(وأما قوله له- يعني الشافعي- رحمه الله تعالى (فإنه استشار الصحابة فخالفه بعضهم) فإنه يريد ما رواه مالك عن أبي الرجال (١) . عن أمه: عمرة بنت عبد الرحمن (٢) . أن رجلين استبا في زمن عمر ﵁ فقال أحدهما للآخر: والله ما أنا بزان ولا أمي بزانية فاستشار في ذلك عمر ﵁، فقال قائل: مدح أباه وأمه وقال آخرون: قد كان لأمه وأبيه مدح غير هذا، نرى أن تجلده الحد فجلده عمر الحد ثمانين) .
وهذا لا يدل على أن القائل الأول خالف عمر، فإنه لما قيل له: إنه قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا فهم أنه أراد القذف فسكت، وهذا إلى الموافقة أقرب منه إلى المخالفة) . ثم ذكر ابن القيم أنه قد صح عن عمر ﵁ من وجوه أخر وعن جماعة من السلف على ما يلي:
أ- أن هذا الحكم من عمر ﵁ قد صح عنه من وجوه أخر. بين ابن القيم أن هذا الحكم صح عن عمر ﵁ من عدة وجوه وهو يريد بهذا تقوية الاتفاق على استمرار عمر ﵁ على (الحكم بذلك واستشهار ذلك فقال) (٣) :
وقد صح عن عمر ﵁ من وجه أنه حد في التعريض فروى معمر (٤) عن الزهري (٥) عن سالم (٦) عن أبيه (٧) أن عمر كان يحد في التعريض بالفاحشة (٨) .
стр. 212
وروى ابن جريج (١) عن ابن أبي مليكة (٢) عن صفوان (٣) وأيوب (٤) عن عمر أنه حد في التعريض) (٥)
ب- أنه رأي عثمان ﵁.
قال رحمه الله تعالى:
(وذكر أبو عمر (٦) أن عثمان كان يحد في التعريض، وذكره ابن أبي شيبة) (٧) .
ج- وهو رأي عمر ابن عبد العزيز رحمه الله تعالى (٨) :
قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٩) :
(وكان عمر ابن عبد العزيز يرى الحد في التعريض (١٠) .
د- قال ابن القيم رحمه الله تعالى (١١) :
(وهو قول أهل المدينة والأوزاعي) (١٢) .
стр. 213
ومن هنا نرى ابن القيم يسند رأيه بأنه مذهب جماعة من السلف منهم الخليفتان الراشدان عمر وعثمان ﵄ والإمام العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى. والإمام الأوزاعي وهو قول أهل المدينة والله أعلم.
٣- القياس:
ثم إن ابن القيم رحمه الله تعالى يبين أن هذا الرأي وهو حد القاذف بالتعريض كما أنه قول جماعة من الصحابة والتابعين. فهو مؤيد بدلالة القياس عليه. فتطابق النقل والعقل وفي ذلك يقول:
(وهو محض القياس، كما يقع الطلاق والعتق والوقف والظهار بالصريح والكناية) .
وهذا القياس نجده بعد النظر قياساً مستوفياً لأركانه وشرائطه على ما يلي: أولاً: ذكر المقيس وهو التعريض بالقذف.
ثانياً: ذكر المقيس عليه: وهو الطلاق مثلاً بالكناية.
ثالثاً: العلة: كون الكل ألفاظاً يمكن أن يفيد غير الصريح منها ما يفيده
الصريح.
رابعاً: الحكم: وهو ترتب ما رتب الشارع على كل من الحكم الشرعي: من وقوع الطلاق بالكناية مثلاً، ووجوب حد القذف بالتعريض.
٤- دلالة الوضع اللغوي عليه:
ومن وراء هذه الأدلة من الأثر والقياس يذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن إيقاع حد القذف بالتعريض هو مقتضى لغة العرب فيقول (٢) : (واللفظ إنما وضع
стр. 214
لدلالته على المعنى، فإذا ظهر المعنى غاية الظهور لم يكن في تغيير اللفظ كثير فائدة) .
الخلاصة والترجيح:
من هذا العرض لما ذكره ابن القيم في مبحث حد المعرض بالقذف ومما لحقه مما يوجبه بيان ذلك المبحث يتبين ما يلي:
أولاً: أن القول بنفي الحد هو مذهب الجمهور منهم الأئمة الثلاثة أبو حنيفة والشافعي وأحمد.
ثانياً: وأن القول بوجوب الحد في التعريض بالقذف هو مذهب مالك رحمه الله تعالى.
وأن ابن القيم رحمه الله تعالى يرى وجوب الحد بالتعريض لكن يرد ههنا سؤال مهم؟.
وهو هل يرى وجوب الحد بالتعريض بالقذف مطلقاً أم بالتعريض الذي يفهم منه معنى القذف معنى واضحاً للقرائن التي تحتف به؟.
والذي يظهر بعد تأمل لكلام ابن القيم رحمه الله تعالى هو الثاني:
أي أنه اختار وجوب الحد بالتعريض في القذف إذا قامت القرائن على تحديد القصد في ذلك وفهم ذلك من التعريض فهماً واضحاً لا لبس فيه وهذا هو ما يتمشى مع قاعدتي الشريعة التي يقررهما ابن القيم ويطيل في الاستدلال لها من (أن العبرة في الشريعة بالمقاصد والنيات) (١) . وقاعدة (درء الحد بالشبهات) فإذ احتفت القرائن مع أن المراد بالتعريض ذات القذف انتفت الشبهة وتحقق الحد. وإذا ضعفت القرائن قويت الشبهة وانتفى الحد.
стр. 215
هذا هو ما ظهر لي أنه هو رأي ابن القيم في خصوص هذه القضية (وجوب الحد بالتعريض بالقذف) .
وعلى أي كان رأي ابن القيم، فإن الذي يظهر لي في هذه القضية هو هذا. وهو ما قرره شيخنا أبو عبد الله محمد الأمين الجكني رحمه الله تعالى في كتابه (أضواء البيان) (١) فقال:
(وأظهر القولين عندي أن التعريض إذا كان يفهم منه معنى القذف المسلم تتحقق بكل ما يفهم منه ذلك فهماً واضحاً. ولئلا يتذرع بعض الناس لقذف بعضهم بألفاظ التعريض التي يفهم منها القذف بالزنا.
والظاهر أنه على قول من قال من أهل العلم: أن التعريض بالقذف لا يوجب الحد أنه لا بد من تعزير المعرض بالقذف للأذى الذي صدر منه لصاحبه بالتعريض والعلم عند الله تعالى) .
وبهذا تجتمع الأدلة ويلتئم شملها وعليه يحمل حديث أبي هريرة المتقدم في الفزاري الذي قال (إن امرأتي ولدت غلاماً أسود) على القول بأنه تعريض محتمل لم يقم بجانبه من القرائن ما يجعله يفهم منه بوضوح أنه قذف والله أعلم.
المبحث الخامس:
عقوبات القاذف (٢)
صان الله الأعراض عن جلب المعرة إليها وإلصاق الفواحش بها فمن تطاول على عرض مسلم يرميه بفاحشة الزنا أو ما يستلزم الزنا كنفي ولد المحصنة عن
стр. 216
أبيه (١) وعجز عن إثبات دعواه هذه.
فإن الله تعالى أوجب عليه ثلاث عقوبات هي:
الأولى: جلد القاذف ثمانين جلدة.
الثانية: عدم قبول شهادته.
الثالثة: الحكم عليه بأنه فاسق.
وأنزل الله في ذلك نصاً قرآنياً صريحاً محكماً يتلى فقال تعالى (٢) :
(والذين يرمون المحصنات، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة
ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً. وأولئك هم الفاسقون. إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم) .
وابن القيم رحمه الله تعالى عرج في كتابيه (زاد المعاد) (٣) و (أعلام الموقعين) (٤) . على حكمي الجلد ورد الشهادة. وهما حكمان نصيان لا يفتقران إلى تفصيل. سوى الحكم في استمرار رد شهادة القاذف بعد توبته فقد ناقش هذه القضية بعقد مجلس للمناظرة بين المانعين والقابلين، ولكنه رحمه الله تعالى لم يفصح عن اختياره لأي من القولين؟. وسوف أظهر إن شاء الله تعالى السر في وقفه رحمه الله تعالى عن الاختيار والترجيح.
وإلى القارئ البيان لذلك على ما يلي:
العقوبة الأولى: جلد القاذف .
من قواطع الأحكام في الإسلام أن العقوبة المقدرة للقاذف (ثمانون
стр. 217
جلدة) (١) . لآية القذف الآنفة الذكر. وابن القيم رحمه الله تعالى في ظل سياقه لموقف النبي ﷺ من قصة الإفك (٢) . وفي سياقه لأحكامه ﷺ في الحدود (٣) . يبين أن النبي ﷺ جلد القذفة لعائشة ﵂: ثمانين ثمانين لكل واحد منهم كما تقدم والله أعلم.
العقوبة الثانية: الحكم بفسق القاذف.
جاء النص في الآية الكريمة على أن القاذف فاسق فهو كبيرة من الكبائر. وذلك لانطباق حد الكبيرة عليه كما حكاه الحافظ ابن حجر في (الفتح) إذ قال (٤) : (في الآية بيان كونه من الكبائر بناء على أن كل ما توعد عليه باللعن أو العذاب أو شرع فيه حد فهو كبيرة وهو المعتمد) .
العقوبة الثالثة: عدم قبول شهادته .
في (أعلام الموقعين) (٥) عند بيان ابن القيم رحمه الله تعالى لقول عمر ﵁ (أو مجلوداً في حد) حرر الكلام عن شهادة القاذف من ثلاث جهات وهي على ما يلي:
الأولى: عدم قبول شهادته بعد حده ما لم يتب .
وهذا أمر متفق عليه فيقول (٦) :
(القاذف إذا حد للقذف لم تقبل شهادته بعد ذلك وهذا متفق عليه بين الأمة والقرآن نص فيه) .
стр. 218
أي لقوله تعالى (١) (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادةً أبداً الآية.
الثانية: هل عدم قبول شهادة القاذف من تمام عقوبته أم لفسقه ؟
أشار ابن القيم رحمه الله تعالى إلى هذا الحكم في معرض الحجاج بين- الطرفين المانعين والقابلين لشهادته بعد التوبة، ولم يقرر اختيار واحد منهما (٢) .
وسر الخلاف هو: هل الموجب لرد شهادة القاذف بعد الحد، هو نفس القذف. أم الموجب لرد شهادته: هو الفسق بالقذف؟.
فمن قال: إن السبب الموجب لرد شهادته هو الفسق بالقذف، لم يجعل رد. شهادته من تمام عقوبة الحد. وهذا مذهب الثلاثة مالك والشافعي وأحمد (٣) . وسيأتي إن شاء الله تعالى مزيد بيان لهذا في أواخر: مبحث قبول شهادة القاذف بعد توبته (٤) .
الثالثة: في حكم قبول شهادته بعد توبته .
ذكر ابن القيم في هذه قولين للعلماء وأدلى بحججهما ومناقشة كل منهما للآخر (٥) . وتفصيل ذلك على ما يلى:
القول الأول:
وهو أنه لا تقبل شهادة المحدود في قذف ولو تاب وقد بيّن ابن القيم القائلين به
فقال (٦) :
стр. 219
(وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وأهل العراق، وهو ثابت عن جماعة من السلف منهم مجاهد (١) . وعكرمة. والحسن (٣) . ومسروق (٣) . والشعبي (د) . في إحدى الروايتين عنهم وهو قول شريح (٥) .
أدلة هذا القول:
ذكر ابن القيم حجة هذا القول من الكتاب والسنة ومناقشته المخالفين لهم فيها على التفصيل الآتي:
١- الدليل من الكتاب.
استدل المانعون على المنع مطلقاً بموضعين من آية القذف هما (٦) :
١- الاستثناء في الآية:
قال الله تعالى (٧) (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً، وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا) الآية.
стр. 220
وجه الاستدلال:
قال ابن القيم رحمه الله تعالى مبيناً وجه الاستدلال لهم من الآية (١) : (احتج أرباب هذا القول بأن الله سبحانه أبد المنع من قبول شهادتهم بقوله (ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً) وحكم عليهم بالفسق ثم استثنى التائبين من الفاسقين. وبقي المنع من قبول الشهادة على إطلاقه وتأبيده) .
وهذا الاستدلال راجع إلى مسألة أصولية مشهورة قررها الحنفية في مذهبهم
(٢)
وهي:
(أن الاستثناء إذا جاء بعد جمل متعاطفات رجع الاستثناء للأخير فقط) . فاستثناء الذين تابوا في هذه الآية إنما يرجع إلى الجملة الأخيرة منها وهي قوله (وأولئك هم الفاسقون) فالتوبة تزيل وصف الفسق فقط ولا يعود الاستثناء إلى ما ذكر قبله من الجمل المتعاطفات وهي في هذه الآية جملتين: الحد- وعدم قبول شهادته. فلو تاب القاذف وصار من أصلح الناس فلا تقبل شهادته.
ب- الاستدلال الثاني من الآية:
وهو أن رد شهادة القاذف من الأحكام العقابية للقاذف فلا يسقط هذا العقاب بالتوبة كما أن الحد لا يسقط عنه بالتوبة.
ويبسط ابن القيم رحمه الله تعالى هذا الوجه من الاستدلال لهم فيقول (٣) :
(قالوا: ولأن المنع من قبول شهادته جعل من تمام عقوبته. ولهذا لا يترتب المنع إلا بعد الحد. فلو قذف ولم يحد لم ترد شهادته. ومعلوم أن الحد إنما زاده طهرة وخفف عنه إثم القذف أو رفعه. فهو بعد الحد خير منه قبله. ومع هذا فإنما
стр. 221
ترد شهادته بعد الحد. فردها من تمام عقوبته وحده.
وما كان من الحدود ولوازمها فإنه لا يسقط بالتوبة. ولهذا لو تاب القاذف لم تمنع توبته إقامة الحد عليه فكذلك شهادته.
وقال سعيد بن جبير: (١) (تقبل توبته فيما بينه وبين الله من العذاب العظيم. ولا تقبل شهادته) .
وقال شريح (لا تجوز شهادته أبداً وتوبته فيما بينه وبين ربه) .
وسر المسألة: أن رد شهادته جعل عقوبة لهذا الذنب، فلا يسقط بالتوبة كالحد) .
ونستطيع أن نفهم من هذا الاستدلال تكونه من فصلين:
الأول: أن رد شهادة القاذف ولو تاب عقوبة من تمام الحد. فلا تسقط هذه العقوبة بالتوبة.
الثاني: قياس هذه العقوبة على عقوبة الحد: فكما أن الحد لا يسقط بالتوبة
فكذلك تمامه وهو: عدم قبول شهادته.
تعقب هذا الاستدلال في، فصله الأول:
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى تعقب الجمهور لذلك فقال (٢) :
(وأما قولكم (إن رد الشهادة من تمام الحد) فليس كذلك، فإن الحد تم باستيفاء عدد٥ وسببه نفس القذف. وأما رد الشهادة فحكم آخر أوجبه الفسق بالقذف لا الحد. فالقذف أوجب حكمين: ثبوت الفسق وحصول الحد. وها متغايران) .
стр. 222
وعندي أن استدلال الحنفية هذا غير وارد أصلا فما سيق لأجله ذلك:
لأنه لا نزاع بين الحنفية ومخالفيهم أن المحدود في قذف لا تقبل شهادته قبل
أن يتوب.
والخلاف في قبولها بعد توبته. فرد الشهادة إذا حكم ذو طرفين:
الطرف الأول: الحكم برد شهادة القاذف قبل توبته وهذا حاصل عند الجميع بالإجماع وسواء قلنا أن موجبه القذف كما يقوله الحنفية. أو قلنا: موجبه الفسق بالقذف كما يقوله الجمهور.
الطرف الثاني: الحكم برد شهادة القاذف إذا تاب وهو محل النزاع بين الحنفية والجمهور.
هل يستمر الرد ولو تاب كما يقوله الحنفية. أم تقبل إذا تاب كما يقوله الجمهور.
وهذه هي صورة النزاع التي من أجلها يورد كل من الطرفين لها الاستدلال.
فتبين إذا أن الاستدلال المذكور من الحنفية غير وارد أصلاً في صورة النزاع
إذ الخلاف في الغاية لا في أصل الحكم برد شهادة القاذف؟
فلمن ينصر مذهب الجمهور أن يتنزل على استدلال الحنفية فيقول: نوافقكم
أن رد الشهادة من تمام الحد. لكنه رد معلق بالتوبة لا مؤبد والله أعلم.
تعقب القياس في هذا الاستدلال:
أما قياس الحنفية، عقوبة رد شهادة القاذف على عقوبته بالجلد فكما لا تسقط عقوبة الجلد بالتوبة فكذلك عقوبته برد الشهادة.
فهذا القياس يرد عليه القادح بافتراق العلة فإن العلة في (الحد بالجلد) هي (القذف) ذاته فالقذف هو العلة الموجبة للحد. أما العلة في إيجاب (عدم قبول شهادته) فهي مترددة بين القذف أو الفسق بالقذف فلا يتم الاستدلال بهذا القياس إذا والله أعلم.
стр. 223
٢- الدليل من السنة:
ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى استدلال الحنفية من السنة بحديث أن النبي ﷺ قال:
(لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة. ولا محدود في الإسلام. ولا ذي غمر (١) على
أخيه) .
وذكر طرقه وألفاظه فقال (٢) :
(قالوا: وقد روى أبو جعفر الرازي (٣) عن آدم ابن فائد (٤) . عن عمرو بن
شعيب (٥) عن أبيه (٦) ، عن جده (٧) عن النبي ﷺ (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة. ولا محدود في الإسلام. ولا ذي غمر على أخيه) .
وله طرق إلى عمرو. ورواه ابن ماجه (٨) من طريق حجاج بن أرطاة (٩) عن عمرو. ورواه البيهقي (١٠) من طريق المثنى بن الصباح (١١) عن عمرو.
стр. 224
قالوا روى يزيد ابن أبي زياد (١) الدمشقي. عن الزهري. عن عروة (٢) عن عائشة ترفعه (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا مجلود في حد، ولا ذي غمر على أخيه ولا مجرب عليه شهادة زور. ولا ظنين (٣) في ولاء أو قرابة) وروى عن سعيد ابن المسيب عن النبي ﷺ مرسلاً) (٤) .
تعقب هذا الدليل:
ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى تعقب الجمهور لهذا الدليل من جهتين هما:
تعقبه من جهة إسناده:
قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٥) :
(قالوا: وأما تلك الآثار التي رويتموها ففيها ضعف. فإن آدم ابن فائد غير معروف ورواته عن عمرو قسمان: ثقات، وضعفاء. فالثقات لم يذكر أحد منهم (أو مجلوداً في حد) .
وإنما ذكره الضعفاء كالمثنى ابن الصباح، وآدم، والحجاج.
وحديث عائشة فيه يزيد وهو ضعيف) .
وهذا التعقيب مسلم به عند جماعة الحفاظ كابن حجر في (تلخيص الحبير) (٦) والشوكاني في (نيل الأوطار) (٧) ومن قبلهما الترمذي في (سننه) (٨) . فإن أصل
стр. 225
الحديث قوي الإسناد كما ذكره بن حجر وغيره. لكن أسانيده بهذه الزيادة (أو مجلوداً في حد) ضعيفة لأن مدارها على من ذكر والله أعلم. ثم ذكر رحمه الله تعالى تعقب الجمهور له من حيث دلالته على فرض صحته فقال (١) :
(ولو صحت الأحاديث لحملت على غير التائب، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له) .
وهذا أيضاً نقد مسلم والاتفاق عليه ذلك أن لفظ (أو مجلوداً في حد) يشمل أي حد من الحدود كالخمر والزنا والقذف ونحوها. لأنه نكرة في سياق النفي فيفيد العموم. والاتفاق جار على أن المحدود في خمر مثلا تقبل شهادته إذا تاب فكذا يقال في القاذف لاحتمال أن يكون الاستثناء في الآية مخصصاً لعموم الحديث بالنسبة له. وإذاً فلا يتم الاستدلال به على المنع من قبول شهادة القاذف ولو تاب والله أعلم.
٣- أن هذا هو مقتضى حكمة الشرع في التغليظ بالزجر.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٢) :
(قال المانعون: القذف متضمن للجناية على حق الله وحق الآدمي وهو من أوفى الجرائم فناسب تغليظ الزجر. ورد الشهادة من أقوى أسباب الزجر. لما فيه من إيلام القلب والنكاية في النفس إذ هو عزل لولاية لسانه الذي استطال به على عرض أخيه وإبطال لها)
مناقشة الجمهور لهذا الاستدلال:
ثم ذكر ابن القيم - رحمه الله تعالى - مناقشة الجمهور لهذا ونقضه من وجوه فقال (٣) :
стр. 226
(قال القابلون: تغليظ الزجر لا ضابط له، وقد حصلت مصلحة الزجر بالحد، وكذلك سائر الجرائم جعل الشارع مصلحة الزجر عليها بالحد (وإلا فلا تطلق نساؤه (١) ، ولا يؤخذ ماله، ولا يعزل عن مناصبه ولا تسقط روايته) لأنه أغلظ في الزجر، وقد أجمع المسلمون على قبول رواية أبي بكرة ﵁، وتغليظ الزجر من الأوصاف التي لا تنضبط، وقد حصل إيلام القلب والبدن والنكاية في النفس بالضرب الذي أخذه من ظهره.
وأيضاً فإن رد الشهادة لا ينزجر به أكثر القاذفين، وإنما يتأثر بذلك وينزجر أعيان الناس وقلّ أن يوجد القذف من أحدهم، وإنما يوجد غالباً من الرّعاع والسقط ومن لا يبالي برد شهادته وقبولها.
وأيضاً فكم من قاذف انقضى عمره وما أدى شهادة عند حاكم، ومصلحة الزجر إنما تكون بمنع النفوس ما هي محتاجة إليه وهو كثير الوقوع منها. ثم هذه المناسبة يعارضها ما هو أقوى منها: فإن رد الشهادة أبداً تلزم منه مفسدة فوات الحق على الغير وتعطيل الشهادة في محل الحاجة إليها، ولا يلزم مثل ذلك في القبول فإنه لا مفسدة فيه في حق الغير من عدل تائب قد أصلح ما بينه وبين الله، ولا ريب أن اعتبار مصلحة يلزم منها مفسدة أولى من اعتبار مصلحة يلزم منها عدة مفاسد في حق الشاهد وحق المشهود له وعليه، والشارع له تطلعٍ إلى حفظ الحقوق على مستحقيها بكل طريق وعدم إضاعتها، فكيف يبطل حقا قد شهد به عدل مرضي مقبول الشهادة على رسول الله ﷺ وعلى دينه رواية وفتوى) .
ونستطيع أن نلخص وجوه التعقب هذه فما يلي:
١- أن مصلحة الزجر متحصلة بالحد. وتغليظ الزجر وصف لا ينضبط فلا يعلق له حكم.
стр. 227
٢- أن زجر القاذف برد شهادته لا يتحقق في كلّ أحد لتفاوت الناس. فهو غير مطرد في حق كل أحد.
٣- أن قاعدة الشرع المطردة (رد المفاسد وتغليظها وجلب المصالح وتكثيرها) ، وما يترتب على رد شهادته أبداً من المفاسد، تغمر المصلحة في ذلك والله أعلم.
هذا ما قرره ابن القيم من الاستدلال للحنفية ومناقشة الجمهور لهم. والذي يظهر بعد التأمل قبول الاستدلال ومناقشته في آن واحد على الوجه الآتي: وهو أن قول الحنفية أن رد شهادة القاذف من باب التغليظ بالزجر.
يقال نعم هو كذلك لكن إلى غاية وهي: حصول توبته. وإذا كان التغليظ معيناً حصل انضباطه.
وأيضاً فالقذف عادة إنما يحصل من الرّعاع لا من أعيان العباد وهم لا ينزجرون غالبا برد شهاداتهم، وإذا كانوا يمثلون الأكثرية من القاذفين فإن المقصود- والله أعلم- من رد الشهادة لا يحصل بالنسبة للأكثر والعبرة بهم.
وما لم يتب فهو محكوم بفسقه ورد شهادته وأما إذا تاب فقد تجلت هذه الظلم والتوبة في الإسلام تجب ما قبلها من الذنوب كالإسلام بعد الشرك يجب ما قبله من الضلال والكفر. وحينئذ إذا قلنا باستمرار رد شهادته ولو بعد التوبة تنزلت هذه الوجوه من الرد التي ذكرها الجمهور في تعقبهم على الحنفية والله أعلم. ٤- تنظير هذه العقوبة بقطع يد السارق:
يقرر ابن القيم دليلهم على أن رد شهادة القاذف أبداً حتى لو تاب هو عقوبة في محل الجناية وهو لسانه، وهذا مثل عقوبة الشارع في قطع يد السارق فيقول في استدلالهم (١) :
стр. 228
(ثم هو عقوبة في محل الجناية، فإن حصلت بلسانه، فكان أولى بالعقوبة فيه وقد رأينا الشارع قد اعتبر هذا حيث قطع يد السارق فإنه حد مشروع في محل الجناية) .
تعقب الجمهور لهذا الاستدلال:
ثم يذكر ابن القيم تعقب الجمهور لذلك فيقول (١) :
(وأما قولكم (إن العقوبة تكون في محل الجناية) فهذا غير لازم- كما في عقوبة الشارب والزاني، وقد جعل الله سبحانه عقوبة هذه الجريمة على جميع البدن دون اللسان، وإنما جعل عقوبة اللسان بسبب الفسق الذي هو محل التهمة، فإذا أزال الفسق بالتوبة فلا وجه للعقوبة بعدها) .
والذي أقطع به أن هذا تنظير في مقابلة النص فإن الآية الكريمة نصت على أن عقوبة القاذف الحسية هي جلده ثمانين جلدة. والجلد للقاذف عقوبة في غير محل الجناية، إذ محلها اللسان بينما الجلد في الظهر. وأما رد شهادته فهي عقوبة معنوية أو بما يسمى في الاصطلاح الحادث (فقد اعتبار) فكيف يتم التنظير بقطع يد السارق فافترقا إذاً.
ولابن القيم رحمه الله تعالى بحث مستفيض على اعتراض نفاة المعاني من قولهم أن الشارع جاء بالتفريق بين المتماثلين. ومن بينها إيرادهم هذا التنظير. وقد تعقبه ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه (أعلام الموقعين) (٢) .
هذا هو القول الأول وما وسع ابن القيم من ذكر الأدلة له ومناقشتها. ولننتقل إلى ما ذكره عن القول الثاني وأدلته ومناقشتها.
стр. 229
القول الثاني:
وهو قبول شهادة القاذف إذا تاب وقد بيّن ابن القيم القائلين به فقال (١) : (والثاني: تقبل، وهو قول الشافعي وأحمد ومالك) .
أدلة هذا القول:
ذكر ابن القيم أدلة هذا القول من الكتاب والسنة ومناقشة المانعين لهم فيها وبيانه على التفصيل الآتي:
١- الدليل من الكتاب.
استدلوا على أن الاستثناء في آية القذف وهو قوله تعالى ( ... إلا الذين تابوا) (٢) الآية عائد إلى الجملتين المتعاطفتين قبله في قوله تعالى (٣) (ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً، وأولئك هم الفاسقون) . ولا يعود على الجملة الأولى وهو قوله تعالى (فاجلدوهم ثمانين جلدة لإجماع المسلمين على أن حد القذف لا يسقط بالتوبة. وفي بيان استدلالهم يقول ابن القيم (٤) :
(قال الآخرون، واللفظ للشافعي: والثنيا في سياق الكلام على أول الكلام وآخره في جميع ما يذهب إليه أهل الفقه إلا أن يفرق بين ذلك خبر) ثم قال ابن القيم:
(قالوا: والاستثناء عائد على جميع ما تقدمه سوى الحد، فإن المسلمين مجمعون
على أنه لا يسقط عن القاذف بالتوبة. وقد قال أئمة اللغة: إن الاستثناء يرجع إلى ما
стр. 230
تقدم كله. قال أبو عبيدة في كتاب القضاء (وجماعة أهل الحجاز ومكة على قبول شهادته. وأما أهل العراق فيأخذون بالقول الأول أن لا تقبل أبداً، وكلا الفريقين إنما تأولوا القرآن فيما نرى والذين لا يقبلونها يذهبون إلى أن المعنى انقطع من عند قوله (ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً) ثم استأنف فقال (وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا) فجعلوا الاستثناء من الفسق خاصة دون الشهادة.
وأما الآخرون فتأولوا أن الكلام تبع بعضه بعضاً على نسق واحد فقال (ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا) فانتظم الاستثناء كل ما كان قبله.
وقال أبو عبيد: وهذا عندي هو القول المعمول به، لأن من قال به أكثر وهو أصح في النظر ولا يكون القول بالشيء أكثر من الفعل، وليس يختلف المسلمون في الزاني المجلود أن شهادته مقبولة إذا تاب) .
الاستثناء في هذه الآية بين الحنفية والجمهور:
هذا هو مذهب الجمهور في الاستثناء في هذه الآية من أن الاستثناء عامل في الفسق ورد الشهادة والحنفية كما تقدم مذهبهم: أن الاستثناء في هذه الآية عامل في الفسق فقط.
ومدار الخلاف في هذه الآية يرجع إلى خلاف الفريقين في قاعدة أصولية
وهي:
أن الاستثناء إذا جاء بعد جل متعاطفات فإنه يرجع لجميعها إلا لدليل من نقل
أو عقل يخصصه ببعضها وهذا هو مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة (١) .
стр. 231
وعند الحنفية: عندما يقررون هذه القاعدة لا يقولون (إنه يرجع لجميعها) ولكن يقولون: يرجع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة فقط (١) .
ففي هذه الآية تقدم الاستثناء، ثلاث جمل متعاطفات هي:
أ- (فاجلدوهم ثمانين جلدة) .
ب- (ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً) .
ج- (وأولئك هم الفاسقون) .
وقد قرر غير واحد الإجماع على أن الاستثناء (إلا الذين تابوا) غير عامل في جلده في الجملة الأولى فالتوبة لا تسقط عن القاذف حد الجلد. كما قرروا أيضاً أنه بالإجماع: فإن الاستثناء عامل في فسقه في الجملة الثالثة. فالتوبة تزيل عن القاذف وصف الفسق.
ومحل الخلاف في عمل الاستثناء في رد الشهادة؟:
فأبو حنيفة لا يعمله فيه للقاعدة المذكورة عنده.
والجمهور يعملونه طرداً للقاعدة المذكورة عندهم إذ لا يوجد دليل من نقل أو عقل يخصص عدم لحوق الاستثناء به.
هذه هي خلاصة خلاف العلماء في الاستثناء بعد المتعاطفات. وقد استظهر شيخنا محمد الأمين (٢) رحمه الله تعالى ما قرره العلامة القرطبي في (تفسيره) (٣) وتتابع عليه جماعة من المتأخرين منهم: ابن الحاجب (٤) من المالكية. والغزالي من
стр. 232
الشافعية (١) . والآمدي من الحنابلة (٢) . من أن الحكم في الاستثناء الآتي بعد متعاطفات هو الوقف ولا يحكم برجوعه إلى الجميع ولا إلى الأخيرة إلا بدليل يدل عليه
ولعل ابن القيم رحمه الله تعالى لم يصرح باختيار له في هذه المسألة لذلك والله أعلم.
والذي يظهر لي والله أعلم أنه قد دلّ الدليل على رجوع الاستثناء إلى قوله تعالى (ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً) .
أ- عمل الصحابة ﵃.
ب- محض القياس على قاعدة الشريعة المطردة في قبول شهادة كل تائب.
ج- عموم قوله ﷺ (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) .
٢- الاستدلال من الأثر
ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى استدلال الجمهور بقبول الصحابة ﵃ شهادة القاذف بعد توبته كما في قصة قذف المغيرة بن شعبة ﵁ (٣) فإن عمر ﵁ قبل شهادة نافع (٤) ، وشبل (٥) لما تابا، ورد شهادة أبي بكرة (٦) إذ
стр. 233
أبى أن يتوب (١) .
وقد حكى ابن قدامة في (المغنى) (٢) أن هذا محل إجماع من الصحابة ﵃.
٣- محض القياس على قاعدة الشريعة المطردة من قبول شهادة كل تائب:
وفي هذا يوضح ابن القيم استدلالهم فيقول (٣) :
(قالوا وأعظم موانع الشهادة: الكفر، والسحر، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، والزنا، ولو تاب من هذه الأشياء قبلت اتفاقاً، فالتائب من القذف أولى بالقبول.
قالوا وأين جناية قتله من قذفه.
قالوا: ولا عهد لنا في الشريعة بذنب واحد أصلاً يتاب منه ويبقى أثره المترتب عليه من رد الشهادة، وهل هذا إلا خلاف المعهود منها وخلاف قوله ﷺ (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) (٤) . وعند هذا فيقال: توبته من القذف تنزله منزلة من لم يقذف فيجب قبول شهادته. أو كما قالوا.
قالوا: ورد الشهادة بالقذف إنما هو مستند إلى العلة التي ذكرها الله عقيب هذا الحكم وهي الفسق، وقد ارتفع الفسق بالتوبة، وهو سبب الرد، فيجب ارتفاع ما ترتب عليه وهو المنع.
وهذا القياس مستوف لأركانه المعتبرة على ما يلي:
стр. 234
فالمقيس عليه: مثلاً التائب من الزنا.
والمقيس: التائب من القذف.
والحكم: قبول شهادة التائب.
والعلة: أي المعنى المشترك بينهما في رد الشهادة قبل التوبة هي: الفسق. تعقب الحنفية لهذا القياس:
ذكر ابن القيم تعقب الحنفية لهذا القياس بأنه قياس مع الفارق ويكمن وجه الفرق في نفي وجود علة الأصل وهي: الفسق في الزنا مثلاً - في الفرع وهو القذف فإن علته تتمة الحد بسبب القذف لا الفسق به. فقال (١) :
(قالوا: وأما التائب، من الزنا، والكفر، والقتل، فإنما قبلنا شهادته لأن ردها كانت نتيجة الفسق، وقد زال، فخلاف مسألتنا، فأنا قد بينا أن ردها من تتمة الحد، فافترقا) .
رد الجمهور لهذا التعقيب:
لكن الجمهور لا يرضون هذا القادح ويشير ابن القيم إلى ردهم له فيقول (١) : (وأما قولكم: إن رد الشهادة من تتمة الحد. فليس كذلك. فإن الحد تم باستيفاء عدده. وسببه نفس القذف. وأما رد الشهادة فحكم آخر أوجبه الفسق بالقذف، لا الحد. فالقذف أوجب حكمين: ثبوت الفسق، وحصول الحد، وهما متغايران) . والذي يظهر والله أعلم أن القادح الذي أورده الحنفية غير وارد. ولا منافاة بينه وبين ما ذهب إليه الجمهور بيان ذلك:
أما أنه غير وارد: فإن الحنفية يلزمهم أن لا يرجعوا الاستثناء إلى (الفسق)
стр. 235
لأن الحكم بفسقه مسوق مساق الجملتين قبله: الجلد. ورد الشهادة. فهو من تتمة الحد إذاً. وهم لا يقولون بهذا وبالإجماع فإن التوبة تزيل وصف الفسق. ورد الشهادة أثر مترتب على فسقه بالقذف فإذا زال الوصف ارتفع ما ترتب عليه: وهو رد الشهادة. وهذا ألصق بأصول الشريعة وأجرى على قواعدها. من قبول توبة التائبين، ورجوع المذنبين.
فإنه ما من محدود إلا ويحكم بفسقه لجرمه وما من تائب إلا ويحكم بارتفاع فسقه بتوبته ولا عهد للشريعة بذنب يتأبد عقابه ما عاش صاحبه.
٤- قال ابن القيم في الاستدلال للجمهور (١)
(قالوا الحد يدرء عنه عقوبة الآخرة. وهو طهرة له، فإن الحد طهرة لأهلها. فكيف تقبل شهادته إذا لم يتطهر بالحد، وترد أطهر ما يكون. فإنه بالحد والتوبة قد يطهر طهراً كاملاً) .
الخلاصة والترجيح:
هذا ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى من سياق الخلاف وأدلته ومناقشتها ولم يصرح رحمه الله تعالى باختيار أي من القولين. وقد تبين أن مدار الخلاف ومحل التجاذب بين القولين يعود إلى معرفة ما يعود إليه الاستثناء في الآية. وقد ظهرت عائديته إلى الفسق بالإجماع. وعدم عوده على الجلد بالإجماع ودلالة القرائن على عوده إلى (عدم قبول الشهادة) فتقبل إذا شهادة التائب من القاذف المحدود والله أعلم.-
وبمناسبة تعلق القبول على التوبة من القاذف فإن الحاجة تشتد إلى معرفة كيفية توبة القاذف. وهذا ما يتضح في المبحث الآتي إن شاء الله تعالى.
стр. 236
المبحث السادس:
في توبته (١)
اختلف العلماء في صورة توبة القاذف على قولين:
أحدهما: أن توبته لا تكون إلا بأن يكذب نفسه في ذلك القذف الذي حد فيه. وهذا قول جماعة من السلف منهم عمر ﵁ وبه قال الشافعي (٢) . وأحمد (٣) .
الثاني: أن توبته أن يصلح ويحسن حاله وحسبه الاستغفار وإن لم يكذب نفسه
في ذلك. وهذا قول جماعة منهم مالك رحمه الله تعالى (٤) وقد حكى ابن القيم رحمه الله تعالى القولين واختار القول الأول ودلّل عليه وبيّن ضعف القول الثاني. وفي ذلك يقول (٥) :
(الصحيح من القولين: أن توبة القاذف: إكذابه نفسه، لأنه ضد الذنب الذي ارتكبه وهتك به عرض المسلم المحصن، فلا تحصل التوبة منه إلا بإكذابه نفسه، لينتفي عن المقذوف العار الذي ألحقه به بالقذف وهو مقصود التوبة.
وأما من قال: إن توبته أن يقول (استغفر الله) من القذف، ويعترف بتحريمه، فقول ضعيف لأن هذا لا مصلحة فيه للمقذوف. ولا يحصل له به براءة عرضه مما
стр. 237
قذفه به. فلا يحصل به مقصود التوبة من هذا الذنب، فإن فيه حقان: حق الله: وهو تحريم القذف فتوبته منه باستغفاره، واعترافه بتحريم القذف. وندمه عليه وعزمه على أن لا يعود.
وحق للعبد: وهو إلحاق العار به بتوبته منه: بتكذيبه نفسه.
فالتوبة من هذا الذنب بمجموع الأمرين) .
وهذا القول المختار لدى ابن القيم رحمه الله تعالى واضح الدليل قوى التعليل وقد اشتمل على القول الثاني: فإن القذف فيه حقان: حق لله تعالى. وحق لعبده. ولا يحصل التخلص منها إلا: بالاستغفار والندم والعزم ألا يعود وأن يكذب نفسه فيكون بهذا قد تاب بأداء الحقين حق الله تعالى وحق عبده.
اعتراض وجوابه:
أورد ابن القيم رحمه الله تعالى اعتراضاً على القول المختار وهو أن القاذف إذا كان صادقاً في قذفه لمعاينته الزنا فكيف يسوغ له أن يكذب نفسه ويكون ذلك من تمام توبته.
فقال في الإيراد والجواب (١) :
(فإن قيل إذا كان صادقاً قد عاين الزنا، فاْخبر به فكيف يسوغ له تكذيب نفسه وقذفها بالكذب، ويكون ذلك من تمام توبته؟.
قيل: هذا هو الإشكال الذي قال صاحب هذا القول لأجله ما قال: أن توبته الاعتراف بتحريم القذف والاستغفار منه. وهو موضع يحتاج فيه إلى بيان الكذب الذي حكم الله به على القاذف وأخبر أنه كاذب عنده، ولو كان خبره مطابقاً للواقع (٢) . فنقول:
стр. 238
الكذب، يراد به أمران. أحدهما: الخبر غير المطابق لخبره. وهو نوعان: كذب عمد.
وكذب خطأ.
وكذب العمد معروف.
وكذب الخطأ مثل كذب: أبي السنابل بن بعلك (١) في فتواه للمتوفى عنها إذا وضعت حملها أنها لا تحل حتى يتم لها أربعة أشهر وعشراً.
فقال النبي ﷺ (كذب أبو السنابل) (٢) .
ومنه قوله ﷺ (كذب من قالها) لمن قال (حبط عمل عامر حيث قتل نفسه خطأ) (٣) .
ومنه: قول عبادة بن الصامت ﵁ (٤) (كذب أبو محمد) حيث قال (الوتر واجب) (٥) .
فهذا كله من كذب الخطأ. ومعناه (أخطأ) قائل ذلك.
والثاني من أقسام الكذب: الخبر الذي لا يجوز الإخبار به، وإن كان خبره مطابقاً لمخبره. كخبر القاذف المنفرد برؤية الزنا، والإخبار به فإنه كاذب في حكم الله وإن كان خبره مطابقاً لمخبره. ولهذا قال تعالى (٦) (فإذ يأتوا بالشهداء.
стр. 239
فأولئك عند الله هم الكاذبون) فحكم الله في مثل هذا: أن يعاقب عقوبة المفتري الكاذب وإن كان خبره مطابقاً. وعلى هذا فلا تتحقق توبته حتى يعترف بأنه كاذب عند الله كما أخبر الله تعالى به عنه. فإذا لم يعترف بأنه كاذب وجعله الله كاذباً. فأي توبة له. وهل هذا إلا محض الإصرار والمجاهرة بمخالفة حكم الله الذي حكم به عليه) .
الخلاصة و الترجيح:
من هذا السياق يتجلى أن ابن القيم رحمه الله تعالى قد وفى الحديث عن صورة توبة القاذف إذ ذكر الخلاف والتدليل واختار ما يسنده الدليل وفرض ما يرد عليه به اعتراض ورده بأحسن مسلك وأقوى بيان. وهذا المختار أرعى لحرمة حق الله وحق عباده والله أعلم.
стр. 240
باب حد الخمر
стр. 241
توطئة في تعريف (الخمر) في اللسانين، اللغة والشرع:
لغة (١) :
الخمر: تجمع على خمور. وهي مؤنثة في اللغة الفصيحة المشهورة وتذكر، لكن قيل على ضعف، وقيل: لا، بل هي فصيحة لكن التأنيث أكثر وأشهر. ولهذا قال (الفيروز آبادي) وقد تذكر (٢) .
وهي: تؤنث بالهاء، فيقال: خمرة، لكن هل هذا من الفصيح؟.
الذي صححه النووي (٢) ، أنها لغة فصيحة، وقيدها في (مقصد النبيه) (٤) بقوله
له (هي قليلة) .
فنخلص من هذا أنه يقال: هذه أو هذا خمر. وهذه خمرة. والجمع خمور مثل تمرة وتمور.
لماذا سمّيت الخمر خمراً:
ذكر علماء اللغة في ذلك خلافاً على أقوال ثلاثة:
стр. 242
الأول: سميت خمرا لأنها تغطى حتى تدرك أي حتى تغلي. حكاه النووي (١)
والقرطبي (٢) ، والحافظ بن حجر (٣) ، والرازي (٤) ، وعزاه لابن الأعرابي (٥) .
الثاني: أنها لما كانت تستر العقل وتغطيه سميت بذلك. حكاه القرطبي (٦) ، والحافظ بن حجر (٧) ، والفيروز آبادي (٨) ، والنووي (٩) ، وعزاه للكسائي (١٠)
الثالث: سميت خمراً لأنها تخامر العقل أي تخالطه. حكاه الفيروز آبادي (١١) ، والقرطبي (١٢) ، وابن حجر (١٣) ، والنووي (١٤) ، وعزاه لابن الأنباري.
وهذه المعاني الثلاثة يجدها الناظر متقاربة بل هي متشابكة لأن أصلها الستر فلا مانع إذا أن تكون سميت الخمر خمراً لهذه الأمور الثلاثة ولا منافاة وهذا هو ما جنح إليه جمع منهم العلامة القرطبي إذ قال (١٥) :
(فالمعاني الثلاثة متقاربة، فالخمر تركت، وخمرت حتى أدركت ثم خالطت العقل، ثم خمرته والأصل الستر) .
ومنهم الحافظ بن حجر إذ قال بعد حكايته (١٦) :
стр. 243
(ولا مانع من صحة هذه الأقوال كلها لثبوتها عن أهل اللغة وأهل المعرفة باللسان) .
قال ابن عبد البر: الأوجه كلها موجودة في الخمرة، لأنها تركت حتى أدركت وسكنت فإذ شربت خالطت العقل حتى تغلب عليه وتغطيه) .
فهؤلاء ثلاثة من أعيان المحققين من أهل العلم وهم: ابن عبد البر، والقرطبي، وابن حجر، يرون أن الخمر إنما سميت خمراً لاجتماع هذه المعاني الثلاثة بها لأن الأصل في معناها الستر والتغطية. وقد ثبتت جميعها عن أهل اللسان العربي والله أعلم.
حقيقتها في اللغة:
عرفنا فيما سبق، تصريفها في اللغة (١) ، وسبب تسميتها بذلك (٢) ، فما هي حقيقتها في لسان العرب أي مم تكون الخمر. أو ما هو حدها عند العرب. اختلف أهل المعرفة باللسان في ذلك على أربعة أقوال على ما يلي:
الأول: العموم في حقيقتها وهو: أن كل ما أسكر فهو خمر. وهذا هو ما صححه جماعة المحققين منهم الراغب (٢) ، والنووي (٤) ، والفيروز آبادي (٥) ، وابن حجر (٦) . وقال: وهو لغير واحد من أهل اللغة.
الثاني: كل مسكر اتخذ من العنب خاصة، حكاه الراغب (٧) ، والفيروز آبادي (٨) ، والنووي (٩) ، وابن حجر (١٠) .
стр. 244
الثالث: الخمر كل مسكر اتخذ من العنب والتمر. حكاه الراغب (١) ، وابن
حجر (٢)
الرابع: هي كل ما أسكر من غير المطبوخ. حكاه الراغب (٣) ، وابن حجر (٤) .
ولهذا الخلاف شواهد وأدلة لا سيما الأقوال الثلاثة الأول. وقد كشف عنها الحافظ بن حجر في الفتح (٥) ، وابن الهمام في فتح القدير (٦) ، عند بيانهما لحقيقتها الشرعية. ولولا الإطالة والخروج عن موضوع الرسالة لأتيت بذكر ذلك مع ما ذكره غيرهما. ولعل في بيان حقيقتها الشرعية هنا ما يجلى بعض ذلك وهو المبحث الآتي:
حقيقتها الشرعية:
اختلف العلماء في حقيقة (الخمر) الشرعية على قولين:
الأول: للحنفية، فالخمر عندهم، ما اعتصر من ماء العنب إذا اشتد وغلى وقذف بالزبد، بطبعه دون عمل النار (٧) .
الثاني: للجمهور منهم المالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم من أهل الأثر
قا لوا:
الخمر كل ما أسكر سواء كان عصيراً أو نقيعاً من العنب أو غيره مطبوخاً أو غير مطبوخ وهذا هو ما انتصر له جماعة المحققين من أهل العلم منهم: النووي (٨) ،
стр. 245
وابن حجر (١) ، والقرطبي (٢) ، والفيروز آبادي (٣) .
قال النووي: واللغة تشهد لهذا (٤) .
وقال القرطبي (٥) : (الأحاديث الواردة تبطل مذهب الكوفيين القائلين بأن الخمر لا يكون إلا من العنب وما كان من غيره لا يسمى خمراً ولا يتناوله اسم الخمر. وهو قول مخالف للغة العرب والسنّة الصحيحة والصحابة ﵃.
. لأنهم لما نزل تحريم الخمر فهموا من الأمر باجتناب الخمر تحريم كل مسكر. ولم يفرقوا بين ما يتخذ من العنب وبين ما يتخذ من غيره بل سووا بينهما وحرموا كل ما يسكر نوعه، ولم يتوقفوا ولم يستفصلوا، ولم يشكل عليهم شيء من ذلك بل بادروا إلى إتلاف ما كان من غير عصير العنب. وهم أهل اللسان وبلغتهم نزل القرآن إلى أن قال: فصار القائل بالتفريق سالكا غير سبيلهم) إلخ..
فتبين من هذا أن الخمر من ماء عصير العنب إذا اشتد، حقيقة لغوية شرعية بالاتفاق فيطلق عليه اسم (الخمر) إطلاقاً حقيقياً إجماعاً.
وأما من غيره فيطلق عليه اسم (الخمر) حقيقة لغوية شرعية على الأصح عند الجمهور من علماء اللغة والشريعة.
ومن فوائد الخلاف أن من شرب من أي مسكر من العنب أو غيره أقيم عليه
الحدّ سواء سكر منه الشارب أم لا وهذا على الأصح وهو مذهب الجمهور. وأما عند الحنفية فمن شرب من ماء عصير العنب المشتد حدّ سواء سكر منه أم
لا لأنه هو (الخمر) حقيقة. وأما من شرب من خلافه فلا يحد إلا إن أسكر والله أعلم (٦) .
стр. 246
موقف ابن القيم من حقيقة الخمر (١) :
أما ابن القيم رحمه الله تعالى فيرى أن بيان حقيقة الخمر شرعاً من المسائل التي طال فيها النزاع وكثر السؤال والجواب. وإن الرسول ﷺ قد جعل لها حداً أغنانا به عن هذا التعب والتطويل فقال ﷺ "كل مسكر خمر" (٢) . فهذا الحد يتناول كل فرد من أفراد المسكر. وقد سماه (خمراً) أفصح الأمة لساناً ﷺ .
وبيّن أن من خصّ الخمر بنوع خاص من المسكرات، فقد قصر فهمه، وهضم المعنى العام في الخمر- الشامل معناه لكل مسكر، وبالتالي ففي هذا جهل بحدود كلام الله وكلام رسوله ﷺ وهو من الغلط البيّن على دين الله وشرعه. وإن من نتائج هذا الرأي أنهم لما احتاجوا إلى تحريم كل مسكر سلكوا طريق القياس ونازعهم الآخرون. وكل هذا من نتائج قصور الفهم لحدود الحلال والحرام.
وأرى من الأمانة لحفظ كلامه وسلامة وحدة الموضوع أن أذكر كلامه بنصه
في تقرير هذه القاعدة مع ذكر المثال لها في معرفة حد الخمر من الوضع الشامل من كلامه وهذا نصه من (الأعلام) (٣) :
(من المعلوم أن الله سبحانه حد لعباده حدود الحلال والحرام بكلامه. وذم من
لم يعلم حدود ما أنزل الله على رسوله. والذي أنزله هو كلامه. فحدود ما أنزله الله هو الوقوف عند حدّ الاسم الذي علق عليه الحل والحرمة. فإنه هو المنزل على رسوله وحده بما وضع له لغة أو شرعاً. بحيث لا يدخل فيه غير موضوعه. ولا يخرج منه شيء من موضوعه. ومن المعلوم أن حد البر لا يتناول الخردل. وحد التمر لا يدخل فيه البلوط. وحد الذهب لا يتناول القطن. ولا يختلف الناس أن حد الشيء ما يمنع دخول غيره فيه. ويمنع خروج بعضه منه. وإن أعلم الخلق بالدين
стр. 247
أعلمهم بحدود الأسماء التي علق بها الحل والحرمة. والأسماء التي لها حدود في كلام
الله ورسوله ثلاثة أنواع:
نوع له حد في اللغة: كالشمس والقمر والبر والبحر والليل والنهار. فمن حمل هذه الأسماء على غير مسماها أو خصها ببعضه أو أخرج منها بعضه فقد تعدى حدودها.
ونوع له حد في الشرع: كالصلاة والصيام والحج والزكاة والإيمان والإسلام والتقوى ونظائرها فحكمها لتناولها في مسمياتها الشرعية كحكم النوع الأول في تناوله لمسماه اللغوي.
ونوع له حد في العرف: لم يحده الله ورسوله بحد غير المتعارف. ولا حد له في اللغة كالسفر والمرض المبيح للترخص والسفه والجنون الموجب للحجر والشقاق
الموجب لبعث الحكمين والنشوز المسوغ لهجر الزوجة وضربها والتراخي المسوغ لحل التجارة والضرار المحرم بين المسلمين. وأمثال ذلك. وهذا النوع في تناوله
لسماه العرفي كالنوعين الآخرين في تناولها لمسماها. ومعرفة حدود هذه الأسماء
ومراعاتها مغن عن القياس غير محوج إليه وإنما يحتاج إلى القياس من قصر في هذه
الحدود، ولم يحط بها علماً. ولم يعطها حقها من الدلالة. مثاله: تقصير طائفة من الفقهاء في معرفة حد الخمر حيث خصوه بنوع خاص من المسكرات. فلما احتاجوا إلى تقرير تحريم كل مسكر سلكوا طريق القياس. وقاسوا ما عدا ذلك النوع في التحريم عليه. فنازعهم الآخرون في هذا القياس. وقالوا: لا يجري في الأسباب وطال النزاع بينهم. وكثر السؤال والجواب. وكل هذا من تقصيرهم في معرفة حد الخمر. فإن صاحب الشرع قد حده بحد يتناول كل فرد من أفراد السكر فقال (كل مسكر خمر) فأغنانا هذا الحد عن باب طويل عريض كثير التعب من القياس وأثبتنا التحريم بنصه لا بالرأي والقياس) .
فنرى ابن القيم رحمه الله تعالى في هذا يقرر مذهب الجمهور ويبيّن أنه هو عين
ما حده رسول الله ﷺ في قوله (كل مسكر خمر) . ويشدد النكير على من
стр. 248
خالفهم من الكوفيين أهل الرأي من الحنفية وغيرهم الذين يخصون اسم الخمر بماء عصير العنب المشتد خاصة.
وهذا الحديث الذي يدور عليه كلام ابن القيم في شمول اسم الخمر لكل مسكر هو من الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ من حديث ابن عمر رضي الله
عنهما وغيره رواه أحمد (١) ، ومسلم (٢) ، وأصحاب السنن (٣) ، كلهم بلفظ أن النبي ﷺ قال (كل مسكر خمر) مطولاً ومختصراً.
ولفظه عند مسلم: عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال " كل مسكر خمر وكل مسكر حرام ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يتب لم يشربها في الآخرة" (٤) والله أعلم.
رد ابن القيم على الكوفيين:
ثم إن ابن القيم رحمه الله تعالى أنحى بالملام على الكوفيين حيث خصوا الخمر بنوع خاص من العنب وساق من النصوص ما يرد هذا الرأي ويبطله وبسط ذلك في كتابه (تهذيب سنن أبي داود) (٥) على ما يلي:
١- وعن أنس ﵁ قال (إن الخمر حرمت. والخمر يومئذ: البسر والتمر) رواه البخاري (٦) ، ومسلم (٧) .
стр. 249
٢- وعن أنس أيضاً ﵁ قال: (لقد أنزل الله الآية التي حرم فيها الخمر. وما بالمدينة شراب يشرب إلا من التمر) . رواه مسلم (١) .
٣- وعنه أيضاً قال: (حرمت علينا الخمر حين حرمت وما نجد خمر الأعناب وعامة خمرنا البسر والتمر) رواه البخاري (٢) .
٤- وعن ابن عمر ﵄ قال: (نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذٍ لخمسة أشربة ما فيها شراب العنب) رواه البخاري (٣) ، ومسلم (٤) .
٥- وعن أنس رضى الله عنه قال: (كنت أسقي أبا عبيدة (٥) وأبا طلحة (٦) ، وأبي بن كعب (٧) ، فضيخ (٨) زهو وتمر فجاءهم آتٍ. فقال إن الخمرة حرمت فقال أبو طلحة: قم يا أنس فأهرقها) ، رواه البخاري (٩) ،
ومسلم (١٠) .
وجه الدلالة من هذه الأحاديث:
ثم ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى وجه الدلالة من هذه الأحاديث رداً على الذين خصوا الخمر بما كان من عصير العنب فقال (١١) : (فهذه النصوص الصحيحة
стр. 250
الصريحة في دخول هذه الأشربة المتخذة من غير العنب في اسم الخمر في اللغة التي نزل بها القرآن. وخوطب بها الصحابة عن التكلف في إثبات تسميتها خمراً بالقياس مع كثرة النزاع فيه. فإذا قد ثبت تسميتها خمراً أيضاً. فتناول لفظ النصوص لها كتناوله لشراب العنب سواء تناولاً وحداً. فهذه طريقة منصوصة سهلة تريح من كلفة القياس في الاسم. والقياس في الحكم) .
٦- دلالة القياس.
ثم إن ابن القيم رحمه الله تعالى لم يكتفِ بسياق هذه النصوص من السنة المشرفة
بل بين أن محض القياس الجلي يقتضي هذا فقال (١) : (ثم إن محض القياس الجلي يقتضي التسوية بينها. لأن تحريم قليل شراب العنب مجمع عليه وإن لم يسكر وهذا لأن النفوس لا تقتصر على الحد الذي لا يسكر منه وقليله يدعو إلى كثيره. وهذا المعنى بعينه في سائر الأشربة المسكرة. فالتفريق بينها في ذلك تفريق بين المتماثلات. وهو باطل. فلو لم يكن في المسألة إلا القياس لكان كافياً في التحريم. فكيف وفيها ما ذكرناه من النصوص التي لا مطعن فيها ولا اشتباه في معناها. بل هي صحيحة صريحة. وبالله التوفيق) . وهذا قياس جلي يفيد المطابقة التامة لصحيح المنقول وهو مستوفي لأركانه وشرائطه:
فذكر المقيس وهو: قليل المسكر من غير العنب.
وذكر المقيس عليه وهو: قليل شراب العنب وإن لم يسكر.
وذكر العلّة الجامعة وهي: الإسكار.
وذكر الحكم وهو: التحريم.
وبيّن أنه من قياس الأولى: لأن المسكر من غير العنب أولى بالتحريم من قليل الخمر من العنب إذا لم يسكر. لأن الأول تحقق فيه الإسكار أما الثاني فهو مدعاة لأن يشرب منه ما يسكر فتكون العلّة إذا في المسكر من غير العنب أقوى في