، ويهب لمن كان صغيراً درهما، فلا والله ما رأيت ألفي درهم أعظم بركة من ألفي درهم زيد بن وهب. وذلك: أن القبيلة يظلون فرحين من ثياب وطعام ودراهم: الصغير والكبير. وقدم على مخلد «٢» بن يزيد بن المهلب رجل قد كان زاره فأجازه وقضى حوائجه، فلما عاد قال له مخلد: ألم تكن أتيتنا فأجزناك؟ قال: نعم. قال: فما ردك؟ قال: قول الكميت فيك: فأعطى ثم أعطى ثم عدنا ... فأعطى «٣» ثم عدت له فعادا مِراراً ما أعود إليه إلا ... تبسَّم ضاحكاً وثنى الوسادا فاضعف له مخلدٌ ما كان أعطاه. عن إسماعيل بن عبد الله قال: قدم الراعي الشاعر على خالد بن عبد الله القسري ومعه ابنه جندل، فكان يغشاه مع أبيه، ثم فقده، فقال له: ما فعل ابنك؟ فقال: توفي- أصلح الله الأمير- بعد أن زوَّجته وأصدقته. فأمر له خالد بدية ابنه وصداقه. فقال الراعي: ودَّيتَ ابن راعي الإبل إذ حان يومه ... وشقَّ له قبراً بأرضك لاحدُ وقد كان مات الجود حتى نعشتهُ «٤» ... وذكّيت نار الجود والجود خامد

стр. 136

فلا حملتْ أنثى ولا آب غائب «١» ... ولا ولدت أنثى إذا مات خالدُ قال المدائني: خرج الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر- رضوان الله عليهم- حجَّاجاً، ففاتتهم أثقالهم، فجاعوا وعطشوا، فمروا بعجوز في خباءٍ لها، فقالوا: هل من شرابٍ؟ قالت: نعم. فأناخوا إليها، وليس لها إلا شويهة، فقالت: احتلبوها وامتذقوا لبنها «٢» ، ففعلوا. وقالوا: هل من طعام؟ قالت: لا، إلا هي، فليذبحها أحدكم حتى أصنعها لكم، فذبحها أحدهم، فشوت وأكلوا، وقالوا عندها حتى أبردوا «٣» . ثم قالوا: نحن نفرٌ من قريش، نريد هذا الوجه، فإذا انصرفنا سالمين فألمي بنا، فأنا صانعون بك خيراً. ثم رحلوا وأقبل زوجها، فقالت: سمعت؟! فقال: لم أسمع! وخبرته الخبر، فأحال عليها ضرباً «٤» فشجَّها، ثم قال: تذبحين عنزي لأعبد لا تدرين من هم، ثم يقولون: نفرٌ من قريش؟! ثم ضرب الدهر ضربانه، واضطرته الحاجة إلى أن دخلت هي وزوجها المدينة، فمرَّت العجوز يوماً تسوق حماراً لها تنقل عليه البعر «٥» تبيعه-: إذ أبصرها الحسن بن علي- رضوان الله عليهما- فعرفها، فأمر من أتاه بها، فقال: أتعرفيني؟ قالت: لا، فذكر لها العنز، فقالت: بأبي وأمي، إنك لأنت هو؟! قال: نعم، قال: أفما لقيت صاحبيك؟ قالت: لا، فأمر من اشترى لها من شآء

стр. 137

الصدقة ألف شاة وأعطاها ألف دينار، وبعث بها مع رسول إلى الحسين ﵁، فسأل عما فعل الحسن؟ فأعطاها مثل ذلك، ثم بعث بها إلى عبد الله بن جعفر ﵄، فسأل عما أعطياها؟ فأضعفه لها، وقال: لو بدأت بي لأتعبتهما. فانصرفت إلى زوجها بأربعة آلاف دينار، وأربعة آلاف شاة. قال أبو الحسن المدائني: كان عُبيد الله بن قيس الرقيات «١» منقطعاً إلى عبد الله بن جعفر ﵄، فكان يصله ويقضي دينه، فجاءت صلة عبد الله بن جعفر في بعض ما كانت تجيء، وعُبيد الله بن قيس الرقيات «٢» غائب، وكان معاوية ﵀ يصل عبد الله بن جعفر في كل سنة بمائة ألف، فأمر عبد الله بُديحاً «٣» غلامه فخبأ لعُبيد الله بن قيس «٤» صلته، فلما قدم أخذها، وقال: إذا زرت عبد اللهِ- نفسي فداؤه- ... رجعتُ بفضلٍ من يداه «٥» ونائلِ وإن غبتُ عنه كان للودِّ حافظاً ... ولم يكُ عني بالمغيبِ بغافلِ تداركني عبد الإلهِ وقد بدتْ ... لذي الحقدِ والشنآنِ «٦» مني مقاتلي حبَاني لما جئتُهُ بعطيةٍ ... وجاريةٍ حسناءَ ذات خلاخلِ

стр. 138

قال محمد بن سلاّم: قيل لعبد العزيز بن مروان: المتوكل الليثي «١» شاعر مصر بالباب، فأذن له. فلما قام بين يديه أُرْتِجَ عليه، وكان عبد العزيز مهيباً، فقال المتوكل: أصلح الله الأمير، عظمت في عيني وملأت صدري، فاختلس مني ما كنت قلت. فنكس عبد العزيز ينكت بقضيبه الأرض. فقال المتوكل: أصلح الله الأمير، حضرني بيتان، قال: هاتهما، فقال: في كفه خيزرانٌ نشره عبقٌ «٢» ... من كفّ أروع في في عِرْنِينه شممُ «٣» يُغضي حياءً ويُغضى من مهابتهِ ... فما يكلَّم إلا حينَ يبتسمُ فأمر له بمنديلٍ فبسطهُ، ثم دعا بأربعة آلاف «٤» درهم فألقاها فيه، ودعا بعبدين، وقال: اختر أيهما شئت، فقال: هذا وسيمٌ جسيمٌ وبه عوارٌ «٥» ، وهذا أحبُّ إلينا منه، قال: فعلينا تردُّ العوار؟! خذْهما جميعاً والمنديل بما فيه. قلت: سمعت في هذين البيتين، وأنهما من جملة أبياتٍ للفرزدق بن غالب «٦» .

стр. 139

قال أبو الحسن المدائني: قام رجلٌ إلى أسد بن عبد الله فسأله، فأعرض عنه، فقال: أما والله إني لأسألك من غير حاجة، قال: فما يدعوك إلى مسئلتي إذاً؟! قال: رأيتك تحب من أعطيتهُ، فأحببت أن تحبني، فأعطاه عشرة آلاف «١» درهم «٢» . كان أسماء بن خارجة «٣» يقول: إنما يسئلنى رجلان: كريمٌ احتاج، فأنا أحق من سد خلته، وستر ما هو فيه، وأعانه على خصاصته. وإما لئيم اشتريت منه عرضي. ومرض قيس بن سعد بن عبادة ﵀ فاستبطأ إخوانه عن عيادته. فسأل عنهم؟ فقيل: إنهم يستحيون مما لك عليهم من الدين. فقال: أخزى «٤» الله مالاً يمنع الإخوان من الزيارة. ثم أمر منادياً فنادى: من كان لقيسٍ عليه دينٌ فهو في حلٍ منه. فكسرت درجته بالعشي لكثرة من عاده «٥» عن حسين الخادم قال: حدثني ليث الطويل «٦» قال: كنت في موكب

стр. 140

يزيد بن مزيد «١» الشيباني وهو يدور في برّيّة الرّقّة على شاطىء الفرات، إذ طلع عليه أعرابيٌ كلبيٌ على ناقة له، فلما صار غير بعيد عقل ناقته، ثم أقبل يوجف «٢» حتى وقف بين يدي يزيد، فقال: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته، قال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، ما خطبك أيها الأعرابي؟ قال: أصلح الله الأمير، لم تسألني عن الخطب من قبل أن تسألني عن الاسم والنسب والسبب والبلد؟! قال: يا أعرابي، إذا سألتك عن ذلك ثم عرفتك، فقد صارت المعرفة شافعةً لك في حاجتك، وأيمُ الله ما يحضرني شفيعٌ هو أعز عليَّ من ماء وجهك، فما خطبك يا أعرابي؟ قال: أصلح الله الأمير، دَيْنٌ فادحٌ. وفقر فاضح. قال: يا أعرابي، وما بلغ ... من دينك الفادح وفقرك الفاضح؟ قال: أصلح الله الأمير، الدَّين الفادح: خمس مائة دينار، أخذتها في سنين سغبة، فوصلت بها الأرحام، وأطعمت بها الطعام، ابتغاء الأجر، واكتساب الشكر، حتى أجلتني عن البلد الرحب، وحملتني على المسلك الصعب، وأما الفقر الفاضح: فاغتراب وانفراد، ووحدانية وعيال كثيرة من بنين وبنات وأخوات وأمهات مصونات، طالما صنتهن من الحر والقر، فهدمهن الدهر، وكشفهن الفقر، بعد عز وامتناع، وخدمٍ وأتباع، وظلف

стр. 141

وكراع، «١» أفناه الضيف والسيف، فأقبلت أجرهن من الصحصحان «٢» حفاةً عراةً جياعاً، كلما عثرت إحداهن هتفت باسمك: «يا يزيد» حتى نزلت بهن في هذا الشعب- وأومى «٣» بيده إلى الجبل- ثم أتيتك، أيها الأمير، ولي فيهن بنيةٌ صغيرة، وقد قالت في الأمير أبياتاً، وحملتنيها إليه، وأقسمت عليَّ بحقه أن أنشده إياها، فقال يزيد: ما قالت الصبية؟ قال: هي التي تقول: ليس ينفي حوادث الدهر عنا ... وخطوبَ الزمان إلا يزيدُ سيدٌ أجمعت عليه معدٌّ ... فله في أمورها الإقليدُ ملكٌ يرتجى نداه ويُخشى ... بأسهُ في الوغى، قريبٌ بعيدُ لا يجير الملوك منه طريداً ... وإذا ما أجار عزّ الطريدُ فدعِ الصحصحان واقصدْ يزيداً ... فلنا في جواره ما نريدُ قال: فقال يزيد: إي والله يا أعرابي، إن لك ولها في جوارنا ما تريد، هل يقضي دَيْنك ويسدُّ فقرك عشرة آلاف» درهم؟ قال: لا والله- أصلح الله الأمير- ولا مثلها «٥» ، قال: هي لك عندي، وللجارية مثلها، ثم صرفه معه إلى داره، وأمر له بثمانين ألف درهم. وعن حسين الخادم، قال: بينا أنا ذات يوم في مسجد الرحبة «٦» في يوم

стр. 142

جمعة، والناس بين راكع وساجد من بعد صلاة الظهر، إذ مثل بين يدي غلام أعرابي حسن الوجه حدث السن في أطمار خلقةٍ، كالقضيب الذابل، يقلب في فكية لساناً أبين من الصبح، وأحلى من الشهد، فكان في بعض ما سمعته منه: «أيها الناس، إن الفقر أقامني لديكم مقام المذنب إليكم، وقد انغلق علي فيه باب الشكر، فافتحوا لي باب العذر، رحمكم الله، فلقد أحسن الذي يقول: كأن فقيراً حين يغدو «١» لحاجةٍ ... إلى كل من يلقى من الناس مذنب والله إني لأنفر من منن اللئام نفور الوحش من زئير الأسد، وإنما قصدت هذا الملك السيد، الذي زينته أفعاله، وشرفته أحواله، فنفّرني بوّابه وتنكّرلي حجابه، فخرجت في يومي هذا الى عامتكم ملتمساً منكم رجلاً عربياً تقياً نقياً هبرزياً «٢» يكون سبباً لي إليه» . قال حسين الخادم: وكان إلى جانبي يزيد بن حلوان القناني «٣» ، فقال: يا أبا خالد ما أرى هذا الأعرابي قصد غيرك، ولا أراد سواك، فصدق ظنّه،

стр. 143

وأبلغ به أمنيته. فقلت: نعم يأبا عبد الله، انهض بنا، فنهض ونهضت والأعرابي ثالثنا، حتى دخلنا على الأمير طوق بن مالكٍ، فسلمنا عليه، وأنشده الأعرابيّ: يا طوق، إنّ الزّمان حار بني ... وكنت في إخوةٍ وأخوال وفي رجالٍ مثل البدور وفي ... قومٍ إلى ثروةٍ وأموال فلم تزل بي صروفه وبهم ... تنقل* من حالةٍ إلى حَالِ فاستلب المال من يدي وعدا ... على رجالي عدو ربيَالِ «١» حتى دعيت «الغريب في ال ... أرض والمسكين» بعد كثرة المال فقلت: من لي وللزمان؟ ومن ... يصدق ظني به وآمَالِي؟ فقيل: طوق بن مالك ملك النّاس ومأوى الطريد والجالي «٢» طوقٌ إذا عاذ واستعاذ به الملهوف أضحى بموضع الوالِي فجئتُ يا طوقُ عائذاً بك من ... شر الزمان وسوء أعمالِي قال: فضحك طوق، وقال: يا أعرابيُّ، أما شر زمانك فقد بدا لنا من قبيح حالتك، فما سوء أعمالك؟ قال: أصلح الله الأمير، والعزبة «٣» والغربة، فقال طوقٌ: نكدٌ وشؤمٌ، ثم أمر له بجائزةٍ وجاريةٍ وخلعٍ ودابةٍ، وانصرف إلى أهله على أحسن حالٍ.

стр. 144

قال عبد الله بن المعتز: لا صاحبتني يدٌ لم تغن ألف يدٍ ... ولم ترد «١» القنا حمر الخياشِيمِ بادر بجودك بادر قبل عائقةٍ ... فإن وعد الفتى عندي من اللوم «٢» لما احتضر محمد بن اسامة بن زيد بن حارثة- رحمهما الله- حضره الهاشميون، وأطاف «٣» به غرماؤه، فقال لهم حسن بن حسن رحمهما الله: أنا أضمن ما عليه، قالوا: لا نريد، دع ما لنا يكون مكانه. فقال له علي بن الحسين رحمهما الله: أتحب أن أضمنه لهم؟ قال: نعم، قال: أفتحبّ أن أقضيه وأنت حيٌّ؟ قال: وددت. قال: فانصرف إلى مالٍ كان عنده، أودعه إياه مروان بن الحكم، فقال: ما يمنعني أن أحول هذا المال وأضمنه؟! فقضاهم، فلما أسرع فيه أتاه كتاب عبد الملك بن مروان: إن مروان قد توفي، وأوصي: أنه قد أودعك مالاً وأنه قد سوّغك إباه. دخل طرماح بن حكيم الطائي «٤» على خالد بن عبد الله القسري، فقال له: أنشدني بعض شعرك، فأنشده «٥» : وشيّبني ما لا أزال «٦» مناهضا ... بغير غنى أسموبه وأبوع «٧»

стр. 145

وإن رجال المال أضحوا ومالهم ... لهم عند أبواب الملوك شَفِيعُ أمخترمي ريب المنون ولم أنل ... من المال «١» ما أعصي به وأطيع؟! فأمر له بخمسين ألف درهمٍ، وقال له: اعص الآن وأطع «٢» . كان عليّ بن عيسى ضامن أعمال الخراج والضياع فبقيت عليه بقية مبلغها أربعون ألف دينارٍ، فألح المأمون في اقتضائه إياها ومطالبته بها، إلى أن قال لعلي بن صالح حاجبه: طالب علي بن عيسى بما بقي عليه، وأنظره ثلاثاً فإن أحضر المال قبل انقضائها، وإلا اضربه بالسياط حتى يؤديها أو يتلف. فانصرف علي بن عيسى من دار المأمون آيساً من نفسه، إذ كان لا يعرف وجهاً يخلصه من المال. فقال له كاتبه: لو عرجت على غسان بن عبادٍ «٣» وخبرته خبرك لرجوت لك أن يعينك على أمرك. فقال له: على
следующие страницы →