← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 10500

الحدود والتعزيرات عند ابن القيم

بكر أبو زيد

Полный текст (492 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

(أنه ﷺ أبطل أنواعاً من النكاح الذي يتراضى به الزوجان سداً لذريعة الزنى: فمنها: النكاح بلا ولي، فانه أبطله سداً لذريعة الزنى، فإن الزاني لا يعجز أن يقول للمرأة: انكيني أنكحيني نفسك بعشرة دراهم) ويشهد عليها رجلين من أصحابه أو غيرهم، فمنعها من ذلك سداً لذريعة الزنى. ومن هذا تحريم نكاح التحليل الذي لا رغبة للنفس فيه في إمساك المرأة واتخاذها زوجة بل وطر فيما يفضيه بمنزلة الزاني في الحقيقة وإن اختلفت الصورة. ومن ذلك تحريم نكاح المتعة، الذي يعقد فيه المتمتع على المرأة مدة يقضي وطره منها فيها. فحرم هذه الأنواع كلها سداً لذريعة السفاح، ولم يبح إلا عقداً مؤبداً يقصد فيه كلّ من الزوجيين المقام مع صاحبه، ويكون بأذن الولي وحضور الشاهدين، أو ما يقوم مقامهما من الإعلان. فإذا تدبرت حكمة الشريعة وتأملتها حق التأمل رأيت تحريم هذه الأنواع من باب سد الذرائع، وهي من محاسن الشريعة وكمالها) . ١٠- النهي عن اختلاط الجنسين. وقد ورد بذلك جملة الأحاديث الصحيحة منها قوله ﷺ (باعدوا بين أنفاس الرجال والنساء) وفي بيان الذريعة يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (١) : (لا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال: أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنى، وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة ... فمن أعظم أسباب الموت العام كثرة الزنى

стр. 107

بسبب تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال، والمشي بينهم متبرجات متجملات ولو علم أولياء الأمر ما في ذلك من فساد الدنيا والرعية - قبل الدين - لكانوا أشد شيء منعاً لذلك..) . هذه جملة من المناهي التي وردت في الشريعة الإسلامية سداً لإثارة الغرائز وتهييج الشهوات حماية للمجتمع وصيانة له من الوقوع في جريمة الزنا وهذا باب في الشريعة مطرد: إذا حرّم الله شيئاً سد الأبواب الموصلة إليه والله أعلم. المبحث الرابع: خصائص حد الزنى (١) ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن الله سبحانه خص حد الزنى من بين الحدود بثلاث خصائص وهي على ما يلي (٣) : الأولى: تغليظ العقوبة قال رحمه الله تعالى في بيانها: (أحدهما: أن القتل فيه بأشنع القتلات، وحيث خففه جمع فيه بين العقوبة على البدن بالجلد، وعلى القلب بتغريبه عن وطنه سنة) . وهذه الخصيصة قد تضافرت النصوص على بيانها: فالقتل عقاب مشترك بين عدد من الجرائم: كالبغاة، والمحاربين، والقاتل المتعمد، لكن كونه رجماً بالحجارة حتى تزهق النفس لا يكون هذا عقاباً مرضياً لأي جريمة سوى جريمة الزناة المحصنين كما دلت عليه النصوص الشرعية. والجلد أيضاً عقوبة مشتركة بين جملة من الحدود: فالقاذف عقوبته الجلد والسكير عقوبته الجلد، لكن الزاني البكر وإن كانت عقوبته الجلد

стр. 108

إلا أنها تخالف غيرها من ناحيتين: أولاهما، أن الجلد مائة جلدة وليس في الحدود ما يبلغ ذاك حداً. الثانية: أن من تمام الحد التغريب، ولا يكون التغريب عقوبة حدية في غير: حد الزاني البكر والله أعلم. الثانية: التنصيص على نهي العباد عن أن تأخذهم رأفة بالزناة. قال رحمه الله تعالى في بيانها (١) : (الثاني أنه نهى عباده أن تأخذهم رأفة في دينه، بحيث تمنعهم من إقامة الحد عليهم، فإنه سبحانه من رأفته ورحمته بهم شرع هذه العقوبة فهو أرحم بكم، ولم تمنعه رحمته من أمره بهذه العقوبة، فلا يمنعكم أنتم ما يقوم بقلوبكم من الرأفة من إقامة أمره) . وهذه الخصيصة قد نبه الله تعالى عليها في محكم تنزيله إذ يقول (٢) (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله أن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) . حكمة التشريع في هذه الخاصية: ثّم يبيّن ابن القيم رحمه الله تعالى أن النهي للعباد عن أن تأخذهم رأفة بالجرمين عام في حق كلّ مجرم أو بغيره لكنه ذكر في حد الزنى خاصة لأسرار تشريعية نوه عنها بقوله (٣) : وهذا - وإن كان عاماً في سائر الحدود- لكن ذكر في حد الزنى خاصة لشدة الحاجة إلى ذكره، فإن الناس لا يجدون في قلوبهم من الغلظة والقسوة على الزاني ما

стр. 109

يجدونه على السارق والقاذف وشارب الخمر، فقلوبهم ترحم الزاني أكثر مما ترحم غيره من أرباب الجرائم والواقع شاهد بذلك: فنهى أن تأخذهم هذه الرأفة وتحملهم على تعطيل حد الله) . سبب هذه الرحمة ثم يستطرد ابن القيم ﵀ في أسباب وجدان هذه الرحمة في نفوس العباد- في حق المحدودين في هذه الفاحشة فيقول (١) : وسبب هذه الرحمة: أن هذا ذنب يقع من الأشراف والأوساط والأرذال، وفي النفوس أقوى الدواعي إليه، والمشارك فيه كثير، وأكثر أسبابه العشق والقلوب مجبولة على رحمة العاشق وكثير من الناس يعد مساعدته، طاعة وقربة، وإن كانت الصورة المعشوقة محرمة عليه، ولا يستنكر هذا الأمر فإنه مستقر عند ما شاء الله من أشباه الأنعام، ولقد حكى لنا من ذلك شيئاً كثيراً- نقاص العقول كالخدم والنساء. وأيضاً، فإن هذا ذنب غالب ما يقع مع التراضي من الجانبين ولا يقع فيه من العدوان والظلم والاغتصاب ما تنفر النفوس منه. وفي النفوس شهوة غالبة له فيصور ذلك لها فتقوم بها رحمة تمنع إقامة الحد، وهذا كله من ضعف الإيمان. وكمال الإيمان أن تقوم به قوّة يقيم بها أمر الله ورحمة يرحم بها المحدود فيكون موافقاً لربه تعالى في أمره ورحمته) . الثالثة ثم ذكر الخصيصة الثالثة. فقال (٢) :

стр. 110

(أنه سبحانه أمر أن يكون حدهما بمشهد من المؤمنين فلا يكون في خلو بحيث لا يراهما أحد، وذلك أبلغ في مصلحة الحد وحكمة الزجر) . وهذا هو ما عرف عند العلماء باسم: التشهير (١) . وهذه الخصيصة والتي قبلها قد انتظمهما قوله تعالى (٢) (الزانية والزاني فاجلدوا كلّ واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر. وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) . المبحث الخامس: في حكمة تحصين الرجل بالحرة دون الأمة (٣) من شروط الإحصان الموجب لحد الرجم في الزنى: أن يطأ الرجل الحر العاقل امرأة عاقلة حرة في نكاح صحيح. فلو كان الزوج مثلا غير حر ثم زنى لم يكن محصناً في قول جهور أهل العلم (٤) وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن نفاة المعاني والقياس ذكروا في اعتراضهم المشهور على نفي القياس أن الشرع قد فرّق بين المتماثلين حيث جعل الحرة الشوهاء تحصن الرجل دون الأمة الجميلة. وقد تعقب ابن القيم رحمه الله تعالى ذلك مبرزاً حكمة التشريع في هذا التفريق فقال (٥) : (وأما قولهم: وجعل الحرة القبيحة الشوهاء تحصن الرجل، والأمة البارعة

стр. 111

الجمال لا تحصنه، فتعبير سيء عن معنى صحيح، فإن حكمة الشارع اقتضت وجوب حد الزنى على من كملت عليه نعمة الله بالحلال،. فيتخطاه إلى الحرام، ولهذا لم يوجب كمال الحد على من لم يحصن، واعتبر للإحصان أكمل أحواله: وهو أن يتزوج بالحرة التي يرغب الناس في مثلها، دون الأمة التي لم يبح الله نكاحها إلا عند الضرورة، فالنعمة بها ليست كاملة، ودون التسري الذي هو في الرتبة دون النكاح، فإن الأمة وإن كانت ما عسى أن تكون لا تبلغ رتبة الزوجة لا شرعاً ولا عرفاً ولا عادة، بل قد جعل الله لكل منها رتبة؟ والأمة لا تراد لما تراد له الزوجة، ولهذا كان له أن يملك من لا يجوز له نكاحها، ولا قسم عليه في ملك يمينه فأمته تجرى في الابتذال والامتهان والاستخدام مجرى دابته وغلامه بخلاف الحرائر. وكان من محاسن الشريعة أن اعتبرت في كمال النعمة على من يجب عليه الحد أن يكون قد عقد على حرّة ودخل بها إذ بذلك يقضي كمال وطره، ويعطي شهوته حقها، ويضعها مواضعها، هذا هو الأصل ومنشأ الحكمة، ولا يعتبر ذلك في كل فرد من أفراد المحصنين، ولا يضر تخلفه في كثير من المواضع، إذ شأن الشرائع الكلية أن تراعي الأمور العامة المنضبطة، ولا ينقصها تخلف الحكمة في أفراد الصور كما هذا شأن الخلق، فهو موجب حكمة الله في خلقه وأمره في قضائه وشرعه، وبالله التوفيق) . المبحث السادس في اشتراط الإسلام في الإحصان (١) انعقد الإجماع على أن الرجم في الزنى لا يجب إلا على محصن، وقد أختلف العلماء هل الإسلام شرط في الإحصان، على قولين، ذكرهما ابن القيم ﵀

стр. 112

تعالى واختار أن الإسلام ليس شرطاً في الإحصان، واستدل على ذلك من السنة وناقش القائلين بشرطيته. وبيان ذلك على ما يلي: القول الأول ليس الإسلام شرطاً في الإحصان، فالذمي يحصن الذمية وإذا تزوج المسلم ذمية فوطئها صارا محصنين. وهذا مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه (١) . الدليل: استدل ابن القيم رحمه الله تعالى لهذا القول المختار عنده بحديث رجم اليهوديين المشهور فقال (٣) : (ثبت في الصحيحين (٣) . والمسانيد (٤) : أن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن رجلاً منهم وامرأة زنيا فقال رسول الله ﷺ ما تجدون في التوراة في شأن الرجم، فقالوا نفضحهم ويجلدون، فقال عبد الله ابن سلام (٥) كذبتم إن فيها الرجم، فأمروا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله ابن سلام ارفع يدك فرفعها فإذا فيها آية الرجم فقالوا صدق يا محمد إن فيها الرجم فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما) . وجه الاستدلال: قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الاستدلال من هذا الحديث (٦) : (تضمنت هذه

стр. 113

الحكومة أن الإسلام ليس بشرط في الإحصان وأن الذمي يحصن الذمية وإلى هذا ذهب أحمد والشافعي) . ولم يذكر رحمه الله تعالى وجه الاستدلال، وبيانه أن يقال: أن النبي ﷺ مأمور بالحكم بين أهل الكتاب بما أنزل الله تعالى كما في قوله تعالى (١) (فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً) . وحكم الزاني المحصن في شريعة الإسلام الرجم بالحجارة، وهما محصنان كما وقع التصريح به في بعض روايات الحديث بلفظ (٢) (إن اخيار اليهود اجتمعوا في بيت المدراس، وقد زنى رجل منهم بعد إحصانه بامرأة منهم قد أحصنت) - فحكم ﷺ برجم اليهوديين وهما كافران ليسا من أهل الإسلام فدل ذلك على أن الإسلام ليس شرطاً في الإحصان إذ لو كان شرطاً فيه لما كان حكمهما الرجم (٣) . وعليه: فإن الذمي محصن الذمية وأن المسلم إذا تزوج ذمية ووطئها صار محصناً والله أعلم. القول الثاني: أن الإسلام شرط في الإحصان فلا يكون الكافر محصناً ولا تحصن الذميهَ مسلماً. وهذا مذهب الحنفية والمالكية وأحمد في الرواية الثانية عنه (٤) . دليله: استدل لهذا القول بحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال (من

стр. 114

أشرك بالله فليس بمحصن) (١) وجه الاستدلال: ووجه دلالة كل ذا الحديث واضحة فإنه ﷺ أخبر أن المشرك بالله تعالى ليس بمحصن والحد بالرجم لا يكون إلا على محصن فالإسلام إذا شرط للإحصان. فالمشرك إذا زنى لا يقام عليه الحد بالرجم على أي حال لأن إحصانه لا يتم إلا بالإسلام والله أعلم. أجوبة المشترطين عن حديث رجم اليهوديين: ثم ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن المشترطين للإسلام في الإحصان اختلفت أجوبتهم عن هذا الحديث فذكر ثلاثة من أجوبتهم ثم تعقبها وذلك على ما يلي: ١- الجواب الأول: للمالكية وهو أن اليهود يومئذ ليسوا بأهل ذمة. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في جوابهم عن هذا الحديث (٢) : (قال مالك رحمه الله تعالى، في غير الموطأ: لم يكن اليهود بأهل ذمة) . تعقب هذا الجواب: وتعقب ابن القيم رحمه الله تعالى هذا الجواب بأن اليهود كانوا أهل ذمة فقال (٣) : (والذي في صحيح البخاري، أنهم أهل ذمة، ولا شك أن هذا كان بعد العهد الذي وقع بين النبي ﷺ وبينهم ولم يكونوا إذ ذاك حرباً كيف ذلك، وقد تحاكموا إليه ورضوا بحكمه، وفي بعض طرق الحديث أنهم قالوا: اذهبوا بنا إلى

стр. 115

هذا النبي ﷺ فإنه بعث بالتخفيف، وفي بعض طرقه: أنهم دعوه إلى بيت مدارسهم فأتاهم وحكم بينهم. فهم كانوا أهل عهد وصلح بلا شك) . وهذا التعقب قال به طائفة من المحققين منهم النووي (١) ، والطحاوي (٢) والقرطبي من المالكية (٣) ، ولا شك أن مجيئهم إليه سائلين وهم آمنون يوجب أن يكون لهم عهد وذمة وقد قال الشوكاني (٤) في هذا الجواب (إنه من غرائب التعصبات) . الجواب الثاني: للحنفية وهو أنه ﷺ رجم اليهوديين بحكم التوراة (٥) . وفي بيانه يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٦) : (وقالت طائفة أخرى إنما رجمهما بحكم التوراة قالوا وسياق القصة صريح في ذلك) . ومراده بسياق القصة الصريح هو ما جاء في بعض رواياته (٧) (فإني أحكم بما في التوراة) . تعقب هذا الجواب: تعقب ابن القيم رحمه الله تعالى هذا الجواب بأن النبي ﷺ إنما حكم بينهم بالحق

стр. 116

المحض وهو شريعتَه الواجب اتباعه فلا وجه لهذا التأويل فقال (١) : (وهذا مما لا يجدي عنهم شيئاً البتة فإنه حكم بينهم بالحق المحض فيجب اتباعه بكل حال فماذا بعد الحق إلا الضلال) . وهذا معنى ما قاله الخطابي في تعقبه لهذا الجواب حيث يقول (٢) : (وهذا تأويل غير صحيح: لأن الله سبحانه يقول (٣) (وأن أحكم بينهم بما أنزل الله) وإنما جاءه القوم مستفتين طمعاً في أن يرخص لهم في ترك الرجم ليعطلوا به حكم التوراة، فأشار عليهم رسول الله ﷺ بما كتموه من حكم التوراة، ثم حكم عليهم بحكم الإسلام على شرائطه لواجبة فيه. وليس يخلو الأمر فما صنعه ﷺ من ذلك عن أن يكون موافقاً لحكم الإسلام أو مخالفاً له. فان كان مخالفاً فلا يجوز أن يحكم بالمنسوخ ويترك الناسخ. وان كان موافقاً له فهو شريعته، والحكم الموافق لشريعته لا يجوز أن يكون مضافاً إلى غيره ولا يكون فيه تابعاً لمن سواه) . وقد ذكر الحافظ ابن حجر جواب الخطابي وأيده وذكر الجواب عما في رواية أبي هريرة (فأني أحكم بما في التوراة) بأن في سند هذه الرواية رجل مبهم ثم قال الحافظ (٤) : (ومع ذلك فلو ثبت لكان معناه لإقامة الحجة عليهم) . ولا شك أن قول الله تعالى (٥) (فاحكم بينهم بما أنزل الله) الآية دليل قطعي

стр. 117

الدلالة على أن النبي ﷺ مأمور بالحكم بما في شريعته فكيف يقال أنه حكم بشريعة من سواه؟. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى جواباً آخر على سبيل التنزيل فقال (١) : (فإن قيل إنما حكم رسول الله ﷺ بالرجم بما في التوراة إلزاماً لهما بما اعتقدا صحته. قيل: هب أن الأمر كذلك أفحكم بحق يجب اتباعه وموافقته وتحرم مخالفته أم بغير ذلك؟ فاختاروا. أحد الجوابين ثم اذهبوا إلى ما شئتم) . الجواب الثالث: أن رجمهما كان سياسة. قال ابن القيم رحمه الله تعالى معقباً عليه (٢) : (وقالت طائفة رجمهما سياسة، وهذا من أقبح الأقوال بل رجمهما بحكم الله الذي لا حكم سواه) . أجوبة النفاة عن هذا الحديث: لنفاة اشتراط الإسلام في الإحصان في الجواب عن هذا الحديث مسلكان: الأول: من حيث الرواية. والثاني: من حيث الدراية. وبيانهما على ما يلي: المسلك الأول: مناقشة هذا الحديث رواية: هذا الحديث ورد عن ابن عمر ﵄ مرفوعاً إلى النبي ﷺ ﷺ وموقوفاً

стр. 118

من قوله، وهو في كلّ منهما من مفاريده وله لفظان في المرفوع إلى النبي ﷺ وأحد اللفظين ورد موقوفاً. ألفاظه ومخرجيها: وبيان كلّ لفظ مرفوعاً أو موقوفاً مع ذكر من خرجه على ما يلي: اللفظ الأول: عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال (لا يحصن المشركَ بالله شيء) . مخرجيه: أخرجه بهذا اللفظ مرفوعاً، الدارقطني (١) ، والبيهقي (٢) . منزلة إسناده: تكلم نقاد الأثر على إسناد هذا الحديث من ناحيتين: الأولى: إعلال رواية الرفع، وأن الصواب وقفه، صرح بذلك الدارقطني فقال (٣) : (وهم عفيف في رفعه، والصواب موقوف من قول ابن عمر ﵄ . وهذا الإعلال متعقب بأن عفيفاً قد صرح برفع الحديث هو: عفيف ابن سالم الموصلي البجلي مولاهم صدوق مات سنة ٢٨٠ هـ (٤) . وقد تقرر في علوم الاصطلاح أن زيادة هذا الضرب مقبولة فيقبل رفعه للحديث إذاً.

стр. 119

وقد صرح بذلك ابن القطان (١) فيما نقله الزيلعي عنه فقال (٣) : (قال ابن القطان في كتابه (٣) ، وعفيف بن سالم الموصلي ثقة قاله ابن معين، وأبو حاتم وإذا رفعه الثقة لم يضره وقف من وقفه وإنما علته أنه من رواية أحمد بن أبي نافع عن عفيف المذكور وهو أبو سلمة الموصلي، ولم تثبت عدالته ... ) . وهذا الذي قاله ابن القطان هو القول الحق الذي عليه عامة المحققين من أهل الاصطلاح (٤) أن الإرسال أو الوقف في الرواية لا يكون شيء من ذلك علة في المرفوع، وما هنا زيادة من عفيف بن سالم وحاله الصدق فهي مقبولة، فينتج أن إعلال هذا الحديث برواية الوقف غير واردة فيبقى النظر في حال رجال بقية إسناده والحديث عنه فيما يلي: الثانية: تحصل بالتتبع أن مدار هذا الحديث سنداً هو كما قال ابن القطان رحمه الله تعالى، على رواية (أحمد ابن أبي نافع الموصلي) . وأحمد هذا قد وهّاه النقاد، وعدّوا هذا الحديث من مناكيره، كما حرره ابن عدي (٥) والذهبي (٦) ، وابن حجر (٧) ، وذلك في ترجمتهم له.

стр. 120

ومن حاله كذلك فلا يصلح حديثه للاعتبار فضلاً عن الاعتماد عليه فالحديث إذا بهذا الإسناد لا يعتبر به والله أعلم. اللفظ الثاني: (من أشرك بالله فليس بمحصن) . مخرجيه: الحديث بهذا اللفظ روي موقوفاً من قول ابن عمر ﵄ وروى مرفوعاً إلى النبي ﷺ وأخرجه على كلا الوجهين، إسحاق بن راهويه في (مسنده) (١) ومن طريقه أخرجه، الدارقطني (٢) ، والبيهقي (٣) . منزلة إسناده: هذا الحديث تكلم الحفاظ فيه من جهة رفعه ووقفه. وقد حكى الحافظان البيهقي (٤) . والزيلعي (٥) ، الخلاف في ذلك وسكتا. وجزم الحافظان: الدارقطني (٦) ، وابن حجر (٧) بوقفه فقالا: والصواب أنه موقوف. وجه الخطأ في رفع هذا الحديث: وما قرره الدارقطني وتابعه عليه ابن حجر في الجزم بوقف الحديث هو الذي يقتضيه النظر في إسناد هذا الحديث مرفوعاً، إلا أن الذي يظهر لي والله أعلم أن

стр. 121

الحمل في رفع هذا الحديث: هو على شيخ إسحاق، وهو عبد العزيز بن محمد الدراوردي المتوفى سنة ٢٨٧ (١) لأن هذا الحديث مرفوعاً من رواية الدراوردي هذا عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني المتوفى في بضع وأربعين بعد المائتين من الهجرة (٢) . والدراوردي وإن كان ثقة فإن أحاديثه عن عبد الله العمري منكرة كما قاله النسائي (٣) . وقد بيّن الحافظ في (التهذيب (٤) وجه نكارة أحاديث الدراوردي عن عبد الله العمري من أنه يقلب حديث عبد الله العمري المضعف في الحديث (٥) فيرويها عن عبد الله بن عمر العمري الثبت في الحديث. فظهر من هذا أن الحديث منكر مرفوعاً بهذا الإسناد. وعليه فإن الصواب هو رواية هذا الحديث موقوفاً من قول ابن عمر ﵄ نفسه كما رواه جمع من الثقاة على ما قرره الدارقطني (٦) ، وابن حجما ٧) ، وغيرهما والله أعلم. الترجيح: يتبين من ذكر الخلاف وأدلته ومناقشة أدلة الخلاف أن أرجح القولين هو: القول بأن الإسلام ليس شرطاً في الإحصان على ما اختاره ابن القيم رحمه الله تعالى

стр. 122

لسلامة الاستدلال بحديث رجم اليهوديين. وضعف الاستدلال للقول المخالف بحديث (من أشرك بالله فليس بمحصن) لعدم صحته مرفوعاً إلى النبي ﷺ والحجة في قول المعصوم ﷺ والله أعلم. المبحث السابع: في عقوبة الزاني المحصن اختار ابن القيم رحمه الله تعالى أن الزاني المحصن لا يجمع له بين الجلد والرجم بل حده الرجم لا غير وإن حديث عبادة (١) منسوخ فيقول (٢) : (حديث عبادة: خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً الثيب بالثيب جلد مائة والرجم منسوخ فإن هذا كان في أول الأمر عند نزول حد الزنى. ثم رجم ﷺ ماعزاً والغامدية ولم يجلدهما، وهذا كان بعد حديث عبادة بلا شك) . وابن القيم رحمه الله تعالى يبين الرأي المختار مشيراً إلى خلاصة الخلاف ومجامع الأدلة بين الطرفين. ولم أره مبسوطاً عنده في موضع آخر. ولتجلية هذا الاختيار نأتي على ذكر الخلاف وأدلته على ما يلي: خلاف العلماء في هذا الحديث: اختلف العلماء على ثلاثة أقوال (٣) : القول الأول: لا جلد على من وجب عليه الرجم. وهذا مذهب الجمهور منهم

стр. 123

الأئمة الثلاثة أبو حنيفة ومالك الشافعي وهو إحدى الروايتين عن أحمد. القول الثاني: الجمع بين الجلد والرجم للمحصن فيجلد مائة جلدة ثم يرجم. وهو رواية عن الإمام أحمد. وهو مذهب الظاهرية. القول الثالث: أن الجمع بين الجلد والرجم للمحصن: خاص بالشيخ والشيخة دون الشاب. فالشاب إن كان محصناً رجم فقط وإن لم يحصن جلد. وبه قال أبي بن كعب (١) رضى الله عنه ومسروق (٢) رحمه الله تعالى. أدلة القول الأول: استدل الجمهور لمذهبهم بما يلي: ١- أن الذين رجمهم النبي ﷺ كماعز والغامدية واليهوديين: لم يأت في رواية أنه جلد واحداً منهم. وإقامة الحد أمر يشتهر بين الناس فلو كان شيء من ذلك لنقل إلينا كما نقل الرجم ولو في رواية واحد منهم فإن هذا مما توفر الهمم والدواعي على نقله. فلما لم يكن شيء من ذلك علمنا أن النبي ﷺ لم يجمع لأحد بين الجلد والرجم: فلا يجمع بينهما إذا والله أعلم (٣) . ب- وهذا الظاهر مؤيد بقضاء عمر ﵁ في قضايا مختلفة: منها ما رواه البيهقي (٤) (أن عمر ابن الخطاب ﵁ أمر أبا واقد الليثي: أن يرجم امرأة اعترفت بالزنى وهي ثيب ولم يأمره بجلدها) . ومنها ما رواه ابن أبي شيبة (٥) (أن عمر ابن الخطاب رجم رجلاً في الزنى ولم يجلده) .

стр. 124

وجه الاستدلال: أن عمر ﵁ رجم المحصن ولم يجلده. وهو ﵁ قد شاهد التنزيل وأدرك قضاء النبي ﷺ في الذين رجموا فيبعد أن ينفذ قضاء على خلاف قضاء النبي ﷺ . ٦- قالوا: وهذا القضاء ثم قضاء عمر ﵁: يوافق المعنى المراد من الحد وهو الزجر والردع. فالضرب مع الإتلاف والقتل بالرجم لا تأثير له فلا يكون لشرعيته إذا معنى. ولهذا فإن قاعدة الشريعة: أن الحدود إذا اجتمعت وفيها قتل سقط ما عداه. وفي هذا يقول ابن رشد (١) : (إن الحد الأصغر ينطوي في الحد الأكبر، وذلك إنما وضع للزجر فلا تأثير للزجر بالضرب مع الرجم) . ويقول ابن قدامة في التعليل لمذهب الجمهور (٢) : (ولأنه حد فيه قتل يجتمع معه جلد كالردة لأن الحدود إذا اجتمعت وفيها قتل سقط ما سواه فالحد أولى. أدلة القول الثاني: استدل القائلون بالجمع بين الجلد والرجم للمحصن بما يلي: أ- حديث عبادة ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ : خذوا عني، خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب جلد مائة والرجم)

стр. 125

رواه مسلم (١) وغيره. ووجه الدلالة منه نصية صريحة ثابتة كثبوت سنده فلا يعدل عنه إلا بمثله (٢) . ب- قضاء علي ﵁ في شراحة الهمدانية. فانه جلدها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة وقال (جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ (٣) . فتوارد على هذا الرأي- الجمع بين الجلد والرجم للمحصن- قول النبي ﷺ وقضاء علي ﵁: فوجب الجمع بينهما للمحصن والله أعلم دليل القول الثالث: استدل القائلون بأن الجمع بين الجلد والرجم للشيخ المحصن والرجم بلا جلد لمن كان شاباً محصناً بما يلي: لفظ (الشيخ والشيخة) من الآية في حديث عمر ﵁ أن فيما أنزل الله من القرآن (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة (٤)) وجه الاستدلال: بينه الحافظ بن حجر بقوله (٥) :

стр. 126

(أن الآية وردت بلفظ الشيخ ففهم هؤلاء من تخصيص الشيخ بذلك أن الشاب أعذر منه في الجملة) . ويدل لهذا تفسير عمر ﵁ لهذه الآية بما أخرجه الحاكم (١) قال: (كان زيد بن ثابت (٢) وسعيد بن العاص (٣) يكتبان في المصحف فمرا على هذه الآية، فقال زيد: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الشيخ والشيخة فارجموها البتة. فقال عمر: لما نزلت أتيت النبي ﷺ ، فقلت، أكتبها؟ فكأنه كره ذلك، فقال عمر: ألا ترى أن الشيخ إذا زنى ولم يحصن جلد، وأن الشاب إذا زنى وقد أحصن رجم) . وعليه قال أبي بن كعب ومسروق: (البكران يجلدان وينفيان والثيبان يرجمان، واللذان بلغا سناً يجلدان ثم يرجمان) رواه عبد الرزاق (٤) وقال ابن حجر: رجاله رجال الصحيح (٥) . وعلى قولهما (البكران وينفيان) نكت البخاري رحمه الله تعالى بترجمته فقال (باب: البكران يجلدان وينفيان) (٦) . المناقشة والترجيح: من سياق أدلة هذه الأقوال الثلاثة في هذا المبحث يتبين أن موارد النقاش على

стр. 127

أدلة الخلاف كما يلي: ١- وجود تعارض في الظاهر بين أدلة الجمهور من السنة من قضاء النبي ﷺ بالرجم للمحصن وعدم الجمع بين الجلد والرجم كما في حديث ماعز وغيره، وبين حديث عبادة ﵁ الذي فيه أن حد المحصن: الجمع بين الجلد والرجم. والجواب عن هذا: هو أن الواجب عند وجود التعارض بين الروايات الترجيح بين الروايات فإذا تعادلت نظر في الجمع فإن لم يمكن نظر في النسخ. والترجيح هنا من حيث الصناعة غير وارد لأن أدلة كلّ مخرجة في الصحاح والسنن وغيرها. والجمع غير ممكن أيضاً لأن حديث عبادة ﵁ فيه إيجاب الجلد والرجم على المحصن وحديث ماعز وما في معناه من الذين رجموا في عهد النبي ﷺ فيه الاقتصار على الرجم فقط ولا ذكر للجلد. فصار المآل إلى النسخ: والقول بالنسخ هنا هو الظاهر فإن حديث عبادة متقدم وأحاديث الرجم كحديث ماعز وغيره متأخرة فصار حديث عبادة ﵁ الذي فيه الجمع بين الجلد والرجم منسوخاً بالأحاديث المتأخرة التي فيها الاقتصار على الرجم. وقد أوضح شيخنا محمد الأمين رحمه الله تعالى توجيه القول بالنسخ بقوله (١) : (وأما الذين قالوا بأن المحصن يرجم فقط ولا يجلد، فقد رجحوا أدلتهم بأنها متأخرة عن حديث عبادة بن الصامت ﵁ الذي فيه التصريح بالجمع بين

стр. 128

الجلد والرجم والعمل بالمتأخر أولى. والحق أنها متأخرة عن حديث عبادة المذكور كما يدل عليه قوله ﷺ (وقد جعل الله لهن سبيلاً) فهو دليل على أن حديث عبادة هو أول نص ورد في حد الزنى كما هو ظاهر من الغاية في قوله تعالى (حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً) . ومن أصرح الأدلة في أن الجمع بين الجلد والرجم منسوخ أن النبي ﷺ قال في قصة العسيف الذي زنى بامرأة الرجل الذي كان أجيراً عنده (والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله) وهذا قسم منه ﷺ أنه يقضي بينهما بكتاب الله، ثم قال في الحديث الذي أقسم أنه قضاء بكتاب الله (واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) جزاء هذا الشرط، فدل الربط بين الشرط وجزاءه على أن جزاء اعترافها هو الرجم وحده، وأن ذلك قضاء بكتاب الله تعالى. وهذا دليل من لفظ النبي ﷺ صريح على أن جزاء اعترافها بالزنى: هو رجمها فقط فربط هذا الجزاء بهذا الشرط وأقسم النبي ﷺ أنه قضاء بكتاب الله وهو متأخر عن حديث عبادة لما قدمنا. وهذا الدليل أيضاً قوي جداً لأن فيه إقسامه ﷺ بأن الاعتراف بالزنى من المحصن يترتب عليه الرجم ... ) . ٢- تعارض أقضية الصحابة ﵃ في حد الزنى المحصن على أوجه ثلاثة: ١- قضاء عمر ﵁ بالرجم فقط للمحصن. ب- قضاء علي ﵁ بالجلد والرجم للمحصن. ج- رأى عمر وأبي كعب ﵄ على أن الجمع بين الجلد والرجم يكون للشيخ المحصن والاقتصار على الرجم للشاب المحصن. والذي يظهر لي والله تعالى أعلم- في دفع هذا التعارض: أن كلّ واحد منهم

стр. 129

رضي الله عنهم قضى أو رأى حسبما أداه إليه اجتهاده بدلالة أن عمر ﵁ اختلف اجتهاده في هذه المسألة بين الرجم للمحصن فقط وبين الجمع بين الرجم والجلد للمحصن إذا كان شيخاً ورجمه فقط إذا كان شاباً. والعصمة في نص المعصوم ﷺ وقد تكاثرت الوقائع على أنه ﷺ رجم ماعزاً. ورجم الغامدية. ورجم الجهنية. ورجم اليهوديين. وهي جميعها متأخرة عن حديث عبادة ﵁ وليس فيها: سوى الرجم ولا ذكر للجلد. فصار الأظهر- والله أعلم- هو مذهب الجمهور المختار لدى ابن القيم رحمه الله تعالى: وهو الاقتصار على الرجم فقط في حق كل محصن. ويتقوى هذا أيضاً بعدة أمور ذكرها شيخنا محمد الأمين رحمه الله تعالى فقال في بيانها (١) : (منها: أنه قول جهور أهل العلم. ومنها: أن روايات الاقتصار على الرجم في قصة ماعز، والجهنية والغامدية، واليهوديين كلها متأخرة بلا شك عن حديث عبادة، وقد يبعد أن يكون في كل منها الجلد مع الرجم ولم يذكره أحد من الرواة مع تعدد طرقها. ومنها: أن قوله الثابت في الصحيح (واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) تصريح منه ﷺ بأن جزاء اعترافها رجمها، والذي يوجد بالشرط هو الجزاء وهو في الحديث الرجم فقط. ومنها: أن جميع الروايات المذكورة المقتضية لنسخ الجمع بين الجلد والرجم على أدنى الاحتمالات لا تقل عن شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات. ومنها: أن الخطأ في ترك عقوبة لازمة أهون من الخطأ في عقوبة غير لازمة والعلم عند الله تعالى) .

стр. 130

المبحث الثامن: في عقوبة من زنى بجارية امرأته (١) ورد في هذا المبحث حديثان من قضاء النبي ﷺ ذكرهما ابن القيم رحمه الله تعالى وهما: ١- حديث النعمان بن بشير ﵁. ٢- وحديث سلمة بن المحبق ﵁ (٢) . وقد اختلف الكلام في إسنادهما اختلافاً كثيراً، وكما اختلفت أقاويل أهل العلم في القول بمقتضاهما، فهما من مشكلات الأحاديث سنداً ومتناً. وابن القيم رحمه الله تعالى ساق الحديثين الذكورين وذكر الخلافين الآنفين حولهما، واضطربت كلمته في حديث سلمة بن المحبق ﵁، ففي (الأعلام) (٣) جزم بأن الحديث حسن وقرر الأخذ بما اشتمل عليه من أحكام، بينما في (الزاد) (٤) لم يجزم بذلك بل علق الأخذ بموجبه على القول بصحته. وعلى أي حال فإنه رحمه الله تعالى لا يرى في موجبها إشكالاً بل يقرر رحمه الله تعالى أن الحكم بمقتضاها على وفق القياس ولا يخالف شيء من أحكامها أياً من أصول الشريعة وقواعدها. ومبحثه في هذا على ما يلي: أ- حديث النعمان بن بشير ﵁: قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٥) :

стр. 131

(في المسند (١) والسنن الأربعة (٣) ، من حديث قتادة (٣) عن حبيب بن سالم (٤) ، أن رجلاً يقال له: عبد الرحمن ابن حنين، وقع على جارية امرأته فرفع إلى النعمان بن بشير ﵁ وهو أمير على الكوفة فقال: لأقضين فيك بقضاء رسول الله ﷺ : إن كانت أحلتها لك جلدتك مائة جلدة، وإن لم تكن أحلتها رجمتك بالحجارة فوجدوه أحلتها له فجلد مائة) . منزلة هذا الحديث: قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٥) : (قال الترمذي في إسناد هذا الحديث اضطراب، سمعت محمداً يعني البخاري يقول لم يسمع قتادة من حبيب بن سالم هذا الحديث، إنما رواه عن خالد بن عرفطة، وأبو اليسر لم يسمعه أيضاً من حبيب بن سالم، إنما رواه عن خالد بن عرفطة وسألت محمداً عنه فقال: أنا أنفي هذا الحديث، وقال النسائي: هو مضطرب، وقال أبو حاتم الرازي (٦) : خالد بن عرفطة مجهول) . فهؤلاء أربعة ينفون صحة هذا الحديث وكذلك الخطابي فإنه قال (٧) : (هذا الحديث غير متصل وليس عليه العمل) .

стр. 132

وكلام هؤلاء جميعهم ذكره المنذري ولم يتعقبه بشيء (١) نقله الشوكاني ولم يتعقبه بشيء أيضاً (٣) وخلاصة ما علل به هذا الإسناد علتان: الأولى: الاضطراب الحاصل في سنده على ما ذكره البخاري رحمه الله تعالى. الثانية: جهالة خالد بن عرفطة كما قاله أبو حاتم الرازي. موقف ابن القيم من هذا الحديث: نظر ابن القيم رحمه الله تعالى إلى كلام أهل العلم في هذا الحديث من حيث الإسناد والمتن على ما يلي: النظرة الإسنادية: يقول رحمه الله تعالى (٣) : (الحديث حسن، وخالد بن عرفطة قد روى عنه ثقتان، حبيب بن سالم، وأبو اليسر، ولم يعرف فيه قدح، والجهالة ترتفع عنه برواية ثقتين) . فابن القيم رحمه الله تعالى يحكم بأن هذا الحديث حسن الإسناد، فينفي لهذا جهالة خالد بن عرفطة لأنه قد روى عنه ثقتان هما: حبيب وأبو اليسر. فنرى من هذا أن ابن القيم رحمه الله تعالى قد أتى على نفي علة الجهالة لخالد بن عرفطة، فحكم بحسن إسناد هذا الحديث، لكن كلامه لم يتضمن الجواب على العلة الأولى: وهي علة الاضطراب في سند هذا الحديث كما ذكرها البخاري وعنه الترمذي رحمهما الله تعالى وأشار إليها النسائي رحمه الله تعالى.

стр. 133

فهؤلاء ثلاثة من نقاد الأثر أعلوا هذا الحديث بالاضطراب، والاضطراب علة من علل الإسناد ومن علل المتن أيضاً. وهي توجب ضعفه إن لم يأت للحديث من الطرق والشواهد ما يقيمه ويرقيه إلى درجة القبول، وهذا ما لم يتيسر الوقوف عليه في هذا الحديث والله أعلم. موافقة هذا الحديث للقياس: ابن القيم رحمه الله تعالى لما حكم بأن هذا الحديث حسن الإسناد بين رحمه الله تعالى أن موجبه على وفق القياس وقواعد الشريعة وأنهما يقضيان القول بموجبه فقال (١) : (القياس وقواعد الشريعة يقتضي القول بموجب هذه الحكومة فإن إحلال الزوجة شبهة توجب سقوط الحد ولا تسقط التعزير، فكانت المائة تعزيراً، فإذا لم تكن أحلتها له كان زنى لا شبهة فيه ففيه الرجم، فأي شيء في هذه الحكومة مما يخالف القياس) . وقال أيضاً (٢) : (إن قيل كيف تخرجون حديث النعمان على القياس قيل: هو بحمد الله موافق القياس مطابق لأصول الشريعة وقواعدها، فإن إحلالها له شبهة كافية في سقوط الحد عنه ولكن لما لم يملكها بالإحلال كان الفرج محرماً عليه، وكانت المائة تعزيراً له وعقوبة على ارتكاب فرج حرام عليه وكان إحلال الزوجة له وطأها شبهة دارئة للحد عنه) . وهذا من ابن القيم رحمه الله تعالى تفريع لهذه الواقعة على قاعدة درء الحدود بالشبهات بجامع وجود الشبهة فنتج الحكم بدرء الحد. وإيجاب التعزير. وهذا التخريج من ابن القيم رحمه الله تعالى للحكم في هذه الواقعة قد سبقه إليه

стр. 134

بعض أهل العلم كما ذكره الخطابي (١) ب- حديث سلمة بن المحبق ﵁: قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٢) : (في المسند (٣) والسنن (٤) ، عن قبيصة بن حريث (٥) عن سلمة بن المحبق ﵁، أن رسول الله ﷺ قضى في رجل وقع على جارية امرأته إن كان استكرهها فهي حرة وعليه لسيدتها مثلها، وإن كانت طاوعته فهي له وعليه لسيدتها مثلها) . منزلة هذا الحديث عند ابن القيم: قرر ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه (الأعلام) أن هذا حديث حسن وأن تضعيف من ضعفه إنما هو لإشكال وجدوه في متنه فأقدموا على تضعيفه فقال (٦) : (هذا حديث حسن يحتجون بما هو دونه في القوة ولكن لإشكاله أقدموا على تضعيفه مع لين في سنده) . وأما في كتابه (زاد المعاد) فتوقف في قبول هذا الحديث وعلق القول به على القول بصحته فقال (٧) : (وأما حديث سلمة بن المحبق فإن صح تعين القول به ولم يعدل عنه)

стр. 135

موقف العلماء من هذا الحديث: ذكر رحمه الله تعالى أن الناس حول هذا الحديث، قد انقسموا إلى طائفتين: طائفة ضعفت هذا الحديث ونفت صحته. وطائفة قبلت هذا الحديث فبينوا وجهه وتخريجه. وبيانه لموقف كل من الطائفتين على ما يلي: أولاً: موقف القائلين بتضعيف هذا الحديث: بعد أن قرر في (زاد المعاد) (١) تعليق القول بهذا الحديث على القول بصحته، ذكر القائلين بضعفه وهم: أحمد، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، والبيهقي وابن المنذر، والخطابي، وذكر أقوالهم فقال: (لكن قال النسائي: لا يصح هذا الحديث: قال أبو داود (٢) : سمعت أحمد بن حنبل يقول الذي يرويه عن سلمة شيخ لا يعرف ولا يحدث عنه غير الحسن يعني قبيصة بن حريث، وقال البخاري في (التاريخ) (٣) قبيصة بن حريث سمح سلمة بن المحبق في حديثه نظر، وقال ابن المنذر (٤) . لا يثبت خبر سلمة بن المحبق، وقال البيهقي (٥) وقبيصة بن حريث غير معروف، وقال الخطابي (٦) : هذا الحديث منكر وقبيصة غير معروف والحجة لا تقوم بمثله، وكان الحسن (٧) لا يبالي أن يروي الحديث ممن سمع) .

стр. 136

وقد ذكر أقوال هؤلاء الأئمة كل من المنذري (١) والشوكاني رحمهما الله تعالى ولم يتعقبوها بشيء. ثانياً: موقف القائلين بقبول الحديث اختلف موقفها منه إلى فرقتين: الفرقة الأولى: قالت إن هذا الحديث منسوخ بأحكام الحدود. وفي بيان هذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٢) : (قالت طائفة هو منسوخ وكان هذا قبل نزول الحدود) . وقد ذكر الخطابي القول بالنسخ عن الحسن البصري رحمه الله تعالى فيما بلغه فقال (٣) : (وقد روى عن الأشعث (٤) صاحب الحسن أنه قال: بلغني أن هذا كان قبل الحدود) . ثم يقول الخطابي (٥) : (وخليق أن يكون الحديث منسوخاً إن كان له أصل في الرواية) . وقفة وتأمل: إن الذي دعى القائلين بالنسخ إلى القول به هو كون هذا الحديث فيه مخالفة للأصول منها أن فيه إسقاطاً لحد الزنى، وابن القيم رحمه الله تعالى يورد هذا الاعتراض ويرفضه مبيناً أنه ليس في الحديث تعرض لحد الزنى فيقول (٦) :

стр. 137

(فإن قيل: فهب أنكم خرجتم ذلك على القياس، فما تصنعون بسقوط الحد عنه، وقد وطئ فرجاً لا ملك له فيه ولا شبهة ملك؟. قيل: الحديث لم يتعرض بنفي ولا إثبات، وإنما دل على الضمان وكيفيته) . وهذا جواب مسلم به فإن الحديث في كافة رواياته ليس فيه تعرض للحد فكيف يقال أن الحديث فيه إسقاط الحد. وأيضاً فإن القول بالنسخ لا بد فيه من معرفة التاريخ، وهو هنا غير معلوم فيتبين إذا أن القول بالنسخ غير وارد والله أعلم. الفرقة الثانية: الذين قالوا بأن هذا الحديث محكم غير منسوخ فخرجوه على وفق القياس. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى تخريجهم لهذا الحديث على وفق القياس فقال (١) : (وقالت طائفة: بل وجهه أنه إذا استكرهها فقد أفسدها على سيدتها ولم تبق ممن تصلح لها، ولحق بها العار وهذا مثلة معنوية فهي كالمثلة الحسية أو أبلغ منها، وهو قد تضمن أمرين: إتلافها على سيدتها، والمثلة المعنوية بها، فتلزمه غرامتها لسيدتها وتعتق عليه. وأما إن طاوعته فقد أفسدها على سيدتها فتلزمه قيمته لها، ويملكها لأن القيمة قد استخفت عليه، وبمطاوعتها وإرادتها خرجت عن شبهة المثلة، قالوا ولا يعد في تنزيل الإتلاف المعنوي منزلة الإتلاف الحسي إذ كلاهما يحول بين المالك وبين الانتفاع بملكه، ولا ريب أن جارية الزوجة إذا صارت موطؤة لزوجها، فإنها لا تبقى لسيدتها كما كانت قبل الوطء، فهذا الحكم من أحسن الأحكام وهو موافق للقياس الأصولي) . اختلاف العلماء: اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في حكم من وطىء جارية امرأته على أقوال

стр. 138

أشهرها ما يلي: القول الأول: أن من وطئ جارية امرأته بإذنها جلد مائة جلدة تعزيراً وإن لم تكن زوجته أحلتها له فإنه زان حكمه حكم الزنى. وهذا مذهب الحنابلة وهو اختيار ابن القيم رحمه الله تعالى (١) . وجه الاستدلال منه: هو أن الحديث نص على أنه إذا لم تكن أحلتها له فلا حد لأن إحلال الزوجة شبهة توجب سقوط الحد ولا تسقط التعزير فكانت المائة تعزيراً والله أعلم (٢) . القول الثاني: أن وطء الرجل جارية زوجته لا يوجب الحد إن ظن الحل وإن لم يظن الحل حد. وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه (٣) . دليله: استدل بعموم أحاديث درء الحدود بالشبهات، فظن الحلّ هنا شبهة فعل دارءة للحد (٤) . القول الثالث: أن من وطيء جارية امرأته وجب عليه حد الزنى بكل حال. وهو مذهب مالك والشافعي وهو قول عمر وعلي ﵄ (٥) .

стр. 139

دليله: هو أن هذا وطء ليس في نكاح ولا ملك ولا شركة ملك فأوجب الحد ومجرد الإباحة لا يوجب درء الحد لأنه لا شبهة له فيها أصلاً فلا تكون إذا شبهة دارئة للحد والله أعلم (١) . الترجيح: لا شك أن حديث قبيصة ﵁ لا تعرض فيه لحد من وطئ جارية امرأته أو عدمه وإن العمدة في المرفوع هو حديث النعمان بن بشير ﵁، وابن القيم رحمه الله تعالى قد حكم بأن هذا حديث حسن وأخذ بما دل عليه من أحكام منها حد من وطئ جارية امرأته إن لم تكن أحلتها له وإن أحلتها فيعزر بمائة جلدة وسلفه في هذا الإمام أحمد رحمه الله تعالى وشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. ومن بعدهم جميعاً العلامة الشوكاني. وبموازنة هذا الاختيار بآراء العلماء في فقه هذه المسألة نجد أن ابن القيم رحمه الله تعالى أسعد بموافقة القياس الصحيح لهذا الاختيار المفصل. فانه مع توقفي بصحة حديث النعمان ﵁ فإن الذي يظهر لي والله أعلم هو أرجحية هذا القول المختار لدى ابن القيم على غيره من الأقوال والذي دل عليه حديث النعمان ﵁، وذلك لموافقته القياس والنظر الصحيح في درء الحدود بالشبهة، في حالة إحلالها له من زوجته، وأما إذا لم تحلها له فإن الحد يجب لعدم ورود شبهة دارءة للحد والله أعلم.

стр. 140

المبحث التاسع: في عقوبة من زنى بذات محرمة (١) حكى ابن القيم رحمه الله تعالى اتفاق المسلمين على أن من زنى بذات محرمه فإن عليه الحد، وأن الخلاف الحاصل إنما هو في صفة حده فقال (٢) : (اتفق المسلمون على أن من زنى بذات محرمه فعليه الحد، وإنما اختلفوا في صفة الحد: هل هو القتل بكل حال أو حده حد الزاني على قولين: مذهب الشافعي ومالك وأحمد في أحد روايتيه: أن حده حد الزاني. وذهب أحمد وإسحاق وجماعة من أهل الحديث إلى أن حده القتل بكل حال) . اختياره رحمه الله تعالى: اختار ابن القيم رحمه الله تعالى قتله بكل حال محصناً أم غير محصن. دليله: استدل له ابن القيم بحديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: من وقع على ذات محرمه فاقتلوه (٣) . وجه الاستدلال: هو أن دلالة هذا الحديث نصية على قتل من وقع على ذات محرم مطلقاً فهي أخص مما ورد في الزنى والله أعلم.

стр. 141

الترجيح: ويظهر لي رجحان اختيار ابن القيم رحمه الله تعالى لدلالة النص عليه والمقام يقتضي التفصيل فلو كان حكمه التفريق بين المحصن وغيره لبينه ﷺ فدل بعموم حكمه من غير استفصال على قتله مطلقاً والله أعلم. المبحث العاشر: إقامة حد الزنى بالحبل (١) . في معرض أبحاث ابن القيم رحمه الله تعالى في الحكم بالقرائن الظاهرة: ضرب المثال بالحكم بإقامة حد الزنى بالحبل. وقرر أن هذا هو أصح القولين في المسألة وذكر دليله وصحته. ولمعرفة مدى قوة هذا الاختيار لا بد من ذكر القول المقابل له وذكر أدلته، وإجراء المناقشات الواردة على الأدلة في المسألة. وتفصيل القول في ذلك على ما يلي: القول الأول: إقامة حد الزنى بالقرينة الظاهرة: الحبل. اختار ابن القيم رحمه الله تعالى هذا القول. وذكر أن هذا هو قول عمر ﵁ وعليه فقهاء المدينة، وهو مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه (١) : تقييد هذا القول (٣) : هكذا حكى ابن القيم رحمه الله تعالى وينبغي أن يعلم أن هذا القول ليس على

стр. 142

إطلاقه عند من حكاه عنهم بل هو مقيد بأمرين: الأول: أن لا يكون من ظهر بها الحمل- ذات زوج ولا سيد. الثاني: أن لا تذكر شبهة موجبة لدرء الحد كدعوى أنها مكرهة بأمارة ظاهرة كأن تأتي مثلاً - تدمي مستغيثة عند نزول الأمر بها. فإذا تحقق هذان القيدان كان الحبل حينئذ قرينة ظاهرة موجبة لإقامة حد الزنى- على هذا القول. وينبغي أن يخرج اختيار ابن القيم على هذا لأنه ذكر اختياره مذهباً لأولئك ومذهبهم متقيد بذلك والله أعلم. أدلة هذا القول: وقد استدل ابن القيم رحمه الله تعالى لهذا القول بالسنة وفتوى الصحابة وقضائهم ﵃ والقياس الأولى. وأنا أسوقها كما ذكرها ثم أذكر ما يرد عليها من مناقشات وبيانها على ما يلي: الأول: حديث بصرة ﵁ (١) . قال (تزوجت امرأة بكراً في سترها فدخلت عليها فإذا هي حبلى، فقال النبي ﷺ : لها الصداق بما استحللت من فرجها، والولد عبد لك، فإذا ولدت فاجلدها، أو قال: فحدوها) رواه أبو داود (٢) . وجه الاستدلال: ثم ذكر رحمه الله تعالى وجه الاستدلال منه فقال (٣) :

стр. 143

(حديث بصرة هذا فيه أنه أمره بجلدها بمجرد الحمل، من غير اعتبار بينة ولا إقرار) . فدلالة هذا الحديث نصية على الحد بالقرينة الظاهرة وهي الحبل إذ ليس في الحديث أن شهوداً أربعة شهدوا عند النبي ﷺ بذلك ولا أنها أقرت به، فتخلص أن موجب الحد الحبل. مناقشة هذا الدليل: هذا الحديث انفرد به أبو داود عن بقية الستة (١) . وقد رواه أبو داود موصولاً من حديث سعيد بن المسيب (٢) عن بصرة ﵁، ورواه مرسلاً (٣) عن ابن المسيب عن النبي ﷺ . وصحابي الحديث بصرة ﵁ مختلف في صحبته واسمه والذي عليه الحفاظ كابن عبد البر (٤) ، والذهبي (٥) ، وابن حجر (٦) أنه صحابي اسمه بصرة بن أكثم الأنصاري ﵁. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى لهذا الحديث علتين فقال (٧) : (له- أي لهذا الحديث- علة عجيبة وهي: أنه حديث يرويه ابن جريج (٨) عن

стр. 144

صفوان ابن سليم (١) ، عن سعيد ابن المسيب عن رجل من الأنصار. وأن جريجاً لم يسمعه من صفوان، إنما رواه عن، إبراهيم ابن محمد ابن أبي يحيى الأسلمي (٢) عن صفوان. وإبراهيم هذا: متروك الحديث، تركه: أحمد بن حنبل ويحيى ابن معين (٣) وابن المبارك (٤) ، وأبو حاتم، وأبو زرعة (٥) الرازيان وغيرهم. وسئل عنه مالك، أكان ثقة فقال: لا ولا في دينه. وله علة أخرى: وهي أن المعروف أنه إنما يرويه مرسلاً عن سعيد ابن المسيب عن النبي ﷺ كذا رواه قتادة، ويزيد ابن نعيم (٦) ، وعطاء الخراساني (٧) كلهم عن سعيد عن النبي ﷺ . وذكر عبد الحق (٨) هاتين العلتين، ثم قال: والإرسال هو الصحيح) . وله أيضاً علة ثالثة: وهو أن ابن جريج مدلس وقد عنعن. فتخلص أن هذا الحديث بهذا الإسناد فيه ثلاث علل:

стр. 145

الأولى: عنعنة ابن جريج وهو مدلس. الثانية: أن ابن جريج يرويه عن ابن أبي يحيى وهو: متروك. الثالثة: أنه قد اختلف في وصله وإرساله. والذي عليه الأكثر روايته مرسلاً وهذا هو المعروف. وقد حكم بإرساله: عبد الحق. والخطابي. وعليه فإن الحديث بهذه العلل لا يكون حجة والله أعلم. الثاني: (قول عمر ﵁: الرجم حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف متفق عليه) (١) . وجه الاستدلال: دلالة هذا الأثر نصية على الحكم بإقامة حد الزنى بالقرينة الظاهرة وهي: الحبل. إذ جعل عمر ﵁: مجرد وجود الحبل موجباً لإقامة حد الزنى كإيجابه بالبينة أو الاعتراف الثالث: أن هذا كما ثبت من قول عمر ﵁ فقد ثبت أيضاً من حكمه وقضائه ﵁. وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٢) : (وقد حكم أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب ﵁ والصحابة ﵃ معه: برجم المرأة التي ظهر بها حمل ولا زوج لها ولا سيد) . الرابع: قياس الأولى:
следующие страницы →