← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 10500

الحدود والتعزيرات عند ابن القيم

بكر أبو زيد

Полный текст (492 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الترجيح: ويظهر لي رجحان اختيار ابن القيم رحمه الله تعالى لدلالة النص عليه والمقام يقتضي التفصيل فلو كان حكمه التفريق بين المحصن وغيره لبينه ﷺ فدل بعموم حكمه من غير استفصال على قتله مطلقاً والله أعلم. المبحث العاشر: إقامة حد الزنى بالحبل (١) . في معرض أبحاث ابن القيم رحمه الله تعالى في الحكم بالقرائن الظاهرة: ضرب المثال بالحكم بإقامة حد الزنى بالحبل. وقرر أن هذا هو أصح القولين في المسألة وذكر دليله وصحته. ولمعرفة مدى قوة هذا الاختيار لا بد من ذكر القول المقابل له وذكر أدلته، وإجراء المناقشات الواردة على الأدلة في المسألة. وتفصيل القول في ذلك على ما يلي: القول الأول: إقامة حد الزنى بالقرينة الظاهرة: الحبل. اختار ابن القيم رحمه الله تعالى هذا القول. وذكر أن هذا هو قول عمر ﵁ وعليه فقهاء المدينة، وهو مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه (١) : تقييد هذا القول (٣) : هكذا حكى ابن القيم رحمه الله تعالى وينبغي أن يعلم أن هذا القول ليس على

стр. 142

إطلاقه عند من حكاه عنهم بل هو مقيد بأمرين: الأول: أن لا يكون من ظهر بها الحمل- ذات زوج ولا سيد. الثاني: أن لا تذكر شبهة موجبة لدرء الحد كدعوى أنها مكرهة بأمارة ظاهرة كأن تأتي مثلاً - تدمي مستغيثة عند نزول الأمر بها. فإذا تحقق هذان القيدان كان الحبل حينئذ قرينة ظاهرة موجبة لإقامة حد الزنى- على هذا القول. وينبغي أن يخرج اختيار ابن القيم على هذا لأنه ذكر اختياره مذهباً لأولئك ومذهبهم متقيد بذلك والله أعلم. أدلة هذا القول: وقد استدل ابن القيم رحمه الله تعالى لهذا القول بالسنة وفتوى الصحابة وقضائهم ﵃ والقياس الأولى. وأنا أسوقها كما ذكرها ثم أذكر ما يرد عليها من مناقشات وبيانها على ما يلي: الأول: حديث بصرة ﵁ (١) . قال (تزوجت امرأة بكراً في سترها فدخلت عليها فإذا هي حبلى، فقال النبي ﷺ : لها الصداق بما استحللت من فرجها، والولد عبد لك، فإذا ولدت فاجلدها، أو قال: فحدوها) رواه أبو داود (٢) . وجه الاستدلال: ثم ذكر رحمه الله تعالى وجه الاستدلال منه فقال (٣) :

стр. 143

(حديث بصرة هذا فيه أنه أمره بجلدها بمجرد الحمل، من غير اعتبار بينة ولا إقرار) . فدلالة هذا الحديث نصية على الحد بالقرينة الظاهرة وهي الحبل إذ ليس في الحديث أن شهوداً أربعة شهدوا عند النبي ﷺ بذلك ولا أنها أقرت به، فتخلص أن موجب الحد الحبل. مناقشة هذا الدليل: هذا الحديث انفرد به أبو داود عن بقية الستة (١) . وقد رواه أبو داود موصولاً من حديث سعيد بن المسيب (٢) عن بصرة ﵁، ورواه مرسلاً (٣) عن ابن المسيب عن النبي ﷺ . وصحابي الحديث بصرة ﵁ مختلف في صحبته واسمه والذي عليه الحفاظ كابن عبد البر (٤) ، والذهبي (٥) ، وابن حجر (٦) أنه صحابي اسمه بصرة بن أكثم الأنصاري ﵁. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى لهذا الحديث علتين فقال (٧) : (له- أي لهذا الحديث- علة عجيبة وهي: أنه حديث يرويه ابن جريج (٨) عن

стр. 144

صفوان ابن سليم (١) ، عن سعيد ابن المسيب عن رجل من الأنصار. وأن جريجاً لم يسمعه من صفوان، إنما رواه عن، إبراهيم ابن محمد ابن أبي يحيى الأسلمي (٢) عن صفوان. وإبراهيم هذا: متروك الحديث، تركه: أحمد بن حنبل ويحيى ابن معين (٣) وابن المبارك (٤) ، وأبو حاتم، وأبو زرعة (٥) الرازيان وغيرهم. وسئل عنه مالك، أكان ثقة فقال: لا ولا في دينه. وله علة أخرى: وهي أن المعروف أنه إنما يرويه مرسلاً عن سعيد ابن المسيب عن النبي ﷺ كذا رواه قتادة، ويزيد ابن نعيم (٦) ، وعطاء الخراساني (٧) كلهم عن سعيد عن النبي ﷺ . وذكر عبد الحق (٨) هاتين العلتين، ثم قال: والإرسال هو الصحيح) . وله أيضاً علة ثالثة: وهو أن ابن جريج مدلس وقد عنعن. فتخلص أن هذا الحديث بهذا الإسناد فيه ثلاث علل:

стр. 145

الأولى: عنعنة ابن جريج وهو مدلس. الثانية: أن ابن جريج يرويه عن ابن أبي يحيى وهو: متروك. الثالثة: أنه قد اختلف في وصله وإرساله. والذي عليه الأكثر روايته مرسلاً وهذا هو المعروف. وقد حكم بإرساله: عبد الحق. والخطابي. وعليه فإن الحديث بهذه العلل لا يكون حجة والله أعلم. الثاني: (قول عمر ﵁: الرجم حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف متفق عليه) (١) . وجه الاستدلال: دلالة هذا الأثر نصية على الحكم بإقامة حد الزنى بالقرينة الظاهرة وهي: الحبل. إذ جعل عمر ﵁: مجرد وجود الحبل موجباً لإقامة حد الزنى كإيجابه بالبينة أو الاعتراف الثالث: أن هذا كما ثبت من قول عمر ﵁ فقد ثبت أيضاً من حكمه وقضائه ﵁. وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٢) : (وقد حكم أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب ﵁ والصحابة ﵃ معه: برجم المرأة التي ظهر بها حمل ولا زوج لها ولا سيد) . الرابع: قياس الأولى:

стр. 146

وفي بيانه يقول رحمه الله تعالى (١) : (ولأن وجود الحمل أمارة ظاهرة على الزنى أظهر من دلالة البينة، وما يتطرق إلى دلالة الحمل يتطرق مثله إلى دلالة البينة وأكثر) . أي فيكون الحكم بالحبل أولى من الحكم بالبينة وهي الشهادة. وهذا من باب قياس الأولى وهو قياس مستوف لأركانه وشرائطه: فقد ذكر المقيس: وهو القرينة الظاهرة: الحبل. وذكر المقيس عليه: وهو البينة: الشهادة. والعلة الجامعة: هي الدلالة على الزنى في كلّ منهما. والحكم: وهو إقامة حد الزنى. هذا هو اختيار ابن القيم وهذا أدلته التي استدل بها له. فإلى القول الآخر في المسألة مع بيان وجهته وموقفه من أدلة هذا الرأي. القول الثاني: وهو عدم إقامة الحد بالحبل فلا يثبت الزنى إلا ببينة أو اعتراف فإذا أحبلت امرأة لا زوج لها ولا سيد. وسئلت فادعت إكراهاً أو أنها ذات زوج أو نحو ذلك من وجوه الدفع، لم تحد بمجرد الحبل ولو لم تأت ببينة على ذلك. وهذا مذهب الحنفية والشافعية والمعتمد في مذهب الحنابلة (٢) أدلتهم: استدلوا بمقتضى قاعدة الشريعة المطردة وجملة من أقضية الصحابة ﵃ في ذلك وبيانها على ما يلي:

стр. 147

الأول: أن قاعدة الشريعة المطردة درء الحد بالشبهة بالإجماع. والشبهة هنا متحققة من وجوه متعددة (١) : فيحتمل أنه من وطء إكراه والمستكرهة لا حد عليها. ويحتمل أنه من وطء رجل واقعها في نومها وهي ثقيلة النوم. ويحتمل أنه من وطء شبهة. ويحتمل أنه حصل الحبل بإدخال ماء الرجل في فرجها إما بفعلها أو بفعل غيرها. فإذا كان الحد يدرء بالشبهة. والشبهة هنا واردة: صار وجود الحبل قرينة ضعيفة لا تقوى على إيجاب الحد، فلزم الدرء والله أعلم. الثاني: أقضية الصحابة ﵃ في درء الحد عمن وجدت حبلى ولا زوج لها ولا سيد وقد ادعت الاستكراه ونحوه. منها ما يلي: ١- قصة شراحة ﵂: روى عبد الرزاق في (مصنفه) (٢) أن علياً أتى بامرأة من همدان وهي حبلى يقال لها: شراحة. قد زنت، فقال لها علي ﵁: لعل الرجل استكرهك، قالت: لا. قال: فلعل الرجل قد وقع عليك وأنت راقدة، قالت: لا. قال: فلعل لك زوجاً من عدونا هؤلاء وأنت تكتمينه، قالت: لا. فحبسها حتى إذا وضعت، جلدها يوم الخميس مائة جلدة، ورجمها يوم الجمعة فأمر فحفر لها حفرة بالسوق، فدار الناس عليها، أو قال بها: فضربهم بالدرة. ثم

стр. 148

قال: ليس هكذا الرجم. إنكم إن تفعلوا هذا يفتك بعضكم بعضاً، ولكن صفوا كصفوفكم للصلاة، ثم قال: يا أيها الناس، أن أول الناس يرجم الزاني: الإمام إذا كان الاعتراف، وإذا شهد أربعة شهداء على الزنى: أول الناس يرجم: الشهود بشهادتهم عليه، ثم الإمام، ثم الناس. ثم رماها بحجر وكبر، ثم أمر الصف الأول فقال: ارموا، ثم قال: انصرفوا وكذلك صفاً صفاً حتى قتلوها) . ورواه البيهقي (١) . وأحمد (٢) . والحاكم (٣) ، والنسائي (٤) ، وأصله مختصراً في صحيح البخاري (٥) . والحديث بطوله صحيح الإسناد كما حرره الحافظ بن حجر (٦) . وجه الاستدلال: هو أن هذا الأثر نص في محل النزاع: فإن شراحة اليمانية اعترفت بالزنى وهي حبلى فسألها علي ﵁ عن موارد الشبه فنفت تلك الواردات وأصرت على اعترافها. فرجمها علي ﵁. فصار موجب الرجم الاعتراف لا الحبل، ولهذا فإن علياً ﵁ وهو الإمام- صار أول من رجم لأن الحد إذا وجب بالاعتراف صار الإمام أول من يرجم كما ذكره علي ﵁. ب- قصة المرأة المتعبدة. روى عبد الرزاق في (مصنفه) (٧) (أنه بلغ عمر ﵁ أن امرأة

стр. 149

متعبدة حملت. فقال عمر: أراها قامت من الليل تصلي خشعت فسجدت فأتاها غاو من الغواة فتجشمها فأتته فحدثته بذلك سواء فخلى سبيلها) . وجه الاستدلال: وهو ظاهر بدلالة نص الأثر عليه فإن الحبل لم يكن موجباً للحد لاحتمال الشبهة ولهذا خلى سبيلها ﵁. ج- قصة المرأة اليمانية: روى عبد الرزاق في (مصنفه) (١) (أن أبا موسى كتب إلى عمر ﵁ في امرأة أتاها رجل وهي نائمة، فقالت: أن رجلاً أتاني وأنا نائمة. فوالله ما علمت حتى قذف فيَّ مثل شهاب النار. فكتب عمر: تهامية تنومت. قد يكون مثل هذا، وأمر أن يدرء عنها الحد) . ووجه الاستدلال منه كالأثر السابق سواء. الاختيار والترجيح: هذا هو ما تحصل الوقوف عليه من ذكر الخلاف وأدلته وبيان وجوه الاستدلال منها. والذي يظهر لي والله تعالى أعلم- هو أرجحية القول الثاني على ما اختاره الإمام ابن القيم وهو القول الأول. لأنه أجرى على قاعدة الشريعة المطردة وهي: درء الحدود بالشبهات والشبهة هنا محتملة. وقد أجمع المسلمون على أنه لا يحل إقامة حد مع وجود شبهة. وعلى هذا دلت- أيضاً: أقضية الصحابة ﵃. والأدلة التي ساقها ابن القيم رحمه الله تعالى لا تعارض- فيما يظهر والله أعلم- أدلة هذا القول لأمور:

стр. 150

١- أن حديث بصرة ﵁ ليس إسناده بالقائم، فلا يكون حجة في هذا لا سيما في الحدود على أنه قد قيل بنسخه (١) . ٢- أن ما روي عن عمر ﵁ من إقامة الحد بالحبل قد روي عنه خلافه كما قاله بن قدامة (٢) على أنه يمكن الجمع في ذلك بين ما روي عنه من الإيجاب للحد والدرء. بتنزيل حكم الإنجاب حيث صار خالياً من موجبات الدرء وهذا هو الأظهر وبه تجتمع الآثار ويلتئم شملها وتعمل السنن والله أعلم. ٣- أما قياس الحبل على البينة. فهذا يعتريه: النزاع في تسليم جواز القياس في الحدود من عدمه (٣) . وفي حال التسليم تكون دلالة الحبل أقوى من البينة إذا سلمت من دعوى استكراه ونحوه من وجوه الدفع فيؤول الأمر إلى الحكم بالاعتراف لكنه مع وجود الحبل أقوى وأظهر بكل حال من مجرد اعتراف بلا حبل أو بينة والله أعلم. المبحث الحادي عشر: في ذكر حيل لإبطال حد الزنى (٤) لابن القيم رحمه الله تعالى مباحث مستفيضة في الحيل وتحريمها وبيان أن تجويزها يناقض قاعدة سد الذرائع مناقضة ظاهرة، فهي مخادعة لله ومخادعة الله حرام. وذكر جملة وافرة من الحيل المحرمة التي قال بها بعض أنصار المذاهب المتبوعة وقرر أن أكثرها من توليدات المنتسبين إلى الأئمة وتفريعهم والأئمة براء منها (٥) .

стр. 151

وفي هذه الأمثلة ذكر طرفاً من الحيل الباطلة التي قال بها من قال لإسقاط حد الزنى، وإن في إقرارها مناقضة لدين الإسلام وفتح لأبواب الفساد فقال (١) : (ومن الحيل الباطلة الحيل التي تتضمن إسقاط حد الزنى بالكلية، وترفع هذه الشريعة من الأرض: بأن يستأجر المرأة لتطوي له ثيابه، أو تحول له متاعه من جانب الدار إلى جانب آخر (٢) . أو يستأجرها لنفس الزنى ثم يزني بها. فلا يجب عليه الحد (٣) . وأعظم من هذا كله أنه إذا أراد أن يزني بأمه أو أخته أو ابنته أو خالته أو عمته ولا يجب عليه الحد فليعقد عليها النكاح بشهادة فاسقين يطؤها ولا حد عليه (٤) . وأعظم من ذلك: أن الرجل المحصن إذا أراد أن يزني ولا يحد فليرتد ثمّ يسلم فإنه إذا زنى بعد ذلك فلا حد عليه أبداً حتى يستأنف نكاحاً أو وطئاً جديداً. وأعظم من هذا كله أنه إذا زنى بأمه وخاف من إقامة الحد عليه فليقتلها فإذا فعل ذلك سقط عنه الحد (٥) ، وإذا شهد عليه الشهود بالزنى ولم يمكنه القدح فيهم فليصدقهم فإذا صدقهم سقط عنه الحد. ولا يخفي أمر هذه الحيل ونسبتها إلى دين الإسلام، وهل هي نسبة موافقة أو هي نسبة مناقضة؟) .

стр. 152

المبحث الثاني عشر: في ذكر حيلة جائزة لإبطال الشهادة على الزنى يقسّم ابن القيم رحمه الله تعالى الحيل إلى أقسام أربعة ثلاثة منها محرمة (١) لذاتها أو لما تفضي إليه. وقسم رابع يقصد به أخذ حق أو دفع باطل وهو ثلاثة أنواع (٢) : منها أن يحتال على التوصل إلى الحق أو إلى دفع الظلم بطريق مباحة وذكر لهذا النوع ما يقرب من مائة وعشرين مثالاً. ذكر منها في (المثال الخامس والخمسين) حيلة جائزة لإبطال الشهادة على الزنى فقال (٢) : (المثال الخامس والخمسون: إذا رفع إلى الإمام وادعى عليه أنه زنى، فخاف إن أنكر أن تقوم عليه البينة فيحد، فالحيلة في إبطال شهادتهم، أن يقر إذا سئل مرة واحدة ولا يزيد عليها فلا تسمع البينة مع الإقرار، وليس للحاكم ولا للإمام أن يقرره تمام النصاب بل إذا سكت لم يتعرض له، فإن كان الإمام ممن يرى وجوب الحد بالمرة الواحدة، فالحيلة أن يرجع عن إقراره فيسقط عنه الحد، فإذا خاف من إقامة البينة عليه أقر أيضاً ثم رجع، وهكذا أبدا، وهذه الحيلة جائزة، فإنه يجوز له دفع الحد عن نفسه، وأن يخلد إلى التوبة، كما قال النبي ﷺ للصحابة لما فر ماعز عن الحد (هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه) فإذا فر من الحد إلى التوبة فقد أحسن) . هذا ما قرره ابن القيم رحمه الله تعالى من جواز هذه الحيلة لأن البينة لا تسمع

стр. 153

مع الإقرار، فإذا أقر مرة واحدة بطلت البينة وصار العول على الإقرار، وهو إنما أقر مرة واحدة والحد لا بد فيه من أربع مرات في الإقرار. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أيضاً هذه الحيلة في ثلاثة مواضع من نفس كتابه (الأعلام) (١) في مقام الرد والتعقب لها وأنها حيلة باطلة لا يعتبر بها لأن تصديقه الشهود يزيد البينة قوة والعمل إنما هو بالبينة لا بالإقرار. وفي هذا يقول (٢) : (وقلتم: لو شهد عليه أربعة بالزنى فصدق الشهود سقط عنه الحد، وإن كذبهم أقيم عليه الحد وهذا من أفسد قياس في الدنيا فإن تصديقهم إنما زادهم قوة، وزاد الإمام يقيناً وعلماً أعظم من العلم الحاصل بالشهادة وتكذيبه. وتفريقكم- بأن البينة لا يعمل بها إلا مع الإنكار فإذا أقر فلا عمل للبينة، والإقرار مرة لا يكفي فيسقط الحد- تفريق باطل، فإن العمل ههنا بالبينة لا بالإقرار، وهو إنما صدر منه تصديق البينة التي وجب الحكم بها بعد الشهادة، فسواء أقر أم لم يقر فالعمل إنما هو بالبينة) . ويقول أيضاً (٣) : (ومن العجب أنه لو شهد عليه أربعة بالزنى فكذب الشهود حد وإن صدقهم سقط عنه الحد) . وإن من تأمل التعليل في مقامي المنع والجواز لهذه الحيلة تبين له فضل المنع له على الجواز لضعف ما بني عليه الجواز من تعليل كما هو ظاهر من تعقب ابن القيم رحمه الله تعالى.

стр. 154

المبحث الثالث عشر: اللواط (١) في القرآن والسنة (٢) جريمة اللواط لم يعملها أحد من العالمين قبل قوم لوط كما قال تعالى (أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين) . وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى ما في قصة اللوطية من المواعظ والعبر الدالة على عظم إثم هذه الفعلة وغلظها (٣) . ثم ذكر رحمه الله تعالى السور التي وردت فيها عقوبة اللوطية فقال (٤) : (وقد ذكر الله سبحانه عقوبة اللوطية وما حل بهم من البلاء في عشر سور من القرآن هي: سورة الأعراف (٥) ، وهود (٦) ، والحجر (٧) ، والأنبياء (٨) ، والفرقان (٩) ،

стр. 155

والشعراء (١) ، والنمل (٢) ، والعنكبوت (٣) ، والصافات (٤) ، واقتربت الساعة (٥) وجمع على القوم بين عمي الأبصار، وخسف الديار، والقذف بالأحجار ودخول النار، وقال محذراً لمن عمل عملهم ما حل بهم من العذاب الشديد (٦) (وما قوم لوط منكم ببعيد) . وأما اللواط في السنة فإنه جاء فيها على وجهين: ١- وعيد فاعله (٧) ٢- بيان عقوبته من قوله ﷺ (٨) . وأما قضاء فلم يقض فيه النبي ﷺ بشيء لأن العرب لم تكن تعرفه ولم يرفع إليه ﷺ فيه بشيء. وفي هذا يقول رحمه الله تعالى (٩) : (لم يثبت عنه ﷺ أنه قضى في اللواط بشيء لأن هذا لم تكن تعرفه العرب ولم

стр. 156

يرفع إليه ﷺ ولكن ثبت عنه أنه ﷺ قال (اقتلوا الفاعل والمفعول به) رواه أهل السنن الأربعة وإسناده صحيح) . وهذا النص من ابن القيم رحمه الله تعالى قد سبقه إلى نحوه ابن الطلاع (١) في (أحكامه) . كما ذكره الحافظ بن حجر إذ قال (٢) : (قال ابن الطلاع في (أحكامه) لم يثبت عن رسول الله ﷺ أنه رجم في اللواط، ولا أنه حكم فيه وثبت عنه أنه قال: اقتلوا الفاعل والمفعول به) . المبحث الرابع عشر: في مفاسد اللوطية الصغرى (٣) يقرر ابن القيم رحمه الله تعالى أن وطء النساء (الزوجات) في أدبارهن لم يبح على لسان نبي قط وأن من نسب إلى بعض السلف إباحة وطء الزوجة في دبرها فقد غلط عليه أقبح الغلط وأفحشه، وأن وطء النساء (اللوطية الصغرى) إلى الوطء في أدبار الصبيان (اللوطية الكبرى) . وقد ذكر في هذا المبحث مفاسد هذه الذريعة المحرمة وأضرارها ومن هذه المفاسد والأضرار ما تنفرد به اللوطية الصغرى ومنها ما هو مشترك بين اللوطيتين، وفي هذا يقول رحمه الله تعالى (٤) :

стр. 157

(إذا كان الله حرم الوطء في الفرج لأجل الأذى العارض فما الظن بالحش (١) الذي هو محل الأذى اللازم مع زيادة المفسدة بالتعرض لانقطاع النسل، والذريعة القريبة جداً من أدبار النساء إلى أدبار الصبيان. وأيضاً: فللمرأة حق على الزوج في الوطء ووطؤها في دبرها يفوت حقها، ولا يقضي وطرها ولا يحصل مقصودها. وأيضاً: فإن الدبر لم يتهيأ لهذا العمل ولم يخلق له، وإنما الذي هيىء له الفرج. فالعادلون عنه إلى الدبر خارجون عن حكمة الله وشرعه جميعاً. وأيضاً: فإن ذلك مضر بالرجل، ولهذا ينهي عنه عقلاء الأطباء من الفلاسفة وغيرهم، لأن للفرج خاصية في اجتذاب الماء المحتقن وراحة الرجل منه والوطء في الدير لا يعين على اجتذاب جميع الماء، ولا يخرج كل المحتقن لمخالفته للأمر الطبيعي. وأيضاً: يضر من وجه آخر، وهو إحواجه إلى حركات متعبة جداً لمخالفته للطبيعة. وأيضاً: فإنه محل القذر والنجو فيستقبله الرجل بوجهه ويلاقيه. وأيضاً: فإنه يضر بالمرأة جداً، لأنه وارد بعيد غريب عن الطباع منافر لها غاية المنافرة. وأيضاً: فإنه يحدث الهمّ والغمّ والنفرة عن الفاعل والمفعول به. وأيضاً: فإنه يسود الوجه ويظم الصدر ويطمس نور القلب، ويكسي الوجه وحشة تصير عليه كالسيماء يعرفها من له أدنى فراسة.

стр. 158

وأيضاً: فإنه يوجب النفرة، والتباغض الشديد والتقاطع بين الفاعل والمفعول به ولا بد. وأيضاً: فإنه يفسد حال الفاعل والمفعول به فساداً لا يكاد يرجى بعده صلاح إلا أن يشاء الله بالتوبة النصوح. وأيضاً: فإنه يذهب بالمحاسن منها ويكسوها ضدها كما يذهب بالمودة بينهما ويبدلها به تباغضاً وتلاعناً. وأيضاً: فإنه من أكبر أسباب زوال النعم وحلول النقم، فإنه يوجب اللعنة والمقت من الله وإعراضه عن فاعله وعدم نظره إليه، فأي خير يرجوه بعد هذا وأي شر يأمنه، وكيف حياة قد حلت عليه لعنة الله ومقته وأعرض عنه بوجهه ولم ينظر إليه. وأيضاً: فإنه يذهب بالحياء جملة والحياء هو حياة القلوب، فإذا فقدها القلب استحسن القبيح، واستقبح الحسن، وحينئذٍ فقد استحكم فساده. وأيضاً: فإنه يحيل الطباع عما ركبها الله، ويخرج الإنسان عن طبعه إلى طبع لم يركب الله عليه شيئاً من الحيوان، بل هو طبع منكوس، وإذا نكس الطبع انتكس القلب والعمل والهدى، فيستطيب حينئذ الخبيث من الأعمال والهيئات ويفسد حاله وعمله وكلامه بغير اختياره. وأيضاً: فإنه يورث من الوقاحة والجرأة ما لا يورثه سواه. وأيضاً: فإنه يورث من المهانة والسفال والحقارة ما لا يورثه غيره. وأيضا: فإنه يكسو العبد من حلة المقت والبغضاء وازدراء الناس له واحتقارهم إياه، واستصغارهم له، ما هو مشاهد بالحس. فصلاة الله وسلامه على من سعادة الدنيا والآخرة في هديه واتباع ما جاء به، وهلاك الدنيا والآخرة في مخالفة هديه وما جاء به) .

стр. 159

المبحث الخامس عشر: في مفاسد اللواط وأن مفسدته أعظم من كل ذنب بعد الشرك بالله تعالى (١) فيما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى من مفاسد اللوطية الصغرى (٢) مفاسد وأضرار مشتركة بين اللوطيتين: خلقية، وطبية، وطبيعية. وقد بيّن أيضاً رحمه الله تعالى جملة مما في سبيل اللوطية الكبرى من المفاسد الدنيوية والأخروية فقال (٣) : (أما سبيل الأمة اللوطية فتلك سبيل الهالكين المفضية بسالكها إلى منازل المعذبين الذين جمع الله عليهم من أنواع العقوبات ما لم يجمعه على أمة من الأمم لا من تأخر عنهم ولا من تقدم وجعل آثارهم وديارهم عبرة للمعتبرين وموعظة للمتقين (٤) ... وجمع على القوم بين عمي الأبصار وخسف الديار، والقذف بالأحجار، ودخول النار، وقال محذراً لمن عمل عملهم ما حل بهم من العذاب الشديد (وما قوم لوط منكم ببعيد) . وقال بعض العلماء إذا علا الذكر الذكر هربت الملائكة، وعجت الأرض إلى ربها، ونزل سخط الجبار ﷻ عليهم، وغشيتهم اللعنة، وحفت بهم الشياطين، واستأذنت الأرض ربها أن تخسف بهم، وثقل العرش على حملته، وكبرت الملائكة، واستعرت الجحيم فإذا جاءته رسل الله لقبض روحه نقلوها إلى ديار إخوانهم وموضع عذابهم فكانت روحه بين أرواحهم، وذلك أضيق مكاناً

стр. 160

وأعظم عذاباً من عذاب الزناة، فلا كانت لذة توجب هذا العذاب الأليم، وتسوق صاحبها إلى مرافقة أصحاب الجحيم، تذهب اللذات وتعقب الحسرات، وتفنى الشهوة، وتبقى الشقوة، وكان الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله تعالى ينشد: تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها ... من الحرام ويبقى الخزي والعار تبقى عواقب سوء في مغبتها ... لا خير في لذة من بعدها النار وفي معرض بحثه رحمه الله تعالى لعقوبة اللواط وأن عقوبته أغلظ من عقوبة الزنى فيقتل على كل حال بين رحمه الله تعالى في مساق التأييد لهذا القول، وجه كون مفسدة اللواط تلي مفسدة الكفر بالله تعالى، وأن اللواط أعظم مفسدة من الزنى ومن القتل وبسط ذلك ببيان قصة اللوطية في القرآن الكريم وما فيها من وجوه الشناعة والذم فقال رحمه الله تعالى (٢) : (ليس في المعاصي أعظم مفسدة من هذه المفسدة، وهي تلي مفسدة الكفر، وربما كانت أعظم من مفسدة القتل. قالوا: ولم يبتل الله سبحانه بهذه الكبيرة قبل قوم لوط أحداً من العالمين، وعاقبهم عقوبة لم يعاقب بها أحداً غيرهم، وجمع عليهم أنواعاً من العقوبات، بين الإهلاك، وقلب ديارهم عليهم والخسف بهم، ورجمهم بالحجارة من السماء، فنكل بهم نكالا لم ينكله أمة سواهم، وذلك لعظم مفسدة هذه الجريمة التي كادت تميد الأرض من جوانبها إذا عملت عليها، وتهرب الملائكة إلى أقطار السموات والأرض إذا شاهدوها خشية نزول العذاب على أهلها فيصيبهم معهم، وتعج الأرض إلى ربها ﵎، وتكاد الجبال تزول عن أماكنها، وقتل المفعول به خير له من وطئه، فإنه إذا وطئه قتله قتلا لا ترجى الحياة معه، بخلاف قتله، فإنه مظلوم شهيد أو ربما ينتفع به في آخرته.

стр. 161

قالوا: والدليل على هذا أن الله سبحانه جعل حد القاتل إلى خبرة الولي، إن شاء قتل، وإن شاء عفا، وحتم قتل اللوطي حداً كما أجمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ ودلت عليه سنة رسول الله ﷺ الصحيحة الصريحة التي لا معارض لها، بل عليها عمل أصحابه وخلفائه الراشدين ﵃ أجمعين ... (١) . قالوا: وثبت عنه ﷺ أنه قال: لعن الله من عمل عمل قوم لوط ثلاثا - ولم يجئ عنه ﷺ لعنة الزاني ثلاث مرات في حديث واحد، وقد لعن جماعة من أهل الكبائر فلم يتجاوز بهم في اللعن مرة واحدة، وكرر لعن اللوطية وأكده ثلاث مرات. وأطبق أصحاب رسول الله ﷺ على قتله ... (٢) قالوا: ومن تأمل قوله سبحانه (٣) (ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا) وقوله في قوم لوط (٤) (أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين) تبين له تفاوت ما بينهما، وأنه سبحانه نكر الفاحشة في الزنى أي هو فاحشة من الفواحش، وعرفها في اللواط، وذلك يفيد أنه جامع لمعاني اسم الفاحشة، كما تقول زيد الرجل ونعم الرجل زيد، أي أتأتون الخصلة التي استقر فحشها عند كل أحد، فهي لظهور فحشها وكماله غنية عن ذكرها بحيث لا ينصرف الاسم إلى غيرها، وهذا نظير قول فرعون لموسى (٥) (وفعلت فعلتك التي فعلت) أي الفعلة الشنعاء الظاهرة المعلومة لكل أحد. ثم أكد سبحانه شأن فحشها بأنها لم يعملها أحد من العالمين قبلهم فقال (٦) : (ما سبقكم بها من أحد من العالمين) .

стр. 162

ثم زاد في التأكيد بأن صرح بما تشمئز منه القلوب وتنبو عنه الأسماع وتنفر منه الطباع أشد نفرة وهو إتيان الرجل رجلاً مثله ينكحه كما ينكح الأنثى فقال (١) (أئنكم لتأتون الرجال) . ثم نبه عن استغنائهم عن ذلك وأن الحامل لهم عليه ليس إلا مجرد الشهوة لا الحاجة التي لأجلها مال الذكر إلى الأنثى، من قضاء الوطر ولذة الاستمتاع، وحصول المودة والرحمة التي تنسى المرأة لها أبويها وتذكر بعلها، وحصول النسل الذي هو حفظ هذا النوع الذي هو أشرف المخلوقات وتحصين المرأة وقضاء وطرها، وحصول علاقة المصاهرة التي هي أخت النسب، وقيام الرجال على النساء وخروج أحب الخلق إلى الله من جماعهن كالأنبياء والأولياء والمؤمنين ومكاثرة النبي ﷺ الأنبياء بأمته. الى غير ذلك من مصالح النكاح. والمفسدة التي في اللواط تقاوم ذلك كله، وتربي عليه بما. لا يمكن حصر فساده ولا يعلم تفصيله إلا الله. ثم أكد قبح ذلك بأن اللوطية عكسوا فطرة الله التي فطر الله عليها الرجال، وقلبوا الطبيعة التي ركبها الله في الذكور، وهي شهوة النساء دون الذكور، فقلبوا الأمر وعكسوا الفطرة والطبيعة فأتوا الرجال شهوة من دون النساء، ولهذا قلب الله سبحانه ديارهم عليهم، فجعل عاليها سافلها وكذلك قلوبهم ونكسوا في العذاب على رؤوسهم. ثم أكد سبحانه بأن حكم عليهم بالإسراف وهو مجاوزة الحد فقال (٢) (بل أنتم قوم مسرفون) . فتأمل هل جاء مثل ذلك أو قريب منه في الزنى.

стр. 163

وأكد سبحانه ذلك عليهم بقوله (١) (ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث) . ثم أكد سبحانه عليهم الذم بوصفين في غاية القبح فقال (٣) (إنهم كانوا قوم سوء فاسقين) . وسماهم مفسدين في قول نبيهم (٣) (ربّ انصرني على القوم المفسدين) . وسماهم ظالمين في قول الملائكة لإبراهيم (٤) (إنا مهلكو أهل هذه القرية، إن أهلها كانوا ظالمين) . فتأمل من عوقب بمثل هذه العقوبات ومن ذمه الله بمثل هذه المذمات. ولما جادل خليله إبراهيم الملائكة، وقد أخبروه بإهلاكهم قيل له (٥) (يا إبراهيم أعرض عن هذا أنه قد جاء أمر ربك، وإنهم آتيهم عذاب غير مرود) . وتأمل خبث اللوطية، وفرط تمردهم على الله حيث جاءوا نبيهم لوطاً لما سمعوا بأنه قد طرقه أضيافه، هم من أحسن، البشر صوراً، فأقبل اللوطية عليه يهرولون، فلما رآهم قال لهم (٦) (يا قوم هؤلاء بناتي هنّ أطهر لكم) ففدى أضيافه ببناته يزوجهم بهن خوفا على نفسه وأضيافه من العار الشديد فقال (٧) (يا قوم هؤلاء بناتي هنّ أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد. فردوا عليه ولكن رد جبار عنيد (٨) (لقد علمت ما لنا في بناتك من حق،

стр. 164

وإنك لتعلم ما نريد) ، فنفث نبي الله نفثة مصدور، خرجت من قلب مكروب فقال (١) (لو أن لي بكم قوّة أو آوى إلى ركن شديد) . فنفس له رسل الله، وكشفوا له عن حقيقة الحال، وأعلموه أنهم ممن ليس يوصل إليهم، ولا إليه بسببهم، فلا تخف منهم ولا تعبأ بهم وهوّن عليك فقال (٢) (يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك) . وبشروه بما جاءوا به من الوعد له ولقومه من الوعيد المصيب فقالوا (٣) (فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد، إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم، إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب) . فوالله ما كان بين إهلاك أعداء الله ونجاة نبيه وأوليائه إلا ما كان بين السحر وطلوع الفجر وإذا بديارهم قد أقتلعت من أصلها ورفعت نحو السماء حتى سمعت الملائكة نباح الكلاب ونهيق الحمير فبرز المرسوم- الذي لا يرد- عن الرب الجليل، إلى عبده ورسوله جبرائيل، بأن قلبها عليهم كما أخبر به في محكم التنزيل فقال عزّ من قائل (٤) : (فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل) . فجعلهم آية للعالمين، وموعظة للمتقين، ونكالاً وسلفاً لمن شاركهم في أعمالهم من الجرمين، وجعل ديارهم بطريق السالكين (إن في ذلك لآيات للمتوسمين، وإنها لبسبيل مقيم، إن في ذلك لآية للمؤمنين) (٥) . أخذهم على غرة وهم نائمون، وجاءهم بأسه وهم في سكرتهم يعمهون، فما

стр. 165

أغنى عنهم ما كانوا يكسبون، فقلبت تلك اللذات آلاماً، فأصبحوا بها يعذبون. مآرب كانت في الحياة لأهلها ... عِذاباً فصارت في الممات عَذاباً. ذهبت اللذات، وأعقبت الحسرات، وانقضت الشهوات، وأورثت الشقوات تمتعوا قليلاً، وعذبوا طويلاً، رتعوا مرتعاً وخيما، فأعقبهم عذاباً أليماً، أسكرتهم خمرة تلك الشهوات، فا استفاقوا منها إلا في ديار المعذبين، وأرقدتهم تلك الفعلة فما استيقظوا منها إلا وهم في منازل الهالكين، فندموا والله أشد الندامة حين لا ينفع الندم، وبكوا على ما أسلفوه بدل الدموع بالدم. فلو رأيت الأعلى والأسفل من هذه الطائفة، والنار تخرج من منافذ وجوههم وأبدانهم وهم بين أطباق الجحيم، وهم يشربون بدل لذيذ الشراب كؤوس الحميم. ويقال لهم وهم على وجوههم يسحبون، ذوقوا ما كنتم تكسبون (١) (اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليم إنما تجزون ما كنتم تعملون) . ولقد قرّب الله مسافة العذاب بين هذه الأمة وبين إخوانهم في العمل فقال مخوفاً لهم أن يقع الوعيد (٢) (وما هي من الظالمين ببعيد) . فيا ناكحي الذكران يهنيكم البشرى ... فيوم معاد الناس إن لم أجرا كلوا واشربوا وازنوا ولوطوا وأبشروا ... فإن لكم زفاً إلى الجنة الحمرا. فإخوانكم قد مهدوا الدار قبلكم ... وقالوا، إلينا عجلوا لكم البشرى وها نحن أسلاف لكم في انتظاركم ... سيجمعنا الجبار في ناره الكبرى فلا تحسبوا أن الذين نكحتموا ... يغيبون عنكم بل ترونهم جهراً ويلعن كلاً منكم لخليه ... ويشقى به المحزون في الكرة الأخرى يعذب كلاً منهما بشريكه ... كما اشتركا في لذة توجب الوزرا

стр. 166

المبحث السادس عشر: في عقوبة اللواط (١) يقرر- ابن القيم رحمه الله تعالى أن الصحابة ﵃ متفقون على قتل اللوطي، وإن الخلاف بينهم إنما هو في كيفية قتله. فغلط بعض الناس، فنقل محل الخلاف إلى محل الاتفاق، وظنوا أن الصحابة ﵃ قد اختلفوا في قتله والأمر بخلاف ذلك. وفي بيان ذلك يقول رحمه الله تعالى (٢) : (الصحابة ﵃ متفقون على قتل اللوطي، وإنما اختلفوا في كيفية قتله، فظن بعض الناس أنهم متنازعون في قتله ولا نزاع بينهم فيه إلا في إلحاقة بالزاني أو قتله مطلقاً) . وقال أيضاً (٣) : (قال ابن القصار، وشيخنا: أجمعت الصحابة ﵃ على قتله وإنما اختلفوا في كيفية قتله) . وقال أيضاً (٤) : (أطبق أصحاب رسول الله ﷺ على قتله لم يختلف فيه منهم رجلان، وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله، فظن بعض الناس أن ذلك اختلاف منهم في قتله، فحكاها مسألة نزاع بين الصحابة ﵃، وهي بينهم مسألة إجماع لا مسألة نزاع) . فنحصل من هذه النقول من كلام ابن القيم رحمه الله تعالى: أن

стр. 167

الصحابة ﵃ متفقون على قتل اللواطي وأن الخلاف الحاصل بينهم في موضعين: الأول منهما: هي يقتل مطلقاً أم يلحق بالزاني. الثاني: في كيفية قتله. اختلاف الصحابة ﵃ في صفة عقوبة اللوطي: ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى جملة من أقاويل الصحابة ﵃ في ذلك على ما يلي: ١- إحراق اللوطي بالنار وهو قول أبي بكر وعلي وابن الزبير (١) ﵃ وهشام ابن عبد الملك (٢) رحمه الله تعالى وقد حرق كل واحد منهم اللوطية في خلافته. وقد شاور أبو بكر ﵁ الصحابة ﵃ فاجتمع رأيهم على إحراق اللوطية. وفي بيان ذلك يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٣) : (حرق اللوطية بالنار أربعة من الخلفاء: أبو بكر الصديق ﵁، وعلي ابن أبي طالب ﵁، وعبد الله بن الزبير ﵁، وهشام بن عبد الملك رحمه الله تعالى) .

стр. 168

(حرقهم أبو بكر ﵁ بالنار بعد مشاورة الصحابة ﵃ وأشار عليه علي ابن أبي طالب ﵁ بذلك وحرقهم علي وابن الزبير كما ذكره (الآجري) (١) وغيره عن محمد ابن المنكدر (٢) : أن خالد بن الوليد (٣) كتب إلى أبي بكر ﵁ أنه وجد رجلاً في بعض نواحي العرب ينكح كما تنكح المرأة، فجمع أبو بكر ﵁ لذلك أصحاب رسول الله ﷺ وفيهم علي بن أبي طالب ﵁، فقال علي ﵁: أن هذا ذنب لم يعمل به إلا أمة واحدة ففعل الله بهم ما قد علمتم، أرى أن تحرقوه بالنار، فاجتمع رأي أصحاب رسول الله ﷺ أن يحرق بالنار فأمر به أبو بكر أن يحرق (٤) . قال (٥) : وقد حرقهم ابن الزبير وهشام بن عبد الملك) . ٢- الرجم بالحجارة حتى يموت وهو قول عمر ﵁ وعلي ﵁ وابن عباس ﵄ في جماعة من الصحابة ﵃ (٦) .

стр. 169

وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (١) : (وقال عمر ابن الخطاب ﵁ وجماعة من الصحابة والتابعين: يرجم بالحجارة حتى يموت أحصن أو لم يحصن) . وقال أيضاً (٣) : (وقال ابن عباس ﵄: يرجم اللوطي بكراً كان أو ثيباً) . وذكر أيضاً أن هذا فتوى من ابن عباس ﵄ بما رواه عن النبي ﷺ يرفعه (من عمل عمل قوم لوط فاقتلوه) (٣) . وقال أيضاً (٤) : (ورجم علي ﵁ لوطياً وأفتى بتحريقه، وكأنه رأى هذا وهذا) . ٣- الرمي من أعلى بناء في البلد ثم يتبع بالحجارة: وهو مروي عن أبي بكر وابن عباس ﵃ (٥) . قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٦) : (وسئل ابن عباس ﵄ عن اللوطي ما حده؟ قال: ينظر أعلى بناء في المدينة فيرمى منه منكساً ثم يتبع بالحجارة. وقال أيضاً (٧) :

стр. 170

(وقال أبو بكر الصديق ﵁: يرمى من شاهق) . ٤- أنه يلقى عليه حائط. وهذا مروي عن عمر وعثمان وعلي ﵃ (١) . وذكره ابن القيم عن علي ﵁ فقال (٢) : (وقال علي- كرّم الله وجهه- يهدم عليه حائط) . ٥- أن عقوبة اللوطي كحد الزاني، الرجم للمحصن والجلد لغير المحصن. وذكره ابن القيم عن ابن الزبير ﵁ فقال (٣) : (قال عطاء (٤) : شهدت ابن الزبير أتى بسبعة أخذوا في اللواط: أربعة منهم قد أحصنوا، وثلاثة لم يحصنوا، فأمر بالأربعة فأخرجوا من المسجد الحرام فرجموا بالحجارة، وأمر بالثلاثة فضربوا الحد وفي المسجد ابن عمر وابن عباس ﵃ . هذه أقاويل الصحابة ﵃ وأحكامهم في عقوبة اللوطي وهي كما يراها الناظر اختلاف في كيفية العقوبة لا في أصل إيقاع العقوبة بالقتل والله أعلم. اختلاف العلماء (٥) : ثم إن ابن القيم رحمه الله تعالى ذكر اختلاف العلماء رحمهم الله تعالى في عقوبة

стр. 171

اللواط هل هي أغلظ من عقوبة الزنى على ما حكم به جلّ الصحابة ﵃ وأفتوا به. أم أن عقوبة الزنى أغلظ من عقوبة اللواط. أم أنهما سواء. على ثلاثة أقوال ذكرها رحمه الله تعالى وذكر من قال بها. مع ذكر الاستدلال ومناقشته وبيان ذلك على ما يلي: القول الأول: أن عقوبة اللواط أغلظ من عقوبة الزنى. فعقوبته القتل حداً على كلّ حال محصناً كان أو غير محصن. قال ابن القيم رحمه الله تعالى (١) : (ذهب أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب، وخالد بن الوليد وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، وجابر بن زيد ﵃، وعبد الله بن معمر والزهري (٢) ، وربيعة بن أبي عبد الرحمن (٣) ومالك، وإسحاق بن راهويه، والإمام أحمد في أصح الروايتين عنه والشافعي-. في أحد قوليه، إلى أن عقوبته أغلظ من عقوبة الزنى وعقوبته القتل على كلّ حال محصناً كان أو غير محصن) . أدلته: استدل ابن القيم رحمه الله تعالى لهذا القول بالسنة، والإجماع ومطابقته لحكم

стр. 172

الشارع في تغليظ العقوبات كلما تغلظت المحرمات. وبيان ذلك على ما يلي: ١- السنة: قال رحمه الله تعالى في الاستدلال لهذا القول من السنة (١) : عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به) رواه أهل السنن (٢) وصححه ابن حبان (٣) واحتج الإمام أحمد بهذا الحديث، وإسناده على شرط البخاري) . وقال أيضاً (٤) : (ثبت عن النبي ﷺ أنه قال (اقتلوا الفاعل، والمفعول به) رواه أهل السنن الأربعة وإسناده صحيح، وقال الترمذي حديث حسن) . وقال أيضاً (٤) : (وفي المسند (٦) والسنن من حديث عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال، قال رسول الله ﷺ (اقتلوا الفاعل والمفعول به) وفي لفظ (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به) وإسناده على شرط البخاري) . وجه الاستدلال: ووجه الدلالة من هذا الحديث نصية على قتل الفاعل والمفعول به وليس فيه تفصيل لمن أحصن أو لم يحصن فدل بعمومه على قتله مطلقاً.

стр. 173

٢- الإجماع: واستدل له أيضاً بإجماع الصحابة ﵃ على قتله مطلقاً، وحكاه في مواضع كما تقدم (١) . وحكاه أيضاً ابن قدامة فقال للاستدلال به لهذا القول (٢) : (ولأنه إجماع الصحابة ﵃ فإنهم أجمعوا على قتله وإنما اختلفوا في صفته) . ٣- مطابقة هذا القول لقاعدة الشريعة المطردة من تغليظ العقوبات كلما تغلظت المحرمات: وفي بيان هذا يقول رحمه الله تعالى (٣) : (وهذا الحكم على وفق حكم الشارع فإن المحرمات كلما تغلظت تغلظت عقوبتها، ووطء من لا يباح بحال أعظم جرماً من وطء من يباح في بعض الأحوال فيكون حده أغلظ) . وذكر رحمه الله تعالى اعتبار هذا فيمن وطء ذات محرم أو أتى بهيمة. القول الثاني: أن عقوبة اللواط والزنى سواء، فيجلد مرتكبه مائة جلدة ويغرب سنة إن كان بكراً، ويرجم إن كان محصناً. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى من قال بهذا فقال (٤) : (وذهب عطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم

стр. 174

النخعي (١) ، وقتادة والأوزاعي والشافعي في ظاهر مذهبه والإمام أحمد في الرواية الثانية عنه، وأبو يوسف، ومحمد- إلى أن عقوبته وعقوبة الزنى سواء. الأدلة: استدل لهذا القول بحديث، وقياس، وقد ذكرهما ابن القيم رحمه الله تعالى في معرض بحثه لجريمة اللواط وبيانها على ما يلي: ١- الاستدلال بالحديث: قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٢) (قال أبو داود الطيالسي، حدثنا بشر بن المفضل (٣) عن خالد الحذاء (٤) ، عن محمد بن سيرين (٥) عن أبي موسى الأشعري (٦) ﵁ قال قال: رسول الله ﷺ (إذا باشر الرجل الرجل فهما زانيان) وفي لفظ (إذا أتى الرجل الرجل) . وجه الاستدلال: هو أن النبي ﷺ سمى كلاً من اللائط والملوط به زانياً، وذلك- والله أعلم- بجامع الوطء في محل محرم، فلما أدخله ﷺ في مسمى الزنى صارت عقوبة اللواط إذا مثل عقوبة الزنى سواء.

стр. 175

إذا علم ذلك فليعلم القارئ أنه قد وقع في النسخة المطبوعة من (روضة المحبين) (١) تصحيف عجيب في سند هذا الحديث ترقى به من حال الضعف إلى كون الحديث على شرط البخاري ومسلم. ذلك أنه جاء فيه ما نصه: (وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا بشر بن المفضل ... ) وبشر بن المفضل هذا: هو الرقاشي وهو من ثقات المحدثين والأثبات، وهو من شيوخ الطيالسي (٢) ، بينما قد عين الحفاظ بشراً هذا فبين الحافظان، الذهبي (٣) وابن حجر (٤) ، أنه بشر ابن المفضل البجلي، وهذا مجهول فضعف الحديث من طريقه لجهالته. فقال ابن حجر مشيراً إلى هذا الحديث (٥) : (ورواه الطبراني (٦) من وجه آخر عن أبي موسى ﵁ وفيه بشر بن المفضل البجلي وهو مجهول، وقد أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده عنه) (٧) . فتبين أن هذا الحديث بهذا الإسناد ضعيف على ما صرح به الذهبي وابن حجر لجهالة بشر البجلي.

стр. 176

طريق أخرى للحديث: والحديث قد رواه البيهقي (١) بسند آخر لكن فيه راو موصوف بالكذب وهو: محمد بن عبد الرحمن القشيري، قال فيه الذهبي (٢) (كذاب مشهور) . فصار الحديث إذا بطريقيه المذكورين ضعيفاً لا تقوم به حجة والله أعلم. ٢- القياس: استدل أصحاب هذا القول بقياس اللواط على الزنى بجامع أن كلاً منهما إيلاج فرج محرم في فرج محرم شرعاً، مشتهى طبعاً، فيكون حكمه حكم حد الزنى (٣) . تعقب هذا الدليل: وهذا الدليل متعقب بما يلي: (- أن القياس لا يكون في الحدود لأن الحدود تدرأ بالشبهة. لكن هذا متعقب بأن الأكثر على جوازه في الحدود (٤) . ب- أن هذا الدليل القياسي يقدح فيه بالقادح المسمى (فساد الاعتبار) (٥) . لحديث ابن عباس ﵄: اقتلوا الفاعل والمفعول به، فالقول بالقياس في مقابلة النص اعتبار فاسد وفي بيان هذا يقول الشوكاني (٦) : (ويجاب عن ذلك بأن الأدلة الواردة بقتل الفاعل والمفعول به مطلقاً مخصصة

стр. 177

لعموم أدلة الزنى الفارقة بين البكر والثيب على فرض شمولها للوطي، ومبطلة للقياس المذكور على فرض عدم الشمول لأنه يصير فاسد الاعتبار كما تقرر في الأصول) . القول الثالث: أن عقوبة اللائط التعزير بالضرب والسجن ونحو ذلك. وهذا مذهب أبي حنيفة وفي بيانه يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (١) : (وذهب الحاكم وأبو حنيفة إلى أن عقوبته دون عقوبة الزنى: وهي التعزير) . ثم يذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن أصحاب أبي حنيفة صرحوا بأن اللوطي إذا أكثر منه قتل تعزيراً فقال (٢) : (ثم قال هؤلاء: إذا كثر منه اللوطي فللإمام قتله تعزيراً، صرح بذلك أصحاب أبي حنيفة) . أدلته: ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أدلة هذا القول وما أمكن أن يوجه به ثم عاد عليها بالمناقشهَ والنقض. وسياق أدلته مع ما يرد على كل دليل على ما يلي: ١- أنه لم يرد في الشرع للواط عقوبة مقدرة فصار فيه التعزير. وفي حكاية هذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٣) : (قالوا لأنه معصية من المعاصي لم يقدر الله ولا رسوله ﷺ فيها حداً مقدراً، فكان فيه التعزير كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير) .

стр. 178

تعقب هذا الدليل: وقد عاد ابن القيم رحمه الله تعالى على هذا الحديث بالنقض إذ ورد في السنة أن حد صاحب اللواطة القتل فثبت ورود حد معين فيها وهو القتل بالدليل إذا غير منتف بل هو ثابت. وفي هذا يقول رحمه الله تعالى (١) : (أما قولهم: إنها معصية لم يجعل الله فيها حداً معيناً فجوابه من وجوه. أحدهما: أن المبلغ عن الله جعل حد صاحبها القتل حتما، وما شرعه رسول الله ﷺ فإنما شرعه عن الله. فإن أردتم أن حدها غير معلوم بالشرع فهو باطل. وان أردتم أنه غير ثابت بنص الكتاب لم يلزم من ذلك انتفاء حكمه لثبوته بالسنة. والثاني: أن هذا ينقض عليكم بالرجم، فإنه إنما ثبت بالسنة. فإن قلتم: بل ثبت بقرآن نسخ لفظه وبقي حكمه. وقلنا: فينقض عليم بحد شارب الخمر. والثالث: أن نفي دليل معين لا يستلزم نفي مطلق الدليل، ولا نفي المدلول، فكيف وقد قدمنا أن الدليل الذي نفيتموه غير منتف) . ٢- أن التلوط وطء في محل لا تشتهيه الطباع والمعصيهَ إذا كان الوازع عنها طبيعياً اكتفى بالوازع عن الحد كما في وطء الأتان والميتة والبهيمة ونحو ذلك. وفي بيان هذا الدليل القياسي يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٢) :

стр. 179

(قالوا ولأنه وطء في محل لا تشتهيه الطباع، بل ركبها الله تعالى على النفرة منه حتى الحيوان البهيم فلم يكن فيه حد كوطء الميتة وغيرها. قالوا: وقد رأينا قواعد الشريعة أن المعصية إذا كان الوازع عنها طبيعياً، اكتفى بذلك الوازع عن الحد، وإذا كان في الطباع ما يقتضيها جعل فيها الحد بحسب اقتضاء الطباع لها، ولهذا جعل الحد في الزنى والسرقة وشرب المسكر دون أكل الميتة والدم ولحم الخنزير. قالوا: وطرد هذا: أنه لا حد في وطء البهيمة ولا الميتة، وقد جبل الله الطباع على النفرة من وطء الرجل رجلاً مثله أشد نفرة، كما جبلها على النفرة من استدعاء الرجل من وطؤه بخلاف الزنى فإن الداعي فيه من الجانبين) . تعقب هذا الدليل: ثم أن ابن القيم رحمه الله تعالى تعقب هذا القياس بالإبطال له أصلاً وذلك بالقادح المسمى فساد الاعتبار حيث أنه قياس في مقابلة النص. ثم بإبطال القياس نفسه إذ هو قياس مع وجود الفارق إذ أن الزاجر الطبيعي عن إتيان الأتان أقوى من الزاجر الطبيعي عن التلوط. وفي بيان هذا يقول رحمه الله تعالى (١) : (وأما قولكم: أنه وطء في محل لا تشتهيه الطباع، بل ركب الله الطباع على النفرة منه فهو كوطء الميتة والبهيمة، فجوابه من وجوه: أحدهما: أنه قياس فاسد الاعتبار مردود بسنة رسول الله ﷺ وإجماع الصحابة ﵃. والثاني: أن قياس وطء الأمرد الجميل الذي فتنته تربوا على كل فتنة، على وطء أتان أو امرأة ميتة من أفسد القياس، وهل يعدل ذلك أحد قط بأتان أو بقرة

стр. 180

أو ميتة أو سبى ذلك عقل عاشق أو أسر قلبه، أو استولى على فكره وقلبه، فليس في القياس أفسد من هذا. الثالث: أن هذا منتقض بوطء الأم والأخت والبنت، فإن النفرة الطبيعية منه حاصلة مع أن الحد فيه من أغلظ الحدود- في أحد القولين، وهو القتل بكل حال محصناً أو غير محصن.. (١) . ٣- قياس تلوط الرجل بآخر على مساحقة (٢) النساء. فكلما لا يجب الحد في المساحقة فكذلك في التلوط. وفي بيان هذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٣) : (قالوا: ولأن أحد النوعين إذا استمتع بشكله لم يجب عليه الحد، كما لو تساحقت المرأتان، واستمتعت كل واحدة منهما بالأخرى) . تعقب هذا الدليل: وقد تعقب ابن القيم رحمه الله تعالى هذا القياس بالإبطال لفقدانه ركناً من أركان القياس وهو: العلة الجامعة بين المقيس والمقيس عليه فقال (٤) : (وأما قياسكم وطء الرجل لمثله على تدالك المرأتين (٥) فمن أفسد القياس، إذ لا إيلاج هناك، وإنما نظيره مباشرة الرجل الرجل من غير إيلاج، على أنه قد جاء في بعض الآثار المرفوعة (٦) .
следующие страницы →