Полный текст (498 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وكراع، «١» أفناه الضيف والسيف، فأقبلت أجرهن من الصحصحان «٢» حفاةً عراةً جياعاً، كلما عثرت إحداهن هتفت باسمك: «يا يزيد» حتى نزلت بهن في هذا الشعب- وأومى «٣» بيده إلى الجبل- ثم أتيتك، أيها الأمير، ولي فيهن بنيةٌ صغيرة، وقد قالت في الأمير أبياتاً، وحملتنيها إليه، وأقسمت عليَّ بحقه أن أنشده إياها، فقال يزيد: ما قالت الصبية؟ قال: هي التي تقول:
ليس ينفي حوادث الدهر عنا ... وخطوبَ الزمان إلا يزيدُ
سيدٌ أجمعت عليه معدٌّ ... فله في أمورها الإقليدُ
ملكٌ يرتجى نداه ويُخشى ... بأسهُ في الوغى، قريبٌ بعيدُ
لا يجير الملوك منه طريداً ... وإذا ما أجار عزّ الطريدُ
فدعِ الصحصحان واقصدْ يزيداً ... فلنا في جواره ما نريدُ
قال: فقال يزيد: إي والله يا أعرابي، إن لك ولها في جوارنا ما تريد، هل يقضي دَيْنك ويسدُّ فقرك عشرة آلاف»
درهم؟ قال: لا والله- أصلح الله الأمير- ولا مثلها «٥» ، قال: هي لك عندي، وللجارية مثلها، ثم صرفه معه إلى داره، وأمر له بثمانين ألف درهم.
وعن حسين الخادم، قال: بينا أنا ذات يوم في مسجد الرحبة «٦» في يوم
стр. 142
جمعة، والناس بين راكع وساجد من بعد صلاة الظهر، إذ مثل بين يدي غلام أعرابي حسن الوجه حدث السن في أطمار خلقةٍ، كالقضيب الذابل، يقلب في فكية لساناً أبين من الصبح، وأحلى من الشهد، فكان في بعض ما سمعته منه:
«أيها الناس، إن الفقر أقامني لديكم مقام المذنب إليكم، وقد انغلق علي فيه باب الشكر، فافتحوا لي باب العذر، رحمكم الله، فلقد أحسن الذي يقول:
كأن فقيراً حين يغدو «١» لحاجةٍ ... إلى كل من يلقى من الناس مذنب
والله إني لأنفر من منن اللئام نفور الوحش من زئير الأسد، وإنما قصدت هذا الملك السيد، الذي زينته أفعاله، وشرفته أحواله، فنفّرني بوّابه وتنكّرلي حجابه، فخرجت في يومي هذا الى عامتكم ملتمساً منكم رجلاً عربياً تقياً نقياً هبرزياً «٢» يكون سبباً لي إليه» .
قال حسين الخادم: وكان إلى جانبي يزيد بن حلوان القناني «٣» ، فقال:
يا أبا خالد ما أرى هذا الأعرابي قصد غيرك، ولا أراد سواك، فصدق ظنّه،
стр. 143
وأبلغ به أمنيته. فقلت: نعم يأبا عبد الله، انهض بنا، فنهض ونهضت والأعرابي ثالثنا، حتى دخلنا على الأمير طوق بن مالكٍ، فسلمنا عليه، وأنشده الأعرابيّ:
يا طوق، إنّ الزّمان حار بني ... وكنت في إخوةٍ وأخوال
وفي رجالٍ مثل البدور وفي ... قومٍ إلى ثروةٍ وأموال
فلم تزل بي صروفه وبهم ... تنقل* من حالةٍ إلى حَالِ
فاستلب المال من يدي وعدا ... على رجالي عدو ربيَالِ «١»
حتى دعيت «الغريب في ال ... أرض والمسكين» بعد كثرة المال
فقلت: من لي وللزمان؟ ومن ... يصدق ظني به وآمَالِي؟
فقيل: طوق بن مالك ملك النّاس ومأوى الطريد والجالي «٢» طوقٌ إذا عاذ واستعاذ به الملهوف أضحى بموضع الوالِي
فجئتُ يا طوقُ عائذاً بك من ... شر الزمان وسوء أعمالِي
قال: فضحك طوق، وقال: يا أعرابيُّ، أما شر زمانك فقد بدا لنا من قبيح حالتك، فما سوء أعمالك؟ قال: أصلح الله الأمير، والعزبة «٣» والغربة، فقال طوقٌ: نكدٌ وشؤمٌ، ثم أمر له بجائزةٍ وجاريةٍ وخلعٍ ودابةٍ، وانصرف إلى أهله على أحسن حالٍ.
стр. 144
قال عبد الله بن المعتز:
لا صاحبتني يدٌ لم تغن ألف يدٍ ... ولم ترد «١» القنا حمر الخياشِيمِ
بادر بجودك بادر قبل عائقةٍ ... فإن وعد الفتى عندي من اللوم «٢»
لما احتضر محمد بن اسامة بن زيد بن حارثة- رحمهما الله- حضره الهاشميون، وأطاف «٣» به غرماؤه، فقال لهم حسن بن حسن رحمهما الله: أنا أضمن ما عليه، قالوا: لا نريد، دع ما لنا يكون مكانه. فقال له علي بن الحسين رحمهما الله: أتحب أن أضمنه لهم؟ قال: نعم، قال: أفتحبّ أن أقضيه وأنت حيٌّ؟ قال: وددت. قال: فانصرف إلى مالٍ كان عنده، أودعه إياه مروان بن الحكم، فقال: ما يمنعني أن أحول هذا المال وأضمنه؟! فقضاهم، فلما أسرع فيه أتاه كتاب عبد الملك بن مروان: إن مروان قد توفي، وأوصي:
أنه قد أودعك مالاً وأنه قد سوّغك إباه.
دخل طرماح بن حكيم الطائي «٤» على خالد بن عبد الله القسري، فقال له: أنشدني بعض شعرك، فأنشده «٥» :
وشيّبني ما لا أزال «٦» مناهضا ... بغير غنى أسموبه وأبوع «٧»
стр. 145
وإن رجال المال أضحوا ومالهم ... لهم عند أبواب الملوك شَفِيعُ
أمخترمي ريب المنون ولم أنل ... من المال «١» ما أعصي به وأطيع؟!
فأمر له بخمسين ألف درهمٍ، وقال له: اعص الآن وأطع «٢» .
كان عليّ بن عيسى ضامن أعمال الخراج والضياع فبقيت عليه بقية مبلغها أربعون ألف دينارٍ، فألح المأمون في اقتضائه إياها ومطالبته بها، إلى أن قال لعلي بن صالح حاجبه: طالب علي بن عيسى بما بقي عليه، وأنظره ثلاثاً فإن أحضر المال قبل انقضائها، وإلا اضربه بالسياط حتى يؤديها أو يتلف. فانصرف علي بن عيسى من دار المأمون آيساً من نفسه، إذ كان لا يعرف وجهاً يخلصه من المال. فقال له كاتبه: لو عرجت على غسان بن عبادٍ «٣» وخبرته خبرك لرجوت لك أن يعينك على أمرك. فقال له: على
стр. 146
ما بيني وبينه؟! فقال: نعم، فإن الرجل أريحي كريم. فحملته الحال التي هو عليها على قبول ذلك من كاتبه. فدخلا إلى غسان، فقام إليه وتلقاه بالجميل ووفاه حقه. فقال له: الذي بيني وبينك لا يوجب ما أسديته من تكرمة. فقال:
ذاك بحيث تقع المنافسة عليه والمضايقة فيه، والذي بيني وبينك نحن عليه بحالته، ولدخولك داري حرمة توجب لك بلوغ ما رجوته عندي، فاذكر إن كانت لك حاجة. فقص عليه كاتبه القصة. فقال: أرجو «١» أن يكفيكه الله.
ولم يزده شيئاً. فنهض علي بن عيسى، وخرج من عنده آيساً من خيره، نادماً على قصده له. وقال لكاتبه: ما أفدتني بقصد غسان ودخولي عليه إلا تعجيل الشماتة والهوان، وعساه يجد بذلك السبيل إلى التشفي بي. فلم يصل علي بن عيسى إلى داره حتى حضر إليه كاتب غسان ومعه المال على البغال، وبلغه سلامه. وقال: قد حضر [المال] «٢» فتقدم بتسليمه، وبكّر إلى دار أمير المؤمنين من غد. فبكر علي بن عيسى فوجد غساناً قد سبقه إلى الدار، ودخل على المأمون ومثل «٣» بين الصفين وقال: يا أمير المؤمنين، إن لعلي بن عيسى بحضرتك حرمة وخدمة وسالف أصل، ولأمير المؤمنين عليه إحسان وهو ولي ربه وحفظه، وقد لحقه من الخسران والجائحة «٤» في ضمانه ما قد تعارفه
стр. 147
الناس، وخرج أمر أمير المؤمنين بالشد عليه في المطالبة، وتوعده من ضرب السياط بما يتلف نفسه-: ما أطار عقله، وأذهل لبه، وأدهشه عن الاضطراب في الخلاص «١» ، والاحتيال فيما عليه، مع قدرته على ذلك. فإن رآى أمير المؤمنين أن يشفعني فيه ببعض ما عليه، فهي صنيعة يجددها عندي ويحرس بها قديم إحسانه، ويضاعف وجوب الشكر بها، والاعتداد بسبوغ النعمة فيها «٢» . ولم يزل يتلطف إلى حطه النصف مما عليه، وأقتصر منه على عشرين ألف دينار. فقال غسان: على أن يجدد أمير المؤمنين عليه الضمان، ويشرفه بخلع تقوي «٣» نفسه، وترهف عزمه، ويعرف بها مكان الرضى عنه. فأجابه المأمون إلى ذلك. فقال: فيأذن لي أمير المؤمنين في حمل الدواة إلى حضرته، ليوقع بما رآه من هذا الإنعام، فيبقى شرف حملها علي وعلى عقبي من بعدي؟ فقال: افعل. فحمل الدواة إلى بين يديه، فوقع له المأمون بما التمس، وخرج علي بن عيسى بالخلع والتوقيع بيده. فلما حصل في داره حمل من المال عشرين ألف دينار، وأعاد ما بقي على غسان، وشكره على جميله. فقال غسان، لكاتب علي بن عيسى: كأنني شفعت إلى أمير المؤمنين ليعيد إلي المال؟! لم أستحطه «٤» ذلك إلا ليتوفر عليه وينتفع به، وليس يعود إلى منزلي منه شيءٌ أبداً. وأعاد المال عليه. فكان ذلك سبب صلاح ما بينهما، وعرف علي بن عيسى قدر ما فعله معه غسان، ولم يزل يحدث به إلى آخر عمره.
стр. 148
روي: أن عبد الله بن عباس أتى الحسن والحسين رضوان الله عليهم فقال: إن أخي وأخاكما «١» قد أسرع في ماله إسراعاً قد خفت على نفاده، وله صبيةٌ قد خفت أن يدعهم عالةً، وقد عاتبته في ذلك مراراً، ولا أراه يقلع ولا ينزع، وأرجو أن يكون لكما مطيعاً، وإن قولكما عنده مقبولٌ، فلو عاتبتماه؟ فقالا: نفعل، فصارا إليه، فلما دخلا وجداه يطعم الناس، وإذا جزرٌ تنحر. فقال أحدهما لصاحبه: هذا بعض ما شكاه عبد الله. ثم صارا إليه، فاستقبلهما وأسهل لهما عن فراشه «٢» ، ولقيهما بالإجلال والإعظام.
وقالا: أتيناك في حاجةٍ. فقال: الحوائج بعد الغداء، قالا: فهاته، قال: ما كنت لأغدّيكما بنحيرة «٣» لغيركما. فاحتبسهما حتى نحر لهما، فلما طعما وفرغا سألهما عن حاجتهما؟ فقالا: إن أخانا وأخاك عبد الله أتانا فسألنا معاتبتك على إسرافك في مالك، وقد رأينا بعض ما شكا، ولك بنون، ولسنا نأمن عليهم الضيعة بعدك. فقال: ما لقولكما عندي مردٌّ، ولا لي عما تأمراني به مدفع، لكنّي أخبركما بقصّتي، وأردّ الأمر إليكما، فما أمرتماني به أتيته، وما نهيتماني عنه وقفت عنده. فقالا: هات. فقال: إن الله ﵎ عودني عادة جميلة، فعودتها عباده، ولست آمن إن قطعت عادتي عن عباده أن يقطع عادته عني.
فقالا: لا نأمرك في هذا بشيءٍ. وقاما فانصرفا حامدين لأمره «٤» .
стр. 149
قدم عيينةٌ بن مرداسٍ المعروف بابن فسوةٍ «١» على ابن عامرٍ «٢» البصرة- وهو واليها- فأغفل الغلمان أمره، فقال «٣» :
كأَنِّي وَنِضْوِي عندَ بَابِ ابنِ عامر ... مِنَ الصِّرِّ ذِئْبَا قَفْرَةٍ غَرِثانِ «٤»
فَبِتُّ وَصِنَّبْرُ «٥» الشِّتّاءِ يَلُفُّنِي ... وقَدْ مَسَّ بَرْدٌ سَاعِدِي وَبَنَانِي
فَما أَوْقَدُوا نَاراً ولاَ أَحْضَرُوا «٦» قِرًى ... وَلاَ اعْتَذَرُوا مِنْ عُسْرَةٍ «٧» بِلِسَانِ
فلما بلغ شعره ابن عامرٍ أقسم: «لا يغلق له بابٌ» فكانت أبوابه تبيت مفتوحةً.
قال الحكيم: الجود خلقةٌ أثرت «٨» عذوبة لذة الثناء على لذة المال، وهو من أمهات المحاسن، ومن الكرم بسبيلٍ خاصةٍ، وبمكانٍ رفيعٍ من القلوب.
стр. 150
وقال حاتم بن عبد الله الطائيُّ: «١»
يابْنَةَ «٢» ، عَبْدِ اللهِ وَابْنَةَ «٣» مالِكٍ ... وَيابْنَةَ «٤» ذِي البُرْدَيْن «٥» والفَرَسِ النَّهْدِِ «٦»
إِذَا مَا صَنَعْتِ «٧» الزَّادَ فالتَمسي لَهُ ... أَكِيلاً، فإِني لَسْتُ آكُلُهُ «٨» وَحْدِي
стр. 151
بَعيداً قَصِِيّاً أَوْ قَرِيباً «١» ، فإِنني ... أَخَافُ مَذمَّاتِ الأَحَادِيثِ مِنْ بَعْدِي
وقال الشريف الرضي- ﵁ في ترك المال للوارث:
يَا آمِنَ الأَقْدَارِ بادِرْ صَرْفَها ... وَاعْلَمْ بِأَنّ الطّالِبِينَ حِثَاثُ «٢»
خُذْ مِنْ تُرَاثِكَ مَا اسْتَطَعْتَ فإِنّما ... شُرَكاؤكَ الأيَّامُ وَالْوُرَّاثُ «٣»
أَلمَالُ- مَالُ المَرْءِ-: ما قضيت «٤» به الشّهوات أَوْ دُفِعَتْ بِهِ الأَحْدَاثُ
ما كانَ مِنْهُ فاضلا عن قوته ... فليتعلمنّ بِأَنّهُ مِيراثُ «٥»
وقال أعرابي من بني أسدٍ:
يَقُولُونَ: «ثمِّرْ مَا اسْتَطَعْتَ» وَإِنَّمَا ... لِوَارِثِهِ مَا ثمَّرَ المَالَ كاسِبُهْ
فَكلْهُ وَأَطْعِمْهُ وَخَالِسْهُ وَارِثاً ... شَحِيحاً وَدَهْراً تَعْتَرِيهِ نَوَائِبُهْ «٦»
ينظر إليه قول المسعوديّ «٧» :
стр. 152
إِنَّ الكِرَامَ مُنَاهِبُو ... كَ المَجْدَ- كلَّهُمُ- فَناهِبْ
أخلف وأتلف، كلّ شي ... ء زَعْزَعَتَهُ الرِّيحُ ذَاهِبْ
كان يقال: إنما نلقى ما أسلفنا، ولا نلقى ما خلفنا.
روي: أن هشام بن عبد الملك بن مروان لما ثقل في مرضه الذي مات فيه-: بكى عليه ولده. فقال لهم: جاد لكم هشامٌ بالدنيا، وجدتم عليه بالبكا، وترك لكم ما كسب، وتركتم عليه ما اكتسب، فما أسوأ حال هشام إن لم يغفر الله له.
فأخذ هذا المعنى محمودٌ الوراق فقال:
تمَتَّعْ بمالِكَ قَبلَ الممَاتِ ... وإلاّ فَلاَ مالَ إِنْ أَنتَ مُتّا
شَقِيت بهِ ثمَّ خَلَّفْتَهُ ... لِغيْرِكَ، بُعْداً وَسُحْقاً ومَقْتاً
فَجَادُوا عَلَيْكَ بِزُورِ البكا ... وجدت عليهم بما قد جمعتا
و «١» أوهبتهم كلَّ «٢» مَا في يَدَيْكَ ... وَخَلَّوْكَ رَهْناً بماَ قَدْ كَسَبتَا
يقال: مال الميت يعزي ورثته عنه.
فأخذ هذا المعنى ابن الرومي فقال «٣» :
بَقَّيْتَ مَالَكَ مِيرَاثاً لِوَارِثِهِ ... فلَيْتَ شِعْرِيَ: مَا بَقَّى لَكَ المَالُ؟!
стр. 153
ألقوم بعدك في حال تسرّهم «١» ... فكيف بعدهم حَالَتْ «٢» بِكَ الحالُ؟
مَلُّوا البُكاءَ فَما يَبْكِيكَ مِنْ أَحَدٍ ... وَاسْتَحْكَمَ الْقِيل «٣» في المِيرَاثِ وَالقَالُ
وَلَّتْهُمُ عَنْكَ دُنْيَا أَقْبَلَتْ لَهُمُ ... وَأَدْبَرَتْ عَنْكَ، وَالأَيَّامُ أَحْوالُ
عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- رضوان الله عليه- أنه قال: إنما تخلف مالك لأحد رجلين: رجل عمل فيه بطاعة الله تعالى، فسعد بما شقيت فيه، أو رجل عمل فيه بمعصية الله تعالى، فشقي بما جمعت له.
وقيل لابن عمر رضوان الله عليه: توفي زيد بن خارجة وترك مائة ألف درهم. قال: لكنّها لا تتركه.
بعث معاوية بن أبي سفيان ﵀ إلى عبيد بن شرية «٤» الجرهمي- وكان من المعمرين «٥» - فقال له: ما أدركت؟ فقال: أدركت يوما شبيها
стр. 154
بيومٍ قبله، وليلة شبيهةً بأختها، ومولوداً يولد، وحياًّ يموت. قال: أخبرني بأعجب ما رأيت. قال: حضرت جنازةً فذكرت الموت والبلى، فخنقتني العبرة فقلت متمثلاً:
يا قَلْبُ إِنَّكَ في أَسْمَاءَ مَغْرُورُ ... فاذْكُرْ، وهَلْ يَنْفَعَنْكَ اليَوْمَ تَََذْكِيرُ؟
فاسْتَقْدِرِ «١» اللهَ خَيْراً وَارْضَيَنَّ بِهِ ... فَبَيْنَمَا العُسْرُ إذْ دَارَتْ مَيَاسيرُ
وَبَيْنَمَا المَرْءُ فِي الأَحْيَاءِ مُغْتَبِطاً «٢» ... إذ صارَ في القَبْرِ تعْفُوهُ الأعاصِيرُ «٣»
حتَّى كأنْ لم يَكُنْ إلاّ تَذَكُّرُهُ ... وَالدَّهْرُ- أَيَّتَما حالٍ- دَهَارِيرُ «٤»
يَبْكي الغريبُ عليْهِ ليْسَ يَعْرِفُهُ ... وَذُو قَرَابَتِهِ في الحَيِّ مَسْرُورُ
فقال لي رجلٌ من أهل الجنازة: أتدري لمن هذا الشعر؟ قلت: لا.
قال: هو لهذا المدفون، وأنت غريبٌ تبكي عليه، وقراباته الذين يرثونه مسرورون! وقيل: هذا الشعر لجبلة بن الحارث. وقيل: الميت عثمان بن لبيدٍ العذري «٥» .
стр. 155
ما أحسن ما اعتذر حاتم بن عبد الله الطائيُّ عن كرمه من قصيدة له!: «١»
أَمَاوِيَّ ما يُغْنِي الثَّرَاءُ عنِ الْفَتَى ... إذا حَشْرَجَتْ يوْماً «٢» وضاقً بها الصَّدْرُ
أَمَاويَّ إنْ يُصْبِحْ صَدَايَ «٣» بِقَفْرَةٍ ... مِنَ الأَرْضِ لاَ مَاءٌ لَدَيَّ وَلاَ خَمْرُ
أَرَى أَنَّ ما أنْفَقْتُ لَمْ يَكُ ضائِرِي «٤» ... وأنَّ يدِي مِمَّا بَخِلْتُ بهِ صِفْرُ
ومثله قول الآخر:
أَرأَيْت إنْ صَرَخَتْ بِلَيْلٍ هَامَتي ... وخَرَجْتُ مِنْهَا بالِياً أثوَابي
هَلْ تَخْمِشَنْ إِبِلي عليَّ وُجُوهَهَا؟ ... أمْ هَلْ تُشَدُّ رُؤوسُهَا بِسِلاَبِ؟
أَأَصُرَّها وَبُنَيُّ عَمِّي ساغِبٌ؟! * لَكَفَاكِ مِنْ إِبَةٍ عليَّ وَعَابِ «٥» سأل رجلٌ الحسن بن علي- رضوان الله عليهما- حاجةً، فقال له:
يا هذا، حقُّ سؤالك إياي يعظم لديّ، ومعرفتي ما يجب لك تكبر عليَّ، ويدي تعجز عن نيلك «٦» ما أنت أهله، والكثير في ذات الله تعالى قليلٌ،
стр. 156
وما في ملكتي وفاءٌ لشكرك، فإن قبلت الميسور، ورفعت عني مؤونة الاحتيال والاهتمام لما اتكلف من واجبك-: فعلت. فقال: يابن رسول الله، أقبل القليل، وأشكر العطية، وأعذر على المنع. فدعا الحسن- رضوان الله عليه- وكيله، وجعل يحاسبه على نفقاته حتى استقصاها ثم قال: هات الفاضل من الثلاثمائة ألف درهم، فأحضر خمسين ألفاً. قال: فما فعلت الخمس مائة دينارٍ؟
قال: هي عندي، قال: أحضرها، فأحضرت، فدفع الدراهم والدنانير إلى الرجل. وقال: هات من يحملها، فأتاه بحمالين، فدفع إليهم الحسن- رضوان الله عليه- ركاءه لكري الحمل، فقال له مواليه: والله ما بقي عندنا درهمٌ، فقال: لكني أرجو «١» أن يكون لي عند الله تعالى أجرٌ عظيمٌ.
عن محمد بن المنكدر عن أم ذرة «٢» - وكانت تخدم عائشة رضوان الله عليها- قالت: بعث ابن الزبير ﵀ إلى خالته أم المؤمنين عائشة رضوان الله عليها-: في غرارتين ثمانين ومائة ألف درهمٍ «٣» ، فدعت بطبقٍ فجعلت تقسمه بين الناس، حتى فرغ، فلما أمست قالت: يا جارية، هاتي فطوري «٤» ، فجاءت بخبز وزيت، فقالت لها أم ذرَّة: ما استطعت- فيما قسمت اليوم- أن تشتري لنا بدرهم لحماً نفطر عليه؟! فقالت: لو كنت ذكّرتيني «٥» لفعلت!!
стр. 157
يروى: أنه كان لعثمان بن عفان على طلحة بن عبيد الله- رضوان الله عليهما- خمسون ألف درهمٍ، فخرج عثمان يوماً إلى المسجد، فقال له طلحة: قد تهيأ مالك فاقبضه، فقال له عثمان ﵁: هو لك يأبا محمدٍ معونةً على مروءتك.
خرج عبد الله بن عامر بن كريزٍ ﵀ من المسجد يريد منزله، وهو وحده، فقام إليه غلامٌ من ثقيفٍ فمشى إلى جانبه، فقال له عبد الله: ألك حاجةٌ يا غلام؟ قال: سلامتك وفلاحك، رأيتك تمشي وحدك فقلت: «أقيك بنفسي وأعوذ بالله إن طار بجناحك مكروهٌ» فأخذ عبد الله بيده، ومشى معه إلى منزله، ثم دعا بألف دينارٍ فدفعها إلى الغلام، وقال: استنفق هذه، فنعم ما أدَّبك أهلك.
قيل: اشترى عبد الله بن عامر من خالد بن عقبة بن أبي معيطٍ «١» داره التي في السوق «٢» بسبعين ألف درهمٍ، فلما كان الليل سمع بكاء آل خالدٍ، فقال لأهله: ما لهؤلاء؟ قال: يبكون من أجل دراهم. قال: يا غلام، إئتهم «٣» فأعلمهم أن المال والدار لهم جميعاً.
стр. 158
عن الحسن بن خضر قال: لما أفضت الخلافة إلى بني العباس اختفت رجالٌ من بني أمية، وكان فيمن اختفى إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك، حتّى أخذ له داود بن العباس أماناً، وكان إبراهيم رجلا عالماً حدثاً «١» ، فخصَّ بأبي العباس، فقال له يوما: حدثني عن ما مرَّ بك في اختفائك؟ قال: كنت- يا أمير المؤمنين- مختفياً بالحيرة، في منزلٍ شارعٍ عن الصحراء «٢» ، فبينا أنا على ظهر بيتٍ اذ نظرت إلى أعلامٍ سودٍ قد خرجت من الكوفة تريد الحيرة، فوقع في روعي «٣» أنها تريدني، فخرجت من الدار متنكّراً، حتى أتيت الكوفة، ولا أعرف بها أحداً أختفي عنده، فبقيت متلدِّداً «٤» ، فإذا ببابٍ كبيرٍ ورحبةٍ واسعةٍ، فدخلت فيها، فإذا رجلٌ وسيم الهيئة على فرسٍ قد دخل الرحبة، ومعه جماعةٌ من غلمانه وأتباعه، فقال: من أنت؟ وما حاجتك؟ فقلت: رجلٌ مختفٍ يخاف على دمه، استجار بمنزلك. فأدخلى منزله، ثم صيَّرني في حجرةٍ تلي حرمه «٥» ، وكنت عنده فيما أحبُّ من مطعمٍ ومشربٍ وملبس، ولا يسألني عن شيءٍ من حالي، إلاَّ أنه يركب في كلِّ يومٍ ركبةً. فقلت له يوماً:
أراك تدمن الرُّكوب، ففيم ذلك؟ فقال: إن إبراهيم بن سليمان قتل أبي صبراً، وقد بلغني أنه مختفٍ، وأنا أطلبه لادرك منه ثأري! فكثر- والله- تعجّبني، إذ ساقني القدر إلى حتفي، في منزل من طلب دمي! وكرهت الحياة. فسألت الرجل عن اسمه واسم أبيه؟ فخبَّرني. فعرفت أنَّ
стр. 159
الخبر صحيح، وأنا قتلت أباه صبراً. فقلت: يا هذا، قد وجب عليَّ حقك، ومن حقك علي أن أدلك على خصمك، وأقرب عليك الخطوة. قال: وما ذاك؟
قلت: أنا ابراهيم بن سليمان قاتل أبيك، فخذ بثأرك! فقال: إني أحسبك رجلاً قد مضَّه «١» الاختفاء، فأحبَّ الموت. فقلت: بل الحقُّ ما قلت لك، أنا قتلته يوم كذا وكذا، بسبب كذا وكذا. فلما عرف صدقي اربدَّ «٢» وجهه واحمرَّت عيناه، وأطرق مليًّا، ثم قال: أما أنت فستلقى أبي فيأخذ بثأره منك، وأما أنا فغير مخفرٍ ذمَّتي، فاخرج عني، فلست آمن نفسي عليك! وأعطاني ألف دينارٍ. فأخذتها وخرجت من عنده. فهذا أكرم رجلٍ رأيته بعد أمير المؤمنين.
قال القاضي أبو علي المحسِّن بن أبي القاسم علي بن محمد التَّنوخيّ «٣»
стр. 160
رحمه الله: حدثني أبو الفرج [المعروف ب] الإصبهاني [إملاء] من حفظه [وأنا أسمع] ، قال: قرأت في بعض أخبار الأوائل: أن الإسكندر لما انتهى إلى [بلد] الصين، ونازل ملكها «١» -: أتاه حاجبه، وقد مضى من الليل شطره، فقال له: رسول ملك الصين بالباب يستأذن عليك. فقال: ائذن له. فلما دخل وقف بين يديه وسلم، وقال: إن رأى الملك أن يخليني فليفعل.
فأمر الإسكندر من بحضرته بالانصراف، وبقي حاجبه «٢» ، فقال له الرسول:
إن الذي جئت له لا يحتمل أن يسمعه غيرك، فأمر بتفتيشه، ففتِّش، فلم يوجد معه شيءٌ من السِّلاح. فوضع الإسكندر بين يديه سيفاً مجرَّداً، وقال له:
قف مكانك، وقل ما شئت. ثم أخرج كل من كان عنده. فلما خلا المكان قال له الرسول: إني أنا ملك الصين، لا رسوله، وقد حضرت أسألك عمّا تريده؟ فإن كان ممّا يمكن الانقياد إليسه [ولو] على أصعب الوجوه-:
أجبت إليه، وغنيت أنا وأنت عن الحرب. فقال له الإسكندر: وما أمنك مني؟! فقال: لعلمي بأنك رجلٌ عاقلٌ، وأنه ليس بيننا عداوةٌ متقدِّمةٌ، ولا مطالبةٌ بذحلٍ «٣» ، وأنك تعلم أن أهل الصين متى قتلتني لا يسلمون إليك ملكهم، ولم يمنعهم عدمهم إياي أن ينصبوا لأنفسهم ملكا غيري، ثم تنسب انت إلى غير الحميد وضدِّ الحزم. فأطرق الإسكندر مفكِّراً في مقالته، وعلم أنه رجلٌ عاقلٌ. ثم قال له: الذي أريد منك ارتفاع ملكك «٤» ثلاث
стр. 161
سنين عاجلاً، ونصف ارتفاعه في كل سنةٍ. قال: هل غير ذلك! قال: لا.
قال: قد أجبتك. قل: فكيف تكون «١» حالك حينئذ؟ قال: أكون قتيل أول محاربٍ، وأكلة «٢» أول مفترس. قال: فان قنعت منك بارتفاع سنتين، كيف يكون حالك؟ قال: أصلح- إذا لزمت- مما تقدم ذكره «٣» . قال: فان قنعت منك بارتفاع سنةٍ واحدةٍ؟ قال: يكون ذلك [مضرًّا بي و] مذهبا لجميع لذّاتي. قال: فان اقتصرت منك على السدس [مضرّا بى و] مذهبا لجميع لذّاتي. قال: فان اقتصرت منك على السُدس؟ قال: يكون السُّدُسُ موفَّرا، والباقي لجيشي وأسباب الملك «٤» . قال: قد اقتصرت على هذا. فشكره وانصرف. فلما أصبح وطلعت الشمس أقبل جيش الصين، حتى طبق الأرض واحتاط بجيش الإسكندر، حتى خافوا الهلكة، وتواثب أصحابه فركبوا [الخيل] واستعدوا للحرب. فبيناهم كذلك إذ ظهر ملك الصين عليه التاج. فلما رأى الإسكندر ترجل. فقال له الإسكندر: أغدرت؟! قال: لا والله. قال: فما هذا الجيش؟ قال: أردت أن أعلمك أني لم أطعك من قلةٍ، ولا من ضعفٍ ولينٍ «٥» ، [وأنت] ترى [هذا] الجيش، وما غاب عنك أكثر، لكني رأيت العالم الأثير «٦» مقبلاً عليك، ممكِّناً لك، فعلمت أنه من حارب العالم الأثير «٧» غلب، فأردت طاعته بطاعتك، والذِّلَّة لأمره بالذِّلة لك «٨» فقال الإسكندر: ليس مثلك من يؤخذ منه شيءٌ، فما رأيت بيني
стр. 162
وبينك أحداً يستحقُّ التفضيل والوصف بالعقل غيرك، رقد أعفيتك من جميع ما أردته منك، وأنا منصرفٌ عنك. فقال ملك الصين: أما إذ فعلت ذاك فلست تخسر. فلما انصرف الإسكندر أتبعه ملك الصين من الهدايا والألطاف بضعف ما كان قرَّر معه «١» .
قلت: قد جرى في مدَّتي ما يشاكل حديث الإسكندر، وأنا مورده.
وذلك: أن الإفرنج- خذلهم الله- لما خرجوا في سنة تسعين وأربع مائة، وفتحوا أنطاكية «٢» ، وقهروا أهل الشأْم-: تداخلهم الطمع، وحدثتهم نفوسهم بملك بغداد وبلاد الشرق، فحشدوا وجمعوا وساروا يريدون البلاد، وصاحب الموصل في ذلك الوقت حكرمش «٣» ، فجمع أمراء التركمان الأرتقية ومن قدر عليه، ولقيهم على الخابور فكسرهم، وأسر من يقدمهم «٤» : الملك بغدوين البرونس «٥» وجوسلين «٦» ، وسيَّرهم إلى قلعة جعبر، «٧» إلى عند الأمير شهاب الدين مالك بن سالم، «٨» أودعهم عنده، وعاد من بقي من الإفرنج
стр. 163
إلى بلادهم، ومقدمهم ميمون «١» صاحب أنطاكية، فركب في البحر وسار إلى بلاده، يستنجد بالإفرنج ويحشد ويرجع، فمات قبل ذلك، ومات حكرمش صاحب الموصل، وأقطع السلطان الموصل جاولي سقاوي «٢» ، فعزم على الغزاة، وتوجه إلى الشأم، فوصل قلعة جعبر، وطلب أسارى الإفرنج الذين عند صاحبها، فقال: هم بحكمك، قال: اقطع عليهم ما لا يشترون به أنفسهم، فتحدَّث معهم شهاب الدين، وقرَّر عليهم مائة ألف دينارٍ، وعرَّف جاولي بذلك، فقال:
أنفذ لي جوسلين، فلما حضر عنده قال: قطعتم على أنفسكم مائة الف دينارٍ؟
قال: نعم، قال: تشتهي أهب لك عشرة آلاف «٣» دينار؟ قال: ما ينكر لمثلك أن يوهب «٤» عشرة آلاف «٥» دينار! قال: تشتهي أن أوهب «٦» لك عشرين ألف دينار؟ قال: ما يصلح لملكٍ مثلك أن يتلاهى بمثلي! قال: والله ما تلاهيت بك، ولو أردت أن آخذ منك المال ما أبصرتك ولا تحدثت معك، وأنا أطلقكم وأخلي لكم المال كله، بلى، لي حاجةٌ، نقضوها لي؟ قال:
ما هي؟ قال: صاحب أنطاكية وصاحب حلبٍ أعدائي، أريدكم تعينوني على
стр. 164
قتالهم. وكان صاحب أنطاكية: دنكري «١» ، وصاحب حلب: الملك رضوان «٢» ، فقال جوسلين: نمضي ونجتمع- فارسنا وراجلنا- ونصلك نقاتل معك كل من قاتلك، فأطلقهم، فمضوا، حشدوا وجمعوا، ووصلوا إلى خدمته، وسار- هو وهم- إلى لقاء عسكر حلبٍ وعسكر أنطاكية، حتى التقوا، فحدَّثني من حضر حربهم قال: كان وقع السيوف بينهم- يعني الإفرنج- كوقع الفؤس في الحطب، فكسرهم صاحب أنطاكية، فأما المسلمين «٣» فطار من سلم منهم، وأمّا الإفرنج فأسر من فرسانهم جماعةٌ كبيرةٌ، فجاؤوا إلى عند دنكري صاحب أنطاكية ثاني يوم أسرهم، وقالوا له: أي شيءٍ تريد تعمل بنا؟ قال: أحملكم إلى أنطاكية، أحبسكم، قالوا: والله ما فينا من يتبعك ولا يجيء معك، نحن عراة، ما معنا ثيابٌ ولا نفقةٌ ولا فرشٌ ننام فيها، ولا معنا غلمانٌ يخدمونا، قال: وأي شيء تعملون؟ قالوا: تخلينا نمضي إلى بيوتنا نعمل شغلنا ونجيء إلى الحبس، قال: امضوا، فمضوا، أحضروا غلمانهم ونفقاتهم وفرشهم، ووصلوا إلى عنده إلى أنطاكية، فحبسهم إلى حين تسهل خلاصهم.
روى أبو الفرج الأصبهاني «٤» عن أبي بكر الهذلي قال: لما أطلق امير المؤمنين «٥» عمر بن الخطاب ﵁ الحطيئة الشاعر «٦» من حبسه قال
стр. 165
له: يا أمير المؤمنين، اكتب لي إلى علقمة بن علاثة «١» كتاباً لأقصده به، فقد منعتني التكسب بشعري. قال: لا أفعل. فقيل له: يا أمير المؤمنين، وما عليك من ذلك؟! [إن] علقمة ليس بعاملك فتخشى أن تأثم، وإنما هو رجلٌ من المسلمين، فتشفع «٢» له إليه. فكتب له بما أراد، فمضى الحطيئة بالكتاب، فصادف علقمة قد مات والناس ينصرفون «٣» عن قبره. فوقف عليه ثم أنشد [قوله] «٤» :
لَعَمْرِي لَنِعْمَ المَرْءُ مِنْ آل جَعفَرٍ ... بِحُورَانَ أَمْسَى أَعْلَقَتْهُ الحَبَائِلُ
فإنْ تَحْيَ لاَ أَمْلَلْ «٥» حَيَاتي، وإن تَمُتْ ... فَما فِي حَيَاةٍ بَعْدَ مَوْتِكَ طَائِلُ
ومَا كانَ «٦» بَيني- لَوْ لَقِيتُكَ سَالِماً-* وَبَيْنَ الغِنَى إِلاَّ لَيَالٍ قَلاَئِلُ فقال له ابنه: كم ظننت أن علقمة يعطيك؟ قال: مائة ناقةٍ، [قال: فلك مائة ناقة] «٧» تتبعها مائةٌ من أولادها. فأعطاه إياها.
وعن القحذميّ «٨» قال: لزم يزيد بن مفرّغٍ «٩» غرماؤه بدينٍ لهم. فقال
стр. 166
لهم: انطلقوا نجلس على باب الأمير، عسى أن يخرج الأشراف [من عنده] فيروني فيقضوا عني. فانطلقوا به، فكان أول من خرج إما عمر «١» بن عبيد الله ابن معمرٍ، وإما طلحة الطلحات. فلما رآه قال: أبا عثمان، ما أقعدك هاهنا؟! قال «٢» : غرمائي هؤلاء، لزموني بدينٍ لهم علي، قال: وكم هو؟ قال: سبعون ألفاً، قال: علي منها عشرة آلاف «٣» درهم. ثم خرج الآخر على الأثر، فسأله عما سأله عنه صاحبه «٤» ؟ فقال: هل خرج أحدٌ قبلي؟ قالوا: نعم، فلان، قال:
فما صنع؟ قالوا: ضمن عشرة آلاف «٥» درهم، قال: فعليّ مثلها. وجعل الناس يخرجون، فمنهم من يضمن الألف إلى أكثر من ذلك، حتى ضمنوا أربعين الفاً. وكان يأمل عبيد الله بن أبي بكرة ﵀، فلم يخرج حتى غربت الشمس، فخرج مبادراً، فلم يره «٦» ، حتى كاد يبلغ بيته. فقيل له: إنك مررت بابن مفرغ ملزوماً، وقد مرَّ به الأشراف فضمنوا عنه، فقال:
واسوأتاه «٧» ! إني لخائفٌ أن يظنَّ بي أنى تغافلت عنه. وكرَّ راجعاً فوجده قاعداً، فقال: أبا عثمان، ما أجلسك «٨» هاهنا؟ قال: غرمائى «٩» هؤلاء، يلزمونني، قال: وكم عليك؟ قلل: سبعون الفاً، قال: وكم ضمن عنك؟ قال: أربعون ألفاً، قال: فاستمتع بها وعلي دينك أجمع. فقال فيه:
стр. 167
لَوْ شِئْتَ أَنْ تَغْنَيْ «١» وَلَمْ تَنْصَبِي ... عِشْتِ بِأَسْبابِ أَبي حَاتِمِ
عِشْتِ بِأَسبابِ الجَوَادِ الذِي ... لاَ يَخْتِمُ الأَموَالَ بِالخَاتَمِ
منْ كَفِّ بُهْلُولٍ «٢» لَهُ غُرَّةٌ «٣» ... مَا إِنْ لِمَنْ عَادَاهُ مِنْ عَاصِمِ
المُطْعِمُ النَّاسَ إِذَا حَارَدَتْ ... نَكْبَاؤُهَا «٤» فِي الزَّمَنِ العَارِمِ «٥»
وَالفَاصِلُ الخُطّةَ يَوْمَ اللِّحَا «٦» ... لِلأمْرِ- عِنْدَ الكُربَةِ- اللاّزِمِ
جَاوَرَتْهُ- حِينَاً- فَأَحْمَدْتُهُ ... أُثْنِي، وما الحامد كاللّائم
كَمْ مِنْ عَدُوٍّ كَاشِحٍ شَامِتٍ ... أَخْزَيْتَهُ «٧» يَوْماً وَمِنْ ظَالِمِ
أَذَقْتَهُ الْمَوْتَ عَلى غِرَّةٍ ... بِأَبْيَضَ ذِي «٨» رَوْنَقٍ صَارِمِ
روى أبو الفرج الأصبهاني عن مسلم بن الوليد- المعروف بصريع الغواني «٩» قال: كنت يوماً جالساً في دكان خياطٍ بإزاء منزلي، إذ رأيت طارقاً ببابي، فقمت إليه، فإذا هو صديقٌ لي من أهل الكوفة، قد قدم من قمَّ «١٠» ، فسررت به.
стр. 168
وكأن إنساناً لطم وجهي، لم يكن عندي درهم واحد أنفقه عليه! فقمت فسلمت عليه، وأدخلته منزلي. وأخذت خفين كانا لي أتجمل بهما، فدفعتهما إلى جاريتي، وكتبت معها رقعة إلى بعض معارفي في السوق، وأسأله أن يبيعهما ويشتري [لي] لحما وخبزا بشيء سميته له. فمضت الجارية، وعادت إلي، وقد اشترى كل ما «١» ذكرته له، وقد باع الخف بتسعة دراهم، وكأنها إنما جاءتني بخفين جديدين. فقعدت أنا وضيفي نطبخ، فسألت جاراً لي أن يسقينا قارورة نبيذ، فوجه بها الي، وأمرت الجارية أن تغلق باب الدار، [مخافة طارق يجيء فيشركنا فيما نحن فيه، ليبقى لي وله ما نأكله إلى أن ينصرف] . فإنا لجالسان نطبخ إذ طرق طارقٌ الباب، فقلت للجارية: انظري من هذا؟ فنظرت في شق الباب «٢» فإذا رجلٌ عليه سوادٌ وشاشيةٌ ومنطقةٌ، ومعه شاكريٌ، «٣» فخبرتني بموضعه، فأنكرت أمري، ثم رجعت إلى نفسي، فقلت: لست بصاحب دعارة «٤» ، ولا للسّلطان عليّ سبيل. ففتحت الباب وخرجت إليه، فنزل عن دابته، وقال: أنت مسلم بن الوليد؟ قلت: نعم. قال: كيف لي بمعرفتك؟! قلت:
الذي دلك على منزلي يصحّح لك معرفتي! فقال لغلامه: امض إلى الخياط فسله عنه. فمضي فسأله عني، فقال: نعم، هو مسلم بن الوليد. فأخرج اليّ كتاباً من خفّه، قال: هذا كتاب الأمير يزيد بن مزيد إلي [يأمرني] ألا أفضه إلا عند لقائك. فاذا فيه: «اذا لقيت مسلم بن الوليد فادفع اليه هذه العشرة
стр. 169
آلاف «١» درهم التي أنفذتها، تكون له في منزله، وأدفع إليه ثلاثة آلاف «٢» درهم لنفقته، ليتحمل بها إلينا» فأخذت الثلاثة والعشرة، ودخلت إلى منزلي والرجل معي، فأكلنا ذلك الطعام، وازددت فيه وفي الشراب، واشتريت فاكهة، واتسعت، ووهبت لضيفي من الدراهم ما يهدي به هديّة لعياله، وأخذت في الجهاز، ثم ما زلت معه حتى صرنا إلى الرقة إلى باب بزيد [بن مزيد] ، فدخل الرجل فاذا هو أحد حجابه، فوجده في الحّمام، فخرج إلي فجلس معي قليلاً، ثم خبر الحاجب بأنه [قد] خرج من الحمام، فأدخلني إليه، فاذا هو على كرسي جالس، وعلى رأسه وصيفة بيدها غلاف مرآة، وبيده [هو] مرآة ومشط «٣» يسرح [به] لحيته، فقال لي: يا مسلم، ما الذي أبطأ بك عنّا؟
فقلت: أبها الأمير، قلة ذات اليد، قال: فأنشدني، فأنشدته قصيدتي التي جئته بها»
:
أُجْرِرْتُ حَبْلَ خَلِيعِ في الصِّبَا غَزِلٍ «٥» ... وَشَمَّرَتْ هِمَمُ الْعذَّالِ في الْعَذَلِ «٦»
هَاجَ البُكَاءَ عَلَى «٧» العَيْنِ الطَّمُوحِ هَوُى ... مفرّق بَيْنَ تَوْدِيعٍ وَمُرْتَحَل «٨»
أمَا كَفى اُلْبَينَ أَنْ أرمى بأسهمه ... حتّى رماني بلحاظ الأعين النّجل
стр. 170
ممَّا جَنَتْ «١» لِي وَإنْ كانَتْ مُنًى «٢» صَدَقَتْ ... صبَابَةً خُلَسُ التَّسْلِيمَ بِالقُبَلِ «٣»
فلما صرت [فيها] إلى قولي:
مُوفٍ عَلى مُهَجٍ في يَوْمِ ذِي رَهَجٍ «٤» ... كأنّهُ أَجَلٌ يَسْعَى إِلى أَمَلِ
تَرَاهُ في الأمْنِ في دِرْعٍ مُضَاعَفَةٍ «٥» ... لاَ يأمن الدّهر أن يدعى «٦» على عجل
لا يعبق الطِّيْبُ خَدَّيْهِ وَمَفْرِقَهُ ... وَلاَ يُمَسِّحُ عَيْنَيْهِ مِنَ الكُحُلِ
-: وضع المرآة في غلافها، وقال للجارية: انصرفي، فقد حرم مسلمٌ علينا الطيب، فلما فرغت من القصيدة، قال لي: يا مسلم، أتدري ما الذي حداني على أن وجهت إليك؟ فقلت: لا والله، ما أدري. فقال: كنت عند الرشيد منذ ليالٍ أغمز رجليه إذ قال لي: يا يزيد، من القائل فيك «٧» :
سَلَّ الخَلِيفَةُ سَيْفاً مِنْ بَنِي مَطَرٍ ... يَمضِي فَيَخْتَرِمُ الأَجْسَادَ «٨» وَاَلْهَامَا
كالدَّهْرِ لا ينثني عمّا يهمّ به ... قد أوسع النّاس إنعاما وَإِرْغَامَا
فقلت له: لا والله، ما أدري! فقال الرشيد: يا سبحان الله! [إنك لمقيمٌ على أعرابيتك، يقال فيك مثل هذا الشعر] ولا تدري من قائله؟! [فسألت
стр. 171
عن قائله] فأخبرت أنك أنت هو، فقم حتى أدخلك على الرشيد «١» . فما علمت حتى خرج عليَّ الإذن، [فأذن لي] . فدخلت على الرشيد، وأنشدته مالي فيه من الشعر، فأمر لي بمائتي «٢» ألف درهم. فلما انصرفت إلى يزيد أمرلى بمائة ألف وتسعين ألف درهم، وقال: لا يجوز [لي] أن أعطيك مثل ما أعطاك أمير المؤمنين. وأقطعني إقطاعات تبلغ غلتها مائتي ألف درهم.
قال مسلم: ثم أفضت بي الأمور بعد ذلك إلى أن أغضبني، فهجوته، فشكاني إلى الرشيد، فدعاني، فقال: أتبيعني عرض يزيد؟ قلت: نعم، يا أمير المؤمنين. فقال [لي] «٣» : بكم؟ فقلت: برغيفٍ! فغضب حتى خفته على نفسي، وقال: قد كنت أرى أن أشتريه منك بمالٍ جسيمٍ، فلست أفعل ولا كرامة، فقد علمت إحسانه إليك، أنا نفيٌّ «٤» عن أبي، ولله ثم والله «٥» لئن بلغني أنك هجوته لأنزعن لسانك من بين فكَّيك. فأمسكت عنه بعد ذلك، وما ذكرته بخيرٍ ولا بشرّ.
روى أبو الفرج الأصبهاني عن عمرو بن بانة «٦» قال: ركبت يوماً الى دار صالح بن الرشيد، فاجتزت بمحمد بن جعفر بن موسى الهادي، وكان معاقراً للصبوح، فألفيته في ذلك اليوم خالياً منه، فسألته عن السبب «٧» في تعطيله إياه؟
стр. 172
فقال: نيران علي غضبى «١» - يعني جاريةً كانت «٢» لبعض النخاسين ببغداد، وكانت إحدى المحسنات، وكانت بارعة الجمال، ظريفة اللسان، وكان قد أفرط في حبِّها، حتى عرف بها «٣» -: فقلت له: ما تحبُّ؟ قال: تجعل طريقك على مولاها، فانه سيخرجها «٤» إليك، فاذا فعل دفعت رقعتي هذه إليها، ودفع لي رقعةً فيها «٥» :
«ضَيَّعْتِ عَهْدَ فَتًى لِعَهْدِكِ حَافِظٍ ... فِي حِفْظِهِ عَجَبٌ وَفِي تضْيِيعِكِ
ونَأَيْتِ عَنْهُ فَما لهُ مِنْ حِيلَةٍ ... إلاَّ الْوُقُوفُ إِلَى أَوَانِ رُجُوعِكِ
مُتَخَشِّعاً يُذْرِي عَلَيْكِ دُمُوعَهُ ... أَسَفاً وَيَعْجَبُ مِنْ جُمُودِ «٦» دُمُوعِكِ
إِنْ تَقْتُلِيهِ «٧» وتذْهَبي بِفُؤَادِهِ ... فَبِحُسْنِ وَجْهِكِ لاَ بحُسْنِ صَنيعِكِ»
فقلت له: [نعم] أنا أتحمل هذه الرسالة، وكرامةً، على ما فيها، حفظاً لروحك عليك؛ فإني لا آمن أن يتمادى بك هذا الأمر. فأخذت الرقعة، وجعلتُ طريقي على منزل النخَّاس، فبعث للجارية «٨» : اخرجي، فخرجت، فدفعت إليها الرقعة، وأخبرتها بخبري، فضحكت، ورجعت «٩» الى الموضع الذي خرجت منه، فجلست جلسةً خفيفةً، ثم إذا بها قد وافَتْني ومعها رقعة فيها:
стр. 173
«وما زلت تقصيني «١» ونغري بيَ الرَّدَى ... وَتَهْجُرَنِي حَتَّى مَرَنْتَ عَلَى الهَجْرِ «٢»
وتقطع أسبابي وتنسى مودّتى ... فكيف ترى- يا مالكي- في الهَوَى صَبْرِي؟!
فَأَصْبَحْتُ لاَ أَدْرِي: أَيَأْساً تَصَبُّرِي ... عَلَى الهَجْرِ؟ أَمْ حَدُّ التَّصَبُّرِ «٣» ؟ لاَ أَدْرِي!»
قال: فأخذت الرقعة منها، وأوصلتها اليه، وصرت الى منزل لي «٤» ، فصنعت في شعر «٥» محمد بن جعفرٍ لَحْناً، وفي شعرها «٦» لحناً. ثم سرت إلى الأمير صالح بن الرشيد، فعرفته ما كان من خبري، وغنيته الصوتين. فامر بإسراج دوابّه، فأسرجت، وركب وركبت معه الى النخَّاس- مولى نيران- فما برحنا حتى اشتراها بثلاثة آلاف «٧» دينارٍ، وحملها إلى دار محمد بن جعفر، فوهبها له. فأقمنا يومنا عنده.
قال القاضي أبو علي المحسّن بن أبي القاسم علي «٨» التَّنوخي: خرج رجلان من المدينة، يريدان عبد الله بن عامر بن كُرَبْزٍ، للوفادة عليه: أحدهما من ولد جابر بن عبد الله الأنصاري، والآخر من ثقيف. وكان عبد الله عاملا بالعراق لعثمان بن عفان ﵁. فأقبلا يسيران، حتى إذا كانا بناحية
стр. 174
البصرة قال الأنصاري للثقفي: هل لك في رأي رأيته؟ قال: أعرضه، قال:
ننيخ رواحلنا ونتوضى «١» ونصلي ركعتين، نحمد الله فيهما على ما قضى من سفرنا. قال له: نعم، هذا الرأي الذي لا يرد. قال: ففعلاً. ثم التفت الانصاري إلى الثقفي. فقال له: يأخا ثقيف، ما رأيك؟ قال: وأي موضع رأي هذا؟! قضيت سفري، وأنضيت بدني «٢» ، وأتعبت راحلتي، ولا مؤمل دون ابن عامر، فهل لك من رأي غير هذا؟! قال: نعم، إنني لما صليت فكرت، فاستحييت من ربي أن يراني طالب رزق من عند غيره.
ثم قال: اللهم رازق ابن عامر ارزقني من فضلك. ثم ولى راجعاً إلى المدينة.
ودخل الثقفي إلى البصرة، فمكث «٣» على باب ابن عامر أياماً، فلما أذن له دخل عليه، وكان قد كتب إليه من المدينة بخبرهما، فلما رآه رحّب به، وقال:
ألم أخبر أن ابن جابر خرج معك؟ فأخبره ما كان منهما. فبكى ابن عامر، وقال: والله ما قالها أشراً ولا بطراً، ولكن رأى مجرى الرزق ومخرج النعمة، فعلم أن الله هو الذي فعل ذلك، فسأله من فضله. ثم أمر للثقفي بأربعة آلافٍ «٤» وكسوةٍ «٥» وطُرِفٍ، وأضعف ذلك للأنصاري، فخرج الثقفي وهو يقول:
أمامةٌ ما سعْيُ الحريصِ بزائدٍ ... فتيلاً، ولا عَجْزُ الضعيفِ بضائرِ
خرجْنا جميعاً من مساقطِ رُوسِنا ... على ثِقةٍ منَّا بجُود ابن عامرِ
فلما أنخنا الناعجات «٦» ببابهِ ... تأخَّر عنّي اليثربىّ ابن جابر
стр. 175
وقال: «ستكفيني عطية قادرٍ ... على ما يشاءُ اليوم للخلق قاهرِ
فإن الذي أعطى العراق ابن عامرٍ ... لَربي الذي أرجو «١» لسد مفاقري»
فلما رآني قال: «أين ابن جابرٍ؟» ... وحنَّ كما حنَّت عِرابُ الأباعرِ
فأضعفَ عبد الله- إذ غاب- حطَّه «٢» ... على حظِّ لهفانٍ من الحرص فاغرِ «٣»
قال الشافعي ﵀: لا أزال أحب حمَّاد بن أبي سليمان «٤» ، لشيء بلغني عنه: أنه كان يوماً راكباً حماراً له، فحركه، فانقطع زرٌ «٥» له، فمر على خياط، فأراد أن ينزل، فسوَّى زرَّه، فأخرج له صرَّة فيها عشرة دنانير، فسلمها إلى الخياط، واعتذر إليه من قلتها.
قال الحُميدي: قدم الشافعي ﵀ من صنعاء إلى مكة بعشرة آلاف «٦» دينار، فضرب خباءه في موضع خارج عن مكة، ونثر الدنانير على ثوبٍ، ثم أقبل على كل من دخل عليه، يقبض قبضه ويعطيه، حتى صلى الظهر، ونفض الثوب وليس عليه شيء «٧» .
عن الأصمعي «٨» قال: قدم وفدٌ على [أمير المؤمنين] هشام بن عبد الملك،
стр. 176
وفيهم رجل من قريش، يقال له: اسمعيل بن [أبي] الجهم «١» ؛ وكان أكبرهم سناً، وأفضلهم رأياً وحلماً، فقام متوكئاً على عصا «٢» ، فقال:
يا أمير المؤمنين، إن خطباء قريش قد قالت [فيك] فأطنبت، وأثنت عليك فأحسنت، ووالله ما بلغ قائلهم قدرك، ولا أحصى مثنيهم فضلك، أفتأذن لي في الكلام؟ قال: فتكلم قال: فأوجز أم أطنب؟ قال: بل أوجز.
قال: تولاك الله- يا أمير المؤمنين- بالحسنى، وزينك بالتقوى «٣» ، وجمع لك خير الآخرة والأولى، إن لي حوائج فأذكرها «٤» ؟ قال: نعم، قال:
كبرت سني، وضعفت قواي، واشتدت حاجتي، فإن رأى أمير المؤمنين أن يجبر كسري وينفي فقري-: فعل «٥» . فقال: يابن [أبي] الجهم، وما يجبر كسرك وينفي فقرك؟ قال: ألف دينار وألف دينار وألف دينار، قال: هيهات يابن [أبي] الجهم! بيت المال لا يحتمل هذا. قال: كأنك آليت- يا أمير المؤمنين- أن لا تقضي لي حاجة مقامي هذا؟! قال: فألف دينار لماذا؟
قال: أقضي بها ديناً قد فدحني حمله «٦» ، وأرهقني أهله «٧» . قال: نِعْم المسلك أسلكتها، ديناً قضيت، وأمانة أديت، وألف دينارٍ لماذا؟ قال: أزوج بها من أدرك من ولدي، فأشد بهم عضدي، ويكثر بهم عددي. قال: ولا بأس،
стр. 177
غصضت «١» طرفاً، وحصَّنت فرجاً، وأكثرت نسلاً «٢» ، وألف دينارٍ لماذا؟
قال: اشتري بها أرضاً أعود بها «٣» على ولدي، ويفضل فضلها على ذوي قراباتي.
قال: ولا بأس، أردت ذخراً، ورجوت أجراً، ووصلت رحماً، قد أمرنا لك بها. قال: المحمود الله على ذلك، وجزاك الله- يا أمير المؤمنين- والرحم خيراً. فقال هشام: تالله ما رأيت رجلاً ألطف في سؤال، ولا أرفق في مقالٍ-:
منه «٤» ، هكذا فليكن القرشي.
стр. 178
٤- باب الشجاعة «١»
[مما ورد فى الكتاب العزيز]
قال الله في سورة البقرة: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [١٩٠] وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ، وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ، وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ.
وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ «٢» فِيهِ، فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ. كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ [١٩١] فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [١٩٢] وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ «٣» وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ، فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ [١٩٣] .
ومنها: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ، وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [٢١٦] .
ومنها: فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ، فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي، وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ. فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ. فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا «٤» مَعَهُ
стр. 179
قالُوا: لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ. قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ. وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [٢٤٩] وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا: رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [٢٥٠] فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ، وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ.
وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ، وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ [٢٥١] .
ومن سورة آل عمران: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى «١» : لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا، لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ. وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [١٥٦] وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [١٥٧] وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى «٢» اللَّهِ تُحْشَرُونَ [١٥٨] .
ومنها: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً. بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [١٦٩] فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [١٧٠] يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ «٣» [١٧١] .
ومن سورة النساء: فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ
стр. 180
الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ. وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً [٧٤] وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً [٧٥] .
الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ. فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ «١» ، إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً [٧٦] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ: كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ، فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً. وَقالُوا: رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ؟ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ! قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا [٧٧] أَيْنَما «٢» تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ «٣» الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ. وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا: هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا: هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ. قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. فَمالِ هؤُلاءِ «٤» الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً! [٧٨] .
ومنها: وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ، إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ، وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ. وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً [١٠٤] .
следующие страницы →