← Адаб

Адаб · id 10496

لباب الآداب لأسامة بن منقذ

أسامة بن منقذ

Полный текст (498 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وقال آخر: ورُبَّ قبيحةٍ ما حال بيني ... وبين ركوبها إلا الحياءُ إذا رُزق الفتى وحها وقاحا ... نقلب في الأمور كما يشاءُ وقال محمد بن حازم: «١» وإني ليثنيني عن الجهل والخنا ... وشتم ذوي القُربى خلائقُ أربعُ: حياءٌ وإسلامٌ وتقوى وأنني ... كريمٌ، ومثلي قد يضرُّ وينفعُ وقال آخر: «٢» إياك أن تزدري الرجال فما ... تعلم ماذا بجنّه الصدفُ نفس الجوادِ الكريم باقيةٌ ... فيه وإن كان مسَّه عجفُ «٣» والحر حرٌ وإن ألم به ال ... ضرُّ وفيه الحياء والأَنَفُ «٤» وقال آخر: كريمٌ يغضُّ الطرفَ فضلَ حيائهِ ... ويدنو وأطراف الرماح دواني «٥» وكالسيفِ إن لا ينتهُ لانَ متنُهُ ... وحدّاهُ إن خاشنتهُ خَشِنانِ وقال آخر: «٦» إذا لم تخشَ عاقبة الليالي ... ولم تستحي فاصنع ما تشاء

стр. 317

فلا والله ما في العيشِ خيرٌ ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياءُ وقال آخر: أعاذلتي قد جربت حسبي ... وتمّ العقل وانكشف الغِطاءُ «١» فما في أن يعيش المرء خيرٌ ... إذا ما المرء زايله الحياء يعيش المرء مالستحيا بخيرٍ ... ويبقى العود ما بقي اللحاءُ وقال العرجي: إذا حُرم المرء الحياء فإنه ... بكل قبيحٍ كان منه جديرُ له قِحةٌ في كلّ شيء، وسرّه ... مباح، وخذناه خناً وغرورُ يرى الشتمَ مدحاً والدناءةَ رفعةً ... وللسمع منه في العظات نفورُ «٢» ووجه الحياءِ ملبسٌ جلد رقةٍ ... بغيضٌ إليه ما يشين كثيرُ له رغبةٌ في أمره وتجردٌ ... حليمٌ لدى جهل الجهول وقور «٣» فرجّ الفتى ما دام بحيا فإنه ... إلى خير حالاتِ المنيب يصيرُ فصل فى الصبر [مما ورد فى الكتاب العزيز] قال الله في سورة البقرة: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ، وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ [٤٥] الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ [٤٦] .

стр. 318

ومنها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ «١» آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [١٥٣] . ومنها «٢» : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ. وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [١٥٥] الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [١٥٦] أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [١٥٧] . ومن سورة آل عمران: الَّذِينَ يَقُولُونَ: رَبَّنا إِنَّنا «٣» آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ [١٦] الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ [١٧] . ومنها «٤» : لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً، وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [١٨٦] . ومنها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [٢٠٠] . ومن سورة الأنعام: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا. وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ. وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ [٣٤] . ومن سورة الأعراف: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ

стр. 319

الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها، وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا، وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ [١٣٧] . ومن سورة هودٍ: إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [١١] . ومنها: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ. إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ. ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ [١١٤] وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [١١٥] . ومن سورة النحل: وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً، وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [٤١] الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [٤٢] . ومنها: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [١١٠] . ومن سورة الحج: فَإِلهُكُمْ «١» إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ [٣٤] الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ «٢» وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [٣٥] . ومن سورة العنكبوت: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ

стр. 320

[٥٨] الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [٥٩] . ومن سورة الروم «١» : وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ «٢» بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ [٥٨] كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [٥٩] فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ «٣» [٦٠] . ومن سورة تنزيل السجدة: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى «٤» الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ، وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ [٢٣] وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا، وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ [٢٤] إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [٢٥] . ومن سورة الصّافّات: فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ [١٠١] فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى؟ قالَ: يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ، سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [١٠٢] . ومن سورة ص: وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ: أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ [٤١] ارْكُضْ بِرِجْلِكَ، هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ [٤٢] وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ [٤٣] وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ. إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً. نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [٤٤] . ومن سورة حم المؤمن: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ «٥» [٥٣] هدىً وذكرى لأولي الألباب [٥٤]

стр. 321

فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ [٥٥] . ومنها: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ. فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ [٧٧] . ومن سورة الأحقاف: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ. لَهُمْ. كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ. بَلاغٌ. فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ [٣٥] . ومن سورة ق: فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ [٣٩] وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ [٤٠] . ومن سورة القلم: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ [٤٨] لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ [٤٩] فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ [٥٠] . ومن سورة المدثر: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ [٤] وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [٥] وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [٦] وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [٧] . ومن سورة الإنسان: فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً [١١] وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً [١٢] مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ، لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً [١٣] . ومن سورة البلد: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ [١١] وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ؟ [١٢] فَكُّ رَقَبَةٍ [١٣] أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ [١٤] يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ [١٥]

стр. 322

أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ [١٦] ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ [١٧] أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ [١٨] . أحاديث ١٣٠* عن أبي هريرة ﵁: «قيل: يا رسول الله، هل من رجلٍ يدخل الجنة بغير حساب؟ قال: نعم، كل رحيمٍ صبور «١» » . ١٣١* وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «لو كان الصبر رجلاً كان كريما» . «٢» روي عن سليمان بن داود ﵉ أنه قال: إنا وجدنا خير عيشنا الصبر. وكان عيسى ابن مريم ﵇ «٣» يقول: يا معشر الحواريين، لا تدركون ما تأملون إلاّ بالصبر على ما تكرهون. ولا تبلغون ما تريدون إلاّ بترك ما تشتهون. ١٣٢* وعن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الصبر نصف الإيمان. واليقين الإيمان كله» . «٤» ١٣٣* وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «سئل رسول الله ﷺ عن الإيمان؟ فقال: الصبر والسماح» . «٥» عن الحسن ﵁ قيل له: ما الصبر والسماح؟ قال: السماح بفرائض الله تعالى، والصبر عن محارم الله .

стр. 323

وعن عبد العزيز ﵀ قال: أوحى الله إلى داود ﵇: «يا داود، اصبر على المؤونة، تأتك المعونة» . وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه أنه قال: يأيها الناس، احفظوا عني خمسا: اثنتين واثنتين وواحدةً: ألا لا يخافنّ أحدٌ منكم إلا ذنبه، ولا يرجون إلاّ ربه. ولا يستحي أحدٌ منكم إذا لم يعلم أن يتعلم، ولا يستحي أحدٌ منكم إذا سئل وهو لا يعلم أن يقول: لا أعلم. واعلموا أن الصبر من الأمور بمنزلة الرأس من الجسد، فاذا فارق الرأس الجسد فسد الجسد، وإذا فارق الصبر الأمور فسدت الأمور. ثم قال: ألا أدلكم على الفقيه كل الفقيه؟ قالوا: بلى، يا أمير المؤمنين. قال: من لم يوئس الناس من روح الله، ولم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يؤمن الناس من مكر الله، ولم يزين للناس المعاصي، ولا ينزل العارفين الموحّدين الجنة، ولا ينزل العاصين الموحدين النار، حتى يكون الرب هو الذي يقضي بينهم. لا يأمنن خير هذه الأمة من عذاب الله تعالى، والله يقول: فَلا «١» يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ [٧: ٩٩] ولا ييأس شر هذه الأمة من روح الله تعالى، فالله سبحانه يقول: إِنَّهُ لا يَيْأَسُ «٢» مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ [١٢: ٨٧] . وعن النبي ﷺ أنه قال: «الصبر سترٌ من الكروب، وعون في* ١٣٤ الخطوب» «٣» .

стр. 324

وقال بعض الحكماء: أعدّ للمكروه عدّتين: الصبر على ما لا يدفع مثله إلا بالصبر، والصبر عما لا يجدي الجزع فيه. وقال الحكيم: الصبر يفني كل شيء. وقال آخر: بالصبر على مواقع المكروه تدرك الحظوظ. وقال عبيد بن الأبرص: صَبّرِ النَّفْسَ عِندَ كُلِّ مُلِمٍّ ... إِنّ فِي الصَّبرِ حِيلَةَ المُحتَالِ لاَ تَضِيقَنَّ بِالأُمُورِ فَقدْ ... تُكشَفُ غَمّاؤُها بِغيرِ احْتِيالِ رُبَّما تَجْزَعُ النُّفُوسُ مِنَ الأَم ... رِ لَهُ «١» فُرْجَةٌ كَحَلِّ العِقَالِ قلت وبالله التوفيق: قد أوردت في كتابي المترجم بكتاب (التأسي والتسلي) من ذكر الصبر ما ورد فيه في الكتاب العزيز، والأحاديث المرفوعة، وشيئاً من أقوال الحكماء، ومن الأشعار والأخبار. فغنيت عن الإطالة فيه في كتابي هذا، فأوردت فيه هذا الفصل مختصراً، وإن كان الصبر الأدب الذي يبدأ به العاقل، وإليه يضطر الجاهل، وهو كمال في الدنيا، أجر في الآخرة، حجاب عن الشمات، عونٌ في النائبات، ولو لم يكن من فضله إلا أن الله سبحانه أوصى به رسوله ﷺ [وعلى آله وصحبه رضوان الله أجمعين] . «٢» فصل في النهي عن الرياء [مما ورد فى الكتاب العزيز] قال الله في سورة البقرة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ،

стр. 325

فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً، لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا. وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ [٢٦٤] . ومن سورة النساء: وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً [٣٧] وَالَّذِينَ «١» يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ. وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً [٣٨] وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ. وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً [٣٩] . ومنها: إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ، وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [١٤٢] مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ، لا إِلى هؤُلاءِ «٢» لا إِلى هؤُلاءِ «٣» َ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [١٤٣] . ومن سورة الأنفال: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً «٤» وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [٤٧] . أحاديث «٥» عن محمود بن لبيدٍ ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أخوف ما أخاف* ١٣٥ عليكم الشرك الأصغر. قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، قال: يقول الله تعالى يوم يجازي العباد بأعمالهم-: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤونهم في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم خيرا؟!» . «٦»

стр. 326

١٣٦* وعن أبي هريرة ﵀ قال: يقول الله ﵎: «أنا أغنى الشركاء «١» عن الشرك، فمن عمل عملاً لغير وجهي فأنا منه بريء» «٢» . وعن مجاهد ﵀ قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أتصدق بالصدقة وألتمس بها وجه الله تعالى وأحب أن يقال لي خيراً «٣» . فنزلت هذه الآية: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً «٤» [١٨: ١١٠] . ١٣٧* وروى أبو هريرة ﵀ عن النبي ﷺ أنه قال: «يخرج في آخر الزمان أقوامٌ يختلفون «٥» الدنيا بالدين، فيلبسون [للناس] جلود الضأن من اللين، وألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم قلوب الذئاب. يقول الله تعالى: أبي يغترُّون؟ أم عليّ يجترئون؟ فبي حلفت لأبعثنّ على أولئك فتنةً تدع الحليم حيران» . «٦» ١٣٨* وعن حبيب عن أبي صالح «٧» ﵀ قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أعمل العمل فأسره فيطلع عليه فيعجبني، ألي فيه

стр. 327

أجر؟ قال: لك أجران: أحر السر وأجر العلانية» . معناه: أنه يطلع عليه فيقتدى به، فله أجر العمل وأجر الاقتداء. عن عقبة بن مسلم «١» : أن شفيا «٢» الأصبحي حدثه قال: دخلت* ١٣٩ المدينة فإذا أنا برجل قد اجتمع عليه الناس، فقلت: من هذا؟ قالوا: أبو هريرة، فدنوت منه. فلما سكت وخلا قلت له: أنشدك الله تعالى، حدثني حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ وحفظته وعلمته. فقال أبو هريرة: أفعل، لأحدثنك بحديث حدثنيه رسول الله ﷺ ما معناه أحدٌ غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغةً «٣» - أي شهق شهقةً- فخر مغشياً عليه، فمكث قليلاً، ثم أفاق فقال: لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله ﷺ ، ثم نشغ نشغة أخرى فمكث طويلاً؛ ثم أفاق ومسح وجهه؛ وقال: لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله ﷺ ، ثم نشغ نشغة واشتد طويلاً، ثم أفاق، وقال: حدثني رسول الله ﷺ قال: «إن الله تعالى إذا كان يوم القيامة يقضي بين خلقه وكل أمةٍ جاثيةٌ-: فأول من يدعى به رجلٌ جمع القرآن ورجلٌ قتل في سبيل الله ورجل كثير المال. فيقول الله تعالى للقارىء: ماذا عملت فيما علمت؟ فيقول: كنت أقوم به آناء الليل والنهار. فيقول الله تعالى: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، [ويقول الله تعالى] : بل أردت أن يقال: فلان

стр. 328

قاريء، فقد قيل ذلك. ويقال لصاحب المال: ماذا عملت فيما آتيتك؟ فيقول: كنت أصل الرحم وأتصدق به. فيقول الله تعالى: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، [ويقول الله تعالى] : بل أردت أن يقال: فلان جواد. فقد قيل ذلك. ويؤتى بالذي قُتل في سبيل الله، فيقول له: لماذا قاتلت «١» ؟ فيقول: قاتلت في سبيلك حتى قُتلت. فيقول الله تعالى: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، [ويقول الله تعالى] : بل أردت أن يقال: فلانٌ جريء، فقد قيل ذلك. ثم ضرب رسول الله ﷺ بيده على ركبتي فقال: يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة» . «٢» ١٤٠* وعن عدي بن حاتم الطائي «٣» ﵀ عن رسول الله ﷺ قال: «يؤمر بناسٍ من الناس يوم القيامة إلى الجنة، حتى إذا دنوا واستنشقوا رائحتا ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعدّ الله تعالى لأهلها-: نودوا: أن اصرفوهم لا تدخلوهم فيها. فيرجعون بحسرةٍ وندامةٍ ما رجع الأولون والآخرون بمثلها. فيقولون: يا ربّنا، لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا «٤» من ثواب ما أعددت لأوليائك «٥» ؟ فيقول الله تعالى: ذلك أردت بكم، كنتم إذ خلوتم بارزتموني بالعظائم، وإذا لقيتم النّاس لقيتموهم «٦»

стр. 329

مخبتين، وتراؤون النّاس بأعمالكم خلاف ما تطعوني بقلوبكم، هبتم الناس ولم تهابوني، أجللتم الناس ولم تجلوني، وتزكيتم للناس ولم تزكوا لي، فاليوم أذيقكم عذابي مع ما «١» حرمتم من ثوابي» «٢» . وروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: للمرائي ثلاث علامات: يكسل إذا كان وحده، وينشط إذا كان مع الناس، ويزيد في العملى إذا أثني عليه، وينقص إذا ذمّ. وعن جبلة اليحصبيّ «٣» قال: كنّا في غزاة مع عبد الملك بن مروان، * ١٤١ فصحبنا رجلٌ مسهّرٌ لا ينام بالليل إلاّ أقلّه، فمكثنا أياماً لا نعرفه، ثم عرفناه، فإذا هو رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، فكان مما حدثنا به: «أن قائلاً من المسلمين قال: يا رسول الله، فيم «٤» النجاة غداً؟ قال: لا تخادع الله. قال: وكيف يخادع الله تعالى؟ قال: أن تعمل ما أمرك الله تريد به غير وجه الله تعالى، واتقوا الرّياء، فإنه الشرك بالله، وإن المرائي ينادي يوم القيامة على رؤوس الخلائق بأربعة أسماء: يا كافر، يا فاجر، يا غادر، يا مخامر، «٥» ضلّ عملك، وبطل أجرك، فلا خلاق لك اليوم، فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له يا مخادع» . قال: قلت له: بالله الذي لا إله إلا هو، أنت سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: والله الذي لا إله إلا هو، إني قد

стр. 330

سمعته من رسول الله ﷺ إلا أن يكون «١» قد أخطأت شيئاً لم أتعمّده. ثم قرأ: إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ [٤: ١٤٢] . «٢» ١٤٢* وعن شدّاد بن أوسٍ ﵁ أنه قال: أخوف ما أتخوّف عليكم- أيها الناس- ما سمعت من رسول الله ﷺ يقول في الشهوة الخفيّة والشّرك. فقال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء ﵄: ما هذا الشّرك الذي تخوّفنا به يا شدّاد؟ فقال شدّاد: أرأيتكم لو رأيتم رجلاً يصلّي لرجل ويصوم له أو يتصدق له: أترون أنه قد أشرك؟ قالوا: نعم والله، من صلّى لرجل وصام له أو تصدق له فقد أشرك. فقال شدّادٌ: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صلّى يرائي فقد أشرك. ومن صام يرائي فقد أشرك» . فقال عوف بن مالك ﵀: أفلا يعمد الله تعالى إلى ما ابتغى به وجهه من ذلك العمل كله فيقبل منه ما خلص له ويدع ما أشرك به؟ فقال شدادٌ عند ذلك: إني «٣» سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله تعالى يقول: أنا خير قسيم، فمن أشرك بي شيئاً فإنّ جسده وعمله وقليله وكثيره لشريكه الذي أشرك، وأنا غنيٌّ عنه «٤» » . ١٤٣* وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان يوم القيامة جاءت الملائكة بصحفٍ مختَّمةٍ، فيقول الله : ألقوا هذا، واقبلوا هذا. فتقول الملائكة: وعزَّتك، ما كتبنا إلا ما كان. فيقول

стр. 331

تبارك وتعالى: «إنّ هذا كان لغيري، ولا أقبل اليوم إلا ما كان لي» . «١» فصل فى الاصلاح «٢» بين الناس [مما ورد فى الكتاب العزيز] قال الله في سورة النساء: وَإِنْ «٣» خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها، إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً [٣٥] . ومنها: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا «٤» بَيْنَهُما صُلْحاً «٥» . وَالصُّلْحُ خَيْرٌ. وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ. وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً [١٢٨] ؛ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ، فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ، وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً [١٢٩] . ومن سورة الأنفال: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ؟ قُلِ: الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [١] . ومن سورة الحجرات: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما، فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ، فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [٩] إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ، فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [١٠] .

стр. 332

أحاديث ١٤٤* عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا مررت بأقوامٍ قد نزغ «١» الشيطان بينهم فأمر بإصلاحٍ يصلح الله لك دينك، ويكتب أثرك في الصالحين» «٢» . ١٤٥* وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما عمل شيءٌ أفضل من مشيٍ إلى صلاةٍ وصلح ذات البين صلحاً جائزاً بين المسلمين» «٣» . ١٤٦* وعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يأبا أيوب، ألا أدلك على صدقةٍ يرضى الله موضعها؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: تسعى في إصلاح ذات البين إذا تفاسدوا، وتقارب بينهم إذا تباعدوا» «٤» . ١٤٧* وعن أبي أمامة ﵁: أنه سمع النبي ﷺ أنه قال: «امش ميلاً عد مريضاً. وامش ميلين أصلح بين اثنين. وامش ثلاثة أميالٍ زر أخاً في الله تعالى» «٥» .

стр. 333

وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من أصلح* ١٤٨ بين أثنين أصلح الله أمره، وأعطاه بكل كلمةٍ تكلم بينهما عتق رقبةٍ، ورجع مغفوراً له ما تقدم من ذنبه» «١» . وعن أم كلثوم ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس الكاذب* ١٤٩ من أصلح بين اثنين فقال خيراً أو نمى خيراً» «٢» . وعن أبي إدريس الخولاني أنه سمع أبا الدرداء ﵄ يقول: ألا أخبركم بخير لكم من الصدقة والصيام؟: إصلاح ذات البين. وإياكم والبغضة، فإنها الحالقة. وعن سعيد بن المسيّب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم* ١٥٠ بحير لكم من كثيرٍ من الصلاة والضيافة؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: إصلاح ذات البين» «٣» . فصل فى التّعفّف [مما ورد فى الكتاب العزيز] قال الله في سورة البقرة: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ. وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ، وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ.

стр. 334

وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ [٢٧٢] لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ، يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ، تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ، لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً. وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [٢٧٣] . ومن سورة النساء: وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ، وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا. وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ، وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ. فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ. وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً [٦] . أحاديث ١٥١* عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يحب عبده [المؤمن] المتعفّف الفقير أبا العيال» «١» . ١٥٢* وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «أقبلت لأسأل رسول الله ﷺ ، فوجدته يقول: من يتصبّر يصبره الله، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله. قلت: فما أنا بسائلك اليوم» «٢» . ١٥٣* وعن الزبير بن العوام ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لأن «٣» يأخذ أحدكم حبلا فيذهب فيأتي يحزمة حطبٍ على ظهره فيبيعها فيكفّ بها وجهه: - خيرٌ له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه» «٤» .

стр. 335

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يأبا بكرٍ، * ١٥٤ ما فتح رجلٌ باب مسألةٍ يريد بها كثرة إلاّ زاده الله بها قلّة» «١» . وعن إسماعيل الأنصاري عن أبيه عن جده ﵃: «أن رجلاً* ١٥٥ أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أوصني وأوجز. فقال: عليك باليأس مما في أيدي الناس، فإنه الغنى، وإياك والطمع، فإنه الفقر الحاضر، وصلّ صلاتك وأنت مودّعٌ، وإيّاك وما يعتذر منه» «٢» . أورد الامام أبو الحسن يحيى بن نجاح ﵀ في كتاب (سبل الخيرات) : أن عثمان بن عفان رضوان الله عليه أرسل إلى أبي ذرّ الغفّاريّ ﵁ بصرّةٍ فيها نفقةٌ على يد عبدٍ له، وقال: إن قبلها فأنت حرٌّ. فأتاه بها، فلم يقبلها. فقال: اقبلها- يرحمك الله- فإن فيها عتقي. فقال: إن كان فيها عتقك ففيها رقي. وأبى أن يقبلها. وروى أبو جعفر الطبري ﵁ في حديث أبي ذرٍّ ﵁* ١٥٦- واسم أبي ذرّ جندب بن جنادة- قال: «أوصاني خليلي ﷺ بسبعٍ «٣» :

стр. 336

أوصاني أن أنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر إلى من هو فوقي. وأوصاني بحبّ المساكين، والدنوّ منهم. وأوصاني أن لا أسأل أحداً شيئاً. - فكان يقع منه السّوط فينزل فيأخذه- وأوصاني أن أصل رحمي وإن أدبرت. وأوصاني أن أقول الحقّ وإن كان مرّاً. وأوصاني أن أقول: لا حول ولا قوّة إلا بالله. وأوصاني أن لا أخاف في الله لومة لائم» «١» . قال الشاعر: لا تحسبنَّ الموتَ موتَ البِلى ... وإنّمَا الموتُ سُؤالُ الرِّجالْ كِلاهمَا مَوتٌ، ولكنَّ ذَا ... أشدُّ مِنْ ذاكَ لِذُلِّ السُّؤالْ وقال آخر: قِستُ السُّؤالَ فكانَ أَعظمَ قِيمةً ... مِنْ كُلِّ عَارِفةٍ أَتتْ بسُؤالِ كُنْ بِالسُّؤالِ أَعزَّ عَقدِ عَزيمةً ... مِمَّنْ يَضِنُّ عَليكَ بِالأموالِ وقال محمود الورّاق: ليسَ يَعتاضُ بَاذِلُ الوجهِ فِي الْ ... حاجةِ مِنْ بَذلِ وَجههِ عِوضَا كَيفَ يَعتاضُ مَنْ أتاكَ وقدْ ... صَيَّرَ للذُلِّ وَجههُ غَرضَا وقال آخر: ومُنتَظِرٍ سُؤَالَكَ بِالعَطايَا ... وَأفضَلُ مِن عَطاياهُ السُّؤالُ إِذا لَم يَاْتِكَ المَعرُوفُ عَفْواً ... فَدَعْهُ فَفِي التّنزه عنه مال وكيف بلذّ ذُو أدَبٍ نَوالاً ... وَمِنهُ لِوَجههِ فيهِ ابْتِذَالُ إِذا كانَ النَّوالُ بِبَذْلِ وَجهٍ ... وَإلحاحَ فلاَ كان النّوال

стр. 337

وقال آخر: بخلت وليس البخل مِنِّ سَحِيَّةً ... وَلَكِنْ رأيتُ الفقرَ شرَّ سَبيلِ لَموتُ الفتَى خيرٌ مِنَ المَوتِ لِلفتَى ... ولَلموتُ خَيرٌ مِنْ سُؤالِ بَخيلِ لَعَمرُكَ مَا شيءٌ لِوَجهِكَ قِيمةٌ ... فَلاَ تَلقَ مَخْلُوقَاً بِوجهِ ذَليلِ وَلا تَسألنْ مَنْ كان يَسألُ مَرَّةً ... فَللفَقرُ خَيرٌ مِنْ سُؤال سَؤولِ وقال آخر: أُقسِمُ بِاللهِ لَرَضْخُ النَّوَى ... وَشُربُ مَاءِ القُلُبِ المَالِحَهْ أَعَزُّ لِلإِنسَانِ مِنْ حِرصِهِ ... وَمِنْ سُؤالِ الأوجُهِ الكالحه فاستشعر الصّبر تعش ذاغنى ... مغتبطا بالصّفقة الرّابحة وقال آخر: لا أستعين بإخواني على الزّمن ... ولا أرى حسنا ما ليس بالحسن لا أبتدي بسؤال باخلا أبذا ... لو شاء قبل سؤاليه لا كرمتي ذُلُّ السُّؤالِ وَبذْلُ الوَجهِ مَا اجتَمعَا ... إِلاّ أَضَرَّا بِماءِ الوَجهِ وَالبَدنِ وَأيُّ ذُلٍّ لِحُرٍّ فِي مُروءَتِهِ ... أَذلُّ مِنْ غُضِّ عَينَيْهِ علَى المِنَنِ وقال آخر: مَا اعتَاضَ بَاذِلُ وَجهِهِ بِسُؤالِهِ ... نَيْلاً، ولَوْ نالَ الغِنى بِسُؤالِ وَإِذا السُّؤالُ مَعَ النَّوالِ وزَنْتَهُ ... رَجَحَ السُّؤالُ وحقَّ كُلّ نَوَال وَإِذا افْتقَرْتَ لِبَذْلِ وَجهِكَ سَائِلاً ... فابذُلهُ للمُتَكرِّمِ المِفضَالِ إِنَّ الكَرِيمَ إِذا حَباكَ بنيله ... أعطاكه سلسا بغير مطال

стр. 338

وقال آخر: «١» وَفتًى خَلاَ مِنْ مَالِهِ ... وَمِنَ المُرُوءَةِ غَيرُ خَالِ أَعطَاكَ قَبلَ سُؤالِهِ ... فَكفَاكَ مَكْرُوهَ السُّؤَالِ وقال آخر: ومَسْئَلةُ اللَّئِيمِ عَليكَ عَارٌ ... وَذُلٌّ حِينَ تَسألُهُ عَناءُ «٢» وَذُو الحَسَبِ الكرِيمِ تَراهُ سَهلاً ... طَلِيقَ الوَجهِ لَيسَ لَهُ الْتِواءُ وقال آخر: صُنْ بِعزِّ اليَأسِ عَنهُمْ أبداً ... مَاءَ دِيبَاجِكَ عَنْ بَذْلِ النَّوالْ لَيسَ شَيءٌ مِنْ نَوالٍ تَبتَغِي ... قِيمة لِلوَجهِ مِنْ ذُلِّ السُّؤالْ فصل في التحذير من الظلم [مما ورد فى الكتاب العزيز] قال الله في سورة النساء: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً [١١٢] «٣» . ومن سورة النساء: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً [١٦٠] وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا «٤» وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ. وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً [١٦١] . ومن سورة المائدة: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ

стр. 339

بِهِ إِذْ قُلْتُمْ: سَمِعْنا وَأَطَعْنا، وَاتَّقُوا اللَّهَ. إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ [٧] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ، وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا. اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى، وَاتَّقُوا اللَّهَ. إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ [٨] . ومن سورة يونس: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ «١» مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ «٢» دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ: لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [٢٢] فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ. يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ، مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا، ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [٢٣] . ومنها: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ؟ [٥٠] أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ. آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ؟! [٥١] ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا: ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ، هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِما كُنْتُمْ «٣» تَكْسِبُونَ؟ [٥٢] . ومن سورة هود: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً. أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ. أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [١٨] .

стр. 340

ومنها: وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ [٩٤] كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها. أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ [٩٥] «١» . ومنها: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ [١١٣] . ومنها: فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ. وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ [١١٦] . أحاديث ١٥٧* عن عبد الله بن عمرو «٢» ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إيّاكم والظلم، فإن الظلم ظلماتٌ يوم القيامة. وإياكم والفحش، فإن الله تعالى لا يحبّ الفحش ولا المتفحّش «٣» . وإياكم والشحّ، فإنما أهلك من كان قبلكم «٤» الشُّحُّ: أمرهم بالكذب فكذبوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالظلم فظلموا. قال: فقام رجلٌ فقال: يا رسول الله، أيّ الإسلام أفضل؟ فقال: أن يسلم المسلمون من لسانك ويدك. قال: فأيّ الجهاد أفضل؟، قال: أن يهراق دمك ويعقر جوادك. قال: فأيُّ الهجرة أفضل؟ قال: تهجر ما كره ربّك» . «٥»

стр. 341

وعن ابن عباس ﵄ قال: دعوتان ليس بينهما وبين الله حجابٌ: دعوة المظلوم، ودعوة المرء لأخيه بظهر العيب «١» . وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من كانت* ١٥٨ عنده مظلمةٌ لأخيه في مال أو عرضٍ فليأته فليتحلّل منها، فإنه ليس ثمّ دينارٌ ولا درهمٌ، من قبل أن يؤخذ من حسناته، فإن لم يكن له حسناتٌ أخذ من سيئات صاحبه فطرحت عليه» «٢» . قلت: هذا فصل يتعين اتّساع القول فيه لحاجة الناس إلى الكفّ عن الظلم، غير أنّني قد أوردت في كتابي المترجم بكتاب (ردع الظّالم وردّ المظالم) منه ما غنيت به عن الإطالة في إيراده في كتابي هذا. فصل فى الاحسان وفعل الخير [مما ورد فى الكتاب العزيز] قال الله ﵎ في سورة البقرة: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [١٩٥] . ومنها: نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ. وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ [٥٨] «٣» . ومن سورة آل عمران: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ. وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [١٣٤] . ومنها: فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ. وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [١٤٨] .

стр. 342

ومن سورة المائدة: فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها «١» . وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ [٨٥] . ومنها: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ، آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا. وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [٩٣] . ومن سورة الأنعام: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها، وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [١٦٠] . ومن سورة الأعراف: وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً. إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [٥٦] . ومنها «٢» : وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خطاياكم «٣» . وسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ [١٦١] . ومن سورة التوبة: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ. إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [١٢٠] . ومن سورة هود: وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [١١٥] .

стр. 343

ومن سورة يوسف: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [٩٠] . ومن سورة القصص: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً. وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [١٤] . ومنها: وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ، وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ. إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [٧٧] . ومن سورة النجم: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [٣١] . ومن المرسلات: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ [٤١] وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ [٤٢] كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [٤٣] إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [٤٤] . أحاديث عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ * ١٥٩ فقال: يا رسول الله، أي الناس أحب إلى الله ؟ وأي الأعمال أحبّ إلى الله تعالى؟ فقال ﷺ : أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحبّ الأعمال إلى الله تعالى سرورٌ تدخله على قلب مسلمٍ، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد «١» عنه جوعا. ولأن أمشي مع أخٍ لي في حاجةٍ

стр. 344

أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد- يعني مسجد المدينة- شهراً. ومن كظم غيظه ستر الله عورته «١» . ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه-: ملأ الله قلبه يوم القيامة رضىً. ومن مشى مع أخيه في حاجةٍ حتى يقضيها له ثبّت الله قدمه يوم تزول» الأقدام» «٣» . ١٦٠* وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من موجبات المغفرة إدخال السرور على أخيك المسلم: إشباع جوعته وتنفيس كربته» «٤» . ١٦١* وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله صلوات الله عليه وسلامه: «لا يزال الله تعالى في حاجة العبد ما لم يزل في حاجة أخيه» «٥» . ١٦٢* وعن كثير بن عبد الله بن عمر «٦» عن أبيه عن جده ﵃ قال:

стр. 345

سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ لله عبيدا استخصّهم لنفسه «١» لقضى «٢» حوائج الناس، ثم آلى على نفسه أن لا يعذبهم، فإذا كان يوم القيامة جلسوا على منابر من نورٍ يحدثون الله تعالى والناس في الحساب «٣» » . وعن عبد الله بن عمرو «٤» ﵀ قال: قال رسول ﷺ : «خلقان* ١٦٣ يحبهما الله ، وخلقان يبغضهما الله : فأما اللذان يحبهما فالشجاعة «٥» والسماحة، وأما اللذان يبغضهما الله فسوء الخلق والبخل. وإذا أراد الله بعبدٍ خيراً استعمله على قضاء «٦» حوائج الناس» . وعن أنس بن مالك ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قصى* ١٦٤ لأخيه [المؤمن] حاجةً كان بمنزلة من خدم الله تعالى عمره «٧» » . وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من أحسن الصدقة* ١٦٥

стр. 346

جاز على الصراط مدلاًّ «١» . ومن قضى حاجة أرملةٍ «٢» خلفه الله تعالى في تركته» . «٣» ١٦٦* وعن أبي هريرة ﵀ عن النبي ﷺ قال: «من نفّس عن أخيه المسلم كربةً نفّس الله عنه كربةً من كرب الآخرة» «٤» . ١٦٧* وعن أبي أمامة الباهليّ ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما من رجلٍ طلب حاجةً لأخيه المسلم فقضاها له وفرّح بها قلبه إلا قال الله لبعض ملائكته: بشّر عبدي هذا بالجنة. ثم يجعل لكل عضوٍ من أعضائه ومفصل «٥» من مفاصله لساناً، يحمدون الله ويمجّدونه ثم يقدّسونه تلك الألسن كلّها، ويكتب ذلك «٦» في ملكوت السماوات» «٧» . ١٦٨* وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إن لله قوماً يختصهم بالنعم لمنافع العباد، ويقرّهم فيها ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم فحوّلها إلى غيرهم» «٨» . ١٦٩* وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ

стр. 347

أحبّ عباد الله إلى الله من حبّب إليه المعروف وحبّب إليه فعاله «١» » . عن معاوية ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ : «اشفعوا إليّ تؤجروا» . * ١٧٠ وإن الرجل ليسألني فأردّه كي «٢» تشفّعوا إليّ فتؤجروا «٣» » . وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: * ١٧١ «من كان وصلةً لأخيه «٤» إلى سلطانٍ في مبلغ برٍّ أو مدفع مكروهٍ رفعه الله تعالى في الدرجات [العلى من الجنّة] «٥» » . وقال حكيم بن حزام ﵀: ما أصبحت يوما وبابي طالب حاجةٍ إلاّ علمت أنها من منن الله عليّ. ولا أصبحت وليس ببابي طالب حاجة إلاّ علمت أنها من المصائب التي أسأل الله الأجر عليها. وعن فيض بن اسحق قال: كنت عند الفضيل بن عياضٍ ﵁ إذ جاءه رجلٌ فسأله حاجةً فألح بالسؤال عليه، فقلت له: لا تؤذ الشيخ. فقال لي الفضيل: اسكت يا فيض، أما علمت أن حوائج الناس إليكم نعمةٌ «٦» من الله عليكم، فاحذروا أن تملّوا النعم فتتحوّل. ألا تحمد ربّك أن جعلك موضعاً تسأل، ولم يجعلك موضعاً تسأل؟!

стр. 348

فصل في الصبر على الأذى ومداراة الناس [مما ورد فى الكتاب العزيز] قال الله ﵎ في سورة آل عمران: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً، وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [١٨٦] . ومنها: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى، بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ [١٩٥] . ومن الأنعام: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ، فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [٣٣] وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا. وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ. وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ [٣٤] . ومن سورة الأعراف: وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ: أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ؟ قالَ: سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ [١٢٧] قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا، إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ، وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [١٢٨] قالُوا: أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ: عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [١٢٩] .

стр. 349

ومنها: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها، وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا، وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ [١٣٧] «١» . ومن سورة إبراهيم: قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ: إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ، وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ. وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [١١] وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا. وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [١٢] . وعن مجاهد في قول الله ﵎: وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً [٢٥: ٧٢] قال: إذا أوذوا صفحوا. ومن سورة آل عمران: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ: أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ. وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ: أَأَسْلَمْتُمْ؟ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ. وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ [٢٠] . ومن سورة العنكبوت: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ، وَقُولُوا: آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [٤٦] «٢» . ومن سورة الممتحنة: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً، وَاللَّهُ قَدِيرٌ. وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [٧] .

стр. 350

أحاديث ١٧٢* عن جابر بن عبد الله [﵁] قال: قال رسول الله ﷺ : «مداراة الناس صدقة» . «١» ١٧٣* وعن سعيد بن المسيب ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ : «رأس العقل بعد الإيمان مداراة الناس» «٢» . ١٧٤* وعن النزال بن سبرة يرفعه قال: «ثلاث من كنّ فيه كان بدنه في راحة: علم يرد به جهل الجاهل، وعقل يداري به الناس، وورع يحجزه عن معاصي الله » «٣» . ١٧٥* وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم» . «٤» وعن عبد الوهاب بن الواسطي ﵀ قال: جاء رجل إلى وهب بن منبّهٍ ﵀ فقال: إنّي قد حدثت نفسي أن لا أخالط الناس، فما ترى؟ قال: لا تفعل، إنه لا بد للناس منك، ولا بد لك منهم، لهم إليك حوائج، ولك إليهم حوائج، ولكن كن فيهم أصمّ سميعا، أعمى بصيرا، سكوتا نطوقا.

стр. 351

وقال حاتم الطائي: «١» تَحلّمْ عن الأَدنَينَ وَاسْتبقِ وُدَّهُم ... وَلنْ تَستطِيعَ الحِلمَ حَتّى تَحلّمَا *** وَعَوراءَ قد أعرضت عنها فَلمْ تَضِرْ ... وَذِي أَودٍ قَوّمتُهُ فَتقَوّمَا وأغفِرُ عَوراءَ الكَرِيمِ اصطِنَاعَهُ ... وَأُعرِضُ عَنْ ذاتِ اللّئِيمِ تَكرُّمَا «٢» وقال آخر: «٣» وَإِنّي عَلى أشيَاءَ مِنكَ تريبني ... قديما لذو صفح على ذاك مجمل إذا سُؤتَنِي يَوماً صَفَحْتُ إِلى غَدٍ ... ليُعْقِبَ يَوماً «٤» مِنكَ آخَرُ مُقْبِلُ وقال آخر: سَأَتْرُكُ مَا بَيني وبَينَكَ وَاقِفاً ... عَلى حَالِهِ «٥» بَينَ المَودَّةِ والهَجْرِ وأَنْتَحِلُ الصَّبْرَ الجَميلَ تَجَلّداً ... وَإنْ كُنتُ مَحْروماً نَصِيبِي مِنَ الأجْرِ وقال آخر: إِذا مَا أَخِي يَوماً تَوَلَّى بِوُدِّهِ ... وَأَنْكَرْتُ مِنهُ بَعضَ مَا كُنتُ أَعرفُ عَطفْتُ عَلَيهِ. بِالمودَّةِ إنّني ... عَلى مُدْبِرِ الإخوَانِ بِالوُدّ أعطِفُ وَإِغضاؤُكَ العَينَينِ عَنْ عَيبِ صَاحِبٍ ... لَعمْرُكَ أَبقَى للوداد وأشرف «٦»

стр. 352

وقال آخر: وهُجرِ عدُوٍّ كَاشِحٍ قَد سَمِعتُهُ ... فَكُنتُ كمَنْ أَغْضى بِعَينٍ عَلى قَذَى تَصَامَمتُ عنه واغتفرت مكانه ... فلم يتعلق بِالجِسْمِ مِن قِيلِهِ أَذَى وقال آخر: أَلمْ تر أنّي إذا ما زوى ... صَدِيقِي مَودَّتَهُ جَانِبَا وَقَدْ كُنْتُ أَرعَى لَهُ حقَّهُ ... وأَطْلُبُ مَرضَاتَهُ دَائِباَ وإِنْ قَالَ هَزْلاً تحَمَّلْتُهُ ... وَإنْ جدَّ أَنزَلْتُهُ لاَعِبَا صفَحْتُ وأَعْرَضْتُ حتَّى يَؤُ ... بَ مَا كَانَ مِنْ حِلمِهِ عَازِبَا وَحتَّى يعُودَ لإِحسَانِهِ ... ويَسْعى لِمرضَاتِنا «١» طَالِبَا وَألتَمِسُ العُذْرَ جُهْدِي لَهُ ... وأَجْعَلُ ظنِّي بِهِ كَاذِبَا وقال آخر: لَقَدْ أسمَعُ القَولَ الذِي كادَ كُلّمَا ... تُذَكِّرُنِيْهِ النفْسُ قَلبِي يُصدَّعُ فأبدِي- لِمَنْ أبداهُ- منِّي بشاشَةً ... كأَنِّي مسرُورٌ بِما مِنهُ أسمعُ وَما ذاكَ مِن عُجب بِهِ غيرَ أَنّني ... أَرى أنَّ ترْكَ الشَّرِّ للشرّ أقطَعُ «٢» وقال آخر: «٣» وعَوراءَ جاءَتْ مِنْ أَخٍ فرددتها ... مسالمة للمرء طالبة عذرا «٤»

стр. 353

ولَو أنَّهُ إِذْ قالَ قلتُ بمِثْلِها ... ولَم أعْفُ عنْهَا أَورَثَتْ بيْنَنا غِمرَا وقال آخر: وعَورَاءَ جَاءَتْ مِن أخِ فنبَذْتُهَا ... ورائِي وعنْدِيْ- لَوْ أَشَاءُ- نَكِيرُ صبرْتُ لهَا والصَّبرُ مِنّي سَجِيَّةٌ ... وإِنّي عَلى مَا نَابنِي لصَبُورُ ومَا أنَا ممَّنْ يقْسِمُ الهَمُّ أمْرَهُ ... ويسأَلُ مَنْ يلقَاهُ كيفَ يسِيرُ «١» ولكِنّنِي كالدّهْرِ أُشفِي وأَشْتَفِي ... وَأُقْضِي وَلاَ يَقضِي عليَّ أميرُ وقال سعيد بن حميد: وكَم ْمِنْ قائِلٍ قَد قالَ: دعْهُ ... فَلم يَكُ ودُّهُ لكَ بِالسَّلِيمِ فقُلتُ: إِذا جَزيتُ الغَدرَ غدْراً ... فمَا فضْلُ الكَريمِ عَلى اللّئِيمِ!؟ وأَينَ الإلْفُ يعطِفُنِي علَيهِ ... وأيْنَ رعَايَةُ الحقِّ القدِيمِ؟! «٢» وقال الزياديّ: لِخَليلِي عليَّ منِّي ثَلاثٌ ... واجِباتٌ أُتيحُهَا إخوانِي: حِفظُهُ بالمَغِيبِ إنْ غَابَ عنِّي ... ولِقاءٌ بِالبِشْرِ إنْ لاَقَانِي ثُمَّ بَذْلِي لِما حوَتْهُ يَمِينِي ... مُسعِداً فِي الخطُوبِ أنَّى دعَانِي «٣» هذِهِ حالَةُ الصدِيقِ، فإِنْ ... حالَ فعِندِي عوَائِدُ الإحْسَانِ وقال سعيد بن حميد: أشكُو إلى اللهِ جفاءَ امرِيءٍ ... مَا كانَ بِالجَافِي وَلاَ بِالمَلُولْ كانَ وَصُولاً دائِماً عهدُهُ ... خيرُ الأَخِلاّءِ الكرِيمُ الوَصُولْ

стр. 354

ثمَّ ثنَاهُ الدَّهرُ عَن رأْيِهِ ... فحالَ والدَّهْرُ بِقومِ يحُولْ فَإِنْ يَعُدْ أشْكُرْ لهُ وُدَّهُ ... وإنْ يُطِلْ هجْراً فصَبْرٌ جمِيلْ «١» وقال حاتم الطائي: وما من شيمتي شتم ابن عمي ... وما أنا مخلف من يرتجيني وكلمة حاسد من غير جرم ... سمعت فقلت: مري فانفذيني غَبِيتُ بهَا كأَنْ قِيلَتْ لِغيرِي ... ولَمْ يعْرَقْ مخَافَتَها جَبِينِي «٢» وقال أبو الجارود: وعَورَاءَ مِنْ عِندِ امرِيءٍ ذي قرَابةٍ ... تصَامَمتُ عنْهَا أو طَوَيْتُ لهَا كَشْحِيْ ودَاوَيْتُ منهُ الضِّغْنَ حتَّى ردَدْتُهُ ... دَواءَ الشَّمُوسِ بالتَّذلُّل والمَسحِ وقال آخر: لَنْ يُدرِكَ المَجدَ أقوامٌ وَإنْ كَرُمُوا ... حتّى يَذِلُّوا- وإِنْ عزُّوا- لأَقْوامِ «٣» ويُشْتَمُوا فتَرَى الألوَانَ مُسفِرةً ... لاَ صفحَ ذُلٍّ ولكنْ صَفحُ «٤» أَحلاَمِ وقال عبيد بن غاضرة العنبري: إِنَا وَإنْ كُنّا أَسِنَّةَ قَومِنَا ... وَكَانَ لنَا فيهِمْ مقَامٌ مُقّدَّمُ لنَصْفَحُ عَنْ أشيَاءَ مِنهُم تَرِيبُنَا ... ونَصْدِفُ عَن ذِي الجهْلِ منهُمْ ونحْلُمُ ونمْنَحُ منهُمْ معشَراً يحسُدونَنا ... هنِّي عطاءِ ليسَ فِيهِ تنَدُّمُ

стр. 355

ونكلَؤُهَمْ بِالغَيبِ مِنَّا حفِيظَةً ... وأَكْبَادُنَا وجْداً علَيهِمْ تضَرَّمُ فَلَيسَ بِمَحمُودٍ لَدَى النَّاسِ مَنْ جَزَى ... بِسيّءٍ ما يأْتِيْ المُسِيءُ المُلَوَّمُ «١» سأَحمِلُ عَنْ قوْمِي جمِيعِ كُلُومِهِمْ ... وأَدْفَعُ عنْهُمْ كُلَّ غُرْمٍ وأَغْرَمُ فصل في حفظ التجارب وغلبة العادة من أقوال الحكماء قالت الحكماء: التجارب عقل ثانٍ، ودليلٌ هادٍ، وأدبٌ للدهر. فافهم عن الأيام أخبارها، فقد أوضحت لك آثارها، واتعظ بما وعظك منها، وتأمّل ما ورد عليك من أحوالها تأمل ذي فكرة منها؛ فإن الفكرة تدرأ عنك عمى الغفلة، وتكشف لك عن مستخفيات الأمور. وقالوا: الدهر أفصح المؤدبين؛ وكفاك من كل يوم خبرٌ يورده عليك. وإنما الأيام مراقي الأدب، ودرجاتٌ إلى العلم الأكبر، فمن فهم عنها أورث زيادةُ، وسطع نور علمه، ولم يفتقر إلى غير نفسه، ولو صحب ذو الغفلة أيام الدنيا بعجائب ما تصرفت به على القرون لم يزل جذعاً في الغرّة، ومتدلّها فيما يحدث، لأن الغفلة ظلمةٌ راكدة، والمعرفة مصباح الخلقة. وقد قيل: إذا رأيت ذا العمر الطويل والسنّ القديم يكثر التعجّب مما يرى ويسمع-: فذلك لقلة حفظه التجارب، ولسهوه عمّا مرّت به عليه الليالي. وقالوا: الفهم خزانة العقل؛ ونور يبصر به ما أمامه. وإنما نكص على عقبيه من خانه فهمه، وخذله عقله، وضيع ما استودعته الأيام، فكأنّه ابن يومه،
следующие страницы →