Полный текст (498 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
روي أن عمرو بن معدي كرب الزبيدي ﵀ «١» قال: لو طُفْتُ بظعينةٍ أحياءَ العرب ما خفت عليها، ما لم ألقَ عبديها وحرَّيها- يعني بالعبدين: عنترة بن شداد والسُّليْك بن السُّلكة، والحرَّين: دريد بن الصِّمَّة وربيعة بن مكدَّم «٢» - قال: وكلاًّ قد لقيت، وأعطاني الله النصر عليه، قيل له: فما تقول في عامر بن الطفيل؟ قال: أقول فيه ما قاله «٣» :
إذا مات عمر وقلت للخيل: «أوطئي ... زبيداً، فقد أودَى بنجدتهِ عمرو
فأما وعمروٌ في زبيدٍ فلا أرى ... لكم غزوهم، فارضوا بما حَكَمَ الدهرُ!
فَلَيْتَ زُبيداً زِيدَ فيها كَضِعفها ... وليتَ أبا ثورٍ يجيشُ به البحرُ!!»
وكان لعمرو بن معدي كرب أخٌ أكبر منه، يقال له: عبد الله، وكانت له التقدمة والرئاسة دون عمرو، وكان له أختٌ يقال لها: ريحانة «٤» ، ولها يعني عمروٌ بقوله في قصيدةٍ له:
أَمِنْ ريحانةَ الداعي السميعُ ... يؤرِّقني وأصحابي هُجُوعُ
يقول في هذه القصيدة، وهو بيت حكمة:
إذا لم تستطع أمرا «٥» فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
стр. 212
فقتل عبد الله، وبذل قاتلوه الدية لعمرو، فجنح إلى ذلك، فقالت أخته تحرِّضه على الطلب بدم أخيه «١» :
أرسلَ عبد اللهِ إذ حان يومهُ ... إلى قومهِ: لا تعقِلوا لهم دمي «٢»
ولا نقبلوا منهم إفالا وأبكراً ... وأُترَكَ في بيتٍ بصعدةَ مظلمِ «٣»
فإن أنتم لم تثأروا بأخيكمُ ... فمُشٌّوا بآذان النّعام المصلّم «٤»
ولا تشربوا إلّا فضولَ نسائكمُ ... إذا ارتملت أعقابهنَّ من الدمِ «٥»
ودعْ عنكَ عمراً إن عمراً مسالمٌ ... وهلْ بطنُ عمرٍ وغير شبرٍ لمطعمِ؟!
فحرَّك هذا الشعر عَمْراً، وطلب بثأرِ أخيه، وتقدَّم في الحروب والشجاعة، حتى كان منه ما كان.
والسُّليك بن السَّلكة «٦» القائل:
قرِّبِ النَّحَّام مني يا غلامْ ... واطرحِ السرجَ عليهِ واللِّجامْ «٧»
أعلمِ الفتيان: أني خائضٌ ... غمرةَ الموتِ، فمن شاءَ أقام
стр. 213
وفي السُّليك تقول السُّلكة أمه «١» ، وقد قُتل «٢» :
طافَ يبغي نجوةً ... من هلاكٍ فهلكْ «٣»
ليتَ شِعري ضلةً! * أيُّ شيء قتلكْ؟
أمريضٌ «٤» لم تُعدْ ... أم عدوٌّ ختلكْ؟
كلُّ شيءٍ قاتلٌ ... حين تلقى أجلكْ
والمنايا رصدٌ ... للفتى حيثُ سلكْ
أيُّ شيءٍ حسنٍ ... لفتىً لم يكُ لكْ؟
وعنترة بن شداد القائل من قصيدة «٥» :
وَسَلي لِكَيما تخبري بفعالنا ... عند الوغى «٦» ومواقفِ الأبطالِ
والخيلُ تعثرُ بالقنا في جاحمٍ «٧» ... تهفو به ويجلن كلَّ مجالِ
وأنا المجرَّبُ في المواطنِ كلها ... من آلِ عبسٍ منصبي وفعالي «٨»
منهم أبي حقاً فهم لي والدٌ «٩» ... والأم من حامٍ فهم أخوالي
وأنا المنية حين تشتجرُ القنا ... والطعنُ مني سابق الآجالِ
ولربَّ قرنٍ قد تركتُ مجدَّلاً ... بلبانهِ كنواضحِ الجريالِ «١٠»
стр. 214
تنتابُهُ طُلْسُ الذئابِ مغادراً ... في قفْرةٍ متمزق السربالِ «١»
أَوْجرتهُ لَدْنَ المهزَّةِ ذابلاً ... مرنتْ عليهِ أشاجِعِي وخِصالي «٢»
قول عنترة: «مرنت عليه أشاجعي وخصالي» مثل قول قيس بن الخطيم:
ملكتُ بها كفي فأنهرتُ فتْقها ... ترى قائماً «٣» من دونها ما وراءها
وتحت هذا القول معنىً لا يعرف حقيقته إلا من باشر الحرب، ولم يزل فيها طاعناً ومطعوناً «٤» ، وقد يتهجم الإنسان على السرية والموكب فيطعن فيه مخاطراً بنفسه، خائفاً من الموت، فتسترخي يده على الرمح حتى يسبح الرمح في كفه-: فلا يكون للطعنة كبير تأثير. فعنترة وقيسٌ يشيران إلى أنهما ما أصابهما ذلك، ولا استرخت يدهما من الروع.
وقال مؤلف الكتاب «٥» :
إن يحسدوا في السلم من ... زلتي من العز المنيفِ
فبما أُهين النفس في ... يومِ الوغى يوم الصفوفِ
فلطالما أقدمتُ إقدا ... مَ الحتوفِ على الحتوفِ
بعزيمةٍ أمضى على ... حد السيوف من السّيوف
стр. 215
وفي ربيعة بن مكدم الفراسي يقول بعض العرب، وقد اجتاز بقبره، يعتذر إذ لم ينحر عليه ناقته «١» :
لا يبعدنَّ «٢» ربيعةُ بن مكدَّمٍ ... وسقى الغوادي قبرَه بذنوبِ
نفرتْ قَلُوصي من حجارةٍ حرةٍ ... بنيت على سمحِ اليدين وهوبِ
لا تنفِري يا ناقَ منه فإنه ... شرِّيبُ خمرٍ مسعرٌ لِحروبِ
لولا السِّفارُ وطولُ خرقٍ مهمهٍ ... لتركتها تحبو على العُرقوبِ «٣»
وسيأتي شيءٌ من أخباره.
وعامر بن الطفيل القائل «٤» :
إني وإن كنتُ ابن سيد عامرٍ ... وفارسها المشهور في كل موكبِ
لما سوَّدتني عامرٌ عن كلالةٍ ... أبى الله أن أسمو بأمٍ ولا أبِ
ولكنني أحمي حِماها وأتقي ... أذاها وأرمي من رماها بمنكبي
ودريد بن الصمة الجشمي القائل في أخيه عبد الله «٥» :
تنادوا فقالوا: أردتِ الخيل فارساً ... فقلتُ: أعبدُ الله ذلكم الردي؟
فجئتُ إليهِ والرماحُ تنوشهُ ... كوقع الصياصي في النسيج الممددِ
стр. 216
فطاعنتْ عنه الخيلَ حتى تبددوا «١» ... وحتى علاني حالك اللون أسودي «٢»
فما رمت حتى خرقتني رماحهم ... وغودرت أكبو في القنا المتقصدِ
فِعال امرىء آسى «٣» أخاه بنفسه ... ويعلم أن المرء غير مخلدِ
وهو القائل في إخوته وقد قتلوا «٤» :
تقول: ألا تبكي أخاك؟ وقد أرى ... مكان البكا لكن بنيت على الصبرِ
فقلت: أعبد الله أبكي؟ أم الذي ... على الجدث «٥» الأعلى «٦» قتيل أبي بكرِ
وعبد يغوثَ أم نديمي مالكاً «٧» ؟ ... وعزَّ المصابُ حثوَ قبرٍ على قبرِ
أبى القتل إلا آل صمة إنهم ... أبوا غيره، والقدر يجري على قدرِ «٨»
قال مصعب بن عبد الله الزبيري: قلت لأبي: ما بلغ من شجاعة هؤلاء الثلاثة، حيث يقول عبد الله بن الزبير: يا له فتحاً! لو كان له رجالٌ مثل مصعب ومصعب ومختار «٩» ؟! قال: إنهم بيّتوا ليلةً مسلحةً «١٠» للحجَّاج، فقتلوا مائة رجل بأيديهم.
وقالت جمرة امرأة عمران بن حطان لعمران: ألم تزعم أنك لم تكذب في شعرك قط؟ قال: نعم. قالت: فقولك:
وكذاك «١١» مجزأة بن ثور ... كان أشجع من أسامه
стр. 217
هل رأيت رجلاً أشجع من الأسد؟! قال: فهل رأيت أنت أسداً فتح مدينة وحده؟! قالت: لا. قال: فمجزأة بن ثور فتح مدينة تستر «١» وحده.
قال عبد الله بن الزبير: لما اصطفنا «٢» يوم الجمل خرج علينا صائحٌ يصيح من قبل عليٍّ رضوان الله عليه: يا معشر فتيان قريش، أحذِّركم الرجلين العابدين: جندب بن زهير والأشتر مالك [﵄] «٣» ، فلا تقوموا لأسنتهما، أما جندب بن زهير فرجلٌ ربعةٌ يجر درعه حتى يعفو أثره، وأما الأشتر فلا نيابه قعقعةٌ في الحرب.
والأشتر مالك بن الحارث [﵁] «٤» القائل «٥» :
بقَّيتُ وفري وانحرفت عن العلى ... ولقيت أضيافي بوجه عبوسِ
إن لم أشنَّ على ابن حربٍ «٦» غارةً ... لم تخلُ يوماً من نهابِ نفوسِ
خيلاً كأمثال السعالي شزَّباً «٧» ... تغدو ببيضٍ في الكريهة شوسِ «٨»
حميَ الحديدُ عليهم فكأنهم ... لمعاتُ «٩» برقٍ أو شعاعُ شموسِ
وإنما سمي مالك بن الحارث [ «الأشتر» ] «١٠» بضربةٍ أصابته في قتال
стр. 218
بني حنيفة حين ارتدوا. وذلك: أنه حين تواقف الفئتان دعا أبا مسيكة «١» الإيادي، فخرج اليه، فقال له: ويحك يأبا مسيكة! بعد الإسلام والتوحيد ارتددتَ «٢» ورجعت إلى الكفر؟! فقال: يا مالك، إياك عني، إنهم يحرِّمون الخمر ولا صبر عنها! قال: فهل لك في المبارزة؟ قال: نعم. فالتقيا، فتطاعنا بالرماح، ثم رمياها وصارا إلى السيوف، فضربه أبو مسيكة فشق رأسه حتى شتر عينه، فعاد معتنقا رقبة فرسه، فاجتمع حوله أصحابه يبكون، فقال لأحدهم:
أدخل «٣» إصبعك في فمي، فعضها مالك، فالتوى الرجل من شدة العضة! فقال: لا بأس على صاحبكم، إذا سلمت الأضراس سلم الراس، ثم قال:
احشوها سويقاً ثم شدوها بعمامة، ثم قال: هاتوا فرسي! قالوا: إلى أين؟ قال إلى أبي مسيكة! فركب، ودعا أبا مسيكة، فخرج اليهم مثل السهم، فتجاولا، فضربه مالك فقطعه إلى السرج، وعاد، فبقي مغمى عليه عدّة أيام [﵁] «٤» . فهذه الضربة سمي «الأشتر» «٥» .
وقال حُضين «٦» بن المنذر- صاحب راية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇: ابتذال النفس في الحرب أبقى لها إذا تأخرت الآجال.
قال أبجر بن جابر «٧» العجلي لبنيه: إن سركم طول البقاء، وحسن
стр. 219
الثناء، والنكاية في الأعداء-: فلا تمنحوا عدوكم أكتافكم، فإن أمثل القوم بقية الصابر «١» .
وقيل لعباد بن الحصين الحبطي «٢» : في أي جنة تحب أن تلقى عدوك؟
قال: في أجلٍ مستأخر.
وقال خالد بن الوليد ﵀: ما ليلةٌ أقرَّ لعيني من ليلةٍ يُهدى إليّ فيها عروس، اللهمّ إلّا ليلة أغد وفيها لقتال العدو «٣» .
عن المدائني قال: كانت قريشٌ تقول: ما استوسق «٤» أمر الجاهلية والإسلام لأحد غير خالد بن الوليد، فإنه لم يهزم قط [﵁] «٥» .
وعن المدائني قال: كان سعيد بن الأوس بن أبي البختري من أجمل الناس وأشجعهم «٦» ، وكان يختال في مشيئته. فنظر إليه عبد الله بن الزبير ﵀ يوماً وهو يتبختر بين الصفين، فقال: كنت أظن أن مشيته تخلق فإذا هي سجية.
وقاتل يوم الحرة فأبلى وأحسن، وكانوا قد بنوا على المصاف جدارات لئلا «٧» يفر بعضهم من بعض، فقال رجل من أهل المدينة من موالي قريش:
بصُرتُ به وهو راجع وقد انهزم الناس وهو يمشي على رِسْلِهِ، فقلت: بأبي
стр. 220
أنت وأمي، إني أخاف عليك الطلب، فجعل ينظر إلي ويتبسم، وأنا أكرر عليه القول، ولا يزيدني عن النظر والتبسم شيئاً!! فجعلت أعجب من ذلك؟
فالتفت فإذا أنا بفارس، فصحت: بأبي وأمي، خلفك، فانكفأ إلى الفارس فقنطره. فقلت: اركب- جعلت فداك- فرسه وانجُ، فإني أخاف عليك حثيث الطلب، فجعل ينظر إلي ويتبسم. قال: فتعلقت ببعض الجدارات، وسعيت، فانتهيت إلى صور من أصوار الحرة «١» ، فأقمت فيه إلى الليل. فلما ضربني البرد التمست «٢» وتحركت وقد غلبتني عيني فإذا أنا عريان! فعلمت أن تبسمه كان من عريي وتحذيري.
قلت «٣» : كان بيننا وبين الإسماعيلية قتال في قلعة «شيزر» في سنة سبع وعشرين وخمس مائة، لعملةٍ عملوها علينا، ملكوا بها حصن «شيزر» ، وجماعتنا في ظاهر البلد ركاب، والشيخ العالم أبو عبد الله محمد بن يوسف بن المنيرة «٤» ﵀ في دار والدي، يعلم إخوتي ﵏، فلما وقع الصياح في الحصن تراكضنا وصعدنا في الحبال، والشيخ أبو عبد الله قد مضى إلى داره
стр. 221
إلى الجامع، وكانت داره في الجامع، فوصل عمي «فخر الدين أبو كامل شافع بن علي ﵀» إلى تحت الجامع، والشيخ أبو عبد الله مشرفٌ عليه، فقال له صاحبٌ لعمي: يا شيخ أبا عبد الله «١» ، دلي «٢» لنا حبلاً، قال: ما عندي حبل، قال: فدلِّ عمامتك! فأبطأ عليه، فتجاوزه وطلع من مكان آخر. فقيل للشيخ أبي عبد الله: كنت عريان وعلى رأسك عمامة؟! قال: لا، ما كان عليّ عمامة! ثم أفكر فقال: بلى والله، قد قال لي وهب بن التنوخي وهو مع الأمير فخر الدين أبي كامل شافع: دلي «٣» لنا حبلاً، قلت: ما عندي حبل، فقال: دلِّ لنا عمامتك-: ولو لم يكن قد رأى عليَّ عمامة ما قال ذلك!! فكان ﵀ عريان وعليه عمامة، ولا يدري بالحال التي هو عليها، لرعبه وضعف قلبه!! عن مصعب الزبيري قال: حدثني مصعب بن عثمان قال قال علي بن يزيد بن ركانة «٤» : ما نفعتني قوتي قط كما نفعتني مرة بأرض الروم: كنت غازياً، فمررت وأصحابي في يوم شديد الحر، وإذا أنا بنهر جار على رضراضٍ «٥» لم أر مثل صفائه وشدة برده، فقلت لأصحابي: تمهلوا في سيركم حتى أدخل في هذا النهر فاغتسل ثم ألحقكم. ومضى أصحابي، ونزلت عن دابتي، ووضعت سلاحي، فلما دخلت النهر رفعت رأسي، إذا أنا بعلجين على رأسي قد أخذا سلاحي ودابتي، وقالا: اخرج، فقلت: ها أناذا «٦» لديكما، وأريتهما أنني قد
стр. 222
خفّت منهما، وثفارقت «١» لهما، ثم رفعت يدي إلى الواحد ويدي الأخرى إلى الآخر، فلما أخذاني جذبتهما جذبة واحدة فألقيتهما في الماء، فما زلت أغط هذا مرة وهذا مرة حتى قتلتهما. فخرجت ولبست سلاحي وركبت دابتي ولحقت أصحابي.
قلت: جرى مثل هذا بعسقلان، لرجل من تباة «٢» البلد، يقال له «ابن الجلنار» كان مشغوفاً بالصيد بالبواشق «٣» ، وكان مشهوراً بالقوة. فركب وخرج من عسقلان وعلى يده باشق يتصيد به في شجر الجميز، فخرج عليه فارسان من العرب، وقالا: انزل، فنزل عن فرسه، وقال لهما: لكما في هذا الطير حاجة؟ قالا: لا. فشدَّ الباشق على غصن شجرة، ثم اختلفا على مهاميز حليٍ في رجليه، فقال لهما: أنتما اثنان، يأخذ كل واحد منكما فردة مهماز، ومد رجليه لهما، فجلسا يقلعان المهاميز من رجليه، فمسك «٤» رقبة ذا، ورقبة ذا، وضرب رأسيهما بعضهما «٥» ببعض، ولا يقدران على الخلاص من يده حتى قتلهما، وأخذ خيلهما وسلاحهما وباشقه ودخل المدينة! وقد كان عندنا بشيزر رجل يقال له «محمد [بن] «٦» البشيبش «٧» » كان يخدم جدِّي «سديد الملك أبو الحسن «٨» علي بن نصر بن منقذ «٩» الكناني
стр. 223
رحمه الله» وكيلا على ضيعة ببلد «كفر طاب» «١» يقال لها «أرجة» «٢» أدركته أنا وهو شيخ كبير، وكان أيِّداً «٣» شجاعاً. قال: جئت يوماً في الحر إلى ركية أرجة لأشرب، فرأيت رجلاً عليه معرقة «٤» امرأة، وعلى كتفه كارة «٥» ثياب، فتداخلني الطمع فيه، فقلت: حط الكارة، فأظهر لي خوفا! وقال: هايا مولاي! وحطها عن كتفه، فتقدمت إليها لأخذها، فمدّ يده، فقبض على ركبتي ورفعتي من الأرض، ثم ضرب بي الأرض، وبرك عليّ، وأخرج من وسطه سكينا كشعلة النار ليقتلني، فقلت: الصّنيعة! فنهض عني وخلاني، وقال: لا تحتقر الرجال، ثم فتح الكارة فأخرج منها قميصاً دفعه إليّ، فقلت له: بالله من أين اقبلت؟ قال من المعرة، فتحت البارحة دكان الصبغ فأخذت كل ما «٦» كان فيها، ثم أخذ كارته ومشى.
قال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد [﵄] «٧» يوم صفين لمعاوية:
ما رأيت أعجب منك يا أمير المؤمنين! إن كنت لتتقدم حتى أقول: أحبّ الموت، ثم تستأخر حتى أقول: أراد الهرب!! قال: يا عبد الرحمن: إني والله ما أتقدم لأقتل، ولا أتأخر لأهرب، ولكن أتقدم إذا كان التقدم غنماً وأتأخر إذا كان التأخر حزماً. كما قال الكنانيّ:
شُجَاعاً «٨» إِذَا مَا أمْكَنتْنِيَ فُرْصَةٌ ... فإنْ لَمْ تَكنّ لِي فُرْصَةٌ فَجَبَانُ
стр. 224
قلت: هذا كلام خبيرٍ بالحرب. وهو الذريعة إلى الظفر أو السلامة، إلاّ مع الاضطرار. فإنَّ المضطرَّ لا يليق به إلاّ الإقدام، فان كان في الأجل فسحةٌ فهو ينجو مشكوراً، وإن انتهت المدّة فموت المقدم «١» أكرم من موت المولّي.
قال الحجاج بن يوسف لوازع بن ذوالة الكلبي: كيف قتلت همَّام بن قبيصة النمري «٢» ؟ قال: مرَّ بي والناس منهزمون، ولو شاء أن يذهب لذهب، فلما رآني قصد لي، فضربته وضربني، وسقط، فحاول القيام فلم يقدر، فقال وهو في الموت:
تَعِسْتَ ابنَ «٣» ذاتِ النَّوْفِ «٤» أَجْهِزْ على امرىء ... يَرَى المَوْتَ خَيراً من فِرَارٍ وأكْرَمَا
وَلا تَتْرُكَنِّي بالحُشَاشَةِ «٥» إِنَّني ... صَبُورٌ إذَا مَا النِّكْسُ «٦» مِثْلُكَ أَحْجَمَا
فدنوت منه، فقال: أجهز عليَّ قبَّحك الله! فقد كنت أحب أن يلي هذا منّي من هو أربط جأشاً منك! فاحتززتُ رأسه فأتيت به مروان بن الحكم.
وعن رجل من تميم، قال: جاء رجلٌ من كلبٍ يوم المرج «٧» برأس ابن عمرو العقيلي إلى مروان بن الحكم، فقال له مروان: من قتل هذا؟ قال: أنا.
قال: كذبت. قال: المكذب أكذب! أنا والله قتلته، مر وهو تعدو به فرسه وهو يقول:
стр. 225
قَدْ طَابَ وِرْدُ المَوْتِ- مَرْوَانَ- فَرِدْ ... لاَ تَحْسَبَنَّ العَيْشَ أَدْنَى لِلرَّشَدْ «١»
لاَ خَيْرَ فِي طُولِ الحَيَاةِ فِي كَبَدْ «٢»
قال: فطعنته فسقط، فنزلت إليه وهو مثبتٌ «٣» ، وهو يقول:
بُعْداً وَسُحْقاً لاِمْرِئٍ عَاشَ فِي ... ذُلٍّ وَفِي كَفَّيْهِ عَضْبٌ صَقِيلُ
وقال مؤلف الكتاب «٤» :
سَلْ بِي كماة الوغى فى كُلِّ مُعْتَرَكٍ ... يَضِيقُ بالنَّفْسِ فِيهِ صَدْرُ ذِي الياس
يَنَبِّئُووكَ بِأَنِي فِي مَضَايِقِهَا ... ثَََبْتٌ إذَا الخَوْفُ هزَّ الشَّاهِقَ الرَّاسِي
أَخُوضُهَا كَشِهَابِ القَذْفِ يَصْحَبُنِي ... عَضْبٌ كبرقٍ سرى أو ضوءٍ مقباسِ
إذا ضربت به قِرناً أُنازله ... أو جاه «٥» عن عائدٍ يغشاه أو آسي
وقال أفلاطون: الشجاعة من أقوى فضائل العالم، لأنها تبرز ما حاوله من القول أو الفعل.
والشجاعة تكون في الضعيف البدن، الخلو من العمل بشيءٍ من السلاح، فيسمَّى صاحبها شجاعاً، ألا ترى أن سقراط كان يعد في الشجعان، وما بارز عدواً، ولا حمل شيئاً من السلاح! ولكنه قدمت إليه شربة السم وهو يتكلم في النفس مع ملأٍ عنده، فما تغيَّر حتى انقضى كلامه، ثم شربها فمات!.
وعن يوسف بن إبراهيم: أن أبا دُلفٍ القاسم بن عيسى ﵀ كان يشكو نقصان حاسية الشم والذوق، فسألته عن الوقت الذي بدأ به هذا؟ فقال:
стр. 226
وجدته في شبيبتي، وله خبر عجيب!: كانت والدتي ترخِّم اسمي استصغاراً لمحلي، فتقول: فعل «قاسِ» ، وابعثوا إلى «قاس» فيكرثني «١» ذلك، فإني لجالس في بعض الليالي بين جواريَّ وهن يغنين وقد ابتدأت الشرب «٢» -:
إذ دخلت عليَّ جارية لها مكينة عندها فقالت: إن سيدتي تقول «٣» : أنا كنت أعرَف بك ممن يلومني فيك! أنسيغ النبيذ وقد قتل أخاك ابن عمك؟! وانصرفتْ. فتسرعت إلى رمحي، وركبت فرسي وحدي، لا أنتظر غلاماً، ولا أتلبث على صاحب. فاستقبلني وهو يزئر «٤» زئير الأسد، وفي يده عمود حديد، فلما رأيته حملت عليه برمحي، فطعنته وأثبته، فسبح في طعنته، وما احتمل من ألم السباحة فيها حتى ضربني بذلك العمود في رأسي، وكانت تحت عمامتي زردية، فوقتني حد ضربته، ولو تمكن مني لأبارني بعموده. فنقص من ذلك الوقت حس شمي وذوقي، وخرّ لوجهه، فاحترزت رأسه، ودخلت به إلى أمي وهي تصلي، فوضعته بين يديها، فلما فرغت من صلاتها، قالت:
أحسن قاسم! ثم دعت بطيب فضمخته، وبعثت به إلى أمه، وقالت لرسولها:
قل لها: عزيزٌ عليَّ أن نتقاطع أرحامنا، ونتشاغل بسفك دمائنا عن دماء أعدائنا! قد وجهت إليك بمن جرّعني كأس الثّكل «٥» ، ولم يعلم أن قاتل ولدي مقتول، فخذي بحظك من الفجيعة عليه، ووقدة الثكل فيه!! وقال يزيد بن سلمة الوشاء «٦» : سرنا في رفقةٍ صغيرةٍ كانت فيها قبةٌ
стр. 227
مسترة حولها خدم وعجائز، فتوهمتها قبة جارية لبعض الطاهرية. وكان في رفقتنا شابٌ كثير المزاح حلو النادرة، فقرب مني في المسايرة، فكان مما جرى بيني وبينه أن سألته عن القبة: لمن هي من حرم الطاهرية؟ فقال لي:
فيها شاب مؤنث من أبنائهم غير متماسك. فجعلته بالي، فكنت ربما رأيته يتطلع من فروج الأغشية، ثم رأيته بعد ذلك وقد رفع له بعض السجوف.
واتفق أن أفضينا في المسير إلى كرمان، فاعترض القافلة أسد في خلقة هائلة، فتخوف أهل الرفقة منه، وقيل لهم: إنه لا يقلع عن الرفقة إلا بافتراس بعضهم، فاجتمع من في الرفقة وماجوا، وارتفع لغطهم، وكنت قريباً من قبة المؤنث، فسمعته يقول: يادادا! ما للناس؟ قالت: خير يا سيدي، وبرزت لنا عجوز في عنقها سبحة، فقالت: يا هؤلاء، قد وجب حق صحبتنا عليكم، وإن علم هذا الفتى بخبر الأسد ثكلناه، فاسكتوا، فقال لها المزَّاح: نحن في شغل بأنفسنا.
وأعاد المؤنّث القول: يادادا! ما للناس؟ فصاح المزَّاح: الأسد قد وقف لنا يريد أن يفترس منا واحداً. فخرج من القبة ومعه سيف مشهور ودرقة، ووثب إلى الأرض، وأجال بصره حتى تأمل الأسد، ثم قصده ولم يواجهه، فما شك أحد منا أنه يفترسه، فانفتل انفتالةً وضرب الأسد فحلَّ كتفه، وضربه أخرى ففرَّغ حشوته «١» ، وهو يروغ روغاناً لم يتمكن الأسد منه معه، ثم احتز رأسه وحمله في درقته والناس ينظرون، ورجع فألقى ما في يده، وقال:
يادادا! عييت والله! فلم يبقَ منا رئيس حتى غمَّر يديه ورجليه. قال يزيد بن مسلمة «٢» : فقلت له: لِمَ راوغته- يا سيدي- وأنت قادر على قتله بالمكافحة؟
стр. 228
فقال: أردت أن يسلم وجهه من ضربتي وتكون ضرباتي ضربات من كرَّ عليه وهو منهزم! فكان المزَّاح بعد ذلك يقول: إذا كان التخنيث فليكن مثل تخنيث الطاهري! وما زلنا به آمنين حتى دخلنا بغداد.
الشيء يذكر بالشيء «١» : كان عندنا بشيزر مخنث يحضر الأعراس والجنائز، اسمه «سبيكة» إذا وقع القتال لبس درعاً وأخذ سيفه وترسه، وقال: بطل التخنيث! وخرج يضرب بالسيف.
ومن العار على السيوف أن يحملها ويضرب بها المخانيث «٢» .
وروى أحمد بن أبي يعقوب قال: أحضر داود بن على بن عبد الله بن العباس جماعة من بني أمية يضرب أعناقهم، وشرع السيَّاف فيهم، فبرقت برقة، فهمس غلامٌ منهم بهذين البيتين:
تألَّق البرق نجدياً فقلت له: ... يا أيها البرق إني عنك مشغولُ
يكفيك مني عدوٌ ثائرٌ حنقٌ ... في كفه كحبابٍ «٣» الماء مصقول
فقال داوود بن علي: ما تقول؟ قال: بيتين قلتهما في هذه الساعة، وأنشده إياهما. فقال: وما كان لك في وقوع السيف فيكم وزاع؟! ثم قال للسيَّاف:
ما ينبغي أن تستبقي لنا عدواً من شجاعته أن يعمل الشعر الجيد والسيف على ودجه «٤» ، فضرب عنقه.
وأعجب من هذا ما جرى لهدبة بن خشرم العذري، وقد أُخرج من
стр. 229
السجن إلى القتل، وحوله أهله وإخوانه يشجعونه ويصبرونه، فقال: لا تظنوا أن الموت عندي صعب، ودليل سهولته عليَّ أني إذا ضُربت رقبتي مددت رجلي وقبضتها ثلاث مرات! فلما ضُربت رقبته فعل ذلك «١» !!
حكاية
«٢» وشاهدت رجلاً من أجنادنا من الأكراد ينعت بزهر الدولة بختيار «القبرصي» «٣» ، سمي بذلك لصغر «٤» خلقته، وكان ﵀ من خيار المسلمين في الشجاعة والدين، وقد ظهر عندنا أسد، فحمل عليه، فاستقبله الأسد فحاص «٥» به الحصان فرماه، فجاءه الأسد، فرفع رجله لقّمها الأسد، وبادرناه فقتلنا الأسد، فقلنا له: يا زهر الدولة، ما معنى رفع رجلك إلى الأسد؟ قال رأيتها أكسى «٦» ما فيَّ، في الران والساق موزا والخف»
، فقلت إن أمسك أضلاعي كسرها، وإن مسك رأسي فجشه «٨» ، يشتغل برجلي إلى أن يفرج الله! فعجبنا من حضور فكره في ذلك الوقت «٩» .
стр. 230
حكاية
وعن أبي يعقوب قال: كنت قائماً بين يدي الرشيد وقد قدم إليه جماعة من الملحدين، فدعا بالسيَّاف لقتلهم، فلما رآه شيخٌ منهم اضطرب وجزع، فقال له شاب منهم: يا شيخ، ترتاع من سيف هذا وفي بدنك أربعة أسياف لا بدّ من أن «١» يقتلك أحدها «٢» ؟! وهي: الدم والبلغم والصفراء والسوداء؟! فتماسك الشيخ. فأمر الرشيد بأن يقدم قتل الشاب، وقال: هذا الغلام فتنة من فتنهم.
قال «٣» عامر بن الطفيل:
سلِ الخيل عني: هل علاها إذا عدَتْ ... إلى الروع بالأبطال من فارسٍ مثلي؟ «٤»
وهل كرَّها كرِّي إذا هي أقبلتْ ... تواخطُ بالأبطال في الحَلَقِ الجدل؟ «٥»
إذا حال منها عارضٌ دون عارضٍ ... كثيفٍ وأبدتْ حدَّ أنيابها العصل «٦»
стр. 231
كشفتُ قناع الموت بيني وبينها ... وأشليتها حتى تقوم على رجل «١»
وأبسست إبساساً بها وامتريتها ... فدرَّت غزاراً بالتليل وبالنبل «٢»
وكان الذي يلقى الرَّدى من لقيته ... وما أشبه الآجال من فارسٍ قبلي
ألستُ بفيفِ الرّيح أوّل مقدم ... على رحبي موتٍ مراجلها تغلي؟! «٣»
هتكت بنصل السيف أقراب مسهرٍ ... ولا شيء أسنى بالكرام من القتلِ «٤»
قال الشيخ أبو العلاء «٥» بن سليمان المعري:
من السعد في دنياك أن يهلك الفتى ... بهيجاء يغشى أهلها الطعن والضربا
فإن قبيحاً بالمسوَّد أن يرى «٦» ... على فرشه يشكو إلى البقر «٧» الكربا!
стр. 232
وقال علوي البصرة «١» : [نقلها ابن خلكان للأمير قِرواش رحمه الله تعالى] «٢»
من كان يُحمد أو يُذم مورَّثاً ... للمال من آبائهِ وجدودهِ
فأنا امرؤٌ للهِ أحمدُ وحدهُ ... حمداً كفيلاً لي بحسن مزيدهِ
ولأبيضٍ كالملح ما جرَّدته ... إلا وبان الموت في تجريدهِ
ولأسمرٍ لدن الكعوب كأنما ... ماء المنية كامنٌ في عودهِ
بهما حويتُ المال «٣» إلا أنني ... سلطتُ جودَ يدي على تبديدهِ
وقال مؤلف الكتاب:
سأنفقُ مالي في اكتساب مكارمٍ ... أعيش بها بعد الممات مخلَّدا
وأسعى إلى الهيجاء لا أرهب الرَّدى «٤» ... ولا أتخشَّى عاملاً ومهندا
بكل فتىً يلقى المنية باسماً ... كان له في الموت عيشا مجدّدا
стр. 233
خإن نلتُ ما أرجو فللمجد ثم لي ... وإن متُّ خلَّفتُ الثناء المؤبدا
وقال مؤلف الكتاب أيضاً:
قلبي وصبري إلفان مذ خُلقا ... تقاسما صادقين لا افترقا
أمشي الهوينا والخطبُ في طلبي ... يوضع طوراً وتارةً عنقا «١»
أحنو ضلوعي في كل حادثةٍ ... على فؤادٍ لا يعرف القلقا
لا يزدهيه خوف الحِمام ولا ... عهدتُهُ في ملِّمةٍ خفقا
وقال مالك بن حريم الهمداني «٢» لعمرو بن معدي [كرب] «٣» :
يا عمرو لو أبصرتني ... لرفوتني في الخيل رَفْوَا «٤»
للقيت مني عربداً ... يقطو إلى الفرسان قَطْوَا «٥»
لما رأيتُ نساءنا ... يدخلن تحت البيت حَبْوَا
وسمعت زجر الخيل في ... جو الظلام هبي وهَبْوَا «٦»
في فيلقٍ ملمومةٍ ... تعطو على النجدات عَطْوَا «٧»
стр. 234
أقبلتُ أفلي بالحسا ... مِ معاً رؤوسَ القومِ فلو «١»
والبيض تلمع بيننا ... تعصو بها الفرسان عَصْوَا «٢»
وقال عمرو بن معدي «٣» :
أعددتُ للهيجاء سا ... بغة وعدّاء علندى «٤»
نهدا وذا شطب يقدّ البيض والأبدان قدَّا»
لما رأيتُ نساءنا ... يفحصن بالمعزاء شدَّا «٦»
وبدت لميس كأنها ... وجه النهار «٧» إذا تبدّى
نازلت كبشهم ولم ... أرمن نزال الكبش بُدَّا
هم ينذرون دمي وأَنْ ... ذِرُ إن لقيت بأن أشدَّا «٨»
قال قيس بن أبي حازم «٩» : حضر عمرو بن معدي كرب- ﵀ الناس يوم القادسية وهم يتقاتلون، فرماه رجل من العجم «١٠» بنشابة فوقعت في كتفه، وكانت عليه درع حصينة، فلم تنفذ، وحمل عمرو على العلج فعانقه، وسقطا «١١» إلى الأرض فقتله عمرو وسلبه، [ورجع بسلبه] «١٢» وهو يقول:
أنا أبو ثورٍ وسيفي ذو النون ... أضربهم ضرب غلامٍ مجنونْ
يالَ زُبيدٍ «١٣» إنّهم يموتون
стр. 235
وشهد عمرو بن معدي القادسية وهو ابن مائة وست سنين، وقيل: ابن مائة وعشر سنين «١» . ولما قتل العلج عبر جسر «٢» القادسية هو وقيس بن مكشوح «٣» ومالك بن الحارث الأشتر النخعي ﵏، وكان عمرو آخرهم، وكانت فرسه ضعيفه، فطلب غيرها، فأُتي بفرس فأخذ بعكوة «٤» ذنبه وجلد «٥» به الأرض، فأقعى الفرس، فرده، وأتى بآخر ففعل به مثل ذلك، فتحلحل ولم يُقْعِ، فقال: هذا على كل حال أقوى من تلك. وقال لأصحابه: إني حاملٌ وعابرٌ الجسر، فإن أسرعتم بمقدار جزر جزور وجدتموني وسيفي بيدي أقاتل به تلقاء وجهي، وإن أبطأتم وجدتموني قتيلاً وقد قتلت وجزرت «٦» ! ثم انغمس فحمل في القوم، فقال بعضهم: يا بني زبيد، علام تدعون صاحبكم؟ فو الله ما أرى أن تدركوه حياً. فحملوا، فانتهوا إليه وقد صُرع عن فرسه، وهو آخذ برجل فرس رجلٍ من العجم فأمسكها، وإن الفارس ليضرب الفرس فما يقدر أن يتحرك من يده. فلما غشيه أصحابه رمى العجمي بنفسه وخلَّى فرسه، فركبه عمرو، وقال: أنا أبو ثور! كدتم والله تفقدوني! قالوا: فأين فرسك؟ قال: ضربته نشابةٌ فشب فصرعني وعار «٧» .
نقلت من خط النجيرمي «٨» قال: كان الفند من الفرسان الشجعان القدماء،
стр. 236
وهو: شهل «١» بن شيبان «٢» بن ربيعة بن زِمَّان «٣» ، وإنما سمي «الفند» لأنه شُبِّه بالقطعة من الجبل، وكان عظيماً. وأمدَّت بنو حنيفة- يوم قِضَة «٤» - بكر بن وائل بالفند، وقالوا: قد أمددناكم بألف رجل، وكان شيخاً كبيراً يومئذٍ، فطعن مالك بن عوف بن الحارث بن زهير بن جُشم وخلفه رديف له يقال له الثريار «٥» بن مازن بن جشم بن عوف بن وائل بن الأوس-:
فانتظمهما برمحه وقال «٦» :
أيا طعنة ما شيخٍ ... كبيرٍ يفن بال «٧»
كجيب الدّفنس الورها ... ءريعت بعد إجفالِ «٨»
تفتَّيت بها إذ ك ... رِه الشِّكَّة أمثالي «٩»
وشهد الفند الزماني حرب بكر وتغلب وقد قارب المائة سنة، فأبلى بلاءً حسناً، وكان يوم التحالق الذي يقول فيه طرفة بن العبد «١٠» :
стр. 237
سائلوا عنا الذي يعرفنا ... بقوانا «١» يوم تحلاق اللّمم
يوم تبدي البيض عن أسوقها ... وتلف «٢» الخيل أعراج النعمْ «٣»
أنشد المبرِّد لبعضهم:
ألم تعلمي يا عِصْمَ كيف حفيظتي ... إذا الشر خاضت جانبيه المجادحُ «٤»
أفر حذار الشر والشر تاركي ... وأطعن في أنيابه وهو كالحُ
وأنشد المبرِّد:
لَعمركَ ما دهري بزِقٍ وقَينةٍ ... وطِرْفٍ وأثوابٍ جيادٍ ومطعمِ
ولكنما دهري رواقٌ يحفُّهُ ... ثمانون ألفاً من فصيحٍ وأعجمِ
يقودون قُبَّ الخيل أرسانها القنا ... إذا غضبت جادت سماؤك بالدمِ
وقال الزبير بن عبد المطلب:
ويُذهب «٥» نخوة المختال عني ... رقيق الحد ضرْبَتُهُ صَمُوتُ
بكفَّي ماجدٍ «٦» لا عيبَ فيه ... إذا لقيَ الكريهة «٧» يستميتُ
قال شبيلٌ الفزاري:
قد علم المستأخرون في الوَهَلْ ... إذا السيوفُ عريت من الخِللْ «٨»
أن الفِرارَ لا يزيدُ في الأجل
стр. 238
وقال قيس بن الخطيم من قصيدة «١» :
إذا ما فررنا كان أسوأ فرارنا ... صدود الخدود وازورار المناكبِ
صدود الخدود والقنا متشاجرٌ ... ولا تبرح «٢» الأقدام عند التضاربِ
أُجالدهم يوم الحديقة حاسراً ... كأن يدي بالسيف مِخراقُ لاعبِ
قال الفُضيل بن خُديج «٣» : شهدت من مصعب بن الزبير مشهداً، ورأيت منه شيئاً ما علمته لأحدٍ: إني لمعه في الوقعة التي قتل فيها، وقد أسلمه من أسلمه، وقتل وجوه من بقي معه-: وهو لا يكرثه ذلك، وسمعته ينشد:
ونحن أناسٌ لا نرى القتل سبَّةً ... على أحدٍ يحمي الذمار ويمنعُ
بنو الحرب أُرضعنا بهِ، غير فُحَّشٍ، ... ولا نحن مما جرَّت الحرب نفْزَعُ
جِلادٌ على ريب الحوادث لا ترى ... على هالكِ عينٌ لنا الدهر تدمعُ
وأُنشد مسلمة بن عبد الملك بعد قتل يزيد بن المهلَّب قول ثابت قطنة «٤» :
يا ليت أُسرتك الذين تغيبوا ... كانوا لنصرك- يا يزيدُ- شهودا «٥»
فقال مسلمة: وأنا والله وددت ذلك: أنّهم كانوا يومئذ شهودا فسقيتهم بكأسه.
стр. 239
ومثله قول الآخر:
فوَا أسفي أن لا أكون شهدته ... فطاحت شِمالي عنده ويميني
وكنتُ لقيتُ الموت أحمرَ دونه ... كما كان يلقى الدّهر أغبردوني
قال أبو الحسن العسكري «١» : لحق أبو دُلفٍ «٢» أكراد قطعوا الطريق في عمله «٣» ، وقد أردف منهم فارس «٤» رفيقاً له خلفه، فطعنهما جميعاً فأنفذ فيهما الرمح، فتحدث الناس: أنه أنفذ بطعنة واحدة فارسين. فلما قدم من وجهه «٥» دخل إليه بكر بن النطاح فأنشده «٦» :
قالوا: وينظم فارسين بطعنةٍ ... يوم اللقاء ولا يراه جليلا
لا تعجبوا لو أنّ طول قناته ... مبل «٧» إذاً نظم الفوارس ميلا
فأمر له أبو دُلف بعشرة آلاف «٨» درهم.
روي «٩» : أن دريد بن الصمة خرج في فوارس من بني جشم، حتى إذا كان بوادٍ لبني كنانة، يقال له «الأخرم» «١٠» ، وهو يريد الغارة على بني كنانة-: رُفع له رجلٌ من ناحية الوادي، معه ظعينة، فلما نظر إليه قال لفارسٍ من أصحابه: صِحْ به أن خلَّ الظعينة «١١» وانجُ بنفسك- وهو لا يعرفه-
стр. 240
فانتهى إليه الرجل فصاح به وألح عليه، فلما أبى إلا الإلحاح عليه ألقى زمام الناقة إلى الظعينة وقال:
سيري على رِسلك سير الآمنِ ... سير رداحٍ ذات جأشٍ ساكنِ «١»
إن انثنائي دون قِرني شائني ... فابلي بلائي واخبري وعايني
ثم حمل على الفارس فقتله، وعاد إلى زمام ظعينته نأخذه، فبعث دريد فارساً آخر لينظر ما صنع صاحبه، فرآه صريعاً، فصاح به، فتصامم عليه «٢» ، فظنَّ «٣» أنه لم يسمع، فغشيه، فألقى الزمام إلى الظعينة، ثم حمل على الفارس فصرعه، وهو يقول:
خلِّ سبيل الحرة المنيعة ... إنك لاقٍ دونها ربيعهْ
في كفِّه خطيَّةٌ مطيعه «٤» ... أوْلاَ، فخذها طعنةً سريعهْ
فالطعن مني في الوغى شريعهْ
فلما أبطأ «٥» على دريد بعث في أثرهما نارسا آخر «٦» لينظر ما صنع صاحباه، فانتهى إليهما [فرآهما] «٧» صريعين، ونظر الفارس يقود ظعينته [ويجر رمحه] «٨» ، فقال له [الفارس] «٩» : خلِّ عن الظعينة، فألقى إليها الزمام، وقال لها: اقصِدي قصد البيوت، ثم أقبل عليه فقال:
ماذا تريدُ من شتيمٍ عابسِ؟! «١٠» ... أما ترى «١١» الفارس بعد الفارس؟!
أرداهما «١٢» عامل رمح يابس ١»
стр. 241
ثم طعنه فصرعه، وانكسر رمحه، فارتاب دريد وظنَّ أنهم قد أخذوا الظعينة وقتلوا الرجل «١» ، فلحق بهم، فوجد ربيعة لا رمح معه، وقد دنا من الحي، ووجد القوم قد قتلوا. فقال له دريد: أيها الفارس، إني أضنُّ «٢» بمثلك على القتل، وإن الخيل ثائرةٌ بأصحابها، ولا أرى معك رمحاً، [وأراك حديث السن] فدونك [هذا] «٣» الرمح، فإني راجعٌ إلى أصحابي، ومثبطهم عنك. فأتى دريدٌ أصحابه فقال: إن فارس الظعينة قد حماها، وقتل فوارسنا «٤» ، وانتزع رمحي، ولا طمع لكم فيه، فانصرف القوم، فقال دريد:
ما إن رأيتُ ولا سمعتُ بمثلهِ ... حاميَ الظعينة فارساً لم يُقتلِ
أردى فوارسَ لم يكونوا نُهْزَةً «٥» ... ثم استمرَّ كأنه لم يفعلِ
متهللاً «٦» تبدو أَسرَّةُ وجههِ ... مثل الحسامِ جلتهُ كفُّ الصيقلِ «٧»
يُزجي ظعينته ويسحبُ رُمحه ... متوجهاً يُمناه نحو المنزلِ
وترى الفوارس من مخافة رمحهِ ... مثل البغاثِ خشينَ وقع الأجدل
يا ليت شِعري من أبوه وأمه؟! * يا صاحِ من يكُ مثله لم يُجْهلِ وقال ربيعة بن مكدَّم في ذلك:
إن كان ينفعك السؤال «٨» فسائلي ... عني الظعينة يوم وادي الأخرمِ
стр. 242
إذهي لأول من أتاها نُهبةٌ «١» ... لولا طِعان ربيعةَ بن مُكدَّمِ
إذ قال لي أدنى الفوارس ميتةً: ... خلِّ الظعينة طائعاً لم تندمِ «٢»
فصرفتُ راحلة الظعينة نحوه ... عمداً ليعلم بعض ما لم يعلمِ
وهتكتُ بالرمحِ الطويلِ إهابَهُ ... فهوى صريعاً لليدين وللفمِ
ومنحت آخر بعده جياشةً ... نجلاءَ فاغرةً كشِدقِ الأعلمِ «٣»
ولقد شفعتهما بآخر ثالثٍ ... وأبى الفرار لي الغداة تكرُّمي
ولم يلبث بنو كنانة- رهط ربيعة بن مكدَّم- أن أغاروا على بني جُشم- رهط دريد بن الصمة- فقتلوا منهم [وأسروا وغنموا] «٤» وأسروا دريد بن الصمة، فأخفى نفسه «٥» ، فبينا هو عندهم محبوس إذ جاء نسوة يتهادَين إليه، فصرخت امرأة منهن، فقالت: هلكتم وأهلكتم! ماذا جرَّ علينا قومنا؟! هذا والله الذي أعطى ربيعة رمحه يوم الظعينة! ثم ألقت ثوبها عليه، وقالت:
يا آلِ فراس! أنا جارةٌ له منكم، هذا صاحبنا يوم الوادي. فسألوه: من هو؟
فقال: دريد بن الصمة، فمن صاحبي؟ قالت: ربيعة بن مكدَّم، قال:
فما فعل؟ قالت: قتلته بنو سليم، قال: فمن الظعينة التي كانت معه؟ قالت:
رَيْطَة بنت جِذل الطِّعان «٦» ، وأنا هي، وأنا امرأته. فحبسه القوم، [وآمروا أنفسهم] «٧» وقالوا: لا ينبغي أن نكفر نعمة دريد [عندنا] «٨» . وقال بعضهم: والله لا يخرج من أيدينا إلا برضا المخارق الذي أسره. فانبعثت المرأة في الليل فقالت:
стр. 243
سنجزي دريدا عن ربيعة نعمة ... وكلّ امريء «١» يُجزى بما كان قدَّما
فإن كان خيراً كان خيراً جزاؤه ... وإن كان شراً كان شراً مذمَّما
سنجزيه نعمى «٢» لم تكن بصغيرةٍ ... بإعطائه الرمح السديد المقوَّما
فقد أدركت كفَّاه فينا جزاءه ... وأهلٌ بأن يجزى الذي كان أنْعَمَا
فلا تكفروه حقَّ نُعماه فيكم ... ولا تركبوا تلك التي تملأ الفما
فلو كان حياً لم يضقْ بثوابه ... ذراعاً غنياً كان أو كان معدما
ففكّموا دريداً من إسار مخارقٍ ... ولا تجعلوا البؤسى إلى الشر سلَّما
فأصبح القوم وقد أجمع ملؤهم، إلى أن سلموا دريداً إلى ريطة، فجهزته وزودته، ولحق بقومه، ولم يزل كافاً عن غزو بني فراس حتى هلك.
روي: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضوان الله عليه قال لعمرو بن معدي كرب الزبيدي ﵀ «٣» : أخبرني عن أشجع من رأيت. قال:
والله- يا أمير المؤمنين- لأخبرنك عن أجبن الناس وعن أحيل الناس وعن أشجع الناس. فقال له عمر ﵀: هات. فقال:
ارتبعت الضبابية- يعني فرسه- فخرجت كأحسن ما رأيت، وكانت شقَّاء مقَّاء طويلة الأنقاء «٤» ، فركبتها، ثم آليت لا لقيت أحداً إلّا قتلته! فخرجت وهي تنقزبي «٥» ، فإذا أنا بفتىً، فقلت: خذ حذرك فإني قاتلك! فقال:
стр. 244
ألّا تنصفني يأباثور؟ أنا كما ترى أعزل [أميل] عوَّارة «١» ، أمهلني حتى آخذ نبلي! قلت: وما غناؤها عنك «٢» ؟ قال: أمتنع بها منك، قلت:
خذها، قال: لا، أو تعطيني من العهود ما يثلجني «٣» أنك لا تروعني «٤» أو آخذها، فأثلجته، فقال: وإله قريش لا آخذها أبداً! فسلم- والله- مني وذهب. فهذا أحيل الناس!! فمضيت حتى اشتمل عليّ اللّيل، فو الله إني لأسير في قمرٍ زاهرٍ «٥» إذا بفتىً على فرسٍ يقود ظعينة وهو يقول:
يا لُبينا يا لُبينا «٦» ... ليته «٧» يُعدى علينا
ثم يُبلى ما لدينا
ثم يخرج حنظلة من مخلاته فيرمي بها إلى السماء، فلا تبلغ الأرض حتى
стр. 245
ينتظمها بمشقص «١» من نبله! فقلت له: خذ حذرك- ثكلتك أمك- فإني قاتلك! فمال عن فرسه فإذا هو في الأرض مضطجعاً، فقلت: إن هذا إلاّ استخفافٌ «٢» ، فصحت به: ويلك ما اجهلك! فلم يتحلحل «٣» ، فدنوت منه حتى شككت بالرمح إهابه «٤» ، فاذا به كأنه قد مات منذ سنة!! [فمضيت وتركته] ، فهذا أجبن الناس! ومضيت فأصبحت بين دكادك «٥» ورمالٍ، فنظرت إلى أبياتٍ فعدلت اليها، فاذا فيهنَّ جوارٍ [ثلاثة] كأنهن نجوم الثريّا، فبكين حين رأينني، فقلت: ما يبكيكنَّ؟ قلن: لما ابتلينا به منك، ومن ورائنا أختٌ لنا هي أجمل منّا! فأشرفت من فدفدٍ «٦» ، فاذا من لم أر قط أحسن منه ومن وجهه، فاذا بغلامٍ يخصف نعله وعليه ذؤابةٌ يسحبها، فلما نظرني وثب إلى الفرس مبادراً، فسبقني إلى البيوت، فوجد النساء قد ارتعن، فسمعته يقول:
مَهْلاً نُسَيَّاتِي إذاً لا تَرْتَعْنْ «٧» ... إِنْ يُمْنَعِ اليَوْمَ نِسَاءٌ تُمْنَعْنْ «٨»
أَرْخِينَ أَذْيَالَ المُرَوطِ وَارْبَعْنْ «٩»
стр. 246
فلما دنوت منه قال: أتطردني أو أطردك؟ قلت: بل أطردك، وركضت في أثره، حتى إذا مكنت السِّنان من كتفيه «١» أتكأت عليه «٢» فاذا هو لبب «٣» فرسه، ثم استوى في سرجه، فقلت: أقلني! قال: اطرد، فطردته، حتى ظننت أن السنان في ما ضغيه «٤» فاعتمدت عليه فاذا هو قائم في الأرض والسنان ماضٍ، واستوى على فرسه، فقلت: أقلني! قال: قد أقلتك فاطرد، فطردته، حتى [إذا] أمكنت السنان من متنه «٥» اتَّكيت «٦» عليه وأنا أظنُّ أن قد فرغ منه جال في سرجه «٧» حتى نظرت الى يده «٨» في الأرض، ومضى السنان زالجاً، ثم استوى، وقال: أبعد ثلاثٍ تريد ماذا؟! اطردني ثكلتك أمك! فولَّيت وأنا مرعوب منه، فلما غشيني التفتُّ فاذا هو يطردني بالرمح بلا سنان، فكفَّ عني واستنزلني، فنزلت ونزل، فجزَّ ناصيتي ثم قال: انطلق فإني أنفس «٩» بك عن القتل! فكان ذلك عندي-[والله] يا أمير المؤمنين- أشدَّ من القتل، فذاك يا أمير المؤمنين أشجع من لقيت، وسألت عنه؟ فقيل لي: ربيعة بن مكدَّم الفراسيّ من بني كنانة.
٦٣* روى أبو الفرج الأصبهاني «١٠» قال: أنشد رسول الله ﷺ قول عنترة بن شدّاد:
стр. 247
ولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى أنال بِهِ كرِيمَ المَأْكَلِ
فقال رسول الله ﷺ : «ما وصف لي أعرابيّ «١» قط فأحببت أن أراه إلاّ عنترة» «٢» .
وهذا البيت من قطعة شعرٍ لعنترة، كان سببها- فيما رواه أبو عمرٍ والشيباني «٣» -: أن بني عبسٍ أغارت على بني تميم، وعليهم قيس بن زهيرٍ، فانهزمت بنو عبس، وطلبتهم بنو تميم، ووقف لهم عنترة، ولحقتهم كتيبةٌ «٤» من الخيل، فحامى عنترة عن بني عبسٍ، فلم يصب منهم مدبرٌ «٥» ، فساء ذلك قيس بن زهير، وشقَّ عليه صنيع عنترة. فقال حين رجع: والله ما حمى الناس إلاّ ابن السَّوداء، فبلغ ذلك عنترة، وكان قيسٌ أكولاً، فقال عنترة يعرِّض به ويجيبه عن ذكر أمِّه «٦» :
بَكَرَتْ تُخَوِّفُني الحتُوفَ كَأَنّني ... أَصْبَحْتُ عَنْ غَرَضِ الحتوف بمعزل «٧»
فأجبتها: إنّ المنية منهل ... لا بدّ أَنْ أُسْقَى بِكَأْسِ المَنْهَلِ
فاقَنِي حَيَاءَكِ- لاَ أَبَالَكِ- وَاعْلَمي ... أَنِّي امْرُؤٌ سَأَمُوتُ إِنْ لَمْ أُقْتلِ «٨»
إِنَّ المَنِيَّةَ لَوْ تُمَثَّلُ مُثِّلَتْ ... مِثْلي إذَا نَزَلُوا بِضَنْكِ المَنْزِلِ
وَأَنَا امْرُؤٌ مِنْ خَيْرِ عَبْسٍ مَنْصِباً ... شَطْرِي، وَأَحْمِي سَائِرِي بِالمُنْصُلِ «٩»
стр. 248
وَإِذَا الكَتِيبَةُ أَحْجَمَتْ وَتَلاَحَظَتْ ... أُلْفِيتُ خَيْراً مِنْ معمّ مخول «١»
والخيل تعلم والفوارس أنّني ... فرّقت جمعهم بطعنة فيصل «٢»
إذ لا أدبار في المضيق فوارسي ... أولا أُوَكَّلُ بِالرَّعِيلِ الأَوَّل «٣»
إِنْ يُلْحَقُوا أَكْرُرْ، وَإِنْ يُسْتَلْحَمُوا ... أَشْدُدْ، وَإِنْ يُلْفَوْا بِضَنْكٍ أَنْزِلِ
حِينَ النُّزُولُ يَكُونُ غَايَةَ مِثْلِنَا ... وَيَفِرُّ كلُّ مُضَلَّلٍ مُسْتَوْهِلِ
وَالخَيْلُ سَاهِمَةُ الوُجُوهِ كَأَنَّمَا ... تُسْقَى فَوَارِسُها نَقِيْعَ الحَنْظَلِ
وَلَقَدْ أَبِيْتُ عَلى الطَّوى وأَظَلُّهُ ... حَتَّى أَنَالَ بِهِ كَرِيمَ المَأْكَلِ
وخرج زيد الخيل «٤» يطلب نعما له في بني بدرٍ، وأغار عامر بن الطفيل على بني فزارة، فأخذ امرأةً يقال لها «هند» واستاق نعما [لهم] ، فقالت فزارة لزيد: ما كنَّا قطُّ إليك «٥» أحوج منّا اليوم! فتبع عامر بن الطفيل، وعامرٌ يقول: ما ظنّك يا هند بالقوم؟! قالت: ظنّي أنهم سيطلبونكم، وليسوا نِياماً عنك، فحطأ عجزها «٦» ثم قال: لا يقول استها شيئاً!! فذهبت مثلاً. وأدركه زيدٌ، فنظره عامر، فأنكره لعظمه وجماله، وغشيه زيدٌ، فبرز له عامر، فقال: يا عامر، خلِّ سبيل الظعينة والنعم، فقال [عامر] :
من أنت؟ قال: فزاريٌّ [أنا] ، قال: ما أنت من القلح «٧» أفواهاً! فقال
стр. 249
[زيد: خلّ] سبيلها، قال: لا والله أو تخبرني من أنت؟ قال: من بني أسدٍ، قال: لا والله، ما أنت من المتكورين على «١» ظهور الخيل! قال: خل سبيلها، قال:
لا والله أو تخبرني من أنت «٢» ؟ قال: أنا زيد الخيل، قال صدقت، فما تريد من قتالي؟ فو الله لئن قتلتني ليطلبنك بنو عامر ولتذهبنَّ فزارة بالذِّكر! [فقال له زيد: خلِّ عنها، قال تخلِّي عنّي وأدعك والظعينة والنعم؟ قال: فاستأسر! قال: أفعل] ، فأسره زيد الخيل وجزّ ناصيته وأخذ رمحه ومنَّ عليه وردَّ الابل وهنداً إلى بني فزارة ثم بني بدرٍ، وقال زيدٌ في ذلك:
إنّا لَنُكْثِرُ فِي قَيْسٍ وَقَائِعَنَا ... وَفِي تَمِيمٍ وَهَذَا الحَيِّ مِنْ أَسَدِ
وَعَامِر بن طُفَيْلٍ قد نَحَوْتُ «٣» له ... صَدْرَ القَنَاةِ بمَاضِي الحَدِّ مُطْرِدِ
لمّا تَحَسَّبَ أَنَّ الورد مدركه «٤» ... وصارما وربيط الجأش ذالبد
نَادَى إِلَيَّ بِسِلْمٍ بَعْدَ مَا أَخَذَتْ ... مِنْهُ المَنِيّةُ بِالحَيْزُومِ وَاللُّغُدِ «٥»
وَلَو تَصَبَّرَ لِي حَتَّى أُخَالِطَهُ ... أَشْعَرْتُهُ طَعْنَةََ تَكْتَنُّ بِالزَّبَدِ «٦»
فانطلق عامر بن الطفيل الى قومه مجزوزاً، وأخبرهم الخبر، فغضبوا لذلك،
стр. 250
وقالوا: لا يرأسنا «١» أبدا، وتجهزّوا لغز وظنيّء «٢» ، ورأسوا عليهم علقمة بن علاثة، فخرجوا ومعهم الحطيئة وكعب بن زهير، فبعث عامر بن الطفيل الى زيد الخيل دسيساً ينذره، فجمع زيدٌ قومه ولقيهم «٣» بالمضيق، فهزمهم، وأسر الحطيئة وكعب بن زهير وقوماً منهم، فحبسهم، فلما طال عليهم الأسر قالوا:
يا زيد «٤» فادنا، قال: الأمر الى عامر بن الطفيل، فأبوا ذلك عليه، فوهب الأسرى لعامر إلاّ الحطيئة وكعب بن زهير، فأما كعب بن زهير فأعطاه فرسه الكميت وأطلقه، وأما الحطيئة فشكا إليه الحاجة فمنَّ عليه وأطلقه، وقال زيدٌ:
أقول لعبدي جرول إذ أَسَرْتُهُ: ... أَثِبْني وَلاَ يَغْرُرْكَ أَنَّكَ شَاعِرُ
أَنا الفَارِسُ الحَامِي الحَقِيقَةِ وَالذِي ... لَهُ المَكْرُمَاتُ وَاللُّهَا وَالمَآثِرُ «٥»
وَقَوْمِي رُؤُوسُ النّاسِ وَالرَّأْسُ قَائِدٌ ... إِذَا الحَرْبُ شَنَّتْها الأكُفُّ المَسَاعِرُ
وَلَسْتُ إِذَا مَا المَوْتُ حُوذِرَ وِرْدُهُ ... وَأُتْرِعَ حَوْضَاهُ وَحَمَّجَ نَاظِرُ «٦»
بِوَقَّافَةٍ يَخْشَى الحُتُوفَ تَهَيُّباً ... يُبَاعِدُنِي عَنْها مِنْ القُبِّ ضَامِرُ «٧»
وَلكِنّني أَغْشَى الحُتُوفَ بِصَعْدَتِي ... مُجَاهَرَةً، إنّ الكريم مجاهر «٨»
следующие страницы →