← Адаб

Адаб · id 10496

لباب الآداب لأسامة بن منقذ

أسامة بن منقذ

Полный текст (498 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وقال حاتم الطائي: «١» تَحلّمْ عن الأَدنَينَ وَاسْتبقِ وُدَّهُم ... وَلنْ تَستطِيعَ الحِلمَ حَتّى تَحلّمَا *** وَعَوراءَ قد أعرضت عنها فَلمْ تَضِرْ ... وَذِي أَودٍ قَوّمتُهُ فَتقَوّمَا وأغفِرُ عَوراءَ الكَرِيمِ اصطِنَاعَهُ ... وَأُعرِضُ عَنْ ذاتِ اللّئِيمِ تَكرُّمَا «٢» وقال آخر: «٣» وَإِنّي عَلى أشيَاءَ مِنكَ تريبني ... قديما لذو صفح على ذاك مجمل إذا سُؤتَنِي يَوماً صَفَحْتُ إِلى غَدٍ ... ليُعْقِبَ يَوماً «٤» مِنكَ آخَرُ مُقْبِلُ وقال آخر: سَأَتْرُكُ مَا بَيني وبَينَكَ وَاقِفاً ... عَلى حَالِهِ «٥» بَينَ المَودَّةِ والهَجْرِ وأَنْتَحِلُ الصَّبْرَ الجَميلَ تَجَلّداً ... وَإنْ كُنتُ مَحْروماً نَصِيبِي مِنَ الأجْرِ وقال آخر: إِذا مَا أَخِي يَوماً تَوَلَّى بِوُدِّهِ ... وَأَنْكَرْتُ مِنهُ بَعضَ مَا كُنتُ أَعرفُ عَطفْتُ عَلَيهِ. بِالمودَّةِ إنّني ... عَلى مُدْبِرِ الإخوَانِ بِالوُدّ أعطِفُ وَإِغضاؤُكَ العَينَينِ عَنْ عَيبِ صَاحِبٍ ... لَعمْرُكَ أَبقَى للوداد وأشرف «٦»

стр. 352

وقال آخر: وهُجرِ عدُوٍّ كَاشِحٍ قَد سَمِعتُهُ ... فَكُنتُ كمَنْ أَغْضى بِعَينٍ عَلى قَذَى تَصَامَمتُ عنه واغتفرت مكانه ... فلم يتعلق بِالجِسْمِ مِن قِيلِهِ أَذَى وقال آخر: أَلمْ تر أنّي إذا ما زوى ... صَدِيقِي مَودَّتَهُ جَانِبَا وَقَدْ كُنْتُ أَرعَى لَهُ حقَّهُ ... وأَطْلُبُ مَرضَاتَهُ دَائِباَ وإِنْ قَالَ هَزْلاً تحَمَّلْتُهُ ... وَإنْ جدَّ أَنزَلْتُهُ لاَعِبَا صفَحْتُ وأَعْرَضْتُ حتَّى يَؤُ ... بَ مَا كَانَ مِنْ حِلمِهِ عَازِبَا وَحتَّى يعُودَ لإِحسَانِهِ ... ويَسْعى لِمرضَاتِنا «١» طَالِبَا وَألتَمِسُ العُذْرَ جُهْدِي لَهُ ... وأَجْعَلُ ظنِّي بِهِ كَاذِبَا وقال آخر: لَقَدْ أسمَعُ القَولَ الذِي كادَ كُلّمَا ... تُذَكِّرُنِيْهِ النفْسُ قَلبِي يُصدَّعُ فأبدِي- لِمَنْ أبداهُ- منِّي بشاشَةً ... كأَنِّي مسرُورٌ بِما مِنهُ أسمعُ وَما ذاكَ مِن عُجب بِهِ غيرَ أَنّني ... أَرى أنَّ ترْكَ الشَّرِّ للشرّ أقطَعُ «٢» وقال آخر: «٣» وعَوراءَ جاءَتْ مِنْ أَخٍ فرددتها ... مسالمة للمرء طالبة عذرا «٤»

стр. 353

ولَو أنَّهُ إِذْ قالَ قلتُ بمِثْلِها ... ولَم أعْفُ عنْهَا أَورَثَتْ بيْنَنا غِمرَا وقال آخر: وعَورَاءَ جَاءَتْ مِن أخِ فنبَذْتُهَا ... ورائِي وعنْدِيْ- لَوْ أَشَاءُ- نَكِيرُ صبرْتُ لهَا والصَّبرُ مِنّي سَجِيَّةٌ ... وإِنّي عَلى مَا نَابنِي لصَبُورُ ومَا أنَا ممَّنْ يقْسِمُ الهَمُّ أمْرَهُ ... ويسأَلُ مَنْ يلقَاهُ كيفَ يسِيرُ «١» ولكِنّنِي كالدّهْرِ أُشفِي وأَشْتَفِي ... وَأُقْضِي وَلاَ يَقضِي عليَّ أميرُ وقال سعيد بن حميد: وكَم ْمِنْ قائِلٍ قَد قالَ: دعْهُ ... فَلم يَكُ ودُّهُ لكَ بِالسَّلِيمِ فقُلتُ: إِذا جَزيتُ الغَدرَ غدْراً ... فمَا فضْلُ الكَريمِ عَلى اللّئِيمِ!؟ وأَينَ الإلْفُ يعطِفُنِي علَيهِ ... وأيْنَ رعَايَةُ الحقِّ القدِيمِ؟! «٢» وقال الزياديّ: لِخَليلِي عليَّ منِّي ثَلاثٌ ... واجِباتٌ أُتيحُهَا إخوانِي: حِفظُهُ بالمَغِيبِ إنْ غَابَ عنِّي ... ولِقاءٌ بِالبِشْرِ إنْ لاَقَانِي ثُمَّ بَذْلِي لِما حوَتْهُ يَمِينِي ... مُسعِداً فِي الخطُوبِ أنَّى دعَانِي «٣» هذِهِ حالَةُ الصدِيقِ، فإِنْ ... حالَ فعِندِي عوَائِدُ الإحْسَانِ وقال سعيد بن حميد: أشكُو إلى اللهِ جفاءَ امرِيءٍ ... مَا كانَ بِالجَافِي وَلاَ بِالمَلُولْ كانَ وَصُولاً دائِماً عهدُهُ ... خيرُ الأَخِلاّءِ الكرِيمُ الوَصُولْ

стр. 354

ثمَّ ثنَاهُ الدَّهرُ عَن رأْيِهِ ... فحالَ والدَّهْرُ بِقومِ يحُولْ فَإِنْ يَعُدْ أشْكُرْ لهُ وُدَّهُ ... وإنْ يُطِلْ هجْراً فصَبْرٌ جمِيلْ «١» وقال حاتم الطائي: وما من شيمتي شتم ابن عمي ... وما أنا مخلف من يرتجيني وكلمة حاسد من غير جرم ... سمعت فقلت: مري فانفذيني غَبِيتُ بهَا كأَنْ قِيلَتْ لِغيرِي ... ولَمْ يعْرَقْ مخَافَتَها جَبِينِي «٢» وقال أبو الجارود: وعَورَاءَ مِنْ عِندِ امرِيءٍ ذي قرَابةٍ ... تصَامَمتُ عنْهَا أو طَوَيْتُ لهَا كَشْحِيْ ودَاوَيْتُ منهُ الضِّغْنَ حتَّى ردَدْتُهُ ... دَواءَ الشَّمُوسِ بالتَّذلُّل والمَسحِ وقال آخر: لَنْ يُدرِكَ المَجدَ أقوامٌ وَإنْ كَرُمُوا ... حتّى يَذِلُّوا- وإِنْ عزُّوا- لأَقْوامِ «٣» ويُشْتَمُوا فتَرَى الألوَانَ مُسفِرةً ... لاَ صفحَ ذُلٍّ ولكنْ صَفحُ «٤» أَحلاَمِ وقال عبيد بن غاضرة العنبري: إِنَا وَإنْ كُنّا أَسِنَّةَ قَومِنَا ... وَكَانَ لنَا فيهِمْ مقَامٌ مُقّدَّمُ لنَصْفَحُ عَنْ أشيَاءَ مِنهُم تَرِيبُنَا ... ونَصْدِفُ عَن ذِي الجهْلِ منهُمْ ونحْلُمُ ونمْنَحُ منهُمْ معشَراً يحسُدونَنا ... هنِّي عطاءِ ليسَ فِيهِ تنَدُّمُ

стр. 355

ونكلَؤُهَمْ بِالغَيبِ مِنَّا حفِيظَةً ... وأَكْبَادُنَا وجْداً علَيهِمْ تضَرَّمُ فَلَيسَ بِمَحمُودٍ لَدَى النَّاسِ مَنْ جَزَى ... بِسيّءٍ ما يأْتِيْ المُسِيءُ المُلَوَّمُ «١» سأَحمِلُ عَنْ قوْمِي جمِيعِ كُلُومِهِمْ ... وأَدْفَعُ عنْهُمْ كُلَّ غُرْمٍ وأَغْرَمُ فصل في حفظ التجارب وغلبة العادة من أقوال الحكماء قالت الحكماء: التجارب عقل ثانٍ، ودليلٌ هادٍ، وأدبٌ للدهر. فافهم عن الأيام أخبارها، فقد أوضحت لك آثارها، واتعظ بما وعظك منها، وتأمّل ما ورد عليك من أحوالها تأمل ذي فكرة منها؛ فإن الفكرة تدرأ عنك عمى الغفلة، وتكشف لك عن مستخفيات الأمور. وقالوا: الدهر أفصح المؤدبين؛ وكفاك من كل يوم خبرٌ يورده عليك. وإنما الأيام مراقي الأدب، ودرجاتٌ إلى العلم الأكبر، فمن فهم عنها أورث زيادةُ، وسطع نور علمه، ولم يفتقر إلى غير نفسه، ولو صحب ذو الغفلة أيام الدنيا بعجائب ما تصرفت به على القرون لم يزل جذعاً في الغرّة، ومتدلّها فيما يحدث، لأن الغفلة ظلمةٌ راكدة، والمعرفة مصباح الخلقة. وقد قيل: إذا رأيت ذا العمر الطويل والسنّ القديم يكثر التعجّب مما يرى ويسمع-: فذلك لقلة حفظه التجارب، ولسهوه عمّا مرّت به عليه الليالي. وقالوا: الفهم خزانة العقل؛ ونور يبصر به ما أمامه. وإنما نكص على عقبيه من خانه فهمه، وخذله عقله، وضيع ما استودعته الأيام، فكأنّه ابن يومه،

стр. 356

أو نتيج ساعته. وحسبك مؤدباً لخصالك، ومثقفاً لعقلك-: ما رأيته من غيرك: من حسنٍ «١» تغبط به، أو قبيح تذمّ «٢» عليه. وقالوا: إن التجارب «٣» عقل مستفادٌ، وأحر لكن يستعمل «٤» حمل النفس على العادة الفاضلة والأخلاق الكريمة، فقد رأينا كثيراً من الناس يعلم أن مذاهبه رديئة، وطرائفه غير مرضيةٍ، ولا تخفى عنه الطريقة المحمودة-: ويعسر عليه النزوع إليها، لتمكن العادة القديمة منهم، وإذا حملوا أنفسهم على تلك الحالات المحمودة تصنّعاً أو حياءً من الناس في الظاهر لم يعدموا أن يرجعوا إلى المذاهب الأولى المتمكنة فيهم للعادة. وقد قيل:: نفسك تقتضيك ما عوّدتها من خير أو شرّ. وقيل: لسانك يقتضيك ما عوّدته. وأنشد: عوِّدْ لسَانَكَ قَولَ الخيرِ تَحظَ بِهِ ... إِنْ اللِسَانَ لِمَا عوَّدْتَ مُعْتَادُ وقال الآخر «٥» : ومَنْ تحلَّى بِغيرِ طَبْعٍ ... يُرَدّ قَسراً إلى الطّبِيعَهْ وقال آخر: مُتْ بِدَاءِ الصَّمتِ خَيْ ... رٌ لكَ مِنْ داءِ الكَلاَمْ «٦»

стр. 357

قال المتنبي: ليتَ الحوادِثَ باعَتنِي الذِي أخَذتْ ... مِنِّي بِحلْمِي الذِي أعْطَتْ وتَجرِيبِي فمَا الحدَاثَةُ مِنْ حِلمٍ بمَانِعَةٍ ... قدْ يُوجَدُ الحِلْمُ في الشّبّان والشّعيب وقال الوزير الكامل أبو القاسم بن المعرّي: يَا مَنْ غَدَا جَبلُ «١» الجُودِيِّ يَحجُبُهُ ... لَيْسَ التّذكّر عن قَلْبي بمَحْجُوب علَّمتَنِي الحَزمَ لكِنْ بَعْدَ مَرجِعِهِ ... إنَّ المصَائِبَ أَثْمَانُ التجَارِيب

стр. 358

٦- باب البلاغة قلت وبالله التوفيق: كلام المخلوقين تتميز فيه البلاغة من العيّ، والفصاحة من اللّكن. وأما كلام الخالق ﵎ فعقول البلغاء تعجز عن تدبّر بلاغته، وتحار في اطّراد فصاحته، فماذا يورد المورد منه؟! وبماذا يترجم عنه؟! وقد تحدّى الله سبحانه به خلقه أجمعين، فقال- وهو أصدق القائلين- في سورة يونس: وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ [٣٧] أَمْ يَقُولُونَ: افْتَراهُ؛ قُلْ: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [٣٨] . وقال ﵎ في سورة هود: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا «١» : لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ «٢» كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ. إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [١٢] أَمْ يَقُولُونَ: افْتَراهُ، قُلْ: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ «٣» مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [١٣] . وقال ﵎ في سورة بني إسرائيل: قُلْ: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ «٤»

стр. 359

لِبَعْضٍ ظَهِيراً [٨٨] وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً [٨٩] . وقال في سورة الطور: أَمْ يَقُولُونَ: تَقَوَّلَهُ؟ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ [٣٣] فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ [٣٤] «١» . وما يعجز الإنس والجنّ عن أن يأتوا بمثله فماذا ينتزع منه وماذا ينتخب؟ «٢» . وقد روي عن الأصمعي «٣» ﵁ قال: اجتزت ببعض أحياء العرب، فرأيت صبية معها قربةٌ فيها ماءٌ وقد انحلّ وكاء فمها. فقالت: يا عمّ، أدرك فاها، غلبني فوها، لا طاقة لي بفيها. فأعنتها، وقلت: يا جارية، ما أفصحك! فقالت يا عمّ، وهل ترك القرآن لأحدٍ فصاحةً؟ وفيه آيةٌ فيها خبران وأمران ونهيان وبشارتان! قلت: وما هي؟ قالت: قوله ﵎: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى: أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي، إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [٢٨: ٧] قال: فرجعت بفائدةٍ، وكأنّ تلك الآية ما مرّت بمسامعى!!

стр. 360

ألفاظ من كلام النبي ﷺ كلام النبوة دون كلام الخالق، وفوق كلام المخلوقين، فيه جوامع الكلام، ومعجزات البلاغة والفصاحة. ١٧٦* فمن ذلك قوله ﷺ : «المرء مخبوء تحت لسانه» . «١» ١٧٧* وقوله ﷺ : «كفى بالصحة داء» «٢» . ١٧٨* وقوله ﷺ : «لا يلسع المؤمن من جحر مرتين» «٣» . ١٧٩* وقوله ﷺ : «الشديد من غلب نفسه» «٤» . ١٨٠* وقوله ﷺ : «ليس الخبر كالمعاينة» «٥» . ١٨١* وقوله ﷺ : «المجالس بالأمانة» «٦» . ١٨٢* وقوله ﷺ : «الغنى غنى النّفس» «٧» .

стр. 361

وقوله ﷺ : «الأعمال بالنيّات» «١» . * ١٨٣ وقوله ﷺ : «سيد القوم خادمهم» «٢» . * ١٨٤ وقوله ﷺ : «حبك الشيء يعمي ويصم» «٣» . * ١٨٥ وقوله ﷺ : «المرء كثير بأخيه» «٤» . * ١٨٦ وقوله ﷺ : «هل يتوقع أحدكم إلا غنًى مطغياً، أو فقراً منسياً، * ١٨٧ أو مرضاً مفسداً، أو هرما مفندا «٥» ، أو الدجّال، فهو شرّ غائب ينتظر، أو الساعة، والساعة أدهى وأمرّ» «٦» . وقوله ﷺ : «رأس العقل بعد الإيمان بالله تعالى مداراة الناس» «٧» . * ١٨٨ وقوله ﷺ : «الحرب خدعة» «٨» . * ١٨٩

стр. 362

١٩٠* وقوله ﷺ : «إن مما ينبت الربيع لما يقتل حبطاً أو يلمّ» «١» . ١٩١* وقوله ﷺ : «لا تجني على المرء إلا يده» «٢» . ١٩٢* وقوله ﷺ : «البلاء موكّل بالمنطق» «٣» . ١٩٣* وقوله ﷺ : «الناس كأسنان المشط» «٤» . ١٩٤* وقوله ﷺ : «أي داء أدوى من البخل» «٥» .

стр. 363

وقوله ﷺ : «ترك الشرّ صدقة» «١» . * ١٩٥ وقوله ﷺ : «الحياء خيرٌ كلّه» «٢» . * ١٩٦ وقوله ﷺ : «اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع» «٣» * ١٩٧ وقوله ﷺ : «أعجل الأشياء عقوبةً البغي» «٤» . * ١٩٨ وقوله ﷺ : «إن من الشعر لحكماً، وإن من البيان لسحراً» «٥» * ١٩٩ وقوله ﷺ : «استعينوا على الحاجات بالكتمان» «٦» . * ٢٠٠ وقوله ﷺ : «الندم توبةٌ» «٧» . * ٢٠١ وقوله ﷺ : «المستشار مؤتمنٌ» «٨» . * ٢٠٢ وقوله ﷺ : «الولد مبخلة مجبنة» «٩» . * ٢٠٣

стр. 364

٢٠٤* وقوله ﷺ : «لن يهلك امرؤٌ بعد مشورةٍ» «١» . ٢٠٥* وقوله ﷺ : «مالَكَ من مالِكَ إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت» «٢» . ٢٠٦* وقوله ﷺ : «الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم» «٣» . ٢٠٧* وقوله ﷺ : «الصدقة تطفيء غضب الرب ، وصنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصلة الرحم تزيد في العمر» «٤» . قلت: حصر البليغ من كلام النبوة، ممتنع معجز، لأنه كلّه بليغٌ فصيح «٥» .

стр. 365

[الفاظ من كلام الصحابة وغيرهم] وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضوان الله عليه: القاضي لا يصانع ولا يضارع، ولا يتبع المطامع. وقال رضوان الله عليه: حسب المؤمن دينه، ومروءته خلقه، وأصله عقله «١» . وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: المعروف أفضل الكنوز، وأحصن الحصون. ولا يزهدنك فيه كفر من كفرك، فقد يشكرك عليه من لم يستمتع منه بشيء، وقد يشكر الشاكر ما يضيِّع الجحود. وقال رضوان الله عليه: إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكراً للقدرة عليه.

стр. 366

وقوله رضوان الله عليه: القلوب قاسية عن حظها، لاهيةٌ عن رشدها، سالكة غير مضمارها، كأن المعنيَّ سواها. كتب أبو بكر الصديق رضوان الله عليه إلى عكرمة بن أبي جهل ﵀، وهو عامله على عمان «١» : «إياك أن توعد في معصية بأكثر من عقوبتها: فأنك إن فعلت أثمت، وإن تركت كذبت» . وقال معاوية ﵀ لعمرو بن العاص: من أبلغ الناس؟ قال: من قلل من الإكثار، واقتصر على الايجاز. قال: فمن أصبر الناس؟ قال: من ترك دنياه في إصلاح دينه. قال: فمن أشجع الناس؟ قال: من رد جهله بحلمه «٢» . قال العتابي: البلاغة سد الكلام بمعانيه وإن قصر، وحسن التأليف وإن طال. وقف محمد بن الحنفية ﵁ على قبر أخيه الحسن بن علي رضوان الله عليهما حين دفن، فاغر ورقت عيناه، وقال: رحمك الله أبا محمد، فلئن عزت حياتك لقد هدَّت وفاتك «٣» ، ولنعم الروح روح تضمنَّه بدنك، ولنعم البدن بدنٌ تضمنه كفنك، وكيف لا يكون هذا وأنت سليل الهدى،

стр. 367

وحليف أهل التقوى، وخامس أصحاب الكساء «١» ، غذتك أكف الحق، وربيت في حجر الإسلام «٢» ، ورضعت ثدي الإيمان، فطبت حياً وميتاً، وإن كانت أنفسنا غير طيبة بفراقك، ولا شاكةٍ في الخير لك «٣» . كتب إبراهيم بن المهدي إلى صديق له: «لو كانت التحفة لك على حسب ما يوجبه حقك لأجحف بنا أدنى حق من حقوقك، ولكنها على قدر ما يخرج من حدّ الوجشة، ويوجب الأنس «٤» ، وقد بعثت إليك بكذا وكذا» . ودخل أعرابي على هشام بن عبد الملك يشكو عاملا لهم، فقال: يأمير المؤمنين، إنه والله ما أدركنا أحداً قعد مقعدك أعدل منك، وإن أهل الشكر لعدلك، هم عيونك على مكارمك، يجب عليهم أن يرفعوا إليك كل مكرمة غبت عنها، حفظاً لغيبك، وتأديةً لحقك وحق إمامتك، وفلان بن فلان رفعت خسيسته، وأثبتَّ ركنه، وأعليت ذكره، وأمرته بنشر محاسنك فطواها، وإظهار مكارمك فأخفاها، وقد أخرب البلاد «٥» ، وأظهر الفساد، وأجاع الأكباد، وأخرج الناس من سعة العدل إلى ضيق الجور «٦» ، حتى باعوا الطّارف والتّالد. قال: يأعرابي، إن كان ما تقوله حقاً عزلناه وجعلناه نكالا لمن سار بسيره «٧» .

стр. 368

وتكلم عمرو بن سعيد «١» في بيعة يزيد بن معاوية فقال: إن يزيد غياثٌ تأملونه، وأجلٌ تأمنونه، طويل الباع، رحب الذراع، واسع الصدر، كريم النجر، قارح «٢» سُوبق فسبق، وموجد فمَجُد، وقُورع فقرع، وخوصم فخصم، إن صرتم إلى حلمه وسعكم، أو إلى ماله أغناكم، خلفٌ من أمير المؤمنين، ولا خلف منه «٣» . لما هزم المهلب بن أبي صفرة عبد ربه الحروري «٤» قال: هل من رجل حازم أبعث به إلى الحجاج مع رؤوس هؤلاء القوم؟ فدلَّ على بشير بن مالك الخرشي، فوجهه إلى الحجاج. فلما دخل عليه قال له الحجاج: ما اسمك؟ قال: بشير بن مالك. فقال الحجاج: بشارةٌ وملكٌ، كيف تركت المهلب؟ قال: تركته- أصلح الله الأمير- قد أدرك ما طلب، وأمن ما خاف. قال: الحمد لله على ذلك، فكيف تركت العدو؟ قال: كانت له الدولة ولنا العاقبة. فقال الحجاج: العاقبة للمتقين. فكيف تركت الجند؟ قال: أرضاهم الحق، وأغناهم النفل «٥» ، وإنه مع ذلك ليسوسهم سياسة الملوك، ويقاتل عنهم قتال الصعلوك. قال: فكيف أبناء المهلب؟ قال. أعباء البيات «٦» حتى يأمنوه، وأصحاب السرح حتى يروِّحوه. قال: فأيهم أفضل؟ قال: ذاك

стр. 369

إلى أبيهم. قال: وأنت فقل، فإني أراك عاقلا؟ قال: مهم كالحلقة «١» المفرغة لا يدري أين طرفها. فقال الحجاج: أكنت أعددت ما سمعت؟ فقال: لا يعلم الغيب إلا الله. فالتفت الحجاج إلى جلسائة فقال: هذا والله الكلام الخالص، لا الكلام المصنوع. قال صالح بن جناح: لسان الأحمق مطبق، فلا يحسن أن ينطق، ولا يقدر أن يسكت. وقال يحيى بن معاذ ﵀: طلب الخير شديدٌ، وترك الشر أشد منه: لأن ليس كل الخير يلزمك عمله، والشر كله يلزمك تركه. روي: أن حامد بن العباس سأل علي بن عيسى الوزير في ديوان وزارته عن دواء الخمار «٢» وقد علق به؟ فأعرض عن كلامه، وقال: ما أنا وهذه المسألة! فخجل حامد، ثم التفت إلى قاضي القضاة أبي عمر «٣» فسأله عن ذلك؟ فتنحنح القاضي لإصلاح صوته، ثم قال: قال الله ﵎: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [٥٩: ٧] . وقال رسول الله ﷺ :

стр. 370

٢٠٨* «استعينوا على كلّ صنعة بصالح أهلتها» «١» والأعشى هو المشهور بهذه الصناعة في الجاهلية، وقد قال: وكأسٍ شربت على لذةٍ ... وأخرى تداويت منها بها وقد تلاه أبو نواس، وهو القائل: دع عنك لومي فإن اللوم إغراءُ ... وداوني بالتي كانت هي الداءُ فأسفر حينئذٍ «٢» وجه حامدٍ، وقال لعلي بن عيسى: يا بارد! ما ضرك أن تُجيب بما أجاب به قاضي القضاة، وقد استظهر في جواب «٣» المسألة بقول الله تعالى، ثم بقول الرسول ﷺ ثانياً، وبين الفُتيا وأدى المعنى، وتنصَّل من العهدة؟! فكان خجل علي بن عيسى من حامد بن العباس بهذا الكلام أكثر من خجل حامد منه لما ابتدأه بالمسألة. من دعاء الفضيل بن عياض ﵁: اللهم إني أسألك الغنى في الدنيا، وأعوذ بك من الرغبة فيها، وأسألك الزهد في الدنيا، وأعوذ بك من الفقر فيها. كتب العتابي إلى صديق له: «قد عرضت قبلك حاجةٌ، فإن نجحت بك فألفاني منها حظي، والباقي حظك. وإن تعذرت فالخير مظنون بك، والعذر مقدَّمٌ لك» . روي: أن عبد الحميد لقي ابن المقفع، فقال له: بلغني عنك شيء أكرهه. فقال: لا أبالي. قال: ولم؟ قال: لأنه إن كان باطلاً لم تقبله، وإن كان حقاً عفوت عنه.

стр. 371

قال خالد بن صفوان «١» لأمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد- حين أتى البصرة منهزماً من أبي فُدَيك الخارجي «٢» -: الحمد لله الذي خار لنا عليك، ولم يخر لك علينا، فقد كنت حريصاً على الشهادة، لكن الله أبى ذلك «٣» ، ليزين بك مصرنا، ويؤنس وحشتنا، ويكشف بك غمتنا «٤» . قيل للأحنف بن قيس «٥» : من السيد؟ قال: الذليل في عرضه، الأحمق في ماله، المطرح لحقده، المعين لعشيرته. قال أبو جعفر المنصور لأبي الهيذام عامر بن عمارة بن خُريم الناعم المرِّي «٦» : مالك لا تسألني حاجة؟ فقال: والله ما أخاف بخلك، ولا أستقصر عمرك. وروي عن كاتبٍ لطاهر بن حسين قال: ولَّى طاهر بعض النواحي رجلاً، فقال لي: اكتب عهده، واترك في أسفل القرطاس فضلاً. ففعلت، فأخذ العهد وكتب في أسفله:

стр. 372

اعمل صواباً تنل بالحزم مأثرةً «١» ... فلن يُذم مع التقدير تدبيرُ فإن هلكت مصيباً أو ظفرت بهِ ... فأنت عند أولي الألباب معذورُ وإن هلكت على جهلٍ وفزت به ... قالوا: جهولٌ أعانته المقاديرُ «٢» أنكد بدنيا ينال المخطئون بها ... حظ المصيبين والمغرور مغرورُ دخل الخيار بن أوفى النهدي «٣» - وكان كبير السن- إلى معاوية بن أبي سفيان، فقال له: لقد غيرك الدهر؟ قال: نعم، يا أمير المؤمنين، ضعضع قناتي، وشيَّب سوادي، وأفنى لداتي «٤» ، وجرَّأ علي أعدائي، ولقد غنيت زمانا أزور الكعاب، وأسئل الثياب، وأحسن الضراب، وآلف الأحباب، فنأى الشباب عني، ودنا الموت مني. وحذَّر رجل من الحكماء صديقاً له صحبه آخر، فقال: يا فلان، احذر فلاناً، فإنه كثير المسألة، حسن البحث، لطيف الاستدراج، يحفظ أول كلامك على آخره، ويعتبر ما أُخرت بما قدمت، فلا تظهرن له المخافة، فيرى أنك قد تحرزت وتحفظت. واعلم أن من يقظة الفطنة إظهار الغفلة مع شدة الحذر، فباته مباتة «٥» الآمن، وتحفظ منه تحفظ الخائف، فإن البحث يظهر الخفي، ويبدي المستتر الكامن.

стр. 373

قال اسحق: قلت لزهراء «١» : ما رأيت من نساء العرب أفصح منك ولا أبلغ، يا زهراء، ما خبر أمير المؤمنين؟ قالت: جال بالناس جولة «٢» وحط بهم حطة «٣» حركت الساكن، وأيقظت النائم، وأخافت الآمن، وأتت على نفس المريب. قلت: فما خبر ابن أبي داودٍ «٤» ؟ قالت: قعقع له «٥» بالشنان يمنةً ويسرة، حتى لقد أُحيط به. قلت: فما خبر ابن عبد الملك؟ قالت: يسره أرضه بحج بطين بصهر إلى هذه الذخائر فيفطن لها ثم يتمم عليها «٦» . قلت: فما خبر الناس؟ قالت: تنتقض أنفاشهم فإذا فرغوا هدؤا. قلت لها: فأين منزلك؟ قالت: مالي منزل، إنما أشتمل بالليل إذا عسعس، وأظهر في النهار إذا تنفس. ثم اتخذت منزلاً. فقلت لها: كم بيننا وبين منزلك؟ قالت: أما على كسلان وانٍ فساعةٌ، وأما على ذي حاجةٍ فقريب. كتب ابن السماك «٧» إلى عمرو بن بانة «٨» : «إن الدهر قد كلح «٩» فجرح، وجمح فطمح، وأفسد ما أصلح «١٠» ، فإن لم تُعن عليه فضح» .

стр. 374

قال المدائني: دخل عمرو بن أمية الضمري «١» على النجاشي، فكلمه بكلام كثير، فكان مما حفظ من كلامه: إنا وجدناك كأنك من الرقة علينا منا، وكأنا في الثقة بك منك، لم نرجك لأمر قط إلا نلناه، ولم نخفك عليه إلا أمناه. وعن العتبي قال: قال عثمان بن عتبة بن أبي سفيان: أرسلني أبي إلى عمي «٢» أخطب إليه ابنته، فأقعدني إلى جانبه، ثم قال: مرحباً بابنٍ لم ألده، أقرب قريب، خطب إلي أحبّ حبيب، ولا أستطيع له رداً، ولا أجد من تشفيعه «٣» بداً، وقد زوجتكما، وأنت أكرم علي منها، وهي ألوط بقلبي منك «٤» ، فأكرمها يعذب على لساني ذكرك، ولا تمتهنها فيضع عندي قدرك، وقد قربتك مع قربك، فلا تباعد قلبي من قلبك. قال أبو الحسن المدائني: وقع ميراث بين أبي سفيان وبين مروان، فتشاجرا فيه وتضايقا «٥» . فلما قاما أقبل عمرو بن عتبة «٦» على ولده، فقال:

стр. 375

إن لقريش درجاً تزل عنها أقدام الرجال، وأفعالاً تخشع لها رقاب الأموال، وألسناً تكل «١» عنها الشفار المشحوذة، وغايات تقصر «٢» عنها الجياد المنسوبة «٣» ، ثم إن ناساً منهم تخلقوا بأخلاق العوام، فصار لهم رفق في اللؤم «٤» ، وخرق «٥» في الحرص، لو أمكنهم قاسموا الطير أرزاقها، إن خافوا مكروهاً تعجلوا له الفقر، وإن عجّلت لهم نعمة «٦» أخروا عليها الشكر، أولئك أنضاء فكر العقل «٧» ، وعجزة حملة الشكر. كتب معاوية بن أبي سفيان إلى أخيه عتبة «٨» ، وهو على مصر، في أقوام يعاقبهم ولا يراجعه فيهم. فكتب إليه عتبة: «يا أمير المؤمنين، على أداء حقك أستعين الله، وبه على جميع أمري أتوكل «٩» ، وأنا مقيد بكتابك، وصائرٌ إلى أمرك، ومتخذه إماماً إذا أم الحزم، فإذا خالفه فعندها لم تغب عما شهدت، ولم يدخل عليك ضرر ما فعلت، ولقد علم الناس قبلي أنّ زنادني ذكية الشعل «١٠» لمن عاداك، وأن جناي أحلى من العسل لمن والاك، فثق بذلك لهم

стр. 376

وعليهم، وإياك أستكفي لك من كفاني بك. وقال عمرو بن العاص لابنه: يا بني إمامٌ عادلٌ خيرٌ من مطر وابل، وأسد حطوم خير من سلطان ظلوم، وسلطان ظلوم خير من فتنة تدوم «١» . قال المدائني: قدم محمد بن عبد الله بن عطارد الدارمي في سبعين راكباً على الحجاج وافداً، فاستزارهم عمرو بن عتبة «٢» ، فقال له محمد بن عبد الله: يأباسفيان، ما بال العرب تطيل كلامها وتقصرونه معشر قريش؟ فقال: الجندل يرمي بالجندل، إن كلامنا يقلّ لفظه ويكثر معناه، يشفي بأولاه ويحيي «٣» بأخراه، تحدر الزلال على الكبد الحرَّى، ولقد نقصنا كما نقص الناس، بعد أقوام أدركتهم كأنهم خلقوا لتحسين ما قبَّحت الدنيا، سهلت لهم ألفاظهم كما سهلت لهم أنفاسهم، ويبذلون أموالهم، ويصونون أعراضهم، فما يجد المادح لهم مزيداً، ولا الطاعن فيهم مطعناً، لله در مادحهم حيث يقول: وضع الدهر بينهم «٤» شفرتيه ... فانثنى سالما وأضحوا شعوبا شفرتا والله مالا «٥» على من قبلهم «٦» ، فأذهبت أبدانهم، وأبقت أخبارهم، فصاروا حديثاً حسناً، ثوابه في الآخرة أحسن، وحديثاً سيئاً عقابه في الآخرة أسوأ، فكم موعوظ بمن قبله «٧» موعوظ به من هو آتٍ بعده. قال: فظننا أنه إذا «٨» أراد أن يطيل أطال. وصف معاوية الوليد بن عتبة «٩» فقال: إنه لبعيد الغور، ساكن الفور،

стр. 377

وإن العود لمن نجاره «١» والولد من آبائه، وإنه والله نبت أصل لا يخلف، وسليل فحلٍ لا يقرف «٢» . قال المدائني: أتى أعرابي أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين ﵃، فقال له: هل رأيت الله حين عبدته؟ قال: ما كنت لأعبد شيئاً لم أره. قال: فكيف رأيته؟ قال: لم تره الأبصار مشاهدة العيان، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، معروفٌ بالآيات، منعوتٌ بالعلامات، لا يجور في قضيته، هو الله الذي لا إله إلا هو. فقال الأعرابي: الله أعلم حيث يجعل رسالاته «٣» [٦: ١٢٤] . قال محمد بن سلاَّم «٤» : لما قتل مصعب بن الزبير ﵀ بلغ أخاه عبد الله [﵁] «٥» وهو بمكة، فصعد المنبر فقال: الحمد لله الذي له الخلق والأمر، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء. ألا وإنه لم يذلل الله «٦» من الحق معه، وإن كان فرداً، ولم يعزز الله من أولياء الشيطان وحزبه، وإن كان الأنام معه طُرَّاً. إنه

стр. 378

أتانا خبرٌ من العراق أجزعنا وأفرحنا: قَتْلُ مصعب رحمة الله عليه، فأما الذي أجزعنا من ذلك فإن «١» لفراق الحميم لذعة «٢» يجدها حميمه «٣» عند المصيبة، ثم يرعوي من بعدها ذوو الرأي «٤» إلى جميل الصبر وكريم العزاء، وأما الذي أفرحنا فقد علمنا أن قتله له شهادة، وأن القتل له على ذلك خيرة. ألا إن أهل العراق- أهل الغدر والنفاق- أسلموه وباعوه بأقل ما كانوا يأخذونه منه. أما والله ما نموت حبجاً «٥» وما نموت إلا قصعاً «٦» بالرماح، وموتاً تحت ظلال السيوف، ليس كما تموت بنو مروان: ما قُتل منهم أحد في الجاهلية ولا في الإسلام. وإنما الدنيا عاريةٌ من الملك الذي لا يزول سلطانه ولا يبيد، فإن تقبل الدنيا علي لا آخذها أخذ الأشر البطر، وإن تدبر عني لا أبك عليها بكاء الخرف المهتر «٧» . ثم نزل. قال معاوية لعمرو بن العاص: من أبلغ الناس؟ قال: من ترك الفضول واقتصر على الايجاز. قال: فمن أصبر الناس؟ قال: من ترك دنياه في إصلاح دينه. قال: فمن أشجع الناس؟ قال: من رد جهله بحلمه «٨» .

стр. 379

وقلل خالد بن صفوان: أحسن الكلام ما شرفت مبانيه، وظرفت معانيه، والتذه سمع سامعيه. كان العتابي «١» يقول: ليس البلاغة بالاكثار والإقلال، لكن «٢» البلاغة سد الكلام بمعانيه وإن قصر، وحسن التأليف وإن طال. قيل للقاسم بن محمد بن أبي بكر ﵁: كيف كان مصعب؟ قال: كان نفيساً رئيساً يبيساً. حمل عمرو بن معدي كرب حمالة «٣» ، فأتى مجاشع بن مسعود «٤» فسأله فيها؛ وقال: أسألك حملان «٥» مثلي وسلاح مثلي. فأمر له بعشرين ألف درهم وفرس عتيق جواد وسيف صارم وجارية نفيسة. فمر ببني حنظلة، فقالوا له: يأبا ثور، كيف رأيت صاحبك؟ فقال: لله بنو مجاشع «٦» ! ما أشد في الحرب لقاءها! وأجزل في اللزبات «٧» عطاءها! وأحسن في المكرمات

стр. 380

ثناءها «١» ! لقد قاتلتها فما فللتها «٢» ، ومألتها فما أبخلتها «٣» ، وهاجيتها فما أفحمتها. قدم وفد أهل «٤» العراق على معاوية ﵀، فلما دخلوا عليه قال: [مرحباً بكم] «٥» يا أهل العراق، قدمتم أرض الله المقدسة، منها المنشر، وإليها المحشر، قدمتم على خير أمير: يبر كبيركم، ويرحم صغيركم، ولو أن الناس كلهم ولد أبي سفيان لكانوا حلماء عقلاء! فأشار الناس إلى صعصعة بن صوحان «٦» فقام فحمد الله «٧» وصلى على النبي ﷺ ثم قال: أما قولك- يا معاوية-: «إنا قدمنا الأرض المقدسة» فلعمري ما الأرض تقدس الناس، ولا يقدس الناس إلا أعمالهم. وأما قولك: «إن منها المنشر وإليها المحشر» فلعمري ما ينفع قربها كافراً، ولا يضر بعدها مؤمناً. وأما قولك: «لو أن الناس كلهم ولد أبي سفيان لكانوا حلماء عقلاء» فقد ولدهم من هو خير

стр. 381

من أبي سفيان: آدم صلى الله عليه، فمنهم الحليم والسفيه، والجاهل والعالم. وقالت الحكماء: خير الكلام ما أغنى قليله عن كثيره. وقالوا: خير الكلام ما لم تحتج بعده إلى كلام. وقالوا: أبلغ الكلام ما سبق معناه لفظه. وقالوا: البلاغة ما فهمته العامة، ورضيته الخاصة «١» . وقيل لبعض الحكماء: ما أحسن الكلام؟ قال: ما استحسنه سامعه. قيل: ثم ماذا؟ قال: ثم ما حصلت منافعه. قيل: ثم ماذا؟ قال: ما لم تذمَّ عواقبه. قيل: ثم ماذا؟ قال: ثم لا ثم. وقيل لبعضهم: من البليغ؟ قال: من أخذ معاني «٢» كثيرة فأداها بألفاظ قليلة، أو أخذ معاني «٣» قليلة فولد منها ألفاظاً كثيرة. قلت: كأنّه عنى بهذا القول قول عيد الله بن المعتز في صفة الآذريون «٤» وآذريون أتاك في طبقه ... كالمسك في نشره وفي عبقهِ قد نفض العاشقون ما صنع ال ... هجرُ بألوانهم على ورقهِ فالبيت كله أنه أصفر. وقال بعض الأدباء: إن أمكنك أن تبلغ من بيان وصفك، وبلاغة

стр. 382

منطقك، واقتدارك على فصاحتك-: أن تُفهم العامة معاني الخاصة، وتكسوها الألفاظ المبسوطة التي لا تلطف عن الدهماء ولا تجل عن الأكفاء-: فأنت البليغ الكامل. وسئل أرسطاطاليس عن البلاغة؟ فقال: إقلال في إنجاز، وصواب مع سرعة جواب. وسئل عن العي؟ فقال: كثرة القول المقصر عن بلوغ المعنى. وتكلم ابن السماك يوماً وجارية له تسمع، فلما دخل قال لها: كيف سمعت كلامي؟ قال: ما أحسنه لولا أنك تكثر ترداده! قال: إنما أردده ليفهمه من لم يفهمه. قالت «١» : إلى أن يفهمه من لم يفهمه قد مله من قد فهمه! «٢» قحطت البادية في أيام هشام بن عبد الملك، فقدمت العرب من أحياء القبائل، فجلس هشام لرؤسائهم، فدخلوا عليه، وفيهم درواس بن حبيب «٣» ،

стр. 383

وله أربع عشرة سنة «١» ، عليه شملتان وله ذؤابة. فأحجم القوم وهابوا هشاماً، ووقعت عين هشام على درواس فاستصغره، فقال لحاجبه: ما يشاء أحد أن يصل إلي إلا وصل! حتى الصبيان؟! فعلم درواس أنه يريده، فقال: يا أمير المؤمنين، إن دخولي لم يخلِّ بك شيئاً، ولقد شرَّفني، وإن هؤلاء القوم قدموا لأمرٍ أحجموا دونه، وإن الكلام نشرٌ، والسكوت طيٌ، ولا يعرف الكلام إلا بنشره. فقال له هشام: فانشر لا أبالك!! وأعجبه كلامه. فقال: أصابتنا سنون ثلاثة «٢» : فسنةٌ أذابت الشحم، وسنةٌ أكلت اللحم، وسنة أنقت العظم، وفي أيديكم فضول أموالٍ: إن كانت لله ففرقوها على عباده المستحقين لها، [وإن كانت لهم فعلام تحبسونها عنهم؟] «٣» ، وإن كانت لكم فتصدقوا بها عليهم، فإن الله يجزي المتصدقين «٤» ، ولا يضيع أجر المحسنين «٥» ، واعلم، يا أمير المؤمنين، أن الوالي من الرعية كالروح من الجسد، لا حياة للجسد إلا به «٦» . فقال هشام: ما ترك الغلام في واحدة من الثلاث عذراً. وأمر أن يقسم في باديته مائة ألف درهم «٧» ، وأمر لدرواس بمائة ألف درهم. فقال: يا أمير المؤمنين،

стр. 384

ارددها إلى جائزة العرب، فإني أكره أن يعجز ما أمر لهم به أمير المؤمنين عن كفايتهم. قال: فما لك من حاجةٍ تذكرها لنفسك؟ قال: مالي من «١» حاجةٍ دون عامة المسلمين «٢» !! قال أبو العتاهية: قدم عليَّ أعرابي من هجر، فخاطبني بأحسن مخاطبةٍ، وكلمني بأفصح كلام، ثم قال: ما رأيت أحسن ممّا كما يقال عنك إلا ما شهدته منك. ثم وعدته بأشياء قدم لها وتضمنت له القيام بها، فقال لي: والله ما أستقل قليلك، لأنه أكثر من كثير غيرك، ولا أستكثر كثيرك، لأنه دون همتك. وقال خالد بن صفوان: لا تصنع المعروف إلى ثلاثة: الفاحش واللئيم والأحمق. فأما الفاحش فيقول: إنما صنع هذا بي اتقاءً «٣» لفحشي، وأما الأحمق فلا يعرف المعروف فيشكره، وأما اللئيم فكالأرض السبخة لا تثمر ولا تنمي. فإذا «٤» رأيت السري فدع المعروف «٥» عنده واستحصد الشكر، وأنا لك الضامن. ٣٠٩* قال النبي ﷺ : «إن من الشعر لحكماً، وإن من البيان لسحراً» هذا كلام قاله ﷺ لوفد بني تميم، لما سأل عمرو بن الأهتم «٦» عن قيس

стр. 385

بن عاصم «١» ؟ فمدحه عمرو، فقال قيس: والله يا رسول الله، لقد علم أني خيرٌ مما وصف، ولكنه حسدني! فذمه عمرو بن الأهتم، وقال: يا رسول الله، لقد صدقت في الأولى وما كذبت في الثانية! ولكني رضيت فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أسوأ ما عرفت! فعند ذلك قال النبي ﷺ : «إن من البيان لسحراً» . وأنا ذاكر شيئاً من محاسن الشعر مختصرا. من ذلك [محاسن الشعر] في الأدب قال سويد بن أبي كاهل «٢» :

стр. 386

إني إذا ما الأمر بين شكهُ ... وبدت بصائره لمن يتأملُ «١» أدع التي هي أرفق الحالات بي ... عند الحفيظة للتي هي أجملُ وقال أحيحة بن الجلاح: استغن عن كل ذي قربى وذي رحمٍ ... إن الغني من استغنى عن الناسِ والبَس عدوك في رفقٍ وفي دعةٍ ... لباس ذي إربةٍ للناس لبَّاسِ» وقال خفاف بن مالك بن عبد يغوث المازني «٣» :

стр. 387

نريح فضول الحلم وسط بيوتنا ... إذا الحلماء عنهم الحلم أغربوا «١» ونرأب ما شئنا، وليس لما وهت ... جرائر أيدينا من الناس مرْأبُ «٢» ونعفو، ولو شئنا أخذنا، ونكتفي ... بأدنى بُغانا حين نبغي ونطلبُ وندفع عنا الشر ما كان دفعه ... سناءً، ونصلي ناره حين تُلهبُ ونركبُ ظهر الموتِ والموت يُتقى ... إذا لم يكن إلا على الموت مركبُ وإني- على ريب الزّمان وصرفه-: ... لتغرر كفي بالندى حين تُحلبُ «٣» وأكفي ابن عمي غيبه بشهادتي ... ويطعن دون الجار نصري ويضربُ ولا ألطم ابن العم إن كان إخوتي ... شهوداً وإخوان ابن عمي غُيَّبُ وقال آخر: إني لأعرض عن أشياء أسمعها ... حتى يظن أناسٌ أن بي حمقا أخشى مقال سفيهٍ لا حياء له ... وأن يظن أناسٌ أنه صدقا وقال آخر: «٤» لا ادفع ابن العم يمشي على شفا ... وإن بلغتني من أذاه الجنادعُ «٥» ولكن أواسيه وأنسى ذنوبهُ ... لترجعه يوماً إليَّ الرواجعُ وحسبك من ذلٍ وسوء صنيعةٍ ... مناواة ذي القربى وإن قيل: قاطعُ وقال آخر:

стр. 388

فلا يحزننك الشر قبل وقوعه ... ولا يفرحنك الخير والخير غائبُ «١» فإنك لا تدري- وإن كنت حازماً-* إلى أي أمرٍ ما تؤول العواقبُ وقال الربيع بن أبي الحقيق: «٢» إنا إذا مالت دواعي الهوى ... وأنصت السامع للقائلِ واصطرع القوم بألبابهم ... بمنطق القاصد والمائلِ لا نجعل الباطل حقاً ولا ... نلط دون الحق بالباطلِ «٣» نخاف أن تسفه أحلامنا ... فنخمل الدهر مع الخاملِ إن طلاب المرء ما قد خلا ... داءٌ كمثل السقم الداخلِ وقال النابغة الذبياني، واسمه زياد: «٤» لا خير في عزمٍ بغير رويةٍ ... والشك وهنٌ إن أردت سراحا فاستبق ودَّك للصديق ولا تكن ... قتباً يعض بغاربٍ ملحاحا «٥» صفناً يدخِّل «٦» تحته أحلاسه ... شد البطان فما يريد براحا والرفق يمنٌ والأناة سعادةٌ ... فاستأنِ في رفقٍ تلاقِ نجاحا واليأس مما فات يعقب راحةً ... ولرب مطعمة تكون ذباحا «٧»

стр. 389

وقال رجل من هذيل: فبعض الأمر أصلحه ببعضٍ ... فإن الغثًّ يحمله السمينُ ولا تعجل بظنك قبل خبرٍ ... فعند الخبر تنقطع الظنونُ ترى بين الرجال العين فضلا «١» ... وفيما أضمروا الفضل المبينُ كلون الماء مشتبهاً وليست ... تخبر عن مذاقته العيونُ وقال ضرار بن عتيبة العبشمي «٢» : أحب الشيء ثم أصد عنه ... مخافة أن يكون به مقالُ أحاذر أن يقال لنا فنخزى ... ونعلم ما تسب به الرجالُ وقال آخر: ما ذاق روح الغنى من لا قنوع له ... ولن ترى قانعاً ما عاش مفتقرا العرف من يأته يعرف عواقبهُ ... ما ضاع عرفٌ ولو أوليته حجرا وقال حضرميّ بن عامر الأسديّ «٣» : لقد جعل الرّكّ الضّعيف يسيلني ... لديك ويشريك القليل فتغلقُ «٤» وقد جعلت تبدو العداوة بيننا ... حديثاً وأسباب المودة تخلقُ «٥»

стр. 390

لعلّك يوما أن تود لو أنني ... قريبٌ ودوني من ملا الأرض مخفقُ «١» وتنظر في أسرار كفك هل ترى ... لنا خلفاً مما تفيد وتنفقُ «٢» وقال أفنون، واسمه صريم بن معشر التغلبي «٣» : ولا خير فيما يكذب المرء نفسه «٤» ... وتقواله للشيء: ياليت ذاليا! لعمرك ما يدري امرؤٌ كيف يتقي ... إذا هو لم يجعل له الله واقيا وقال آخر: مقالة السوء إلى أهلها ... أسرع من منحدر السائلِ ومن دعا الناس إلى ذمه ... ذموه بالحق وبالباطلِ فلا تهج- إن كنت ذا إربةٍ-* حرب أخي التجربة العاقلِ إن أخا العقل إذا هجته ... هجت به ذا خبل خابلِ «٥» تبصر في عاجل شداته «٦» ... عليك غب الضرر الآجلِ «٧» وقال آخر «٨» : صديقك حين تستغني كثيرٌ ... ومالك عند فقرك من صديق
следующие страницы →