← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 104

المدخل إلى صحيح البخاري

محمد أبو الهدى اليعقوبي

Полный текст (291 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

صحيفة سطر الخطأ الصواب ١٦٥ ١١ يَنَّاقٍ يَنَّاقَ الجزء الثامن ١٠ ٦ الحُمَىَّ الحُمَّى ١٤ ١٠ مُوسُى مُوسَى ٤٣ ٣ بِاسْمُوا بِاسْمِي ٤٤ ١٨ هِرِ هِرٍّ ٤٨ ١ المَلَكَ المَلَكُ ٥٠ ١٥ يَزَلْ يَزَلِ ٥١ ٢ نَسَاءَ نِسَاءَ ٥٢ ٢٠ السَّلَامُ السَّلَامَ ٦٤ ١٧ الثَّالَث الثَّالِث ٨٢ ٩ حَجِّ حَجٍّ ١٠٣ ١٠ سَعْدِ سَعْدٍ ١١٠ ١٥ سَكْرَى سَكْرى ١١٢ ١٤ بِشِقَّ بِشِقِّ ١١٨ ١١ أنَّ لَا أَنْ لَا ١٢٩ ١٥ أَنَّ أَنْ ١٣٣ ١٣ ثَلاثَةَ ثَلاثَةً ١٣٥ ٥ عَبْدَ عَبْدِ ١٣٦ ١٠ حُدَيفَة حُذَيفَة ١٣٩ ١ أَكْبَرْ أَكْبَرُ ١٥١ ١٤ عَنْ ابْنَة عَنِ ابْنَة صحيفة سطر الخطأ الصواب ١٦١ ٢٠ تَوْبَةَ تَوْبَةِ ١٦٨ ٧ إبني ابني ١٦٨ ٧ فَرِيضَةِ فَرِيضَةٍ ١٧١ ١٧ بَعْضِ بَعْضٍ ١٧١ ١٨ أَخْدَانِ أَخْدَانٍ ١٧٦ ٥ وأْذِنْ وَأْذَنْ الجزء التاسع ٨ ١٦ أسْوَاطِ أسْوَاطٍ ٢٢ ٣ إذًا إِذَا ٤٧ ١٧ فأَصْبِرُوا فَاصْبِرُوا ٥٤ ٤ الزلَّازِلُ الزَّلَازِلُ ٨٢ ١٧ إِنِّي أَنِّي ٨٦ ١ تُواصِلَ تُواصِلُ ٩٣ ١٤ قَوْمٍ قَوْمِ ٩٩ ١٢ كَدَا كَذَا ١٢٠ ٨ أَخبَري أَخْبَرَنِي ١٣٢ ١ وَقَعْتَ وَقَعْتُ ١٤٤ ٩ والسَّاعَةَ وَالسَّاعَةُ ١٤٧ ١٩ ائْذِنْ ائْذَنْ ١٥٩ ٩ ابْنَ عَبْدِ ابْنَ عَبْدٍ ١٦٠ ٢ جَنَازَةِ جَنَازَةٍ ...

стр. 177

المبحث الخامس: تراجم المعتنين بالطبعة السلطانية السلطان عبد الحميد الثاني هو السلطان الرابع والثلاثون من سلاطين الدولة العثمانية السلطان الغازي عبد الحميد خان الثاني بن السلطان عبد المجيد الأول، آخرُ السلاطين العظام الذين حكموا الدولة العثمانية. كان له تأثير واسع في العالم الإسلامي، وكان خليفة المسلمين يدين له المسلمون في مشرق العالم الإسلامي من الصين والهند إلى مصر والشام والحجاز بالبيعة. ولد في ١٦ شعبان سنة ١٢٥٨ وتوفي في ٢٩ ربيع الثاني سنة ١٣٣٦. تولى الحكم ثلاثة وثلاثين عامًا من سنة ١٨٧٦ إلى أن عُزل سنة ١٩٠٩. درس التاريخ والأدب، وكان خطاطًا وشاعرًا، وأتقن اللغة العربية والفارسية، وكان يهوى النِّجارة، وله ورشة في قصره مجهزة بجميع الآلات والأدوات، وقد أنتج قطعًا فنية بديعة. كان محبًّا للعلم مكرمًا للعلماء والأدباء. وكان كأجداده سلاطين بني عثمان محبًّا للأولياء والصالحين فقرَّب مشايخ الطرق الصوفية وقدم الدعم للزوايا لتكون سياجًا للدولة العثمانية مما نتج عنه نشاط واسع للطرق الصوفية في التصدي للدول الاستعمارية. ومن أعظم الشيوخ الذين تأثر بهم السلطان: شيخ الإسلام السيد محمد أبو الهدى الصيادي (١٢٦٦ - ١٣٢٨) والشيخ محمود أبو الشامات (-١٣٤١) وكتب إليه

стр. 178

السلطان سنة خلعه رسالة شهيرة قال فيها: "سيدي إني مداومٌ على قراءة الأوراد الشاذلية ليلًا ونهارًا، وأعرض أني ما زلت محتاجًا لدعواتكم القلبية بصورة دائمة. بعد هذه المقدمة أعرض لرشادتكم وإلى أمثالكم أصحاب السماحة والعقول السليمة المسألة المهمة الآتية كأمانة فى ذمة التاريخ أننى لم أتخل عن الخلافة الإسلامية لسبب ما، سوى أننى بسبب المضايقة من رؤساء جمعية الإتحاد المعروفة باسم جون تورك وتهديدهم اضطررت وأجبرت على ترك الخلافة. إن هؤلاء الإتحاديين قد أصروا وأصروا علي بأن أصادق على تأسيس وطن قومي لليهود فى الأرض المقدسة فلسطين، ورغم إصرارهم فلم أقبل بصورة قطعية هذا التكليف. وأخيرًا وعدوا بتقديم مائة وخمسين مليون ليرة إنكليزية ذهبًا.، فرفضت بصورة قطعية أيضًا، وأجبتهم بهذا الجواب القطعي الآتي.: «إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهبًا فضلًا عن مائة وخمسين مليون ليرة إنكليزية ذهبًا، فلن أقبل بتكليفكم هذا بوجه قطعي. لقد خدمت المِلَّة الإسلامية والأمة المحمدية ما يزيد عن ثلاثين سنة، فلم أسوِّدْ صحائفَ المسلمين آبائي وأجدادي من السلاطين والخلفاء العثمانيين، لهذا لن أقبل بتكليفكم بوجه قطعي أيضًا». وبعد جوابي القطعي اتفقوا على خلعي، وأبلغوني أنهم سيبعدونني إلى سالونيك، فقبلت بهذا التكليف الأخير. هذا وحمدت المولى وأحمده أنني لم أقبل بأن ألطخ الدولة العثمانية والعالم الإسلامي بهذا العار الأبدي الناشئ عن تكليفهم بإقامة دولة يهودية فى الأراضي المقدسة فلسطين، وقد كان بعد ذلك

стр. 179

ما كان، ولذا فإني أكرر الحمد والثناء على الله المتعال، وأعتقد أن ما عرضتُه كافٍ فى هذا الموضوع الهام، وبه أختم رسالتي هذه. ألثم على يديكم المباركتين، وأرجو وأسترحم أن تتفضلوا بقبول احترامي، وسلامي إلى جميع الإخوان والأصدقاء. يا أستاذي المعظم لقد أطلت عليكم التحية، ولكن دفعني لهذه الإطالة أن أحيط سماحتكم علمًا وتحيط جماعتكم بذلك علمًا أيضًا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. في ٢٢ أيلول ١٣٢٩? ? خادم المسلمين عبد الحميد عبد المجيد وكان السلطان عبد الحميد الثاني محافظًا على الشعائر الإسلامية، شديد التعظيم للنبي الكريم ﷺ ، بعيدًا عن الوقوع في الشهوات المحرمة كالنساء والخمر تميز عهده بتحديث الدولة لمراعاة التطور الذي وصلت إليه أوروبا، وقام بمشاريع عظيمة في جميع المجالات، أعظمها: سكة حديد الحجاز التي ربطت دمشق بالمدينة المنورة، وكان من المقرر أن تمتد إلى إستنبول وبغداد. وكان يرى فيها أداة لجمع المسلمين في العالم الإسلامي وتوحيدهم خلف قيادته للتصدي للدول الطامعة في دولة الخلافة. فأسس لذلك فكرة الجامعة الإسلامية، أي الرابطة التي توحد بين المسلمين من جميع المذاهب والأعراق. وللسطان عبد الحميد رحمه الله تعالى مآثر عظيمة في جميع المجالات من العلوم والفنون والعمارة والطباعة، لعل من أعظمها طباعته للجامع الصحيح للبخاري على

стр. 180

النسخة اليونينية وجعله جميع نسخ الطبعة وقفًا عامًّا للمسلمين. وهي هذه النسخة التي تعاد طباعتها اليوم إحياءً لذكراه وتخليدًا لمآثره، واستجلابًا للدعاء له، واستدعاءً للترحم عليه. ومن أعظم مآثره رفضه بيع فلسطين لليهود لما عرض عليه ذلك تيودور هرتزل، ولعله دفع ثمن ذلك بعزله. وقام بالتصدي للأطماع الأوروبية في العالم الإسلامي. ومن مآثره أنه أراد البحث عن المخطوطات العربية في بلاد الأندلس المفقودة، فكلَّف بتلك المهمة سنة ١٣٠٤ العلامة الشيخ محمد محمود بن التلاميذ الشنقيطي، ووضع تحت تصرفه سفينة وكاتبًا ومؤذنًا وطباخًا يرافقونه. وأنجز المهمة، وكتب فيها كتابه: أشهر الكتب العربية الموجودة في خزائن مكاتب دولة إسبانيا. انتهى من جمعه في شهر الله المحرم سنة ١٣٠٥ في قصر الحمراء بمدينة غرناطة. ورغم أن السلطان عبد الحميد الثاني كان من السلاطين العظام، إلا أنه ورث دولة قد أنهك جسمها الضعف، وتكالب عليها الأعداء، فقام بالحفاظ عليها وتطويرها، وإبعاد خطر الأعداء عنها، ولا شك أن فترة حكمه كانت ذات أهمية كبرى فقد تماسكت الدولة الدولة العثمانية خلالها وتأخر سقوطها ثلاثين سنة. عُرف بالتسامح مع غير المسلمين، رغم محاولة اغتياله التي وقفت وراءها بعض الأقليات، وحارب الرشوة، وأصلح القضاء وجعل همه إقامة العدل. وكان داهية في السياسة، عرف كيف يستثمر العلاقات السياسية الدولية، ويستغل مواقع الضعف في التحالفات الدولية لإبعاد الخطر عن الدولة العثمانية.

стр. 181

ومن أعظم إنجازات السلطان عبد الحميد الثاني مجلة الأحكام العدلية، وهي أهم إنتاج فقهي في العصور العثمانية المتأخرة. فقد رأى السلطان المتغيرات الدولية، ولاحظ التطورات الداخلية والخارجية التي تدعو إلى صياغة الفقه الإسلامي على شكل قوانين عصرية تنضبط بها أحكام القضاة في المحاكم المدنية. فأنشأ لجنة من كبار فقهاء الحنفية مع عدد من فقهاء المذاهب الثلاثة الأخرى بصفة مراقبين، لتقنين القضاء والأحكام الفقهية الإسلامية، فصدرت مجلة الأحكام العدلية، وكان من جملة أعضاء تلك اللجنة العلامة الكبير علاء الدين عابدين، الذي ألف قرة عيون الأخيار في تكملة رد المحتار، أكمل فيها حاشية والده العلامة المحقق محمد أمين ابن عمر عابدين (-١٢٥٢) على الدر المختار. وصدر قرار السلطان عبد الحميد الثاني بالعمل بمواد المجلة في ٢٦ شعبان سنة ١٢٩٣ هجرية، الموافق لـ ١٥ أيلول (سبتمبر) سنة ١٨٧٦. فكانت مجلة الأحكام العدلية بذلك أول محاولة قامت بها الدولة العثمانية في العصر الحديث لتطوير الفقه وتقنينه، بعد أن بدأ السلطان عبد الحميد نهضة شاملة للنهوض بالدولة ومواجهة التحديات، لا في العلوم والصناعات فحسب، وإنما في ميدان الفقه والتشريع. وقد بكى العلماء والصالحون والفقراء والضعفاء عند عزل السلطان عبد الحميد وحزنوا عليه عند وفاته، ورثاه كبار شعراء العرب، من ذلك قصيدة لشاعر العراق جميل صدقي الزهاوي يقول فيها: سلامٌ على العهدِ الحَميديِّ إنه لَأسعدُ عهدٍ في الزمانِ وأَنْعَمُ

стр. 182

العلماء الذين اشتغلوا بمقابلة الطبعة السلطانية ١. الشيخ حسونة النواوي الشيخ حسونة بن عبد الله النواوي (١٢٥٥ - ١٣٤٣). شيخ الجامع الأزهر ومفتي مصر.، علامةٌ متبحر، فقيه حنفيٌّ، مشارك في العلوم، نابغة، شديد الذكاء. تولى مشيخة الأزهر بعد الشيخ محمد الإنبابي (١٣١٣ - ١٣١٧). وتولى الإفتاء (١٣١١ - ١٣١٧)، وعُين عضوًا بمجلس شورى القوانين. عزله الخديوي عباس حلمي من مناصبه، لأنه رفض اقتراح الخديوي بندب قاضيين من مستشاري محكمة الاستئناف الأهلية، ليشاركا قضاة المحاكم الشرعية العليا في الحكم، وقال للخديوي: "إن المحكمة الشرعية العليا قائمة مقام المفتي في أكثر أحكامها، ومهما يكن من التغيير في الاقتراح، فإنه لا يخرجه عن مخالفته للشرع، لأن شرط تولية المفتي مفقود في قضاة الاستئناف". وعين الخديوي مكانه في منصب المفتي الشيخ محمد عبده، وفي منصب شيخ الأزهر ابن عمه الشيخ عبد الرحمن قطب النواوي. وأعيد الشيخ حسونة إلى منصبه فتولى مشيخة الأزهر المرة الثانية (١٣٢٤ - ١٣٢٧)، وحاول تنظيم شؤون الأزهر الإدارية والمالية، وعمل على إدخال العلوم الحديثة، وصدر في عهده قانون الأزهر سنة ١٣٢٦ الذي قسم العلوم الدراسية في الأزهر الشريف إلى ثلاثة أقسام: علوم دينية، وعلوم عربية، وعلوم عقلية. وقسمت الدراسة أيضًا إلى ثلاث مراحل كل مرحلة أربع سنوات هي: الابتدائية، والثانوية، والعالِمية، تمنح في نهايتها شهادة تعطي حاملها حق التدريس بالجامع الأزهر، وتولي

стр. 183

وظائف الإمامة والخطابة. وقام بجمع مكتبات الأزهر المتفرقة في المساجد والأروقة في مكتبة واحدة، فأنقذ بذلك آلاف المخطوطات من الضياع. عُرف الشيخ حسونة رحمه الله تعالى بالعفة ونقاء اليد وعلو الهمة، وكان شديدًا في العلم، جريئًا في الحق، لا يخاف في الله لومة لائم. ومن مؤلفاته: كتاب سلم المسترشدين في أحكام الفقه والدين ٢. الشيخ سليم البِشري: هو العلامة الإمام الشيخ سليم بن فراج البِشري (١٢٤٨ - ١٣٣٥). علامة إمام، تولى مشيخة الأزهر مرتين (١٣١٧ - ١٣٢٠) ثم (١٣٢٧ - ١٣٣٥)، وكان قبل ذلك شيخ السادة المالكية. رثاه شاعر النيل حافظ إبراهيم بقصيدةٍ بليغةٍ مؤثرةٍ قال في مطلعها: أيدري المسلمونَ بمن أُصيبوا وقد وارَوا سليمًا في الترابِ هوَى ركنُ الحديثِ فأيُّ قُطْبٍ لطلابِ الحقيقةِ والصوابِ فما في الناطقين فَمٌ يُوَفِّي عَزاءَ الدينِ في هذا المُصابِ قَضى الشيخُ المحدِّثُ وهْو يُملي على طلابهِ فَصْلَ الخطابِ ولَمْ تَنْقُضْ له التسعونَ عزمًا ولا صدَّتْهُ عن دَرْكِ الطِّلابِ ٣. السيد علي الببلاوي: السيد علي بن محمد الببلاوي (١٢٥١ - ١٣٢٣)، نقيب السادة الأشراف وشيخ المسجد الحسيني.، فقيه مالكي، وشيخ الجامع الأزهر، تولى المشيخة (١٣٢٠ - ١٣٢٣) بعد الشيخ سليم البِشري. كما تولى رئاسة دار الكتب المصرية، وصار الناظر الأعلى لها سنة ١٢٩٩، وأشرف على تنظيم الفهارس تنظيمًا دقيقًا. وكان مدرِّسًا في الأزهر وفي الجامع

стр. 184

الحسيني. شارك في الثورة العرابية، وكان صديقًا للشاعر الكبير محمود سامي باشا البارودي، كما كان رفيقًا للشيخ حسونة النواوي. من مؤلفاته: الأنوار الحسينية على رسالة المسلسل الأميرية، ورسالة في فضائل ليلة النصف من شعبان. وقام بتصحيح كتاب اكتفاء القنوع بما هو مطبوع من أجلِّ التآليف العربية في المطابع الشرقية والغربية، تأليف إدوارد فنديك، مطبعة الهلال بالقاهرة سنة ١٣١٣ .. ٤. الشيخ أحمد الرفاعي: هو الإمام العلامة الكبير الشيخ أحمد بن محجوب الفيومي الرفاعي (-١٣٢٥)، من كبار علماء المالكية بالأزهر الشريف وشيخ المقارئ وشيخ رواق الفيوم وعضو مجلس إدارة الأزهر. علامة جليل، مكث يدرِّس بالأزهر ثلاثا وخمسين سنة حتى صار معظم شيوخ الأزهر (سوى الشيخ عبد الرحمن الشربيني والشيخ سليم البشري) من تلامذته وتلامذة تلامذته. ومن جملة تلامذته الشيخ محمد عبده، والشيخ محمد بخيت المطيعي وشيخ الأزهر محمد أبو الفضل الجيزاوي ومحمد النجدي الشرقاوي. ومن مؤلفاته: حاشية على شرح بحرق على لامية الأفعال لابن مالك، وتقريرات على الشرح المطول على التلخيص للسعد التفتازاني. ٥. الشيخ إسماعيل الحامدي هو الإمام العلامة الكبير الشيخ إسماعيل بن موسى بن عثمان الحامدي (١٢٢٦ - ١٣١٦).، من أجلاء علماء الأزهر الشريف، وكان شيخ رواق الصعايدة فيه. وله مؤلفات وحواش جليلة نافعة، منها: الرحلة الحامدية إلى الأقطار الحجازية، وحاشية على شرح السنوسية الكبرى، وتقريرات على حاشية الصبان على شرح ألفية ابن مالك

стр. 185

للأشموني، المطبعة الأزهرية، القاهرة سنة ١٣٠٥. وحاشية على شرح الآجرومية للكفراوي، المطبعة العثمانية، القاهرة سنة ١٣١١. ٦. الشيخ أحمد الجيزاوي من علماء السادة المالكية بالأزهر وشيخ الجيزاوية. ذكره محمد عبد المنعم الخفاجي في كتابه (الأزهر في ألف عام) ضمن أشهر رجال الأزهر في أوائل القرن الرابع عشر الهجري. ويبدو أنه كان مسنًّا في وقت تصحيح الطبعة السلطانية لصحيح البخاري .. ٧. الشيخ حسن العِدْوي هو العلامة المحقق والفهامة المدقق الشيخ حسن بن محمد بن داود العِدْوي (-١٣٢٠): من علماء السادة المالكية وإمام راتب بالأزهر. ٨. الشيخ سليمان العبد هو الشيخ سليمان بن مصطفى العبد الشبراوي (١٢٥٧ - ١٣٣٧) من علماء السادة الشافعية بالأزهر، وعضو في لجنة إدارة الأزهر، شاعر أديب، إمام في المعقول والمنقول.، وكان مدرسًا في الأزهر وفي دار العلوم. وله تقاريظ على الكتب التالية: - كمال العناية بتوجيه ما في ليس كمثله شيءٌ من الكناية، للسيد أحمد رافع الحسيني الطهطاوي مطبعة محمد مصطفى، القاهرة، سنة ١٣١٣. جاء وصفه فيه: "الناظم الناثر.، بحر الأدب الوافر، الذي ورفت ظلال مجده وسعده، وأوتي من صناعتي النظم والنثر ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده". - كتاب دليل المسافر، للسيد أحمد الحسيني، بولاق سنة ١٣١٩.

стр. 186

- الأقوال المَرْضِية في الرد على الوهابية، للشيخ محمد عطا الكسم، المطبعة العمومية، القاهرة سنة ١ ٩٠١. ٩. الشيخ يوسف النابلسي شيخ رواق السادة الحنابلة في الأزهر الشريف. ذكره علي مبارك في الخطط التوفيقية عند ذكر رواق الحنابلة فقال: "وأهل هذا الرواق الآن نحو ثلاثين تلميذًا، وشيخهم الشيخ يوسف النابلسي الشامي تلقى مذهب ابن حنبل في مدرسة بلدته". وله تقريظ على رسالة تحفة الأبصار والبصائر في بيان كيفية السير مع الجنازة إلى المقابر، ورسالة فتاوى أئمة المسلمين بقطع لسان المبتدعين للشيخ محمود محمد خطاب السبكي، المطبعة المحمودية، القاهرة سنة ١٣١٦. ١٠. الشيخ بكري عاشور هو مفتي مصر الشيخ بكري بن محمد عاشور الصِّدْفي (-١٣٣٧)، فقيه حنفي، تدرج في المناصب القضائية إلى أن تولى الإفتاء بين سنتي (١٣٢٣ - ١٣٣٣) بعد الشيخ محمد عبده، وترك ١١٨٠ فتوى مسجلة. وكان مدرسًا بالأزهر. وله قصيدة في تقريظ كتاب: دليل المسافر، للسيد أحمد الحسيني، بولاق سنة ١٣١٩، مطلعها: حوى رقةً حقًّا دليل المسافرِ وجاء بلا شك عديم النظائرِ ١١. الشيخ عمر الرافعي هو العلامة الكبير الشيخ عمر ابن العلامة مصطفى، ابن القطب عبد القادر الرافعي الفاروقي العمري (-١٣١٥) من كبار علماء السادة الحنفية بالأزهر وأمين الفتوى، ومفتي مديرية الجيزة. وهو من بيت علم شهير من الحنفية في مصر أصله من طرابلس

стр. 187

الشام، من ذرية الشيخ عقيل المنبجي. تلقى العلم على جملة من الشيوخ منهم والده الشيخ مصطفى الرافعي (-١٢٨٣) وأخوه الشيخ محمد الرافعي (-١٢٨٠) شيخ رواق الشام بالأزهر، وأخيه الإمام الكبير مفتي الديار المصرية الشيخ عبد القادر الرافعي (١٢٤٨ - ١٣٢٣) صاحب التقريرات على حاشية ابن عابدين. له تقريظ على كتاب السيف الصقيل في الرد على رسالة البرهان الجليل تأليف بكر بن عمر التميمي الداري الحنفي النابلسي، مطبعة المحروسة، القاهرة ١٣١٣. ١٢. الشيخ محمد حسين الأبريري من علماء السادة الشافعية. ويبدو أنه من فلسطين، درس في الأزهر الشريف وأقام في رواق الشوام، فقد ورد اسم: "الشيخ محمد حسين الإبريري" في قائمة أسماء طلاب رواق الشوام بالأزهر الشريف سنة ١٢٨٥ ونِسْبَتُه فيه إلى أبرير في فلسطين. وورد اسمه في إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء محرَّفًا إلى "البريري". ويُستخلص منه أنه كان مدرسًا في الأزهر بين سنوات (١٢٨١ - ١٢٩٠)، فقد ذكر الشيخ راغب الطباخ أن الشيخ أحمد شهيد (-١٣٤٥) رحل إلى الأزهر سنة ١٢٨١ ورجع إلى حلب سنة ١٢٩٠، وقرأ علومًا متعددة على الشيخ حسين البريري والشيخ حسين الطرابلسي الشهير بمنقارة. ١٣. الشيخ محمد أبو الفضل الجيزاوي (١٢٦٤ - ١٣٤٦): وهو العلامة الكبير الشيخ محمد أبو الفضل بن علي الوراقي الجيزاوي، من علماء السادة المالكية.، وشيخ الأزهر بين سنوات (١٣٣٥ - ١٣٤٦) ورئيس مؤتمر الخلافة بالقاهرة. طبع من مؤلفاته: تحقيقات شريفة وتدقيقات منيفة على شرح العضد

стр. 188

الإيجي على مختصر ابن الحاجب في الأصول وحاشيتي السعد والسيد، مطبعة السعادة، القاهرة سنة ١٣٢٢. ١٤. الشيخ هارون عبد الرازق هو العلامة الكبير الشيخ هارون عبد الرازق البنجاوي (١٢٤٩ - ١٣٣٦)، كان شيخ رواق الصعايدة بالأزهر، وشيخ السادة المالكية، وهو جد العلامة المحقق. عبد السلام محمد هارون. ترك مؤلفات نافعة، وكانت داره ندوة للعلماء والكبراء. له تقريظ على أرجوزة جامع البحار وروضة العقول والأنظار في علمي العروض والقوافي لمحمد رفاعة الطهطاوي، المطبعة العلمية، القاهرة ١٣١٨، وتقريظ على كتاب كمال العناية بتوجيه ما في ليس كمثله شيء من الكناية، وُصف فيه: بالعالم الفاضل.، المتحلي بقلائد الفضائل والفواضل، الرافل في حلل العلوم والمعارف، الفائز منها بكنز اللطائف والعوارف ١٥. الشيخ حسن الطويل هو الشيخ حسن بن أحمد الطويل (-١٣١٧) علامة كبير، من علماء السادة المالكية من الطبقة الأولى من علماء الأزهر، وكان من المدرسين في دار العلوم. له تقاريظ على العديد من الكتب، منها: كمال العناية بتوجيه ما في ليس كمثله شيءٌ من الكناية، للسيد أحمد رافع الحسيني الطهطاوي مطبعة محمد مصطفى، القاهرة، سنة ١٣١٣، جاء وصفه فيه: "الأستاذ الواسع الاطلاع، الطويل الطَّول والباع، العلامة".

стр. 189

١٦. الشيخ حمزة فتح الله العلامة الشيخ حمزة فتح الله بن السيد حسين (١٢٦٦ - ١٣٣٦): أحد أعلام اللغة العربية. مفتش اللغة العربية بالمعارف ومؤلف الكتاب الشهير: المواهب الفتحية في علوم العربية في جزءين. ولد في الإسكندرية، وأقام في تونس ثماني سنين أصدر فيها جريدة الرائد التونسي، وعاد إلى مصر فأصدر جريدة البرهان ثم الاعتدال. وخدم في وزارة المعارف نحو ثلاثين سنةً تولى فيها وظيفة مفتش، وعمل رئيسًا لقسم الإنشاء والترجمة، وألقى محاضرات نفيسة في دار العلوم، هي التي جمعها في كتابه الجليل المواهب الفتحية في علوم اللغة العربية. وشارك سنة ١٣٠٦ في مؤتمر المستشرقين الثامن في إستوكهولم منتدَبًا من طرف الحكومة المصرية، وقدم إلى المؤتمر كتابه الجليل باكورة الكلام على حقوق النساء في الإسلام الذي طبع بعد في بولاق سنة ١٣٠٨ في ١٠٨ صفحات. كان الشيخ حمزة فتح الله عالمًا باللغة متمكنًا، وأديبًا مطبوعًا، من كلامه في إحدى رسائله: "وسل فؤادك عن صديقٍ حميم، وود صميم، وخلة لا يزيدها تعاقبُ المَلَوين، وتألُّق النَّيِّرين إلا وثوقًا في العرى، وإحكامًا في البناء، وإنماءً في الغراس، وتشييدًا في الدعائم. ولا يظنن سيدي أن عدم ازدياري ساحتَه الشريفة، واجتلائي طلعتَه المنيفة، لتقاعسٍ أو تقصير، فإن لي في ذلك معذرة اقتضت التأخير، والسيد أطال الله بقاءه أجدر من قبل معذرة صديقه، وأغضى عن ريث استدعته الضرورة" .. ١٧. السيد محمد غانم من علماء الشافعية وعلماء الحديث بالأزهر.

стр. 190

١٨. عبد السلام باشا المويلحي (-١٣٢٨/ ١٩١٠) هو الوسيط بين أحمد مختار باشا وشيخ الجامع الأزهر الشيخ حسونة النواوي.، الذي حمل النسخة اليونينية بنفسه إلى شيخ الأزهر. كان نائبًا في أول برلمان تأسس في مصر، وهو من زعماء ثورة أحمد عرابي، وكان زعيم الحركة الوطنية داخل مجلس شورى النواب الذي تأسس سنة ١٨٦٦ حضر دروس الشيخ جمال الدين الأفغاني وتأثر به. ذكره أنور الجندي في كتاب: أعلام لم ينصفهم جيلهم، واقتصر على الإشادة بموقفه في البرلمان دون أن يذكر شيئًا من ترجمته وأحواله، إلا وفاته في ١٠ ديسمبر سنة ١٩١٠. المصححون للطبعة السلطانية ١. السيد محمد الحسيني علامة أديب مؤلف، من كبار المصححين بالمطبعة الأميرية ببولاق في مصر. كان أحد المصححين للطبعة السلطانية لصحيح البخاري الصادرة سنة ١٣١٣، والطبعة الثانية التي صدرت سنة ١٣١٥. وفي خزانتنا عدد من المطبوعات بتصحيحه، منها: لسان العرب لابن منظور طبعته مطبعة بولاق سنة ١٣٠٠ في عشرين جزءًا وقَيد على حواشيه تعليقات نفيسة. شرح مقامات الحريري للشريشي جزءان ١٣٠٠. العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية ١٣٠٠ جزءان. الرحمة الغيثية بالترجمة الليثية ١٣٠١ .. نهاية القصد والتوسل لفهم قولة الدور والتسلسل ١٣٠٣. الفتاوى الأسعدية المسماة: عدة

стр. 191

أرباب الفتوى ١٣٠٤. تجريد العلامة البناني على مختصر السعد التفتازاني ١٣١١. إعانة الطالبين في الفقه الشافعي ٤ أجزاء. وشارك في تأليف: رسالة في المترادفات مع: مصطفى السقطي ومحمد النشار وسيد أفندي محمد وأحمد العدوي الط الثانية المطبعة الأميرية بولاق ١٣١٧. ٢. الشيخ محمود مصطفى علامة أديب، من كبار المصححين بالمطبعة الأميرية في بولاق بمصر، كان أحد المصححين للطبعة السلطانية لصحيح البخاري الصادرة سنة ١٣١٣، والطبعة الثانية التي صدرت سنة ١٣١٥. وفي خزانتنا من المطبوعات التي قام بتصحيحها: رسالة التوحيد للشيخ محمد عبده ١٣١٥. البصائر النصيرية في علم المنطق ١٣١٦. المسامرة بشرح المسايرة ١٣١٧. اشتغل سنة ١٩٣٠ وما بعدها أستاذًا للأدب بكلية اللغة العربية من الجامعة الأزهرية.، وممن تخرج عليه فيه الشيخ محمد جميل العقاد. (١٣١٠ - ١٣٨٧) أحد علماء مدينة حلب، ومن تلاميذه أحمد عبده الشرباصي (١٨٩٩ - ١٩٨٤). من تآلفيه وتحقيقاته النفيسة: - إعجام الأعلام.، المطبعة الرحمانية ١٣٥٤ - هبة الأيام فيما يتعلق بأبي تمام، مطبعة العلوم القاهرة ١٣٥٢، - مختارات من كلام الجاحظ.، تحدث عنه علامة العربية مصطفى صادق الرافعي في رسائله مع محمود أبي رية.

стр. 192

٣. الشيخ نصر العادلي من كبار العلماء، وصفه الدكتور محمود محمد الطناحي ﵀ بقوله: "أحد مصححي مطبعة بولاق العظام". كان أحد المصححين للطبعة السلطانية لصحيح البخاري الصادرة سنة ١٣١٣، والطبعة الثانية التي صدرت سنة ١٣١٥. وقام بتصحيح تفسير ابن جرير الطبري في المطبعة الأميرية أيضًا. وصحح كتاب الفَلاكة والمَفْلوكون الذي نشرته مطبعة الشعب بمصر سنة ١٣٢٢، وهي - كما ذكر الدكتور الطناحي - مطبعة قديمة كانت بشارع محمد علي قريبًا من دار الكتب المصرية القديمة بباب الخلق. وقام العادلي أيضًا بتصحيح المصحف الشريف الذي طبع سنة ١٣٣٧، ووُصف حينها بأنه رئيس المصححين بالمطبعة الأميرية. وصحح العديد من الكتب الأخرى. ٤. محمد بن علي المكاوي وهو محمد بن علي بن محمد بن علي الشهير بالمكاوي الجُدِّيُّ مولدًا، المصريُّ إقامة، الحنفي مذهبًا، الخلوتي طريقةً. هكذا عرَّف بنفسه في بداية جدول الخطأ والصواب الذي أعدَّه للطبعة السلطانية، وهو مخطوط في دار الكتب المصرية، نشره العلامة الدكتور علي جمعة في كتابه: الإمام البخاري وجامعه الصحيح. ذكره السيد محمد رشيد رضا في العدد ٢٥ من المجلد الثاني من مجلة المنار، وذكر أنه ربما قَرُب من درجة الحفاظ، فقال: "هذا ومما يؤسف عليه أنك لو سألت عمن هو أقرب إلى درجة الحفاظ في مصر لقالوا: رجلان: أحدهما توفي قريبًا وهو المرحوم محمد بك المكاوي، والآخر العلامة اللغوي الشهير الشيخ الشنقيطي ﵁.،

стр. 193

ولا تكاد تسمع باسم ثالث". وهذا يشير إلى مكانة هذا الرجل في العلم والحفظ والتحقيق، وناهيك باقترانه بالعلامة الشهير الشيخ محمد محمود بن التلاميذ الشنقيطي التُّركُزي (١٢٤٥ - ١٣٢٢). ويظهر من المقدمة التي قدم المكاوي بها لجدول الخطأ والصواب الذي أصدره للطبعة السلطانية أنه لم يكن مصححًا بالمطبعة الأميرية.، خلاف ما شاع، وإنما كان من المشتغلين بإقراء صحيح البخاري، المتمكنين فيه. وذكر في جدول الخطأ والصواب للطبعة الثانية في بولاق المشتهرة عند أهل مصر بالطبعة الفاكهاني أنه اشتغل أيضًا بتصحيح صحيح مسلم وسنن أبي داود وجامع الترمذي، ووصف نفسه في الطرة بخادم الحديث في مصر. لذلك لا يُستغرب بعد هذا حديثُ السيد محمد رشيد رضا السابق عنه. وقول السيد محمد رشيد رضا بأنه توفي قريبًا، قاله وقت صدور العدد الثاني من المنار، وذلك في يوم السبت ٢٦ ربيع الثاني سنة ١٣١٧، مما يفيد بأن وفاة الشيخ محمد المكاوي كانت قبيل هذا التاريخ بوقت يسير. وهذا نص مقدمة تصحيحاته للطبعة السلطانية: "الحمد لله الذي حفظ الشريعة المحمدية من التغيير والتبديل مدى الأيام، ووفق من أراده لتجديدها في كل زمان من العلماء الأعلام، فبذلوا الوُسع في ضبطها في القديم والحديث، وألفوا الدواوين في أحكامها من الفقه والحديث. أحمده حمدًا متواترًا على الدوام، وأشكره على ما أسبغ على خادمي السنة من مسلسل الإنعام. وأصلي وأسلم على سيدنا محمد المرفوع الرتبة على جميع الأنام، وعلى آله وصحبه الذين شيدوا أركان دين

стр. 194

الإسلام، وبعد فيقول المرتجي محو المساوي محمد بن علي بن محمد بن عليٍّ الشهيرُ بالمكاوي، الجُدِّيُّ مولدًا، المصري إقامةً، الحنفي مذهبًا، الخلوتي طريقةً: إنه لما تعلقت إرادة مولانا أمير المؤمنين، مولى ملوك العرب والعجم، خادم البيت والحرم، صاحب السيف والقلم، مولانا السلطان ابن السلطان، السلطان عبد الحميد خان الثاني، أيد الله الإسلام بشوكته، ومتع المسلمين بإعلاء كلمته، بطبع صحيح البخاري بالمطبعة المصرية، الكائنة ببولاق مصر المحمية، وقفًا للمسلمين على نفقته، إحسانًا من لدن جلالته، قد دعاني صاحب الدولة والإقبال، والمهابة والإجلال، المبيد العدا بسيفه البتار، الغازي أحمد باشا مختار، أن أباشر الطبع مع علماء التصحيح، لما لي من الاطلاع على متن البخاري الصحيح. فلشهرتهم في التصحيح وما يتعلق به من الفنون، قد وثقتُ بهم في ضبط هذا الكتاب المصون. وقد كان ولله الحمد والمنة، بذلوا الوسع وجَدُّوا واجتهدوا أثابهم الله الجنة، حتى أتمُّوا طبعه مشكولًا مطرَّزًا بالحواشي البديعة المثال، المحتوية على ما لرواة البخاري من الخلاف وصحيح الأقوال. فجاء بحمد الله على ألطف شكل وأحسن بيان، حتى فاق أصوله في الصحة والإتقان. ثم بعد انتهاء الطبع والحصول عليه، قد استصوب حضرة الغازي المشار إليه أن يعاد نظره بالجامع الأزهر المصون، لعلوِّ مكانة مشايخه في العلوم والفنون، فأرسل نسخة منه لحضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الكبير، المحقق المدقق العالم النحرير، المغترف من العلوم بالمنهل العذب الراوي، العلامةِ الشيخ حسونةَ النواوي، شيخ الجامع الأزهر، ومفتي الديار، نفع الله بعلومه ما تعاقب الليل والنهار. فجمع ثمانية عشر عالمًا من الأساتذة، من رؤوس العلماء المحققين الجهابذة، فجمعوا المتون والشروح

стр. 195

والفهارس، وقرأوا الكتاب من أوله إلى آخره في عدة مجالس، وما عثروا عليه من التحريف والغلط، جُمع في جدول على أحسن نمط، وطُبع مع الكتاب، ليستفيد منه المحدثون والطلاب. ولما كان العبد الفقير معتادًا قراءة البخاري لنصرة الإسلام، ولإصلاح ولاة الأمور والحكام، قد قرأته بالنسخة السلطانية المشار إليها، لأنها صارت في بلاد الرسلام المعول عليها، بعد قراءة السادة الززهريين، الراسخين في العلم والتمكين، فوجدت فيها من التحريف جملة وافرة. فأداءً لأمانة العلم ولما أعد الله تعالى لذلك في الآخرة، قد جمعتها في هذا الجدول لإلحاقه بالكتاب لأنه صار كَلُبِّ اللباب. وقد عارضته على شيخ الشيوخ العلامة، الحبر البحر الفهامة، الحافظ المتقن المُجيد، مربي الطلاب بهديه وعلمه المفيد، من انتهت إليه رئاسة العلوم في هذا الزمان، وفاق في جميع الفنون الرؤوس والأقران، الأستاذ الشيخ سليم البِشري شيخ السادة المالكية، نفع الله به وبعلومه آمين، وراجعته فيه من أوله إلى آخره، وما كان فيه احتمالٌ أو تأويل حذفته منه فرارًا من التطويل. وبعد تهذيبه وتنقيحه، قدمته للغازي ليأمر بما يراه في أشنه، فاطلع على ما حواه من أصول وفروع، ولمَّا أحاط به ووافقه ذلك المشروع، أمر بطبعه لتَعُمَّ الفائدة، إذ ما من عائدة إلا وفيها فائدة. فامتثلت أمره وله في ذلك الفضل، وطبعت منه عِدَّةً زُهاء الأصل، على نفقتي ولله المنة، راجيًا منه أن يثيبني بالجنة، بغير حسابٍ مع السابقين، ولعلي أُدرج في طائفة المحدِّثين، نقلة حديث خير الأنام، وقد يُكرم الطفيليُّ في ساحة الكرام. جعله الله خالصًا لوجهه الكريم، ونافعًا للأمة من فيضه العميم".

стр. 196

المندوب العالي للسلطان بمصر أحمد مختار باشا الغازي أحمد مختار باشا (١٢٥٤ - ١٣٣٧): هو الصدر الأعظم للدولة العثمانية، وقائد عسكري بارز، ووالٍ لعدة ولايات، والمندوب العالي للسلطان إلى مصر لمدة سبع وعشرين سنة، وعالم بالفلك والرياضيات ترك مؤلفات نفيسة. ولد بمدينة بورصة سنة ١٨٣٩، وتخرج من الكلية الحربية سنة (١٢٧٧/ ١٨٦٠) ودخل الجيش العثماني برتبة رائد، وترقى فيه إلى أعلى الرتب العسكرية. جعله السلطان عبد العزيز سنة ١٨٦٦ مربيًا لابنه البِكر يوسف أفندي عز الدين، ورافقه خلال زيارته إلى بريطانية وفرنسة وألمانية وإيطاليا والنمسا. وعاد إلى الأستانة سنة ١٨٦٧ فجعل مأمورًا لتحديد التخوم بين بلاد الدولة والجبل الأسود، وبسبب نجاحه في مهمته تمت ترقيته إلى رتبة أمير اللواء وعُين عضوًا في المجلس الحربي. وفي ختام سنة ١٨٧٠ أرسل مع ضباط الجيش المرسل إلى اليمن تحت إمرة رديف باشا.، فحقق العديد من الانتصارات ونال رتبة فريق، ثم أقيم مقام رديف باشا في القيادة الكبرى لنقله واليًا على الحجاز، فتمكن من إخماد الثورة ورقي إلى رتبة مشير، وعُين واليًا على اليمن. ثم رجع إلى الأستانة وعُين وزيرًا للنافعة، فاستقال منها. ثم عين واليًا لكريد، ثم مشيرًا للفيلق الثاني في شوملة سنة ١٨٧٣، ثم مشيرًا للفيلق الرابع في أرضروم سنة

стр. 197

١٨٧٤، ثم قائدًا لجيش الهرسك بدلًا من رؤوف باشا سنة ١٨٧٥، وأعيد في ختام سنة ١٨٧٦ إلى كريد واليًا عليها. وفي (١٢٩٤) صدر الأمر بتعيينه قائدًا للجيش العثماني الرابع في أرضروم. وانتصر في (٢٥ رمضان سنة ١٢٩٤) على الروس في معركة يخنيلر بجيش عدده أربعة وثلاثون ألف جندي، على الجيش الروسي الذي كان عدده من سبعمائة وأربعين ألف جندي، وخسر الروس في هذه المعركة عشرة آلاف قتيل. وحصل على لقب الغازي للانتصارات التي حققها على الروس خلال قيادته العسكرية .. وعين بعد ذلك قائدًا لجيش يانيا، ثم واليًا لكريد مرة ثالثة في (٢٨ آب سنة ١٨٧٨) فتمكن من توطيد الأمن بها، وألف بين أهلها المسلمين والمسيحيين، فكتبوا عريضة رفعوها للباب العالي في شهر أكتوبر سنة ١٨٧٨ بالثناء عليه. ثم أرسل إلى ألبانيا لتنفيذ العُهدة البرلينية المتعلقة بها، فدوخ الثائرين، وعاد بعد حين إلى الأستانة، وكُلِّف بعدة مهام في الجيش. وفي سنة (١٢٩٩) أرسله السلطان عبد الحميد الثاني إلى مصر لحل الأزمة مع إنجلترة بعد احتلالها لمصر. وعُين سنة (١٣٠٣) مفتشًا عامًّا وكلف بالمفاوضات مع السير هنري وولف. وبقي في مصر مندوبًا عاليًا للسلطان إلى سنة ١٩٠٨ حيث عاد إلى إستنبول وعينه السلطان عبد الحميد الثاني نائبًا لرئيس مجلس الأعيان. وقد تولى خلال هذه المدة الإشراف على إصدار الطبعة السلطانية للصحيح التي أمر السلطان عبد الحميد الثاني بإصدارها سنة ١٣١١ ونجز طبعها سنة ١٣١٣ في المطبعة الأميرية ببولاق. تولى منصب الصدر الأعظم في عهد السلطان محمد رشاد لفترة وجيزة في (٣ شعبان

стр. 198

١٣٣٠) واستقال منه في (١٧ ذي القعدة ١٣٣٠). وهو من مؤسسي جمعية دار الشفقة التي كانت تقدم الخدمات المجانية للأيتام في إستنبول. كان يجيد اللغة العربية إلى جانب العثمانية، وله مؤلفات عديدة أشهرها: كتاب رياض المختار ومرآة الميقات والأدوار، في الفلك. طبع في مطبعة بولاق بالقاهرة سنة ١٣٠٣ في مجلد ضخم وطبعت أشكاله في جزء مستقل وله طبعتان إحداهما بالعربية والأخرى بالعثمانية، وكلاهما من نفائس خزانتنا صانها الله تعالى. توفي أحمد مختار باشا سنة (١٣٣٧/ ١٩١٩) ودفن في حديقة مسجد الفاتح بإستنبول. شيخ الإسلام محمد جمال الدين أفندي هو العلامة محمد جمال الدين بن محمد خالد بن يوسف بن أحمد (١٢٦٤ - ١٣٣٧) من أحفاد الشيخ يوسف أفندي زاده القاضي العسكري في عهد السلطان أحمد الثاني (١١٠٢ - ١١٠٦). وأمه بنت إسماعيل أفندي بن سعيد بن عبد الباقي الكواكبي. ولد في إستنبول وتلقى علومه على يد والده والمعلمين الخصوصيين، وفي سنة ١٢٧٥ قُيد اسمه في دفتر امتحان (رؤوس همايوني)، ونبغ في مدة وجيزة فعين سنة ١٢٨٣) مدرسًا في مدرسة أحمد أفندي القنوي في إستنبول. وحصل سنة ١٢٨٨ على شهادة (حركت خارج) الدينية المتوسطة، وعين في السنة ذاتها كاتبًا في دائرة مشيخة الإسلام، مع متابعته للدراسة، وحصل في سنة ١٢٨٩ على شهادة (حركت داخل)، وعين كاتبًا لدى قاضي عسكر الأناضول: الشيخ عطا الله أفندي عرب زاده. وحصل سنة ١٢٩٢ على

стр. 199

شهادة (موصلة الصحن) وتابع دراسته في مدارس (الصحن ثمان) فحصل سنة ١٢٩٤ على شهادة (التمش حركت)، ثم على شهادة (موصلة سليمانية) وهي أرفع الشهادات العلمية في مجال العلوم الشرعية في الدولة العثمانية، وترفَّع إلى رتبة المميز الخامس في محكمة التمييز الحقوقية. عين الشيخ محمد جمال الدين أفندي عام ١٢٩٥ في ديوان مشيخة الإسلام، وحصل على شهادة التخرج العلمية. وفي سنة ١٢٩٦ حصل على درجة بلاد الخمسة مولويتي، ودرجة الحرمين المحترمين (باية سي). وعين في سنة ١٣٠٢ في منصب قاضي إستنبول، وفي سنة ١٣٠٦ في منصب قاضي عسكر الأناضول. وحصل في سنة ١٣٠٨ على درجة (روم إيلي باية سي). وفي سنة ١٣٠٩ عُين في منصب شيخ الإسلام ومفتي الدولة العثمانية. وهو من أطول شيوخ الإسلام بقاء في المنصب، وكان قبله في المشيخة الحاج عمر لطفي أفندي بودرومي (١٢٣٣ - ١٣١٤) الذي عزل مع عزل حكومة الصدر الأعظم محمد كامل باشا. وكانت معظم مدة توليته في عهد السلطان عبد الحميد الثاني. عُزل الشيخ جمال أفندي عن المشيخة سنة ١٣٢٧، بعد أن سيطر حزب الاتحاد والترقي على مقاليد الأمور في الدولة العثمانية، وصار عزل شيخ الإسلام مرتبطًا بعزل الصدر الأعظم. وأعيد تعيينه في منصب شيخ الإسلام سنة ١٣٣٠ بعد إعفاء شيخ الإسلام عبد الرحمن نسيب أفندي، مع تعيين الغازي أحمد مختار باشا في منصب الصدر الأعظم.، وشكل الغازي أحمد مختار باشا حكومة عرفت باسم الوزارة الكبيرة (بيوك كابينيه)، لاشتمالها على ثلاثة صدور عظام سابقين. ولكن مدة الوزارة كانت

стр. 200

قصيرة.، خسرت خلالها الدولة العثمانية الحرب في البلقان، فاستقال الصدر الأعظم.، وأعفي معه شيخ الإسلام جمال أفندي من منصبه. أعيد تعيين جمال أفندي شيخًا للإسلام مع تعيين محمد كامل باشا في منصب الصدر الأعظم، واستمر في منصبه نحو ثلاثة أشهر إلى أن حدثت حادثة اقتحام الباب العالي، وتم إسقاط حكومة كامل باشا، وإعفاء شيخ الإسلام من منصبه، واعتقل وتم نفيه إلى مصر، فأقام قرب القاهرة في ضاحية الرملة. وقد قامت الأرض وقعدت عند رحيل جمال أفندي إلى مصر، وقلق الإنجليز. بقي الشيخ جمال أفندي في مصر إلى وفاته في شهر رجب سنة (١٣٣٧ / نيسان ١٩١٩) فتم نقل جثمانه إلى إستنبول عن طريق الإسكندرية وأقيمت عليه صلاة الجنازة فيها، وشيعت جنازته في إستنبول ودفن في مقبرة الفاتح. نال شيخ الإسلام جمال أفندي مجموعة من الأوسمة العثمانية، منها: مرصع افتخار.، مرصع امتياز، مرصع عثماني، مرصع مجيدي، ميدالية اللياقة الذهبية. وقد كتب مذكراته السياسية بعنوان: خاطرات سياسية، وثق فيها للأحداث السياسية خلال فترة الاتحاديين، وقد طبع الكتاب في إستنبول سنة ١٣٣٦. أعضاء لجنة التدقيق في إستنبول ١. عبد القادر راشد أفندي: عبد القادر ابن الشيخ خُلوصي أفندي (١٢٦٠ - ١٣٢٨/ ١٨٤٥ - ١٩١٢). عالم كبير، أديب وشاعر، يتقن العربية والفارسية. ولد في مدينة إستنبول، ودرس في مدرسة جامع

стр. 201

السليمانية، وحصل على الإجازة العلمية من مشايخها، وأجازه الحافظ وصفي أفندي القسطموني سنة ١٢٨٧. حصل على الوسام المجيدي من الدرجة الرفيعة والوشاح العثماني. وشغل وظيفة مدرس في جامع آيا صوفيا ومدرسته، وقاضي عسكر الأناضول، وعضو الهيئة العلمية في قصر السلطان، وعضو مجلس مصالح الطلبة ابتداءً من سنة ١٨٨١، وعضو مجلس امتحان القراء ١٨٨٩، ثم عُين في منصب سكرتير مشيخة الإسلام (-١٣١٨). من مؤلفاته: القصيدة النورية: طبعت في إستنبول (١٢٩٥/ ١٨٧٨) مطلعها: شرعنا ببسم الله والحمدِ والثنا نصلي على سرِّ الإله نبيِّنا إلهي توسلنا إليك بجمعِنا نعوتًا وأسماءً بها نرتقي المُنى والوسيلة: وهي شرح على أوراد السيد أحمد الرفاعي والسيد أحمد البدوي. وكتاب وسيلة الرحمن: في تخميس قصيدة البردة. والدرة العلية على ورد الرفاعية. ٢. إسماعيل حقي أفندي: الشيخ إسماعيل حقي أفندي (١٢٥٠ - ١٣١٩/ ١٨٣٤ - ١٩٠١) أحد كبار علماء إستنبول، من تآلفيه حاشية على شرح ملتقى الأبحر للداماد، وحاشية على شرح مرآة الأصول لملا خسرو، ودرس هذه الكتب وأجاز بها في جامع الفاتح. عُين عضوًا في مجلس انتخاب القضاة ومجلس شؤون الطلبة توفي يوم ١٥ جمادى الأولى سنة (١٣١٩/ ١٩٠١) ودفن في مقبرة الفاتح. وهو غير العلامة إسماعيل حقي البروسي (-١١٢٧) صاحب تفسير روح البيان.

стр. 202

٣. أحمد عاصم أفندي: الشيخ أحمد عاصم أفندي وكيل الدرس (١٢٥٢ - ١٣٢٩/ ١٨٣٦ - ١٩١١) ينتمي إلى أسرة علمية معروفة. كان والده محمد أفندي مدرس زاده عالمًا معروفًا ومدرسًا في المدرسة الكبيرة بقرية تيرزيويران. حصل الشيخ أحمد عاصم أفندي على الإجازة من عبد الرحمن أفندي المدرس في جامع الفاتح، وبدأ التدريس فيه سنة ١٢٧٩. عين مخاطبًا في دروس الحضور (بحضرة السلطان، والمخاطب هو الذي يناقش المقرر في درسه). وبعد نجاحه في دروس المخاطب أصبح مقررًا، وألقى الدروس بمحضر السلطان عبد العزيز والسلطان عبد الحميد من سنة ١٢٩٢ إلى سنة ١٣٢٤. عين سنة ١٢٩٢ عضوًا في مجلس التدقيقات الشرعية، وعين وكيل الدرس ورئيس امتحان القراء. وفي سنة ١٣١٢ أصبح رئيس قضاة العسكر في الأناضول، توفي في إستنبول، ودفن في مقبرة الفاتح. من مؤلفاته: رسائل التقرير والأسئلة والأجوبة بحضور السلطان، تحتفظ مكتبة السليمانية بنسخة منه بخط المؤلف. ٤. حسن حلمي أفندي: هو الشيخ حسن حلمي بن أمين أفندي (١٢٥١ - ١٣٢١) بدأ دراسته وهو في سنة الثانية عشرة في إستنبول على الشيخ شريف أفندي ودرس بعد ذلك في مدرسة الفاتح. عمل مقررًا في مدرسة الفاتح، وتولى منصب قاضي عسكر الأناضول وروملي. وحضر الدروس السلطانية كمخاطب من سنة ١٢٩٦ إلى سنة ١٣١٣ وكمقرر بعدها إلى سنة ١٣٢٠ .. توفي في إستنبول ودفن في مقبرة الفاتح.

стр. 203

الفصل التاسع: اعتناء المسلمين بالجامع الصحيح من المتفق عليه بين العلماء أنه لم يحظ كتاب بعد كتاب الله تعالى بمثل ما حظي به الجامع الصحيح للإمام البخاري من احتفاءٍ واعتناء واهتمام في جوانب متعددة منها: الرواية والسرد، والشرح، والنسخ، والتذهيب. خدمة الجامع الصحيح بالمؤلفات: فقد كتب عليه نحو مائة شرح، وألفت الكتب في تراجم رجاله وضبط أسمائهم، وفي وصل معلَّقاته، وحل مغلقاته، وشرح غوامض عباراته، وإعراب المشكل من كلماته، وتلخيصه واختصاره، وترتيب أحاديثه، وتأليف المستخرجات عليه أي استخراج أحاديثه بغير أسانيده، وشرح ترجمات أبوابه، وبيان الأسانيد التي يُروى بها، وشرح آخر حديث منه في الختم، وإعداد الفهارس لأحاديثه ولرواته، وغير ذلك. وقد جمع صديقنا العلامة السيد محمد عصام عرار في كتابه: (إتحاف القاري بجهود وأعمال العلماء حول صحيح البخاري) أسماء مائتين وخمسين كتابًا ونيفًا، هي غيض من فيض المؤلفات المتتالية حول الإمام البخاري وصحيحه. ختم الجامع الصحيح في رمضان: وقد جرت عادة العلماء في حواضر الإسلام الكبرى بغداد ودمشق وإستنبول والقاهرة وتونس وفاس ومراكش وغيرها على قراءة الجامع الصحيح في الأشهر الثلاثة رجب وشعبان ورمضان، أو في رمضان وحده. وتقام عند الختم الولائم والاحتفالات، وتُلقى الخطب والقصائد، ويحضر العلماء والكبراء، وفي بعض البلاد كالمملكة المغربية

стр. 204

في ظل الدولة العلوية وتونس أيام الدولة الحفصية، يحضر السلطان مجلس الختم بنفسه، ويوزع العطايا على العلماء. وكانت هذه العادة منتشرة في دمشق وبغداد والقاهرة وإستنبول وقونية وطرابلس والجزائر ومعظم المدن الكبرى في المغرب. وربما كانت هذه العادة قد بدأت في مدينة إشبيلية بالأندلس، في أوائل القرن السادس الهجري.، على يد الإمام القاضي أبي الحسن شريح بن محمد بن شريح الإشبيلي (٤٥١ - ٥٣٩). يقول أبو عبد الله محمد بن عبد الله ابنُ الأبَّار (٥٩٥ - ٦٥٨) في ترجمة الإمام الحافظ العلامة المقرئ أبي محمد عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عبيد الله الرُّعَيني الحَجْري (٥٠٥ - ٥٩١) تلميذ القاضي أبي بكر ابن العربي (-٥٤٣) من كتاب التكملة لكتاب الصلة: "وقَرأ على شُريحٍ صحيح البخاري في رمضان سنة ٥٣٤، وحكى أنه قرأه في إحدى وعشرين دُولةً [أي نَوبةً]. قال: وقد اجتمع للسماعِ نحو ثلاثمائة من أعيان طلبة البلاد. وكان شريح ﵀ بطول العمر قد انفرد بعلو الإسناد، لسماعه إياه من أبيه وأبي عبد الله بن منظور عن أبي ذرٍّ، فكان الناس يرحلون إليه بسببه، وقد كان عيَّن لقراءته شهر رمضان، فيكثر الازدحام عليه في هذا الشهر كل سنة، ويتواعد أهل الأقطار المتباعدة للاجتماع فيه عنده. وكان أبو عبد الله النميري الحافظ موعودًا بقراءته في تلك السنة، فارتُقب مقدمُه من غرناطةَ بلده، والناس مجتمعون للسماع، فلم يصل لعذر منعه. فحظي ابن عبيد الله [المترجم] بهذه القراءة، ويقال إنه نُصب له كرسيٌّ يقعد عليه للإسماع. وشُهرت [أي هذه القراءة] لكثرة من رحل من سامعيها ومن حدث بها بعد ذلك". ومما يتعلق بهذا البحث ختم الصحيح يوم المولد النبوي، فقد كان بعض العلماء قديمًا

стр. 205

يقسم صحيح البخاري إلى أجزاء يخرجها في يوم المولد النبوي الشريف، وتوزع على الحاضرين بعد الانتهاء من ختمات القرآن الكريم، فيقرأ كلٌّ قسطًا، ثم يختم الشيخ. وممن كان يفعل ذلك كل سنة السيد محمد بن جعفر الكتاني. قراءة الجامع الصحيح عند الخطوب: عادة قراءة صحيح البخاري بنية تفريج الكروب قديمة، وقد اشتغل العلماء بقراءته عند الخطوب المُلِمَّة والشدائد المُدْلَهِمَّة، كأوقات الوباء، وعند هجوم الأعداء، وعند القحط. قال الإمام عبد الله ابن أبي جمرة (-٦٧٥): "إنَّ صحيح البخاريَّ ما قُرئ في شدَّةٍ إلَّا فُرِجت، ولا رُكِبَ في مركبٍ فغرق. وكان [البخاري] مجابَ الدعوة، وقد دعا لقارئه. وقال العلامة الإمام عبد الحق ابن سيف الدين الدهلوي (٩٥٩ - ١٠٥٢) فيما نقله عنه السيد صديق حسن خان (-١٣٠٧).: "قرأ كثيرٌ من المشايخ والعلماء والثقات صحيح البخاري لحصول المرادات، وكفاية المهمات.، وقضاء الحاجات، ودفع البليات، وكشف الكربات، وصحة الأمراض، وشفاء المرضى، عند المضايق والشدائد، فحصل مرادهم.، وفازوا بمقاصدهم، ووجدوه كالترياق مجربًا .. وقد بلغ هذا المعنى عند علماء الحديث مرتبة الشهرة والاستفاضة". ولعل أصل ذلك ما روي أن قحطًا أصاب سمرقند في بعض الأعوام، فاستسقى الناس مرارًا، فلم يُسقوا. فعرض رجل صالح على قاضي سمرقند أن يخرج مع الناس إلى قبر الإمام البخاري بخرتنك، فيستسقون عنده، فخرج القاضي، واستسقى، وبكى الناس عند القبر، وتشفعوا بصاحبه، فأرسل الله السماء بماء غزير، اضطروا من أجله للإقامة بخرتنك عدة أيام. ومن هذا الباب ما روي أن أبا القاسم عبد العزيز بن موسى العبدوسيَّ الفاسيَّ

стр. 206

(-٨٣٧): قرأ صحيح البخاري في يوم واحد وقت حصار فاسٍ، ونسخَ من صحيح البخاري ثمانيَ نسخٍ. ومن أسباب النصر على البرتغال في معركة وادي المخازن الشهيرة في المغرب سنة ٩٨٦ للهجرة أن الناس اجتمعوا في جامع المنصور بمراكش وقرأوا مائة ختمة من القرآن الكريم وقرأوا صحيح البخاري. وروي عن الشيخ أصيل الدين عبد الله بن أحمد الحسيني الإيجي القادري (٨٤٥ - ٩٠٤) قوله: "قرأت صحيح البخاري نحو مائة وعشرين مرة، في الوقائع والمهمات لنفسي وللناس الآخرين، فبأي نية قرأته حصل المراد وكفى المطلوب". وحكى المؤرخ عبد الرحمن الجَبَرتيُّ (١٢٦٧ - ١٢٣٧) أنه لما دخل الفرنسيون مصر كان علماء الأزهر يجتمعون كل يوم يقرأون صحيح البخاري. ومن القصص التي حدثت في مصر ورواها الشيخ محمد سليمان نائب المحكمة الشرعية بمصر في كتابه (من أخلاق العلماء) شفاهًا أنه لما وقعت الحرب بين مصر والحبشة في زمن الخديوي إسماعيل، وتوالت الهزائم على مصر، لوقوع الخلاف بين قواد جيوشها، ضاق صدر الخديوي بذلك، فركب يومًا مع شريف باشا وهو مُحْرَجٌ، فأراد أن يفرِّج عن نفسه، فقال لشريف باشا: - ماذا تصنع حينما تُلِمُّ بك مُلِمَّةٌ تريد أن تدفعها؟ فقال: - يا أفندينا، إن الله عوَّدني إذا حاق بي شيءٌ من هذا أن ألجأ إلى صحيح البخاري يقرؤه لي علماءُ أطهارُ الأنفاس فيفرِّجُ الله عني. قال فكلم شيخَ الأزهر، وكان الشيخ مصطفى العَروسي الذي تولى المنصب بين سنتي (١٢٨١ - ١٢٨٧)، فجمع له من صلحاء العلماء جمعًا، أخذوا يتلون صحيح البخاري أمام القبلة القديمة في الأزهر.

стр. 207

ومع ذلك ظلت أخبار الهزائم ظلت تتوالى، فذهب الخديوي ومعه شريف باشا إلى العلماء وقال لهم: - إما أن هذا الذي تقرأونه ليس بصحيح البخاري، أو أنكم لستم العلماء الذين نعهدهم من رجال السلف الصالح، فإن الله لم يدفع بكم ولا بتلاوتكم شيئًا .. فوجم العلماء لذلك، فابتدره عالم من آخر الصف وقال له: - منك يا إسماعيل، فإنا روينا عن النبي ﷺ أنه قال: «لتأمُرُنَّ بالمعروف، ولتَنْهَوُنَّ عن المنكر، أو ليُسَلِّطَنَّ اللهُ عليكم شرارَكم فيدعو خيارُكم فلا يُستجاب لهم». فزاد وجوم المشايخ، وانصرف الخديوي ومعه شريف باشا، ولم ينبسا بكلمة. وأخذ بعض العلماء يلومون القائل ويؤنبونه. فبينما هم كذلك، إذا بشريف باشا قد عاد يسأل: أين الشيخ القائل للخديوي ما قال؟ فقال: أنا. فأخذه وقام. وانقلب العلماء بعد أن كانوا يلومون الشيخ يودعونه وداع من لا يأمُلون أن يرجع. وسار شريف باشا بالشيخ إلى أن دخلا على الخديوي في قصره.، فإذا به قاعد في البهو، وأمامه كرسيٌّ أجلسَ عليه الشيخَ، وقال له: أعد يا أستاذ ما قلته لي في الأزهر، فأعاد الشيخ كلمته، وردد الحديث وشرحه. فقال له الخديوي: وماذا صنعنا حتى ينزل بنا هذا البلاء؟ فقال له: يا أفندينا، أليست المحاكم المختلطة قد فُتحت بقانون يبيح الربا؟ أليس الزنا برخصة؟ أليس الخمر مباحًا؟ أليس أليس، وعدد له منكراتٍ تجري بلا إنكار، وقال: فكيف تنتظر النصر من السماء؟ فقال الخديوي: وماذا نصنع وقد عاشرنا الأجانب، وهذه مدنيتهم.؟ قال: إذن، فما ذنب البخاري وما حيلة العلماء! ففكر الخديوي مليًّا، وأطرق طويلًا ثم قال: صدقت، صدقت، وأمر فرُتبت له في الرزنامجة ثلاثون جنيهًا.

стр. 208

وعاد الشيخُ بعد هذا إلى الأزهر، وإخوانه قد يئسوا منه كأنما وُلد من جديد. وَلَعُ العلماء بقراءة الجامع الصحيح: وولِع بعض العلماء بقراءة صحيح البخاري وإقرائه، حتى تجاوزوا الحد المعهود والقدر المعتاد في ذلك.، منهم: - الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (-٤٦٣): قرأ صحيح البخاري على إسماعيل بن أحمد الحيري سنة ٤٢٣ في ثلاثة مجالس، مجلسان في ليلتين، والثالث في يوم وليلة، والحيري سمعه من الكُشْمِيهَنِيِّ عن الفربري. وقرأ الخطيب البغدادي صحيح البخاري أيضًا على كريمة بنت أحمد المروزية في مكة في خمسة أيام. - الإمام أبو بكر ابن عطية الغرناطي (٤٤١ - ٥٤٢): روي عنه أنه كرر صحيح البخاري سبعمائة مرة. - يونس بن يحيى الهاشمي القصار (-٦٠٨): حدَّث بصحيح البخاري ستا وثلاثين مرةً. - الملك الأشرف مُظفَّر الدين موسى بن الملك العادل محمدِ بن أيوبَ (-٦٣٥): سمع صحيح البخاري بقراءة أبي عبد الله الحسين بن المُبارك الزَّبيدي الرَّبَعِي في ثمانية أيام .. - أبو عمرو عثمان بن محمد التوزري المالكي (-٧١٣): قرأ صحيح البخاري على أكثر من ثلاثين شيخًا. - المُسْنِدُ المُعَمَّر أبو العباس أحمد بن أبي طالب الصالحيُّ الحجار المعروف بابن الشِّحْنة (٦٢٤ - ٧٣٠): سمع صحيح البخاري على أبي عبد الله الحسين بن المُبارك الزَّبيديِّ الرَّبَعِيِّ سنة ٦٣٠، وظهر سماعه سنة ٧٠٦، فقُرئ عليه صحيح البخاري أزيد

стр. 209

من سبعين مرة. وبارك الله تعالى له في عمره، فعاش بعد ذلك زمنًا متفردًا بعلو الإسناد، ورحل الناس إليه.، ونال غاية العز. ومن لطائف ما جرى له أن قرأ البخاري سنة ٦٣٠ وأقرأه بعد مائة سنة في سنة ٧٣٠، وهي السنة التي توفي فيها. - شهاب الدين أحمد بن عثمان ابن الكُلُوتاتيُّ الحنفي (٧٦٢ - ٨٣٥): قال أبو الفضل العسقلاني: "ثم حُبِّبَ إليه طلبُ الحديث، فابتدأ في القراءة من سنة تسع وسبعين وهَلُمَّ جَرَّا، ما فَتَرَ ولا وَنى، فلعله قرأ البخاري أكثر من أربعين مرةً". وذكر غيره أنه قرأه ستين مرة. والكُلُوتات: قلانسُ كانت تلبسُها الجنود، وله عدة سماعاتٍ على نسخة الشهاب النويري الشهيرة من الصحيح المحفوظة في مكتبة كوبريلي في إستنبول. - جلال الدين أسعد بن محمد الشيرازي الحنفي (-٨٠٣): من تلاميذ شمس الدين محمدِ بن يوسفَ الكِرْمانيِّ الحنفي (-٧٨٦)، قال ابن العماد: "وقرأ عليه صحيح البخاري أكثر من عشرين مرة، ويكتبُ خطًّا حسنًا، كتب البخاري في مجلد، وأخرى في مجلدين". - زين الدين أبو بكر بن محمد بن عبد الله بن مُقْبِلٍ القاهريُّ الحنفي المعروف بالتاجر (-٨٠٥): قال الحافظ شمس الدين السخاوي في الضوء اللامع: "قال البرهان الحلبي: إنه أخبره أنه قرأ صحيح البخاري إلى سنة ثمانينَ: خمسًا وتسعين مرةً، وقرأه بعد ذلك مرارًا كثيرةً". - مجد الدين محمد بن يعقوبَ الفيروزآباديُّ (٧٢٩ - ٨١٧): نقل السيد عبد الحي الكتاني في فهرس الفهارس أنه قرأ صحيح البخاري أزيد من خمسين مرة. - برهان الدين إبراهيم بن مُحَمَّد الطرابلسي الشافعي (٧٥٣ - ٨٤١): قرأ صحيح البخاري أكثر من ستين مرةً.

стр. 210

- شيخ الإسلام السيد جعفر بن إدريس الكتاني الحسني (١٢٤٥ - ١٣٢٣) وهو شيخ شيخنا السيد المكي: ذكر السيد عبد الحي الكتاني في فهرس الفهارس أنه ختم الصحيح بالزاوية الكتانية بفاس أزيد من عشرين مرة. وقد حضر عليه حفيده شيخنا مفتي المالكية بدمشق السيد محمد المكي بن سيدي محمد بن جعفر (١٣١٢ - ١٣٩٣) الصحيح مرارًا، وأجازه جده عامة، وحصل له الفخر بذلك العلو، إذ عاش بعد جده سبعين سنةً، وقد أجازنا السيد محمد المكي ثلاث مرات وسمعنا منه عددًا من المسلسلات، وحضرنا ما لا يُحصى من مجالسه، والفضل في ذلك لوالدنا نادرة عصره العلامة المحقق الشيخ إبراهيم اليعقوبي رحمه الله تعالى الذي اعتنى بنا منذ الصغر، فأحضرنا خلال صبانا مع شيوخه وأصحابه، وأفادنا هذه السماعات والإجازات، فنسأل الله تعالى أن يجزيه عنا خير الجزاء، وأن يزيد في حسناته، ويرفع من درجاته، إنه سميع مجيب. رواية الصغار لصحيح البخاري: ويندرج في هذا الاعتناء حرص الآباء على حضور أولادهم مجالس سماع الصحيح، يرجون لهم بذلك بركة السماع، وحسن الذكر، وبقاء الأُحدوثة، وعلى ذلك شواهد كثيرة، لعل أشهرها ما في إسناد البخاري من طريق أبي العباس أحمد بن أبي طالب الصالحي الحجار الشهير بابن الشِّحنة (٦٢٤ - ٧٣٠) من عجائب: فقد سمعه الحجار على سراج الدين أبي عبد الله الحسين بن المبارك بن الزَّبيدي (٥٤٥ - ٦٣١) في شوالٍ سنة ثلاثين وستمائةٍ وهو ابن ست سنين. وسمعه الزبيدي على أبي الوقت عبد الأول بن عيسى بن شُعيبٍ السِّجْزِيِّ الهروي الصوفي (٤٥٨ - ٥٥٣) في آخر سنة اثنتين وأول سنة ثلاث وخمسمائةٍ وهو دون الثامنة. وسمعه أبو الوقت على أبي الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر الداودي (٣٧٤ - ٤٦٧) وهو ابن سبع سنين. وسمعه الداودي على أبي

стр. 211

محمد عبد الله بنُ أحمدَ بنِ حَمُّويَه السَّرَخْسِيِّ (٢٩٣ - ٣٨١) في صفر سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة وهو ابن ست سنين. رواية النساء لصحيح البخاري: وقد شاركت النساء الرجال في رواية الصحيح، وقلَّما يخلو عصر من امرأة مسندة سمعت الصحيح، منهن: خديجة بنت عبد الله بن سعيد الشنتجيالي الأندلسية سمعت الصحيح مع أبيها من أبي ذر الهروي ذكرها ابن بشكوالٍ في الصلة. ومسندة أصبهان أم البهاء فاطمة بنت محمد بن أبي سعد ابن الحسن بن علي البغدادي (-٥٣٩).، حدث عنها السمعاني وابن عساكر. وهدية بنت عبد المجيد بن سعد المقدسي، سمعت الصحيح من الزبيدي. والمسندة الجليلة الشهيرة عائشة بنت عبد الهادي المقدسية (-٨١٦) سمعت الصحيح على الحجار، كانت أسند أهل الأرض في عصرها، ونزل الناس بموتها درجة. والشيخة الأصيلة المعمرة أم الخير أمة الخالق (٨١١ - ٩٠٢) وهي آخر من يروي البخاري عن أصحاب الحجار. كرسي صحيح البخاري: ومن جملة مظاهر الاهتمام والاعتناء بصحيح البخاري إقامةُ الكراسيِّ الخاصة لتدريس الصحيح، وكانت هذه الكراسيُّ وظائفُ ثابتةٌ، لها أوقاف مستمرةً، كلما مات عالم عُين مكانه آخر، ويكون عادةً أعلم علماء البلدة. ومن الأمثلة على ذلك كرسيُّ صحيح البخاريِّ بشرحه فتح الباري في جامع القرويين، أنشأه السلطان أبو العباس أحمد بن محمد بن الشيخ الوطاسي، وحبَّس عليه نسخةً من فتح الباري مكتوبةً بخط اليد منقولة من نسخة الحافظ العسقلاني، قال الدكتور يوسف الكتاني: "وما تزال وثيقةُ التحبيس محفوظةً بخزانة القرويين تحت رقم (١٠٠)

стр. 212

إلى الآن. وممن كان يدرِّس على هذا الكرسي الإمام عبد الواحد بن أحمد الوَنْشَريسيُّ (-٩٥٥)، ومحمد المهدي بن محمد الطالب بن سودة (-١٢٩٤). وكان في جامع القرويين كرشيٌّ آخر للحديث تأسس في بداية الدولة العلوية، وممن كان يواظب على تدريس صحيح البخاري فيه الشيخ أبو الفيض حمدون بن عبد الرحمن بن الحاج السُّلمي (-١٢٣٢) وابنه محمد الطالب (-١٢٧٣) الذي يروي عنه شيخنا السيد محمد المكي الكتاني بواسطة جده السيد جعفر بن إدريس، كما سيأتي. وكان في الزاوية الفاسية بمدينة فاس كرسيٌّ خاص بصحيح البخاري أسسه أبو المحاسن يوسف بن محمد الفاسي (-١٠١٣). ومن هذه الكراسيِّ في المغرب: كرسي البخاري بجامع الشرفاء بحيِّ المَوَّاسين في قلب مدينة مراكش أنشأه السلطان عبد الله الغالب السعدي (٩٣٣ - ٩٨٢). وكرسي البخاري بالجامع الكبير بمدينة تارودانت حاضرة منطقة سوس الشهيرة بالعلم والعلماء جنوبيَّ المملكة المغربية. وممن درَّس صحيح البخاري فيه الشيخ أبو زيد عبد الرحمن بن محمد التِّمْنَارْتِي (٩٧٤ - ١٠٦٠) صاحب ثبت (الفوائد الجمَّة في إسناد علوم الأمة). وقد حكى في ثبته كيف وشى به بعض الحساد إلى الأمير، ولكن الأمير أقره على قراءة البخاري، وقال للواشي: "دعه فإنما فعل صوابًا" .. وقد رجع المغرب في السنوات الأخيرة بتوجيهات من صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله إلى إحياء الكراسي العلمية لأمهات الكتب في سائر العلوم الشرعية، في مساجد المغرب الكبرى. ومن هذه الكراسيِّ المختصة بصحيح البخاري كرسي الجامع الأموي بدمشق تحت قبة النسر، وهي قبة شهيرة بناها ترتفع خمسة وأربعين مترًا عن أرض المسجد، ولم يكن

стр. 213

بناءٌ في دمشق يعلوها. وصفها ابن جُبيرٍ في رحلته فقال: "وأعظم ما في هذا الجامع المبارك قبة الرصاص المتصلة بالمحراب وسطه، ساميةٌ في الهواء، عظيمة الاستدارة، قد استقل بها هيكل عظيم هو غاربٌ لها، يتصل من المحراب إلى الصحن، وتحته ثلاث قباب ... ومن أي جهة استقبلت البلد ترى القبة في الهواء منيفة على كل علوٍّ كأنها معلقة من الجو". وأقدم من تولى هذا الكرسي شمس الدين محمد الميداني (-١٠٣٣)، ولكن اختصاص هذا المكان تحت القبة بتدريس الحديث قديم، فقد عقد الحافظ أبو الفضل العسقلاني في هذا المكان مجالس إملائه سنة ٨٣٦. وألف الشيخ عبد الرزاق البيطار كتابًا بعنوان: (نتيجة الفكْر فيمن درَّس تحت قبة النسر)، وألف الشيخ جمال الدين القاسمي كتاب: (اللف والنشر في طبقات المدرسين تحت قبة النسر). وقد تولاه ابتداءً من القرن الثالث عشر علماء آل الكزبري، يدرِّسون فيه الصحيح. منهم العلامة الشيخ أحمد مسلم الكزبري (١٢٤١ - ١٢٩٩)، وتولى وظيفة معيد درسه جماعة منهم: الشيخ صالح السمعوني الجزائري والد العلامة الشيخ طاهر الجزائري. وآخر من تولى هذا المنصب وقام به بحق هو المحدث الأكبر الشيخ محمد بدر الدين الحسني (١٢٦٧ - ١٣٥٤). ومما يدل على أن هذا الكرسي أُحدث في أيام العثمانيين أن مخصصاته كانت تُصرف من الدولة العثمانية، وكان راتب هذه الوظيفة خمسة وعشرين ليرة ذهبية.، وكان التعيين فيها يأتي بقرار من السلطان نفسه، لما لها من مكانة عالية، ومنزلة رفيعة. وكان بالجامع الكبير بمدينة حلبَ كرسيٌّ خاصٌّ لا يجلس عليه إلا مدرِّس صحيح البخاري، أشار إليه موفق الدين سبط ابن العجمي في تاريخ حلب.

стр. 214

جيش البخاري: روي أن سلطان المغرب المولى إسماعيل بن الشريف (-١٠٣٩) جد الأسرة العلوية بالمغرب اليوم كان شديد التعظيم لصحيح البخاري، ولشدة تعظيمه له أنه لما أسس جيشه الذي بلغ عدد جنوده مائةً وخمسين ألفًا سمَّى هذا الجيش: (عبيد البخاري). وسبب هذه التسمية فيما ذكره العلامة عبد الهادي التازي ﵀ أن السلطان المولى إسماعيل ﵀ عندما تَمَّ له تنظيمُ الجيش المذكور، جمع أفراده، وأحضر مخطوطةً من صحيح الإمام البخاري، وخطَب في الجيش قائلًا: "أنتم وأنا عبيدٌ لسُنَّة رسولِ الله ﷺ المجموعة في هذا الكتاب، فكلُّ ما أمر به نفعله.، وكل ما نهى عنه نتركه، وعليه نقاتل". وطلب إليهم القَسَمَ على ذلك على صحيح البخاريِّ فعاهدوه. ثم إنَّه أمر بالاحتفاظ بتلك المخطوطة وبحملها في الحروب أمامَ الجيش، تيمُّنًا بها وتبرُّكًا، فلهذا يحمل الجيش المحيط بملك المغرب إلى الآن اسم (البواخر) أو عبيد البخاري. ومن هنا أيضًا انتشرت عادة قراءة صحيح البخاري في القصور الملكيَّة خلال الأشهر الحُرُم. إقبال العوام على صحيح البخاري: ومن مظاهر اعتناء المغاربة بصحيح البخاري إقبال العوام على قراءته في القرى والبوادي بين العوام، يشهد لذلك ما ورد في استفتاء أرسل به العلامة أحمد بن عبد القادر التستاوي المغربي (-١١٢٧) للإمام عبد الملك بن محمد التاجَمُّوعْتِيِّ السجِلماسي (-١١١٨) في حكم قراءة صحيح البخاري بالخطأ واللحن قال فيه: "فإنا رأينا أناسًا في قرى البادية يحرصون على قراءة الجامع الصحيح للبخاري، ويرون ذلك من تعظيم شعائر الله، وهم لا يعرفون ما يلزمهم في دينهم، وإن رأوا مجلس فقه

стр. 215

يتعلمون منه أمر دينهم لا يعبأون بذلك، ويرون الحُرمةَ لقارئه سواء كان من أهل ذلك الشان إلخ". وجاء في جواب العلامة التاجَمُّوعْتِيِّ ما يؤكد انتشار قراءة صحيح البخاري في البوادي.: "وقد عمَّتِ البلوى وخصوصًا في قرى البوادي ومداشرها بتجاسُر الطلبة الذي يشارطونهم للائتمام بهم والنيابة في فصل بعض القضايا الشرعية بينهم على قراءة صحيح البخاري، ويرون الإمساك عن قراءته في شهر رمضان حسبما تقرر بذلك العرف في شهر رمضان بالديار المغربية نقصًا في حقهم، وغضًّا من منصبهم، فيُقْدمون على ما لا يحسنون ويبوؤون بعظيم". وسيأتي الاستفتاء والجواب في موضعهما بإذن الله تعالى، عند التحذير من اللحن في قراءة الحديث. وقد نقلنا السؤال والجواب من نسخة خطية في خزانتنا من كتاب نزهة الناظر وبهجة الغصن الناضر للعلامة التستاوي. اهتمام السلاطين بصحيح البخاري: ويتجلى اهتمام السلاطين بصحيح البخاري في عدة مظاهر، منها تكليف النساخ والمذهِّبين والمسفِّرين بكتابة أجمل نسخ صحيح البخاري، ليضعوها في خزائنهم. ومنها ما تقدم من تعيين كراسي صحيح البخاري. ومنها الاهتمام بقراءة صحيح البخاري، وعقد المجالس لذلك في القصور، ويأتي ملوك المغرب في طليعة ملوك الإسلام في هذا المجال، ولا يزالون يحافظون على عادة قراءة الصحيح في قصورهم، وعادة حمل صحيح البخاري في أسفارهم، ولا تعجب إذا علمت أنه ربما يكون من أهم أسباب نجاة الملك الحسن الثاني رحمه الله تعالى من الموت عند قيام الانقلابيين بقصف طائرته، أنه كان يحمل معه نسخة من صحيح البخاري.
следующие страницы →