الثاني: أن بريدة ﵁ لم ينفرد بنقل النص الناسخ بل رواه غيره من الصحابة ﵃ كما في حديث جابر ﵁ عند البخاري. وأحاديث أنس، وعلي، وأبي هريرة، وعبد الله المزني (١) وغيرهم كما عند الإمام أحمد في مسنده. فكيف يقال إنه فرد لا يبلغ قوة المقاومة لأحاديث النهي. ويضيف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عذراً آخر لن قال باستمرار النهي فيذكر أن (منهم من لم يبلغه النسخ) (٢) وإذ قد بلغ فليكن حجة على من بلغه والله أعلم.
الخلاصة والترجيح:
يتضح مما تقدم أن القول بالنسخ هو مذهب الجماهير من العلماء منهم الحنفية والشافعية وإحدى الروايتين عن أحمد واختيار جماعة من محققي العلماء منهم البخاري، والخطابي، وابن قدامة وغيرهم وإن حجتهم في هذا حجة أحاديث النسخ لأحاديث النهي من حديث بريدة ﵁ وغيره من الصحابة ﵃. وهذا هو ما اختاره ابن القيم رحمه الله تعالى.
وإن القول ببقاء الحظر هو مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه. وإن هذا القول لا يثبت أمام النقد لعدم سلامة الدفع لأحاديث النسخ.
وعليه فإن ما ذهب إليه الجمهور من عود الحكم إلى الإباحة واختاره ابن القيم رحمه الله تعالى هو أرجح القولين وأولاهما بالقبول والله أعلم.
стр. 282
المبحث الرابع
في عقوبة شارب الخمر (١)
تناول ابن القيم رحمه الله تعالى الحديث عن عقوبة شارب الخمر في عدة فروع:
الفرع الأول: أن عقوبة الشارب حدية لا تعزيرية.
الفرع الثاني: في بيان مقدار العقوبة.
الفرع الثالث: في بيان أن قتل الشارب في الرابعة تعزيراً.
الفرع الرابع: في بيان أنواع من العقوبات التعزيرية لشارب الخمر.
الفرع الخامس: في العقوبة المالية للخمار.
وإلى بيانها على هذا الترتيب:
الفرع الأول: أن عقوبة الشارب حدية مقدرة لا تعزيرية:
يذكر ابن القيم رحمه الله تعالى اختياره من أن عقوبة الشارب حدية مقدرة لا تعزيرية مبيناً أن هذا هو خلاصة ما تدل عليه الأحاديث فيقول (٢) :
(ومن تأمل الأحاديث رآها تدل على أن الأربعين حد والأربعون الزائدة عليها تعزير، وقد اتفق عليه الصحابة ﵃ .
ولعل ابن القيم رحمه الله تعالى اكتفى بهذه الخلاصة، ولم يورد النقاش على
стр. 283
عادته لتكاثر النصوص على دلالته حتى حكى فيه الإجماع.
ولكن قد أثير الخلاف في هذه القضية، فلا بد إذا من تحرير الكلام فيها، لأنها من باب التأصيل في أحكام الخمر.
فإلى إيراد الإجماع ومناقشته من المخالف ثم مناقشة المخالف فما أورده.
حكاية الإجماع:
حكى الإجماع غير واحد من أهل العلم على أن عقوبة شارب الخمر حدية مقدرة والخلاف إنما حصل في التقدير. وممن حكى الإجماع في هذا:
ابن حزم، والقاضي عياض (٢) ، وابن هبيرة (٣) ، وابن قدامة (٤) ، والحافظ ابن حجر (٥) ، والمرتضى في (البحر الزخار) (٦) .
منزلة هذا الإجماع:
تعاقب على هذا الإجماع عالمان: الحافظ ابن حجر يدافع عنه ويؤيده (٧) والعلاّمة الشوكاني (٨) يرفض هذا الدفاع وينقض هذا الإجماع. وإليك البيان:
стр. 284
تعقب الإجماع:
حكى الحافظ ابن حجر (١) : أن الطبري، وابن المنذر (٢) ، وغيرهما حكوا عن طائفة من أهل العلم أن الخمر لا حد فيها وإنما فيها التعزير.
أدلتهم:
استدلوا بجملة من الأحاديث الواردة (٣) في الصحيحين وغيرهما التي تفيد عدم تعيين عدد الضرب ومنها:
١- حديث علي ﵁ قال: (ما كنت لأقيم الحد على أحد فيموت فأجد في نفسي إلا صاحب الخمر فإنه لو مات وديته وذلك أن (رسول
الله ﷺ لم يسنه) رواه الشيخان) (٤) .
٢- عن أنس ﵁ قال: (إن النبي ﷺ ضرب في الخمر بالجريد
والنعال وجلد أبو بكر أربعين) رواه البخاري (٥) .
٣- عن ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ لم يوقف في الخمر
حداً) رواه أبو داود. (٦) .
قال الحافظ ابن حجر (إسناده قوي) (٧) .
وجه الدلالة:
قالوا فهذه الأحاديث وأمثالها صريحة من أن النبي ﷺ لم يحد في الخمر حداً
стр. 285
مقدراً فما دام لم يقدر فهو ليس بحد فيكون إذاً: تعزيراً.
الجواب عن هذه الأدلة: من وجهين:
الوجه الأول: النصوص الحديثية: وتعقبت هذه الأدلة بأنه قد وردت نصوص تفيد أن النبي ﷺ جلد فيها أربعين جلدة. وقد اعتمدها أبو بكر ﵁
في خلافته، وعمر ﵁ في خلافته، وعمر ﵁ في صدر خلافته حتى تتابع الناس فيها فزادها أربعين. ومنها ما يلي:
١- حديث علي ﵁ قال: (جلد النبي ﷺ أربعين. وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة) . رواه أبو داود (١) .
٢- ما أخرجه مسلم في صحيحه (٢) : (أن عثمان ﵁ أمر علياً بجلد الوليد بن عقبة في الخمر، فقال لعبد الله بن جعفر (٣) اجلده فجلده فلما بلغ الأربعين قال امسك: جلد رسول الله ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين وكل سنة وهذا أحب إلي) . ورواه أيضاً أبو
داود (٤) ، وابن ماجه (٥) .
قال الحافظ ابن حجر (في هذا الحديث: الجزم بأن النبي ﷺ جلد أربعين) (٦) .
٣- حديث أنس ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يضرب في الخمر
بالنعال والجريد أربعين) رواه مسلم (٧) .
стр. 286
وجه الاستدلال:
يقال فهذه الأحاديث وما ورد في معناها تفيد أن النبي ﷺ عاقب في الخمر عقوبة مقدرة، فجلد أربعين. فهي إذا عقوبة حدية مقدرة من الشارع ﷺ . ومن
رواة هذه الأحاديث علي وأنس ﵄ اللذين هما من رواة الأحاديث التي استدل بها على عدم الحدية.
الجمع بين الأحاديث:
يبقى أن يقال ما هو الجمع بين أحاديث الفريقين
والجواب: إن سنن رسول الله ﷺ لا يمكن تعارضها ولا تضاربها بل يجب أن تنزل السنن منازلها تأليفاً لها ونفياً لتعارضها في الظاهر فالنصوص بمجموعها تفيد: أن الحد استقر من النبي ﷺ على أربعين جلدة لشارب الخمر، بدلالة أن هذا هو ما استقر في مفهوم الصحابة ﵃. واعتماد أبي بكر ﵁ هو حجة في ذلك كما قاله الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى (١) .
وقال أيضاً (٢) :
(وقد وقع التصريح بالحد المعلوم فوجب المصير إليه ورجح القول بأن الذي اجتهد فيه زيادة على الحد إنما هو تعزير) .
وأحاديث المعارض المتقدمة يجاب عنها بما يلي:
جواب ابن القيم عن حديث علي ﵁:
تقدم قول علي ﵁ (أن رسول الله لم يسنه) (٢) وقد أجاب عنه ابن القيم فقال (٣) :
стр. 287
(المراد بذلك أن رسول الله ﷺ لم يقدر فيه بقوله تقديراً لا يزاد عليه. ولا ينقص كسائر الحدود، وإلا فعلي ﵁ قد شهد أن رسول الله ﷺ وقد ضرب فيها أربعين وقوله (إنما هو شيء قلناه) يعني التقدير بثمانين فإن عمر ﵁ جمع الصحابة ﵃ واستشارهم فأشاروا بثمانين فأمضاها. ثم جلد علي في خلافته أربعين وقال هذا أحب إلي) .
وهذا الجواب من ابن القيم هو ما أجاب به جمع من الأئمة رحمهم الله تعالى منهم الحافظ ابن حجر وقال (١) : (وبه جزم البيهقي وابن حزم) .
الجواب عن حديث أنس ﵁:
أما قول أنس ﵁ (إن النبي ﷺ ضرب في الخمر بالجريد والنعال
وجلد أبو بكر أربعين) (٢) .
فيقال هذا حق لكن سنة أبي بكر هذه من الجلد بأربعين هي سنة رسول الله
ﷺ في شارب الخمر وأنس ﵁ راوي الحديثين فإنه قال: (كان النبي ﷺ يضرب في الخمر بالجريد والنعال أربعين) (٣) .
وحديث المعارض أيضاً ليس فيه نفي أن النبي ﷺ لم يجلد أربعين فالتأمت بذلك السنن والحمد لله.
الجواب عن حديث ابن عباس ﵄:
أما حديث ابن عباس المتقدم أنه قال: (إن النبي ﷺ لم يوقت في الخمر
حداً) (٤) فالجواب عنه أن ابن عباس ﵄ لم يبلغه التعيين المذكور وقد
وقع التعيين بأربعين، وخفاء بعض السنن على بعض أجلاء الصحابة أمر منتشر في
стр. 288
كتب السنة. وقد ثبت أن النبي ﷺ وقت فيه كما تقدم والله أعلم. الجواب الثاني: من الجواب عن أدلة المعارض: الإجماع، فالإجماع منعقد على
أن عقوبة شارب الخمر عقوبة حدية مقدرة من الشارع ﷺ كما حكاه غير واحد
من أهل العلم منهم: ابن حزم، والقاضي عياض، وابن هبيرة، وابن قدامة، والمرتضى، وابن حجر، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في صدر هذه المسألة، والله أعلم.
اعتراض الشوكاني ومناقشته:
انتصر الشوكاني للقول بأن عقوبة الخمر غير مقدرة. وادعى عدم التسليم بالإجماع، وأنه لم يأتِ رواية بالتقدير فقال (١) : (والحاصل أن دعوى إجماع الصحابة ﵃ غير مسلمة. فإن اختلافهم في ذلك قبل إمارة عمر وبعدها وردت به الروايات الصحيحة. ولم يثبت عن النبي ﷺ الاقتصار على
مقدار معين ... فالأولى الاقتصار على ما ورد عن الشارع من الأفعال وتكون جميعها جائزة) .
مناقشة:
يقدح الشوكاني في الإجماع المذكور بوجود الاختلاف المذكور: وهذا قدح غير وارد لأن الاختلاف الحاصل إنما هو فيما زاد على الأربعين، أما الأربعين فلا خلاف فيها بدلالة فعل أبي بكر ﵁ كما تقدم.
وأما قوله (إنه لم يثبت عن النبي ﷺ الاقتصار على مقدار معيّن) فقد تقدم طرف من الأحاديث التي تنص على أن النبي ﷺ اقتصر على أربعين ومنها حديث أنس عن مسلم في صحيحه.
стр. 289
إذاً فيكون تجويز جميع الأفعال المذكورة في النصوص: نفي للحدية المقدرة وفي ذلك إهدار للنصوص الواردة بالتقدير ونقض للإجماع على مقتضاها والله أعلم.
الخلاصة:
إنا نرى ابن القيم رحمه الله تعالى يقرر في كتابه (زاد المعاد) ما دلت عليه النصوص واقتضاه الإجماع من أن عقوبة الخمر حدية مقدرة من الشارع ﷺ
ويستدل على ذلك بمجامع النصوص الحديثية ويجيب عن أقواها في المعارضة وهو
حديث علي ﵁ والله أعلم.
الفرع الثاني
بيان مقدار العقوبة لشارب الخمر
هذه من مسائل العلم التي اشتد فيها الخلاف وكثرت فيها الأقوال حتى أوصلها الحافظ بن حجر إلى ستة أقوال (١) . وابن القيم في هذه المسألة يتحفنا برأيه من أن مقدار العقوبة: أربعون جلدة، وإن ما زاد عليها من أنواع العقوبات كلها تعزيرية: فزيادة الأربعين في عهد عمر رضى الله عنه زيادة تعزيرية لا حدية وقد اتفق عليها الصحابة ﵃.
وزيادة الحلق للرأس تعزير. وزيادة النفي تعزير. وذلك بحسب ما رآه الولاة من الانهماك في شربها والجرأة عليها.
ويبيّن على ضوء هذا أن هذه الزيادات من الأحكام المتعلقة بالأئمة، إذ رأي
стр. 290
الوالي الانهماك في، شربها والجرأة عليها؟.
وهو في هذا العرض يتحفنا بخلاصة رأيه من غير سياق للأقوال ومناقشتها
فيقول: (ومن تأمل الأحاديث رآها تدل على أن الأربعين حد، والأربعون الزائدة عليها تعزير اتفق عليه الصحابة ﵃ ... وقد حلق فيها عمر ﵁ وغرب وهذا من الأحكام المتعلقة بالأئمة وبالله التوفيق) .
سلف ابن القيم في هذا الرأي:
ابن القيم في هذا الرأي يوافق مذهب الشافعية والرواية الثانية عن الإمام أحمد.
في قولهم إن الحد: أربعون والزيادة إلى الثمانين تعزير. والتعزير موكول إلى رأي الإمام كما بسط مذهبهم الحافظ (٢) وابن قدامة (٣) .
أدلته:
استدل ابن القيم لهذا الاختيار بالأحاديث المرفوعة الثابتة عن النبي ﷺ أنه
جلد أربعين من رواية علي وأنس وغيرهما من الصحابة ﵃ كما تقدم سياقها (٤) . وإن هذا الفعل في عهد النبي ﷺ تأيد التزامه حداً بذلك وباستمرار
العمل عليه في عهد أبي بكر ﵁. وإنه بذلك تجتمع الأخبار وإليه رجع
علي ﵁ (٥) . وما فعله عمر ﵁ إنما كان تعزيراً لوجود
المقتضى حيث انهمك الناس في شربها وكثرة الإقدام عليها. لهذا تنوع التعزير منه
تبعاً للمصلحة فمرة زاد أربعين، ومرة حلق، ومرة نفي والله أعلم.
стр. 291
مذهب الجمهور:
اختيار ابن القيم هذا يخالف فيه مذهب الجمهور من أهل العلم منهم الحنفية والمالكية وأحد القولين عند الشافعية والرواية الثابتة عن الإمام أحمد وهو: أن مقدار حد الشارب ثمانون جلدة، كما حكاه النووي (١) وابن قدامة (٢) وابن
حجر (٣) وابن الهمام (٤) .
أدلتهم:
استدلوا بما يلي:
١- ما روي أن النبي ﷺ جلد في الخمر ثمانين (٥) . فهذا حديث نص لما ذهبوا
إليه.
رد هذا الدليل:
لكن هذا الحديث قد روي بأسانيد لا تثبت عن النبي ﷺ رواها به ابن دحيه (٦) في كتابه (وهج الجمر في تحريم الخمر) (٧) وعبد الرزاق في (مصنفه) (٨)
بإسنادين كلاهما مرسلاً عن الحسن البصري عن النبي ﷺ
وقد رواه جماعة الحفاظ وقرروا أنه لا يصح عن رسول الله منهم ابن
стр. 292
حزم (١) ، وابن حجر (٢) ، والشوكاني (٣) . إذا فلا تقوم به حجة لعدم ثبوته عن النبي ﷺ .
٢- ما روي من الآثار عن عمر ﵁ من أنه جلد الشارب ثمانين جلدة، وأنه بذلك استشار الصحابة ﵃ فاتفق رأيهم عليه
فكان إجماعاً كما حكاه ابن قدامة (٤) .
ومنها ما رواه عبد الرزاق: أن عمر رضى الله عنه شاور الناس في جلد الخمر، وقال إن الناس قد شربوها واجترأوا عليها. فقال له علي: إن السكران إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فاجعله حد الفرية، فجعله عمر حد الفرية ثمانين (٥) . وأصل جعل عمر ﵁ حد الخمر ثمانين في صحيح البخاري (٦) .
مناقشة هذا الدليل:
هذا الدليل مناقش من عدة وجوه منها ما يلي:
أ- إن روايات هذا الأثر على كثرة مخارجها وتعدد ألفاظها لم يأتِ في شيء منها حسب التتبع أن عمر ﵁ نقص الحد عن أربعين بل رواية الأربعين ثابتة في عامة الروايات عن عمر ﵁ من أنه كان في
صدر خلافته يجلد أربعين كما في رواية البخاري وإنما الذي حصل منه
هو الزيادة فلو لم تكن (الأربعين) حداً عنده لنقص عنها تبعاً لمقتضيات
الأحوال. فهي إذا زيادة تعزيرية لا حدية، يزيده وضوحا الوجه بعده:
стр. 293
ب- إنه جاء في عامة الروايات أيضاً تعليل الزيادة وهي أن عمر ﵁ رأى أن الناس قد اجترأوا على شربها وتتابعوا وتهالكوا فيه فاستشار
الصحابة ﵃ في ذلك. فهذا يدل على أن الحد ثابت عندهم
وهو (أربعون) جلدة وأن الزيادة إلى ثمانين حصلت لحصول المقتضى لها
وهو (تهالك الناس في شربها) .
ج- أنه ثبت أن عمر ﵁ تدرج بالجلد للشارب من أربعين إلى ستين ثم إلى ثمانين كما في رواية عبد الرزاق (١) .
(إن عمر ﵁ جلد أربعين سوطاً. فلما رآهم لا يتناهون جعله ستين. فلما رآهم لا يتناهون جعله ثمانين. ثم قال هذا أدنى الحدود) . وهل هذا التنوع في الزيادة إلا دليل على أن هذه الزيادة من باب التعزير لا الحد.
د- أنه ثبت عن عمر ﵁ أنه في الوقت الذي يحد فيه الشارب بثمانين
حده أيضاً بأربعين كما رواه الدارقطني مطولاً وفيه (أن عمر رضي الله
عنه جلد في الخمر ثمانين) قال: (وكان عمر ﵁ إذا أتي بالرجل الضعيف الذي كانت منه الذلّة ضربه أربعين) (٢) .
وجه الاستدلال:
دلّ هذا الأثر على أن عمر ﵁ في الوقت الذي كان يجلد فيه الشارب ثمانين كان يجلد أيضاً أربعين وهذا دليل أن هذه الزيادة تعزير وإلا لما جاز له أن ينقص في الجلد عن الحد المقدر.
هـ- إن النبي ﷺ جلد أربعين وأبا بكر أربعين واستمر ذلك إلى أواخر خلافة
стр. 294
عمر ﵁ كما في حديث السائب بن يزيد عند البخاري (١) . فهذا دليل على أنهم فهموا أن ذلك هو الحد المقدر ولم يجاوزوه زيادة في الحد كما لم يجاوزوا غيره من الحدود المنصوصة. ولو قيل إن هذه الزيادة هي من الحد لكان هذا الاستنباط يعود على النص بالإبطال وهذا لا يجوز. فترجح إذا أن تكون هذه الزيادة تعزيراً لا حداً.
وهذا تؤيده الآثار المروية عن عمر ﵁: مثل تدرجه بالضرب ومثل ضربه في وقت واحد أربعين وثمانين تبعاً للمصلحة. ومثل ما رواه أبو عبيد في الغريب عن عمر أنه أتى بشارب، فقال المطيع بن الأسود: إذا أصبحت غداً فاضربه. فجاء عمر فوجده يضربه ضرباً شديداً فقال: كم ضربته؟ قال: ستين قال: اقتص منه بعشرين) (٢) . قال أبو عبيد في معنى ذلك (يعني اجعل شدة ضربك له قصاصاً بالعشرين التي بقيت من الثمانين ... ويؤخذ من هذا: أن الزيادة على الأربعين ليست بحد إذ لو كانت حداً لما جاز النقص منه بشدة الضرب إذ لا قائل به) (٣) .
و أما دعوى الإجماع في عهد عمر ﵁ حيث وافقه كبار الصحابة على أن الحد ثمانون جلدة (٤) . فهذا متعقب بأن علياً ﵁ رجع
منه. ومن قبله عثمان ﵁.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في تعقب الإجماع (٥) : (وتعقب بأن علياً ﵁ أشار على عمر بذلك ثم رجع عنه واقتصر على الأربعين
стр. 295
لأنها القدر الذي اتفقوا عليه في زمن أبي بكر مستندين إلى تقدير ما فعل
بحضرة النبي ﷺ .
وأما عثمان ﵁ ففي سنن الدارقطني (أن عثمان ﵁
جلد الحدين معاً ثمانين وأربعين) (١) .
فهذا المأثور عن الخليفتين عثمان وعلي ﵄ يدل على أن الجلد بثمانين غير مستمر وعليه فلا يكون حداً إذ لو كان حداً لما جاز لهما النقص منه بل هو منتقض بفعل عمر نفسه إذا كان يجلد أربعين في الوقت الذي كان يجلد الشارب فيه ثمانين فلو كان حداً مجمعاً عليه لما جاز له ذلك ﵁.
ولعله من هذه الوجوه يتضح أن هذه الزيادة عن الأربعين إنما هي من باب التعزير حسبما يراه الإمام من مصلحة الردع والزجر عند الانهماك والتهاون بشربها والله أعلم.
الترجيح:
من هذه المناقشة يتضح أن ما ذهب إليه ابن القيم رحمه الله تعالى من أن الحد أربعين جلدة وما زاد فهو تعزير هو الذي يساعده الدليل وبه تلتئم الآثار ويجتمع شملها والله أعلم.
стр. 296
الفرع الثالث
بيان أن قتل الشارب في الرابعة تعزيراً
ورد في قتل شارب الخمر في الرابعة جملة أحاديث عن جماعة من الصحابة ﵃ عن النبي ﷺ منها: حديث ابن عمر ﵄ ونفر من أصحاب النبي ﷺ قالوا قال رسول الله ﷺ : " من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه ثم إن شرب فاقتلوه ". رواه النسائي (١) والحاكم (٢) وإسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم كما قاله الحاكم ووافقه الذهبي في تلخيصه (٣) .
موقف العلماء من هذا الحديث (٤) :
قبل الأخذ ببيان رأي ابن القيم في هذا لا بدّ أن أوضح موقف العلماء السالفين من هذا الحديث وغيره مما ورد في معناه حتى يتبين تدرج الرأي في حكم مقتضاه حسب التسلسل الزمني. وبيان ذلك فيما يلي:
أولا: لم يكن مقتضى هذا الحديث من قتل شارب الخمر في الرابعة محل بحث
في أنظار العلماء السابقين من الأئمة الأربعة وغيرهم لأن الحديث في نظرهم إما منسوخ أو أن الإجماع منعقد على خلافه وعلى هذا تتابعت كلمة أهل العلم. وفي هذا يقول الترمذي في (كتاب العلل) من (جامعه) (٥) : (قال أبو عيسى
стр. 297
جميع ما في هذا الكتاب من الحديث فهو معمول به وقد أخذ به بعض أهل العلم ما خلا حديثين ... وذكر منهما الحديث المذكور) .
دليل النسخ:
واستدلوا على نسخ هذا الحكم بأحاديث منها:
١- حديث جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن عاد فاجلدوه، ثم إن عاد فاجلدوه، ثم إن عاد فاجلدوه"،
قال: فثبت الجلد ودرئ القتل) رواه الطحاوي (١) .
وفي لفظ (فرأى المسلمون أن الحد قد وقع وإن القتل قد رفع) رواه
النسائي في (السنن الكبرى) (٢)
وجه الاستدلال منه:
وهذا نص يفيد أن القتل قد رفع أي نسخ واستمر الحد بالجلد.
٢- حديث ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك
لدينه المفارق للجماعة " رواه الجماعة (٣) .
وجه الدلالة منه:
أن الحديث عام لأن لفظ (امرئ) نكرة في سياق النفي فتفيد العموم وهو بعمومه يتناول شارب الخمر لأنه ليس ممن استثنى في الحديث فيفيد عدم حل دمه. وهذا استدلال بالمنطوق.
стр. 298
ويمكن أن يستدل بمفهومه عند القائلين بالمفهوم فيقال إن هذا حديث صحيح صريح في حصر القتل في واحد من أمور ثلاثة. وقتل شارب الخمر في الرابعة ليس منها فيكون إذا منسوخاً والله أعلم.
٣- كما احتجوا أيضاً على النسخ بدعوى الإجماع على خلاف حكمه. كما هو ظاهر من كلام الترمذي المتقدم والنووي (١) .
ثانياً: رأي ابن حزم الظاهري (٢) :
استمر القول الأول مسطراً في كتب المذاهب الأربعة لا يكاد يحكي
خلافه حتى جاء ابن حزم الظاهري رحمه الله تعالى فأورد هذا البحث وقرر
فيه أن قتل الشارب في الرابعة حد شرعي محكم غير منسوخ. ورد على القائلين بالنسخ وأبرز سلفاً له في هذا الرأي وهو: عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁.
ثالثاً: رأي ابن تيمية وابن القيم:
جاء ابن تيمية وإمامه قولان للعلماء فلم يرتض واحداً منهما وسلك
مسلكاً وسطاً بين القولين فقرر أن قتل شارب الَخمر في الرابعة يجوز
تعزيراً حسب المصلحة إذا رآها الإمام (٣) .
فصار بذلك إمام مترجمنا ابن القيم ثلاثة أقوال لأهل العلم وناقش
الجمهور في مذهبهم (٤) وانتهى من البحث بقتله تعزيراً حسب المصلحة
لكنه في هذه المسألة أكثر إيضاحاً من شيخه ابن تيمية رحمه الله تعالى.
وقد أكثر من تقرير هذا الرأي في جملة من المناسبات كما في (زاد
стр. 299
المعاد) (١) و (الطرق الحكمية) (٢) و (أعلام الموقعين) (٣) .
بيان ابن القيم للخلاف:
أشار ابن القيم إلى أن أهل العلم اختلفوا في حكم قتل شارب الخمر في
الرابعة على ثلاثة أقوال مبيناً مآخذها فقال (٤) :
(صح عن النبي ﷺ أنه أمر بقتله في الرابعة أو الخامسة واختلف
الناس في ذلك:
١- فقيل هو منسوخ: وناسخه لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث (٥) . ٢- وقيل هو محكم: ولا تعارض بين الخاص والعام لا سيما إذا لم يعلم تأخر العام (٦) .
٣- وقيل قتله تعزير حسب المصلحة: فإذا أكثر منه ولم ينهه الحد واستهان به فللإمام قتله تعزيراً لا حداً.
وقد صح عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال (ائتوني به في الرابعة فعلي قتله لم) وهو أحد رواة الأمر بالقتل.
مناقشات ابن القيم للقائلين برفع القتل:
ناقش ابن القيم أدلة القائلين برفع القتل بنقض دعوى الإجماع ونقض القول بالنسخ وذلك على ما يلي:
стр. 300
١- مناقشته لدعوى الإجماع:
قال رحمه الله تعالى (١) :
(أما دعوى الإجماع على خلافه فلا إجماع، فإن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو قال كل منهما (ائتوني به في الرابعة فعلي أن أقتله) - وهذا مذهب بعض السلف) .
قال الأستاذ أحمد شاكر (٢) :
(ويكفي هذا في نقض الإجماع أو نفي ادعائه) .
وابن القيم في نقضه دعوى الإجماع يلتقي مع ابن حزم (٣) رحمه الله تعالى. تعقب هذه المناقشة:
من المعلوم أن ثبوت دعوى النقض فرع عن ثبوت الدليل الناقض وابن القيم رحمه الله تعالى نقض دعوى الإجماع هذه بما يلي:
أ- قول عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ (ائتوني به في الرابعة فعلي أن أقتله) .
ب- قول عبد الله بن عمر ﵄ مثله.
ج- أنه مذهب بعض السلف.
فهل ثبتت هذه الأدلة؟
إن ابن القيم رحمه الله تعالى ذكر هذه الأدلة مجردة من تتبع أسانيدها وتفحص
ثبوتها. وبيانها على ما يلي:
١- قول عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁:
стр. 301
أما قول عبد الله بن عمرو ﵁ فقد رواه الإمام أحمد (١) بإسناده عن الحسن قال:
(والله لقد زعموا أن عبد الله بن عمرو شهد بها على رسول الله ﷺ أنه قال:
إن شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، فإذا كان عند الرابعة ضربوا عنقه. قال فكان ابن عمرو يقول: ائتوني برجل قد جلد في الخمر أربع مرات فإن لكم عليّ أن أضرب عنقه) .
رواه الطحاوي في (معاني الآثار) (٢) وابن حزم في (المحلي) (٣) وعزاه الهيثمي في (مجمع الزوائد) (٤) للطبراني كلهم من رواية الحسن البصري عن عبد الله ابن عمرو ﵁.
واللفظ المرفوع من هذا الحديث قد جاء عن عبد الله بن عمرو من غير رواية الحسن منه كما أوضح ذلك الحافظ بن حجر) والعلاّمة أحمد شاكر (٦) .
أما اللفظ الموقوف من قول ابن عمرو ﵁ وهو قوله (ائتوني به في الرابعة ... ) فمدار جميع أسانيده على رواية الحسن البصري عن ابن عمرو وهذه رواية منقطعة لأن الحسن لم يسمع من ابن عمرو على الصحيح وأنه وإن اختلف في سماعه منه فقد صرح في رواية أحمد المذكورة أنه لم يسمعه منه فكفى بهذا حجة على انقطاع هذه الرواية بصرف النظر عن الاختلاف في سماعه منه من عدمه. وهذه الرواية بهذه الزيادة الموقوفة من قول ابن عمرو لم أرَ لها شاهداً ولا متابعاً في روايته فهي إذا رواية منقطعة والانقطاع ضعف في الرواية لا تقوم معه الحجة. فلا تتم دعوى نقض الإجماع إذا بهذه الرواية المنقطعة (٧) والله أعلم.
стр. 302
ب- قول عبد الله بن عمر ﵄:
أما قول ابن عمر ﵄ فإن ابن القيم رحمه الله تعالى تابع ابن حزم في نسبتها إلى ابن عمر ﵄ إذ قال في رد دعوى الإجماع (١) :
(قال أبو محمد- يعني ابن حزم- وهذه دعوى كاذبة لأن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو يقولان بقتله. ويقولان (جيئونا به فإن لم نقتله فنحن كاذبان) .
وابن حزم لم يشر إلى هذه الرواية عن ابن عمر في كتابه (المحلى) (٢) وقد ذكر رواية ابن عمرو وهي منقطعة كما تقدم.
وقد تتبعت هذا الأثر في مواطنه من كتب السنة فلم أرَ لذكره من أثر والإسناد
من الدين والاحتجاج به متوقف على ثبوته. ولعل ذلك دونه خرط القتاد؟.
فكيف تتم دعوى نقض الإجماع بأثر لم نعلم سلامة ثبوته؟.
على أنه في حالة ثبوته عنه ﵁ (لكان عذره أنه لم يبلغه النسخ وعد ذلك من ندرة المخالف) (٤) والله أعلم.
ج- قول بعض السلف:
بعد أن ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن هذا هو قول ابن عمرو وابن عمر وقال (وهو قول بعض السلف) (٥) .
وقد تتبعت جهدي عمن قاله من السلف فلم أرَ سوى عزو القول به إلى الحسن
стр. 303
البصري رحمه الله تعالى. والقول في هذا كسابقه: لا بد من العلم بسنده ولم يذكر له الحافظ سنداً (١) .
على أنه في حالة ثبوته يحمل خلافه على أنه حدث بعد الإجماع والله أعلم. والخلاصة: أن دعوى نقض الإجماع غير ثابتة بدليل، وأدلة النقض لا تقوى عليه والله أعلم.
٢- مناقشته لدعوى النسخ:
ناقش ابن القيم القول بالنسخ من دليليه على ما يلي:
أ- مناقشته دعوى النسخ بالحديث العام:
قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٢) :
(قال الإمام أحمد وقد قيل له: لم تركته؟ - فقال: لحديث عثمان لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث) (٣) .
ثم قال ابن القيم:
(دعوى نسخه بحديث (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث) لا تصح، لأنه عام وحديث القتل خاص) .
وهذا دفع صحيح سليم من ابن القيم ودعوى النسخ بهذا الحديث كثر إيرادها
في التجاذب المذهبي مع أنه كل مذهب قد خص هذا العموم في عدد من الأحكام (٤) والله أعلم.
стр. 304
ب- مناقشة دعوى النسخ بالحديث الخاص:
قال رحمه الله تعالى (١) :
(وقيل: هو منسوخ بحديث عبد الله بن حمار: فإنما يتم بثبوت تأخره، والإتيان به بعد الرابعة. ومنافاته للأمر بقتله) .
تعقب هذه المناقشة:
يلتقي ابن القيم مع ابن حزم في هذه المناقشة في رفض دعوى النسخ هذه لكن ابن القيم أسلم منهجا وألطف مسلكاً. إذ لم يقدح في صحة حديث مدعي النسخ. أما ابن حزم فقد أضاف إلى ذلك تعليل الرواية بالضعف والانقطاع. وهذا لا شك مسلك مرفوض لصحة الإسناد بها إلى رسول الله ﷺ من طرق عدّة
كما بسط الحديث عنها الحافظ ابن حجر (٣) ، والعلامة أحمد شاكر (٤) في تحقيق لهما نفيس ومبسوط أشد البسط في بيان ألفاظ الرواة ومخارج الروايات وتحريرها وإبراز النتيجة بصحة أسانيدها وسلامتها.
فإذ سلمنا صحة أسانيدها فهل تثبت دعوى المناقشة بالنسخ بها دراية على ما قرره ابن القيم أم لا:
نرى ابن القيم رحمه الله تعالى يطالب فقط بتوفر شرائط النسخ على ما يلي: ١- مطالبته بثبوت التعارض بين الدليلين: دليل الأمر بالقتل، ودليل ترك القتل.
٢- مطالبته بثبوت تأخره الدليل الناسخ وهو ترك القتل عن المنسوخ وهو الأمر بالقتل.
стр. 305
٣- مطالبته أن يكون الذي ترك قتله إنما أتى به بعد الرابعة. أي عدم إمكان الجمع بين الدليلين.
وهذه المطالبات عند تأمل ألفاظ الروايات نجدها متوفرة بيان ذلك كما يأتي: ثبوت التعارض بين الدليلين:
فالتعارض بين أحاديث الأمر بالقتل وبين أحاديث ترك القتل- ثابت لأن أحاديث الأمر بالقتل جاءت موجبة له بعد الرابعة على سبيل الحدية فيكون القتل بعد الرابعة حداً للشارب لا يجوز تركه ولا تجاوزه وقد جاء في بعض ألفاظ الرواة ما يفيد تسمية ذلك حداً كما في رواية النسائي من حديث جابر وفيه (فرأى المسلمون أن الحد قد وقع وإن القتل قد رفع) (١) .
فكيف لا يثبت التعارض بين أحاديث توجب القتل (ثم إن شرب في الرابعة فاقتلوه) وبين أحاديث ترك القتل) ؟
ثبوت أن الشارب الذي ترك قتله إنما أتى به بعد الرابعة:
وهذا أمر واضح في جلّ الروايات بل في جميعها ومنها رواية ابن حزم (٢) (ثم أتى به في الرابعة فجلد ووضع القتل عن الناس) ورواية البيهقي (٣) (ثم أتى به في الرابعة فجلده، فرفع القتل عن الناس وكانت رخصة فثبتت) . إلى غيرهما من الروايات.
ثبوت تأخر الدليل الناسخ:
أما الدليل الناسخ فقد ثبت تأخره عن الدليل المنسوخ من حديث جابر ﵁ وغيره من الصحابة ﵃. فإنهم نقلوا حديث الأمر بالقتل ثم
стр. 306
أعقبوه بترك النبي ﷺ للقتل وفهموا من هذا أن القتل قد رفع ونسخ وثبت الحد بالجلد. وهذا ما رآه المسلمون وتتابع عليه الرواة في مروياتهم لهذا الحديث. وأسوق هنا جملة من ألفاظ الرواة في إعقاب الحديث المنسوخ بالحديث الناسخ لترك النبي ﷺ للقتل. وما فهمه الرواة والمسلمون من هذا (أنه نسخ للقتل
وإثبات للحد بالجلد) .
فمنها ما يلي:
١- حديث جابر ﵁ قال رسول الله ﷺ (من شرب الخمر
فاضربوه، فإن عاد فاضربوه، فإن عاد فاضربوه، فإن عاد في الرابعة فاضربوا عنقه فضرب رسول الله ﷺ نعيمان أربع مرات (فرأى المسلمون أن الحد قد وقع وإن القتل قد رفع) رواه ابن حزم في (المحلي) (١) من طريق النسائي في (السن الكبرى) .
ففي هذا الحديث ترك القتل في الرابعة من النبي ﷺ . وفهم المسلمون أن هذا
رفع للقتل أي نسخ له وإثبات للجلد وهذا من باب نسخ الأثقل بالأخف. وقد جاء هذا الحديث بعدة ألفاظ منها:
رواية ابن حزم في (الحلي) وفيها (.... فإن عاد الرابعة فاقتلوه فأتى رسول
الله ﷺ برجل منا فلم يقتله) (٢) .
فهذا من أصرح ما يكون دلالة على ترك النبي ﷺ للقتل في الرابعة بعد أمره
ﷺ بقتله.
وفي رواية للطحاوي (فثبت الجلد ودرئ القتل) (٣) .
стр. 307
وفي رواية للبيهقي (فرأى المسلمون أن الحد قد وقع حين ضرب رسول الله
ﷺ أربع مرات) (١) .
وفي رواية للنسائي (ثم أتى النبي ﷺ برجل قد شرب الخمر في الرابعة فجلده
ولم يقتله) (٢) .
وزاد في لفظ (فرأى المسلمون أن الحد قد وقع وإن الحد قد رفع) (٣) .
قال العلاّمة أحمد شاكر أن صواب هذه اللفظة (وأن القتل قد رفع) (٤) .
وفي رواية البزار (فلما كان في الرابعة أمر به فجلد الحد فكان نسخاً) (٥) . وجه الدلالة من حديث جابر ﵁:
ووجه الدلالة من الحديث بمجموع رواياته ظاهرة في أن النبي ﷺ ترك القتل
في الرابعة وقد تركه ﷺ للقتل بعد أمره به فإن لم يكن هذا نسخاً فما هو معنى
النسخ؟؟
وجابر ﵁ الذي روى حديث الأمر بالقتل يقول (فأتى برجل منّا
فلم يقتله) فشاهد الواقعة وبين أن هذا هو ما فهمه المسلمون فقال (فرأى المسلمون أن الحد قد وقع وإن القتل قد رفع) . ولهذا قال الشافعي (هذا ما لا اختلاف فيه بين أهل العلم علمته) (٦) .
وقد ذكر ابن عبد البر أنه أتى به أكثر من خمسين مرة كما ذكره الحافظ ابن
حجر (٧) .
стр. 308
٢- حديث قبيصة ابن ذؤيب ﵁ (١) أن النبي ﷺ قال:
(إن شرب الخمر فاجلدوه. ثم أن شرب فاجلدوه ثم أن شرب فاجلدوه، ثم
إن شرب فاقتلوه. لا يدري الزهري أبعد الثالثة أم الرابعة. فأتى برجل قد شرب فجلدوه. ثم أتى به قد شرب فجلدوه، ثم أتى به قد شرب فجلدوه. ووضع القتل. فصارت رخصة) رواه أبو داود (٢) والشافعي (٣) وقد صححه ابن حجر وقيل بل هو مرسل لأن قبيصة من كبار التابعين (٤) .
وفي لفظ عند البيهقي (فرفع القتل عن الناس، وكانت رخصة فثبتت) (٥) . وفي لفظ للترمذي معلقاً (فرفع القتل وكانت رخصة) (٦) .
وفي لفظ عند البيهقي أيضاً (فرأى المسلمون أن القتل قد تأخر وإن الضرب قد وجب) (٧) .
وفي لفظ رواية ابن حزم ( ... ثم أتى به في الرابعة فجلده ووضع القتل عن الناس (٨) .
وجه الدلالة من الحديث:
ووجه الاستدلال منه كحديث جابر سواء وفي مجموع هذه الروايات أن النبي
стр. 309
صلى الله عليه وسلم حده بالجلد ولم يقتله وفهم النقلة من هذا وضع القتل عن الناس وإيجاب الجلد بدلاً من الأثقل إلى الأخف.
قال الله تعالى (١) (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) . فلا
كلام لأحد بعد كلام الله تعالى (٢) (أأنتم أعلم أم الله) . وقد أمر رسول الله ﷺ بقتل الشارب بعد الرابعة وأمره من أمر الله تعالى ثم وضع رسول الله ﷺ القتل عن الناس (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) . فجيء إليه ﷺ بشارب قد شرب مراراً فلم يحده في المرة التي كان حدها القتل إلا بالجلد
فكان الأمر كما رآه المسلمون وفهموه (أن الحد بالقتل قد وضع وإن الجلد قد وجب) تخفيفاً من الله ورحمة بعباده (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً) . نهاية المطاف عند ابن القيم:
ثم يقول ابن القيم رحمه الله تعالى مبيناً اختياره (٣) :
(والذي يقتضيه الدليل: أن الأمر بقتله ليس حتما، ولكنه تعزير بحسب
المصلحة فإذا أكثر الناس من الخمر، ولم ينزجروا بالحد فرأى الإمام أن يقتل فيه قتل. ولهذا كان عمر ﵁ ينفي فيه مرة. ويحلق فيه الرأس مرة. ويجلد فيه ثمانين. وقد جلد فيه رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ أربعين. فقتله
في الرابعة: ليس حداً. وإنما هو تعزير بحسب المصلحة) .
الترجيح:
مما تقدم من سياق الخلاف وأدلته ومناقشتها نرى أن ابن القيم وابن حزم يتفقان في مناقشة الإجماع والنسخ من أدلة القائلين بالنسخ لكن يختلفان في النتيجة
стр. 310
فابن حزم يقرر أن الحد بالقتل بعد الرابعة محكم غير منسوخ. وابن القيم يرى أنه تعزير لا حد.
وإنني بعد التأمل والنظر أوافق ابن القيم في النتيجة وأخالفه في المأخذ. فالأحاديث بقتله حداً منسوخة والإجماع على نسخ الحد بالقتل لم ينخرم في عصره والذي وقع فيه الإجماع على ترك الحد بالقتل للشارب بعد الرابعة.
ولكن إذا أدمن الناس شربها وانهمكوا فيها وتهالكوا في شربها ولم يكن الحد بالجلد زاجراً لهم فإن للإمام أن يعزر الشارب المتهالك بالقتل صيانة للعباد وردعاً للفساد.
وذلك تطبيقاً لمبدأ سياسة الراعي للرعية سياسة شرعية فيما ظهرت فيه المصلحة
كما قرر ذلك أهل العلم في مدوناتهم وذكروا له الأمثلة والنظائر كما في قتل الداعية إلى البدعة إذا افتتن به الناس ونحو ذلك (١) والله أعلم.
الفرع الرابع:
بيان أنواع من العقوبات التعزيرية لشارب الخمر.
نجد أن ابن القيم رحمه الله تعالى في معرض الأبحاث المتقدمة يقرر أن للإمام
أن يزيد في الحد للخمر تعزيراً بحسب تهالك الناس فيها واستهانتهم بحدها. وقد بيّن أنواعاً من هذه العقوبات التعزيرية على ما يلي:
١- التعزير بمضاعفة الحد من أربعين إلى ثمانين (٢) .
٢- التعزير بالقتل للمدمن. وقد تقدم تفصيل القول عن هذين النوعين من التعزير (٣) .
стр. 311
٣- التعزير: بالنفي .
٤- التعزير بالحلق للرأس.
٥- التعزير: بزيادة عشرين جلدة على الحد أربعين للشارب في رمضان. وهذه الأنواع الثلاثة الأخيرة أشار إليها ابن القيم رحمه الله تعالى وذكر التعزير بالنفي والحلق للرأس عن عمر ﵁ والتعزير للشارب في رمضان عن علي ﵁.
وابن القيم رحمه الله تعالى لا يقصر التعزير على هذه الأنواع بل يضرب بها المثال من فعل السلف ﵃ على أن للإمام أن يزيد عن حد الخمر تعزيراً إذا تهاون الناس في شربها وتهالكوا فيها بما يراه رادعاً وزاجراً لهم وهذا أمر يتنوع ويختلف باختلاف الأزمان والأشخاص والله أعلم.
وإلى بيان مستند هذه الأنواع الثلاثة التعزيرية من النقل.
وردت آثار متنوعة عن عمر ﵁ في تغريب شارب الخمر بعد إقامة الحد عليه وذلك في قضايا مختلفة هي كما يلي:
١- ما رواه عبد الرزاق في (مصنفه) (١) بسنده قال:
(غرّب عمر ربيعة ابن أمية بن خلف (٢) في الشراب إلى خبير فلحق بهرقل فتنصر، قال عمر: لا أغرب بعده مسلماً أبداً) . ورواه النسائي من طريق عبد الرزاق وترجمه بقوله (تغريب شارب الخمر) (٣) . وقول عمر ﵁ (لا
стр. 312
أغرب بعده مسلماً أبداً) حمله ابن قدامة (٤) على أن عمر أراد تغريبه في الخمر الذي أصابت الفتنة ربيعة فيه.
ولذا فإن التغريب يكون باختلاف الأشخاص والأحوال. وقد غرب عمر ﵁ في وقائع أخر للشاربين.
٢- ما رواه عبد الرزاق أيضاً في (مصنفه) بسنده قال (١) :
(أتى عمر ﵁ بشيخ شرب الخمر في رمضان فقال للمنخرين (٢) : للمنخرين في رمضان وولداننا صيام. فضربه ثمانين. وسيره إلى الشام) .
٣- ما رواه عبد الرزاق في (مصنفه) أيضاً بسنده قال (٣) :
(كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا وجد شارباً في رمضان نفاه مع
الحد) .
التعزير بالحلق للرأس:
وأما الدليل على التعزير بحلق الرأس مع الحد لشارب الخمر فقد رواه عبد الرزاق (٤) في قصة إقامة والي مصر عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁
للحد على: عبد الرحمن بن عمر ﵁ فإنه حلق رأس: عبد الرحمن بن عمر رضى الله عنه. ثم أعقبه عبد الرزاق رحمه الله تعالى بروايته عن ابن عباس ﵄ من إنكاره الحلق مع الحد فقال ﵄ (جعل الله حلق الرأس سنة ونسكاً فجعلتموه نكالاً، وزدتموه في العقوبة) (٥) .
стр. 313
تعزير الشارب في رمضان:
ذكر ابن القيم أن الشارب في رمضان يزاد في حده عشرين تعزيراً، وأن هذا
هو المنصوص عن أحمد ودلل عليه بفعل علي ﵁ مع النجاشي الشاعر. وذكر خلافاً للخلال من أن الزيادة عشر جلدات فقال (١) :
(إذا شرب في رمضان زيد الحد عشرين تعزيراً كما فعله علي بالنجاشي نص عليه. وقال أبو بكر يجلد خمسين، أربعين للشرب وعشرة لرمضان) .
تنوع تعزير الشارب في رمضان عند السلف:
إن ما ذكره ابن القيم هو بعض من أنواع التعزير للشارب في رمضان عند السلف وإلا فقد تنوعت العقوبات لهم بزيادة الجلد. أو النفي. أو التشهير ونحو ذلك كما رواها عبد الرزاق في (مصنفه) (٢) وهذه التعزيرات راجعة إلى اجتهاد الأئمة وولاة الأمور بحسب المصلحة في كلّ زمان ومكان وبحسب أرباب الجرائم في أنفسهم وهذا ما تقتضيه حكمة التشريع وأسراره والله أعلم.
الفرع الخامس:
العقوبة المالية للخمار .
لابن القيم رحمه الله تعالى في جواز العمل بالسياسة الشرعية مباحث عظيمة طرقها في مواضع من كتبه (٣) . وفيها تكلم عن العقوبات المالية أو التعزير بالمال، وضرب الكثير من الأمثلة، ومنها التعزير بكسر أواني الخمر، وتحريق أمكنة
стр. 314
الخمارين، وذكر ذلك من أمر النبي ﷺ ، ومن فعل خليفتيه عمر وعلي ﵄ وبيانها كالآتي:
أ- عقوبة الخمار المالية في السنة النبوية:
قال ابن القيم رحمه الله تعالى (١) :
(ومن التعزير بالعقوبات المالية أمره ﷺ بكسر دنان الخمر (٢) ، وشق
ظروفها، وهذا التعزير قد روي من أمر النبي ﷺ ، وروى من فعله أيضاً:
أما أمره ﷺ بذلك ففيما رواه الترمذي عن أبي طلحة ﵁ أنه قال
(يا نبي الله اشتريت خمراً لأيتام في حجري، قال: أهرق الخمر، وكسر الدنان (٣) .
وأما فعله ﷺ لذلك ففيما رواه الإمام أحمد عن ابن عمر ﵄ قال (٤) : (أخذ النبي ﷺ شفرة وخرج إلى السوق، وبها زقاق خمر جلبت من الشام فشق بها ما كان من تلك الزقاق) (٥) .
وجه الاستدلال:
ووجه الدلالة من الحديثين ظاهرة، على أن هذا الإتلاف من باب العقوبة المالية للخمار، وإلا فالانتفاع بها ممكن بعد التطهير كما قرره الحافظ ابن حجر (٦) . وعليه ترجم البخاري رحمه الله تعالى بقوله (٧) (باب هل تكسر الدنان التي فيها
خمر أو تخرق الزقاق) .
стр. 315
ب- تحريق الخليفتين عمر وعلي رضى الله عنهما لأمكنة الخمارين.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى (١) :
(ومنها- أي من التعزيرات المالية- تحريق عمر وعلي ﵄ المكان الذي يباع فيه الخمر) .
والآثار عن عمر وعلي ﵄ في تحريق أمكنة الخمارين عقوبة لهم مستفيضة خرجها أبو عبيد (٢) ، وخرج عبد الرزاق (٣) ٠ الآثار في ذلك عن عمر ﵁ والله أعلم.
المبحث الخامس:
إقامة حد الخمر بالقرينة الظاهرة (٤)
في معرض بحث ابن القيم رحمه الله تعالى للحكم بالقرائن الظاهرة وشواهد الأحوال في الدماء والأموال والحدود، ضرب لها المثال بحد الشارب بالرائحة تنبعث من فمه أو بالخمر يتقيؤها وإن هذا من الأحكام التي اتفق عليها الصحابة
﵃.
وفي بيان هذا يقول رحمه الله تعالى (٥) :
(وحكم عمر وابن مسعود ﵄ ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة
стр. 316
رضي الله عنهم، بوجوب الحد بالرائحة للخمر أو قيئه خمراً اعتماداً على القرينة الظاهرة) .
وقال أيضاً (١) :
(وكان أهل المدينة في زمن الصحابة ﵃ والتابعين وتابعيهم يحدون
بالرائحة والقيء) .
فنجد ابن القيم رحمه الله تعالى استدل لهذه المسألة وهي الحد بالرائحة بأحكام الصحابة ﵃ منهم عمر وابن مسعود ﵄ مع عدم وجود المخالف لهما في ذلك.
الخلاف وأدلته:
إن معرفة قوة انتخاب هذا الرأي أو ضعفه من ابن القيم يقتضي ذكر الخلاف
في هذه المسألة ومناقشته وتحرير الأدلة رواية ودراية ومناقشة وجوه الاستدلال منها فإلى بيان الخلاف مع ذكر أدلته ومناقشتها.
القول الأول:
أنه لا يجب الحد بوجود الرائحة من الفم أو القيء وهذا قول الجمهور منهم الثوري وأبو حنيفة. والشافعي. وأحمد في إحدى الروايتين كما حكاه ابن قدامة وقال (٢) :
(وهو قول أكثر أهل العلم) .
وجهة هذا القول:
هي أن يقال إن مجرد وجود الرائحة مثلاً لا يلزم منه الشرب فقد تتفق
الروائح.
стр. 317
أو ظنها ماء فلما أحس بها في فيه مجها. أو شرب منها لغصة بقدر ما يسيغها فأوجدت رائحة أو تقيئها.
وهذه ونحوها وجوه محتملة تورث شبهة والحد لا يقام مع وجود شبهة. فالنتيجة إذا أنه لا يجب إقامة الحد بالرائحة أو القيء.
وقد كشف عن وجهة مذهب الجمهور ابن قدامة فقال (١) :
(لأن الرائحة يحتمل أنه تمضمض بها أو حسبها ماءً فلما صارت في فيه مجها،
أو ظنها لا تسكر أو كان مكرهاً أو أكل نبقاً (٢) بالغاً أو شرب شراب التفاح فإنه يكون منه كرائحة الخمر. وإذا احتمل ذلك لم يجب الحد الذي يدرء بالشبهة) .
وقال الحافظ ابن حجر في تعليل مذهب الجمهور (٣) :
(لأن الروائح قد تتفق والحد لا يقام مع الشبهة) .
وقال النووي في التعليل (٤) :
(أنه لا يجب الحد بمجرد ريحها لاحتمال النسيان والاشتباه والإكراه وغير ذلك هذا مذهبنا ومذهب آخرين) .
القول الثاني:
وجوب إقامة الحد بالرائحة أو القيء وهذا مذهب مالك وأصحابه وجماعة من أهل الحجاز. والرواية الثانية عن الإمام أحمد (٥) .
وهؤلاء هم سلف بن القيم في اختياره في هذه المسألة.
стр. 318
أدلة هذا القول:
لا تخرج أدلة هذا القول عما ذكره ابن القيم من أن هذا مقتضى ما حكمت به الصحابة ﵃. وقد ذكرها رحمه الله تعالى على سبيل الإشارة والإجمال وتفصيلها على ما يلي:
١- حكم عمر ﵁.
وذلك فيما رواه السائب بن يزيد (أن عمر ﵁ كان يضرب بالريح) رواه ابن أبي شيبة (١) .
وفي رواية عبد الرزاق (٢) بسنده إلى السائب بن يزيد (أنه حضر عمر بن الخطاب وهو يجلد رجلاً وجد منه ريح شراب، فجلده، الحد تاماً) .
وجه الاستدلال:
ووجه الدلالة من هذا الأثر ظاهرة من أن عمر ﵁ أقام الحد بالقرينة الظاهرة وهي: وجود رائحة الخمر.
٢- حكم ابن مسعود ﵁:
وهذا الحكم من رواية الصحيحين: البخاري (٣) ومسلم (٤) . ولفظه عند البخاري بإسناده إلى علقمة (٥) قال:
(كنا بحمص فقرأ ابن مسعود ﵁ سورة يوسف: فقال رجل ما هكذا أنزلت فقال: قرأت على رسول الله ﷺ فقال: أحسنت. ووجد منه ريح
стр. 319
الخمر. فقال: أتجمع أن تكذب بكتاب الله. وتشرب الخمر. فضربه الحد) .
وجه الدلالة منه:
يقال في وجه الدلالة من هذا الأثر أنها ظاهرة أيضاً من إقامة ابن مسعود الحد بالرائحة.
٣- حكم عثمان رضي الله بالحد بالقيء.
وهذا الحكم رواه مسلم (١) وأبو داود (٢) . ولفظه عند مسلم بإسناده إلى حضين بن المنذر
أبو ساسان الرقاشي (٣) قال:
(شهدت عثمان ﵁ وأتى بالوليد قد صلى الصبح ركعتين ثم قال: أزيدكم. فشهد عليه رجلان. أحدهما: حمران (٤) أنه شرب الخمر. وشهد آخر أنه رآه يتقيأ. فقال عثمان إنه لم يتقيئها حتى شربها. فقال: يا علي قم فاجلده. فقال علي: قم يا حسن (٥) فاجلده. فقال الحسن: ولّ حارّها من تولى قارّها (٦) . فكأنه
وجد عليه. فقال يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده. فجلده. وعلي يعدّ حتى بلغ أربعين فقال: أمسك. ثم قال: جلد النبي ﷺ أربعين. وجلد أبو بكر أربعين. وعمر ثمانين وكل سنة وهذا أحب إلي) .
стр. 320
وجه الدلالة منه:
هي أن الصحابة ﵃ اتفقوا على أن من تقيأ الخمر يحد حد الشارب كما تفيده هذه القصة وقد أشار إلى ذلك النووي (١) .
٤- اتفاق الصحابة ﵃ على الحكم بهذه القرينة الظاهرة من وجود الرائحة تنبعث من فمه أو وجوده يتقيؤها. وقد حكى ابن القيم هذا الاتفاق وأنه لا يعرف لعمر وابن مسعود في حكميهما السابقين مخالفة من الصحابة رضى الله عنهم (٢) .
القول الثالث:
أن الذي يجب عليه الحد بالرائحة من يكون مشهوراً بشرب الخمر مدمناً عليها.
حكاه ابن المنذر عن بعض السلف كما ذكره الحافظ فقال (٣) :
(وحكى ابن المنذر عن بعض السلف أن الذي يجب عليه الحد بمجرد الرائحة من يكون مشهوراً بإدمان شرب الخمر) .
ومنهم عمر ﵁ وابن الزبير (٤) ﵁ كما رواه عنهما عبد الرزاق فقال (٥) :
(عن معمر (٦) . عن إسماعيل بن أمية (٧) قال: كان عمر إذا وجد من رجل ريح