Полный текст (291 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
محمد عبد الله بنُ أحمدَ بنِ حَمُّويَه السَّرَخْسِيِّ (٢٩٣ - ٣٨١) في صفر سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة وهو ابن ست سنين.
رواية النساء لصحيح البخاري:
وقد شاركت النساء الرجال في رواية الصحيح، وقلَّما يخلو عصر من امرأة مسندة سمعت الصحيح، منهن: خديجة بنت عبد الله بن سعيد الشنتجيالي الأندلسية سمعت الصحيح مع أبيها من أبي ذر الهروي ذكرها ابن بشكوالٍ في الصلة. ومسندة أصبهان أم البهاء فاطمة بنت محمد بن أبي سعد ابن الحسن بن علي البغدادي (-٥٣٩).، حدث عنها السمعاني وابن عساكر. وهدية بنت عبد المجيد بن سعد المقدسي، سمعت الصحيح من الزبيدي. والمسندة الجليلة الشهيرة عائشة بنت عبد الهادي المقدسية (-٨١٦) سمعت الصحيح على الحجار، كانت أسند أهل الأرض في عصرها، ونزل الناس بموتها درجة. والشيخة الأصيلة المعمرة أم الخير أمة الخالق (٨١١ - ٩٠٢) وهي آخر من يروي البخاري عن أصحاب الحجار.
كرسي صحيح البخاري:
ومن جملة مظاهر الاهتمام والاعتناء بصحيح البخاري إقامةُ الكراسيِّ الخاصة لتدريس الصحيح، وكانت هذه الكراسيُّ وظائفُ ثابتةٌ، لها أوقاف مستمرةً، كلما مات عالم عُين مكانه آخر، ويكون عادةً أعلم علماء البلدة.
ومن الأمثلة على ذلك كرسيُّ صحيح البخاريِّ بشرحه فتح الباري في جامع القرويين، أنشأه السلطان أبو العباس أحمد بن محمد بن الشيخ الوطاسي، وحبَّس عليه نسخةً من فتح الباري مكتوبةً بخط اليد منقولة من نسخة الحافظ العسقلاني، قال الدكتور يوسف الكتاني: "وما تزال وثيقةُ التحبيس محفوظةً بخزانة القرويين تحت رقم (١٠٠)
стр. 212
إلى الآن. وممن كان يدرِّس على هذا الكرسي الإمام عبد الواحد بن أحمد الوَنْشَريسيُّ (-٩٥٥)، ومحمد المهدي بن محمد الطالب بن سودة (-١٢٩٤).
وكان في جامع القرويين كرشيٌّ آخر للحديث تأسس في بداية الدولة العلوية، وممن كان يواظب على تدريس صحيح البخاري فيه الشيخ أبو الفيض حمدون بن عبد الرحمن بن الحاج السُّلمي (-١٢٣٢) وابنه محمد الطالب (-١٢٧٣) الذي يروي عنه شيخنا السيد محمد المكي الكتاني بواسطة جده السيد جعفر بن إدريس، كما سيأتي.
وكان في الزاوية الفاسية بمدينة فاس كرسيٌّ خاص بصحيح البخاري أسسه أبو المحاسن يوسف بن محمد الفاسي (-١٠١٣).
ومن هذه الكراسيِّ في المغرب: كرسي البخاري بجامع الشرفاء بحيِّ المَوَّاسين في قلب مدينة مراكش أنشأه السلطان عبد الله الغالب السعدي (٩٣٣ - ٩٨٢). وكرسي البخاري بالجامع الكبير بمدينة تارودانت حاضرة منطقة سوس الشهيرة بالعلم والعلماء جنوبيَّ المملكة المغربية. وممن درَّس صحيح البخاري فيه الشيخ أبو زيد عبد الرحمن بن محمد التِّمْنَارْتِي (٩٧٤ - ١٠٦٠) صاحب ثبت (الفوائد الجمَّة في إسناد علوم الأمة). وقد حكى في ثبته كيف وشى به بعض الحساد إلى الأمير، ولكن الأمير أقره على قراءة البخاري، وقال للواشي: "دعه فإنما فعل صوابًا" ..
وقد رجع المغرب في السنوات الأخيرة بتوجيهات من صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله إلى إحياء الكراسي العلمية لأمهات الكتب في سائر العلوم الشرعية، في مساجد المغرب الكبرى.
ومن هذه الكراسيِّ المختصة بصحيح البخاري كرسي الجامع الأموي بدمشق تحت قبة النسر، وهي قبة شهيرة بناها ترتفع خمسة وأربعين مترًا عن أرض المسجد، ولم يكن
стр. 213
بناءٌ في دمشق يعلوها. وصفها ابن جُبيرٍ في رحلته فقال: "وأعظم ما في هذا الجامع المبارك قبة الرصاص المتصلة بالمحراب وسطه، ساميةٌ في الهواء، عظيمة الاستدارة، قد استقل بها هيكل عظيم هو غاربٌ لها، يتصل من المحراب إلى الصحن، وتحته ثلاث قباب ... ومن أي جهة استقبلت البلد ترى القبة في الهواء منيفة على كل علوٍّ كأنها معلقة من الجو".
وأقدم من تولى هذا الكرسي شمس الدين محمد الميداني (-١٠٣٣)، ولكن اختصاص هذا المكان تحت القبة بتدريس الحديث قديم، فقد عقد الحافظ أبو الفضل العسقلاني في هذا المكان مجالس إملائه سنة ٨٣٦. وألف الشيخ عبد الرزاق البيطار كتابًا بعنوان: (نتيجة الفكْر فيمن درَّس تحت قبة النسر)، وألف الشيخ جمال الدين القاسمي كتاب: (اللف والنشر في طبقات المدرسين تحت قبة النسر).
وقد تولاه ابتداءً من القرن الثالث عشر علماء آل الكزبري، يدرِّسون فيه الصحيح. منهم العلامة الشيخ أحمد مسلم الكزبري (١٢٤١ - ١٢٩٩)، وتولى وظيفة معيد درسه جماعة منهم: الشيخ صالح السمعوني الجزائري والد العلامة الشيخ طاهر الجزائري.
وآخر من تولى هذا المنصب وقام به بحق هو المحدث الأكبر الشيخ محمد بدر الدين الحسني (١٢٦٧ - ١٣٥٤). ومما يدل على أن هذا الكرسي أُحدث في أيام العثمانيين أن مخصصاته كانت تُصرف من الدولة العثمانية، وكان راتب هذه الوظيفة خمسة وعشرين ليرة ذهبية.، وكان التعيين فيها يأتي بقرار من السلطان نفسه، لما لها من مكانة عالية، ومنزلة رفيعة.
وكان بالجامع الكبير بمدينة حلبَ كرسيٌّ خاصٌّ لا يجلس عليه إلا مدرِّس صحيح البخاري، أشار إليه موفق الدين سبط ابن العجمي في تاريخ حلب.
стр. 214
جيش البخاري:
روي أن سلطان المغرب المولى إسماعيل بن الشريف (-١٠٣٩) جد الأسرة العلوية بالمغرب اليوم كان شديد التعظيم لصحيح البخاري، ولشدة تعظيمه له أنه لما أسس جيشه الذي بلغ عدد جنوده مائةً وخمسين ألفًا سمَّى هذا الجيش: (عبيد البخاري).
وسبب هذه التسمية فيما ذكره العلامة عبد الهادي التازي ﵀ أن السلطان المولى إسماعيل ﵀ عندما تَمَّ له تنظيمُ الجيش المذكور، جمع أفراده، وأحضر مخطوطةً من صحيح الإمام البخاري، وخطَب في الجيش قائلًا:
"أنتم وأنا عبيدٌ لسُنَّة رسولِ الله ﷺ المجموعة في هذا الكتاب، فكلُّ ما أمر به نفعله.، وكل ما نهى عنه نتركه، وعليه نقاتل". وطلب إليهم القَسَمَ على ذلك على صحيح البخاريِّ فعاهدوه. ثم إنَّه أمر بالاحتفاظ بتلك المخطوطة وبحملها في الحروب أمامَ الجيش، تيمُّنًا بها وتبرُّكًا، فلهذا يحمل الجيش المحيط بملك المغرب إلى الآن اسم (البواخر) أو عبيد البخاري. ومن هنا أيضًا انتشرت عادة قراءة صحيح البخاري في القصور الملكيَّة خلال الأشهر الحُرُم.
إقبال العوام على صحيح البخاري:
ومن مظاهر اعتناء المغاربة بصحيح البخاري إقبال العوام على قراءته في القرى والبوادي بين العوام، يشهد لذلك ما ورد في استفتاء أرسل به العلامة أحمد بن عبد القادر التستاوي المغربي (-١١٢٧) للإمام عبد الملك بن محمد التاجَمُّوعْتِيِّ السجِلماسي (-١١١٨) في حكم قراءة صحيح البخاري بالخطأ واللحن قال فيه:
"فإنا رأينا أناسًا في قرى البادية يحرصون على قراءة الجامع الصحيح للبخاري، ويرون ذلك من تعظيم شعائر الله، وهم لا يعرفون ما يلزمهم في دينهم، وإن رأوا مجلس فقه
стр. 215
يتعلمون منه أمر دينهم لا يعبأون بذلك، ويرون الحُرمةَ لقارئه سواء كان من أهل ذلك الشان إلخ".
وجاء في جواب العلامة التاجَمُّوعْتِيِّ ما يؤكد انتشار قراءة صحيح البخاري في البوادي.: "وقد عمَّتِ البلوى وخصوصًا في قرى البوادي ومداشرها بتجاسُر الطلبة الذي يشارطونهم للائتمام بهم والنيابة في فصل بعض القضايا الشرعية بينهم على قراءة صحيح البخاري، ويرون الإمساك عن قراءته في شهر رمضان حسبما تقرر بذلك العرف في شهر رمضان بالديار المغربية نقصًا في حقهم، وغضًّا من منصبهم، فيُقْدمون على ما لا يحسنون ويبوؤون بعظيم".
وسيأتي الاستفتاء والجواب في موضعهما بإذن الله تعالى، عند التحذير من اللحن في قراءة الحديث. وقد نقلنا السؤال والجواب من نسخة خطية في خزانتنا من كتاب نزهة الناظر وبهجة الغصن الناضر للعلامة التستاوي.
اهتمام السلاطين بصحيح البخاري:
ويتجلى اهتمام السلاطين بصحيح البخاري في عدة مظاهر، منها تكليف النساخ والمذهِّبين والمسفِّرين بكتابة أجمل نسخ صحيح البخاري، ليضعوها في خزائنهم. ومنها ما تقدم من تعيين كراسي صحيح البخاري. ومنها الاهتمام بقراءة صحيح البخاري، وعقد المجالس لذلك في القصور، ويأتي ملوك المغرب في طليعة ملوك الإسلام في هذا المجال، ولا يزالون يحافظون على عادة قراءة الصحيح في قصورهم، وعادة حمل صحيح البخاري في أسفارهم، ولا تعجب إذا علمت أنه ربما يكون من أهم أسباب نجاة الملك الحسن الثاني رحمه الله تعالى من الموت عند قيام الانقلابيين بقصف طائرته، أنه كان يحمل معه نسخة من صحيح البخاري.
стр. 216
ومن هذه الأمثلة: لما أتمَّ السلطان الحسن الأول (-١٣١١) رحمه الله تعالى بناء قصر الرباط وأراد افتتاحه أقام احتفالًا عظيمًا تم فيه ختم صحيح البخاري. ولما أراد الاحتفال بعيد الفطر سنة ١٢٩٠، أقام احتفالًا مَهيبًا ختم فيه صحيح البخاري، وحضره العلماء والأعيان، وقد ألقيت فيه بهذه المناسبة أكثر من خمسين قصيدة.
ولما خرجت المسيرة الخضراء سنة ١٣٩٥ لاسترجاع الصحراء المغربية أمر الملك الحسن الثاني (١٣٤٨ - ١٤٢٠) رحمه الله تعالى بعقد مجالس صحيح البخاري رجاء بركته، فتم ختم الصحيح مئات المرات في جميع أنحاء المغرب في مدة وجيزة.
ولا يزال صحيح البخاري يُقرأ في المغرب كل عام في رمضان في معظم مساجد المغرب الكبرى في سائر المدن، ويختم ليلة القدر، ويحضر أمير المؤمنين الملك محمد السادس مجلس الختم، حيث يقوم أحد كبار العلماء من الذين قرأوا الصحيح خلال الشهر بختم الصحيح بين يدي الملك، فيشرح حديث الختم فيه، ويشتغل الحاضرون بالتسبيح والتهليل والدعاء. وهي سنةٌ حميدة اندثرت في العديد من البلاد الإسلامية، وبقي المغرب متمسكًا بها محافظًا عليها، وما هي إلا إحدى مآثر ملوك الدولة العلوية المجيدة.
стр. 217
الفصل العاشر: فوائد سماع كتب الحديث
ينقسم علم الحديث إلى شعبتين، الرواية، الدراية. ومن أصول علم الحديث رواية قراءة كتب السنة على الشيوخ سردًا دون شرح. وهي الطريقة التي وصلت إلينا بها كتب السنة المشهورة، وهي الطريقة التي كان يُروى بها حديث رسول الله ﷺ في القرون الأولى، ثم رُوي بها الموطأ للإمام مالك ثم صحيح البخاري وغيره. ولهذه الطريقة في السرد فوائد عظيمة وثمار وفيرة نوجزها في هذه السطور الآتية:
١. اتصال السند: بأقوى طرق تحمل الحديث، من السامع إلى النبيِّ ﷺ ، بحيث يصير السامع مرتبطًا بسلسلة من العلماء والمحدثين، كل واحد منهم تلقى العلم عن الشيوخ طبقة طبقة، إلى أتباع التابعين، فالتابعين، فالصحابةِ الكرام رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. وللسند في الإسلام أهمية كبرى، وهو خِصِّيصة من خصائص هذه الأمة. وقد ورد في فضل الإسناد ما لا يُحصى من النصوص، من أعظمها قول محمد بن سيرين فيما أخرجه الإمام مسلمٌ في مقدمة صحيحه: "الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء".
٢. تقوية الحفظ: والاستذكار للأحاديث، لأن سماعَ نصوص الأحاديث من الشيخ مع النظر في الكتاب يعين السامع على حفظ مكان الحديث وفي أي كتاب مرَّ عليه، أي يعرف مخرج الحديث، وهو باب نفيس قد يقضي الذي يطالع الكتب وحده دهورًا حتى يتمكن فيه. فالذي يسمع أحد كتب الحديث سيعرف إجمالًا ما مرَّ فيه من الأحاديث، وإن لم يحفظها عن ظهر غيب، فإذا سُئل بعد سنين عن حديث فإنه سيجيب السائل بأن الحديث ثابت وهو في كتاب كذا. وهذه فائدة عظيمة لطالب
стр. 218
العلم، توسع مداركه في الحديث. وكل ما يحتاج إليه من أجل ذلك هو أن يكون حاضرَ الذهن في مجالس سماع الحديث منتبهًا مستمعًا للقراءة بأذنيه، وناظرًا في الكتاب يتابع النصَّ بعينيه ..
٣. ضبط متون الأحاديث: وخصوصًا ما يشكل منها ضبطه من الغريب، فيعرف السامع وجه قراءته على الصواب. وهذا علمٌ عزيزٌ نادرٌ، لا يدرك بمجرد القراءة في الكتاب دون أستاذ، فالأستاذ هو الطبيب الذي يبين مواضع الإشكال، ويصحح مواضع الغلط. فإذا تصدر الطالب بعد ذلك للخطابة والوعظ والتدريس واستشهد بحديث قرأه على الوجه الصواب من اللغة العربية، سواء في بناء الكلمة من حيث اللغة والصرف، أو إعراب الكلمة من حيث النحو. ويتجنب بذلك اللحن في الحديث النبوي الشريف، وهو أمر شنيع، وقد كره المالكية في صلاة الجمعة إمامة الذي يلحن في الحديث الشريف، لأنه يحرف كلام النبي ﵊ وإن كان ذلك بغير قصد، لكنه تقصير يجب عليه استدراكه، وإنما يكون استدراكه قبل حلوله بقراءة كتب الحديث الشريف على الشيوخ الثقات الذين يضبطون. ومن هنا يتبين أن القراءة إذا لم يكن فيها ضبطٌ لا يُعْتَدُّ بها، ولا تُعْتَبَرُ سماعًا صحيحًا، لأن شرط السماع هو السماع على وجه الصواب. وفي آخر هذا الفصل مزيد بيان وإيضاح لهذه المسألة.
٤. ضبط أسماء الرواة: ومعرفة الأسماء وطبقات الشيوخ والتلاميذ، وضبط المشكل من أسماء الرواة، ومعرفة المختلف والمؤتلف، والمتفق والمفترق، وتمييز الصحابة من التابعين، ومعرفة من كان أبوه صحابيًّا، ومعرفة شيوخ كل مؤلف، ومعرفة الكُنى والألقاب، وغير ذلك مما يتعلق بالرواة والأسانيد.
وهذه منافع جمةٌ، وفوائد عظيمة، تطرق سمع الإنسان مرةً بعد مرةٍ، في كل كتاب من
стр. 219
كتب الحديث يقرأه. فإذا واصل ذلك، واجتمع لديه ذهن صافٍ، وفكر واعٍ، وقلب من مشاغل الدنيا خالٍ، فإنه يكتسب ملكةً في علم الرجال والأسانيد، تعينه على طلب علم علل الحديث.
٥. الاستزادة من العلم: ومن جملة فوائد سماع كتب الحديث الشريف على الشيوخ العلم الغزير الذي يستفيده السامع من الأحاديث التي تطرق سمعه، فإن النبي ﷺ لم يترك بابًا من أبواب العلم إلا تكلم فيه، وجميع ذلك متفرق في كتب السنة. فقارئ صحيح البخاري مثلًا يزداد علمًا في أبواب الفقه والتفسير والاعتقاد والآداب والفضائل، ويلتقط هذا العلم من أصح كتابٍ بمجرد السماع، ولا يحتاج في معظم ذلك إلى شرح.
٦. الاطلاع على أحوال النبي ﷺ -: ومن جملة فوائد سماع كتب الحديث الشريف على الشيوخ اطلاع السامع على أحوال النبي ﵊، وازدياد معرفته بدقائق حياته مع أهله ومع الصحابة الكرام، فإن أكثر الأحاديث تكشف عن جوانب من السيرة النبوية، وهي تقص حوادث جرت للصحابة مع النبي ﷺ . وكلما ازداد المسلم معرفةً بأحوال النبي ﷺ كلما ازداد محبة له، وتعلُّقًا به، وحرصًا على تعظيمه واتباع سنته.
٧. كثرة الصلاة على النبي ﷺ -: ومن جملة الفوائد كثرة الصلاة على النبي ﷺ كلما مرَّ اسمه، فإن منتهى كل إسناد إلى قول الراوي: عن رسول الله ﷺ أنه قال، ونحو ذلك. ولا شك أن الصلاة على النبي ﷺ من أفضل الأذكار، وأعظم القربات. وهو سبب لتفريج الهموم، ودفع البلاء، وتوسيع الأرزاق.
٨. سماع الحديث طاعة: ومن جملة الفوائد أن سماع الحديث طاعة لله تعالى من عدة
стр. 220
وجوه لأنه يدخل في باب طلب العلم، ويدخل في باب ذكر الله تعالى، ويدخل في باب الإعانة على إحياء السنة.
٩. الحصول على الإجازة: ومن جملة الفوائد الحصول على الإجازة العامة بالرواية، فقد جرت عادة الشيوخ على إجازة السامعين بالرواية عنهم عامةً، مع الإجازة الخاصة بالكتاب الذي سمعوه ..
١٠. التدرب على الصبر: ومن فوائد حضور مجالس الحديث النبوي الشريف تعلُّم الصبر على طلب العلم من الشيوخ والتدرب العملي عليه، فإن طلاب العلم في هذه الأيام لا يصبرون في الدروس طويلًا، خلافًا لما كان عليه أهل القرون السابقة من الجَلَد والصبر وعلو الهمة. وقد يُضطر الطالب في بعض مجالس السماع لأن يجلس خمس ساعات لا ينتقل فيها من مكانه، ولا يقوم إلا للوضوء أو الصلاة. والصبر على شدائد طلب العلم من أهم الخصال التي تؤهل الطالب لنيل المراتب العالية عند التصدر، فإنه يحتاج إلى الصبر على العامة، والصبر على إلحاح طلبة العلم، فينبغي أن يكون قدوة لهم في ذلك.
стр. 221
الفصل الحادي عشر: آداب رواية الحديث
فضيلة الأدب:
الأدب أفضل ما يتحلى به الإنسان، وأجملُ ما يتزين به بين الأنام، شهد الشرع والعقل بفضله، واتفقت الآراء والألسنة على شكر أهله. وأولى من تحلى بالأدب هم طلاب العلم الذين ينتسبون إلى الشريعة، ويشتغلون بطلب علومها. فإنهم في قادمات الأيام هم الأئمة والخطباء، والمدرسون والعلماء، والمفتون والقضاة، وهم الذين سيحملون هذه الأمانة من شيوخ عصرهم.، فأولى أن يعرفوا أصول طلب العلم، وأن يكونوا متأدبين بآدابه، متحلين بصفات العلماء الربانيين.
قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [سورة آل عمران: ٧٣]، والربانيون هم العلماء الفقهاء الحكماء الأتقياء، الذين يعملون بالعلم، ويُرَبُّون بصغار العلم قبل كباره.
وطلب العلم الشرعي الشريف عبادة يتقرب بها إلى الله تعالى، ولا يزال في كل عصر من العلماء الثقات عدول يحملون هذا العلم وينشرونه، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. وللعلم وطلبه أصول وقواعد وأسس ومناهج وآداب كادت في هذا العصر تضيع في خضم الجامعات وتهافت الناس على الشهادات.
وللأدب في طلب العلم فضيلةٌ كبرى ومزيةٌ عُظمى، ولذلك حرص عليه السلف الصالحون قال محمد بن سيرين: كانوا يتعلمون الهُدى كما يتعلمون العلم. وقال عبد اللّاه بن المبارك: لا ينبُل الرجل بنوعٍ من العلم ما لم يزيِّن عمله بالأدب. وقال بعضهم
стр. 222
لابنه: يا بني لأن تتعلم بابًا من الأدب أحبُّ إليَّ من أن تتعلم سبعين بابًا من أبواب العلم. وقد سمعنا العلامة الوالد الشيخ إبراهيم اليعقوبي ﵀ يقول: درهم علمٍ مع قنطار أدب أنفع للمرء من قنطار علمٍ مع درهم أدب. وفي معناه عن عبد الله بن المبارك: قال لي مخلد بن الحسين (١) (-١٩٦): نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من الحديث. وعن أبي زكريا يحيى بن محمد العنبري (-٣٤٤): علم بلا أدب كنار بلا حطب، وأدب بلا علم كروح بلا جسم.
آداب طلب العلم:
ومن الأوصاف الجامعة للعلم المتضمنة لما يُطلب فيه من الأخلاق والآداب ما رواه الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع عن سيدنا علي رضي اللّاه عنه أنه قال: "يا طالبَ العلمِ، إِن العلم ذو فضائلَ كثيرةٍ: فرأسُه التواضع، وعينه البَراءة من الحسد، وأذنه الفهم، ولسانه الصدق، وحِفظه الفحص، وقلبه حسنُ النية.، وعقله معرفة الأشياء والأمور الواجبة، ويده الرحمة، ورجله زيارة العلماء، وهمته السلامة، وحكمته الورع، ومستقرُّه النجاة، وقائده العافية، ومركبه الوفاء، وسلاحه لينُ الكلمة، وسيفه الرضى، وقوسه المداراة، وجيشه مجاورة العلماء، ومالُه الأدب، وذخيرته اجتناب الذنوب، وزاده المعروف وماؤه الموادعة، ودليله الهدى، ورفيقه صحبة الأخيار".
وألف العلماء في آداب طلب العلم مصنفات جليلة، ولنا كتاب في أصول طلب العلم وقواعده سميناه: نحت العلم، وكتاب: الجامع لآداب طلب العلم.
ولا شك أن آداب طلب العلم تتأكد في مجالس الحديث الشريف. فقد كان السلف رضي الله تعالى عنهم يعظمون حديث رسول الله ﷺ ويخصونه بمزيد من الأدب.
стр. 223
وأصل ذلك كله الكتاب والسنة. فمما ورد في الكتاب العزيز من الأمر بالتأدب مع النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [سورة الحجرات: ١ - ٢] وقوله ﷻ : ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [سورة الفتح: ٩]. ومما ورد في السنة في حديث جبريل ﵇.: «فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه». والأمثلة من أدب الصحابة مع النبي ﷺ أكثر من أن تحصى.
وممن عرف من السلف بزيادة تعظيم حديث النبي ﷺ : الخلفاء الأربعة وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر ثم أيوب السختياني ومالك بن أنس وعبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل والإمام البخاري. وأدركنا من مشايخنا ممن لهم تأكيد على آداب طلب العلم، واعتناء بتعظيم النبي ﷺ والدنا علامة الشام الشيخ إبراهيم اليعقوبي عليه رحمة الله تعالى والعلامة الشيخ محمدًا أبا اليسر عابدين والسيد محمد المكي الكتاني، وقبله والده محدث الدنيا السيد محمد بن جعفر الكتاني والمحدث الأكبر الشيخ محمد بدر الدين الحسني. ثم اندرس كثير من هذه الآداب لما صار العلم الشرعي الشريف بأيدي جماعات من الأحداث يتخذونه ذريعة إلى الدنيا، وتحولت الحلقات الدينية إلى صفوف دراسية، والإجازات العلمية إلى شهادات جامعية.
فما أحوجنا اليوم إلى إحياء هذه الآداب وقد رأينا من كان يعمل بها ونشأنا على التمسك بها، فما أخذناها من بطون الكتب، وإنما تلقيناها من أفواه الرجال أمرًا ونهيًا ونحن صبية صغار نجلس في حلق العلامة الوالد رحمه الله تعالى وأجزل له المثوبة
стр. 224
والأجر. وسنوجز فيما يلي بعض الآداب التي هي أشد تعلقًا بمجالس الحديث النبوي الشريف:
آداب مجالس الحديث:
١. إخلاص النية لله تعالى عند بدء السماع، فإنه أقرب للقبول عند الله تعالى، وأرجى للمأمول من رضاه وتوفيقه وثوابه.
٢. الاغتسال قبل المجلس، وأن يلبس أحسن ثيابه، ويتطيب، ويحافظ على الطهارة من الحدث والخبث خلال السماع. وأن يجددَ الوضوء حال التعب أو النعاس ليعود إلى نشاطه.
٣. السبق في الحضور إلى المجلس والتبكير إليه قبل حضور الشيخ، فإن التأخر يفوِّت على الإنسان بعض الكتاب فلا يصح إذ ذاك ادعاؤه لسماعه كلِّه.
٤. التواضع في الجلسة، وجمع الأطراف، وعدم الالتفات لغير حاجة. قال عبد الباسط العلموي (-٩٨١) في كتابه المعيد في أدب المفيد والمستفيد عند الحديث عن الأدب مع الشيخ: "وأن يجلس بين يديه متأدبًا بسكون وإطراق رأس وخضوع وتواضع وخشوع وجلوس الافتراش أو التورك ... ويتعاهد تغطية أقدامه وإرخاء ثيابه .. ولا يستند بحضرة الشيخ إلى حائط أو مخدة، ولا يعطي الشيخ جنبه ولا ظهره" ..
٥. السكينة والوقار تأدبًا مع النبي ﷺ وكلامه، فيتمثل السامع نفسه حاضرًا بين يدي النبي ﷺ .. ومن أعظم الأسباب التي تعين على رؤية النبي ﷺ في المنام حضور مجالس سماع الحديث النبوي الشريف، لما فيها من ترداد كلامه الشريف، ووصف أحواله، والصلاة والسلام عليه.
стр. 225
٦. من أدب المجلس تقديم آل البيت النبوي الشريف، فإنه كلام جدهم ﷺ وهم أولى الناس به.، وتقديم أولي الفضل من أهل العلم والصلاح والشيبة.
٧. من أدب المجلس أن لا يُقطع المجلس لدخول أحد من العظماء ولو كان شيخ الإسلام، وأن لا يقوم أحد للداخلين، فإن حديث النبي ﷺ أولى بالتعظيم وأعلى وأجل من أن يقطع لدخول زيد وخروج عمرو. ويتابع القارئ قراءته ويتابع الناس الإنصات. وينبغي أن يوكل الشيخ أحد الطلاب باستقبال أهل الفضل وإيصالهم إلى الأماكن التي تليق بهم، من غير أن يقوم أحد أو ينقطع المجلس.
٨. الإنصات حال قراءة الشيخ، وعدم المقاطعة، لئلا يفوته شيءٌ من الحديث الشريف.، ولكيلا يشوش على غيره، فإن من أدب العلم حسن الإنصات. ومجالس سماع الحديث ليست مجالس شرح وتعليق، وإنما هي مجالس رواية يُقرأ فيها الكتاب المقصود سردًا. ولذلك فوائد عظيمة تقدم الكلام عليها.
٩. أن يوجه نظره إلى الكتاب وقت القراءة، وإلى الشيخ عند الشرح والتعليق. وأن لا يتحدث مع من حوله، ولو لسؤال يتعلق بالدرس، فإن ذلك يفتح باب التشويش على نفسه وعلى الحاضرين.
١٠. أن لا يرفع صوته بالضحك إذا مرت طرفةٌ، أو مازح الشيخ الحاضرين، بل يحافظ على الصمت والسكينة والوقار.
١١. وجمع بدر الدين محمد بن إبراهيم ابن جماعة الكناني (-٧٣٣) بعض الآداب الأخرى في كتابه تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم فقال: "أن يجلس بين يدي الشيخ جِلسةَ الأدب كما يجلس الصبي بين يدي المُقرئ، أو متربعًا بتواضع
стр. 226
وخضوع.، وسكونٍ وخشوعٍ. ويصغي إلى الشيخ ناظرًا إليه، ويُقبل بكليته عليه، متعقلًا لقوله، بحيث لا يُحوجه إلى إعادة الكلام مرةً ثانية. ولا يلتفت من غير ضرورة، ولا ينظر إلى يمينه أو شماله أو فوقه أو قدامه بغير حاجة، ولا سيما عند بحثه له أو عند كلامه معه. فلا ينبغي أن ينظر إلا إليه. ولا يضطرب لضجة يسمعها أو يلتفت إليها، ولا سيما عند بحثه له، ولا ينفض كميه، ولا يَحْسِر عن ذراعيه، ولا يعبث بيديه أو رجليه أو غيرهما من أعضائه. ولا يضع يده على لحيته أو فمه أو يعبث بها في أنفه، أو يستخرج منها شيئًا. ولا يفتح فاه، ولا يقرع سنه، ولا يضرب الأرض براحته، أو يخط عليها بأصابعه، ولا يُشبِّك بيديه أو يعبث بأزراره. ولا يستند بحضرة الشيخ إلى حائط أو مخدة أو درابزينَ أو يجعل يده عليها، ولا يعطي الشيخ جنبه أو ظهره، ولا يعتمد على يده إلى ورائه أو جنبه، ولا يُكثر كلامه من غير حاجة، ولا يحكي ما يُضحك منه، أو ما فيه بذاءة، أو يتضمن سوء مخاطبة أو سوء أدبٍ".
ومنها أن يلقي السمع وهو شهيد لما يلقيه الشيخ، بحيث لا يحوجه إلى إعادة الكلام، ولا يلتفت عنه يمينًا وشمالًا وفوقًا وتحتًا وأمامًا ووراءً من غير ضرورة. ولا يضطرب لصيحة يسمعها، ولا يتكلم بيديه إلى وجه الشيخ وصدره، ولا يعبث بهما. ولا يضع يده على لحيته أو فمه أو يعبث بها في أنفه. ولا يشبك أصابعه، ولا يكثر التنحنح من غير حاجة، ولا يبصق ولا يمتخط ولا ينخع ما أمكنه. وإذا كان كذلك فليأخذها بمنديل ونحوه من فمه، ولا يتجشأ ولا يتمطَّى، ولا يكثر التثاؤب، وإذا تثاءب ستر فاه بعد رده جهده. وإذا عطس خفض صوته جهده، وستر وجهه بمنديل ونحوه .. ويكون ساكنا مطمئنًّا وقوًرا".
стр. 227
١٢. الصلاة على النبي ﷺ عند ذكر اسمه الشريف أو مرور ضمير يرجع إليه ﷺ ، والترضي عن الصحابة الكرام والسلام على آل بيت رسول الله ﷺ إذا مر ذكر أحدهم .. والتسبيح لله تعالى عند سماع أخبار المعجزات النبوية، والبشارات الربانية للمؤمنين. ويكون ذلك بصوت منخفض يسمعه من إلى جانبه.
١٣. جمع القلب والفكر، والانصراف إلى العلم بالكلية، وعدم الالتفات إلى ما يقطع المجلس من الأمور الدنيوية، كالهاتف فينبغي إغلاقه، وكالنظر في الساعة فإنه علامة على المَلل.
١٤. إحضار الكتاب والنظر فيه فإنه يعين على الحفظ، لاشتراك السمع والبصر معًا في التحمل.
١٥. توقير كتاب الحديث الشريف برفعه باليدين أو وضعه على كرسي يحمله. وليحذر طالب العلم من وضع الكتاب على الأرض لما فيه من الإهانة، وليتجنب وضعه على فخذيه لما فيه من الاستخفاف. وليطيِّب ظاهر الكتاب إن استطاع. وكذلك ينبغي أن يرفع القلم عن الأرض، بل يضعه على أذنه أو في مكان مرتفع. وللكتاب آداب واسعة ليس هذا مكان بسطها.
أهمية ضبط القراءة:
لا تتم لطالب الاستفادة من القراءة إلا بضبط نسخته التي يقرأ منها. فيجب عليه أن يضبط من الكلمات في نسخته بالحركات ما يحتاج للضبط مما لا يحفظ وجه الصواب في قراءته، وأن يصحح ما ضُبط خَطَأً لئلا ينسى ذلك من بعدُ فيلحنَ عند الإسماع، والعلم صيدٌ لا يقيده إلا الكتابة، ولينتفع بذلك من يملك الكتاب بعده أو يقرأ فيه.
стр. 228
والضبط هو أهم ما يستفيده طالب العلم من السماع، واتصالُ الإسناد بالسماع لا يفيد إذا أخل السامع بالضبط. والإخلال بالضبط داء سرى في بعض من يتصدر لإسماع الحديث من غير أن يضبطه حال سماعه، فيؤدي إلى أن يحمل طلابه الخطأ عنه .. وفي اللحن في الحديث النبوي الشريف إساءة أدب مع النبي ﷺ ، بل فيه ما هو أشد خطرًا وهو نسبة الكذب إلى سيدنا رسول الله ﷺ بنسبةِ ما لم يقله إليه، كما بيناه من قبل.
ولا يكفي في صحة السماع الاعتمادُ على ضبط المصححين والمحققين في الطبعات الحديثة، مهما بلغت من الصحة والإتقان، ومهما اجتهد المحقق في الضبط والتصحيح، بل لابد لطالب الحديث من ضبط نسخته بقلمه، ويتأكد هذا إذا لم يعرف الطالب أساليب العرب أو لم يتمكن من علوم العربية، ولم يتمرس بأساليب العرب في البلاغة، فما بالك إذا اجتمع مع هذا ضعف الحفظ وكثرة الإهمال.
والأَولى أن تكون نسخة الطالب مقابلةً على نسخة الشيخ أو فرعًا عنها إن كانت خطيةً، أو نسخة من الطبعة عينها التي يقرأ منها الشيخ، فإنه بذلك يروي ما سمعه من الشيخ مطابقًا لما في نسخته. فإذا اختلفت نسخته، ورأى سَقْطًا أو زيادةً، أو تقديمًا وتأخيرًا، وجب عليه أن يُثبت في حاشية كتابه الصواب وفق ما سمعه من شيخه، ويرمزُ لنسخة شيخه بحرف مناسب، ويَكتب اصطلاحَه في أول الكتاب تيسيرًا على من يمسكه ويراجع فيه من بعده.
قواعد الضبط والتصحيح:
وللتصحيح وكتابة الحواشي أصولٌ وآداب عند العلماء تحفظ للكتاب جماله، وتزيد من النفع به.، منها: أن يكتب بالحبر، لا بما يمكن محوه وتغييره كأقلام الرصاص.
стр. 229
وتكون الكتابة بخط واضح تسهُل قراءته. وأن يكتب شرح الكلمة المقصودة في مكان من الحاشية محاذٍ للسطر. وأن يكتب الحواشي بشكل منحرف عن أسطر الأصل. لكي لا تشتبه به. وأن يبدأ الحواشي إذا كانت شرحًا أو إيضاحًا من أعلى هامش الصفحة. وأن تكون بقلم مخالف للأصل أدق منه.
وأن يبدأ كتابة السقْط في الحاشية من ابتداء السطر الذي فيه السقط، ويعلِّم عند الموضع الذي فيه السقط بخط منحنٍ صغير بين الكلمتين اللتين سقط الكلام بينهما، متجه إلى الأعلى جهة الحاشية التي فيها الاستدراك. ويكتب (صح) فوق ما ضبطه وراجعه مما قد يُشْكل. وللمخطوطات قواعد في المقابلة والتصحيح تزيد على ما ذكرنا.
آداب المُعيد:
وهو الطالب الذي يقرأ العبارة بين يدي الشيخ، وهي رتبة تكون لأحد أفاضل الطلبة، يختاره الشيخ ويكون موضع محبة ونظر منه. وسُمي معيدًا لأنه يعيد للطلبة ما لم يفهموه من الدرس، ويسمَّى قديمًا المُستملي. والمعيد أول من يحضر عند الشيخ، وآخر من يغادر من الناس عند انتهاء الدرس.
ولا يبدأ المعيد القراءة حتى يشير إليه الشيخ. وإذا عين الشيخ له قدرًا من القراءة فلا يتعداه. فإذا لم يعين له قدرًا فإنه يلاحظ الشيخ، حتى يعلم الوقت الذي يريد الشيخ فيه الاكتفاء.
وإذا كان الشيخ قد استفتح الدرس بذكر اللّاه تعالى والدعاء فإن المعيد يكتفي بابتداء الشيخ. ويبتدئ في مجالس الحديث الشريف ونحوه مما يُروى بالإسناد بقوله: وبسندكم إلى مصنف هذا الكتاب الإمام ... قال نفعنا اللّاه به وبكم، ونحو ذلك من الدعاء للمصنف والشيخ.
стр. 230
ويلاحظ المعيدُ وهو يقرأ وجه الشيخِ، فتكون عينه ناظرة في الكتاب تارةً وإلى وجه الشيخ تارةً أخرى، لكي لا يَضطرَّ الشيخَ إلى مقاطعته إذا أراد شرح عبارة مرَّت في أثناء الكلام، بل يتوقف كلما رأى الشيخ متوجهًا للشرح.
إذا رد الشيخ على المعيد لفظة وهو يقرأ، وظن المعيد أن تصحيح الشيخ خلاف الصواب أعاد الكلمة مع ما قبلها لينتبه لها الشيخ.
وإذا طرحت الأسئلة بين يدي الشيخ مكتوبة، والمعيد يقرأ، فالواجب عليه أن يميز بين الأسئلة، فيتجنب قراءة الأسئلة التي فيها شبه وشكوك قد تفسد على الحاضرين دينهم. ويقول لصاحب السؤال أن يتقدم بعد الدرس ليكون جوابه خاصًا.، مستأذنًا الشيخ في ذلك.
ومن آداب المعيد في مجالس الحديث الشريف أن يصلي على النبي ﷺ كلما مر ذكره وأن يصلي معه على آله، وأن يزيد وصف السيادة عند ذكر اسم النبي ﷺ عند رواية الحديث في أوله، ويتجنب المواضع التي لا يزاد فيها في صلب الأحاديث، نحو قول الأعرابي: "أيكم محمد".
وأن يزيد لفظ (سيدنا) عند ذكر الصحابة، ويحتاجُ في ذلك إلى تمييز الصحابة من التابعين في المراسيل، وذلك مفيد للمبتدئين من الطلبة وعامة السامعين.
ومن ذلك الدعاء للصحابة بقوله: "﵁"، وللأب والابن من الصحابة بقوله: "﵄". ويحتاج في ذلك إلى معرفة أسماء الآباء والأبناء من الصحابة نحو البراء بن عازب والنعمان بن بشير وجابر بن عبد الله. ومن الأدب التعقيب على اسم السيدة فاطمة بالسلام فيقول: "﵍" وكذلك يصنع مع الحسن والحسين
стр. 231
فيقول: "﵉". وقد وُجد هذا في النسخ الصحيحة القديمة المعتمدة من صحيح البخاري كما بيناه في الفصل الثالث.
ومن آداب قارئ الحديث النبوي الشريف أن يقرأه مجوَّدًا، أقرب ما يكون إلى أحكام التلاوة. وأن يراعيَ المعنى عند الوقف والابتداء، فأحكام الوقف والابتداء عامة في كلام العرب تزيده جمالًا وبهاءً.
وإذا أراد أن يختم المجلس ختمه بحديث رحمة، أو ترغيب، أو ذكر ثواب، أو بشارة.، أو وصف الجنة. ولا يختم المجلس عند حديث فيه ذكر النار، أو اللعن للكفار، والعقاب للعصاة، فإن النبي ﵊ كان يحب الفأل الحسن.
ومن آداب قارئ الحديث أن يذكر إسناده إلى مصنف الكتاب في أول المجلس، ثم يحيل عليه عند كل حديث، فيقول: "وبه قال"، أي وبالإسناد المتقدم في أول المجلس قال المصنف: حدثنا إلخ" وهو الأولى. وبعض العلماء يكتفي بالسند مرة واحدة ويحكي الكتاب كله به، من غير إحالة إلى السند عند كل حديث. فإذا كان الحديث يُعرض على الشيخ، فينبغي للقارئ أن يبتدئ بقوله خطابًا للشيخ: "حدثكم إلخ" ويسوق إسناد الشيخ.
خطبة درس صحيح البخاري:
وهي خطبة منقولة شفاهًا عن آلِ الكزبري الشافعية بدمشق الشام، وقد برز منهم نحو عشرة من كبار العلماء والمحدثين، اشتهر منهم مسند الدنيا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن الكزبري الشافعي (-١٢٦٢)، كانوا يبدأون دروس الصحيح بها تحت قبة
стр. 232
النسر في وسط الجامع الأموي مقابل محراب الحنفية .. وهي أسطر معدودة حافظَ عليها الخلف نقلًا عن السلف، وحفظناها من والدنا علامة الشام رحمه الله تعالى.
"الحمد لله بجميع محامده كلها ما علمنا منها وما لم نعلم، على جميع نعمه كلها ما علمنا منها وما لم نعلم، عدد جميع خلائقه كلها ما علمنا منها وما لم نعلم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المُبين، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله الصادق الوعد الأمين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ورضي الله تعالى عن السلف الصالحين والأئمة المجتهدين، والفقهاء والمحدثين، ورضي الله تعالى عن جامع هذا الصحيح وخدامه ورواته والشارحين، ورضي الله تعالى عنا وعنكم، وعن والدينا ووالديكم، ومشايخنا ومشايخكم أجمعين.
أما بعد فإن أصدق الكلام كلام الله ، وخيرَ الهدي هديُ سيدنا محمد ﷺ ، وإن من هديه ما رويناه بالسند المتصل إلى الإمام الحافظ الحجة أمير المؤمنين في الحديث سيدنا أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاريِّ الجعفي قال".
كتابةُ السماع:
يجب على طالب الحديث متى أتم سماع جزء من الصحيح أن يكتب سماعه لذلك الجزء في آخره، ويكتب السماع لجميع الكتاب في آخر ورقة من آخر جزء منه.
والسماعات فن من فنون الحديث كاد يندرس، وكنا ابتدأنا إحياءها في مجالسنا منذ نحو ثلاثة عقود. وللسماعات آداب وقواعد أذكرها إن شاء الله تعالى إحياء لهذا العلم وحثًّا للطلبة على الاعتناء بها. وهذه أصول السماعات، استنبطناها بعد استقراء كثير من السماعات من الأصول والمصورات التي في خزانتنا.
стр. 233
١. بداية السماع: ويكون بالحمد لله تعالى وقد يزاد عليه الصلاة على نبيه وآله باختصار، إذ مبنى السماع على الاختصار. فيكتب السامع مثلًا: "الحمد لله وحده سمعت هذا الجزء" أو "الحمد لله وصلى الله على خير خلقه وآله وسلم إلخ"
٢. اسم السامع: وهو الطالب فيبتدأ به، فيكتب مثلًا: "سمع كاتبه فلان بن فلانٍ المغربي المالكي هذا الجزءَ سماعًا على ... إلخ"، ويعرِّف بنفسه بما يرفع الجهالة عنه.
٣. اسم المُسْمِعِ: وهو الشيخ الذي كانت الرواية عنه، فيذكر اسمه ونسبه، ويقدم ألقابه تعظيمًا له.
٤. عنوان الكتاب المسموع: ويذكر فيه العنوان التام، واسم مؤلفه، واسم راويه. وضبط راوي الكتاب عن مؤلفه مما ينبغي الاعتناء به عند إثبات السماع، خصوصًا عند اختلاف النسخ.
٥. المقدار المسموع: يضبط فيه قدر ما سمعه من الكتاب، فيكتب مثلًا: "بلغ كاتبه ... سماعًا للأبواب الثلاثة الأولى من هذا الكتاب وهو ... ". أو جميع الكتاب كذا من من أوله إلى باب كذا ..
٦. ضبطُ الفَوت: فإذا سمع معظم الكتاب إلا قدرًا يسيرًا فإنه يضبط ما فاته سماعُه منه، ويُسَمَّى فَوْتًا، ويجمع على أَفْوَاتٍ، فيكتب في سماعه: "بفَوتٍ يسيرٍ"، إذا كان الفوت غير منضبطٍ، فإذا كان الفوتُ منضبطًا يكتب: "إلا من باب كذا إلى باب كذا" أو "إلا من قوله في باب كذا إلى آخر الباب".
٧. مكان السماع: ويُثبِت فيه كاتبُ السماع اسمَ الجامع أو المكان الذي جرت القراءة فيه، وما يعرف به.، واسمَ البلدة، وفي أي جزء من البلدة ذلك المسجد، كأن
стр. 234
يقول: "بظاهر دمشق مثلًا، أو بسفح قاسِيونَ .. ويذكر فيه الموضع الخاص، إذا كان السماع في الروضة النبوية الشريفة أو تجاه باب الكعبة، ونحو ذلك.
٨. القارئ: والاصطلاح في السماعات أنه إذا قرأ الشيخ بنفسه يكتب السامع "سمعت من الشيخ إلخ ... " وإذا كان القارئ غير الشيخ فإنه يكتب: "سمعت على إلخ ... " فيفرقون في السماع من الشيخ والسماع بقراءة غيره بحرف الجر. فإذا كان القارئ غير الشيخ فإنه يكتب اسم القارئ.
٩. عدد مجالس السماع: وذلك بحسب القلة والكثرة، فالمجالس القليلة تنضبط بالعدد، والمجالس الكثيرة تنضبط بالمدة، كأن يكتب "وتم السماع في مدة سنة". ولا ينقطع المجلس بالصلاة.، فلو ابتدأ المجلسُ بعد الفجر واستمرت القراءة إلى العشاء، والقارئ والطلاب يقومون معًا لصلاة الجماعة فإن المجلس يعدُّ واحدًا.
وقد يستغرق سماعُ بعض صحيح البخاري خمسة مجالس أو خمسين مجلسًا، وقد أسمع الحافظ أبو عمرٍو ابنُ الصلاح الشهرزوري (-٦٤٣) السنن الكبرى للبيهقي في سبعمائةٍ وسبعة وخمسين مجلسًا، وقرأ الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي (-٤٦٣) صحيح البخاري على أحمد بن إسماعيل الحِيريِّ (-٤٣٠) في ثلاثة مجالس، وعلى كريمةَ بنت أحمد المروزية (-٤٦٣) في مكةَ في خمسة أيام.
١٠. تاريخ السماع: ويكون ذلك بإثبات يوم السماع، وتاريخه من الأشهر العربية والسنة بالتاريخ الهجري الإسلامي، فإنه هو المعتبر، وما شاع استعمال التاريخ المسيحي إلا بعد دخول دول الاستعمار إلى بلاد المسلمين.
стр. 235
ويكتب السامع التاريخ بالخط لا بالأرقام، مع الاحتراز من التصحيف فيما يتشابه في الخط. فيكتب في التسعين: "بتقديم المثناة الفوقية"، وفي السبعين: "بتقديم السين".
وإذا كان تمت القراءة أول الشهر العربي فإنه يكتب: "في غرة شهر رجب". وإذا كان ما مضى من الشهر أقل مما بقي فإنه يكتب: "لثلاث ليال مضين" أو "لتسع ليال خلون من شهر إلخ". وإذا كان ما مضى من الشهر أكثر مما بقي منه فإنه يكتب مثلًا.: "لسبع ليال بقين من". فالأشهر العربية تؤرخ بالليالي ..
١١. السامعون: وهم من حضر مجلس السماع، ولا يجب على السامع تدوين أسماء من شاركه السماع فإن ذلك قد يطول، لكن يجب عليه بيان إن كان سماعه وحده أو في جماعة، لما يترتب على ذلك من الفرق عند الأداء بين (حدثني) و (حدثنا). ويستحسن أن يذكر أسماء من حضر من شيوخه ووزوجه وأولاده. فإذا أدرج في السماع أسماء بعض من حضر وجب عليه ضبطُ مقدار ما سمعوه.
١٢. حال السامع وقت السماع: ويعتني المدققون بوصف أحوال السامعين خلال السماع إذا كانوا يتحدثون، أو اعتراهم النوم خلال السماع، أو اشتغلوا بالنسخ. فإن النوم والحديث يمنع من صحة السماع، فلا يقال لصاحبه: سمع، بل: حضر. أما النَّسخ فالراجح صحة سماع من اشتغل به خلال السماع، على أنه خلاف الأدب.
ويصح السماع من سن الخامسة، فيقال: في حقه "سمع"، ومن كان دون الخامسة فلا يصح سماعه، لكن يقال في حقه: "أُسمع" أو "أُحضر".
стр. 236
ويُكتب السماع بخط حسن من أول الورقة إلى آخرها بأسطر متقاربة أو يُحصر بخطٍّ يحيط به من جميع جوانبه بحيث لا تمكن الزيادة فيه.
١٣. خط الشيخ: من عادة العلماء أن يوقع المسمع (أي الشيخ) في آخر السماع توقيعًا مختصرًا، يثبت فيه للسامع سماعه، وذلك بنحو قوله: "نعم صح هذا السماع لكاتبه وأجزته وكتب فلان .... [ويوقع الشيخ اسمه]. ويغلب على خطوط المشايخ في التوقيع على السماعات الاختصار، وإدماج الحروف، من أجل ذلك عسُرت قراءة السماعات، وكثرت أخطاء من تصدَّى لذلك من غير دُربة. وربما يكون السماع كله بخط الشيخ، يكتبه بقلمه على نسخة السامع، إذا قلَّ عدد السامعين، واتسع الوقت لكتابة السماعات.
كتابة البلاغات:
وهي العلامات التي تشير إلى الموضع الذي وقف عنده الشيخ أو القارئ في آخر المجلس أو عند انصراف السامع.
وعادة المحدثين أن يكتبوا: "بلغ"، وهو اصطلاح خاص معناه: إلى هنا بلغ الشيخ أو القارئ أو السامع في سماعه من الشيخ. وقد يكتبون بعض ذلك فتكون صورة البلاغ نحو: "بلغ كاتبه أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي قراءةً على إمام خانقاه الشيخونية في رمضان سنة ٨٦٤". وهو نص بلاغٍ بخط الإمام جلال الدين السيوطي على جزء فريدٍ من صحيح الإمام مسلمٍ في خزانتنا العامرة.
وغالبًا ما يختصرون البلاغ ويقتصرون منه على كلمة واحدة إذا ضاقت حواشي النسخة، أو تعددت المجالس وكان القدر المسموع في كل مجلس قليلًا، ويتركون
стр. 237
تفصيل ذلك إلى السماع المقيد في آخر النسخة أو آخر. وقد يكتب الشيخ بخطه البلاغ على نسخة السامعِ، رأيت أمثلة لذلك في بعض المخطوطات القديمة.
كتابة الطباق:
الطِّباق جمع طبقة، وهي وثيقة إثبات السماع لكل من سمع وحضر، ومقدار ما سمع كل واحد، أو مقدار ما فاته ..
ويعهد الشيخ المُسْمِعُ بكتابة الطبقة إلى أحد من يثق بهم من المتقدمين من الطلبة .. إذ إن كتابة الطباق تحتاج إلى نباهة وتقدُّمٍ. وكانوا يثنون على طالب الحديث إذا نبغ بقولهم: "وكتب الطباق".
وقد تبلغ الطبقة الواحدة عشرة أوراق، تضبط فيها أسماء السامعين من الرجال والنساء والصغار، وتذكر فيها الأفوات (جمع فوت)، وأوصاف السامعين نحو: "وكان يكثر الكلام خلال السماع".ويكره لمن كانت بيده نسخة الطباق أن يمنع غيره ممن ورد اسمه في الطباق أن ينسخها، وليس ذلك من شأن الفضلاء.
الإجازة:
هي الإذن من الشيخ بالرواية، والشيخ هو المجيز، والمتلقي للإجازة هو المجاز، وتصح الإجازة للصغير والكبير ما دام حيًّا وقت الإجازة. ولا غنى لطالب الحديث عن الإجازة، لتقاصر الأعمار عن قراءة كتب السنة مع حاجة الطالب إلى استعمالها. وهي أنواعٌ، أعلاها الإجازة بكتاب معين لشخص معين مع اقترانها بمناولة الشيخ الكتابَ للطالب. وأدناها الإجازة لأهل العصر. ولنا في أحكام الإجازة رسالة، طبعت في مقدمة كتاب بغية المتابع ثبت العلامة محمد الرابع الندوي.
стр. 238
ولما كان من عادة المشايخ الإجازة في مجالس الختم فإن على كاتب السماع والطباق أن يشير إليها باختصار غيرِ مُخِلٍّ، فيذكر اسم المجيز، ونوع الإجازة، ومن دخل فيها. فيكتب مثلًا: "وأجاز لي روايته"، أو: "وأجاز للحاضرين عامة مروياته". ومن عادة العلماء الإجازة العامة في مجلس الختم للحاضرين.
حكم اللحن عند قراءة الحديث:
ازدادت في المدة الأخيرة بين طلبة العلم الرغبة في طلب الأسانيد والإجازات وسماع كتب الحديث، وهو أمرٌ حسنٌ، يُعدُّ إحياءً لعلم الرواية والإسناد في عصر صار الغالب على طلاب الشريعة فيه أخذ العلم من الجامعات والإنترنت. وازداد معه تعلق الطلبة بالإجازات، مع إهمال طلب علوم الآلات، وصارت الإجازات سلَّمًا للشهرة، وادعاء أهلية العلم، وهو خلاف ما عليه العلماء. قال العلامة أبو العباس أحمد بن علي البوسعيدي الهشتوكي (-١٠٤٦):
"الحاصل أن مطلق الإجازة عندهم لا يدل على الإتقان.، ولا على الدراية، وإنما توسعوا مجازًا، إعادةً وإدماجًا لمن حصَّل الشرطَ ولو بعد حين". وقال الحافظ أبو طاهر السِّلفي في الوجيز مبيِّنًا شرط الأداء: "ولكن الشرط فيه المبالغة في الضبط والإتقان، والتوقي من الزيادة والنقصان".
فالمُجيز بالرواية لا يُشترط في صحة إجازته أهليته بمعرفة اللغة والنحو والصرف وغيرها من العلوم، فتصح الإجازة من عاميٍّ لمثله.، لأنها إذنٌ بالرواية، لا يشترط فيها إلا العدالة، لكن السماع لا يصح إلا على من وُجدت فيه أهلية الضبط لتمييز الخطأ من الصواب في العربية ليتجنَّب اللحن إذا قرأ الحديث، أو قُرئ عليه.
فإذا أراد المجيز أن يُسمع كتابًا سواء تحمله بالسماع أو الحضور حال الصغر أو تحمله
стр. 239
بالإجازة فلا بد له من تحقيق شرط الضبط والإتقان عند الأداء، وإلا لم يصح أداؤه.، ولم يصح سماع من سمع منه، لغياب شرط الضبط، ولما ينتج عن ذلك من الخطأ والتحريف في حديث النبي ﷺ .
قال العلامة الشيخ عبد الهادي الأبياري في شرح مقدمة القسطلاني: "ينبغي للشيخ أن لا يروي الحديث بقراءة لحَّانٍ أو مصحِّفٍ، فقد قال الأصمعي: أخوفُ ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يَدخل في جملة قوله ﷺ : «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»، لأنه ﷺ لم يكن يلحن، فمهما رويتَ عنه ولحنتَ فيه كذبتَ عليه" .. وقال العلامة الأبياريُّ أيضًا: "وينبغي لطالب الحديث أن يتعلم من النحو واللغة ما يَسلم به من اللحن والتحريف. وقال شعبةُ: مثل الذي يطلب الحديث بلا عربية كمثل رجل عليه بُرْنُسٌ ولا رأسَ له".
وقد اشتهرت فتوى للإمام قاضي سِجِلْمَاسَةَ عبد الملك بن محمد التاجَمُّوعْتِيِّ (-١١١٨) في حكم قراءة صحيح البخاري بالخطأ واللحن أجاب بها على استفتاء أرسل به إليه العلامة أحمد بن عبد القادر التستاوي المغربي (-١١٢٧) سنة ألف وست وتسعين، استشهد بما جاء فيها عدد من علماء المغرب، وهي في كتاب نزهة الناظر وبهجة الغصن الناضر للتستاوي نفسه، وهو مخطوط في خزانتنا، نسوق منها ما يتعلق بالغرض. قال العلامة التستاوي:
"أما بعد، أصلح الله شانك، وبالهداية والتوفيق زانك، فإنا رأينا أناسًا في قرى البادية يحرصون على قراءة الجامع الصحيح للبخاري، ويرون ذلك من تعظيم شعائر الله، وهم لا يعرفون ما يلزمهم في دينهم، وإن رأوا مجلس فقه يتعلمون منه أمر دينهم لا يعبأون بذلك، ويرون الحُرمةَ لقارئه سواء كان من أهل ذلك الشان إلخ.
стр. 240
فأردنا منك أن تبين للناس ما نُزِّل إليهم، وما تقرر عند العلماء لعلهم يتذكرون.
وهل جاهلٌ بالعربية يُقدَّم لذلك، أم لا؟
وما الحدُّ الذي يكفيه، ولا بد منه؟
وهل يحرم الاستماع له، أم لا؟
وهل يتعين على الفقيه نُصح من أراد قراءته وحضوره من العامة، أم لا؟
وهل يلزمه أن يأمرهم بالكتب التي يتعلمون منها فرائضهم كالرسالة أو غيرها، ولا يساعدهم فيما لا ينبغي شرعًا؟
وهل فاعل ذلك وهو يعلم من نفسه الجهل متجاسرٌ بالمنصب النبوي؟
وهل يتعين على قاضي البلد زجرُهم وحملُهم على ما ينبغي شرعًا، أم لا؟
بَيِّن لنا ذلك كله، وابسطه بسطًا يليق بنا، وامزج كلامك بمقامع موافقة للحق، يعرف منها الجاهل قدره، ولا يتعدَّى طوره".
ومما جاء في الجواب: "الجواب والله ولي التوفيق: أن قراءة الجامع الصحيح لأمير المؤمنين سيدي أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي بقصد التيمُّن والتبرك بحديث المصطفى ﵊، والتفقه فيه والتفطن لمآخذ الأئمة ومدارك أقوالهم بقدر الاستطاعة لا بقصد الاستنباط - إذ هو شيء مفروغٌ منه تولاه النُّقَّاد من الأئمة المجتهدين كالإمام مالك وأصحابه كالشافعي وصاحبه الإمام أحمد والإمام النعمان أبي حنيفة وغيرهم - من أفضل القربات وأعمال البر لمن يتقن ذلك ويُحسنه نحوًا ولغةً وأخذًا من أفواه علماء هذا الشان، لا من الكتب من غير تدريب المشايخ.
стр. 241
وقد سُئل الإمام الجويني والد إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك عمن يتصدر لتعاطي الحديث الشريف وقراءته وهو يعلم من نفسه أنه لا يُحسن فأجاب: بأنه داخلٌ تحت وعيد قوله ﷺ : «من كذب عليَّ متعمدًا»، وهو حديث متواترٌ، وهو ظاهرٌ ضرورةً [فيمن] علم من نفسه عدم الأهليه لذلك ثم أقدم عليه جراءةً وتعمُّدًا. اللهم سَلِّمْ، اللهم سلِّمْ" .. ثم قال في آخر الجواب:
"والمقدم على قراءة البخاري جراءةً وجسارةً - وهم غالب أهل وقتنا، ما أقلَّ حياءَهم - من غير تحصيل أدواته، والأخذِ عن أهله، لا يحلُّ الجلوس ولا الإيواء إليه، ولا سماع ذلك، خشية أن يحملَ عنه شيئًا على غير وجهه.، فيكون مثلَه إذا حدَّث به، وهو ممن لا أهلية فيه كذلك. وينبغي بل ويجب على من يُسمع منه زجر من لا أهلية ولا قابلية فيه عن تناول ذلك وتعاطيه والتصدُّر به، وأدبُه إن لم ينتهِ بما يراه كافيًا في حقِّه من السجن وغيره".
والاعتماد في ذلك على إجازة الشيوخ مجردةً عن تحصيل ما لا مَنْدُوحَةَ عنه من الأدوات، ومعرفة مصطلح أهل هذا الشان اغترارٌ وجهالةٌ بتعليق المجيزين ذلك على الشرط المعتبر عند أهل الأثر، وبالضرورة انتفاء المشروط بانتفاء شرطه ... ".
وقال بعد كلامٍ نقلناه قبل: "والحاصلُ أن تناول المجترئين على الله ورسوله صحيحَ البخاري وقراءَته لتحصل لهم الجلالة والمَهابةُ في عيون العامة وقلوبها بالبادية وغيرها سببٌ في خراب الديار وقِلَّة العمران. ولقد شاهدنا كثيرًا من البلدان كان يُقرأ فيها على غير وجهه قد خربت [واندثرت]، وكيف لا وهو عماد الدين وقول سيد المرسلين، [ففي] تحويله وتحريفه تخريب له، وكذلك كان الجزاء جزاءً وِفاقًا.
стр. 242
الفصل الثاني عشر: الأسانيد إلى الجامع الصحيح
الإسناد المعتمد:
الَحَمْدُ للهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ أَمَّا بَعْدُ فَيَقُولُ المُفْتَقِرُ إِلَى رَحْمَةِ رَبِّهِ الغَنِيِّ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ اليَعْقُوبِيُّ الحَسَنِيُّ المَوْلُودُ سَنَةَ (١٣٨٢): أَخْبَرَنَا بِهَذَا الكِتَابِ وَهُوَ الجَامِعُ المُسْنَدُ الصَّحِيحُ المُخْتَصَرُ مِنْ أُمُورِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَسُنَنِهِ وَأَيَّامِهِ لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيِّ
١. شَيْخُنَا العَلَّامَةُ السَّيِّدُ مُحَمَّدٌ المَكِّيُّ بْنُ سَيِّدِي مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الكَتَّانِيُّ الحَسَنِيُّ (١٣١٢ - ١٣٩٣) إِجَازَةً وَقَرَأْتُهُ عَلَى مَنْ قَرَأَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ وَالِدِي العَلَّامَةُ الشَّيْخُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ اليَعْقُوبِيُّ (١٣٤٣ - ١٤٠٦) قَالَ
٢. حَدَّثَنَا السَّيِّدُ أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ البَرْزَنْجِيُّ الحُسَيْنِيُّ الشَّافِعِيُّ (-١٣٣٧)
٣. ثَنَا وَالِدِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَيْنِ العَابِدِينَ (-١٢٨١)
٤. ثَنَا الشيخ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ الفُلَّانِيُّ العُمَرِيُّ (١١٦٦ - ١٢١٨)
٥. ثَنَا شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ المَغْرِبِيُّ (-١٢٠١)
٦. ثَنَا مُسْنِدُ الحِجَازِ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَالِمٍ البَصْرِيُّ شَارِحُ البُخَاريِّ وَقَدْ قَرَأَ صَحِيحَ البُخَارِيِّ فِي جَوْفِ الكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ (١٠٤٩ - ١١٣٤) وَاشْتَغَلَ بِتَصْحِيحِه نَحْوَ عِشْرينَ سَنَةً.، ونُسْخَتُهُ مِنَ الفُرُوعِ الَّتِي اعْتَمَدَتْ عَلَيْهَا الطَّبْعَةُ السُّلْطَانِيَّةُ.
٧. ثَنَا حَافِظُ مِصْرَ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلَاءِ الدِّينِ البَابِلِيُّ المِصْرِيُّ (١٠٠٠ - ١٠٧٧)
стр. 243
٨. ثَنَا أَبُو النَّجَا سَالِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّنْهُورِيُّ المَالِكِيُّ (٩٤٥ - ١٠١٥)
٩. ثَنَا نَجْمُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الغَيْطِيُّ الشَّافِعِيُّ (-٩٨١)
١٠. ثَنَا شَيْخُ الإِسْلَامِ القَاضِي زَكَرِيَّا بْنُ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيُّ الشَّافِعِيُّ (-٩٢٦)
١١. ثَنَا الحَافِظُ أَبُو الفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الشَّهِيرُ بِابْنِ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيُّ (٧٧٣ - ٨٥٢)
١٢. ثَنَا أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ المَقْدِسِيُّ السُّوَيْدَاوِيُّ (٧٢٥ - ٨٠٤)
١٣. ثَنَا زَيْنُ الدِّينِ قَاسِمُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الكِنَانِيُّ الرَحَبِيُّ (٦٦٦ - ٧٤٩)
١٤. ثَنَا الحَافِظُ شَرَفُ الدِّينِ أَبُو الحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ اليُونِينِيُّ (٦٢١ - ٧٠١)
١٥. حَدَّثَنَا الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللهِ الحُسَيْنُ بْنُ المُبَارَكِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الرَّبَعِيُّ الزَّبِيدِيُّ (٥٤٥ - ٦٣١) فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثينَ وَسِتِّمِائَةٍ بِدِمَشْقَ بِالْجَامِعِ المُظَفَّرِيِّ بِسَفْحِ جَبَلِ قَاسِيُونَ
١٦. أَخْبَرَنَا أَبُو الوَقْتِ عَبْدُ الأَوَّلِ بْنُ عِيسَى بْنِ شُعَيْبٍ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ السِّجْزِيُّ الصُّوفِيُّ ثُمَّ الهَرَوِيُّ (٤٥٨ - ٥٥٣) قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَنَحْنُ نَسْمَعُ بِبَغْدَادَ فِي آخِرِ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَأَوَّلِ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَخَمْسِمِائَةٍ
١٧. أَخْبَرَكُمْ جَمَالُ الإِسْلَامِ أَبُو الحَسَنِ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ المُظَفَّرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُعَاذِ بْنِ سَهْلِ بْنِ الحَكَمِ الدَّاوُودِيُّ البُوشَنْجِيُّ (٣٧٤ - ٤٦٧) قِرَاءَةً عَلَيْهِ بِبُوشَنْجَ فِي ذِي القعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
١٨. أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمُّويَهْ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ أَعْيَنَ السَّرَخْسِيُّ (٢٩٣ - ٣٨١) قِرَاءَةً عَلَيْهِ فِي صَفَرَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
стр. 244
١٩. أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مَطَرٍ بْنِ صَالِحِ بْنِ بِشْرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ البُخَارِيُّ الفِرَبْرِيُّ [المُتَوَفَّى سَنَةَ (٣٢٠) وَقَدْ نَيَّفَ عَلَى التِّسْعِينَ] سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَثَلَاثَمِائَةٍ
٢٠. حَدَّثَنَا الإِمَامُ [الحُجَّةُ الحَافِظُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينِ فِي الحَدِيثِ] أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيُّ الجُعْفِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى بِفِرَبْرَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ مَرَّةً، وَمَرَّةً سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، قَالَ
تعليقات على الإسناد:
هذا إسناد عزيزٌ نَادِرٌ، جليلٌ عَالٍ، مسلسلٌ بالأعلام، متصلٌ بالسماع للصحيح.، بيننا وبين الإمام البخاري فيه تسع عشرة واسطة، له مزايا عديدة. سُقناه من طريق جماعة من الأعلام الذين اعتنوا بالصحيح منهم: عبد الله بن سالم البصري، والحافظ العسقلاني، والحافظ اليونيني. وحسبُك بذلك شرفًا، وفيه أئمة أعلام مشاهير خدموا علوم السنة المشرفة، ولذلك صدرنا به الطبعة السلطانية للصحيح. وساوينا في هذا الإسناد الآخذين عن محدث المغرب السيد محمد عبد الحي الكتاني المولود سنة ١٣٠٢ المتوفى في الثاني عشر من شهر رجب سنة ١٣٨٢، فإنه افتخر بروايته عن الإمام عبد الله بن سالم البصري بأربع وسائط فقال في ترجمته: "وأعلى ما حصل لنا به من الاتصالات من طريق تلميذه العلامة المحدث المسند المعمَّر الشمس محمد بن محمد ابن عبد الله المغربي المدني المتوفَّى سنة (١٢٠١) ... وهو مسلسل بالمدنيين أرويه عن الشهاب أحمد بن إسماعيل البرزنجي عن أبيه عن صالحٍ الفلاني عن محمد بن عبد الله المغربي عنه ".
وقد حضرنا كثيرًا على السيد محمد المكي الكتانيِّ رحمه الله تعالى وسمعنا منه بعض
стр. 245
المسلسلات، وأجازنا ثلاث مراتٍ. وكان والدنا رحمه الله تعالى ممن أخذ عنه ولازمه وانتفع به، وحضر دروسه في صحيح البخاري في جامع مَازِي بحي الميدان بدمشق ثم في داره. وحضر شيخنا السيد المكي الكتاني الصحيح على السيد أحمد البرزنجي في المدينة المنورة. وكلاهما كان يقرأ إرشاد الساري. وقد قرأنا أكثر الصحيح على العلامة الوالد رحمه الله تعالى بالطبعة الأميرية الثانية، وحضرنا عليه في إرشاد الساري أيضًا، والإجازةُ مع القراءة على من قرأ على المجيز كالقراءة على المجيز.
وبهذا الإسناد عن السيد محمد المكي الكتاني مع القراءة على والدنا نتصل بأسانيد عالية مسلسلة أيضًا بالسماع لجميع الصحيح منها عن شيخنا المكي عن والده محدث المشرق والمغرب السيد محمد بن جعفر الكتاني، ويروي شيخنا السيد المكيُّ الصحيح برواية ابن سعادة سماعًا عن جده عاليًا، وعاش بعد جده سبعين سنةً. ويروي الصحيحَ بالسماع عن والده عن السيد علي بن ظاهر الوتري وبالإجازة عاليًا عن الوتري بلا واسطة عن أحمد منة الله الأزهري عن العلامة الأمير الكبير، ويروي السيد المكي الكتاني بالإجازة عن الشيخ فالح الظاهري عن علي بن عبد الحق القوصي عن العلامة الأمير الكبير، وقد لقي الشيخَ فالحًا وسمع منه بعض المسلسلات. ويروي السيد المكي الكتاني عن الشيخ محمد أمين البيطار عن الشمس محمد التميمي عن العلامة الأمير الكبير. وسنفصل بعض هذه الأسانيد فيما يأتي، وهي أسانيد افتخر بها محدث المغرب السيد عبد الحي الكتاني قبل مائة سنةٍ، ولله الحمدُ والمِنَّة.
وكان شيخنا السيد المكي رحمه الله تعالى كنزًا مُدَّخرًا من كنوز الإسناد، نشأ في بيت علم وحديث ورواية، وكان والده يعتني بأبنائه ويستجيز لهم من كل من يلقاه، وقد وجدت عند البحث والتنقيب في إجازات السيد المكي وإجازات والده أن السيد المكي
стр. 246
يروي عن أكابر شيوخ السيد عبد الحي المغاربة والمشارقة بالسماع واللقاء وعاش بعده ثلاث عشرة سنة، وقد جمعت له مشيخة حافلة أسأل الله تعالى تيسير إخراجها.
وكان للسيد محمد المكي الكتاني بدمشق جاهٌ بين الناس عظيم ومنزلة عند أهل العلم ورجال الدولة كبيرة، وقد أخذ عنه أكابر الشيوخ كالشيخ محمد إبراهيم الختني والسيد أبو بكر الحبشي وجماعة من شيوخنا منهم الشيخ صالح الخطيب والشيخ عبد العزيز عيون السود. ورضي الله تعالى عن والدنا وأسكنه الفردوس الأعلى وحبذا لو يعتني طلبة العلم بإحضار أبنائهم عند المحدثين وإسماعهم كتب السنة والاستجازة لهم رجاء أن تحصل لهم بركة علو الإسناد.
ومقارنة يسيرة بين هذا الإسناد والأسانيد المنتشرة اليوم في الهند عن الشيخ نذير حسين الدهلوي مثلًا تظهر مقدار علوِّه، فقد صافحت فيه، فإن إن شيخنا السيد المكي الكتاني في درجته.
وهذا الإسناد وإن كان نازلًا من حيث العدد فإنه من أعلى أسانيد البخاري المسلسلة بالسماع وأشرفها، ومن أحب العلو المطلق فليراجع أسانيدنا الآتية من طريق الكزبري الحفيد، فإننا نروي عنه بواسطتين. .
الإسناد الثاني من طريق الكزبري:
وهو متصل بالسماع في أوله، وفي وسطه سماع وإجازة، وهو إسناد نازل من حيث العدد، لكنه عالٍ بما فيه من السماع. فأقول: أروي الجامع الصحيح للإمام محمد بن إسماعيل البخاري سماعًا وقراءة لأكثره وإجازة بسائره
١. عن والدنا علامة الشام وخاتمة العلماء المدققين الأعلام الشيخ إبراهيم بن الشيخ
стр. 247
إسماعيل اليعقوبي الحسني الإدريسي (١٣٤٣ - ١٤٠٦) وعليه قرأت وبه تخرجت
٢. وهو سمع الصحيح على العلامة المحدث الشيخ أحمد بن محمد بن يَلِّس التلمساني الشهير بالجاويش (١٣١٧ - ١٣٧٩)
٣. وهو سمعه على المحدث الأكبر الشيخ محمد بدر الدين بن يوسف الحسني المغربي الدمشقي (١٢٦٧ - ١٣٥٤)
٤. عن الشيخ عبد القادر بن صالح الخطيب الحسني الدمشقي (١٢٢١ - ١٢٨٨) بالإجازة، وسَرَدَه وحَفِظَه على ابنه الشيخ محمد أبي الخير الخطيب (١٢٤٧ - ١٣٠٨)، كما سرد عليه المحدث الأكبر الكتب الستة ومسند الإمام أحمد
٥. وقرأه عبد القادر الخطيب على محدث الديار الشامية الشيخ عبد الرحمن بن محمد الكزبري المعروف بالحفيد (١١٨٤ - ١٢٦٢)
٦. عن والده الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن الكزبري (١١٤٠ - ١٢٢١)
٧. عن والده الشيخ عبد الرحمن بن محمد زين الدين الكزبري الكبير (-١١٨٥) وخال أبيه الشيخ أبي الحسن علي بن أحمد الكزبري (١١٠٠ - ١١٦٥) وشهاب الدين أحمد بن علي المنيني الدمشقي (١٠٨٩ - ١١٧٢) والثلاثة
٨. عن الشيخ عبد الغني بن إسماعيل النابلسي (١٠٥٠ - ١١٤٣)
٩. عن نجم الدين محمد بن محمد الغزي العامري الدمشقي الشافعي (٩٧٧ - ١٠٦١)
١٠. عن أبيه الإمام بدر الدين محمد بن رضي الدين محمد الغزي العامري الدمشقي الشافعي (٩٠٤ - ٩٨٤)
стр. 248
١١. عن شيخ الإسلام القاضي زكريا بن محمد الأنصاري (٨٢٣ - ٩٢٦)
١٢. عن خاتمة الحفاظ أمير المؤمنين في الحديث شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي الشهير بابن حجر العسقلاني (٧٧٣ - ٨٥٢)
١٣. عن أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد التنوخي البعلي الدمشقي (٧٠٩ - ٨٠٠)
١٤. عن مسند الدنيا أبي العباس أحمد بن أبي طالب الصالحي الحجار الشهير بابن الشِّحنة (٦٢٤ - ٧٣٠)
١٥. عن مسند الشام سراج الدين أبي عبد الله الحسين بن المبارك بن محمد بن يحيى الرَّبَعي الزَّبيدي (٥٤٥ - ٦٣١) قال:
١٦. أخبرنا شيخ الإسلام أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شُعيبٍ السِّجْزِيُّ الهروي الصوفي (٤٥٨ - ٥٥٣) قال: أخبرنا
١٧. الإمام جمال الإسلام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر الداودي البُوشَنْجيُّ (٣٧٤ - ٤٦٧) قال:
١٨. أخبرنا الحافظ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حَمُّويَهْ السَّرَخْسِيُّ الحمُّويِيُّ (٢٩٣ - ٣٨١) قال:
١٩. أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطرٍ الفربري (المتوفى سنة ٣٢٠ وقد نيَّف على التسعين) قال:
٢٠. أخبرنا جامع الصحيح أمير المؤمنين في الحديث الحافظ الشهير، والناقد الخبير البصير، الثبت الحجة، إمام المحدثين، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري
стр. 249
الجعفي روَّح الله تعالى روحه بالرَّوح والريحان، وأغدق عليه سحائب الرضوان. وقد سمعه محمد بن يوسف الفربري من الإمام البخاري مرتين: الأولى بمدينة فربر سنة ٢٤٨ والثانية بمدينة بخارى سنة ٢٥٢ هـ.
الإسناد الثالث من طريق قريشَ الطبرية:
وهو إسناد عالٍ متصل بخمس عشرة واسطة ما بين سماع وإجازة، ورجاله جميعًا من الأئمة الأعلام المشاهير. فأقول: أروي صحيح البخاري
١. عن شيخنا السيد محمد المكي بن سيدي محمد بن جعفر الكتاني الحسني الإدريسي (١٣١٢ - ١٣٩٣) وقرأت معظمه على من قرأه عليه
٢. عن أبي اليسر فالح بن محمد الظاهري المَهْنَوي (١٢٥٨ - ١٣٢٨)
٣. عن السيد محمد بن علي السنوسي الخطابي الشِّلَفي (١٢٠٢ - ١٢٧٦) وكان يقرأ صحيح البخاري في شهر مع حل مشكلاته
٤. عن المعمر أبي طالب محمد بن علي ابن الشارف المَازُوني (١١٠٣ - ١٢٣٣)
٥. عن مسندة الحجاز قُرَيشَ بنتِ عبد القادر الطبرية (١٠١٩ - ١١٠٧)
٦. عن المعمر عبد الواحد بن إبراهيم الحَصَّاري (٩١٠ - المتوفى بعد ١٠١٩)
٧. عن شمس الدين محمد بن إبراهيم الغمري آخر من بقي من تلاميذ الحافظ العسقلاني
٨. عن الحافظ أبي الفضل أحمد بن علي الشهير بابن حجر العسقلاني
٩. عن أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد التَّنُوخي البعلي الدمشقي
стр. 250
(٧٠٩ - ٨٠٠)
١٠. عن مُسْنِدِ الدنيا أبي العباس أحمد بن أبي طالبٍ الصالحي الحجار الشهير بابن الشِّحْنَةِ الحنفي (٦٢٤ - ٧٣٠)
١١. عن مُسْنِدِ الشام سراج الدين أبي عبد الله الحسين بن المبارك بن محمد بن يحيى الرَّبَعي الزَّبيدي (٥٤٥ - ٦٣١)
١٢. عن شيخ الإسلام أبي الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي الهروي الصوفي (٤٥٨ - ٥٥٣)
١٣. عن الإمام جمال الإسلام أبي الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر الداودي البوشنْجي (٣٧٤ - ٤٦٧)
١٤. عن أبي محمد عبد الله بن أحمد بن حَمُّويَهْ السرخسي (٢٩٣ - ٣٨١)
١٥. عن أبي عبد الله محمدِ بن يوسفَ بن مطرٍ الفربري
١٦. عن الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي.
الإسناد الرابع من طريق أبي الفتح المِزِّي:
وهو إسناد عالٍ متصل بخمس عشرة واسطة ما بين إجازة وسماع، ورجاله جميعًا من الأئمة الأعلام المشاهير. فأقول: أروي الجامع الصحيح للإمام محمد بن إسماعيل البخاري بالإجازة
١. عن مفتي الشام العلامة الشيخ محمد أبي اليسر ابن مفتي الشام الشيخ محمد أبي الخير بن أحمد عابدين الحسيني الدمشقي الحنفي (١٣٠٧ - ١٤٠١)
следующие страницы →