Полный текст (498 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
فلما دنوت منه قال: أتطردني أو أطردك؟ قلت: بل أطردك، وركضت في أثره، حتى إذا مكنت السِّنان من كتفيه «١» أتكأت عليه «٢» فاذا هو لبب «٣» فرسه، ثم استوى في سرجه، فقلت: أقلني! قال: اطرد، فطردته، حتى ظننت أن السنان في ما ضغيه «٤» فاعتمدت عليه فاذا هو قائم في الأرض والسنان ماضٍ، واستوى على فرسه، فقلت: أقلني! قال: قد أقلتك فاطرد، فطردته، حتى [إذا] أمكنت السنان من متنه «٥» اتَّكيت «٦» عليه وأنا أظنُّ أن قد فرغ منه جال في سرجه «٧» حتى نظرت الى يده «٨» في الأرض، ومضى السنان زالجاً، ثم استوى، وقال: أبعد ثلاثٍ تريد ماذا؟! اطردني ثكلتك أمك! فولَّيت وأنا مرعوب منه، فلما غشيني التفتُّ فاذا هو يطردني بالرمح بلا سنان، فكفَّ عني واستنزلني، فنزلت ونزل، فجزَّ ناصيتي ثم قال: انطلق فإني أنفس «٩» بك عن القتل! فكان ذلك عندي-[والله] يا أمير المؤمنين- أشدَّ من القتل، فذاك يا أمير المؤمنين أشجع من لقيت، وسألت عنه؟ فقيل لي: ربيعة بن مكدَّم الفراسيّ من بني كنانة.
٦٣* روى أبو الفرج الأصبهاني «١٠» قال: أنشد رسول الله ﷺ قول عنترة بن شدّاد:
стр. 247
ولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى أنال بِهِ كرِيمَ المَأْكَلِ
فقال رسول الله ﷺ : «ما وصف لي أعرابيّ «١» قط فأحببت أن أراه إلاّ عنترة» «٢» .
وهذا البيت من قطعة شعرٍ لعنترة، كان سببها- فيما رواه أبو عمرٍ والشيباني «٣» -: أن بني عبسٍ أغارت على بني تميم، وعليهم قيس بن زهيرٍ، فانهزمت بنو عبس، وطلبتهم بنو تميم، ووقف لهم عنترة، ولحقتهم كتيبةٌ «٤» من الخيل، فحامى عنترة عن بني عبسٍ، فلم يصب منهم مدبرٌ «٥» ، فساء ذلك قيس بن زهير، وشقَّ عليه صنيع عنترة. فقال حين رجع: والله ما حمى الناس إلاّ ابن السَّوداء، فبلغ ذلك عنترة، وكان قيسٌ أكولاً، فقال عنترة يعرِّض به ويجيبه عن ذكر أمِّه «٦» :
بَكَرَتْ تُخَوِّفُني الحتُوفَ كَأَنّني ... أَصْبَحْتُ عَنْ غَرَضِ الحتوف بمعزل «٧»
فأجبتها: إنّ المنية منهل ... لا بدّ أَنْ أُسْقَى بِكَأْسِ المَنْهَلِ
فاقَنِي حَيَاءَكِ- لاَ أَبَالَكِ- وَاعْلَمي ... أَنِّي امْرُؤٌ سَأَمُوتُ إِنْ لَمْ أُقْتلِ «٨»
إِنَّ المَنِيَّةَ لَوْ تُمَثَّلُ مُثِّلَتْ ... مِثْلي إذَا نَزَلُوا بِضَنْكِ المَنْزِلِ
وَأَنَا امْرُؤٌ مِنْ خَيْرِ عَبْسٍ مَنْصِباً ... شَطْرِي، وَأَحْمِي سَائِرِي بِالمُنْصُلِ «٩»
стр. 248
وَإِذَا الكَتِيبَةُ أَحْجَمَتْ وَتَلاَحَظَتْ ... أُلْفِيتُ خَيْراً مِنْ معمّ مخول «١»
والخيل تعلم والفوارس أنّني ... فرّقت جمعهم بطعنة فيصل «٢»
إذ لا أدبار في المضيق فوارسي ... أولا أُوَكَّلُ بِالرَّعِيلِ الأَوَّل «٣»
إِنْ يُلْحَقُوا أَكْرُرْ، وَإِنْ يُسْتَلْحَمُوا ... أَشْدُدْ، وَإِنْ يُلْفَوْا بِضَنْكٍ أَنْزِلِ
حِينَ النُّزُولُ يَكُونُ غَايَةَ مِثْلِنَا ... وَيَفِرُّ كلُّ مُضَلَّلٍ مُسْتَوْهِلِ
وَالخَيْلُ سَاهِمَةُ الوُجُوهِ كَأَنَّمَا ... تُسْقَى فَوَارِسُها نَقِيْعَ الحَنْظَلِ
وَلَقَدْ أَبِيْتُ عَلى الطَّوى وأَظَلُّهُ ... حَتَّى أَنَالَ بِهِ كَرِيمَ المَأْكَلِ
وخرج زيد الخيل «٤» يطلب نعما له في بني بدرٍ، وأغار عامر بن الطفيل على بني فزارة، فأخذ امرأةً يقال لها «هند» واستاق نعما [لهم] ، فقالت فزارة لزيد: ما كنَّا قطُّ إليك «٥» أحوج منّا اليوم! فتبع عامر بن الطفيل، وعامرٌ يقول: ما ظنّك يا هند بالقوم؟! قالت: ظنّي أنهم سيطلبونكم، وليسوا نِياماً عنك، فحطأ عجزها «٦» ثم قال: لا يقول استها شيئاً!! فذهبت مثلاً. وأدركه زيدٌ، فنظره عامر، فأنكره لعظمه وجماله، وغشيه زيدٌ، فبرز له عامر، فقال: يا عامر، خلِّ سبيل الظعينة والنعم، فقال [عامر] :
من أنت؟ قال: فزاريٌّ [أنا] ، قال: ما أنت من القلح «٧» أفواهاً! فقال
стр. 249
[زيد: خلّ] سبيلها، قال: لا والله أو تخبرني من أنت؟ قال: من بني أسدٍ، قال: لا والله، ما أنت من المتكورين على «١» ظهور الخيل! قال: خل سبيلها، قال:
لا والله أو تخبرني من أنت «٢» ؟ قال: أنا زيد الخيل، قال صدقت، فما تريد من قتالي؟ فو الله لئن قتلتني ليطلبنك بنو عامر ولتذهبنَّ فزارة بالذِّكر! [فقال له زيد: خلِّ عنها، قال تخلِّي عنّي وأدعك والظعينة والنعم؟ قال: فاستأسر! قال: أفعل] ، فأسره زيد الخيل وجزّ ناصيته وأخذ رمحه ومنَّ عليه وردَّ الابل وهنداً إلى بني فزارة ثم بني بدرٍ، وقال زيدٌ في ذلك:
إنّا لَنُكْثِرُ فِي قَيْسٍ وَقَائِعَنَا ... وَفِي تَمِيمٍ وَهَذَا الحَيِّ مِنْ أَسَدِ
وَعَامِر بن طُفَيْلٍ قد نَحَوْتُ «٣» له ... صَدْرَ القَنَاةِ بمَاضِي الحَدِّ مُطْرِدِ
لمّا تَحَسَّبَ أَنَّ الورد مدركه «٤» ... وصارما وربيط الجأش ذالبد
نَادَى إِلَيَّ بِسِلْمٍ بَعْدَ مَا أَخَذَتْ ... مِنْهُ المَنِيّةُ بِالحَيْزُومِ وَاللُّغُدِ «٥»
وَلَو تَصَبَّرَ لِي حَتَّى أُخَالِطَهُ ... أَشْعَرْتُهُ طَعْنَةََ تَكْتَنُّ بِالزَّبَدِ «٦»
فانطلق عامر بن الطفيل الى قومه مجزوزاً، وأخبرهم الخبر، فغضبوا لذلك،
стр. 250
وقالوا: لا يرأسنا «١» أبدا، وتجهزّوا لغز وظنيّء «٢» ، ورأسوا عليهم علقمة بن علاثة، فخرجوا ومعهم الحطيئة وكعب بن زهير، فبعث عامر بن الطفيل الى زيد الخيل دسيساً ينذره، فجمع زيدٌ قومه ولقيهم «٣» بالمضيق، فهزمهم، وأسر الحطيئة وكعب بن زهير وقوماً منهم، فحبسهم، فلما طال عليهم الأسر قالوا:
يا زيد «٤» فادنا، قال: الأمر الى عامر بن الطفيل، فأبوا ذلك عليه، فوهب الأسرى لعامر إلاّ الحطيئة وكعب بن زهير، فأما كعب بن زهير فأعطاه فرسه الكميت وأطلقه، وأما الحطيئة فشكا إليه الحاجة فمنَّ عليه وأطلقه، وقال زيدٌ:
أقول لعبدي جرول إذ أَسَرْتُهُ: ... أَثِبْني وَلاَ يَغْرُرْكَ أَنَّكَ شَاعِرُ
أَنا الفَارِسُ الحَامِي الحَقِيقَةِ وَالذِي ... لَهُ المَكْرُمَاتُ وَاللُّهَا وَالمَآثِرُ «٥»
وَقَوْمِي رُؤُوسُ النّاسِ وَالرَّأْسُ قَائِدٌ ... إِذَا الحَرْبُ شَنَّتْها الأكُفُّ المَسَاعِرُ
وَلَسْتُ إِذَا مَا المَوْتُ حُوذِرَ وِرْدُهُ ... وَأُتْرِعَ حَوْضَاهُ وَحَمَّجَ نَاظِرُ «٦»
بِوَقَّافَةٍ يَخْشَى الحُتُوفَ تَهَيُّباً ... يُبَاعِدُنِي عَنْها مِنْ القُبِّ ضَامِرُ «٧»
وَلكِنّني أَغْشَى الحُتُوفَ بِصَعْدَتِي ... مُجَاهَرَةً، إنّ الكريم مجاهر «٨»
стр. 251
وَأَرْوِي سِنانِي مِن دِمَاءٍ عَزِيْزَةٍ ... عَلَى أَهْلِها إذْ لاَ يُرْجَّى الأَنَاصِرُ «١»
وقال الحطيئة لزيد الخيل:
أَلاَ أَبْلِغَا عَنِّي الثَّنَاءَ فَإِنَّهُ «٢» ... سَيَأْتِي ثنائي زيدا بن مهلهل
فما نلتنا غدرا ولكن صحبتنا «٣» ... غَدَاةَ الْتَقَيْنَا فِي المَضِيْقِ بِأَخْيَلِ «٤»
تَفَادى جِيَادُ الخَيْلِ مِنْ وَقْعِ رُمْحِهِِ «٥» ... تَفَادِي بُغَاثِ الطَّيْرِ مِنْ وَقْعِ أَجْدَلِ «٦»
وقال الحطيئة أيضاً:
وَقَعْتَ بِعَبْسٍ ثُمَّ أَنْعَمْتَ عَنْهُمُ «٧» ... وَمِنْ آلِ بَدْرٍ قد أصبت الأخيرا «٨»
فإن يشكروا فالشّكر أدنى إلى التّقى ... وإن يكفروا لا ألف- يا زيد- كَافِراً «٩»
[فرضي عنه زيدٌ ومن عليه لما قال هذا فيه، وعدَّ ذلك ثواباً من الحطيئة وقبله] ، فلما رجع الحطيئة إلى قومه قام فيهم حامداً لزيد الخيل شاكراً لنعمته،
стр. 252
[حتى أسرت طيءٌ بني بدرٍ] فطلبت فزارة وأفناء قيسٍ إلى شعراء العرب أن يهجوا زيد الخيل وبني لأمٍ «١» ، فتحامتهم الشعراء وامتنعوا، «٢» فصاروا إلى الحطيئة، فسألوه في ذلك، ووعدوه جزيل العطاء، فأبى عليهم، وقال: قد حقن دمي وأطلقني بغير فداءٍ، فلست بكافر نعمته أبداً، وقال في ذلك:
كَيْفَ الهِجَاءُ وَلاَ تَنْفَكُّ صَالِحَةٌ «٣» ... مِنْ آلِ لَأُمٍ «٤» بِظَهْرِ الغَيْبِ تأتينا
المنعمين أقام العزّ وسطهم ... بيض الوجوه وَفي الْهَيْجَا مَطَاعِينَا
قال «٥» : بينا مالك بن الريب ذات ليلةٍ [في بعض هناته وهو] نائمٌ في البرية- وكان لا ينام إلا متوشِّحاً بالسيف- إذا هو بشيء قد جثم عليه، لا يدري ما هو؟! فانتفض مالك من تحته فسقط عنه، ثم انتحى له بالسيف فقدَّه نصفين، ثم نظر «٦» اليه فاذا هو رجلٌ أسود كان يغتل الناس في تلك الناحية.
قيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇: أتقتل أهل الشأم بالغداة وتظهر بالعشيّ في إزار ورداء؟! فقال: أبالموت تخوّفوني؟! فو الله ما أبلي أسقطت على الموت أو سقط الموت عليَّ.
وقال لابنه الحسن- ﵉: لا تدعونّ أحداً الى المبارزة، فان دعيت اليها فأجب، فان الداعي اليها باغ، والباغي مصروع.
стр. 253
وقيل للمهلب بن أبي صفرة ﵀: ما أعجب ما رأيت في حرب الأزارقة؟ قال: فتًى كان يخرج إلينا منهم في كل غداةٍ فيقف ويقول:
وَسَائِلَةٍ بِالغَيْبِ عَنِّي وَلَو راَتْ ... مُقَارَعَتي الأَبْطَالَ طالَ نَحِيبُها
إِذا مَا التَقَيْنَا كُنْتُ أَوَّلَ فَارِسٍ ... يَجُودُ بِنَفْسٍ أَثقَلَتْهَا ذُنُوبُهَا
ثم يحمل فلا يقوم له شيءٌ إلاّ أقعده، فاذا كان من الغد عاد لمثل ذلك! وعن أبي حاتم الرازي قال: سمعت عبدة بن سليمان المروزيَّ يقول: كنا في سريةٍ مع عبد الله بن المبارك [﵁] في بلاد الروم، فصادفنا العدو، فلما التقى الصفَّان خرج رجلٌ من العدو فدعا إلى البراز فخرج اليه رجلٌ فقتله، ثم خرج آخر منهم فقتله، ثم آخر فقتله، ثم خرج اليه آخر فطارده فعطنه فقتله، فازدحم اليه الناس، فاذا هو يلثم «١» وجهه بكمه، فأخذت بطرف كمه فمددته فاذا»
هو عبد الله بن المبارك. فقال: وأنت يأبا عمرو «٣» ممّن يشنّع علينا؟! وأنشد الرِّياشيُّ لبعض العرب:
وَأَشْعَرْتُهُ طَعنَةً ثَرَّةً «٤» ... يَظُلُّ عَلَى النَّحْرِ مِنْهَا صَبِيبُ
فَإِنْ قَتَلَتْهُ فَلَمْ آلهُ ... وَإِنْ يَنْجُ مِنْهَا فَجُرْحٌ رَغِيْبُ «٥»
وَإِنْ يَلْقَني بعدَهَا يَلْقَني ... عَلَيْهِ مِنَ الذُّلِّ ثَوْبٌ قَشِيبُ
وقال عمرو بن الإطنابة: «٦»
أَبَتْ لِي عِفَّتِي وَأَبَى بَلاَئِي «٧» ... وَأَخْذِي الحَمْدَ بالثَمَنِ الرّبيح
стр. 254
وَإقدَامِي عَلَى المَكْرُوهِ نَفْسي «١» ... وَضَرْبِي هَامَةَ البَطَلِ المُشِيحِ «٢»
وَقَولِي كُلَّما جَشَأَتْ وجَاشَتْ «٣» : ... مَكَانَكِ تُحْمَدِي أَوْ تَسْتَريحي
[واَدْفَعُ عَنْ مَكارِمَ صَالحَاتٍ ... وَأَحْمِي بَعْدُ عَنْ عِرْضِ صَحيح] «٤»
وقال قطريّ بن الفجاءة: «٥»
قول لها- وقد طارت شعاعا «٦» ... من الأبطال-: ويحكم لَنْ تُرَاعِي
فَإِنَّكِ لَوْ سَأَلْتِ حَيَاةَ يَوْمٍ ... سِوَى الأَجَلِ الذِي لَكِ لَمْ تُطَاعِي
فَصَبْراً في مَجَالِ المَوْتِ صَبْراً ... فَما نَيْلُ الخُلُودِ بمُسْتَطَاعِ
وَمَا ثَوْبُ البَقَاءِ بِثَوْبِ عِزٍّ ... فَيُطْوَى عَنْ أَخِي الخَنْعِ اليَراعِ «٧»
سَبِيلُ المَوتِ مَنْهَجُ كُلُّ حَيٍّ ... ودَاعِيه لِأهْلِ الأرْضِ دَاعِي
ومَنْ لاَ يَعْتَبَطْ يَسْأَمْ ويَهْرَمْ ... وَيُفْضِ بِهِ الزَّمَانُ إِلى انقِطاعِ «٨»
وقال قطريّ أيضاً:
إِلى كَم تُعادِيني السُّيوفُ وَلاَ أَرَى ... مَضَارِبهَا تُهْدِي «٩» إليَّ حماميا
стр. 255
أُقارِعُ عَنْ دَارِ الخُلودِ وَلاَ أَرَى ... بَقَاءً عَلَى حَالٍ لِمَنْ ليْسَ بَاقِياَ
وَلَوْ قَرَّبَ المُوْتَ القِرَاعُ لقَدْ أَنَى ... لِمَوْتِيَ أَنْ يَدْنُو لِطُولِ قِرَاعِيا
أُغادي جِلادَ المُعلمينَ كأنَّني ... عَلى العسل الماذي أصحت غَادِيَا «١»
وَأدعُو الكُمَاةَ للنِّزَالِ إِذا القَنَا «٢» ... تَحطَّمَ فِيما بَيننَا مِنْ طِعانِيَا
وَلَستُ أرى نَفْساً تَموتُ إِذا دَنَتْ ... مِنَ المَوتِ حَتَّى يَبْعَثَ اللهُ دَاعِيَا
إِذا استلبَ الخُوفُ الرِّجَالَ قُلُوبُهم ... حَبَسْنَا عَلى المَوْتِ النُّفوسَ الغَوَالِيَا
حِذَارَ الأَحاديثِ الّتي «٣» لوم غبّها ... عقدن بأعناق الرّجل المَخازِيَا
وقال قطريّ أيضاً «٤» :
يا رُبَّ ظلَّ عُقابٍ قَدْ وقَيتُ بهَا «٥» ... مُهْرِي منَ الشَّمْس وَالأبْطَالُ تَجتَلِدُ
وَرُبَّ وَادِ حِمىً أَرْعَيتُ عَقوَتَهُ «٦» ... خَيْلي اقتِسَاراً وأَطرافُ القَنا قِصَدُ «٧»
مُشَهَّرٌ مَوقِفِي والحرب كاشفة ... عَنها القِنَاعَ وَبحْرُ المَوتِ يَطَّرِدُ «٨»
وقال مؤلف الكتاب:
تُجهِّلُ في الإِقدام رَأيِي مَعَاشِرٌ «٩» ... أَرَاهُمْ إذا فرّوا من الموت أجهلا
أيرجو الفَتَى عِنْدَ انْقِضَاءِ حَيَاتِهِ*- وَإِنْ- فرَّعَنْ وِرْدِ المنيّة مزحلا «١٠»
стр. 256
إذا أناهبت الموت في حرمة الوَغَى ... فَلاَ وَجَدَتْ نَفْسِي مِنْ المَوتِ مَوْئِلاَ
وَإِنِّي إِذا نَازَلتُ كَبْشَ كَتِيبَةٍ ... فَلسْتُ أُبَالِي أَيُّنَا مَاتَ أَوَّلاَ
قلت وبالله التوفيق: قد أوردت في كتابي المترجم بكتاب (بالاعتبار) عجائب ما باشرته وحضرته وشهدته من الحروب والمصافَّات والوقائع، منذ كنت ابن خمسة عشر سنةً إلى أن تجاوزت التِّسعين، وما نالني فيها من الجراح والمكاره، وأنا القائل:
أَلُومُ الرَّدَى كَمْ خُضْتُهُ مُتَعَرِّضاً ... لَهُ، وَهْوَ عَنِّيْ معرض متجنّب؟!
وكم أخذت منّي السّيوف مآخذال ... حِمَامِ وَلكِنَّ القضاءَ مُغَيَّبُ؟!
إِلى أن تَجاوزتُ الثَّمَانينَ وَانْقَضَتْ ... بُلَهْنِيَةُ العَيشِ الذِي فِيهِ يُرْغَبُ «١»
فمكروه ما تخشى النُّفُوسُ مِنَ الرَّدى ... أَلَذُّ وأَحْلَى مِنْ حَيَاتِي وَأطيَبُ
وذكرت ما شاهدته من إقدام الرجال، وعجائب تصرُّف الآجال، فغنيت بما أوردته هناك عن الإطالة هاهنا، واقتصرت على ما أوردته.
стр. 257
٥- باب الآداب
يشتمل هذا الباب على خمسة عشر فصلاً، وهي:
فصل في الأدب - وفصل في كتمان السرّ- وفصل في أداء الأمانة- وفصل في التواضع وترك الكبر- وفصل في حسن الجوار «١» - وفصل في حفظ اللسان- وفصل في القناعة- وفصل في الصبر- وفصل في الحياء- وفصل في ترك الرياء- وفصل في الإصلاح بين الناس- وفصل في التّعنّف عن السؤال- وفصل في التحذير من الظلم- وفصل في الإحسان وفعل الخير- وفصل في مداراة الناس والصبر على الأذى
فصل في الأدب
قال الله في سورة البقرة: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ: أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [٣١]
فمن لا شريعة له لا إيمان له ولا توحيد. والشريعة موجبةٌ للأدب، فمن لا أدب له لا شريعة له ولا إيمان ولا توحيد «٢» .
وقال ابن عطاءٍ «٣» ﵀: الأدب الوقوف مع المستحسنات. فقيل:
وما معناه؟ قال: أن تعامل الله تعالى بالأدب سرّاً وإعلاناً، فاذا كنتَ كذلك كنت أديبا [وإن كنت أعجميّا] .
стр. 258
وعن الجريري ﵀ قال: منذ عشرين سنةً ما مددت رجلي وقت جلوسي للخلوة، فإنَّ حسن الأدب مع الله تعالى أولى.
وروي عن ابن سيرين ﵀: أنه سئل: أي الآداب أقرب إلى الله؟
فقال: معرفة ربوبيته، وعملٌ بطاعته، والحمد لله على السِّرَّاء، والصبر على الضَّراء.
وقال رجل من قيس لرجل من قريش: اطلب الأدب فإنه زيادةٌ في العقل، ودليلٌ على المروءة، وصلة «١» في المجلس، ثم قال:
تَعَلَّمْ فَليسَ المَرْءُ يُخْلَقُ عَالِماً ... وَليسَ أَخُو عِلْمٍ كَمَنْ هُوَ جَاهِلُ
فَإِنَّ كَبيرَ القَومِ لاَ عِلمَ عِندَهُ ... صَغيرٌ إِذَا صُمَّتْ عَلَيْهِ المَحَافِلُ
وَلاَ تَرْضَ مِنْ عَيْشٍ بدُونٍ وَلاَ يَكُنْ ... نَصِيبُكَ إِرْثٌ قَدَّمَتْهُ الأَوَائِلُ
وكان يقال: من حسن الأدب أن لا تنازع من فوقك، ولا تقولَ مالا تعلم، ولا تتعاطى مالا تنال، ولا يخالف لسانك ما في قلبك، ولا قولك فعلك، ولا تدع الأمر «٢» إذا أقبل وتطلبه إذا أدبر.
ويقال: من أدَّب صغيراً قرَّت عينه كبيراً، ومن أدَّب ابنه أرغم أنف عدوِّه.
وكان يقال: ثلاثةٌ ليس معهن غربةٌ: مجانبة الريب «٣» ، وكف الأذى، وحسن الأدب.
وقال عبد الملك بن مروان: ما الناس إلى شيء من الأدب أحوج منهم إلى إقامة ألسنتهم التي بها يتعاودون الكلام، ويتعاطون البيان، ويتهادون
стр. 259
الحكمة، ويستخرجون غوامض العلم من مخابئها، ويجمعون ما تفرَّق منها، فإن الكلام قاضٍ يحكم بين الخصوم، وضياءٌ يجلو الظُّلم، حاجة الناس إلى موادِّه حاجتهم الى مواد الأغذية.
وذكرت امرأةٌ عند هندٍ بنت المهلب بجمالٍ، فقالت هند: ما تحلَّين النساء «١» بحليةٍ أحسن من لبّ طاهر تحته أدب كامن.
وقال بزرجمهر: ما ورثت الآباء الأبناء شيئاً أفضل من الأدب: إنها إذا ورَّثتها الآداب كسبت بالآداب الأموال والجاه والإخوان والدّين والدنيا والآخرة، [و] إذا ورثتها الأموال تلفت الأموال وقعدت «٢» عدماً من الأموال والآداب.
وكان يقال: من قعد به حسبه نهض به أدبه.
وقال أبو السمراء: قال لنا أبي: يا بنيّ، تزينوا بزيِّ الكتَّاب، فإنَّ فيهم أدب الملوك وتواضع السُّوقَةِ.
وكان يقال: أربعةٌ يسود بها العبد: العلم والأدب والفقه والأمانة.
وكان يقال: عزّ الشريف أدبه، وعزّ المؤمن استغناؤه عن الناس.
ويقال: من الأدب إذا دخلت مع الرجل منزله أن تدخل بعده، وإذا خرجت خرجت قبله.
وقال المنذر بن الجارود لابنٍ له يوصيه: اعمل النَّظر في الأدب ليلاً، فإن القلب بالنهار طائر، وهو بالليل ساكن، فكلما أوعيت فيه «٣» شيئا عقله.
стр. 260
وكما يقال: الأدب خير ميراثٍ، وحسن الخلق خير قرينٍ، والتوفيق خير قائدٍ، والاجتهاد أربح بضاعةٍ ولا مال أعود من العقل، ولا مصيبة أعظم من الجهل، ولا ظهير أوثق من المشورة، ولا وحدة أوحش من العجب.
وقال عبد الملك بن مروان لمؤدب ولده- وكان رجلاً من بني زهرة-:
علمهم الصدق كما تعلمهم القرآن، واحملهم على الأخلاق الجميلة، وروِّهم الشعر يشجعوا وينجدوا، وجالس بهم أشراف الناس وأهل العلم منهم، فإنهم أحسن الناس رعةً «١» وأحسنهم أدباً، وجنبهم السَّفلة والخدم، فإنهم أسوأ الناس رعة وأسوؤهم أدباً، ومرهم فليستاكوا عرضاً، وليمصوا الماء مصًّا ولا يعبوه عبّا، ووقرهم في العلانية، وذللهم في السر، واضربهم على الكذب، إن الكذب يدعو الى الفجور، والفجور، والفجور يدعو الى النار، وجنبهم شتم أعراض الرجال، فان الحر لا يجد من عرضه عوضا، وإذا ولو أمراً فامنعهم من ضرب الأبشار «٢» ، فإنه عار باقٍ ووتر مطلوب «٣» ، واحملهم على صلة الأرحام، واعلم أن الأدب أولى بالغلام من النسب.
قيل للحسن البصري ﵀ «٤» : قد أكثر الناس في علم الآداب «٥» ، فما أنفعها عاجلاً وأفضلها «٦» آجلا؟. فقال التفقه في الدين، [فانه يصرف اليه قلوب المتعلمين] ، والزهد في الدنيا، [فإنه يقربك من رب العالمين] ، والمعرفة بما لله تعالى عليك [يحويها كمال الإيمان] .
стр. 261
وقال يحيى بن معاذ ﵀: من تأدب بأدب الله صار من أهل محبة الله.
وروي عن ابن المبارك ﵀ أنه قال: نحن إلى قليل من الأدب أحوج منّا إلى الكثير «١» من العلم.
وعن أبي نصر الطوسي السّرّاج ﵀ قال: «٢» [الأدب سند للفقراء، وزين للأغنياء، و] الناس في الأدب «٣» [متفاوتون، وهم] على ثلاث طبقات:
[أهل الدنيا، وأهل الدين، وأهل الخصوصية من أهل الدين، ف] أمّا أهل الدنيا فان أكثر «٤» آدابهم في الفصاحة والبلاغة وحفظ العلوم وأسمار «٥» الملوك وأشعار العرب، [ومعرفة الصنائع] ، وأما أهل الدين فإن أكثر «٦» آدابهم في رياضة النفوس «٧» وتأديب الجوارح [وطهارة الأسرار] وحفظ الحدود وترك الشَّهوات [واجتناب الشبهات وتجريد الطاعات والمسارعة إلى الخيرات] ، وأما أهل الخصوصية فإن أكثر «٨» آدابهم في طهارة القلوب ومراعاة الأسرار والوفاء بالعقود «٩» [بعد العهود] وحفظ الوقت وقلة الالتفات إلى الخواطر [والعوارض والبوادي والطوارق، واستواءٍ السرِّ مع الإعلان] وحسن الأدب في مواقف الطلب وأوقات الحضور [والقربة والدّنو والوصلة] ومقامات القرب «١٠» وقال عبد الله بن المبارك ﵀: قد أكثر الناس في الأدب، ونحن نقول: هو معرفة النفس.
وقال الجنيد ﵀: إذا صحَّت المحبَّةُ سقطت شروط الأدب.
стр. 262
وأنشدوا:
فِيَّ انْقِباضٌ وَحِشمَةٌ فإذَا ... لَقِيتُ أهلَ الوَفَاءِ وَالكَرَمِ
أَرسَلْتُ نَفْسي على سَحِيَّتِها ... وَقُلتُ ما قلت غَيرَ مُحْتَشِمِ
وقال أبو عثمان ﵀: إذا صحّت المحبة تأكدت على المحبِّ ملازمة الأدب.
وقال الثوري ﵀: من لم يتأدّب للوقت، فوقته مقتٌ.
قال الله : وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ: أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [٢١: ٨٣]
لم يقل «ارحمني» لأنه حفظ أدب الخطاب.
وكذلك عيسى ﵇، إذ قال له الباري : يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ «١» ، أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ قالَ:
سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ، إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ [٥: ١١٦]
ولم يقل «لم أقل» رعاية للأدب.
وقال الحكماء: لا أدب إلاّ بعقلٍ، ولا عقل إلاّ بأدبٍ: هما كالنفس والبدن، فالبدن بغير نفس جثّةٌ لا حراك بها، والنفس بغير بدن قوة لا ظهور لفعلها «٢» ، فإذا اجتمعا وتركَّبا نهضا وفعلا.
وقالوا: ليس العاقل- وإن كان تامّاً- بمستغنٍ عن الأدب والعلم، اللذين هما زينته وجماله، لأن الله تعالى جعل لكثيرٍ من خلقه زينةً، فزينة السماء بكواكبها، والأرض بزهرتها، والقمر بنوره، والشمس بضيائها. والأدب
стр. 263
للعقول كالجلاء للسيوف، فإن السيوف إذا تعوهدت بالصَّقل عملت ونفعت، وإذا لم تجل «١» صدئت وبطلت.
وقيل لبقراط: ما الفرق بين من له أدب ومن لا أدب له؟ قال: كالفرق بين الحيوان الناطق والحيوان غير الناطق.
وقالوا: من كثر أدبه شرف وإن كان وضيعاً، وساد وإن كان غريباً، وكثرت الحاجة إليه وإن كان فقيراً.
وقالوا: الأدب اللازم خيرٌ من الحسب المضاف.
وقال الشاعر:
وَمَا الحسب الموروث- لا درّدرّه ... بِمُحْتَسَبٍ إِلاّ بِآخَرَ مُكتسَبْ
إذا العُودُ لَمْ يُثْمِرْ- وَإنْ كَانَ شُعْبَةً «٢» ... مِنَ المُثْمِرَاتِ- اعْتَدَّهُ النَّاسُ فِي الحَطَبْ
وَلِلمَجْدِ قَوْمٌ سَاوَرُوهُ بِأنفُسٍ ... كِرَامٍ وَلَمْ يَعْبَوْا بِأُمٍّ وَلاَ بِأبْ «٣»
دخل كعب الأحبار على عمر بن الخطاب ﵁ وهو على فراش، وعن يمينه ويساره وسادتان، فقال له عمر [﵁] «٤» : اجلس يأبا اسحق، وأشار بيده الى الوسادة، فثناها كعب وجلس على البساط. فقال له عمر [﵁] «٥» : ما يمنعك من أن تجلس على الوسادة؟ قال: فيما أوصى سليمان بن داوود ﵉: لا تغش «٦» السلطان حتى يملَّك، ولا تنقطع عنه حتى ينساك، وإذا دخلت عليه فاجعل بينك وبينه مجلس رجلٍ أو رجلين، فعسى أن يأتي من
стр. 264
هو أولى منك بذلك المجلس. فاستلقى عمر ﵁ وقال: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [٧: ١٥٩] .
وقال الحكيم: الأدب يحرز الحظ، ويؤنس الوحشة، وينفي الفاقة، ويعرف النكرة، ويثمر المكسبة، ويكمد «١» العدو ويكسب الصديق.
وقال بعض السلف: ناهيك من شرف الأدب أن أهله متبوعون والناس تحت راياتهم «٢» ، فيعطف ربك تعالى عليهم قلوبا لا تعطفها الأرحام، وتجتمع بهم كلمةٌ لا تأتلف بالغلبة، وتبذل دونهم مهج النفوس.
وقال بعض الفلاسفة: الأدب زيادةٌ في العقول، ولقاحها وغذاؤها الذي لا يحييها غيره ولا تنمي على شيء بعده.
وقال آخر: الأدب حياة القلوب، ولا مصيبة أعظم من الجهل.
وقال بعض الحكماء: أحسن الحلية الأدب، ولا حسب لمن لا مروءة له، ولا مروءة لمن لا أدب له. ومن تأدب من غير أهل الحسب ألحقه الأدب بهم.
وقال آخر: يتشعب من الأدب التشرف وإن كان صاحبه دنيّاً، والعز وإن كان صاحبه مهيناً، والقرب وإن كان صاحبه قصيّاً، والغني وإن كان فقيراً، والنبل وإن كان حقيراً، والمهابة وإن كان وضيعاً، والسلامة وإن كان سفيهاً.
وسمع بعض الحكماء رجلاً يقول: أنا غريبٌ، فقال: الغريب من لا أدب له.
стр. 265
ومن منثور الآداب
قال جالينوس: كما أنه يعرض للبدن المرض والقيح- فالمرض مثل الصرع والشوصة، «١» والقيح مثل الجَرَب وتساقط شعر الرأس وقرعه-: فكذلك بعرض للنفس مرض وقيح، فمرضها كالغضب، وقيحها كالجهل.
وقال أرسطا طاليس: العلم دليل العقل، والعقل قائد الخير.
وقال: العالم يعرف الجاهل، لأنه قد كان جاهلاً. والجاهل لا يعرف العالم، لأنه لم يكن عالماً.
وقال: من اتخذ الحكمة لجاماً اتخذه الناس إماما.
ومرّ أرسطا طاليس برجل قد قطعت يده، فقال: أخذ ما ليس له، فأُخذ ماله.
وقال: كفى بالتجارب تأدباً، وبتقلب الأيام عظة «٢» .
وقيل لأرسطاطاليس: ما يزين المرء بين إخوانه أيها الحكيم؟ فقال: الأدب يزين غنى الغنيّ، ويشتر فقر الفقير. فقيل له: وما البلاغة؟ فقال: إقلال في إنجاز، وصواب مع سرعة جواب.
وقال أرسطا طاليس: كما أنه ليس من المروءة أن تقتصر من الأموال والعُقَد «٣» على ما فيه الحاجة وتدعو إليه الضرورة-: بل أن تتخذ الأشياء الشريفة التي للبهاء والتجمل-: فكذلك العلوم: ليس من المروءة أن تقتصر منها على ما تحتاج لضربٍ من التفقه دون أن تكتسب تشريف السّناء بها.
стр. 266
قال سقراط الحكيم: العقول مواهب، والآداب مكاسب.
وقال: العالم طبيب الدِّين، والمال داء الدين، فإذا رأيت الطبيب يجر الداء إلى نفسه فكيف يداوي غيره؟! وقال: من لم يعرف الخير من الشر فألحقه بالبهائم.
وقال: الدنيا غنيمة الأكياس وحسرة الحمقى «١» .
وقال: لا خير في الحياة إلا لأحد رجلين: ناطق عالم، أو صموت واع.
وقال: إنما يعرف الخطأ بسوء «٢» عاقبته، فلست تتقيه حتى تعرفه، ولا تعرفه حتى تخطي، فلذلك كان بين الإنسان وبين الصواب خطأ كثير.
وقال: من يجرِّب يزدد علماً، ومن يوقن يزدد يقيناً، ومن يستيقن يعمل جاهداً، ومن يحرص على العمل يزدد قوة، ومن يتردد يزدد شكاً، ومن يكسل يزدد فترة.
وقال: الذنوب الفاضحة، تذهب بالحجج الواضحة.
وقال: لا يكون الحكيم حكيماً «٣» حتى يغلب جميع شهوات الجسد.
وقال بطليموس: العاقل من عقل لسانه إلا عن ذكر الله، والجاهل من جهل قدر نفسه.
وقال: متواضع العلماء أكثرهم علماً، كما أن المكان المنخفض أكثر البقاع ماءً.
وقال: لست تعرض المسيء لمقت الله بمثل الإحسان إليه مع الإساءة منه إليك.
стр. 267
وقال: من أحب البقاء فليعد للمصائب قلباً صبوراً.
وقال: ما تزاحمت الظنون على أمرٍ مستورٍ إلا كشفته.
وقال: من لم يتعظ بالناس وعظ الله به الناس.
وقالوا: كلما قربت أجلاً فازدد عملاً.
وقالوا: الحازم من لم يشعله البطر بالنعمة عن النظر في العاقبة، ولا الهم بالحادثة عن الحيلة فيها.
وقال أفلاطون: للعادة على كل شيء سلطان.
وقال: إذا أقبلت الدنيا خدمت الشهوات العقول، وإذا أدبرت خدمت العقول الشهوات.
وقال: لا تقصروا أولادكم على آدابكم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم.
وقال: ليس يكمل عقل الرجل حتى يكون صديق المتعاديين.
وقال: ما أدرى ما الهوى؟! غير أني أعلم أنه جنون إلهي لا محمودٌ ولا مذمومٌ.
وقال أبنوس بن أبينوس «١» : موت الرؤساء أفضل [من] «٢» رئاسة السفل.
وقال: إذا بخل الملوك بالمال كثير الإرجاف بهم.
وقال سولون الحكيم: لا يضبط الكثير من لا يضبط نفسه الواحدة.
وقال: الجزع أتعب من الصّبر.
стр. 268
وقال: إذا ضاقت حالك فلا تستشيرن الإفلاس، فانه لا يشير عليك بحيرا وقال بقراط: النفس المنفردة بطلب الرغائب وحدها تهلك.
وقال: من صحب السلطان فلا يجزع من قسوته، كما لا يجزع الغواص من ملوحة البحر.
وقال: من أحب لنفسه الحياة أماتها.
وقال أرسطاطاليس: كما لا ينبت المطر الشديد الصخر كذا لا ينتفع البليد بكثرة التعليم.
وقال: كفى بالتجارب تأدباً، وبتقلب الأيام عظة «١» .
وقال: الجاهل عدو لنفسه، فكيف يكون صديقاً لغيره؟!
كتمان السر «٢»
قال الله في سورة يوسف: إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ [٤] قالَ:
يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً، إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ [٥] .
٦٤* وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «استعينوا على الحاجات بالكتمان، فكلّ ذي نعمة محسود «٣» » .
стр. 269
وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه انه قال: سرّك أسيرك، فاذا تكلمت به صرت أسيره «١» .
وقال بعض الأدباء: من كتم سره كان الخيار إليه، ومن أفشى سرّه كان الخيار عليه.
وقال بعض البلغاء: ما أسرّك، ما كتمت سرّك! وقال آخر: ما لم «٢» تغيّبه الأضالع، فهو مكشوفٌ ضائع «٣» .
وقيل لعديّ بن حاتم ﵀: أيّ شيء أوضع للرجال؟ قال: كثرة الكلام، وإضاعة السرّ، والثقة بكل أحدٍ «٤» .
وقال المهلّب بن أبي صفرة ﵀: لم أر صدور الرجال تضيق عن شيء ما تضيق عن حمل سرهم.
وخرج عمر «٥» بن الضبيعة الرّقاشي مع ابن الأشعث، فقتل فيمن قتل، وأتي الحجاج برأسه، فوضع بين يديه، فقال الحجاج: ربّ سرٍّ قد وضعت في هذا الرأس فلم يخرج منه حتى وضع بين يديّ.
وقال أنو شروان: من حصَّن سرَّه فله بتحصينه خصلتان: الظفر بحاجته، والسلامة من السَّطوات. وإظهار الرجل سرّ غيره أقبح من إظهار سرِّ نفسه، لأنه يبوء بإحدى وصمتين: إما بالخيانة إن كان «٦» مؤتمنا، أو النميمة متبرّعا «٧» .
стр. 270
وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: القلوب أوعية السرائر، والشفاه أقفالها، والألسن مفاتيحها، فليحفظ كل امرئ مفتاح سرّه «١» .
وقال الشاعر «٢» :
أَلَمْ تَرَ أَنَّ وُشَاةَ الرِّجَا ... لِ لاَ يَتْرُكُونَ أَدِيماً صَحِيحَا
فَلاَ تُفْشِ سِرَّكَ إِلاَّ إِلَيكَ ... فَإِنَّ لِكلِّ نَصِيحٍ نَصِيْحَا
وقال الآخر «٣» :
إِذَا المَرْءُ أفَشَى سِرَّهُ بِلسانِهِ ... وَلاَمَ عَليهِ غَيرَهُ فَهُوَ أَحْمَقُ
إِذَا ضَاقَ صَدْر المَرْءِ عَنْ سرِّ نَفْسِهِ ... فصدر الّذي يستودع السّرّ أصيق
وقال صالح بن عبد القدُّوس «٤» :
لاَ تُذِعْ سِرّاً إلى طَالِبِهِ ... مِنْكَ إنّ الطّالِبَ السِّرَّ مُذِيعْ
وقال آخر «٥» :
وَسِرُّكَ مَا كَانَ عِنْدَ امْرِئٍ ... وَعِنْدَ الثّلاَثَةِ غَيْرُ الخَفِي
وقال جميل بن معمرٍ «٦» :
أَجْودُ بِمَضْنُونِ التِّلادِ وَإِنّني ... بِسِرِّكِ عمن سالني لضنين
إذا جاوز الاثنين سر فإنّه ... بنثّ وتكثير الوشاة قمين
стр. 271
وقال آخر: «١»
وَلاَ تَنْطِقْ بِسِرِّكَ كُلُّ سِرٍّ ... إذَا مَا جَاوَزَ الإِثْنَينِ فَاشِي
وروي: أن عبد الله بن طاهر تذاكر الناس في مجلسه حفظ السرّ فقال «٢» :
وَمَا السِّرُّ في صَدْرِي كَمَيْتٍ بِقَبْرِهِ ... لأَنِّي رَأَيْتُ المَيْتَ يَنْتَظِرُ النَّشْرَا
وَلكِنّني أُخفيهِ حَتَّى كَأنَّني ... بِمَا كانَ مِنْهُ لَمْ أُحِطْ- سَاعَةً- خُبْرَا
وقال آخر: «٣»
وَلَو قَدَرَتْ عَلَى نِسْيَانِ ما اشْتَملتْ ... مِنِّّي الضُّلوعُ مِنَ الأَسْرارِ والخَبَرِ
لَكُنتَ أوَّلَ مَنْ يَنسَى سَرائِرهُ ... إِذْ كُنْتُ مِنْ نَشْرِهَا يَوماً عَلى خَطَرِ
وأحسن القائل:
لَوَ أن امْرأً أخفَى الهوى عَنْ ضَمِيرهِ ... لَمُتُّ وَلَمْ يَعلمْ بذاك ضمير
وإنّي سألقى الله- يا ليل- لم أبُح ... بِسِرِّكِ، وَالمُسْتَخْبِرُونَ كَثِيرُ
قالت الحكماء: كتمان السرّ كرمٌ في النفس، وسموٌّ في الهمة، ودليلٌ على المروءة، وسببٌ للمحبة، ومبلغٌ إلى جليل الرتبة.
وقالوا: من كتم سرّه كان موضعاً لودائع القلوب.
وقالوا: سرُّك من دمك، فانظر عند من تجعله «٤» .
وقالوا: صدرك أوسع لسرك.
стр. 272
وقالوا: الصبر على كتمان السر أيسر من الندامة على إفشائه.
وقالوا: لا تفش سرّك إلاّ عند من يضرُّه نشره كما يضرك، وينفعه ستره كما ينفعك.
وقالوا: كلّ سر تكتمه عدوك فلا تطلع عليه صديقك.
وقالوا: أصبر الناس من صبر على كتمان سرِّه، فلم يبده «١» لصديقه خوفاً من أن يصير عدوّاً فيذيعه «٢» .
وقال الشاعر:
كُنْ مِنْ صَدِيقِكَ حَاذِراً فَلَرُبَّمَا ... خَانَ الصَّدِيقُ فَصَارَ غَيرَ صَدِيقِ
وَاحذَرْ صَدِيقَكَ- لاَ عَدُوَّكَ- إِنَّمَا ... حَرَكَاتُ سِرِّكَ عِنْدَ كُلِّ صَدِيقِ
وقال آخر «٣» :
سَأَكتُمُهُ سِرّي وَأَكتُمُ سِرَّهُ ... وَلاَ غَرَّنِي أَنِّي عَلَيهِ كَرِيمُ
حَلِيمٌ فَيَنسَى «٤» أوْ جَهُولٌ يًذِيعُهُ ... وَما النَّاسُ إِلاّ جَاهِلٌ وَحَلِيمُ
وقال آخر «٥» :
تَبُوحُ بِسِرِّكَ ضِيقاً بهِ ... وَتَبغِي لِسِرِّكَ مَنْ يَكْتُمُ
وَكِتْمَانُكَ السِّرَّ مِمَّنْ تَخَافُ ... وَمَنْ لاَ تَخَوَّفَهُ أَحْزَمُ
إِذَا ضَاعَ سِرُّكَ مِنْ مُخْبَرٍ ... فَأَنْتَ إِذا لمته ألوم
стр. 273
وقال آخر:
إِذا أَنتَ لمْ تَحْفَظْ لِنفسِكَ سِرَّها ... فَسِرُّكَ عِندَ النَّاسِ أَفْشَى وأضْيَعُ «١»
وقال آخر:
لاَ تُفْشِ سِرَّكَ مَا استَطَعْتَ إلى امرِيءٍ ... يُفْشِي إِلَيكَ سَرَائِراً يُسْتَودَعُ
فَكَمَا تَرَاهُ بسرّ غيرك صانعا ... فكذا بسرّك لا محالة يَصْنَعُ
وقيل لعدي بن حاتم ﵀: أي الأشياء أوضع للرجال؟ قال: كثرة الكلام، وإضاعة السرّ، والثقة بكل أحدٍ» .
وعن علي بن هشام «٣» قال: سمعت المأمون يقول: الملوك تحتمل كلّ شيءٍ إلاّ ثلاثة أشياء: القدح في الملك، وإفشاء السرّ، والتعرض للحرم.
أنشد الزبير لرجلٍ من بني عبد شمس بن سعد «٤» :
إذا ما ضاق صَدرُكَ مِن حَدِيثٍ ... فَأفْشَتهُ الرِّجالُ فَمَنْ تَلُومُ؟
إِذَا عَاتَبتُ مَن أَفْشَى «٥» حَدِيثي ... وَسِرِّي عِنْدَهُ فَأنا الظَّلُومُ!
وَإِني يَومَ أَسأَمُ حَمْلَ سِرِّيْ*- وَقَدْ ضمَّنْتُهُ صَدْرِي- سَؤُومُ
وَأَطْوِي السِّرَّ دُونَ النَّاسِ، إِنّي ... لِمَا استُودِعْتُ مِنْ سِرٍّ كَتُومُ
وقال آخر:
стр. 274
إِنَّ الكَرِيمَ الذِي تَبقَى مَوَدَّتُهُ ... وَيَحْفَظُ السِّرَّ إنْ صَافَى «١» وَإنْ صَرمَا
لَيسَ الكَريمُ الذِي إن زَلَّ صَاحِبُهُ ... بَثَّ الذِي كَانَ مِنْ أسراره علما
فصل فى أداء الأمانة
[مما ورد فى الكتاب العزيز]
قال الله تعالى في سورة البقرة: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ، وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [٤٠] .
ومنها: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ [٢٧] .
ومن النساء «٢» : وَيَقُولُونَ: طاعَةٌ، فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ، وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ، فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ. وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا [٨١] .
ومن سورة آل عمران: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا: لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ. وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [٧٥] بَلى، مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [٧٦] إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ
стр. 275
الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [٧٧] .
ومن سورة النساء: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ. إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ.
إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً [٥٨] .
ومن سورة الأنفال: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [٥٥] الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ [٥٦] فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [٥٧]
«١» .
ومن سورة التوبة: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ، ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ [٦] .
ومنها: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا «٢» أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ [١٢] أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ «٣» أَوَّلَ مَرَّةٍ. أَتَخْشَوْنَهُمْ؟! فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [١٣] .
ومن سورة الأنعام: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ. وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ. لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها. وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى. وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا.
ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [١٥٢] .
стр. 276
ومن سورة الرعد: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ [٢٠] وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ [٢١] .
ومنها: (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [٢٥] .
أحاديث
«١» . ٦٥* عن عبد الله بن عمر رضوان الله عليهما: أن النبي ﷺ كان يقول: «أسألك العفة والأمانة وحسن الخلق ورضىً بالقدر «٢» » .
٦٦* وعن أبي هريرة ﵁ قال: «بينا النبي ﷺ يحدث القوم حديثاً، فقام أعرابي فقال: يا رسول الله، ومتى الساعة؟ قال: فمضى رسول الله ﷺ يحدِّث، قال: فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال. وقال بعضهم: بل لم يسمع. حتى إذا قضى حديثه قال ﷺ : أين السائل عن الساعة؟ قال: ها أنا يا رسول الله. قال: إذا ضيِّعت الأمانة فانتظر الساعة. قال: وكيف إضاعتها؟ قال: إذا أُسند الأمر إلى غير أهله فانتظر السّاعة «٣» » .
стр. 277
وعن عبد الله بن عمرو «١» ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا* ٦٧ رأيت الناس قد مرجت عهودهم «٢» ، وخفَّت أماناتهم، وصاروا هكذا- وشبّك بين أصابعه-: فالزم بيتك، وعليك بخاَّصة نفسك، وذرْ عنك أمر العامة، وخُذ ما تعرف، ودع ما تنكر «٣» » .
وعن أبي هريرة ﵀ قال قال رسول الله ﷺ : «أدِّ الأمانة إلى* ٦٨ من ائتمنك، ولا تخن من خانك «٤» » .
وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثٌ من* ٦٩ يكن فيه واحدةٌ منهن فلا يُعبأ «٥» بشيء من عمله: من لم يكن له ورع يحجزه عن معاصي الله، أو حِلمٌ يكفُّ به السفيه، أو خلقٌ يعيش به في الناس. وثلاثٌ من كان فيه واحدةٌ منهن زوِّج من الحور العين: رجلٌ ائتُمن على أمانة خفية شهية فأداها من مخافة الله ، ورجلٌ عفا «٦» عن قاتله، ورجلٌ قرأ (قل هو الله أحد) في دبر كل صلاة. وثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن أكن خصمه أخصمه: رجل استأجر أجيرا
стр. 278
فظلمه ولم يوفه أجره، ورجلٌ حلف بالله فغدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه «١» » .
٧٠* وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أداء الحقوق وحفظ الأمانات ديني ودين النبيين من قبلي. وقد أُعطيت ما لم يعطه أحد من قبلي من الأمم: أن جعل الله تعالى قربانكم الاستغفار، وجعل صلاتكم الخمس بالأذان والإقامة، ولم تصلِّها أمةٌ قبلكم، فحافظوا على صلواتكم، وأي عبد صلى الفريضة واستغفر الله عشر مرات لم يقم من مقامه حتى يغفر الله تعالى له ذنوبه، ولو كانت مثل رمل عالج وجبال تهامة لغفرها «٢» » .
٧١* وعن ثوبان ﵀: أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاث معلقات بالعرش:
الرَّحِم تقول: اللهم إني بك فلا أُقطع، والأمانة تقول: اللهم إني بك فلا أُخان، والنِّعمة تقول: اللهم إني بك فلا أُكفر «٣» » .
٧٢* وعن أبي الدرداء ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ : «خمسٌ من جاء بهن [يوم القيامة] مع إيمانٍ دخل الجنة: من حافظ على الصّلوات الخمس، على [وضوئهنّ و] ركوعهنّ وسجودهنّ ومواقيتهنّ، وأعطى الزّكاة من
стр. 279
ما له طيب النفس بها- وكان يقول: وأيم الله لا يفعل ذلك إلا مؤمنٌ- وصام شهر رمضان، وحج البيت إن استطاع إليه سبيلا، وأدّى الأمانة» .
قالوا: يأبا الدرداء، ما أداء الأمانة؟ قال: الغُسل من الجنابة، فإن الله تعالى لم يأتمن ابن آدم على شيء من دينه غيرها «١» .
وعن ميمون بن مهران «٢» قال: ثلاثةٌ تؤدى إلى البَّر والفاجر: الرَّحم، توصل، برَّة كانت أو فاجرة، والأمانة، تؤدى إلى البَّر والفاجر، والعهد، يوفى «٣» به للبَّر والفاجر.
وقال السريُّ بن المغلس «٤» ﵀: أربعٌ من أُعطيهنَّ فقد أُعطي خير الدنيا والآخرة: صدق الحديث، وحفظ الأمانة، وعفاف الطعمة، وحسن الخليقة.
وقال بعض الحكماء: من كان وفاؤه سجيَّةً، وطباعه كريمة، ورأى المكافأة بالإحسان تقصيراً حتى يتفضَّل، ولم يقصِّر عن معروف يمكنه وإن لم يشكر، ويبذل جهده لمن امتحن ودَّه-: فذلك الكامل.
وقال الحكيم: أربعٌ يسوِّدن العبد: الأدب، والصدق، وأداء الأمانة، والمروءة.
стр. 280
وقال الآخر: من عُرف بالوفاء حافظ عليه أهل مودته، وتاقت أنفس الكرام إلى نصرته.
قال الشاعر:
وإذا امرؤٌ أدى إليك أمانةً ... يعتدُّ عندك أنه أخفاها «١»
فاحفظ أمانته ولا تعلم بها «٢» ... فتكون أول واحدٍ أفشاها
وقال آخر:
وإن أمانتي لا يحتويها ... خليلٌ في زيالٍ واجتماعِ
سأرعاها وإن هو غاب عنها ... لكلِّ أمانةٍ بالغيب راعِ
وقال العرجي:
وما حمِّل الإنسان مثل أمانةٍ ... أشقَّ عليه حين يحملها حِمْلا
فإن أنت حمِّلت الأمانة فاصطبر ... عليها فقد حملت من أمرها ثقلا
ولا تقبلن- فيمن رضيت- نميمةً ... وقل للذي يأتيك يحملها: مهلا
وقال آخر:
سأرعى كل ما «٣» استودعت جهدي ... وقد يرعى أمانته الأمينُ
وذو الخير المؤثَّل ذو وفاءٍ ... كريمٌ لا يملُّ ولا يخونُ
وقال آخر:
ثقي مني وتُقنعك اليمين ... بأنّي لا أملّ ولا أخون
стр. 281
وأني حافظٌ للعهد راعٍ ... وفي العَقد مؤتمنٌ أمينُ
فلا تخشي خيانة ذي وفاءٍ ... سيأتي الغدر لي كرمٌ ودين
وقال حاتم الطائي:
فأقسمت لا أمشي إلى سر جارةٍ ... يد الدّهر مادام الحمام يغرِّدُ «١»
ولا أشتري مالاً بغدرٍ علمته ... ألا كلُّ مال خالط الغدر أنكدُ
فصل فى فضل التواضع
[مما ورد فى الكتاب العزيز]
قال الله في سورة آل عمران فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ، فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [١٥٩] .
ومن سورة الأعراف: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ: اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ [١١] قالَ: ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ؟ قالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [١٢] قالَ: فَاهْبِطْ «٢» مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ [١٣] .
стр. 282
أحاديث
٧٣* عن طلحة بن عبيد الله «١» ﵁ قال: «تمشَّى معنا رسول الله ﷺ بمكة وهو صائم، فأجهده الصوم، فحلبنا له ناقة في قعبٍ «٢» وصببنا عليه عسلاً، نكرم به رسول الله ﷺ عند فطره، فلما غربت الشمس ناولناه القعب، فلما ذاقه قال بيده: كأنه يقول: ما هذا؟ قلنا:
لبنٌ وعسلٌ أردنا أن نكرمك به، أحسب «٣» أنه قال: أكرمك الله بما- أو كما- أكرمتني، أو دعوة هذا معناها، ثم قال ﷺ : من اقتصد أغناه الله، ومن بذَّر أفقره الله، ومن تواضع رفعه [الله] «٤» ، ومن تجبَّر قصمه الله «٥» » .
٧٤* وعن الحسن ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «إن الله أوحى إلي: أن تواضعوا حتى لا يبغي أحدٌ على أحد، ولا يفخر أحدٌ «٦» على أحد، وكونوا عباد الله إخواناً «٧» » .
وعن الأسود بن يزيد ﵀ عن عائشة رضوان الله عليها قالت: إنكم لتغفلون عن أفضل العبادة: التواضع «٨» .
стр. 283
قولها «تغفلون» أي: تتركون.
وعن رسول الله ﷺ أنه قال: «طوبى «١» لمن تواضع من غير منقصة، * ٧٥ وذل في نفسه من غير مسكنة، وأنفق مالاً جمعه من غير معصية، ورحم أهل الذّلّ والمسكنة، وخالط أهل الفقه والحكمة. طوبى لمن ذل في نفسه، وطاب كسبه، وصلحت سريرته، وكرمت علانيته، وعزل عن الناس شره. طوبى لمن عمل بعلمه، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله «٢» » .
وعن أنس بن مالك ﵀ أن رسول الله ﷺ قال: «إن العفو لا يزيد* ٧٦ العبد إلا عزاً، فاعفوا يُعزكم الله وإن التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة، فتواضعوا يرفعكم الله. وإن الصدقة لا تزيد المال إلا نماءً، فتصدقوا يرحمكم الله «٣» » .
وعن عبد الله بن عمرو «٤» ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ : «يُحشر المتكبرون* ٧٧ يوم القيامة أمثال الذر، في صور الناس، يعلوهم كل شيء من الصغار،
стр. 284
يقادون إلى سجن في النار يقال له «بولس» «١» تعلوهم نار الأنيار، يسقون من طينة الخبال: عصارة أهل النار «٢» » .
٧٨* عن عبد الله بن حنظلة قال: مر عبد الله بن سلام في السوق وعلى رأسه حزمة من حطب، فقال له ناس: ما يحملك على هذا وقد أغناك الله عنه؟
قال: أردت أن أدفع به الكبر، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر «٣» » .
٧٩* وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاث هن أصل كل خطيئة، فاتقوهن واحذروهن، وثلاث إذا ذكرن فأمسكوا:
إياكم والكبر، فإن إبليس إنما منعه الكبر أن يسجد لآدم ﵇. وإياكم والحرص، فإن آدم إنما حمله الحرص على أن أكل من الشجرة. وإياكم والحسد، فإن ابني «٤» آدم إنما قتل أحدهما صاحبه حسداً. فهن أصل كل خطيئة، فاتقوهن واحذروهن. والثلاث:
إذا ذكر القدر فأمسكوا. وإذا ذكر النجوم فأمسكوا. وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا «٥» » .
стр. 285
وعن فتح بن شخرف «١» قال: رأيت علي بن أبي طالب رضوان الله عليه في النوم، فسمعته يقول: التواضع ترفُّع «٢» الفقير على الغني. وأحسن من ذلك تواضع الغني للفقير.
وعن أبي الحسن المهلبي قال: قال ذو النون المصري ﵁: علامة السعادة ثلاث: متى ما زيد في عمره نقص من حرصه، ومتى زيد في ماله زيد في سخائه، ومتى زيد في قدره زيد في تواضعه. وعلامة الشقاء ثلاث: متى مازيد في عمره زيد في حرصه، ومتى ما زيد في ماله زيد في يخله، ومتى ما زيد في قدره زيد في تجبره وقهره وتكبره.
وعن يزيد بن ميسرة ﵀ قال: قال عيسى ابن مريم صلى الله عليه «٣» :
بحقٍ أقول لكم: كما تواضعون كذلك ترفعون، وكما ترحمون كذلك تُرحمون، وكما تقضون حوائج الناس كذلك يقضي الله تعالى من حوائجكم.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: «كان النبي ﷺ إذا استقبله* ٨٠ الرجل فصافحه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل ينزع، ولا يصرف وجهه عن وجهِهِ حتى يكون الرجل هو يُصرفه، ولا يرى مقدّما ركبتيه بين يدي جليس له «٤» » .
следующие страницы →