موقف ابن القيم من حقيقة الخمر (١) :
أما ابن القيم رحمه الله تعالى فيرى أن بيان حقيقة الخمر شرعاً من المسائل التي طال فيها النزاع وكثر السؤال والجواب. وإن الرسول ﷺ قد جعل لها حداً أغنانا به عن هذا التعب والتطويل فقال ﷺ "كل مسكر خمر" (٢) . فهذا الحد يتناول كل فرد من أفراد المسكر. وقد سماه (خمراً) أفصح الأمة لساناً ﷺ .
وبيّن أن من خصّ الخمر بنوع خاص من المسكرات، فقد قصر فهمه، وهضم المعنى العام في الخمر- الشامل معناه لكل مسكر، وبالتالي ففي هذا جهل بحدود كلام الله وكلام رسوله ﷺ وهو من الغلط البيّن على دين الله وشرعه. وإن من نتائج هذا الرأي أنهم لما احتاجوا إلى تحريم كل مسكر سلكوا طريق القياس ونازعهم الآخرون. وكل هذا من نتائج قصور الفهم لحدود الحلال والحرام.
وأرى من الأمانة لحفظ كلامه وسلامة وحدة الموضوع أن أذكر كلامه بنصه
في تقرير هذه القاعدة مع ذكر المثال لها في معرفة حد الخمر من الوضع الشامل من كلامه وهذا نصه من (الأعلام) (٣) :
(من المعلوم أن الله سبحانه حد لعباده حدود الحلال والحرام بكلامه. وذم من
لم يعلم حدود ما أنزل الله على رسوله. والذي أنزله هو كلامه. فحدود ما أنزله الله هو الوقوف عند حدّ الاسم الذي علق عليه الحل والحرمة. فإنه هو المنزل على رسوله وحده بما وضع له لغة أو شرعاً. بحيث لا يدخل فيه غير موضوعه. ولا يخرج منه شيء من موضوعه. ومن المعلوم أن حد البر لا يتناول الخردل. وحد التمر لا يدخل فيه البلوط. وحد الذهب لا يتناول القطن. ولا يختلف الناس أن حد الشيء ما يمنع دخول غيره فيه. ويمنع خروج بعضه منه. وإن أعلم الخلق بالدين
стр. 247
أعلمهم بحدود الأسماء التي علق بها الحل والحرمة. والأسماء التي لها حدود في كلام
الله ورسوله ثلاثة أنواع:
نوع له حد في اللغة: كالشمس والقمر والبر والبحر والليل والنهار. فمن حمل هذه الأسماء على غير مسماها أو خصها ببعضه أو أخرج منها بعضه فقد تعدى حدودها.
ونوع له حد في الشرع: كالصلاة والصيام والحج والزكاة والإيمان والإسلام والتقوى ونظائرها فحكمها لتناولها في مسمياتها الشرعية كحكم النوع الأول في تناوله لمسماه اللغوي.
ونوع له حد في العرف: لم يحده الله ورسوله بحد غير المتعارف. ولا حد له في اللغة كالسفر والمرض المبيح للترخص والسفه والجنون الموجب للحجر والشقاق
الموجب لبعث الحكمين والنشوز المسوغ لهجر الزوجة وضربها والتراخي المسوغ لحل التجارة والضرار المحرم بين المسلمين. وأمثال ذلك. وهذا النوع في تناوله
لسماه العرفي كالنوعين الآخرين في تناولها لمسماها. ومعرفة حدود هذه الأسماء
ومراعاتها مغن عن القياس غير محوج إليه وإنما يحتاج إلى القياس من قصر في هذه
الحدود، ولم يحط بها علماً. ولم يعطها حقها من الدلالة. مثاله: تقصير طائفة من الفقهاء في معرفة حد الخمر حيث خصوه بنوع خاص من المسكرات. فلما احتاجوا إلى تقرير تحريم كل مسكر سلكوا طريق القياس. وقاسوا ما عدا ذلك النوع في التحريم عليه. فنازعهم الآخرون في هذا القياس. وقالوا: لا يجري في الأسباب وطال النزاع بينهم. وكثر السؤال والجواب. وكل هذا من تقصيرهم في معرفة حد الخمر. فإن صاحب الشرع قد حده بحد يتناول كل فرد من أفراد السكر فقال (كل مسكر خمر) فأغنانا هذا الحد عن باب طويل عريض كثير التعب من القياس وأثبتنا التحريم بنصه لا بالرأي والقياس) .
فنرى ابن القيم رحمه الله تعالى في هذا يقرر مذهب الجمهور ويبيّن أنه هو عين
ما حده رسول الله ﷺ في قوله (كل مسكر خمر) . ويشدد النكير على من
стр. 248
خالفهم من الكوفيين أهل الرأي من الحنفية وغيرهم الذين يخصون اسم الخمر بماء عصير العنب المشتد خاصة.
وهذا الحديث الذي يدور عليه كلام ابن القيم في شمول اسم الخمر لكل مسكر هو من الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ من حديث ابن عمر رضي الله
عنهما وغيره رواه أحمد (١) ، ومسلم (٢) ، وأصحاب السنن (٣) ، كلهم بلفظ أن النبي ﷺ قال (كل مسكر خمر) مطولاً ومختصراً.
ولفظه عند مسلم: عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال " كل مسكر خمر وكل مسكر حرام ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يتب لم يشربها في الآخرة" (٤) والله أعلم.
رد ابن القيم على الكوفيين:
ثم إن ابن القيم رحمه الله تعالى أنحى بالملام على الكوفيين حيث خصوا الخمر بنوع خاص من العنب وساق من النصوص ما يرد هذا الرأي ويبطله وبسط ذلك في كتابه (تهذيب سنن أبي داود) (٥) على ما يلي:
١- وعن أنس ﵁ قال (إن الخمر حرمت. والخمر يومئذ: البسر والتمر) رواه البخاري (٦) ، ومسلم (٧) .
стр. 249
٢- وعن أنس أيضاً ﵁ قال: (لقد أنزل الله الآية التي حرم فيها الخمر. وما بالمدينة شراب يشرب إلا من التمر) . رواه مسلم (١) .
٣- وعنه أيضاً قال: (حرمت علينا الخمر حين حرمت وما نجد خمر الأعناب وعامة خمرنا البسر والتمر) رواه البخاري (٢) .
٤- وعن ابن عمر ﵄ قال: (نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذٍ لخمسة أشربة ما فيها شراب العنب) رواه البخاري (٣) ، ومسلم (٤) .
٥- وعن أنس رضى الله عنه قال: (كنت أسقي أبا عبيدة (٥) وأبا طلحة (٦) ، وأبي بن كعب (٧) ، فضيخ (٨) زهو وتمر فجاءهم آتٍ. فقال إن الخمرة حرمت فقال أبو طلحة: قم يا أنس فأهرقها) ، رواه البخاري (٩) ،
ومسلم (١٠) .
وجه الدلالة من هذه الأحاديث:
ثم ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى وجه الدلالة من هذه الأحاديث رداً على الذين خصوا الخمر بما كان من عصير العنب فقال (١١) : (فهذه النصوص الصحيحة
стр. 250
الصريحة في دخول هذه الأشربة المتخذة من غير العنب في اسم الخمر في اللغة التي نزل بها القرآن. وخوطب بها الصحابة عن التكلف في إثبات تسميتها خمراً بالقياس مع كثرة النزاع فيه. فإذا قد ثبت تسميتها خمراً أيضاً. فتناول لفظ النصوص لها كتناوله لشراب العنب سواء تناولاً وحداً. فهذه طريقة منصوصة سهلة تريح من كلفة القياس في الاسم. والقياس في الحكم) .
٦- دلالة القياس.
ثم إن ابن القيم رحمه الله تعالى لم يكتفِ بسياق هذه النصوص من السنة المشرفة
بل بين أن محض القياس الجلي يقتضي هذا فقال (١) : (ثم إن محض القياس الجلي يقتضي التسوية بينها. لأن تحريم قليل شراب العنب مجمع عليه وإن لم يسكر وهذا لأن النفوس لا تقتصر على الحد الذي لا يسكر منه وقليله يدعو إلى كثيره. وهذا المعنى بعينه في سائر الأشربة المسكرة. فالتفريق بينها في ذلك تفريق بين المتماثلات. وهو باطل. فلو لم يكن في المسألة إلا القياس لكان كافياً في التحريم. فكيف وفيها ما ذكرناه من النصوص التي لا مطعن فيها ولا اشتباه في معناها. بل هي صحيحة صريحة. وبالله التوفيق) . وهذا قياس جلي يفيد المطابقة التامة لصحيح المنقول وهو مستوفي لأركانه وشرائطه:
فذكر المقيس وهو: قليل المسكر من غير العنب.
وذكر المقيس عليه وهو: قليل شراب العنب وإن لم يسكر.
وذكر العلّة الجامعة وهي: الإسكار.
وذكر الحكم وهو: التحريم.
وبيّن أنه من قياس الأولى: لأن المسكر من غير العنب أولى بالتحريم من قليل الخمر من العنب إذا لم يسكر. لأن الأول تحقق فيه الإسكار أما الثاني فهو مدعاة لأن يشرب منه ما يسكر فتكون العلّة إذا في المسكر من غير العنب أقوى في
стр. 251
الاعتبار من قليل الخمر من العنب الذي لا يسكر والله أعلم.
ولا شك أن ما اختاره ابن القيم وانتصر له هو الذي يؤيده النص الصحيح. والعقل الصريح والنظر الرجيح. وإن قول الكوفيين هذا من غرائب الآراء وأشدها بعداً عن هدي الشريعة ودلها وهو يفتح باب إفساد العقول. لهذا اشتد النكير من أهل العلم عليهم وقابلوه بالرفض والنقض.
ومن هؤلاء العلماء الذين نقدوا هذه المقالة وكشفوا عنها. القرطبي رحمه الله تعالى في (تفسيره) (١) ، وقد أطال فيها المقال وذكر كلاماً حسناً لأحد شيوخه فقال (٢) :
(قال شيخنا الفقيه الإمام أبو العباس أحمد (٣) ﵁: العجب من المخالفين في هذه المسألة فإنهم قالوا: إن القليل من الخمر المعتصر من العنب حرامٍ ككثيره. وهو مجمع عليه. فإذا قيل لهم: فلم حرم القليل من الخمر وليس مذهبا للعقل؟ فلا بد أن يقال: لأنه داعية إلى الكثير، أو للتعبد، فحينئذٍ يقال لهم: كلّ ما قدرتموه في قليل الخمر هو بعينه موجود في قليل النبيذ فيحرم أيضاً. إذ لا فارق بينهما إلا مجرد الاسم إذا سلم ذلك. وهذا القياس هو أرفع أنواع القياس. لأن الفرع فيه مساوٍ للأصل في جميع أوصافه ... ثم العجب من أبي حنيفة وأصحابه ﵏ فإنهم يتوغلون في القياس ويرجحونه على أخبار الآحاد. ومع ذلك فقد تركوا هذا القياس الجلي المعضود بالكتاب والسنّة والإجماع من صدور الأمة.
стр. 252
مباحث حد الخمر عند ابن القيم رحمه الله تعالى
وفي ضوء هذا البيان من ابن القيم رحمه الله تعالى لحقيقة الخمر كشف عن عدة مباحث في الخمر وحد شاربها على النحو الآتي:
المبحث اَلأول: السكر، حقيقته وأسبابه.
المبحث الثاني: حكمة التشريع في الخمر.
المبحث الثالث: في سد الذرائع الموصلة إلى الخمر.
المبحث الرابع: في عقوبة شارب الخمر.
المبحث الخامس: إقامة حد الخمر بالقرينة الظاهرة.
وبيان كلّ مبحث منها على ما يلي:
стр. 253
المبحث الأول
حقيقة السكر (١) ، وأسبابه (٢) :
عرفنا اختيار ابن القيم رحمه الله تعالى في حد الحمر وهو: أنها لكل مسكر (٢) . وعرفنا أيضاً في أثناء ذلك البحث أن عقوبة شارب الخمر تتعلق بمجرد شرب الخمر من كلّ مسكر سواء سكر منه أم لا. هذا في قول الجمهور وهو الصحيح كما تقدم.
لكن للسكران أحكام أخرى في التصرفات قولية كانت أو فعلية من بيع وطلاق وأيمان وعتاق، وجناية ونحو ذلك على خلاف بين أهل العلم هل يكون السكران زائل التكليف في جميعها أم في بعضها دون الآخر؟.
فما هي إذا حقيقة السكر التي تترتب عليها أحكام السكران التكليفية كلها سوى إقامة الحد؟.
حقيقة السكر بين الفقهاء وابن القيم:
يبيّن الفقهاء رحمهم الله تعالى حقيقة (السكر) في دائرة المترتب من الشرب: فعند الحنفية: السكر من الشرب هو: الذي يجعل صاحبه لا يعلم الأرض من السماء (٤) .
стр. 254
وعند المالكية: هو الذي يغيب العقل دون الحواس مع نشوة وطرب (١) . وعند الشافعية: هو الذي به: يختلط كلامه المنظوم، ويفشى سره المكتوم (٢) . وعند الحنابلة: هو الذي يجعل صاحبه يخلط في كلامه ولا يعرف ثوبه من ثوب غيره (٣) .
هذه حقيقته عند فقهاء المذاهب المشهورة وهي كما يرى الناظر تعود إلى معنى واحد: فقدان العقل المميز.
أما ابن القيم رحمه الله تعالى فتراه يبين لنا حقيقة السكر في دائرة أعم وأشمل
من سكر الشراب، لأن التخليط في التصرفات وعدم التمييز لا يكون من الشراب فحسب بل يكون من الشراب وغيره من الأسباب التي تجعل حال صاحبها كحال الشارب فيقول في بيان حقيقة السكر مبيناً الدليل (٤) :
(السكر لذة ونشوة يغيب معها العقل الذي يحصل به التمييز فلا يعلم صاحبه ما يقول:
قال الله تعالى (٥) : (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون! فجعل الغاية التي يزول بها حكم السكر أن يعلم ما يقول، فإذا علم ما يقول خرج عن حد السكر) .
فعرف: السكر، ثم ذكر الدليل. ثم بيّن وجه الاستدلال. وهو بهذا التعريف يكسب السعة والشمول لحقيقة السكر من الشرب وغيره.
فلم يعتبر حقيقة السكران عن شرب بل هو بعض أفراد المسكر وهذا المعنى
стр. 255
العام لحقيقة السكر شرعاً يتواطأ مع معناه اللغوي فإن السكران في اللغة هو: خلاف الصاحي (١) ، وخلاف الصاحي من في عقله ضرب من الخلط وعجز عن التمييز وهذا يتولد من عدة أسباب، ومن خص السكر بما تولد من الشراب فقد قصر معناه على بعض أفراده.
أسباب السكر:
لهذا نراه يبين أسباب السكر فيقول (٢) :
(وقد يكون سبب السكر غير تناول المسكر: إما ألم شديد يغيب به العقل حتى يكون كالسكران.
وقد يكون سببه مخوف عظيم هجم عليه وهلة واحدة حتى يغيب عقل من هجم عليه، ومن هذا قوله تعالى (٣) : (وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد) . فهم سكارى من الدهش والخوف وليسوا بسكارى من الشراب) .
ثم أخذ في بيان جملة من أسباب السكر سوى سكر الشراب مثل: سكر الفرح، وسكر الغضب (٤) ، وسكر الحرص، وسكر السماع الشيطاني، وسكر عشق الصور، وغيرها من أسباب السكر باسطاً لها أشد البسط (٥) .
وبهذا نستفيد ما كان عليه ابن القيم رحمه الله تعالى من سعة الأفق وفقه النفس وربطه بين أجزاء الحياة وشتات المعلومات. ونلمس منه أيضاً روحاً شفافة كسر بها الجمود الاصطلاحي وفتح بها آفاقاً علمية تصقل النفوس وتربى الملكات والله أعلم.
стр. 256
المبحث الثاني
حكمة التشريع في الخمر
أبان ابن القيم رحمه الله تعالى عن حكمة التشريع في الخمر من ناحيتين: الأولى: حكمة الشرع في تحريم الخمر .
الثانية: الحكمة في عقوبة شارب الخمر بالجلد.
والكلام عنهما فيما يلي:
الأولى: حكمة الشرع في تحريم الخمر (١)
لم تحظَ هذه المسألة بكلام مفرد من الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى. وإنما تكلم عليها بمناسبات اقتضت ذكرها. لكن يؤخذ من كلامه في هذه المناسبات مجامع القول من حكمة الشارع في تحريم الخمر على وجه البيان لقول الله تعالى (٢) : (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر، ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون) . ونستطيع أن نستخلص كلامه في حكمة الشرع في تحريم الخمر في النقاط الآتية:
أ- آية تحريم (٣) الخمر فيها بيان حكمة التحريم.
стр. 257
يقول ابن القيم مشيراً إلى الآية المذكورة (١) :
(حرم الله سبحانه السكر لشيئين: ذكرهما في كتابه. وهما إيقاع العداوة، والبغضاء بين المسلمين والصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة. وذلك يتضمن حصول المفسدة الناشئة من النفوس بواسطة زوال العقل. وانتفاء المصلحة التي لا تتم إلا بالعقل، وإيقاع العداوة من الأول والصدّ عن ذكر الله من الثاني) .
فهو بيّن أن المفاسد إنما تنشأ من زوال العقل والمصالح لا تتم إلا بالعقل. والسكران قد جنى على عقله بالإفساد. ولهذا صان الله العقول عن الإفساد بتحريم الخمر، وصار هذا من ضروريات دين الإسلام وأحكامه التشريعية. دفعاً لما يترتب على فساد العقل وزواله في المفاسد وانتفاء المصالح.
وفي هذا يقول ابن القيم أيضاً (٢) :
(إن الله تعالى حرم الحمر لما فيها من المفاسد الكثيرة المترتبة على زوال العقل- وهذا ليس مما نحن فيه) (٣) .
ومن هذه المفاسد التي تترتب على زوال العقل بالسكر أنها تأخذ بالإنسان إلى المواطن التي توقع في الندم والأسف. من روح تزهق أو عرض يهتك. أو مال يضاع إلى غير ذلك من المفاسد ومواطن الهلكة (٤) التي أبان الله عن مفاسدها في الآية المتقدمة.
ب- التحريم لكافة المحرمات على هذه الأمة هو: تحريم حفظ وصيانة لا تحريم عقوبة.
وتحريم الخمر صيانة للعقول وحفظ لها.
стр. 258
هذه من طرائف العلم التي شحن بها ابن القيم كتابه (مفتاح دار السعادة) فقال ما ملخصه (١) :
(قال الله تعالى (٢) : (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت
لهم) ... قد أخبر تعالى أنه حرم عليهم طيبات كانت حلالاً عقوبة لهم فهذا تحريم عقوبة بخلاف التحريم على هذه الأمة فإنه تحريم صيانة وحماية) .
وهذه النقطة مرتبطة بالتي قبلها ومشتبكة معها اشتباك الروح بالهيكل فإن ما جاء في النقطة الأولى هو من آثار فساد العقل وزواله بالخمر ولهذا جاء الشرع بتحريم الخمر صيانة للعقول وحفظاً لها ودفعاً للمفاسد التي تحصل من شرب الخمر لزوال العقل بها والله أعلم.
وماذا بعد إذا كانت الخمر جناية على العقل. العقل الذي شرّف الله بني الإنسان وميزه به عن سائر الحيوان. ومن أجله صار محط رسالاته. وابتلائه واختياره وإنه لخرق متناهٍ أن يجني المرء على عقله بطوعه واختياره ليغيب عن رشده ويفقد إدراكه ووعيه ويتخلى عن كلّ فضل وفضيلة. منهكاً أشرف قواه وأ جلها: العقل.
ويطيب لي هنا أن أسوق كلاماً نفيساً لإمامنا ابن القيم في بيان منزلة العقل من الإنسان فقال (٣) :
(العقل الذي به عمارة الدارين، وهو الذي أرشد إلى طاعة الرسل، وسلم القلب والجوارح ونفسه إليه، وانقاد لحكمه، وعزل نفسه وسلم الأمر إلى أهله، لكفي به شرفاً وفضلاً. وقد مدح الله سبحانه العقل وأهله في كتابه في مواضع كثيرة منه. وذم من لا عقل له وأخبر أنهم أهل النار، الذين لا سمع لهم ولا عقل. فهو آلة كل
стр. 259
عم وميزانه الذي به يعرف صحيحه من سقيمه وراجحه من مرجوحه، والمرآة التي يعرف بها الحسن والقبيح. وقد قيل: العقل ملك والبدن روحه. وحواسه وحركاته كلها رعية له فإذا ضعف عن القيام عليها وتعهدها وصل الخلل إليها كلها. ولهذا قيل من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه، كان حتفه في أغلب خصال الشر عليه ... ) .
ج- قاعدة الشريعة المطردة تحرم كل خبيث وضار، والخمر أم الخبائث، لقول النبي ﷺ (الخمر أم الخبائث) (١) ، وهي ضارة لقوله ﷺ لمن سأله عن
الخمر يجعلها في الدواء (إنها داء وليست بدواء) (٢) .
ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في معرض بحثه التداوي بالمحرمات هذه القاعدة في التحريم ثم ضرب المثال بالخمر فقال (٢) :
(وليفرض الكلام في أم الخبائث التي ما جعل الله لنا فيها شفاء قط: فإنها
شديدة المضرة بالدماغ الذي هو مركز العقل عند الأطباء وكثير من الفقهاء والمتكلمين، قال أبقراط (٤) في أثناء كلامه في الأمراض الحادة (ضرر الخمرة بالرأس شديد لأنه يسرع الارتفاع إليه ويرتفع بارتفاعه الأخلاط التي تعلو في البدن. وهو كذلك يضر بالذهن)) .
وهذا الذي قرره ابن القيم من أن الخمر مضرة بالدماغ هو محل إجماع رجال الطب. كما ذكره الأستاذ إسماعيل الخطيب في كتابه (المسكرات بين الشرائع والقوانين) فيقول (٥) :
стр. 260
(يجمع رجال الطب على أن مضار الخمر متعددة فتعاطى أقل مقدار من المسكرات لا بد أن يؤثر تأثيراً ضاراً على المخ. ويؤثر بصفة خاصة على مراكزه المهمة كالذاكرة والحافظة) .
تنبيه مهم:
قول ابن القيم الآنف الذكر في الخمر (إنها شديدة المضرة بالدماغ الذي هو مركز العقل عند الأطباء وكثير من الفقهاء والمتكلمين) لا ينبغي أن يفهم القارئ من كلام ابن القيم هذا أن مقر العقل هو (الدماغ) فإن هذا خطأ صرف مناقض لنصوص الكتاب والسنة. وقد ذكر ابن القيم الخلاف في هذه القضية في كتابه (مفتاح دار السعادة) على ثلاثة أقوال (١) :
الأول: أن مركز العقل القلب. وهو قول عامة أهل العلم.
الثاني: أن مركزه الدماغ في الرأس. وهو قول الفلاسفة والطبائعيين.
الثالث: وهو اختيار ابن القيم: التوسط بين القولين وهو أن مركزه القلب وفروعه في الرأس. وسلامته مربوطة بسلامة الدماغ فإذا اختلت خانة من خانات الدماغ اختل العقل الذي في القلب.
وعلى أن مقره القلب دل القرآن كما في قوله تعالى (٣) (أفلم- يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها) وإسناد العقل والفهم إلى القلوب يدل على أن القلب هو مركز العقل ومقره. وقال تعالى (٣) (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب) ولم يرد بالقلب هنا مضغة اللحم المشتركة بين الحيوانات لأن الذكرى التي تتأتى بالفهم لا تحصل بها. بل المراد ما فيه من العقل واللب. وفي حديث النعمان بن بشير (٤) ﵁ الطويل (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد
стр. 261
كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله إلا وهي القلب) رواه البخاري وغيره (١) .
الثانية: الحكمة في عقوبة شارب الخمر بالجلد:
المتتبعون لمحاسن الشريعة وأسرار التشريع يبدون الحكمة في عقوبة شارب الخمر. من أنها عملية تطهيرية للمحدود وردع له ولغيره أيضا (٢) :
هذه مجامع الحكمة في عقوبة شارب الخمر. لكن ابن القيم وهو في معرض الرد على نفاة المعاني والقياس والحكم والتعليل الذين يقولون إن الشرع فرق بين المتماثلين وجمع بين المختلفين، أشار إلى حكمة جعل الجلد عقوبة لشارب الخمر وأنه لم يبلغ بالعقوبة في الخمر إلى جعلها حداً بالقتل أو إبانة الطرف وإنما شرع فيها ما يقابل درجتها في الضرر ورتبتها في الإفساد وهو: الجلد. وهذا، موجب أسمائه وصفاته من حكمته وعدله ورحمته ولطفه وإحسانه (٣) . فقال (٤) :
(وأما الجلد فجعله عقوبة الجناية على الأعراض، وعلى العقول، والأبضاع، ولم تبلغ هذه الجنايات مبلغاً يوجب القتل ولا إبانة الطرف ... إلى أن قال: وأما الجناية على العقول بالسكر فكانت مفسدتها لا تتعدى السكران غالباً، ولهذا لم يحرم السكر في أول الإسلام كما حرمت الفواحش والظلم والعدوان في كلّ ملة وعلى لسان كلّ نبي ... ) .
стр. 262
المبحث الثالث
في ليد الذرائع الموصلة إلى الخمر (١) .
في مباحث ابن القيم رحمه الله تعالى لسد الذرائع ذكر وجوهاً مما حرم في الشريعة سداً للذريعة ومنها عدة وجوه مما حرم سداً لذريعة الوصول إلى الخمر وهي كالآتي:
١- تحريم القطرة من الخمر .
٢- النهي عن التخليل.
٣- النهي عن الانتباذ فوق ثلاث.
٤- النهي عن العصير بعد ثلاث.
٥- النهي عن الخليطين.
٦- النهي عن الانتباذ في بعض الأوعية.
وابن القيم رحمه الله تعالى إضافة إلى بيانه لدلالة هذه الوجوه على سد الذريعة
إلى الخمرة، بيّن مواقف العلماء واختلافهم في هذه المناهي.
وإيضاح هذه الذرائع مع ما لحقه خلاف منها على ما يلي:
أولاً: تحريم القطرة من الخمر:
قال (٢) : (حرم الشارع القطرة من الخمر، وإن لم تحصل بها مفسدة الكثير، لكونها ذريعة إلى شرب كثيرها) .
стр. 263
وقال أيضاً (١) : (وحرم القطرة الواحدة منها - أي من الخمر- لئلا تتخذ القطرة ذريعة إلى الحسوة) (٢) .
ودليل ابن القيم في هذا واضح وهو عموم الأدلة في تحريم الخمر من الكتاب والسنة كما تقدم (٣) .
بل جاء في خصوص ذلك أحاديث منها:
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ما أسكر كثيره فقليله حرام) رواه النسائي وغيره (٤) .
وفي رواية للترمذي (٥) من حديث عائشة (٦) ﵂ أن رسول الله ﷺ
قال: (ما أسكر الفرق (٧) منه فالحسوة منه حرام) .
فالقطرة والحسوة يصدق على كل منهما اسم القليل. فتحريم القطرة إذا ثابت بالنص من الشارع والله أعلم.
اعتراض ورده:
ولابن القيم في سد الذريعة بتحريم القطرة من الخمر. مواقف مع نفاة المعاني في القياس والحكم والتعليل إذ قالوا: كيف أوجب الشارع الحد في القطرة الواحدة من الخمر دون الأرطال الكثيرة من البول؟.
стр. 264
أورد ابن القيم هذا التساؤل من النفاة في كتابيه (أعلام الموقعين) (١) و (بدائع الفوائد) (٢) وانفصل عنه بالجواب: بأن هذا من كمال الشريعة ومراعاتها لصالح
العباد لأن الشارع ينظر إلى المحرم ومفسدته. وينظر إلى وازعه وداعيه. فيركب
العقوبة على صاحب المفسدة وإن كان في ذلك المحرم ما يمنع بطبعه بني آدم اكتفى
بذلك ولم يرتب عليه حداً كشرب البول والدم والقيء وأكل القذرة لأن ترتيب
الحد للزجر وطباع الناس تنفر منها فلا تكثر مواقعتها فلا يترتب إذاً الزجر بالحد.
وفي هذا يقول في أعلام الموقعين جواباً على ذلك الإيراد (٢) :
(فهذا أيضاً من كمال الشريعة. ومطابقتها للعقول والفطر وقياسها بالصالح. فإن ما جعل الله في طباع الخلق النفرة منه، ومجانبته اكتفى بذلك عن الوازع عنه بالحد، لأن الوازع الطبيعي كافي في المنع منه. وأما ما يشتد تقاضي الطباع له فإنه غلظ العقوبة عليه بحسب شدة تقاضي الطبع له. وسد الذريعة إليه من قرب وبعد. وجعل ما حوله حمى، ومنع من قربانه ... ) .
ثانياً: النهي عن إمساكها للتخليل (٤) :
عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن الخمر، تتخذ خلاًّ، فقال
ﷺ : لا. رواه مسلم (٥) .
علة النهي:
وقد بيّن ابن القيم رحمه الله تعالى علة هذا النهي من الشارع فقال (٦) : (لئلا
стр. 265
تفضي مقاربتها بوجه من الوجوه إلى إمساكها لشربها) .
وجه الاستدلال:
هذا الحديث نص في حرمة إمساك الخمر للتخليل، إذ النفي في هذا الحديث بمعنى النهي فهو خبر بمعنى الإنشاء، والنهي يدل على التحريم.
خلاف العلماء في التخليل (١) :
التحريم هو مذهب الجمهور منهم الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد رحمهم الله تعالى. والخلاف لأبي حنيفة رحمه الله تعالى إذ قال بإباحة التخليل.
التعليل لمذهب الحنفية:
وقد وجه ابن قدامة مذهب الحنفية بقوله (٢) :
(لأن علة تحريمها زالت بتخليلها فطهرت كما لو تخللت بنفسها) .
الترجيح:
وهذا تعليل في مقابلة النص، وقد صح النص بالنهي عن إمساك الخمر لتخليلها فيجب التسليم لموجبه. إضافة إلى أن العلة ليست كما ذكره الحنفية، بل هي كما ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى (لئلا تفضي مقاربتها إلى إمساكها لشربها) .
لهذا فإن الراجح- والله أعلم- هو تحريم تخليل الآدمي للخمر وإن علة التحريم كما ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى (٣) .
стр. 266
ثالثاً: النهي عن الانتباذ (١) فوق ثلاث:
عن ابن عباس ﵄ (أن رسول الله ﷺ كان ينبذ له فيشربه يومه
ذلك، والغد، واليوم الثالث، فإن بقي منه شيء أهرقه، أو أمر به فأهرق) رواه مسلم (٢) والنسائي (٣) بنحوه.
وقد أشار ابن القيم رحمه الله تعالى إلى ذلك مبيناً علة النهي فقال (٤) : (وثبت في صحيح مسلم (أنه ﷺ كان ينتبذ له أول الليل، ويشربه إذا أصبح يومه ذلك والليلة التي تجيء، والغد إلى العصر، فإن بقي منه شيء سقاه الخادم أو أمر به فصب) .
وهذا النبيذ هو ما يطرح فيه تمر يحليه، وهو يدخل في الغذاء والشراب، وله نفع عظيم في زيادة القوة وحفظ الصحة.
ولم يكن ﷺ يشربه بعد ثلاث خوفاً من تغيره إلى الإسكار.
فإذا كان مظنة الإسكار ففي تركه حسم لمادة قربان المسكر، وسد لذريعة الوصول إليه، وهذه المسألة قد ذكرها ابن قدامة (٥) رحمه الله تعالى ولم يحك في هذا النهي خلافاً والله أعلم.
رابعاً: النهي عن شرب العصير (٦) بعد ثلاث:
وفي معرض ذكر الأشربة النهى عنها سداً لذريعة الوصول إلى المسكر ذكر
стр. 267
ابن القيم رحمه الله تعالى أن النبي ﷺ نهى عن شرب العصير بعد ثلاث: حسما لمادة قربان المسكر، وسداً لذريعة الوصول إليه (١) .
اختلاف العلماء (٢) :
وقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في النهي عن العصير بعد ثلاث على قولين:
القول الأول: وهو قول الجمهور أن العصير مباح ما لم يغل فإذا غلى وأسكر حرم قبل الثلاث وبعدها.
التدليل:
وقد دللوا على هذا القول بأن مدار التحريم على الشدة المطربة، وهي إنما تكون في المسكر خاصة فلا يحرم العصير إذا إلا إذا اشتد وصار مسكرا.
القول الثاني: وهو مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى: إن العصير إذا أتت
عليه ثلاثة أيام فقد حرم إلا أن يغلي قبل ذلك فيحرم.
أدلته:
وقد دل لمذهب أحمد رحمه الله تعالى عدة أدلة منها ما يلي:
١- عموم أحاديث النهي عن النبيذ بعد ثلاث (٣)
وجه الاستدلال:
هو أن العلة مشتركة بين النبيذ والعصير في النهي عن كل منهما بعد ثلاث إذ
كل منهما مظنة ظناً غالباً للإسكار، فيحرم العصير إذا بعد ثلاث.
стр. 268
ولهذا فإن المجد ابن تيمية ترجم على أحاديث النهي عن النبيذ بذلك فقال (١) : (باب شرب العصير ما لم يغل أو يأت عليه ثلاث) .
٢- ما روي عن النبي ﷺ أنه قال (اشربوا العصير ثلاثاً ما لم يغل) (٢) .
٣- إن الحكم يثبت بغلبة الظن، والعصير بعد ثلاث يصير مظنة للتغيير ظناً غالباً، وأما قبل الثلاث فالظن فيه ضعيف
الترجيح:
والذي يظهر لي والله تعالى أعلم هو النهي عن العصير بعد ثلاث مطلقاً
لقوة أدلة المذهب الحنبلي. من النص والتعليل. أما إذا غلي واشتد قبل ثلاث فإنه يحرم بالإجماع كما حكاه ابن قدامة رحمه الله تعالى.
النتيجة:
وعليه فقد سلم لابن القيم رحمه الله تعالى الاستدلال بالنهي عن العصير
بعد ثلاث على سد الذرائع الموصلة للمسكر والله أعلم.
خامساً: النهي عن الخليطين (٣) :
ثبت عن النبي ﷺ من وجوه كثيرة (النهي عن الخليطين) .
منها حديث جابر (٤) ﵁ (أن النبي ﷺ نهي أن يخلط الزبيب والتمر
стр. 269
والبسر والتمر) متفق عليه (١) . وهذا مما نهى عنه سدا لذريعة الوصول إلى الخمر
وفي بيان ذلك يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٢) :
(وبالغ في سد الذريعة فنهى عن الخليطين)
وكون النهي عن شرب الخليطين: هو سدا لذريعة الوصول إلى المسكر، مما
اتفقت عليه كلمة العلماء (٣) ، لأن الأنواع إذا اختلفت في الانتباذ كانت أسرع إلى
المسكر الحرم فنهى ﷺ عن الخلط حتى لا تكون وسيلة إلى المسكر والله أعلم
اختلاف العلماء:
وقد اختلفت أقوال العلماء في حكم الخليطين بين النهي والإباحة، فما هي
أصح الأقوال في هذه المسأله حتى نعرف: هل يتم لابن القيم رحمه الله تعالى التدليل
بالنهي عنهما على سد الذرائع الموصلة إلى المسكر؟
فإلى بيان الخلاف وأدلته
القول الأول: تحريم الخليطين
وهو قول جماعة منهم: مالك وأحمد وإسحاق وظاهر مذهب وظاهر مذهب الشافعي
فقالوا: من شربه قبل حدوث الشدة فيه فهو آثم من جهة واحدة (وهي شربه
الخليطين) ، ومن شربه بعد حدوثها فهو آثم من جهتين (وهما: شرب الخليطين،
وشرب المسكر (٤) .
أدلتهم:
استدلوا بأحاديث النهي عن الخليطين الواردة في الكتب الستة وغيرها من
стр. 270
حديث جابر ﵁ وأبي سعيد (١) ﵁ وأبي قتادة (٢) رضي الله
عنه وغيرهم من الصحابة ﵃. وهي بألفاظ متقاربة وجميعها يتضمن النهي عن الخليطين ومنها ما يلي:
أ- عن جابر ﵁ (أن رسول الله ﷺ نهى أن ينبذ التمر والزبيب
جميعاً، ونهى أن ينبذ الرطب، والبسر جميعاً) رواه الجماعة (٣) ، واللفظ لمسلم.
ب- عن أبي قتادة ﵁ قال (نهى النبي ﷺ أن يجمع بين التمر والزهو والتمر والزبيب، ولينبذ كل واحد منهما على حدته) . رواه الشيخان (٤) واللفظ للبخاري.
وجه الاستدلال:
ووجه الاستدلال من هذين الحديثين أنهما نصان في محل النزاع: إذ جاء كل منهما بصيغة النهي، والنهي يدل على التحريم فيحرم الخليطان والله أعلم.
ج- عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من شرب
النبيذ منكم فليشربه زبيبا فرداً، أو تمراً فرداً، أو بسراً فرداً) . رواه مسلم (٥)
والترمذي (٦) والنسائي (٧) . واللفظ لمسلم.
стр. 271
وجه الاستدلال:
ودلالة هذا الحديث ظاهرة بطريق مفهوم المخالفة، فإن تقييد الشرب بالانفراد يدل على عدم جوازه مختلطاً، إذ تقييد الحكم بالوصف يدل على انتفائه عند انتفاء الوصف، والله أعلم.
القول الثاني: الكراهة.
وهو مذهب الشافعي (١) وحكي عن مالك (٢) وذكر النووي الشافعي: أنه قول الجمهور. فقال (٣) :
(مذهبنا، ومذهب الجمهور، أن هذا النهي لكراهة التنزيه، ولا يحرم ذلك ما
لم يصر مسكراً، وبهذا قال جماهير العلماء) .
دليلهم:
هو حمل أحاديث النهي عن الخليطين على الكراهة لا على التحريم، لأن الخلط
في ذاته حلال، ولا يكون مسكراً بمجرد الخلط،. لكن لما كان الخلط مظنة التغير سريعاً نهى عنه الشارع خشية أن يشربه الشارب ظاناً أنه ليس بمسكر، ويكون مسكراً.
وقد ذكر النووي سبب الكراهة فقال (٤) :
(قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: سبب الكراهة فيه أن الإسكار يسرع إليه بسبب الخلط قبل أن يتغير طعمه، فيظن الشارب أنه ليس مسكراً ويكون مسكراً) .
стр. 272
القول الثالث: الإباحة:
وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى (١) وحكاه الخطابي: له ولسفيان (٢) رحمه
الله تعالى
أدلته:
استدل لمذهب أبي حنيفة بالأثر والقياس، وبيانهما على ما يلي:
١- الأثر: روي عن ابن زياد أنه قال: سقاني ابن عمر ﵄، شربة ما كدت أهتدي إلى منزلي، فغدوت إليه من الغد، فأخبرته بذلك فقال: ما زدناك على عجوة وزبيب (٣) .
وجه الاستدلال:
هو أن يقال: إن هذا نوع من الخليطين أجاز شربه الصحابي عبد الله بن عمر ﵄ ولو كان منهياً عنه لما سقاه ابن زياد.
مناقشة هذا الدليل
وهذا الأثر مناقش رواية ودراية على ما يلي:
مناقشته رواية:
وهي أن هذا الأثر فيه ابن زياد وقد قال الحافظ ابن حجر في هذا الأثر (٤) : (أخرجه محمد بن الحسن ... وابن زياد لا أعرفه ولم أرَ من سماه) . فأثر في سنده مجهول ولم يعلم له شاهد ولا متابع لا يكون حجة بحال.
стр. 273
مناقشته دراية:
وهي أن قول ابن زياد (ما كنت لأهتدي لأهلي) يشعر بإسكار الشربة التي سقاه ابن عمر ﵄، والسكر من كل شراب حرام بالاتفاق فكيف يستدل بذلك على الحل للخليطين.
على أنا نجل الفقيه الورع الصحابي الجليل عبد الله بن عمر ﵄ أن يسقي شخصاً شراباً فيه إسكار والله أعلم.
ب- القياس: وهو قياس الخليطين في الحل على المفرد في الحل أيضاً وفي هذا يقول النووي رحمه الله تعالى في معرض الاستدلال لهذا القول (١) : (قالوا:
لا بأس به لأن ما حل بمفرده حل مخلوطاً) .
مناقشة هذا القياس:
وهذا الدليل مناقش من وجهتين:
الأولى أنه قياس في مقابلة النص والقاعدة أنه لا قياس مع النص (٢) .
الثانية: أن القياس غير سليم لأنه قياس مع الفارق.
ووجه الفرق: أن العلة في حل المفرد هي عدم إفضائه غالباً إلى المسكر، أما المخلوِط فيفضي إلى السكر غالباً، لأن الخلط يقوي أحد النوعين على الآخر فيسرع إليه الإسكار.
وعليه: فإن هذا القياس لا يتم الاستدلال به والله أعلم.
موقف الحنفية من أحاديث النهي:
يرى الحنفية أن أحاديثه النهي كانت في أول الإسلام حين الحاجة والشدة فلما
стр. 274
فتح الله على عباده النعم أباح الجمع بين الخليطين. وفي هذا يقوِل البابرتي (١) :
(النهي عن الجمع بين التمر والزبيب، كان في الابتداء في وقت كان بين المسلمين ضيق وشدة في أمر الطعام لئلا يجمع بين الطعامين، ويترك جاره جائعاً بل يأكل أحدهما، ويؤثر الآخر على جاره، ثم لما وسع الله على عباده النعم أباح الجمع بين النعمتين) .
حديث عائشة ﵂:
وقد تتبعت كثيراً من المطولات لدى الحنفية فلم أرهم يذكرون حديث عائشة ﵂ للدلالة على النسخ وهو أنها قالت:
(كنا ننبذ لرسول الله ﷺ في سقاء، فنأخذ قبضة من تمر، وقبضة من زبيب
فنطرحهما، ثم نصب عليه الماء فننبذه غدوة فيشربه عشية، وننبذه عشية فيشربه غدوة) رواه ابن ماجه (٢) . ولعله لعدم معرفة تأخره عن أحاديث النهي عن الخليطين عدل الحنفية رحمهم الله تعالى عن ذكره ناسخاً والله أعلم.
مناقشة جواب الحنفية:
جواب الحنفية هذا يتضمن القول بنسخ أحاديث النهي، وهم لا يذكرون دليلاً عليه ناسخاً، والنسخ لا بد فيه من معرفة الدليل الناسخ، المكتمل لشروطه
من ثبوت التأخر للناسخ، وقيام التعارض بين الدليلين مع عدم إمكان الجمع وهذا ما لم يثبت هنا.
فظهر إذا أن قول الحنفية بإباحة الخليطين مطلقاً، لا تنهض أدلته على مقاومة
أحاديث. النهي.
стр. 275
ولهذا اشتد نكير الأئمة على مذهب الحنفية فقال النووي (١) :
(وأنكر عليه- أي على أبي حنيفة- الجمهور، وقالو منابذة لصاحب الشرع فقد ثبتت الأحاديث الصحيحة في النهي عنه، فإن لم يكن حراماً كان مكروهاً) . وقال ابن حجر (٢) :
(وشذ من قال: لا بأس به) .
الترجيح:
هذه هي أقوال العلماء في هذه المسألة. وهذه عمدتهم في الأدلة لها. والمناظر
يرى تجاذباً شديداً بين النهي والإباحة. ذلك أن أحاديث النهي صحيحة صريحة في النهي عن الخليطين. وحديث عائشة صحيح صريح في شرب النبي ﷺ للخليطين وأنه كان يصنع له في بيته ﷺ . وهما في المنزلة كما ترى وإن كانت أحاديث النهي أكثر وأشهر وقد اتفق على روايتها الشيخان البخاري ومسلم. إلا أن حديث عائشة ﵂ خارج مخرج الصحيح وهو صريح في الإباحة لفعله ﷺ فما بقي إذا من وجوه دفع التعارض في الظاهر إلا اللجوء إلى الجمع أو النسخ. والنسخ هنا غير وارد للجهل بتاريخ المتقدم من المتأخر فيهما. فما هو المسلك السليم إذا في الجمع بين أدلة النهي والإباحة؟.
وللانفصال بالجواب عن هذا أقول:
ليعم أولاً أن مناط التحريم هو السكر باتفاق الأئمة (٣) . فإذا صار الشراب من الخليطين فيه إسكار فإنه حرام باتفاق الأئمة كما حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (٤) .
стр. 276
وعلى هذا فإن نصوص المسألة هذه تتنزل على ما يلي:
أولاً: ما كانت مدة الانتباذ فيه قريبة وهي يوم وليلة، لا يتوهم الإسكار فيها. فهو مباح إذا وعلى هذا يتنزل حديث عائشة ﵂.
ثانياً: ما كانت مدة الانتباذ فيه للخليطين محتملة للإفضاء إلى الإسكار وهي
ما كان فوق يوم وليلة وما دون ثلاث ليال. فهذا مكروه ما لم يتغير. لتخلف مناط التحريم عنه.
ثالثاً: ما كانت مدة الانتباذ فيه للخليطين قد مضى عليها ثلاث ليال وتغير بغليان ونحوه. فهذا حكمه التحريم.
هذا هو ما ظهر لي في هذه المسألة وبه إن شاء الله تعالى تجتمع الأدلة وينتفي التعارض الظاهر. وهذا هو ما جنح إليه الشيخ أبو محمد بن قدامة في كتابه المغني إذ قال بعد سياقه لحديث عائشة ﵂ (١) :
(لما كانت مدة الانتباذ قريبة وهي يوم وليلة لا يتوهم الإسكار فيها لم يكره.
فلو كان مكروهاً لما فعل هذا في بيت النبي ﷺ له. فعلى هذا: لا يكره ما كان
في المدة اليسيرة. ويكره ما كان في مدة يحتمل إفضاؤه إلى المسكر. ولا يثبت التحريم ما لم يغل أو تمضِ عليه ثلاثة أيام) .
ولعله بهذا يظهر لنا جلياً أنه قد تمّ لابن القيم الاستدلال بالنهي عن الخليطين على سد الذرائع الموصلة للخمر ولكن على التنزيل المذكور والله أعلم.
سادساً: النهي عن الانتباذ في بعض الأوعية (٢) :
روى مسلم (٣) بسنده عن زاذان (٤) قال: قلت لابن عمر حدثني بما نهى عنه النبي
стр. 277
صلى الله عليه وسلم من الأشربة بلغتك وفسره لي بلغتنا، فإن لكم لغة، سوى لغتنا فقال: (نهى رسول الله ﷺ عن الحنتم (وهي الجرة) وعن الدباء (وهي القرعة) وعن المزفت
(وهو المقير) وعن النقير (وهي النخلة تنسخ نسخاً، وتنقر نقراً،) وأمر أن ينبذ
في الأسقية) .
وقد روي بمعناه أحاديث كثيرة في النهي عن الانتباذ في بعض الأوعية كما في حديث وفد عبد القيس (١) وغيره.
وفي ذكر النهي عن الانتباذ في بعض الأوعية يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٢) :
(ونهى عن الانتباذ في الأوعية التي قد يتخمر النبيذ فيها ولا يعلم به) .
ويزيد ابن القيم رحمه الله تعالى هذا المعنى إيضاحاً مبيناً علة النهي فيقول (٣) : (وسر المسألة أن النهي عن الأوعية المذكورة من باب سد الذرائع إذ الشراب يسرع إليه الإسكار فيها.
وقيل: بل النهي عنها لصلابتها، وإن الشراب يسكر فيها ولا يعلم به، بخلاف الظروف غير المزفتة، فإن الشراب متى غلا فيها وأسكر انشقت فيعلم أنه مسكر.
وعلى كلا العلتين فهو من باب سد الذريعة، كالنهي أولاً عن زيارة القبور سداً لذريعة الشرك، فلما استقر التوحيد في نفوسهم وقوي عندهم أباح لهم في زيارتها غير أن لا يقولوا هجراً.
وهكذا قد يقال في الانتباذ في هذه الأوعية: أنه فطمهم عن المسكر وأوعيته وسد الذريعة إليه، إذ كانوا حديثي عهد بشربه فلما استقر تحريمه عندهم واطمأنت
стр. 278
إليه نفوسهم، أباح لهم الأوعية كلها غير ألا يشربوا مسكراً، فهذا فقه المسألة وسرها) .
رأي ابن القيم. في استمرار النهي:
في هذه المسألة وأمثالها يحصل الغلط من كثير من أهل العلم في الإفصاح عن اختيارات العلماء وآرائهم في مسائل العلم. فمثلاً ابن القيم في هذه المسألة. ذكر في معرض بحثه لقاعدة سد الذرائع وجوهاً كثيرة مما ورد النهي عنه سداً للذريعة. كما في كتابيه (الأعلام) (١) و (الإغاثة) (٢) فقال في الكتابين:
(ونهى- عن الانتباذ في الأوعية التي قد يتخمر النبيذ فيها ولا يعلم به) . فيظن الناظر لكلامه هذا أن اختيار ابن القيم أو رأيه هو النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية. بينما الأمر على خلافه فإنه يرى أن هذا من الأحكام المنسوخة وإن الشارع نهى عن الانتباذ في هذه الأوعية في أول الأمر سداً لذريعة الوصول إلى الخمر وقربانها (٣) (إذ كانوا حديثي عهد بشربه فلما استقر تحريمه عندهم، واطمأنت إليه نفوسهم أباح لهم الأوعية كلها غير ألا يشربوا مسكراً) ثم قال: (وهذا فقه المسألة وسرها) (٤) .
فتبين أن رأي ابن القيم هو عدم بقاء النهي وإن الأمر عاد إلى الإباحة. وإن ما ذكره في كتابيه (الأعلام) و (الإغاثة) في معرض الذرائع لا حرج عليه فيه، ولا يفهم منه أن هذا رأيه، لأن النهي عن الانتباذ في الأوعية المذكورة
لما كانوا حديثي عهد بشرب الخمر. فسد كل باب موصل إليه فلما استقر في نفوسهم حرمة الخمر أباح الانتباذ في الأوعية كلها غير ألا يشربوا مسكراً والله أعلم.
стр. 279
الدليل الناسخ:
ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن الدليل الناسخ هو حديث بريدة ﵁ فقال (٢) :
(عن بريدة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (نهيتم عن الظروف، وإن
ظرفا لا يحل شيئاً ولا يحرمه وكل مسكر حرام) رواه مسلم) (٣) .
وحديث بريدة ﵁ قد ورد بنحوه عن جماعة من الصحابة ﵃ منهم أنس ﵁ (٤) وجابر ﵁ (٥) وغسان التيمي (٦) رضي
الله عنه وغيرهم كما رواها الإمام أحمد رحمه الله تعالى (٧) .
والقول بالنسخ هو مذهب الجماهير من أهل العلم منهم الحنفية (٨) والشافعية (٩) ورواية عن أحمد (١٠) وهو اختيار البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه (١١) وابن قدامة (١٢) والخطابي (١٣) وابن حجر (١٤) وغيرهم من المحققين والله أعلم.
стр. 280
القول المخالف:
وبعد أن قرر ابن القيم رحمه الله تعالى القول بنسخ أحاديث النهي وأنه قول الجمهور، ذكر القول الثاني: وهو أن أحاديث النهي محكمة غير منسوخة وذكره رواية عن الإمام أحمد (١) .
وهو أيضاً مذهب مالك رحمه الله تعالى (٢) .
موقفهم من أحاديث النسخ:
وقد بيّن ابن القيم رحمه الله تعالى وجهة نظر من قال بأن أحاديث النهي محكمة
- نحو الأحاديث المفيدة لنسخها فقال (٣) : (ومن قال بإحكام أحاديث النهي وأنها غير منسوخة قال: هي أحاديث تكاد تبلغ التواتر في تعددها، وكثرة طرقها، وحديث الإجازة فرد فلا يبلغ مقاومتها) .
مناقشتهم:
هكذا ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى وجهة المخالف ولم يتعقبها بشيء، والجواب عنها من وجهين:
الأول: أن حديث بريدة الأسلمي ﵁ قد كثرت مخارجه وعدلت نقلته ويكفي أنه في صحيح الإمام مسلم مسنداً من وجوه عدة إلى بريدة رضي الله
عنه (٤) . وليس من شرط الحديث الناسخ ألا يكون فردا بل شرطه الصحة والسلامة والثبوت. وحديث بريدة صحيح ثابت وسالم من شذوذ أو علة ولهذا فإن القائلين بعدم النسخ، لم يؤثر عنهم إبداء قوادح في إسناده. ودونها خرط القتاد. فتبيّن إذاً
أنه يصلح أن يكون بمفرده ناسخاً لأحاديث النهي.
стр. 281
الثاني: أن بريدة ﵁ لم ينفرد بنقل النص الناسخ بل رواه غيره من الصحابة ﵃ كما في حديث جابر ﵁ عند البخاري. وأحاديث أنس، وعلي، وأبي هريرة، وعبد الله المزني (١) وغيرهم كما عند الإمام أحمد في مسنده. فكيف يقال إنه فرد لا يبلغ قوة المقاومة لأحاديث النهي. ويضيف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عذراً آخر لن قال باستمرار النهي فيذكر أن (منهم من لم يبلغه النسخ) (٢) وإذ قد بلغ فليكن حجة على من بلغه والله أعلم.
الخلاصة والترجيح:
يتضح مما تقدم أن القول بالنسخ هو مذهب الجماهير من العلماء منهم الحنفية والشافعية وإحدى الروايتين عن أحمد واختيار جماعة من محققي العلماء منهم البخاري، والخطابي، وابن قدامة وغيرهم وإن حجتهم في هذا حجة أحاديث النسخ لأحاديث النهي من حديث بريدة ﵁ وغيره من الصحابة ﵃. وهذا هو ما اختاره ابن القيم رحمه الله تعالى.
وإن القول ببقاء الحظر هو مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه. وإن هذا القول لا يثبت أمام النقد لعدم سلامة الدفع لأحاديث النسخ.
وعليه فإن ما ذهب إليه الجمهور من عود الحكم إلى الإباحة واختاره ابن القيم رحمه الله تعالى هو أرجح القولين وأولاهما بالقبول والله أعلم.
стр. 282
المبحث الرابع
في عقوبة شارب الخمر (١)
تناول ابن القيم رحمه الله تعالى الحديث عن عقوبة شارب الخمر في عدة فروع:
الفرع الأول: أن عقوبة الشارب حدية لا تعزيرية.
الفرع الثاني: في بيان مقدار العقوبة.
الفرع الثالث: في بيان أن قتل الشارب في الرابعة تعزيراً.
الفرع الرابع: في بيان أنواع من العقوبات التعزيرية لشارب الخمر.
الفرع الخامس: في العقوبة المالية للخمار.
وإلى بيانها على هذا الترتيب:
الفرع الأول: أن عقوبة الشارب حدية مقدرة لا تعزيرية:
يذكر ابن القيم رحمه الله تعالى اختياره من أن عقوبة الشارب حدية مقدرة لا تعزيرية مبيناً أن هذا هو خلاصة ما تدل عليه الأحاديث فيقول (٢) :
(ومن تأمل الأحاديث رآها تدل على أن الأربعين حد والأربعون الزائدة عليها تعزير، وقد اتفق عليه الصحابة ﵃ .
ولعل ابن القيم رحمه الله تعالى اكتفى بهذه الخلاصة، ولم يورد النقاش على
стр. 283
عادته لتكاثر النصوص على دلالته حتى حكى فيه الإجماع.
ولكن قد أثير الخلاف في هذه القضية، فلا بد إذا من تحرير الكلام فيها، لأنها من باب التأصيل في أحكام الخمر.
فإلى إيراد الإجماع ومناقشته من المخالف ثم مناقشة المخالف فما أورده.
حكاية الإجماع:
حكى الإجماع غير واحد من أهل العلم على أن عقوبة شارب الخمر حدية مقدرة والخلاف إنما حصل في التقدير. وممن حكى الإجماع في هذا:
ابن حزم، والقاضي عياض (٢) ، وابن هبيرة (٣) ، وابن قدامة (٤) ، والحافظ ابن حجر (٥) ، والمرتضى في (البحر الزخار) (٦) .
منزلة هذا الإجماع:
تعاقب على هذا الإجماع عالمان: الحافظ ابن حجر يدافع عنه ويؤيده (٧) والعلاّمة الشوكاني (٨) يرفض هذا الدفاع وينقض هذا الإجماع. وإليك البيان:
стр. 284
تعقب الإجماع:
حكى الحافظ ابن حجر (١) : أن الطبري، وابن المنذر (٢) ، وغيرهما حكوا عن طائفة من أهل العلم أن الخمر لا حد فيها وإنما فيها التعزير.
أدلتهم:
استدلوا بجملة من الأحاديث الواردة (٣) في الصحيحين وغيرهما التي تفيد عدم تعيين عدد الضرب ومنها:
١- حديث علي ﵁ قال: (ما كنت لأقيم الحد على أحد فيموت فأجد في نفسي إلا صاحب الخمر فإنه لو مات وديته وذلك أن (رسول
الله ﷺ لم يسنه) رواه الشيخان) (٤) .
٢- عن أنس ﵁ قال: (إن النبي ﷺ ضرب في الخمر بالجريد
والنعال وجلد أبو بكر أربعين) رواه البخاري (٥) .
٣- عن ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ لم يوقف في الخمر
حداً) رواه أبو داود. (٦) .
قال الحافظ ابن حجر (إسناده قوي) (٧) .
وجه الدلالة:
قالوا فهذه الأحاديث وأمثالها صريحة من أن النبي ﷺ لم يحد في الخمر حداً
стр. 285
مقدراً فما دام لم يقدر فهو ليس بحد فيكون إذاً: تعزيراً.
الجواب عن هذه الأدلة: من وجهين:
الوجه الأول: النصوص الحديثية: وتعقبت هذه الأدلة بأنه قد وردت نصوص تفيد أن النبي ﷺ جلد فيها أربعين جلدة. وقد اعتمدها أبو بكر ﵁
في خلافته، وعمر ﵁ في خلافته، وعمر ﵁ في صدر خلافته حتى تتابع الناس فيها فزادها أربعين. ومنها ما يلي:
١- حديث علي ﵁ قال: (جلد النبي ﷺ أربعين. وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة) . رواه أبو داود (١) .
٢- ما أخرجه مسلم في صحيحه (٢) : (أن عثمان ﵁ أمر علياً بجلد الوليد بن عقبة في الخمر، فقال لعبد الله بن جعفر (٣) اجلده فجلده فلما بلغ الأربعين قال امسك: جلد رسول الله ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين وكل سنة وهذا أحب إلي) . ورواه أيضاً أبو
داود (٤) ، وابن ماجه (٥) .
قال الحافظ ابن حجر (في هذا الحديث: الجزم بأن النبي ﷺ جلد أربعين) (٦) .
٣- حديث أنس ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يضرب في الخمر
بالنعال والجريد أربعين) رواه مسلم (٧) .