Полный текст (498 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وفيهم رجل من قريش، يقال له: اسمعيل بن [أبي] الجهم «١» ؛ وكان أكبرهم سناً، وأفضلهم رأياً وحلماً، فقام متوكئاً على عصا «٢» ، فقال:
يا أمير المؤمنين، إن خطباء قريش قد قالت [فيك] فأطنبت، وأثنت عليك فأحسنت، ووالله ما بلغ قائلهم قدرك، ولا أحصى مثنيهم فضلك، أفتأذن لي في الكلام؟ قال: فتكلم قال: فأوجز أم أطنب؟ قال: بل أوجز.
قال: تولاك الله- يا أمير المؤمنين- بالحسنى، وزينك بالتقوى «٣» ، وجمع لك خير الآخرة والأولى، إن لي حوائج فأذكرها «٤» ؟ قال: نعم، قال:
كبرت سني، وضعفت قواي، واشتدت حاجتي، فإن رأى أمير المؤمنين أن يجبر كسري وينفي فقري-: فعل «٥» . فقال: يابن [أبي] الجهم، وما يجبر كسرك وينفي فقرك؟ قال: ألف دينار وألف دينار وألف دينار، قال: هيهات يابن [أبي] الجهم! بيت المال لا يحتمل هذا. قال: كأنك آليت- يا أمير المؤمنين- أن لا تقضي لي حاجة مقامي هذا؟! قال: فألف دينار لماذا؟
قال: أقضي بها ديناً قد فدحني حمله «٦» ، وأرهقني أهله «٧» . قال: نِعْم المسلك أسلكتها، ديناً قضيت، وأمانة أديت، وألف دينارٍ لماذا؟ قال: أزوج بها من أدرك من ولدي، فأشد بهم عضدي، ويكثر بهم عددي. قال: ولا بأس،
стр. 177
غصضت «١» طرفاً، وحصَّنت فرجاً، وأكثرت نسلاً «٢» ، وألف دينارٍ لماذا؟
قال: اشتري بها أرضاً أعود بها «٣» على ولدي، ويفضل فضلها على ذوي قراباتي.
قال: ولا بأس، أردت ذخراً، ورجوت أجراً، ووصلت رحماً، قد أمرنا لك بها. قال: المحمود الله على ذلك، وجزاك الله- يا أمير المؤمنين- والرحم خيراً. فقال هشام: تالله ما رأيت رجلاً ألطف في سؤال، ولا أرفق في مقالٍ-:
منه «٤» ، هكذا فليكن القرشي.
стр. 178
٤- باب الشجاعة «١»
[مما ورد فى الكتاب العزيز]
قال الله في سورة البقرة: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [١٩٠] وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ، وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ، وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ.
وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ «٢» فِيهِ، فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ. كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ [١٩١] فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [١٩٢] وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ «٣» وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ، فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ [١٩٣] .
ومنها: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ، وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [٢١٦] .
ومنها: فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ، فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي، وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ. فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ. فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا «٤» مَعَهُ
стр. 179
قالُوا: لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ. قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ. وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [٢٤٩] وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا: رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [٢٥٠] فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ، وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ.
وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ، وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ [٢٥١] .
ومن سورة آل عمران: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى «١» : لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا، لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ. وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [١٥٦] وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [١٥٧] وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى «٢» اللَّهِ تُحْشَرُونَ [١٥٨] .
ومنها: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً. بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [١٦٩] فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [١٧٠] يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ «٣» [١٧١] .
ومن سورة النساء: فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ
стр. 180
الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ. وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً [٧٤] وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً [٧٥] .
الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ. فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ «١» ، إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً [٧٦] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ: كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ، فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً. وَقالُوا: رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ؟ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ! قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا [٧٧] أَيْنَما «٢» تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ «٣» الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ. وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا: هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا: هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ. قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. فَمالِ هؤُلاءِ «٤» الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً! [٧٨] .
ومنها: وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ، إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ، وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ. وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً [١٠٤] .
стр. 181
ومن سورة الأنفال: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ: أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [٩] وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى «١» وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ. وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [١٠] .
ومنها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ [١٥] وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ، وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [١٦] .
ومنها: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [٣٩] وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ.
نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [٤٠] .
ومنها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [٤٥] وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ «٢» ، وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [٤٦] .
ومنها: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ. إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ. وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ «٣» لا يَفْقَهُونَ [٦٥] الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً. فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ. وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [٦٦] .
стр. 182
ومن سورة التوبة: أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ! أَتَخْشَوْنَهُمْ؟! فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [١٣] قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ [١٤] وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ «١» ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [١٥] .
ومنها: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ [٢٩] .
ومنها: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى. وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا. وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [٤٠] انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [٤١] .
ومنها: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ «٢» وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ. وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [٧٣] .
ومنها: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ: يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ. وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي
стр. 183
التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ. وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ. فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ «١» وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [١١١] التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ «٢» عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ. وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [١١٢] .
ومنها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ، وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [١٢٣] .
ومن سورة الحج: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا. وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [٣٩] الَّذِينَ «٣» أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا: رَبُّنَا اللَّهُ. وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً. وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ. إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [٤٠] الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ. وَلِلَّهِ «٤» عاقِبَةُ الْأُمُورِ [٤١] .
ومنها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [٧٧] وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ. هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ، هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا، لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ. فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ، فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [٧٨] .
стр. 184
ومن سورة محمد «١» : فَإِذا «٢» لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ، حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ «٣» فَشُدُّوا الْوَثاقَ، فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها. ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ، وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ «٤» بِبَعْضٍ. وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ [٤] سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ [٥] وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ [٦] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ [٧] .
ومن سورة الفتح: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ: سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ، فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً، وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً [١٦] .
ومن سورة الحجرات: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [١٥] .
ومن سورة الصف: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ [٤] .
ومنها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ؟ [١٠] تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ. ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [١١] يَغْفِرْ لَكُمْ
стр. 185
ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ. ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [١٢] وَأُخْرى تُحِبُّونَها: نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ. وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [١٣] «١» يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ؟ قالَ الْحَوارِيُّونَ: نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ. فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ، فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ. فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ [١٤] .
ومن سورة المتحرّم «٢» : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [٩] .
ومن الأحاديث
عن هشام عن الحسن ﵀ أن النبي ﷺ قال: «لَغدوةٌ أو روحة* ٣٩ في سبيل الله تعالى أفضل من الأرض وما عليها. ولَموقِف رجلٍ في الصف أفضل من عبادة ستين سنة «٣» » .
وعن ابن عباس ﵄: «أن النبي ﷺ بعث ابن رواحة* ٤٠
стр. 186
- ﵀ في سريةٍ «١» ، فوافق ذلك يوم الجمعة، فقال: أصلي مع النبي ﷺ ثم ألحق بأصحابي، وقد غدا أصحابه، فلما رآه النبي ﷺ قال: مالك لم تغد مع أصحابك؟ قال: أحببت أن أصلي معك الجمعة ثم ألحق بأصحابي. فقال ﷺ : لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما أدركت فضل غدوتهم «٢» » .
٤١* وعن أبي هريرة ﵀ عن النبي ﷺ أنه قال «٣» : عُرض عليّ أول ثلاثة يدخلون الجنة من بني آدم، وأول ثلاثة يدخلون النار. فأما أول الثلاثة الذين يدخلون الجنة-: فالشهيد، وعبدٌ مملوك لم يشغله رق الدنيا عن طاعة الله تعالى «٤» ، وفقيرٌ متعفف ذو عيال «٥» . وأما الثلاثة نفرٍ الذين يدخلون النار-: فأميرٌ مسلط، وذو مال لا يؤدي منه حق الله تعالى «٦» ، وفقير فخور «٧» » .
стр. 187
وعن أنس بن مالك ﵀ أن النبي ﷺ «١» قال: «ما من عبدٍ يموت* ٤٢ وله عند الله خيرٌ يتمنى الرجوع إلى الدنيا، وإن كان له الدنيا، لما يخاف من هول الموت-: إلا الشهيد، لما يرى من فضل الشهادة، فإنه يتمنى «٢» أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى» .
وعن سعيد بن جبير ﵀ في قول الله تعالى: فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [٣٩: ٦٨]
قال: هم الشهداء، متقلدو «٣» السيوف حول العرش «٤» .
وعن رسول الله ﷺ أنه قال: «والذي نفسي بيده لوددت أني أقاتل في* ٤٣ سبيل الله فأقتل، ثم أحيا فأقتل ثم أحيا فأقتل «٥» » .
وعنه ﷺ أنه قال: «والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله-* ٤٤ والله أعلم بمن يكلم في سبيله- إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب «٦» دماً:
اللون لون الدم والريح ريح المسك» .
وروي عن النبي ﷺ «٧» : «أنه لما كان يوم أحدٍ قال: من يأتيني بخبر* ٤٥
стр. 188
سعد بن الربيع الأنصاري؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله. فذهب الرجل [يطوف] «١» بين القتلى، فقال له سعد بن الربيع: ما شأنك؟ فقال الرجل:
بعثني رسول الله ﷺ إليك لآتيه بخبرك. فقال: فاذهب إليه فأقره «٢» مني السلام، وأخبره أني قد طعنت اثنتي عشرة «٣» طعنة، وأني قد أُنفذت مقاتلي. وأخبِر قومنا «٤» أنه لا عذر لكم «٥» إن قُتل رسول الله ﷺ وواحدٌ منكم «٦» حيٌ» .
٤٦* وروي عنه ﷺ أنه قال: «وقوف ساعة في الصف في سبيل الله تعالى أفضل من قيام ليلة القدر تحت الحجر الأسود «٧» » .
٤٧* وروي عنه ﷺ : «أنه سمع رجلاً يقول: اللهم إني أسألك خير ما تُسأل، فأعطني أفضل ما تعطي. فقال: إن استُجيب لك أُهريق دمك في سبيل الله تعالى «٨» » .
٤٨* وعن عسعس بن سلامة قال: «أتى رجلٌ من أصحاب رسول الله ﷺ الجبل يتعبد ففقد وطلب، فجيء به إلى رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : ما الذي حملك على ذلك؟ فقال: يا رسول الله، أردت أن أعتزل فأتعبد. فقال رسول الله ﷺ : لا تفعل، فإن صبر أحدكم ساعة
стр. 189
من النهار في بعض مرابط الإسلام خيرٌ من عبادة رجلٍ خالٍ أربعين سنة «١» » .
وعن أنس بن مالك ﵀ قال: لما طُعن خالي حرام بن ملحان- ﵀ يوم بئر معونة قال بالدم هكذا: فنضحه على وجهه ورأسه، ثم قال: فُزت ورب الكعبة «٢» » .
وعن عبد الله بن عمرو «٣» رضوان الله عليهما قال: سمعت رسول الله* ٤٩ ﷺ يقول: «أول ثلاثة يدخلون الجنة: الفقراء المهاجرون الذين تتقى بهم المكاره، وإذا أُمروا سمعوا وأطاعوا، وإذا كان للرجل منهم حاجة إلى السلطان لم تقضَ «٤» له حتى يموت وهي في صدره. وإن الله ليدعو «٥» يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها، فيقول تعالى: أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي فقُتلوا، وأُوذوا في سبيلي، وجاهدوا في سبيلي، ادخلوا الجنة. فيدخلونها بغير حساب. وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون: ربنا نحن نسبح بحمدك الليل والنهار ونقدِّس لك، من هؤلاء الذين آثرتهم
стр. 190
علينا؟ فيقول الرب : هؤلاء عبادي الذين قُتلوا في سبيلي وأُوذوا في سبيلي. فتدخل عليهم الملائكة من كل باب: (سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [١٣: ٢٤]
» .
٥٠* وعن أبي بكر بن عبد الله بن قيس «١» ﵀ قال: سمعت أبي- وهو بحضرة العدو- يقول: قال رسول الله ﷺ : «إن أبواب الجنة تحت ظلال السّيوف» . فقام رجل ربّ الهيئة فقال: يأبا موسى، أنت سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا؟ قال: نعم. قال: فرجع إلى أصحابه، فقال: أقرأ عليكم السلام. ثم كسر جفن سيفه فألقاه، ثم مشى إلى العدو بسيفه، فضرب به حتى قُتل ﵀ «٢» .
٥١* وعن النعمان بن بشير ﵀ قال «٣» : قد كنت عند منبر رسول الله ﷺ فقال رجلٌ: ما أبالي ألا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر: ما أُبالي ألا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام. وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم. فزجرهم «٤» عمر ﵁، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ وهو يوم الجمعة- ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. فأنزل الله : أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ
стр. 191
الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
الآية «١» .
وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إن الشهيد لا يجد مس القتل* ٥٢ إلا كما يجد أحدكم الفرصة يُقرصها «٢» » .
وعن أبي عبس ﵀ أن رسول الله ﷺ قال: «ما اغبرَّت قدما عبدٍ* ٥٣ في سبيل الله فتمسهما النار «٣» » .
أورد الإمام أبو الليث السمرقندي ﵀ في كتاب (تنبيه الغافلين) «٤» : * ٥٤ «أن رجلا [حشيا] أتى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله، إني كما ترى: دميم الخلقة «٥» ، منتن الريح، غير زاكي الحسب «٦» ، فأين أنا إن قاتلت حتى أُقتل؟ قال: أنت في الجنّة. [فأسلم الرجل، ف] قال: عندي غنمٌ فكيف أصنع بها؟ قال: وجهها إلى المدينة ثم صِحْ بها، فإنها ترجع «٧» إلى أهلها.
стр. 192
ففعل «١» ذلك. ثم التحم القتال «٢» فاقتتلوا، فلما افترق «٣» القوم قال النبي ﷺ : تفقدوا إخوانكم. [ففعلوا] ، فقالوا: يا رسول الله، ذلك الرجل قُتل «٤» في وادي كذا. فقام «٥» النبي ﷺ معهم، فلما أشرف عليه قال:
اليوم حسَّن الله وجهك، وطيّب ريحك، وزكّ حَسَبك «٦» . ثم أعرض عنه «٧» . فقالوا: رأيناك أعرضت عنه؟ قال: والذي نفسي بيده، لقد رأيت أزواجه من الحور العين ابتدرن حتى بدت خلا خلهنّ «٨» » .
٥٥* وأورد الامام أبو الحسن يحيى بن نجاح ﵀ في كتاب (سبل الخيرات) «٩» قال: يُروى عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا أخبركم بخير الناس منزلةً؟ رجلٌ أخذ بعنان فرسه يجاهد في سبيل الله تعالى «١٠» » ٥٦* وأورد أبو الليث السمرقندي ﵀ عن الحسن ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من سأل الله تعالى الشهادة فمات كان له أجر شهيد «١١» » .
стр. 193
وعن ابن عباس ﵁ في قول الله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً، بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [٣: ١٦٩]
قال:
أرواحهم كطيورٌ خضرٌ تسرح في الجنة، ثم تأوي إلى قناد بل خضرٍ معلقة تحت العرش «١» .
وأورد الإمام الحافظ أبو القسم إسمعيل بن محمد بن الفضل الأصبهاني* ٥٧ ﵀ في كتاب (الترغيب والترهيب) «٢» عن أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «الشهداء ثلاثة رجال: رجلٌ خرج بماله ونفسه محتسباً في سبيل الله تعالى، لا يريد أن يَقتل ولا يُقتل «٣» ، لتكثير سواد المسلمين-: فإن مات أو قُتل غُفرت [له] ذنوبه كلها، وأُجير من عذاب القبر، وأومن من الفزع الأكبر، وزوج من الحور العين [وحلّت عليه الكرامة] ووضع على رأسه تاج الوقار [والخلد] . والثاني: رجلٌ جاهد بنفسه «٤» وماله محتسباً، يريد أن يَقتل ولا يُقتل-: فإن مات أو قتل كانت «٥» ركبته مع ركبة ابراهيم خليل الرحمن ﵇ بين يدي الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر. والثالث: رجلٌ خرج في نفسه «٦» وماله [محتسباً] ، يريد أن يَقتل ويُقتل-: فإن مات أو قُتل جاء يوم القيامة شاهراً سيفه واضعه على عنقه «٧» ، والناس جاثون على الركب، يقول: ألا
стр. 194
فافسحوا لنا [مرتين] ، فإنا قد بذلنا دماءنا وأموالنا لله » قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده، لو قال ذلك لإبرهيم خليل الرحمن أو لنبي من الأنبياء لتنحى لهم عن الطريق، لما يرى من واجب حقهم. حتى يأتوا منابر من نورٍ عن يمين العرش، فيجلسون ينظرون كيف يُقضى بين الناس، لا يجدون غمَّ الموت، ولا يغتمون في البرزخ، ولا تفزعهم الصيحة، ولا يهمهم الحساب ولا الميزان ولا الصراط، ينظرون كيف يُقضى بين الناس، ولا يسألون شيئاً إلا أُعطوا، ولا يشفعون في واحدٍ «١» إلا شُفعوا فيه، ويُعطى من الجنة ما أحب، وينزل من الجنة حيث أحب «٢» » .
٥٨* وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «الغازي في سبيل الله، والحاج إلى بيت الله، والمعتمر-: وفد الله ، سألوا فأعطاهم، ودعوا فأجابهم «٣» » .
٥٩* وعن النبي ﷺ : «أنه سُئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها، وبر الوالدين، والجهاد في سبيل الله تعالى «٤» » .
٦٠* وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : لما أصيب إخوانكم يأخذ جعل الله أرواحهم في أجواف طيرٍ خضرٍ، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتاوي إلى قناديل من ذهبٍ معلقة في ظل العرش. فلمّا
стр. 195
وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومبيتهم «١» قالوا: من يُبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق، لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عند الحرب؟
فقال الله : أنا أبلغهم عنكم. فأنزل الله : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً، بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [٣: ١٦٩]
إلى آخر الآية «٢» .
ومما ورد في أسماء الشجاعة
قال أبو زيد: يقال: رجل «شجاعٌ» «٣» من قوم «شُجعة» «٤» .
ويقال: «شجاع» و «شجيع» بمعنى واحد. و «الشجاع» «٥» : ضرب من الحيات.
وقال صاحب (المنضد «٦» ) : «الشجع في الإبل: سرعة نقل القوائم، يقول العرب: بعير شجع، وناقة شجعة» .
قال أبو بكر بن دريد: «رجل شجاع: أي جريء، والأشجع من الرجال بيِّن الشجاعة، وهو الذي كأن به جنوناً» .
وقال صاحب (كتاب العين) : «الشِجاع «٧» يُجمع: شُِجعان «٨» ، والشِجاع «٩» الحية الذكر» .
стр. 196
وقال اللحياني: ويقال للحية أيضاً: «أشجع» .
و «الزميع» الشجاع الذي يُزمع بالأمر ثم لا ينثني، وهم «الزُّمعاء» والمصدر «الزِّماع» .
ويقال: «شجاع باسلٌ» وهو: عُبوسٌ في غضبٍ. و «استبسل فلانٌ للموت» أي: وطَّن نفسه عليه واستسلم للقتل، قال الله تعالى: أُبْسِلُوا [٦:
٧٠]
أي: أُسلموا بذنوبهم. وكل من خُذِل وأُسلم فقد «أُبسل» .
ثم رجل «بطل» وهو: الرجل الذي يبطل الأشياء»
والدِّماء، ولا يدرَك عنده ثأرٌ.
ثم رجل «بُهْمَةٌ» «٢» وهو الذي لا يُدرى من أين يؤتى لشدة بأسه وتيقظه.
ثم رجل «حَلْبَسٌ» «٣» قال الكسائي: «هو الذي يلازم قرنه فلا يفارقه» .
وقال الهُنائي: «الحلبس» و «الحبلبس» «٤» هو: الحريص الملازم.
ورجل «ألْيَس» قال الهنائي: «الألْيس» الشجاع، وجمعه «لِيسٌ» «٥» و «الأليس» : الذي لا يبرح متهللاً «٦» .
стр. 197
ثم رجل «غشمشم» و «الغشمشم» : الذي يركب رأسه، ولا يثنيه شيء عما يريد.
وناقة «غشمشمة» : عزيزة النفس، و «الغشم» الظلم.
ورجلٌ «أيهم» قال الليث: «الأيهم» «١» و «الأهيم» الذي لا ينحاش لشيء «٢» .
وقال الهنائي: «الأيهم» «٣» البطيء الرجوع إلى الحق، الذي لا يقبل الحجة إذا وقعت عليه، ولا يرى إلا رأيه. و «الأيهم» الجبل الطويل الذي لا نبات «٤» فيه.
ثم رجل «صِمَّة» قال الهنائي: هو الرجل الشجاع المصمم. والجمع «صمم» «٥» .
ثم رجل «بُهمة» - وقد تقدم ذكره- «البُهمة» جماعة الفرسان، والجمع «بُهم» «٦» يقال: باب «مبهم» «٧» وحلقة «مبهمة» لا يعرف بابها.
ثم رجل «ذِمرٌ» «٨» من قوم «أذمار» و «ذميرٌ» وهو: الشجاع المنكر.
ثم رجل «نهيكٌ» قال الليث: هو الرجل الشجاع الجريء، و «النهيك» المبالغ في كل شيء، وهو من الإبل: القوي.
ثم رجل «محرب» «٩» وهو المقدم «١٠» على الحرب، العالم الخبير بها، المجرب لها، الحسن التصرف بها.
стр. 198
ثم رجل «مرير» قال الثعالبي: إذا كان الرجل شديد «١» القلب رابط الجأش-: فهو «مرير» . قال الهنائي «٢» : «المرة» القوة.
ثم رجل «غلثٌ» قال الأصمعي: هو الشديد القتال، اللزوم لمن بارزه يطلبه.
وقال الهنائي: «الغَلْث» «٣» - بالغين المعجمة والثاء المعجمة بثلاث: - هو الرجل الشديد القتال، اللزوم لمن طلب.
ويقال: «إنه لَعِلب شرٍّ» - بعين غير معجمة وباء معجمة من تحتها واحدة-:
إذا كان قوياً على الشر والحرب.
ثم رجل «مِخَشٌّ» «٤» قال أبو عمرو: هو الرجل الجريء على الليل.
و «المحش» «٥» الذي كلما رق جانب من الحرب قوَّاه، وكلما بردت الحرب أوقدها، وكلما تخاذل الناس حرضَّهم وشجَّعهم.
وقال الهنائي: «حَشَّ «٦» الإبل يحشها حشاً» إذا ساقها سَوقاً شديداً.
ثم رجل «باسل» و «باسر» إذا كان فيه عبوس الشجاعة والغضب.
قال الهنائي: أي عبوسٌ.
ثم رجل «مغامز» إذا كان شجاعاً مقداماً، يرمي بنفسه في غمار الحرب، ويتهجم على اللقاء.
قيل «٧» : أول من أوتي فضيلة الشجاعة والإقدام-: هودٌ النبي ﷺ «٨» .
стр. 199
وهو هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح ﵇.
وقال بعض النسابين: إن هوداً هو: عابر بن شالخ بن أرْفَخْشد بن سام بن نوح ﵇ «١» .
أرسله الله سبحانه إلى عاد. وكانت مساكنهم الشِّحْر، من أرض اليمن الى بلاد حضر موت إلى عُمان، يأمرهم أن يوحدوا الله، ويكفوا عن الظلم لا غير، فأبوا عليه وكذّبوه، وقالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً؟ [٤١: ١٥]
فكان هود ﵇ يلبس لأمته «٢» يقول: فَكِيدُونِي «٣» جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ [١١: ٥٥]
، فلا يقدمون عليه ولا ينابذونه «٤» . فدعا عليهم، فأرسل الله تعالى عليهم الريح العقيم، وهي التي لا تلقح الشجر «٥» ، ولا ينمي عليها النبات.
قال عبد الله بن عمر ﵁: كان طول عادٍ مائة ذراع، وأقصرهم سبعين ذراعاً.
وقبر هود ﵇ بتلك الناحية.
ولما نزل موسى بن عمران صلى الله عليه «٦» ببني إسرائيل أرض كنعان، من أرض الشأم، وكان بلعام «٧» بن باعورا ببالعة، قرية من قرى البلقاء، وهو الذي قال الله فيه آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها [٧: ١٧٥]
-: أتى
стр. 200
قوم بلعام إليه وقالوا: ادعُ عليهم، فقال: كيف أدعو على نبي الله؟! ولكن زينوا أجمل نسائكم وابعثوهن إلى العسكر، فإن واقعوا إحداهن نزل عليهم العذاب، ففعلوا، وبعثوا بالنساء إلى عسكر موسى ﵇، فمرت امرأة منهن برجلٍ من عظماء بني إسرائيل، فأخذ بيدها، ثم أقبل بها حتى وقف على النبي موسى [﵇] «١» ، فقال: أظنك تقول: هذه حرامٌ عليك؟
قال: أجل، هي حرامٌ عليك، لا تقربها، قال: والله لا أطيعك في هذا، ثم دخل قبته فوقع عليها، وأرسل الله تعالى الطاعون في بني إسرائيل، وكان فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى ﵇: رجلاً قد أُعطي بسطة في الخلق وقوة في البطش «٢» ، وكان غائباً، فجاء والطاعون يحوس «٣» في بني إسرائيل، فأخذ حربته- وكانت كلها حديداً- ثم دخل عليهما القبة وهما مضطجعان فانتظمهما بحربته، ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء، والحربة قد أسندها إلى ذراعه، واعتمد بمرفقه على خاصرته، وجعل يقول:
اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك، فرفع الله سبحانه عنهم الطاعون، فحسب من هلك بالطاعون من بني إسرائيل من «٤» بين ما أصاب ذلك الرجل من المرأة إلى أن قتلهما فنحاص-: فوجد قد هلك منهم سبعون ألفاً، والمقلل يقول:
عشرون ألفاً [والله تعالى أعلم] «٥» .
стр. 201
من اشتهر بالفتك في الجاهلية
عُبيد بن نشبة بن مرة بن غيظ بن مرة بن سعد بن ذبيان. والحارث بن ظالم المري. والبرَّاض بن قيس الكناني. وتأبطَّ شراً، وهو: ثابت بن جابر بن سفيان الفهمي. وحنظلة بن قايد «١» : أحد بني عمرو بن أسد بن خزيمة.
ومن شهر «٢» بالفتك في الاسلام
أبو حردبة. [و] مالك بن الريب المازني «٣» . وعبيد الله بن الحر الجعفي. وعقبة بن هبيرة الأسدي. وعبد الله بن سبرة الحرشي «٤» .
وعبد الله بن خازم «٥» السلمي. والقتال الكلابي «٦» . وقرَّان بن بشار الفقعسي «٧» .
وعبد الله بن حجاج الثعلبي «٨» . وعبيد الله بن زياد بن ظبيان، أحد بني تيم الله بن ثعلبة بن عكابة «٩» .
стр. 202
٦١* قال عمران بن الحصين ﵀ «١» : «أخذ رسول الله ﷺ بطرف عمامتي من ورائي، فقال: يا عمران، إن الله يحب الإنفاق ويبغض الإقتار، فأنفق وأطعم ولا تصر صراً فيعسر عليك الطلب. واعلم أن الله يحب النظر النافذ عند مجيء الشبهات، والعقل الكامل عند نزول الشهوات، ويحب السماحة ولو على تمرات، ويحب الشجاعة ولو على قتل حية «٢» » .
٥٠* وعن أبي بكر بن عبد الله بن قيس [﵀] «٣» قال: سمعت أبي- وهو بحضرة العدو «٤» - يقول: قال رسول الله ﷺ : «إن أبواب الجنة تحت ظلال «٥» السيوف» فقام إليه رجل رث الهيئة فقال: يا أبا موسى، أنت سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا؟ قال: نعم قال: فرجع إلى أصحابه قال: أقرأ عليكم السلام، ثم كسر جفن سيفه فألقاه، ثم مشى بسيفه إلى العدو، فضرب به حتى قُتل ﵀ «٦» ، ولم يُذكر اسمه.
وأما من كان من أصحاب رسول الله ﷺ ورحمة الله عليهم أجمعين «٧» من الشجعان- وكلهم كان مقداماً في الحرب حريص «٨» على الشهادة-: ولأمير
стр. 203
المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه التقدمة في الإقدام، والصيت الشائع في الشجاعة.
فإنه شهد مع رسول الله ﷺ وقعة بدر، وهي أول وقعة كانت في الإسلام، ورسول الله ﷺ في ثلاثمائة رجل وثلاثة عشر من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم، والمشركون تسع مائة رجل، فنصر الله سبحانه [وتعالى] «١» رسوله صلى الله عليه [وسلم] «٢» ، وقتل من المشركين سبعون رجلاً، وأُسر سبعون رجلاً، فكان من قتله منهم علي بن أبي طالب ﵁ أربعة وعشرين «٣» رجلاً، سوى من شارك في قتله «٤» . وقد ذكرت شيئاً من حروبه ووقعاته «٥» في كتابي المترجم بكتاب (فضائل الخلفاء الراشدين) ﵃ أجمعين، فغنيت عن إعادته هنا.
ومن أصحاب رسول الله ﷺ بل من أهله- ابن عمته الزبير بن العوام ﵁، المشهور بالإقدام والبأس.
روى المدائني عن مُصعب بن عبد الله الزبيري قال: أجمع أهل الإسلام أنه لم يكن في الناس راجلٌ أشجع من علي بن أبي طالب «٦» ، ولا فارس أشجع من الزبير بن العوام ﵄.
وروى أحمد بن يوسف بن إبراهيم: أن أمر إفريقية اضطرب بتنازع
стр. 204
أعيانِها الرياسة فيها، فكتب عمرو بن العاص من مصر- وهو يومئذٍ عليها- إلى عمر بن الخطاب «١» رضي الله [تعالى] «٢» عنه: يخبره بذلك، وأنه قد عزم أن يسيِّر إليها جيشاً، واستدعى من عمر [﵁] «٣» نجدةً. فكتب إليه عمر يستصوب رأيه، ويذكر له: أنه ينفذ إليه على إثر كتابه ألف فارس، فتشوف عمرو إليهم، فوافاه الزبير بن العوام [﵁] «٤» وحده، ومعه كتاب عمر ﵁: «قد أنفذت إليك الزبير بن العوام، وهو عندي يعدل ألف فارس إن شاء الله» وسيَّر عمرو الجيش إلى إفريقية. فلما انتهوا إلى مفرق «٥» طريقين خافوا أن يسلكوا في أحد الطريقين فتقع بهم مكيدة في الأخرى، فقال لهم الزبير [﵁] «٦» : أفردوني في إحدى الطريقين «٧» ، فإني أكفيكموها. فسار وحده في أحد «٨» الطريقين، وسلك الجيش في الطريق الأخرى، واتفق أن كانت طريق الزبير قريبة جداً، فلم تزل الشمس حتى وافى حصن إفريقية، فنزل عن دابته واحتش لها بقلاً يشغلها به، وقام يصلي، وأشرف كفرة إفريقية من حصنها، فرأوا رجلاً واحداً من المسلمين حسن الطمأنينة، غير قلق في موضعه، ولا مستوحش من محله، فقالوا لرجل من شجعانهم: اخرج إليه واكفنا مؤونته، فخرج إليه، وركب الزبير [﵁] «٩» فرسه وجاوله فقتله، وخرج إليه فارسان، فطعن أحدهما فقتله وهرب الآخر منه، وصار إلى أصحابه، فقال: لو خرجتم
стр. 205
بأجمعكم إلى هذا الرجل لقتلكم، فريعوا منه ووجّهوا إليه أسقفهم، فقالوا:
يا هذا، ما تلتمس؟ وهل جئتنا وحدك أو في جماعة؟ فقال: أنا واحدٌ من جمعٍ كثير قد توجهوا معي إليكم، والذي ألتمسه أن تسلموا أو تؤدوا إلينا الجزية، قال: فنحن نجيب إلى أحدهما، فماسحوه «١» وفتحوا له الباب، ووافى «٢» الجيش وقد فتح الزبير [﵁] «٣» إفريقية وحده «٤» .
ومن أصحاب رسول الله ﷺ معاذ بن عمرو بن الجموح ﵀ «٥» ، شهد بدراً، قال: «سمعت القوم- يعني المشركين- وأبو جهل في مثل الحرجة «٦» يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه. فلما سمعتها جعلته من شأني، فصمدت «٧» نحوه، فلما أمكنني حملت عليه، فضربته ضربةً أطنت قدمه من نصف ساقه، فو الله ما شهّتها- حين طاحت- إلا بالنواة تطيح «٨» من تحت مرضخة «٩» النوى حين يضرب بها، قال: فضربني ابنه عكرمة على
стр. 206
عاتقي فطرح يدي، فتعلقت بجلدة من جنبي «١» ، وأجهضني القتال «٢» عنها، فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي، فلما آذتني وضعت عليها قدمي ثم تمطيت بها [عليها] «٣» حتى طرحتها» .
قال ابن اسحاق: ثم عاش ﵀ «٤» بعد ذلك حتى كان زمن «٥» عثمان بن عفان ﵁.
٦٢* ومن أصحاب رسول الله ﷺ : أبو دُجانة سِماك بن خَرَشة بن لَوْذان بن عبد ودٍّ بن يزيد بن ثعلبة «٦» بن الخزرج، ﵁، شهد حروب رسول الله ﷺ كلها. وقال النبي ﷺ يوم أحد قبل القتال: «من يأخذ هذا السيف بحقه؟» فقام إليه رجال فأمسكه عنهم، منهم الزبير بن العوام ﵀ «٧» ، حتى قام أبو دُجانة سِماك بن خَرَشة [﵁] «٨» ، فقال: ما حقه يا رسول الله؟ قال: «تضرِب «٩» به في العدو حتى ينحني» قال: أنا آخذه يا رسول الله بحقه. فأعطاه إياه. وكان أبو دجانة رجلاً شجاعاً يختال عند الحرب، وكان إذا أعلم بعصابةٍ حمراء علم الناس أنه سيقاتل. فلما أخذ السيف من يد رسول الله ﷺ أخرج عصابته «١٠» تلك فعصب بها رأسه، فقال رسول الله ﷺ حين رأى أبا دُجانة يتبختر-: «إنها لَمشيةٌ يبغضها الله إلا في مثل هذا
стр. 207
الموضع» قال الزبير بن العوام ﵀ «١» : فوجدت في نفسي، حين سألت رسول الله صلى الله عليه [وسلم] «٢» السيف فمنعنيه وأعطاه أبا دُجانة، وقلت:
أنا ابن صفيَّة عمَّته، ومن قريش، وقد قمت إليه فسألته «٣» إياه قبله، فأعطاه إياه وتركني! والله لأنظرنَّ ما يصنع. فاتبعته، وأخرج عصابة فعصَّب بها رأسه، فقالت الأنصار: أخرج أبو دُجانة عصابة الموت، وكذا كانت تقول إذا تعصَّب بها، فخرج وهو يقول:
أنا الذي عاهدني خليلي ... ونحن بالسفح لدى النخيلِ
أن لا أقومَ الدهرَ في الكَيُّولِ ... أضربْ بسيف الله والرسولِ «٤»
الكَيُّول: آخر الصفوف، وقيل: وراء القوم. قال الزبير: فجعل لا يلقى «٥» أحداً إلا قتله، وكان في المشركين رجلٌ «٦» لا يدع جريحاً إلا دفَّف «٧» عليه، فجعل كل واحد منهما يدنو «٨» من صاحبه، فدعوت الله أن يجمع بينهما، فالتقيا، فاختلفا ضربتين: فضرب المشرك أبا دُجانة فاتقاها»
بدرقته، فعضَّت بسيفه، وضربه أبو دجانة فقتله، ثم رأيته قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة، ثم عزل بالسيف عنها، وقال: أكرمتُ سيف رسول الله
стр. 208
صلى الله عليه [وسلم] «١» أن أضرب به امرأة. فقال الزبير: فقلت: الله ورسوله أعلم «٢» .
ومن أصحاب رسول الله ﷺ : البراء بن مالك [﵁] «٣» ، حضر القتال يوم مسيلمة الكذاب «٤» وقد قُتل أكثر أصحاب مسيلمة، والتجأ منهم نحو من سبعة آلاف «٥» إلى حديقة الموت- وإنما سميت «حديقة الموت» لكثرة من قتل بها، وكان اسمها قبل ذلك «أبّاض «٦» » - فامتنعوا فيها، فقال البراء بن مالك ﵀ «٧» : احملوني على الجدار حتى تطرحوني عليهم، فقالوا: لا نفعل يا براء «٨» ، قال: والله لتفعلن «٩» ، فحملوه على الجدار، فرأى كثرتهم، فقال: أنزلوني، فأنزلوه، ثم قال: احملوني على الجدار، فحملوه، فقال: أفٍ لهذا جَشعاً! «١٠» ثم اقتحم عليهم الحديقة، فقاتلهم على الباب حتى فتحه للمسلمين، ودخلوا عليهم فقتلوهم أجمعين، وكانوا في سبعة آلاف «١١» رجل، وقُتل من بني حنيفة في الفضاء سبعة آلاف «١٢» وفي الطلب مثلها، وقُتل من المسلمين نحوٌ من تسع مائة رجل «١٣» . ﵃.
وعن اسمعيل بن عمر ﵁ قال: لما فرض عمر رضوان الله عليه «١٤»
стр. 209
الدواوين جاء طلحة بن عُبيد الله ﵀ «١» بنفرٍ من بني تميم يستفرض لهم، وجاء رجلٌ من الأنصار بغلامٍ مصفرٍّ سقيمٍ، فقال: من هذا الغلام؟ قال: هذا ابن أخيك البراء بن النضر، فقال عمر [﵁] «٢» : مرحباً وأهلاً، وضمَّه إليه، وفرض له في أربعة آلاف «٣» ، فقال طلحة: يا أمير المؤمنين، انظر في أصحابي هؤلاء، قال: نعم، ففرض لهم في ستمائة ستمائة، فقال طلحة:
ما رأيت كاليوم شيئاً أبعد من شيء! أي شيء «٤» هذا؟! فقال عمر ﵀ عليه «٥» : أنت يا طلحة تظن أنني منزلٌ هؤلاء بمنزلة هذا؟! إني رأيت أبا هذا جاء يوم أُحدٍ وأنا وأبو بكر قد تحدثنا أن رسول الله ﷺ قتل، فقال: يأبابكر، ويا عمر، مالي أراكما جالسين؟! إن كان رسول الله ﷺ قُتل فإن الله حي لا يموت، ثم ولّى بسيفه، فضُرب عشرين ضربة، أعدها في وجهه وصدره، ثم قُتِل ﵀ «٦» ، وهؤلاء قتل آباؤهم على تكذيب رسول الله صلى الله عليه [وسلم] «٧» وإطفاء نور الله تعالى، فمعاذ الله أن أجعلهم بمنزلته.
وأمدَّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضوان الله [تعالى] «٨» عليه سعد بن أبي وقاص ﵀ «٩» في حرب القادسية-: بجيشٍ عليه هاشم بن عتبة المرقال «١٠» ، فوصلهم والعسكران متواقفان: المسلمون ورُستم، فوقف [هاشم بن] «١١» عتبة مقابل موكب منهم، ثم أخذ سهماً فوضعه في قوسه ورماهم، فوقع
стр. 210
سهمه في أُذن فرسه فخلها «١» ، فضحك، وقال واسوأتاه! من رمية رجلٍ كل من ترى ينتظره!! أين ترون كان سهمي بالغاً لو لم يصب أذن الفرس؟ قالوا:
العتيق- وهو نهر خلف ذلك الموكب- فنزل عن فرسه، ثم سار يضربهم بسيفه، حتى أوصلهم العتيق، ثم رجع إلى موقفه «٢» .
ووقفت الأعاجم كتيبة فيها فيل، فقال: عمرو بن معدي كرب ﵀:
أنا «٣» حاملٌ على الفيل ومن معه، فلا تدعوني أكثر من جزر جزور، فإن تأخرتم عني فقدتم أبا ثور، وأين لكم «٤» مثل أبي ثور؟! فقذف نفسه في وسطهم، فاستلحموه «٥» ، وشجروه بالرماح طويلاً، ثم أفضى إلى السيف، ثم سقط عن فرسه، فتعطَّفت عليه رجالهم، ونادى المسلمون: أبو ثور، الله الله، فإنه إن هلك لم تجدوا منه عوضاً! وحملوا عليهم فأفرجوهم عنه، وإذا هو قد طعن من كل ناحية، وإذا هو جاثٍ على ركبتيه قد أزبد، يضرب بسيفه يميناً وشمالاً، وإذا سواعد الرجال وأسوقهم حوله كأنها أكاريع «٦» الغنم، فلما انفرج عنه الأعاجم أخذ برجل فرسٍ منهم، فحركه الفارس فلم يستطع براحاً، فنزل عنه الفارس، وانهزم إلى أصحابه، وركبه عمرو، فقال له رجل: فداك أبي وأمّي يأباثور، كيف تجدك؟ قال: أجدني صالحاً، قال: فإذا إهابه قد خرِّق، فعصِّب بالعمائم، وعاد إلى القتال كأنه لم يصنع شيئاً «٧» .
стр. 211
روي أن عمرو بن معدي كرب الزبيدي ﵀ «١» قال: لو طُفْتُ بظعينةٍ أحياءَ العرب ما خفت عليها، ما لم ألقَ عبديها وحرَّيها- يعني بالعبدين: عنترة بن شداد والسُّليْك بن السُّلكة، والحرَّين: دريد بن الصِّمَّة وربيعة بن مكدَّم «٢» - قال: وكلاًّ قد لقيت، وأعطاني الله النصر عليه، قيل له: فما تقول في عامر بن الطفيل؟ قال: أقول فيه ما قاله «٣» :
إذا مات عمر وقلت للخيل: «أوطئي ... زبيداً، فقد أودَى بنجدتهِ عمرو
فأما وعمروٌ في زبيدٍ فلا أرى ... لكم غزوهم، فارضوا بما حَكَمَ الدهرُ!
فَلَيْتَ زُبيداً زِيدَ فيها كَضِعفها ... وليتَ أبا ثورٍ يجيشُ به البحرُ!!»
وكان لعمرو بن معدي كرب أخٌ أكبر منه، يقال له: عبد الله، وكانت له التقدمة والرئاسة دون عمرو، وكان له أختٌ يقال لها: ريحانة «٤» ، ولها يعني عمروٌ بقوله في قصيدةٍ له:
أَمِنْ ريحانةَ الداعي السميعُ ... يؤرِّقني وأصحابي هُجُوعُ
يقول في هذه القصيدة، وهو بيت حكمة:
إذا لم تستطع أمرا «٥» فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
стр. 212
فقتل عبد الله، وبذل قاتلوه الدية لعمرو، فجنح إلى ذلك، فقالت أخته تحرِّضه على الطلب بدم أخيه «١» :
أرسلَ عبد اللهِ إذ حان يومهُ ... إلى قومهِ: لا تعقِلوا لهم دمي «٢»
ولا نقبلوا منهم إفالا وأبكراً ... وأُترَكَ في بيتٍ بصعدةَ مظلمِ «٣»
فإن أنتم لم تثأروا بأخيكمُ ... فمُشٌّوا بآذان النّعام المصلّم «٤»
ولا تشربوا إلّا فضولَ نسائكمُ ... إذا ارتملت أعقابهنَّ من الدمِ «٥»
ودعْ عنكَ عمراً إن عمراً مسالمٌ ... وهلْ بطنُ عمرٍ وغير شبرٍ لمطعمِ؟!
فحرَّك هذا الشعر عَمْراً، وطلب بثأرِ أخيه، وتقدَّم في الحروب والشجاعة، حتى كان منه ما كان.
والسُّليك بن السَّلكة «٦» القائل:
قرِّبِ النَّحَّام مني يا غلامْ ... واطرحِ السرجَ عليهِ واللِّجامْ «٧»
أعلمِ الفتيان: أني خائضٌ ... غمرةَ الموتِ، فمن شاءَ أقام
стр. 213
وفي السُّليك تقول السُّلكة أمه «١» ، وقد قُتل «٢» :
طافَ يبغي نجوةً ... من هلاكٍ فهلكْ «٣»
ليتَ شِعري ضلةً! * أيُّ شيء قتلكْ؟
أمريضٌ «٤» لم تُعدْ ... أم عدوٌّ ختلكْ؟
كلُّ شيءٍ قاتلٌ ... حين تلقى أجلكْ
والمنايا رصدٌ ... للفتى حيثُ سلكْ
أيُّ شيءٍ حسنٍ ... لفتىً لم يكُ لكْ؟
وعنترة بن شداد القائل من قصيدة «٥» :
وَسَلي لِكَيما تخبري بفعالنا ... عند الوغى «٦» ومواقفِ الأبطالِ
والخيلُ تعثرُ بالقنا في جاحمٍ «٧» ... تهفو به ويجلن كلَّ مجالِ
وأنا المجرَّبُ في المواطنِ كلها ... من آلِ عبسٍ منصبي وفعالي «٨»
منهم أبي حقاً فهم لي والدٌ «٩» ... والأم من حامٍ فهم أخوالي
وأنا المنية حين تشتجرُ القنا ... والطعنُ مني سابق الآجالِ
ولربَّ قرنٍ قد تركتُ مجدَّلاً ... بلبانهِ كنواضحِ الجريالِ «١٠»
стр. 214
تنتابُهُ طُلْسُ الذئابِ مغادراً ... في قفْرةٍ متمزق السربالِ «١»
أَوْجرتهُ لَدْنَ المهزَّةِ ذابلاً ... مرنتْ عليهِ أشاجِعِي وخِصالي «٢»
قول عنترة: «مرنت عليه أشاجعي وخصالي» مثل قول قيس بن الخطيم:
ملكتُ بها كفي فأنهرتُ فتْقها ... ترى قائماً «٣» من دونها ما وراءها
وتحت هذا القول معنىً لا يعرف حقيقته إلا من باشر الحرب، ولم يزل فيها طاعناً ومطعوناً «٤» ، وقد يتهجم الإنسان على السرية والموكب فيطعن فيه مخاطراً بنفسه، خائفاً من الموت، فتسترخي يده على الرمح حتى يسبح الرمح في كفه-: فلا يكون للطعنة كبير تأثير. فعنترة وقيسٌ يشيران إلى أنهما ما أصابهما ذلك، ولا استرخت يدهما من الروع.
وقال مؤلف الكتاب «٥» :
إن يحسدوا في السلم من ... زلتي من العز المنيفِ
فبما أُهين النفس في ... يومِ الوغى يوم الصفوفِ
فلطالما أقدمتُ إقدا ... مَ الحتوفِ على الحتوفِ
بعزيمةٍ أمضى على ... حد السيوف من السّيوف
стр. 215
وفي ربيعة بن مكدم الفراسي يقول بعض العرب، وقد اجتاز بقبره، يعتذر إذ لم ينحر عليه ناقته «١» :
لا يبعدنَّ «٢» ربيعةُ بن مكدَّمٍ ... وسقى الغوادي قبرَه بذنوبِ
نفرتْ قَلُوصي من حجارةٍ حرةٍ ... بنيت على سمحِ اليدين وهوبِ
لا تنفِري يا ناقَ منه فإنه ... شرِّيبُ خمرٍ مسعرٌ لِحروبِ
لولا السِّفارُ وطولُ خرقٍ مهمهٍ ... لتركتها تحبو على العُرقوبِ «٣»
وسيأتي شيءٌ من أخباره.
وعامر بن الطفيل القائل «٤» :
إني وإن كنتُ ابن سيد عامرٍ ... وفارسها المشهور في كل موكبِ
لما سوَّدتني عامرٌ عن كلالةٍ ... أبى الله أن أسمو بأمٍ ولا أبِ
ولكنني أحمي حِماها وأتقي ... أذاها وأرمي من رماها بمنكبي
ودريد بن الصمة الجشمي القائل في أخيه عبد الله «٥» :
تنادوا فقالوا: أردتِ الخيل فارساً ... فقلتُ: أعبدُ الله ذلكم الردي؟
فجئتُ إليهِ والرماحُ تنوشهُ ... كوقع الصياصي في النسيج الممددِ
следующие страницы →