طريق أخرى للحديث:
والحديث قد رواه البيهقي (١) بسند آخر لكن فيه راو موصوف بالكذب وهو: محمد بن عبد الرحمن القشيري، قال فيه الذهبي (٢) (كذاب مشهور) .
فصار الحديث إذا بطريقيه المذكورين ضعيفاً لا تقوم به حجة والله أعلم.
٢- القياس:
استدل أصحاب هذا القول بقياس اللواط على الزنى بجامع أن كلاً منهما إيلاج فرج محرم في فرج محرم شرعاً، مشتهى طبعاً، فيكون حكمه حكم حد الزنى (٣) .
تعقب هذا الدليل:
وهذا الدليل متعقب بما يلي:
(- أن القياس لا يكون في الحدود لأن الحدود تدرأ بالشبهة.
لكن هذا متعقب بأن الأكثر على جوازه في الحدود (٤) .
ب- أن هذا الدليل القياسي يقدح فيه بالقادح المسمى (فساد الاعتبار) (٥) . لحديث ابن عباس ﵄: اقتلوا الفاعل والمفعول به، فالقول بالقياس في مقابلة النص اعتبار فاسد وفي بيان هذا يقول الشوكاني (٦) :
(ويجاب عن ذلك بأن الأدلة الواردة بقتل الفاعل والمفعول به مطلقاً مخصصة
стр. 177
لعموم أدلة الزنى الفارقة بين البكر والثيب على فرض شمولها للوطي، ومبطلة للقياس المذكور على فرض عدم الشمول لأنه يصير فاسد الاعتبار كما تقرر في الأصول) .
القول الثالث: أن عقوبة اللائط التعزير بالضرب والسجن ونحو ذلك.
وهذا مذهب أبي حنيفة وفي بيانه يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (١) : (وذهب الحاكم وأبو حنيفة إلى أن عقوبته دون عقوبة الزنى: وهي التعزير) .
ثم يذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن أصحاب أبي حنيفة صرحوا بأن اللوطي
إذا أكثر منه قتل تعزيراً فقال (٢) :
(ثم قال هؤلاء: إذا كثر منه اللوطي فللإمام قتله تعزيراً، صرح بذلك أصحاب أبي حنيفة) .
أدلته:
ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أدلة هذا القول وما أمكن أن يوجه به ثم عاد عليها بالمناقشهَ والنقض.
وسياق أدلته مع ما يرد على كل دليل على ما يلي:
١- أنه لم يرد في الشرع للواط عقوبة مقدرة فصار فيه التعزير.
وفي حكاية هذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٣) :
(قالوا لأنه معصية من المعاصي لم يقدر الله ولا رسوله ﷺ فيها حداً مقدراً، فكان فيه التعزير كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير) .
стр. 178
تعقب هذا الدليل:
وقد عاد ابن القيم رحمه الله تعالى على هذا الحديث بالنقض إذ ورد في السنة أن حد صاحب اللواطة القتل فثبت ورود حد معين فيها وهو القتل بالدليل إذا غير منتف بل هو ثابت.
وفي هذا يقول رحمه الله تعالى (١) :
(أما قولهم: إنها معصية لم يجعل الله فيها حداً معيناً فجوابه من وجوه.
أحدهما: أن المبلغ عن الله جعل حد صاحبها القتل حتما، وما شرعه رسول الله ﷺ فإنما شرعه عن الله.
فإن أردتم أن حدها غير معلوم بالشرع فهو باطل.
وان أردتم أنه غير ثابت بنص الكتاب لم يلزم من ذلك انتفاء حكمه لثبوته بالسنة.
والثاني: أن هذا ينقض عليكم بالرجم، فإنه إنما ثبت بالسنة.
فإن قلتم: بل ثبت بقرآن نسخ لفظه وبقي حكمه.
وقلنا: فينقض عليم بحد شارب الخمر.
والثالث: أن نفي دليل معين لا يستلزم نفي مطلق الدليل، ولا نفي المدلول، فكيف وقد قدمنا أن الدليل الذي نفيتموه غير منتف) .
٢- أن التلوط وطء في محل لا تشتهيه الطباع والمعصيهَ إذا كان الوازع عنها طبيعياً اكتفى بالوازع عن الحد كما في وطء الأتان والميتة والبهيمة ونحو ذلك. وفي بيان هذا الدليل القياسي يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٢) :
стр. 179
(قالوا ولأنه وطء في محل لا تشتهيه الطباع، بل ركبها الله تعالى على النفرة منه حتى الحيوان البهيم فلم يكن فيه حد كوطء الميتة وغيرها.
قالوا: وقد رأينا قواعد الشريعة أن المعصية إذا كان الوازع عنها طبيعياً، اكتفى بذلك الوازع عن الحد، وإذا كان في الطباع ما يقتضيها جعل فيها الحد بحسب اقتضاء الطباع لها، ولهذا جعل الحد في الزنى والسرقة وشرب المسكر دون أكل الميتة والدم ولحم الخنزير.
قالوا: وطرد هذا: أنه لا حد في وطء البهيمة ولا الميتة، وقد جبل الله الطباع على النفرة من وطء الرجل رجلاً مثله أشد نفرة، كما جبلها على النفرة من استدعاء الرجل من وطؤه بخلاف الزنى فإن الداعي فيه من الجانبين) .
تعقب هذا الدليل:
ثم أن ابن القيم رحمه الله تعالى تعقب هذا القياس بالإبطال له أصلاً وذلك بالقادح المسمى فساد الاعتبار حيث أنه قياس في مقابلة النص. ثم بإبطال القياس نفسه إذ هو قياس مع وجود الفارق إذ أن الزاجر الطبيعي عن إتيان الأتان أقوى من الزاجر الطبيعي عن التلوط.
وفي بيان هذا يقول رحمه الله تعالى (١) :
(وأما قولكم: أنه وطء في محل لا تشتهيه الطباع، بل ركب الله الطباع على النفرة منه فهو كوطء الميتة والبهيمة، فجوابه من وجوه:
أحدهما: أنه قياس فاسد الاعتبار مردود بسنة رسول الله ﷺ وإجماع الصحابة ﵃.
والثاني: أن قياس وطء الأمرد الجميل الذي فتنته تربوا على كل فتنة، على وطء أتان أو امرأة ميتة من أفسد القياس، وهل يعدل ذلك أحد قط بأتان أو بقرة
стр. 180
أو ميتة أو سبى ذلك عقل عاشق أو أسر قلبه، أو استولى على فكره وقلبه، فليس في القياس أفسد من هذا.
الثالث: أن هذا منتقض بوطء الأم والأخت والبنت، فإن النفرة الطبيعية منه حاصلة مع أن الحد فيه من أغلظ الحدود- في أحد القولين، وهو القتل بكل حال
محصناً أو غير محصن.. (١) .
٣- قياس تلوط الرجل بآخر على مساحقة (٢) النساء. فكلما لا يجب الحد في المساحقة فكذلك في التلوط.
وفي بيان هذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٣) :
(قالوا: ولأن أحد النوعين إذا استمتع بشكله لم يجب عليه الحد، كما لو تساحقت المرأتان، واستمتعت كل واحدة منهما بالأخرى) .
تعقب هذا الدليل:
وقد تعقب ابن القيم رحمه الله تعالى هذا القياس بالإبطال لفقدانه ركناً من أركان القياس وهو: العلة الجامعة بين المقيس والمقيس عليه فقال (٤) :
(وأما قياسكم وطء الرجل لمثله على تدالك المرأتين (٥) فمن أفسد القياس، إذ لا إيلاج هناك، وإنما نظيره مباشرة الرجل الرجل من غير إيلاج، على أنه قد جاء في بعض الآثار المرفوعة (٦) .
стр. 181
(إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان) ولكن لا يجب الحد بذلك لعدم الإيلاج، وإن أطلق عليهما اسم الزنى العام كزني العين واليد والرجل والفم) .
٤- أن اللواط لا يدخل في مسمى الزنى لا لغة ولا شرعاً فلا يجب على اللوطي حد الزنى.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الاستدلال لهم (١) :
(قالوا: ولأنه لا يسمى زانياً لا لغة ولا شرعاً ولا عرفاً، فلا يدخل في النصوص الدالة على حد الزانين) .
تعقب هذا الدليل:
لم يتعقب ابن القيم رحمه الله تعالى هذه الوجهة بشيء والذي يظهر والله أعلم أنه
إنما تركه لضعفه، إذ هو تعليل في مقابلة النص- لمن يرى أن حد اللوطي كحد الزاني- والنصوص ثبتت عن النبي ﷺ بقتله مطلقاً.
على أن نفي تسمية اللواط (زنى) يحتاج إلى مدرك تام بالاستقراء والتتبع للغة العرب.
ولو كان القياس في اللغة جائزاً لأمكن القول بأنه قد ثبت في اللغة تسمية ما
هو دون الزنى زناً كتسمية النظر المحرم (زنى العين) وهكذا، فيكون تسمية اللواط زناً من باب قياس الأولى لكن القياس في اللغة ممتنع والله أعلم.
اختيار ابن القيم رحمه الله تعالى:
اختار رحمه الله تعالى القول الأول وهو أن عقوبة اللواط أغلظ من عقوبة الزنى فقال رحمه الله تعالى (٢) :
(والصحيح أن عقوبته أغلظ من عقوبة الزاني لإجماع الصحابة ﵃
стр. 182
على ذلك، وغلظ حرمته، وانتشار فساده، ولأن الله سبحانه لم يعاقب أمة ما عاقب اللوطية) .
لكنه رحمه الله تعالى لما حكى اختلاف الصحابة ﵃ في صفة قتل اللوطي هل هي الرجم أم الإحراق أم الرمي من شاهق أم هدم الحائط عليه لم يصرح باختيار واحدة من هذه الصفات والله أعلم.
الترجيح والاختيار:
مما تقدم يتبين أن ابن القيم رحمه الله تعالى استوفى ذكر الخلاف في هذه المسألة وذكر أدلتها وما ورد على بعضها من مناقشات وأنه اختار ما ذهب إليه جهور أهل العلم من أن عقوبة اللوطي القتل بكل حال لدلالة السنة والإجماع وقاعدة الشريعة المطردة. وهذا القول المختار هو الذي يظهر لي- والله أعلم- لقوة أدلته وسلامة دلالتها على ما سيقت من أجله، ولأن أدلة المخالفين لا تنهض على مقاومتها. وأما صفة القتل فإن الذي يظهر لي أيضاً - والله أعلم- هو أن هذا عائد إلى رأي الإمام من القتل بالسيف أو رجماً بالحجارة ونحو ذلك حسب مصلحة الردع والزجر والله أعلم.
ويطيب لي أن أذكر كلاماً للشوكاني رحمه الله تعالى في تأييد مذهب الجمهور إذ يقول (١) :
(وما أحق مرتكب هذه الجريمة ومقارب هذه الرذيلة الذميمة بأن يعاقب عقوبة يصير بها عبرة للمعتبرين، ويعذب تعذيباً يكسر شهوة الفسقة المتمردين، فحقيق بمن أتى فاحشة قوم ما سبقهم بها من أحد من العالمين أن يصلي من العقوبة بما يكون في الشدة والشناعة مشابهاً لعقوبتهم، وقد خسف الله تعالى بهم، واستأصل بذلك العذاب بكرهم وثيبهم) .
стр. 183
المبحث السابع عشر:
في عقوبة من وطئ بهيمة (١)
في معرض كلام ابن القيم رحمه الله تعالى على عقوبة اللواط ذكر الخلاف في عقوبة من أتى بهيمة على ثلاثة أقوال وذكر القائلين بها. وذكر في الاستدلال حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال (من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه) .
ولم أره في موضع جزم ببيان حال هذا الحديث صحة أو ضعفاً والظاهر من سياق كلامه اختياره رحمه الله تعالى القول بموجبه.
وتفصيل الخلاف في هذا المبحث على ما يلي:
القول الأول: أنه يعزر ولا حد عليه.
وهذا مذهب الجمهور منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي، في قول له وأحمد في إحدى الروايتين عنه وإسحاق، والشعبي، والنخعي كما ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى عنهم- فقال (٢) :
(وقال الشعبي والنخعي يعزر، وبه أخذ الشافعي ومالك وأبو حنيفة، وأحمد في رواية فإن ابن عباس ﵄ أفتى بذلك وهو راوي الحديث) .
وقال أيضاً (٣) :
(أحدها - أي أحد أقواله- أنه يؤدب ولا حد عليه، وهذا قول مالك وأبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه، وهو قول إسحاق) .
стр. 184
الأدلة:
وذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في الاستدلال لهذا القول: أنه لم يصح فيه شيء
عن النبي ﷺ ، والعقوبات المقدرة لا بد فيها من دليل مثبت ولا دليل هنا ثابت فلا حد إذا وفي هذا يقول رحمه الله تعالى (١) :
(ومن لم ير عليه حداً قالوا: لم يصح فيه الحديث، ولو صح لقلنا به، ولم يحل
لنا مخالفته) .
القول الثاني: أن حده حد الزاني سواء. وهو قول الحسن البصري وأحد أقوال الشافعي (٢) .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في بيانه (٣) :
(القول الثاني: حكمه حكم الزاني، يجلد إن كان بكراً ويرجم إن كان محصناً، وهذا قول الحسن) .
دليله:
يستدل بالقياس على الزنى بجامع أن كلاً منهما وطء في فرج محرم ليس له فيه شبهة فيكون حده كالزنى (٤) .
القول الثالث: أن حكمه حكم اللوطي فيقتل بكل حال.
وهذا مذهب أبي سلمة ابن عبد الرحمن والرواية الثانية عن الإمام أحمد حكى ذلك ابن القيم عنهما (٥) . وقال الشافعي إن صحّ الحديث قلت به (٦) .
стр. 185
الأدلة:
استدل ابن القيم رحمه الله تعالى لهذا القول بحديث بن عباس ﵄ أن رسول الله قال:
(من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه) (١) رواه أحمد (٢) وأصحاب السنن (٣) .
وجه الاستدلال:
والاستدلال من هذا الحديث على هذا القول واضح فإنه ﷺ أمر بقتل من أتى بهيمة وقتل البهيمة معه، وليس فيه تفصيل في الفرق بين المحصن وغيره بل يفيد قتله مطلقاً.
منزلة هذا الحديث:
هذا الحديث ورد عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: (أن النبي ﷺ قال: من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه) (٤) رواه أحمد وأبو يعلى (٥) .
وورد من حديث ابن عباس ﵄ بنحوه عن أبي داود (٦) بلفظ: (من وقع على ذات محرم فاقتلوه، ومن وقع على بهيمة فاقتلوه، واقتلوها معه) .
стр. 186
رواه ابن ماجه (١) ، والحاكم (٢) .
وفي لفظ عند الترمذي (٣) والبيهقي (٤) (من وجدتموه وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة فقيل لابن عباس: ما شأن البهيمة قال: ما سمعت من رسول الله في ذلك شيئاً ولكن أرى رسول الله ﷺ كره أن يؤكل لحمها أو ينتفع بها، وقد عمل بها ذلك العمل.
وفي لفظ عن ابن عباس ﵄ أيضاً عند البيهقي (٥) .
(أن النبي ﷺ قال: ملعون من وقع على بهيمة، وقال: اقتلوه واقتلوها لا يقال هذه التي فعل بها كذا وكذا) (٦) .
وقد مال البيهقي إلى تصحيح الحديث في ذلك (٧) . وصححه الشوكاني (٨) وسكت عنه ابن حجر في (التلخيص) (٩) وقد علم من اصطلاحه أنه إذا سكت عن حديث في التلخيص فدرجته أنه حسن عنده (١٠) وسبق الجميع إلى تصحيح حديث ابن عباس الذهبي في تلخيصه للمستدرك (١١) والله أعلم.
الترجيح: تبين من هذا المبحث أن ابن القيم رحمه الله تعالى حكى ثلاثة أقوال في حكم من أتى بهيمة وأن ظاهر كلامه اختياره قتل الفاعل بكل حال وهذا رواية عن أحمد وقد علق الشافعي الأخذ به على صحة الحديث. وأن
стр. 187
ابن القيم رحمه الله تعالى قد ساق الحديث في ذلك. وقد ظهر أن هذا الحديث صحيح كما قاله الشوكاني وغيره فيلزم المصير إليه. وبناء كل هذا: فإن قول أرباب القول الأول (لم يصح فيه حديث) غير صحيح.
وقول أرباب القول الثاني أن حده كحد الزاني استدلالاً بالقياس قول ضعيف، وقياسهم قياس في مقابلة النص. والعصمة في النص وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال (من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة) والله أعلم.
стр. 188
بَابُ حدِّ القذْف
стр. 189
توطئة في تعريف القذف في اللسانين اللغة والشرع:
في اللغة:
مصدر قذف يقذف، من باب ضرب يضرب، وجمعه: قذاف، وقذفه كفساق، وفسقة (١) .
وأصل معنى القذف، الرمي، يقال قذف بالحجارة يقذف أي رمى بها (٢) .
وقد قيد القذف بالرمي البعيد، ولاعتبار البعد فيه قيل، منزل قذف وقذيف
أي بعيد (٣) .
وقيد أيضاً برمي الشيء بقوة، ومنه اشتهر استعماله في رمي المرأة المحصنة أو الرجل المحصن بالزنى، أو ما في معناه بالألفاظ المكروهة (٤) .
القذف في الشرع:
اختلفت كلمة أهل الاصطلاح في تعريف القذف الموجب للحد على وجوه منها ما يلي:
стр. 190
الحنفية:
قال ابن الهمام (١) :
(القذف في الشرع رمي بالزنى) .
المالكية:
قال الأزهري (٢) :
(القذف في الشرع: نسبة آدمي غيره حراً عفيفاً مسلماً بالغاً أو صغيرة تطيق
الوطء لزني، أو قطع نسب مسلم) .
الشافعية:
قال الرملي (٣) :
(القذف الرمي بالزنى في معرض التعيير لا الشهادة) .
الحنابلة:
قال البهوتي (٤) :
(هو الرمي بزنى أو لواط، أو شهادة به عليه ولم تكتمل البينة) .
مناقشة وترجيح:
هذه التعاريف ليس في واحد منها ما يفيد الشمول لكلما يوجب حد القذف وأقربها تعريف المالكية، لكنه لا يخلو من طول، وتحديد مذهبي، والتعاريف
стр. 191
مبناها على الاختصار، ولا دخل للشروط فيها. وعليه فإن التعريف الشامل هو أن
يقال:
(القذف: هو الرمي بوطء، أو نفي نسب، موجب للحد فيهما) .
شرح التعريف:
فالرمي بوطء، يشمل الرمي بزنا أو لواط. ويشمل أيضاً الشهادة به عند عدم اكتمال نصابها (أربعة شهود) (١) .
أو نفي نسب: وهو قذف يوجب الحد عند الجميع.
موجب للحد فيهما: إشارة إلى ما يجب توفره في القاذف كالعقل وفي المقذوف كالإحصان وهوْ (العفة) وفي لفظ القذف مثل لفظ (زاني) أو (لوطي) والله أعلم.
تنبيه: في مواطن بحث القذف عند العلماء:
يعقد علماء الشريعة في مدوناتهم الحديثية والفقهية: بابين لأحكام القذف. أحدهما: في أحكام قذف الزوج لزوجته ويعقدون له باباً باسم (باب اللعان)
ومحله في أعقاب فرق النكاح (٢) .
الثاني: في أحكام حد القذفة غير الزوجين أو منهما إذا لم يتلاعنا. ويعقدون له باباً باسم (باب حد القذف) ويذكرونه في كتاب الحدود (٣) .
стр. 192
إلا أن الشافعية رحمهم الله تعالى يذكرون جلّ أحكام (حد القذف) في أواخر باب اللعان (١) . ولهذا يقتضي الأمر بالتنبيه كما وقع مثل ذلك لابن هبيرة في الإفصاح (٢) .
وفي (كتاب الشهادات) (٣) يذكر العلماء حكم شهادة القاذف إذا تاب. وكيفية توبته والله أعلم.
стр. 193
مباحِث ابن القيم في حدّ القذف
وفي كل من هذه المواطن المتقدمة قريباً بحث ابن القيم رحمه الله تعالى جملة من المسائل ونحن هنا في تبيان آرائه في الحدود سوف نعيش معه إن شاء الله تعالى في مباحثه لأحكام (حد القذف) لا نتجاوزها سوى ذكر مبحثين لمناسبة لطيفة اقتضت ذكرهما وإلا فمحلهما (كتاب الشهادات) وهما:
أ- حكم شهادة القاذف المحدود إذا تاب.
ب- بم تكون توبة القاذف.
والمناسبة المقتضية لهذا (مبحث عقوبة القاذف برد شهادته) واقتضى ذلك الحديث عن شهادته إذا تاب هل تقبل أم لا. ومن هنا اشتدت الحاجة إلى معرفة التوبة التي بها تقبل شهادته. وقد أجريت سياق بحوثه في ذلك على النسق الآتي:
المبحث الأول: أول قذف في الإسلام: في قصة الإفك.
المبحث الثاني: حكمة التشريع في حد القاذف بالزنا دون الكفر؟.
المبحث الثالث: حكمة التشريع في حد قاذف الحر دون العبد.
المبحث الرابع: في التعريض بالقذف.
المبحث الخامس: في عقوبات القاذف.
المبحث السادس: في توبة القاذف.
وإلى الحديث عنها واحداً إثر واحد على هذا الترتيب.
стр. 194
المبحث الأول:
في أول قذف في الإسلام، في قصة الإفك
المراد بأول قذف في الإسلام ما كان بين غير الزوجين مما يوجب الحد. أما إذا كان بين الزوجين فيوجب اللعان وفي حديث أنس ﵁ قال (أول لعان كان في الإسلام أن شريك ابن سحماء (١) قذفه هلال ابن أمية (٢) بامرأته) (٣) .
وعليه: فقد اشتهر أول قذف في الإسلام بين غير الزوجين بقصة القذف الكاذب على عائشة ﵂. المشتهرة قصتها باسم (قصة الإفك) (٤) . وأنزل الله فيها قرآناً يتلى من سورة النور تبرئة من الله للصديقة بنت الصديق وحبيبة رسول ربّ العالمين إذ قال تعالى (٥) (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لم بل هو خير لم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم) الآيات.
وابن القيم رحمه الله تعالى في ظل سياقه لغزوات النبي ﷺ من كتابه (زاد المعاد) (٦) يسوق الأحداث المتعلقة بالمغازي فلما عقد فصلاً في (غزوة المريسيع) (٧) الشهيرة (بغزوة بني المصطلق) في شعبان سنة خمس من الهجرة ذكر (قصة الإفك) لأنها وقعت بعد القفول من هذه الغزوة.
стр. 195
قصة الإفك:
لا يختلف علماء التفسير أن سبب نزول هذه الآيات هو ما رواه الأئمة من حديث الإفك الطويل في قصة عائشة ﵂ وقد ساقها البخاري رحمه الله تعالى في (صحيحه) (١) مطولة. وابن القيم رحمه الله تعالى ساق القصة مختصراً لمقاصدها فقال (٣) :
(ونحن نشير إلى قصة الإفك: وذلك أن عائشة ﵂ كانت قد خرج
بها رسول الله ﷺ معه في هذه الغزوة بقرعة أصابتها. وكانت تلك عادته مع نسائه فلما رجعوا من الغزوة نزلوا في بعض المنازل، فخرجت عائشة لحاجتها ففقدت عقداً لأختها كانت أعارتها إياه فرجعت تلتمسه في الموضع الذي فقدته فيه في وقتها: فجاء النفر الذي كانوا يرحلون هودجها (٣) . فظنوها فيه فحملوا الهودج ولا ينكرون خفته، لأنها ﵂ كانت فتية السن لم يغشها اللحم الذي كان يثقلها. وأيضا فإن النفر لما تساعدوا على حمل الهودج لم ينكروا خفته، ولو كان الذي حمله واحداً أو اثنين لم يخف عليهما الحال. فرجعت عائشة ﵂ إلى منازلهم وقد أصابت العقد فإذا ليس بها داع ولا مجيب، فقعدت في المنزل، وظنت أنهم سيفقدونها فيرجعون في طلبها والله غالب على أمره يدبر الأمر فوق عرشه كما يشاء فغلبتها عيناها فنامت فلم تستيقظ إلا بقول صفوان بن المعطل (٤) : إنا لله وإنا إليه راجعون. زوجة رسول الله ﷺ . وكان صفوان قد عرس في أخريات الجيش لأنه كان كثير النوم.
стр. 196
كما جاء عنه في صحيح أبي حاتم (١) وفي السنن فلما رآها عرفها وكان يراها قبل نزول الحجاب فاسترجع وأناخ راحلته فقربها إليها فركبتها، وما كلمها كلمة واحدة، ولم تسمع منه إلا استرجاعه ثم سار بها يقودها حتى قدم بها وقد نزل الجيش في نحر الظهيرة. فلما رأى ذلك الناس تكلم كل منهم بشاكلته وما يليق به. ووجد الخبيث عبد الله ابن أبي متنفساً فتنفس من كرب النفاق والحسد الذي بين ضلوعه. فجعل يستحكي الإفك ويستوشيه ويشيعه ويذيعه ويجمعه ويفرقه، وكان أصحابه يتقربون به إليه.
فلما قدموا المدينة أفاض أهل الإفك في الحديث ورسول الله ﷺ ساكت لا يتكلم ثم استشار أصحابه في فراقها. فأشار عليه علي ﵁ أن يفارقها ويأخذ غيرها تلويحاً لا تصريحاً وأشار إليه أسامة وغيره بإمساكها وألا يلتفت إلى كلام الأعداء.
وقد حبس الوحي عن رسول الله ﷺ شهراً في شأنها ثم جاء الوحي ببراءتها فأمر رسول الله ﷺ بمن صرح بالإفك فحدوا ثمانين ثمانين ولم يحد الخبيث عبد الله ابن أبي مع أنه رأس الإفك) (٣) .
الحكم والغايات المحمودة في هذه القصة (٤) :
وقد أشار ابن القيم رحمه الله تعالى في تضاعيف سياقه للقصة إلى جملة من الحكم
стр. 197
والأسرار التشريعية في هذه القصة: كاستشارته ﷺ لعلي وأسامة ﵄. وتوقفه ﷺ في شأنها. وتأخر نزول الوحي ... الخ. واقتصر هنا على ما له تعلق بحد القذف وهو إيراده رحمه الله تعالى عدداً من الوجوه في الجواب عن السؤال الآتي:
لم لم يحد رسول الله ﷺ عبد الله ابن أبي. فقال ابن القيم رحمه الله تعالى (١) : (قيل: لأن الحدود تخفيف عن أهلها وكفارة والخبيث ليس أهلاً لذلك وقد وعده الله بالعذاب العظيم في الآخرة فيكفيه ذلك عن الحد. وقيل: بل كان يستوشي الحديث ويجمعه ويحكيه ويخرجه في قوالب من لا ينسب إليه. وقيل: الحد لا يثبت إلا بالإقرار أو البينة. وهو لم يقر بالقذف ولا شهد به عليه أحد فإنه إنما كان يذكره بين أصحابه ولم يشهدوا عليه ولم يكن يذكروه بين المؤمنين.
وقيل: حد القذف حق لآدمي لا يستوفي إلا بطلبه، وإن قيل إنه حق لله فلا بد من مطالبة المقذوف وعائشة لم تطالب به ابن أبي.
وقيل: ترك حده لمصلحة هي أعظم من إقامته كما ترك قتله مع ظهور نفاقه وتكلمه بما يوجب قتله مراراً، وهي: تأليف قومه وعدم تنفيرهم عن الإسلام فإنه كان مطاعاً فيهم رئيساً عليهم فلم تؤمن إثارة الفتنة في حده. ولعله ترك لهذه الوجوه كلها. فجلد مسطح ابن أثاثة (٢) وحمنة بنت جحش (٣) ، وحسان بن ثابت (٤)
стр. 198
وهؤلاء من المؤمنين الصادقين تطهيراً لهم وتكفيراً. وترك عبد الله ابن أبي إذاً: فليس هو من أهل ذاك) .
تعقب الحافظ ابن حجر لابن القيم:
والحافظ ابن حجر يقف على هذه الوجوه من الحكمة التي أبداها ابن القيم في ترك حد عبد الله ابن أبي فيتعقبه بأن الرواية قد وردت بإقامة الحد على عبد الله ابن أبي فيقول (١) :
(وأبدى صاحب (الهدى) (٢) الحكمة في ترك الحد على عبد الله ابن أبي، وفاته أنه ورد ذكره أيضاً فيمن أقيم عليه الحد. ووقع ذلك في رواية أبي أويس (٣) عن الحسن بن زيد (٤) عن عبد الله ابن أبي بكر (٥) أخرجه الحاكم (٦) في (الإكليل) .
وليت الحافظ ﵀ ساق الإسناد بتمامه ليتم الكشف عن درجته. وعلى أي حال كان فإنا نستفيد من سياق ابن القيم هذا تلك الجامعية الفذة والقدرة العجيبة على استحضار هذه الوجوه المتعددة وإملائها من حفظه في خضم ذلك الكتاب الضخم الذي ألّفه في سفره والله أعلم.
стр. 199
المبحث الثاني
حكمة التشريع في حد القاذف بالزنى دون الكفر (١) .
لابن القَيم في كتابه (أعلام الموقعين) (٢) بحث مستفيض في الرد على نفاة القياس ونقض إيراداتهم وتقويض شبههم وفيه أورد سؤالهم المشهور: وهو قولهم إن الشريعة قد فرقت بين المتماثلين، وجمعت بين المختلفين وضربوا له عدداً من الأمثلة منها قولهم (٣) :
(وأوجب حد الفرية على من قذف غيره بالزنا دون من قذفه بالكفر وهو شر منه) .
فأجاب ابن القيم رحمه الله تعالى عن هذا السؤال مبيناً حكمة التشريع في ذلك فقال:
(وأما إيجاب حد الفرية على من قذف غيره بالزنا دون الكفر ففي غاية المناسبة:
فإن القاذف بالزنا لا سبيل للناس إلى العلم بكذبه فجعل حد الفرية تكذيباً له، وتبرئة لعرض المقذوف. وتعظيما لشأن هذه الفاحشة التي يجلد من رمي بها مسلماً. وأما من رمى غيره بالكفر فإن شاهد حال المسلم واطلاع المسلمين عليها كاف
في تكذيبه، ولا يلحقه من العار بكذبه عليه في ذلك ما يلحقه بكذبه عليه في الرمي بالفاحشة. ولا سيما إن كان المقذوف امرأة، فإن العار والمعرة التي تلحقها بقذفه بين أهلها وتشعب ظنون الناس وكونهم بين مصدق ومكذب لا يلحق مثله بالرمي بالكفر) .
стр. 200
فمن هذا النص نرى ابن القيم رحمه الله تعالى يرد دعوى التفريق بين الحد بالرمي بالزنا دون الرمي بالكفر بإبراز حكمة التشريع في حد القذف ومدارها على: عدم القدرة من المقذوف بنفي ما رمى به من الزنا فجعل حد القذف تكذيباً للقاذف. وتبرئة للمقذوف. وتعظيما لشأن هذه الفاحشة التي تبهرج المجتمع. وتلطخه بالعار والمعرة. ولا سبيل للمقذوف ظلماً إلى نفي ما قذف به من الزنا إلا بمجرد التكذيب للقاذف، وهذا غير مقنع لنفوس البشر ولا يكون مذهباً لتشعب ظنونهم فجعل الله حد الفرية لكف هذه الآثام وحماية لمجتمع الإسلام من أن يزن بريبة أو يرمى بنقيصة. فتبقى أعراض المسلمين محترمة تحت ستر الله ورحمته، الألسنة عنها مقفلة والظنون عنها محجمة وبذلك يكون الإسلام قد حفظ للمسلمين ضرورة من ضروريات معاشهم وقيام مدنيتهم وذلك بحفظ أعراضهم وصيانتها فأوجب حد القذف ثمانين جلدة للقاذف الكاذب الجاني بكذبه الزمن، على حرمة الأعراض تقويضاً لمعنوياتهم وإدخالاً لعنصر الفساد في مصلحة تعايشهم قال الله تعالى (١) : (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون) .
ولهذا عظم الله سبحانه معصية القذف بعشر آيات متواليات من سورة النور تكذيباً لقصة الإفك (٢) على عائشة ﵂ فقال تعالى (٣) : (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم. لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم) الآيات.
قال الحافظ بن حجر في (فتح الباري) (٣) :
(قال الزمخشري) (٤) : لم يقع في القرآن من التغليظ من معصية ما وقع في معصية
стр. 201
الإفك بأوجز عبارة وأشنعها، لاشتماله على الوعيد الشديد والعتاب البليغ، والزجر
العنيف واستعظام القول في ذلك واستشناعه بطرق مختلفة، وأساليب متنوعة، كل واحد منها كاف في بابه بل ما وقع منها من وعيد عبدة الأوثان إلا بما هو دون ذلك وما ذاك إلا لإظهار علو منزلة رسول الله ﷺ وتطهير من هو منه بسبيل) .
هذا طرف من حكمة التشريع الموجبة للتفريق بين الرمي بالزنى والرمي بالكفر بالحد بالأول دون الثاني.
ونحن إذا وازنا بين اللفظين لا نجد تلك المعاني والأسرار التشريعية تتوفر في الرمي بالكفر وذلك للمعاني التي ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى ومدارها: على وجود القدرة من المرمى بالكفر بتكذيب ما رمى به من الكفر من وجود شاهد الحال بقيامه بشعائر الإسلام الظاهرة كالصلوات الخمس المفروضات ونحوها واطلاع المسلمين على ذلك وظنونهم غير متشعبة ولا مختلفة وهذا كاف في تكذيب قول القاذف وإظهار زيفه فالقاذف غيره بالكفر إذا كاذب والمقذوف بريء بطبيعة الحال، فلا حاجة إذاً إلى تقرير عقوبة مقدرة عليه لتكذيبه وإظهار براءة المقذوف بالكفر وهذا بخلاف المقذوف بالزنا فلا تبرز هذه المعاني إلا تقرير عقوبة مقدرة فكان ذلك بجلد القاذف المعتدي على أعراض المسلمين ثمانين جلدة مقرراً في دين الله وشرعه بنص واضح جلي محكم.
على أن هذا لا يعفي قاذف غيره بالكفر من عقوبة تعزيرية فإن الشريعة أمسكت بلسان السليط ورمت به في مكان بعيد عن الفحش والبذاء والتطاول على
قيم الناس ومعنوياتهم ومقومات حياتهم فطفحت نصوص الكتاب والسنة بصيانة هذا الثغر وحراسته من أن ينطق بفحش أو يفري في عرض (١) . ولهذا قرر العلماء في مدوناتهم الفقهية تعزير من قذف مسلماً بغير الزنا في (باب التعزير) (٢) والله أعلم.
стр. 202
المبحث الثالث
حكمة التشريع في حد قاذف الحر دون العبد (١) :
وفي معرض رده أيضاً على من قال أن الشريعة قد جمعت بين المختلفين وفرقت بين المتماثلين قال في بيان حكمة التشريع في حد قاذف الحر دون قاذف العبد: (وأما جلد قاذف الحر دون العبد فتفريق لشرعه بين ما فرق الله بينهما بقدره:
فما جعل الله سبحانه العبد كالحر من كل وجه لا قدراً ولا شرعاً.
وقد ضرب الله سبحانه لعباده الأمثال التي أخبر فيها بالفارق بين الحر والعبد، وأنهم لا يرضون أن تساويهم عبيدهم في أرزاقهم.
فالله فضل بعض خلقه على بعض، وفضل الأحرار على العبيد
في الملك وأسبابه والقدرة على التصرف.
وجعل العبد مملوكاً والحر مالكاً، ولا يستوي المالك والمملوك.
وأما التسوية بينهما في أحكام الثواب والعقاب فذلك موجب العدل والإحسان، فإنه يوم الجزاء لا يبقى هناك عبد ولا حر ولا مالك ولا مملوك) .
وابن القيم رحمه الله تعالى في إظهار محاسن التشريع في هذا التفريق يشترك مع غيره من المتقدمين في ذلك كالقرطبي ويشاركه غيره من المتأخرين كابن حجر ومن ذلك ما يلي:
قول القرطبي المالكي:
قال القرطبي رحمه الله تعالى في كتابه (الجامع لأحكام القرآن) (٢) :
стр. 203
(أجمع العلماء على أن الحر لا يجلد للعبد إذا افترى عليه لتباين مرتبتهما. ولقوله ﵇ (من قذف مملوكه بالزنى أقيم عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال) خرجه البخاري (١) ومسلم (٢) وفي بعض طرقه: إن قذف عبده بزنى ثم لم يثبت أقيم عليه الحد يوم القيامة ثمانون) ذكره الدارقطني (٣) .
قال العلماء:
وإنما كان ذلك في الآخرة لارتفاع الملك واستواء الشريف والوضيع والحر والعبد ولم يكن لأحد فضل إلا بالتقوى. ولما كان ذلك تكافأ الناس في الحدود والحرمة. واقتص من كل واحد لصاحبه إلا أن يعفو المظلوم عن الظالم. وإنما لم يتكافأوا في الدنيا لئلا تدخل الداخلة على المالكين في مكافأتهم لهم. فلا تصح لهم حرمة ولا فضل في منزلة وتبطل فائدة التسخير حكمة من الحكيم العليم لا الله إلا هو) .
قول الحافظ ابن حجر الشافعي:
وقال الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى في (فتح الباري) (٤) معللاً التفريق:
(لأنه لو وجب على السيد أن يجلد في قذف عبده في الدنيا لذكره كما ذكره
في الآخرة، وإنما خص ذلك في الآخرة تمييزاً للأحرار من المملوكين، فأما في الآخرة فإن ملكهم يزول عنهم ويتكافأون في الحدود ويقتص لكل منهم إلا أن يعفوا، ولا مفاضلة حينئذ إلا بالتقوى) .
ونحن لو قارنا بين كلام هؤلاء الأئمة ابن القيم والقرطبي وابن حجر لوجدنا
стр. 204
كلامهم يدور على التباين بين مرتبتي الحر والعبد. لكن ابن القيم أوسع في البيان والإيضاح والله أعلم.
مناقشة الحكم بالتفريق:
جواب ابن القيم هذا يعتبر أنه رحمه الله تعالى يرى التعزير ولكن هل هذا الحكم مسلم به أم هو محل خلاف؟.
بتتبع كلام أهل العلم في هذه المسألة نجد أن فيها قولين لأهل العلم وهما على ما يلي:
القول الأول:
أنه لا حد على قاذف العبد في الدنيا وإنما عليه التعزير. وهذا ما تناقلته كتب المذاهب لا تكاد تختلف فيه (١) .
أدلتهم:
استدلوا بدليلين:
١- حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال (من قذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال) رواه البخاري ومسلم واللفظ له. ورواه أبو داود والترمذي (٢) .
وجه الاستدلال منه:
أنه لو وجب على السيد حد في الدنيا إذا قذف عبده لذكره كما ذكره في الآخرة فلما لم يذكره دل على أنه لا حد عليه.
стр. 205
٢- الإجماع:
وقد حكى الإجماع على هذا الحكم بالتفريق غير واحد من أهل العلم منهم النووي (١) . والقرطبي (٢) . وابن قدامة (٣) والحافظ ابن حجر (٤) .
القول الثاني:
أن الحر إذا قذف العبد أقيم عليه الحد. وهو قول الظاهرية وانتصر له ابن حزم
في كتابه (المحلى) (٥) .
أدلتهم:
يستدل لمذهبهم بما يلي:
١- عموم آية القذف وهي قوله تعالى (٦) (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة الآية.
وجه الاستدلال:
أن الله رتب حكم الذين يرمون المحصنات أي العفائف على الإحصان وهو العفة. وهذا يشمل الحر والعبد لأن (المحصنات) جمع معرّف
بـ (أل) فيفيد العموم، كما أن لفظ (الذين) اسم موصول عام، فيشمل الذين يرمون الأحرار أو العبيد بناء على تفسير المحصنات بالعفائف. فيجب إذا حد قاذف العبد كقاذف الحر.
стр. 206
٢- ما روى عن ابن عمر ﵄ أن أميراً من الأمراء سأل ابن عمر عن رجل قذف أم ولد لرجل، قال: يضرب الحد صاغراً. رواه عبد الرزاق (١) . وابن حزم (٢) من طريقه وسنده صحيح) .
ففي هذا تصريح من ابن عمر لإقامة الحد على قاذف العبد.
مناقشتهم لأدلة القول الأول:
أما حديث أبي هريرة ﵁ المتقدم (٤) فلم أرَ من ناقشه من المخالفين. وقد ساقه ابن حزم في أدلة مخالفيه ولم يتعقبه بشيء.
وأما الإجماع:
فقد ناقشه الحافظان ابن حزم (٥) وابن حجر (٦) . بأن رأي ابن عمر والحسن البصري على خلافه فلا إجماع إذا فلا يسم الاستدلال به.
تعقب هذه المناقشة:
في الواقع أن استدلال ابن حزم بقول ابن عمر ومناقشته للإجماع به غير واردة، لأن رأي ابن عمر هو في (أم الولد) لا في مطلق الرقيق. كما أنه في قذف شخص أم ولد لشخص آخر وهنا تنتفي الملكية المانعة من الحد فلا يستلزم الحد هنا - لو سلم - وجوبه فيمن قذف مملوكه. وهذه مسألة مستقلة عن محل النص والإجماع ولهذا فإن العلماء يبحثون هذه المسألة في أعقاب المسألة الأولى (٧) .
стр. 207
والخلاف فيها قائم بين مدعي الإجماع أنفسهم في المسألة الأولى: وهي قذف العبد. وأما نقضه بأنه رأى الحسن على خلافه فالحسن البصري رحمه الله تعالى من التابعين فهو بعد انعقاد الإجماع فلا يكون ناقضاً له على أن ابن حجر ذكره رأياً له عرياً من الإسناد فلا بد من المطالبة به ليعلم ثبوته عنه من عدمه.
ومن هذا يتضح أن الإجماع سالم من النواقض فيتم الاستدلال به والله أعلم. الراجح:
والذي يظهر لي والله أعلم أنه لا حد على الحر إذا قذف العبد لوضوح دليله من السنة ونقل الإجماع على مقتضاها والله أعلم.
المبحث الرابع:
التعريض (١) بالقذف (٢)
يقرر ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه (أعلام الموقعين) قاعدة الشريعة المطردة وهي (أن العبرة في الشريعة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني) وفي معرض حديثه هذا ذكر مبحث المعاريض في الحدود والحقوق. وذكر نقلاً مستفيضاً عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقرر فيه أن أحكام النبي ﷺ مضت فيما بين العباد من الحدود وجميع الحقوق: على ما يظهرون والله تعالى يدين بالسرائر وضرب لهذا عدداً من الأمثلة، ذكر منها أن الشارع لم يعلق حكم القذف على التعريض بالقذف وقرر أنه لا يجب بذلك الحد.
стр. 208
ثم أخذ ابن القيم رحمه الله تعالى في مناقشة الإمام الشافعي رحمه الله تعالى بذلك وبيّن أن محض السنة والقياس هو: الحد بالتعريض بالقذف. وبيان ذلك فما يلي:
أدلة الإمام الشافعي:
استدل الشافعي رحمه الله تعالى على نفي الحد بالتعريض بالقذف بما يلي:
١- حديث أبي هريرة ﵁ قال (جاء أعرابي (١) إلى النبي ﷺ
فقال يا رسول الله، أن امرأتي ولدت غلاماً أسود، فقال هل لك من إبل قال نعم،
قال ما لونها قال: حمر. قال فيها من أورق (٢) . قال: نعم: قال: فأنى كان ذلك.
قال: أراه عرق نزعه. قال: فلعل ابنك هذا نزعه عرق) رواه البخاري (٣)
ومسلم (٤) .
وجه الاستدلال:
قال الشافعي رحمه الله تعالى (الأغلب على من سمع الفزاري بقوله للنبي ﷺ (إن امرأتي ولدت غلاماً أسود) وعرّض بالقذف أنه يريد القذف ثم لم يحده النبي ﷺ إذ لم يكن التعريض ظاهراً بالقذف. فلم بحكم النبي ﷺ بحكم القذف) . يريد الشافعي رحمه الله تعالى: أنه لما كان قول الأعرابي الفزاري محتملاً لغير القذف لم يحكم النبي ﷺ فيه بحكم القذف فدل على أنه لا حد في التعريض بالقذف.
стр. 209
ووجه التعريض: أنه قال: (غلاماً أسود) أي وأنا أبيض فكيف يكون
مني (١) .
وهذا الاستدلال من الشافعي هو عمدة نفاة الحد بالتعريض بالقذف عند الحنفية والحنابلة (٢) .
مناقشة ابن القيم للشافعي:
قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٣) :
(إن قول الأعرابي (إن امرأتي ولدت غلاماً أسود) فليس فيه ما يدل على القذف لا صريحاً ولا كناية وإنما أخبره بالواقع مستفتياً عن حكم هذا الولد. أيستلحقه مع مخالفة لونه للونه أم ينفيه؟ فأفتاه النبي ﷺ وقرب له الحكم بالشبه الذي ذكره ليكون أذعن لقبوله وانشراح صدره له. ولا يقبله على إغماض فأين في هذا ما يبطل حد القذف ... ) .
أدلة ابن القيم:
استدل ابن القيم بعد ذلك على وجوب الحد بالتعريض بما يلي:
١- وجود المعرة بالتعريض بالقذف.:
يذكر ابن القيم (أن من التعريض بالقذف ما هو أوجع وأنكى من التصريح وأبلغ في الأذى وظهوره عند كل سامع بمنزلة ظهور الصريح مثل قول من يشاتم غيره (أما أنا فلست بزان وليست أمي بزانية) (٤) .
وهذا الاستدلال من ابن القيم مسطر لدى المالكية القائلين بوجوب الحد
стр. 210
بالتعريض بالقذف كما بسطه القرطبي في (تفسيره) (١) .
٣- حد عمر ﵁ لمن عرض بالقذف وموافقة الصحابة عليه رضي
الله عنهم.
قال رحمه الله تعالى (٢) :
(وقد حد عمر بالتعريض في القذف ووافقه الصحابة رضى الله عنهم. والأثر عن عمر ﵁ بذلك رواه عبد الرزاق في (المصنف) بسنده (٣) (أن رجلا في زمن عمر بن الخطاب قال: ما أمي بزانية ولا أبي بزان قال عمر: ماذا ترون، قالوا: رجل مدح نفسه، قال: بل انظروا فإن كان بالآخر بأس، فقد مدح نفسه، وإن لم يكن به بأس فلم قالها فوالله لأحدنه فحده) .
رد الشافعي لدعوى الاتفاق:
قال ابن القيم نقلاً عن الشافعي (٤) :
(فإن قال قائل: فإن عمر حد في التعريض قبل استشارة الصحابة فخالفه بعضهم، ومع من خالفه ما وصفنا من الدلالة) والدلالة يعني بها احتمال القذف وعدمه وهذه شبهة فلا حد.
تعقب ابن القيم لمناقشة الشافعي:
لكن ابن القيم رحمه الله تعالى لا يرتضي رد الشافعي هذا وبيّن أن القائل لم يخالف عمر فقال (٥) :
стр. 211
(وأما قوله له- يعني الشافعي- رحمه الله تعالى (فإنه استشار الصحابة فخالفه بعضهم) فإنه يريد ما رواه مالك عن أبي الرجال (١) . عن أمه: عمرة بنت عبد الرحمن (٢) . أن رجلين استبا في زمن عمر ﵁ فقال أحدهما للآخر: والله ما أنا بزان ولا أمي بزانية فاستشار في ذلك عمر ﵁، فقال قائل: مدح أباه وأمه وقال آخرون: قد كان لأمه وأبيه مدح غير هذا، نرى أن تجلده الحد فجلده عمر الحد ثمانين) .
وهذا لا يدل على أن القائل الأول خالف عمر، فإنه لما قيل له: إنه قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا فهم أنه أراد القذف فسكت، وهذا إلى الموافقة أقرب منه إلى المخالفة) . ثم ذكر ابن القيم أنه قد صح عن عمر ﵁ من وجوه أخر وعن جماعة من السلف على ما يلي:
أ- أن هذا الحكم من عمر ﵁ قد صح عنه من وجوه أخر. بين ابن القيم أن هذا الحكم صح عن عمر ﵁ من عدة وجوه وهو يريد بهذا تقوية الاتفاق على استمرار عمر ﵁ على (الحكم بذلك واستشهار ذلك فقال) (٣) :
وقد صح عن عمر ﵁ من وجه أنه حد في التعريض فروى معمر (٤) عن الزهري (٥) عن سالم (٦) عن أبيه (٧) أن عمر كان يحد في التعريض بالفاحشة (٨) .
стр. 212
وروى ابن جريج (١) عن ابن أبي مليكة (٢) عن صفوان (٣) وأيوب (٤) عن عمر أنه حد في التعريض) (٥)
ب- أنه رأي عثمان ﵁.
قال رحمه الله تعالى:
(وذكر أبو عمر (٦) أن عثمان كان يحد في التعريض، وذكره ابن أبي شيبة) (٧) .
ج- وهو رأي عمر ابن عبد العزيز رحمه الله تعالى (٨) :
قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٩) :
(وكان عمر ابن عبد العزيز يرى الحد في التعريض (١٠) .
د- قال ابن القيم رحمه الله تعالى (١١) :
(وهو قول أهل المدينة والأوزاعي) (١٢) .
стр. 213
ومن هنا نرى ابن القيم يسند رأيه بأنه مذهب جماعة من السلف منهم الخليفتان الراشدان عمر وعثمان ﵄ والإمام العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى. والإمام الأوزاعي وهو قول أهل المدينة والله أعلم.
٣- القياس:
ثم إن ابن القيم رحمه الله تعالى يبين أن هذا الرأي وهو حد القاذف بالتعريض كما أنه قول جماعة من الصحابة والتابعين. فهو مؤيد بدلالة القياس عليه. فتطابق النقل والعقل وفي ذلك يقول:
(وهو محض القياس، كما يقع الطلاق والعتق والوقف والظهار بالصريح والكناية) .
وهذا القياس نجده بعد النظر قياساً مستوفياً لأركانه وشرائطه على ما يلي: أولاً: ذكر المقيس وهو التعريض بالقذف.
ثانياً: ذكر المقيس عليه: وهو الطلاق مثلاً بالكناية.
ثالثاً: العلة: كون الكل ألفاظاً يمكن أن يفيد غير الصريح منها ما يفيده
الصريح.
رابعاً: الحكم: وهو ترتب ما رتب الشارع على كل من الحكم الشرعي: من وقوع الطلاق بالكناية مثلاً، ووجوب حد القذف بالتعريض.
٤- دلالة الوضع اللغوي عليه:
ومن وراء هذه الأدلة من الأثر والقياس يذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن إيقاع حد القذف بالتعريض هو مقتضى لغة العرب فيقول (٢) : (واللفظ إنما وضع
стр. 214
لدلالته على المعنى، فإذا ظهر المعنى غاية الظهور لم يكن في تغيير اللفظ كثير فائدة) .
الخلاصة والترجيح:
من هذا العرض لما ذكره ابن القيم في مبحث حد المعرض بالقذف ومما لحقه مما يوجبه بيان ذلك المبحث يتبين ما يلي:
أولاً: أن القول بنفي الحد هو مذهب الجمهور منهم الأئمة الثلاثة أبو حنيفة والشافعي وأحمد.
ثانياً: وأن القول بوجوب الحد في التعريض بالقذف هو مذهب مالك رحمه الله تعالى.
وأن ابن القيم رحمه الله تعالى يرى وجوب الحد بالتعريض لكن يرد ههنا سؤال مهم؟.
وهو هل يرى وجوب الحد بالتعريض بالقذف مطلقاً أم بالتعريض الذي يفهم منه معنى القذف معنى واضحاً للقرائن التي تحتف به؟.
والذي يظهر بعد تأمل لكلام ابن القيم رحمه الله تعالى هو الثاني:
أي أنه اختار وجوب الحد بالتعريض في القذف إذا قامت القرائن على تحديد القصد في ذلك وفهم ذلك من التعريض فهماً واضحاً لا لبس فيه وهذا هو ما يتمشى مع قاعدتي الشريعة التي يقررهما ابن القيم ويطيل في الاستدلال لها من (أن العبرة في الشريعة بالمقاصد والنيات) (١) . وقاعدة (درء الحد بالشبهات) فإذ احتفت القرائن مع أن المراد بالتعريض ذات القذف انتفت الشبهة وتحقق الحد. وإذا ضعفت القرائن قويت الشبهة وانتفى الحد.
стр. 215
هذا هو ما ظهر لي أنه هو رأي ابن القيم في خصوص هذه القضية (وجوب الحد بالتعريض بالقذف) .
وعلى أي كان رأي ابن القيم، فإن الذي يظهر لي في هذه القضية هو هذا. وهو ما قرره شيخنا أبو عبد الله محمد الأمين الجكني رحمه الله تعالى في كتابه (أضواء البيان) (١) فقال:
(وأظهر القولين عندي أن التعريض إذا كان يفهم منه معنى القذف المسلم تتحقق بكل ما يفهم منه ذلك فهماً واضحاً. ولئلا يتذرع بعض الناس لقذف بعضهم بألفاظ التعريض التي يفهم منها القذف بالزنا.
والظاهر أنه على قول من قال من أهل العلم: أن التعريض بالقذف لا يوجب الحد أنه لا بد من تعزير المعرض بالقذف للأذى الذي صدر منه لصاحبه بالتعريض والعلم عند الله تعالى) .
وبهذا تجتمع الأدلة ويلتئم شملها وعليه يحمل حديث أبي هريرة المتقدم في الفزاري الذي قال (إن امرأتي ولدت غلاماً أسود) على القول بأنه تعريض محتمل لم يقم بجانبه من القرائن ما يجعله يفهم منه بوضوح أنه قذف والله أعلم.
المبحث الخامس:
عقوبات القاذف (٢)
صان الله الأعراض عن جلب المعرة إليها وإلصاق الفواحش بها فمن تطاول على عرض مسلم يرميه بفاحشة الزنا أو ما يستلزم الزنا كنفي ولد المحصنة عن