Полный текст (498 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
العاص بن وائل، وإنك قد جعلت عمروا وزياداً شعارك دون دثارك، ونفسك التي بين جنبيك، ثم لم ترض لابن عبيد حتى نسبته إلى أبيك، عضيهة لأبيك «١» ، وإزراء ببنيك، مع ما في ذلك من السخط لربك، والمخالفة لنبيك ﷺ ، إذ قضى: أن الولد للفراش وللعاهر الحجر، فقضيت الولد للعاهر وللفراش الحجر، فرفعت أمراً كان حقيراً، وشهرت أمراً كان خاملاً صغيراً، تريد أن تدخله على حرمك ونسائك، ثم أنشأ يقول:
أترضى يا معاوية بن حربٍ ... بأن تعطي حراثمك العبيدا
كأني والذي أصبحت عبداً ... له بالقوم قد شكروا يزيدا
فإن ترجع فقد لقيت رشدا ... وإن تجمع فلم تطع الرشيدَ «٢»
فأما عمرو بن العاص فقد الزمت نفسك الحاجة إليه، وألزم نفسه الغناء عنك، وايم الله لنحن أنصح جيوباً وأوجب حقّاً وأمسّ رحماً، وما من أمرٍ يبلغه عمرٌو فنعجز عنه لتقصيرٍ بنا ولا وهنٍ منّا، لكنك رفعت المرء فوق قدره، حتى طمح بفخره، وزخر ببحره، فصار كأنه شيءٌ وليس بشيءٍ، وإنّ مثلنا ومثلك كما قال الأوّل «٣» :
مِنَ النّاسِ مَنْ يصلُ الأبعدينَ ... ويشقَى بهِ الأقربُ الأقربُ
قال: ثم إنّ مروان أدركه تذمّم «٤» من تخلفه عن القوم، فلحق بهم عند انقضاء
стр. 422
كلام أخيه، فلما رآه معاوية قال: إيه يا مروان! عن رأيك صدر القوم حتى أسمعوني ما سمعت؟ قال: يا أمير المؤمنين، إنّ لنا ولك مثلاً. قال: هات خطّط كخطط أخيك. قال: يا أمير المؤمنين، إن عديّ بن زيدٍ العباديّ لما حبسه النعمان بن المنذر في السجن قال «١» :
أبَا منذرٍ جازيتَ بالودِّ سخطةً ... فماذَا جزاءُ المبغضِ المتبغضِ «٢»
فجازيتهُ فِي ذَا المثالِ كرامةً ... ولستُ لشيءٍ بعد بالمتعرّض «٣»
فإنا والله- يا أمير المؤمنين- غير عائدين لشيء من معاتبتك في هذا الأمر، فإن تراجع قبلنا، وإن تأب أمسكنا، مع أنك لو قدرت تتكثر بالزنج على آل «٤» أبي العاص لفعلت، تكرّها لجلدٍ فيهم، وتبرماً بمدتهم، وايم الله ما هذا جزاؤهم منك، لقد أثروك وواسوك، فما جازيت ولا كافأت. فقام معاوية مغضباً «٥» ، وقال للحرس: شدّوا أيديكم بالقوم. ثم دخل، وأجلسوا «٦» طويلاً حتى ساء ظنهم، ثم خرج مقطّباً بين عينيه، فجلس على سريره، وأقبل بوجهه، وتمثل بأبيات «٧» :
стр. 423
لدي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصاء ... ومَا علمَ الإنسانُ إلاَّ ليعلمَا
ولوْ غيرُ أخوالِي أرادُوا نقيصتِي ... جعلتُ لهمْ فوقَ العرانينِ ميسمَا «١»
ومَا كنتُ إلاَّ مثلَ قاطعِ كفّهِ ... بكفٍ لهُ أخرَى فأصبحَ أجذمَا
يداهُ أصابتْ هذهِ حتفَ هذهِ ... فلمْ تجدِ الأخرَى عليهَا مقدّمَا «٢»
فلمّا استقادَ الكفَّ بالكفِّ لمْ يجدْ ... لهُ دركاً فِي أنْ تبينَا فأحجمَا «٣»
فأطرقَ إطراقَ الشّجاعِ ولوْ يرَى ... مساغاً لنابيهٍ الشّجاعُ لصمّماَ «٤»
ثم قال: هذا الذي حجزني عنكم، وايم الله، لقد قطعتم من زيادٍ رحماً قريبةً واشجةً، وقلتم عليه البهتان بغير تثبّتٍ ولا بيان، ولقد وضع الله ما كان في الجاهلية من سفك الدماء، والشرك برب السماء، فذلك أعظم مما كان فيه أبو سفيان، وايم الله، ما الله راقبتم، ولا لي نظرتم، بل أدرككم الحسد في القديم «٥» لبني حربٍ، ولئن عدتم لشيءٍ مما أرى، أو أتاني «٦» عنكم من ورا ورا-: لأنهلنّكم صبراً، ولأعلنكم «٧» علقماً، حتى تعلموا- في طول حلمي- أن قد منيتم بمن إن حزَّ قطع، وإن همز أوجع، وإن همّ فجع، ثم لا تقال «٨» لكم العثرات، ويستصعب عليكم منّي ما كان وطيّا «٩» .
стр. 424
ويتوغّر عليكم ما كان سهلاً، فأمّا قولكم: إني أصبت السلطان بسببكم-:
فقد علمتم- يا آل العاص- أن عثمان قتل وأنا غائبٌ وأنتم حضورٌ، فما كان فيكم من مد ذراعاً، ولا اشال «١» باعاً، أسلمتموه «٢» للحتوف، وغمدتم بعده السيوف، فما نصرتموه ولا منعتموه بأكثر من الكلام، وكان سبب ما ألب عليه الناس «٣» وأجلبوا ما كان من إيثاره إياكم بالفيء والقسم، وفي ذلك قطعت أوداجه، وسفك دمه على أثباجه «٤» ، واستحلت حرمته، ونكثت بيعته، فما شببتم ناراً، ولا طلبتم ثأراً، حتى كنت أنا المطالب بالثأر، والمثكّل للأمهات، ولقد منيت في الطلب بدمه بحرب امريءٍ لا يغيض بحره، ولا يذلّ نحره، من إن قرعته لم يفزع «٥» ، وإن أطمعته لم يطمع: من لا تخور قناته، ولا تصدع صفاته «٦» : من لا يطعن في قرابته وفهمه وعلمه وسابقته ومبين بلائه «٧» . وإنّي كالحيّة الصمّاء لا يبلّ سليمها «٨» ، ولا ينام كليمها، وإني للمرء إن همزت كسرت، وإن كويت أنضجت، فمن شاء فليشاور، ومن شاء فليؤامر، مع أنهم لو عاينوا من يوم الهرير «٩» ما عاينت، أو ولوا
стр. 425
منه ما وليت، إذ شد علينا أبو حسنٍ في كتائبه، وعن يمينه وشماله أهل البصائر، وكرام العشائر، فهناك شخصت الأبصار، وارتفع الشرار وقارعت الأمهات عن ثكلها، وذهلت عن حملها، واحمرّت الحدق، واغبر الأفق، وألجم العرق، وسال العلق، وثار القتام، وصبر الكرام، وحام اللئام، وحضر الفراق، وأزبدت الأشداق، وقامت الحرب على ساقٍ، وتضاربت الرجال بنصالها، بعد يأسٍ من مآلها، وتقصّفٍ من رماحها، فلا نسمع إلا التغمغم من الرجال، والتحمحم من الخيول»
، ووقع السيوف كأنه دقّ غاسل خشبته على منصبته، فكان ذلك دأبنا يومنا حتى رهقنا «٢» الليل بغسقه، ثم انبلج الصبح بفلقه، فلم يبق من القتال إلا الهرير والزّئير «٣» . فقال عمرو ابن العاص: أما والله لو شهدتم ذلك اليوم لعلمتم أنّي أحسن بلاءً، وأصبر في اللأواء «٤» ، وإني وإياكم لكما قال الأوّل:
وأعرضُ عنْ أشياءَ لوْ شئتُ قلتهَا ... ولوْ قلتهَا لمْ أبقِ للصلحِ موضعَا
فان كان أمير المؤمنين صيّرني شعاره دون دثاره فقد أوليته ذلك من نفسي، وقد عجمني وسبرني فوجدني وفيًّا شكوراً، إذ لم تشكروه ولا أنتم معه، وقد طلبنا بدم أمير المؤمنين- المقتول ظلماً- إذا لم تطلبوه، وصبرنا لقراع الكتائب وظبات القواضب «٥» ، وأنا أسألك- يا أمير المؤمنين- أن تغفر
стр. 426
للقوم ما قالوا، وتتغمد لهم ما نالوا «١» ، فإنهم غير عائدين إلى أمر تكرهه.
فقال معاوية: قد فعلت إن هم فعلوا. ثم نهض ونهض القوم، فلم يكن بينهم في هذا الأمر معاودة.
ومن بليغ العتاب في الشعر
قول يزيد بن الحكم لأخيه عبد ربّه بن الحكم «٢» :
стр. 427
تكاشرنِي كُرهاً كأنكَ ناصحٌ ... وعينكَ تبدِي أنَّ صدركَ لِي دوِي «١»
لسانكَ لِي أريٌ وغيبكَ علقمٌ ... وشرُّكَ مبسوطٌ وخيركَ ملتوِي «٢»
تقاربُ منْ أطوي طوى الكشح دونهُ ... ومنْ دونِ منْ صافيتهُ أنتَ منطوِي
تصافحُ منْ لاقيتَ لِي ذَا عداوةٍ ... صفاحاً وغيي بينَ عينيكَ منزوِي «٣»
أراكَ إذَا لمْ أهوَ أمراً هويتهُ ... ولستَ لمَا أهوَى منَ الأمرِ بالهوَى
أراكَ اجتويتَ الخيرَ منِّي وأجتوِي ... أذاكَ، فكلُّ يجتوِي قربَ مجتوِي «٤»
فليتَ كفافاً كانَ خيركَ كلهُ ... وشركَ عنّي مَا ارتوَى الماءَ مرتوِي
[تودُّ عدوّاً ثمّ تزعم أنّني ... صديقكَ! ليسَ الفعلُ منكَ بمستوِي] «٥»
لعلّكَ أنْ تنأَى بأرضِكَ نيّةُ ... وإلاَّ فإنِّي غيرَ أرضكَ منتَوي «٦»
تبدَّلْ خليلاً بِي كشكلِكَ شكلُهُ ... فإنّي خليلاً صالحاً بكَ مقتوي «٧»
فلمْ يغوِني ربّي، فكيفَ اصطحابنَا ... ورأسُكَ في الأغوَى منَ الغيّ منغوِي؟
عدوّكَ يخشى صولتِي إنْ لقيتهُ ... وأنتَ عدوّي، ليس ذك بمستوي
стр. 428
وكمْ موطنٍ لولايَ طحتَ كمَا هوَى ... بأجرامهِ منْ قلّةِ النّيقِ منهوِي «١٣»
نداكَ عنِ المولَى ونصركَ عاتمٌ ... وأنتَ لهُ بالظلمِ والغمِّ مجذوِي «١٤»
تودُّ لهُ لوْ نالهُ نابُ حيّةٍ ... ربيبِ صفاة بين لهبين منحوي «١٥»
إذَا مَا ابتنَى المجدَ ابنُ عمّكَ لمْ تعن ... وقلت: ألا يا ليت بنيانَهُ خوِي «١٦»
كأنكَ إنْ قيلَ: ابنُ عمّكَ غانمٌ ... شجٍ أو عميدٌ أَوْ أخُو مغلةٍ لوِي «١٧»
تملأتَ منْ غيظٍ عليَّ فلمْ يزلْ ... بكَ الغيظُ حتَّى كدتَ بالغيظِ تنشوِي
ومَا برحتْ نفسٌ حسودٌ حبستهَا ... تذيبكَ حتَّى قيلَ: هلْ أنتَ مكتوِي؟ «١٨»
وقالَ النّطاسيَونَ: إنكَ مسعرٌ ... سلالاً، ألاَ بلْ أنتَ منْ حسدٍ جوِي «١٩»
جمعتَ وفحشاً غيبةً ونميمةً! * ثلاثَ خلالٍ لستَ عنها بمرعوي
стр. 429
[أفحشاً وجبناً واختتاءً عنِ الندَى؟ ... كأنكَ أفعَى كديةٍ فرَّ محجوِي! «٢٢» ]
ويدحُو بكَ الدّاحِي إلَى كلّ سوءة ... فياشرّ منْ يدحُو بأطيشَ مدحوِي «٢٣»
بدَا منكَ غشٌّ طالمَا قدْ كتمتَهُ ... كمَا كتمَتْ داءَ ابنِهَا أمُّ مدّوِي «٢٤»
قيل: كانت امرأةٌ خطبت على ابنها، فجاءت أم الجارية التي خطبتها لتنظر إلى ابنها وتكلمه، فجاء الغلام إلى أمه، وفي البيت لبنٌ عليه دوايةٌ، وهي: قشرة رقيقة تعلو اللبن؛ فقال: يا أمه، أدَّوي؟! أي: ألعق تلك القشرة. فكرهت أمه أن تسمع ذاك أم الجارية التي خطبتها فتستصغره، فقالت: اللجام معلّقٌ بباب البيت. تريها أنه إنما طلب اللجام. فيقول الشاعر: كتمت أنت هذا الغشَّ كما كتمت تلك أمر ابنها «١» .
وقال معن بن أوسٍ لأخيه حبيب «٢» :
لعمركَ مَا أدرِي وَإنّي لأوجلُ ... علَى أينَا تغدُو المنيّة أوّل «٣»
стр. 430
كأنّك تنفي منكَ داءَ إساءتِي ... وسُخطِي، ومَا فِي ذاكَ مَا يتعجّلُ «١»
لَحى اللهُ منْ ساوَى أخاهُ بعرسه ... وخدّعه، حاشاك إن كنت تفعل «٢»
وإتي على أشياء منك تريبني ... قديما لذ وصفح علَى ذاكَ مجملُ «٣»
وإنّي أخوكَ الدّائمُ العهدِ لمْ أحلْ ... إنّ ابزاكَ خصمٌ أوْ نبا بكَ منزلُ «٤»
أحاربُ منْ حاربتَ منْ ذِي قرابةٍ ... وأحبسُ مالِي إنْ غرمتَ فأعقِلُ «٥»
فإنْ سؤتني يوما صفحت إلى غد ... ليعقب يوما منكَ آخرُ مقبلُ «٦»
ستقطعُ فِي الدنيَا إذَا مَا قطعتنِي ... يمينكَ، فانظرْ أيَّ كفٍّ تبدّلُ
إذَا أنتَ لمْ تنصفْ أخاكَ وجدتهُ ... علَى طرفِ الهجرانِ إنْ كانَ يعقلْ
ويركبُ حدَّ السيفِ منْ أنْ تضيمهُ ... إذَا لمْ يكنْ عنْ شفرةِ السيفِ مزحلُ «٧»
وكنتُ إذَا مَا صاحبٌ ملَّ صحبتِي ... وبدّلَ سوءاً بالذِي كنتُ أفعلُ «٨»
قلبتُ لهُ ظهرَ المجنِّ ولمْ أدمْ ... علَى العهدِ إلاَّ ريثَ مَا أتحوّلُ «٩»
إذَا انصرفتْ نفسِي عنِ الشّيءِ لمْ تكدْ ... إليهِ بوجهٍ أخرَ الدّهرِ تقبلُ «١٠»
وفِي الناسِ إنْ رثَّتْ حبالكَ واصلٌ ... وفِي الأرضِ عنْ دارِ القلى متحوّل «١١»
стр. 431
وقال معن بن أوس أيضاً «١» :
وذِي رحمٍ قلّمتُ أظفارَ ضغنهِ ... بحلميَ عنهُ وهوَ ليسَ لهُ حلمُ
يحاولُ رغمِي لاَ يحاولُ غيرهُ ... وكالموتِ عندِي أنْ يحلَّ بهِ الرغمُ «٢»
إذَا سمتهُ وصلَ القرابةَ سامنِي ... قطيعتهَا، تلكَ السفاهةُ والإثمُ «٣»
ويسعَى إذَا أبنِي ليهدمَ صالحِي ... وليسَ الذِي يبنِي كمنْ شأنهُ الهدمُ
فإنْ أعفُ عنهُ أغضِ عيناً علَى القذَى ... وليسَ لهُ بالصّفحِ عنْ ذنبهِ علمُ «٤»
وإنْ أستقدْ منهُ أكنْ مثلَ رائشٍ ... سهامَ عدوٍّ يستهاضُ بهَا العظمُ «٥»
فدارأتهُ بالحلمِ، والمرءُ قادرٌ ... علَى سهمهِ ما دام في كفّه السّهمُ «٦»
فمَا زلتُ فِي رفقٍ بهِ وتعطّفٍ ... عليه كما تحنو على الولد الأمّ «٧»
стр. 432
وخفضٍ لهُ منّي الجناحَ تألّفاً ... لتدنيهُ منّي القرابةُ والرّحمُ
وقولِي إذَا أخشَى عليهِ ملمّةً: ... ألاَ اسلمْ فداكَ الخالُ ذُو العقدِ والعمُّ «١»
وصبرِي علَى أشياءَ منهُ تريبُنِي ... وكظمِي علَى غيظِي، وقدْ ينفعُ الكظمُ
ودارأتهُ حتَّى ارفأنَّ نفارهُ ... فعدنَا كأنَّا لمْ يكنْ بيننَا صرمْ «٢»
وأطفأتُ نارَ الحربِ بينِي وبينهُ ... فأصبحَ بعدَ الحربِ وهوَ لنَا سلمُ «٣»
وقال قعنب بن أمّ صاحبٍ من بني عبد الله بن غطفان: «٤»
مَا بالُ قومٍ صديقٍ ثمَّ ليسَ لهمْ ... عهدٌ وليسَ لهمْ دينٌ إذَا ائتمنوا؟! «٥»
إنْ يحلفُوا لكَ تسمعْ قولهمْ وترَى ... أجسامَ قومٍ فإنَّا بعدهمْ أفنُوا «٦»
стр. 433
إذَا تواريتُ أدلوْا فيَّ ألسنهمْ ... ولاَ يبالونَ لي بالله ما متنوا «١»
قومٌ بهمْ عرّةٌ تدمَى جوانبُهَا ... إذَا أشاءُ بدالي منهم ضغن «٢»
طرّوا على جربٍ أغفلتهُ فهمُ ... ربدُ الجلودِ علَى السَّوءاتِ قدْ عدنُوا «٣»
لا يرفعونَ إلَى السلطانِ وجههمُ ... ولاَ العدوِّ، فأمَّا لِي فقدْ طبنُوا «٤»
فطانةٌ فطنوهَا لوْ تكونُ لهمْ ... مروءةٌ أوْ تقْى لله ما فطنوا
شبهُ العصافيرِ أحلاماً ومقدرةً ... لوْ يوزنونَ بزفِّ الرّيش ما وزنوا «٥»
جهلاً علينَا وجبناً عنْ عدوّهمُ ... لبئستِ الخلّتانِ: الجهلُ والجبنُ «٦»
صمٌّ إذَا سمعُوا خيراً ذكرتُ بهِ ... وإنْ ذكرتُ بسوءٍ عندهمْ أذنُوا «٧»
إنْ يسمعُوا ريبةً طارُوا بِها فرحاً ... منِّي، ومَا سمعُوا منْ صالحٍ دفنُوا «٨»
وقدْ رجوْا أنْ أرى أعراضهم حرما ... ويستحلّون عرضي، ما لهم؟ لعنُوا!
إذَا بطنتُ أرجِّي ودّهمْ ظهرُوا ... وإنْ ظهرت لبقيا فيهم بطنوا «٩»
стр. 434
وقدْ علمتُ- علَى أنِّي أعايشهُمْ-* لمْ يبرحِ الدّهرَ فيمَا بيننَا إحَنُ «١»
كلٌّ يداجِي علَى البغضاءِ صاحبهُ ... فلمْ أعالنهمُ إلاّ كمَا علنُوا «٢»
لاَ تطمئنُّ إليَّ الدهرَ أنفسهمْ ... منَ العداوةِ والضّغنِ الذِي اضطغنُوا
ولنْ يراجعَ قلبِي ودّهمْ أبداً ... زكنتُ منهمْ علَى مثلِ الذِي زكنُوا «٣»
وقال أبو الأسود الدّئليّ «٤» :
من مبلغ عني خليلي مالكا ... رسولاً إليه حيث كان من الأرضِ:
فما لك مسهوماً إذا ما لقيتني ... تقطع عني طرف عينك كالمغضي «٥»
ومالي إذا ما أخلق الود بيننا ... أمر القوى منه وتعمل في النقضِ؟ «٦»
ألم تر أني لا ألون سيمتي ... تلون غول الليل بالبلد المفضي؟ «٧»
فسل بي، ولا تستحي مني، فإنه ... كذلك بعض الناس يسأل عن بعضِ
وقال أيضاً:
أعود على المولى- وإن زل حلمه-* بحلمي، وكان العود أبقى وأحمد «٨»
وكنت إذا المولى بدا لي غشه ... تجاوزت عنه وانتظرت به غدا
стр. 435
لتحكمه الأيام أو لترده ... علي، ولم أبسط لساناً ولا يدا «١»
وإني لذو حلمٍ كثيرٍ، وإنني ... مراراً لأشفي داء من كان أصيدا «٢»
ومن بليغ المراثي
كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ كثيراً ما ينشد هذا الشعر:
ألا قد أرى والله أن لست منكم ... ولا أنتم مني، وإن كنتم أهلي
وأني ثويٌ قد أحم انطلاقه ... يحييه من حياه وهو على رحلِ «٣»
ومنطلقٌ منكم بغير صحابةٍ ... وتابع إخواني الذين مضوا قبلي «٤»
ألم أكُ قد صاحبت عمراً ومالكاً ... وأدهم يغدو في فوارس أو رجلِ
وصاحبت شيبانا وصاحبت ضابيا ... وصاحبني الشم الطوال بنو شبلِ
أولئك إخواني مضوا لسبيلهم ... يكاد ينسيني تذكرهم عقلي
يقول أناسٌ أخلياءٌ: تناسهم ... وليس بناسٍ مثلهم أبداً مثلي «٥»
أُلاك أخلائي إذا ما ذكرتهم ... بكيت بعينٍ ماء عبرتها كحلي «٦»
وكانوا إذا ما القر هبت رياحه ... وضم سواد الليل رحلا إلى رحلِ «٧»
يدرون بالسيف الوريدين والنسا ... إذا لم يقم راعي أناسٍ إلى رسلِ
إذا ما لقوا أقرانهم قتلوهم ... وإن قتلوا لم يقشعروا من القتل
стр. 436
وكم من أسيرٍ قد فككتم قيوده ... وسجل دم أهرقتموه على سجلِ «١»
وقال هذيلة بن سماعة بن أشول: «٢»
وعاذلة باتت باليل تلومني ... فبت كأن الهم قرنٌ أجاذبهْ «٣»
ذكرت بني سهلٍ وبيني وبينهم ... شراج الحمى أركانه ومناكبهْ «٤»
أجدي لن ألقى زياداً ولا أرى ... قناناً يقود الخيل شعثاً ذوائبهْ «٥»
ولا مثل فتيان توالوا بمنع ... عجالى إذا ما الجوف أوضع راكبهْ «٦»
رجالاً لو أن الشمَّ من جانبي قناً ... هوى مثلهم منها لزلت جوانبهْ «٧»
وقال الحارث بن حلزة، وقيل إنها منحولة: «٨»
أرقاً بت ما ألذّ رقادا ... تعتريني مبرّحات الأمور
стр. 437
واردات وصادرات إلى أن ... حسر المدلهم ضوء البشيرِ «١»
قذفتك الأيام بالحدث الأك ... بر منها وشاب كلّ صغير «٢»
وتفانى بنو أبيك فأصبح ... ت عقيراً للدهر أو كالعقيرِ
ليس من حادث الزمان إذا جا ... ر على أهل غبطة من مجيرِ «٣»
وقال يزيد بن ضبة ابن مقسم «٤» :
لم ينسَ سلمى فؤادك السدك ... فكيف تصبو وأنت محتنكُ «٥»
لو كان ما واحداً هواك لقد ... أقصرت، لكن هواك مشتركُ «٦»
تقول سلمى- واستنكرت-: عجباً! * ما بال أشياء منك تنتهكُ؟! «٧»
فقلت من ترحةٍ ومن أسفٍ: ... أبناء عوفٍ ومالكٍ هلكوا
خلوا فجاجاً علي فانخرقت ... لم يستطع سدهن من تركوا
وقال أبو العيص بن حزام «٨» :
стр. 438
وكم من صاحب قد ناء عني ... رميت بفقده وهو الحبيبُ «١»
فلم أبد الذي تحنو ضلوعي ... عليه، وإنني لأنا الكئيبُ
مخافة أن يراني مستكيناً ... عدوٌ أو يساء به قريبُ «٢»
فيشمت كاشحٌ ويظن أني ... جزوعٌ عند نائبةٍ تنوبُ
فبعدك مدت الأعداء طرفاً ... إلي ورابني دهر مريب «٣»
[وأنكرت الزّمان وكلّ أهلي ... وهرّتني لغيبتك الكليبُ] «٤»
وكنت تقطع الأنظار دوني ... وإن وغرت من الغيظ القلوبُ «٥»
[ويمنعني من الأعداء أني ... وإن رغموا- لمخشيٌ مهيبُ] «٦»
فلم أرَ مثل يومك كان يوماً ... بدت فيه النجوم فما تغيبُ «٧»
وليل ما أنام به طويل ... كأني للنجوم به رقيبُ
وما يكُ جائياً لا بدّ منه ... إليك فسوف تجلبه الجلوبُ «٨»
وقال رقيع بن عبيد بن صيفيّ الأسديّ، ويرثي أخاه صيفياً وابن أخيه معبداً «٩» :
لحى الله دهراً شره دون خيره ... وحداً بصيفي نأى بعد معبد «١٠»
стр. 439
بقية خلاني أتى الدهر دونهم ... فما جزعي؟ أم كيف عنهم تجلدي؟ «١»
فلو أنها إحدى يدي رزئتها ... ولكن يدي بانت على إثرها يدي
فلست بباكٍ بعده إثر هالكٍ ... قدي الآن من وجدٍ على هالك قدي
وقال دعبل الخزاعي يرثي قومه: «٢»
كانت خزاعة ملء الأرض ما اتسعت ... فقصَّ مر الليالي من حواشيها
هذا أبو القسم الثاوي ببلقعةٍ ... تسفي الرياح عليه من سوافيها «٣»
هبت وقد علمت أن لا هبوب به ... وقد تكون حسيراً إذ يباريها
[أضحى قرىً للمنايا إذ نزلن به ... وكان في سالف الأيام يقريها] «٤»
وقال عبد الله بن المعتز «٥» :
لله أقوامٌ فقدتهم ... سكنوا بطون الأرض والحفرا
مرد الزمان علي بعدهم ... وعرفت طول الهم والسهرا «٦»
وقال أبان بن النعمان بن بشير يرثي أخاه «٧» :
стр. 440
وأنا ابن أمك يا يزيد فمن يكن ... يسلو فقلبي موجعٌ محزونُ
وإذا رأيت منازلاً خلفتها ... حسب المحدث أنني مجنونُ
قال الأصمعي: أرثى ما قالت العرب قول الشاعر «١» :
ومن عجب أن بت مستشعر الثرى ... وبت بما خولتني متمتعا «٢»
ولو أنني أنصفتك الود لم أبت ... خلافك حتى ننطوي في الثرى معا
قلت: ما رأيت أن أخلي هذا الباب من ذكر شيء من المراثي، فذكرت هذه النبذة منها، وقد أوردت في كتابي المترجم بكتاب (التأسي والتسلي من المراثي والتعازي) ما غنيت به عن الإطالة هاهنا.
ومن بليغ مليح الغزل
قول الأقرع بن معاذ القشيري «٣» :
سلامٌ على من لا يمل كلامه ... وإن عاشرته النفس عصراً إلى عصرِ
فما الشمس وافت يوم دجنٍ فأشرقت ... ولا البدر وافى أسعداً ليلة البدرِ
بأحسن منها، أو تزيد ملاحةً ... على ذاك، أو راءى المحب؟ فما أدري!
وقول ابن الملوح «٤» :
كأن على أنيابها الخمر شابها ... بماء الندى من آخر اللّيل عابق «٥»
стр. 441
وما ذقته إلا بعيني تفرساً ... كما شيم من أعلى السحابة بارقُ «١»
يضم علي الليل أوصال حبكم ... كما ضم أزرار القميص البنائقُ «٢»
وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا ... سوى أن يقولوا: إنني لك عاشقُ
أجل، صدق الواشون، أنت حبيبةٌ ... إلي وإن لم تصف منك الخلائقُ «٣»
وقال مضرس بن قرط بن حارثٍ المزني «٤» :
تكذبني بالودِّ سُعدى فليتها ... تحمل مني مثله فتذوق «٥»
ولو تغلمين العلم أيقنت أنني ... لكم- والهدايا المشعرات- صديقُ «٦»
أذود سواد العين عنك وماله ... إلى أحدٍ إلا إليك طريقُ
أهم بصرم الحبل ثم يردني ... إليك من النفس الشعاع فريقُ «٧»
وكادت بلاد الله- يا أم مالكٍ- ... بما رحبت يوماً علي تضيقُ «٨»
تتوق إليك النفس ثم أردّها ... حياء، ومثلي بالحياء حقيق
стр. 442
وقال أبو صخر الهذلي «١» :
أما والذي أبكى وأضحك والذي ... امات وأحيا والذي أمرهُ الأمرُ «٢»
لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يروعهما الذعرُ»
عجبت لسعي الدهر بيني وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدهرُ
فيا حبها زدني جوىً كل ليلةٍ ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشرُ
وإني لتعروني لذكراك روعةٌ ... كما انتفض العصفور بلله القطرُ «٤»
وإني لآتيها أريد عتابها ... وأوعدها بالهجر ما برق الفجرُ «٥»
فما هو إلا أن أراها فجاءةً ... فأبهت لا عرفٌ لدي ولا نكرُ
وأنسى الذي قد كنت فيه أتيتها ... كما قد تنسي لبَّ شاربها الخمرُ «٦»
ويمنعني من بعض إنكار ظلمها*- إذا ظلمت يوماً وإن كان لي عذرُ-:
مخافة أني قد علمت لئن بدا ... لي الهجر منها ما على هجرها صبرُ
وأني لا أدري إذا النفس أشرفت ... على هجرها ما يصنعن بي الهجرُ «٧»
стр. 443
وقال آخر: «١»
أمزمعة للبين ليلى ولم تمت؟ ... كأنك عما قد أظلك غافلُ!
ستعلم إن زالت بهم غربة النوى ... وزالوا بليلى أن لبّك زائل
وأنّك مسلوب التّصبّر والأسى ... إذا بعدت ممن تحب المنازلُ
وقال آخر: «٢»
يقر بعيني ان أرى من بلادها ... ذرى عقدات الأجرع المتقاودِ «٣»
وأن أرد الماء الذي وردت به ... سليمى، وقد مل السرى كل واحدِ «٤»
وألصق أحشائي ببرد حياضهِ ... ولو كان مخلوطاً بسم الأساودِ «٥»
وقال أبو نباتة الكلابيّ «٦» :
стр. 444
أريتك إن نجداً ألظَّ بأرضه ... وحرته العليا الغيوث الرواجسُ «١»
وعاد نبات الأرض رطباً كأنه*- إذا اطردت فيه الرياح- الطيالسُ؟
أمطلع تلك البلاد فناظرٌ ... إلى أهلها؟ أم أنت من ذاك آيسُ؟
وقال أيضاً:
بدالي وللتيمي قلة صامعٍ ... على بعده مثل الحصان المجللِ «٢»
فقلت: أرى تلك البلاد التي بها ... أميمة، يا شوق الأسير المكبلِ!
وقال آخر: «٣»
سقى بلداً أمست سليمى تحله ... من المزن ما تروي به وتسيمُ
وإن لم أكن من ساكنيه فإنه ... يحل به شخصٌ علي كريمُ
وقال قيس بن الملوح «٤» :
حججت ولم أحجج لذنبٍ جنيته ... ولكن لتعدي لي على قاطع الحبلِ
دهبت بعقلي في هواها صغيرةً ... وقد كبرت سني فرد بها عقلي
وإلا فساوِ الحب بيني وبينها ... فإنك يا مولاي تحكم بالعدلِ
وقال أيضاً: «٥»
دعوت إلهي دعوةً ما جهرتها ... وربي بما تخفي الصدور بصيرُ
стр. 445
لئن كنت تهدي برد أنيابها العلى ... لأفقر مني، إنني لفقيرُ «١»
فما أكثر الأخبار: أن قد تزوجت ... فهل يأتيني بالطلاق بشيرُ؟!
وقال ذو الرمة «٢» :
أراني إذا هومت ياميَّ زرتني ... فيا نعمتا لو أن رؤياي تصدقُ! «٣»
لها جيد أم الخشف ريعت فأتلعت ... ووجه كقرن الشمس ريان مشرقُ
وعينٌ كعين الرئم فيها ملاحةٌ ... هي السحر أو أدهى التباساً وأعلقُ
وقال قيس بن الملوح:
ألا تلك ليلى قد ألم لمامها ... وكيف مع القوم الأعادي كلامها؟
تعلل بليلى، إنما أنت هامةٌ ... من الهام يدنو كل يومٍ حمامها «٤»
وبادر بليلى أوبة الركب إنهم ... متى يرجعوا يحرم عليك لمامها
وقال نصيب «٥» :
خليليَّ من كعب ألما- هديتما-* بزينب لا تفقد كما أبدا كعب
من اليوم زوراها، فإن ركابنا ... غداة غدٍ عنها وعن أهلها نكبُ
وقال ذو الرمة «٦» :
[خليليَّ عدا حاجتي من هواكما، ... ومن ذا يواسي النفس إلا خليلها؟]
стр. 446
ألما بميٍّ قبل أن تطرح النوى ... بنا مطرحا أو قبل بين يزيلها
وإن لم يكن إلا تعلل ساعةٍ ... قليلاً فإني نافعٌ لي قليلها
وقالت امرأة من العرب «١» :
أتربي من عليا هلال بن عامرٍ ... أجدا البكا، إن التفرق باكرُ
فما مكثنا- دام الجميل عليكما-* بثهلان إلا أن تزمَّ الأباعرُ «٢» وقال آخر:
فلا تعجلا يا صاحبيَّ، تحيةً ... لليلى، وليلى للقلوب قتولُ
فألمم على ليلى فإن تحيةً ... لها قبل نصِّ الناعجات قليلُ «٣»
فإنك لا تدري إذا العيس شمرت ... بنا: أتلاقٍ أو عدىً وشغولُ؟ «٤»
وقال آخر:
وما بي إلا أن تجودي بنائلٍ ... لغيري ويبقى لي عليك الذمائمُ «٥»
فما بين تفريق النوى بين من ترى ... بذي الميث إلا أن تهبّ السّمائم «٦»
стр. 447
وقال جميل بن معمر «١» :
وإن صباباتي بكم لكثيرةٌ-* بثينَ، وصبري عنكم لقليلُ
وإني وتردادي الزيارة نحوكم ... لبين يدي هجرٍ- بثينَ، يطولُ
وقال آخر «٢» :
تعزَّ بصبر لا وجدك لا ترى ... بشام الحمى أخرى الليالي الغوابرِ «٣»
كأن فؤادي من تذكره الحمى ... وأهل الحمى يهفو به ريش طائر
وقال ابن ميّادة «٤» :
يمنونني منك اللقاء، وإنني ... لأعلم ما ألقاك من دون قابلِ
وما أنس مل أشياء لا أنس قولها ... وأدمعها يذرين حشو المكاحلِ:
تمتع بذا اليوم القصير فإنه ... رهينٌ بأيام الفراق الأطاول «٥»
وقال آخر «٦» :
خليليّ من عليا هوازن لم أجد ... لنفسي من شحط النوى من يجيرها
стр. 448
غداً تمطر العينان من لوعة الهوى ... ويبدو من النفس الكتوم ضميرها
أيصبر عند البين قلبك أم له ... غدا طيرة لا بدّ أن سيطيرها؟
وقال عمارة «١» :
أميمة ودعها فإن أميرها ... غداة غدٍ بالبين جذلان معجبُ
إذا افترق الحيان وانصاعت النوى ... بهم واستراح الكاشح المترقبُ «٢»
وقال آخر:
أقول لمقلتي لما التقينا ... وقد شرقت مآقيها بماءِ:
خذي لي اليوم من نظرٍ بحظٍ ... فسوف توكلين بالبكاءِ «٣»
قلت: لي بيتان في هذا المعنى، وهما:
يا عين في ساعة التوديع يشغلك ال ... بكاء عن لذة التوديع والنظرِ
خذي بحظك منهم قبل بينهم ... ففي غدٍ تفرغي للدمع والسهرِ «٤»
وقال آخر:
ألا يا لقومي للهوى المتزايدِ ... وطول اشتياق النازح المتباعدِ
ترحلت كي أحظى إذا أبت قادماً ... فأوردني الترحال شر المواردِ
كأني لديغٌ حار عن كنه دائه ... طبيبٌ فداواه بسم الأساودِ!
فلم يقلع الداء القديم وزاده ... فيالك من داء طريف وتالدِ!
وقال آخر «٥» :
ولم أر مثل العامرية قبلها ... ولا بعدها يوم التقينا مودعا
стр. 449
شكونا إليها قبضة الحب بالحشي ... وخشية شمل الحيّ أن يتصدّعا
فما راجعتنا غير صمتٍ وأنةٍ ... تكاد لها الأحشاء أن تتقطعا
لقد خفت أن لا تقنع النفس دونها ... بشيءٍ من الدنيا وإن كان مقنعا
وأعذل فيها النفس إذ حيل دونها ... وتأبى إليها النفس إلا تطلعا
وقال آخر:
فديتك يا زين البلاد إن العدى ... حموك فلم يوجد إليك سبيلُ
أراجعةٌ عقلي عليَّ فرائحٌ ... مع الركب، أم ثاوٍ لديك قتيلُ؟!
فلا تحملي وزري وأنت ضعيفةٌ ... فحمل دمي يوم الحساب ثقيلُ
وقال آخر «١» :
يود بأن يضحي سقيماً لعله ... إذا سمعت شكواه ليلى تراسلهْ
ويهتز للمعروف في طلب العلى ... لتحمد يوماً عند ليلى شمائلهْ
وقال آخر:
صحيحٌ يود السقم كيما تعوده ... وإن لم تعده عاد عنها رسولها
ليعلم: هل ترتاع عند شكاته ... كما قد يروع المشفقات خليلها
وقال ذو الرّمة «٢» :
ألا لا أرى مثل الهوى داء مسلمٍ ... كريمٍ، ولا مثل الهوى ليم صاحبهْ
стр. 450
متى يعصه تبرح معاصاته به ... وإن يتبع أسبابه فهو عائبهْ «١»
إذا نازعتك القول مية أو بدا ... لك الوجه منها أو نضا الدرع سالبهْ «٢»
فيالك من خدّ أسيل ومنطقٍ ... رخيمٍ ومن خلقٍ تعلل جادبهْ! «٣»
وقال جميل:
بثينة ما فيها إذا ما تبصرت ... معابٌ، ولا فيها إذا نسبت أشبُ «٤»
لها النظرة الأولى عليهم وبسطةٌ ... وإن كرت الأعقاب كان لها العقب «٥»
٧- باب فى الحكمة
[مما ورد فى الكتاب العزيز]
قال الله ﵎ في سورة البقرة: يُؤْتِي «٦» الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ، وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً. وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ [٢٦٩] .
ومن سورة آل عمران: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ [٤٨] .
ومن سورة النساء «٧» : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ
стр. 451
فَضْلِهِ؟ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً [٥٤] .
ومنها: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ. وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [١١٣] .
ومن سورة المائدة: إِذْ قالَ اللَّهُ: يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ، إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ، تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا، وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ [١١٠] .
ومن سورة النحل: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [١٢٥] .
ومن سورة بني إسرائيل: ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ.
وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً [٣٩] .
ومن سورة الأحزاب: وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ. إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً [٣٤] .
ومن سورة ص: وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ [٢٠] .
ومن سورة الزخرف: وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ: قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [٦٣] .
ومن سورة اقتربت «١» : وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ [٤]
стр. 452
حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ «١» النُّذُرُ [٥] .
ومن سورة الجمعة: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا «٢» مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ «٣» الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [٢] .
أحاديث
٢١٢* قال النبي ﷺ : «الحكمة ضالة المؤمن، حيث وجدها قيدها واتبع ضالة أخرى «٤» » .
٢١٣* وقال ﷺ : «إذا رأيتم من الرجل المؤمن زهداً في الدنيا وقلة منطق فاقتربوا منه، فإنه يلقي الحكمة» «٥» .
وقال ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [٢: ٢٦٩]
-: قال: هي المعرفة بالقرآن «٦» .
وقال مجاهد ﵀ فى قول الله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ [٣١: ١٢]
-: الفقه والعقل والإصابة في القول «٧» .
وقال الحكم بن أبان «٨» : خير ما أوتي العبد في الدنيا الحكمة، وخير
стр. 453
ما أوتي العبد في الآخرة الجنة، وخير ما سئل الله تعالى في الدنيا العافية.
وقال الشاعر:
وكيف تريد أن تدعى حكيماً ... وأنت لكل ما تهوى ركوبُ «١»
وتضحك دائباً ظهراً لبطنٍ ... وترتكب الذنوب ولا تتوبُ
وقال يحيى بن معاذ ﵀ «٢» : من أحب الجنة انقطع عن الشهوات، ومن خاف النار انصرف عن السيئات، ومن لزم الحرص عدم الغنى، ومن طلب الفضول وقع في البلاء.
قيل: وجد على حجر بأنطاكية «٣» :
إن الزمان وإن ألا ... ن لأهله لمخاشنُ
تخطو به المتحركا ... تُ كأنهن سواكنُ
وقال آخر:
لا تجزعن على ما فات مطلبه ... وإن جزعت فماذا ينفع الجزعُ؟!
إن السعادة يأسٌ إن ظفرت به ... فدونك اليأس، إن الشقوة الطمعُ
وقال عمرو بن معدي كرب «٤» :
إذا لم تستطع أمرا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
стр. 454
وقريء على باب مقبرة:
رب قوم قد غنوا في نعمةٍ ... برهةً والدهر ريان غدقْ «١»
صمت الدهر زماناً عنهم ... ثم أبكاهم دماً حين نطقْ «٢»
وقال آخر:
وساخط عيشٍ قد تبدل غيره ... وراضٍ بعيش غيره يتبدلُ
وبالغ أمرٍ كان قد حيل دونه ... ومختلجٌ من دون ما كان يأملُ
وقال آخر: «٣»
نرجو ونخشى والقضا ... ء له التّصعّد والحدور «٤»
وإلى الذي نرجوه أو ... نخشاه ما حدثت أمورْ
وقال لبيد «٥» :
واكذب النفس إذا حدَّثتها ... إن صدق النفس يزري بالأملْ
وقال البعيث «٦» :
فلا تكثرنَّ في إثر شيء ندامةً ... إذا نزعته من يديك النوازعُ
قيل: سمع كعب الأحبار ﵀ رجلاً ينشد قول الحطيئة:
стр. 455
من يفعل الخير لا يعدم جوازيهُ ... لا يذهب العرف بين الله والناسِ «١»
فقال: والذي نفسي بيده، إن هذا مكتوب في التوراة.
وقال [تميم] ابن أُبي [بن] مقبل «٢» :
لا يحرز المرء أحجاء البلاد ولا ... تبنى له في السماوات السلاليمُ «٣»
ما أطيب العيش لو أن الفتى حجرٌ ... تنبو الحوادث عنه وهو ملمومُ «٤»
وقال الهذلي «٥» :
والنفس طامعةٌ إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليلٍ تقنعُ «٦»
قيل: جمع أبو بردة بن أبي موسى الأشعري الناس ليله لسمره «٧» ، فلما أخذوا مجالسهم قال: أخبروني بسابق الشعر والمصلي والثالث والرابع؟ قالوا:
ليخبرنا الأمير أعزه الله. قال سابق الشعر: قول المرقش: «٨»
فمن يلقَ خيرا يحمد النّاس أمره ... ومن يغلو لا يعدم على الغي لائما
والمصلي: قول طرفة بن العبد «٩» :
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
стр. 456
والثالث: قول النابغة الذبياني «١» :
ولست بمستبقٍ أخاً لا تلمه ... على شعثٍ، أي الرجال المهذبُ؟!
والرابع: قول القطامي «٢»
قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزللُ «٣»
وقال آخر:
أيها القلب لا ترعك الظنون ... فعسى ما تخافه لا يكونُ
وعسى ما استشد واستص ... عب الساعة من بعد ساعةٍ سيهونُ
إن رباً كفاك بالأمس ما كا ... ن سيكفيك في غدٍ ما يكونُ
أنصاف أبيات
«٤»
وجرح اللسان كجرح اليدِ ... وكيف التظني بالإخاء المغيبِ
رضيت من الغنيمة بالإيابِ ... وبالإشقين ما وقع العقابُ
أخنى عليه الذي أخنى على لبدِ ... كذي العر يكوى غيره وهو راتعُ
وليس وراء الله للمرء مذهب
стр. 457
وربّ امرىء ساعٍ لآخر قاعدِ ... وفي طول عيش المرء برح [و] تعذيب «١»
فكيف بمن يدمي وليس برامِ ... كصدع الزجاجة لا يلتئمْ
فقلت: اطمئني أنضر الروض عازبهْ «٢» ... والحوض منتظر ورود الواردِ
يدي عولت في النائبات على يدي ... وأنف الفتى من وجهه وهو أجدعُ
لو لم يحرج الليث لم يخرج من الأجم ... وفي بعض القلوب عيونُ
وزلة الرأي تنسي زلة القدم ... إذا الشمس لم تعرف فلا طلع البدرُ
ومبلغ نفسٍ عذرها مثل منجحِ ... حنانيك بعض الشر أهون من بعضِ
من قرَّ عيناً بعيشه نفعهْ ... وقد يملأ القطر الإناء فيفعمُ
وقد تجمد العينان والقلب موجعُ ... وقد يعثر الساعي إذا كان مسرعا
стр. 458
قد يوثق المرء امرؤٌ وهو يحقرهْ ... والقول تحقره وقد ينمي
فصل من كلام الحكماء في معانٍ شتى
قال بعض الحكماء لابنه: يا نبيّ، إن سرعة ائتلاف قلوب الأبرار حين يلتقون كائتلاف قطر المطر بماء الأنهار، وبعد قلوب الفجار من الائتلاف- وإن طال تعاشرهم- كبعد البهائم من التعاطف وإن طال اعتلافها على آريٍ واحدٍ «١» .
وقال بعض الحكماء: ما يمر يوم إلا وتضحك ثلثة من ثلثة: الأجل من الأمل، والتقدير من التدبير، والقسم من الحرص.
وروي: أن ذا الرياستين ركب ركبة لم يركب مثلها بخراسان، وبين يديه أربعة آلاف سائفٍ وألفا حامل قوسٍ، فلما صار بقرب الماخور برز إليه رجلٌ كأن الأرض انشقت عنه، فقال: أيها الأمير، اسمع تنتفع وتنفع.
قال: قل، قال: الأجل آفة الأمل «٢» ، والمعروف ذخيرة الأبرار، والبر غنيمة الحازم، والتفريط مصيبة أخي القدرة. فدعا الفضل كاتبه وهب بن سعيد بن سليمان بن الحسن «٣» ، فقال: اكتب هذه الكلمات الأربع، وأعطه أربعة آلاف درهم.
стр. 459
وقال الحكيم: رأس المداراة ترك المماراة.
من عرف الناس داراهم، ومن جهلهم ما راهم.
قيل لأفلاطون: ما بالكم معاشر الحكماء لا يحزنكم ما يحزنا «١» إذا أصابكم، ولا يسركم ما يسرنا إذا نالكم؟ قال: لأن الأشياء «٢» جميعاً إما تتركنا وإما نتركها، فلا وجه للتمسك بزائلٍ.
[والأمير أسامة ﵀ يقول «٣» :] قلت: لي بيتان «٤» في هذا المعنى قبل أن أسمع هذا الكلام بعدة سنين، وهما:
يهون الخطب أن الدهر ذو غيرٍ ... وأن أيامه بين الورى دولُ
وأن ما سر أو ما ساء منتقلٌ ... عنا، وإلا فإنا عنه ننتقلُ
وقال الحكيم: كفاك من عقلك ما أوضح لك سبيل ... غيك من رشدك.
وقال الحكيم: إذا أراد الله سبحانه أن ينزع عن عبد نعمة كان أول ما ينزع عنه عقله.
وقال الحكيم: المخذول من كانت له إلى الناس حاجة.
وقال أبقراطيس الحكيم: ما أوجب عناد من عاند الحق «٥» .
وقال أرسطاطاليس الحكيم لصديق له وقد رآه ظالماً: هبنا نقدر على
стр. 460
محاباتك فى أن لا تقول «إنك ظالم» ، هل تقدر أنت على أن لا تعلم أنك ظالم؟! وقليل الحق أجدى عليك من كثير الظلم.
وسمع يقول: ليس أنفع العلم ما علمته فقط، بل ما استعملته أيضاً «١» .
وقال: كل قول حق واجب، وكل خلاف له باطل.
وقال: الشغل برد مالا رجوع له جهلٌ.
وقال: ما أكثر ما نعاتب غيرنا على الظنون، ونترك عتاب أنفسنا على اليقين.
[وقال:] «٢» ما أحرصنا على ستر أفعالنا الردية عن غيرنا وهي لنا منكشفة، فغيرنا أفضل عندنا من أنفسنا.
[وقال:] «٣» الصادق هو القائل في الأشياء ما هي عليه «٤» .
[وقال:] «٥» من استعمل الخوف من المكاره مع وقوع المحاب سلم.
[وقال:] «٦» من صير الأمور الحادثة قبله موعظته نجا.
[وقال:] «٧» ما أكثر ما يلحق الفساد للخاص بفساد العام وإن طالت مدته.
ما أقل البقاء مع فساد السياسة.
ما أشد فساد التعدي في المراتب.
[وقال:] «٨» نعم المعين إظهار الغضب للدين.
[وقال:] «٩» ما أدل الحلم على العلم.
[وقال:] «١٠» ليس ينبغي أن تعمل الإساءة ابتداءً ولا مكافأةً ولا على كلّ حال.
следующие страницы →