← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 10500

الحدود والتعزيرات عند ابن القيم

بكر أبو زيد

Полный текст (492 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

المعبود) (١) . وذكره قبلهم (المنذري) (٢) . والخصوصية لا بد لها من دليل يدل عليها وهذا مجرد احتمال هنا، وما دعاهم إلى ذلك إلا مخالفة هذه القصة لما عهد في أحكام الحدود كما تبين في المسلك قبله والله أعلم. المسلك الثالث: القول بموجبه. قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٣) : (وطائفة ثالثة تقبله وتقول به وأن السارق إذا سرق خمس مرات قتل في الخامسة وممن ذهب إلى هذا المذهب أبو مصعب من المالكية) . وحكى هذا القول أيضاً ابن حجر فقال (٤) : (وقيل يقتل في الخامسة قاله: أبو مصعب الزهري المدني صاحب مالك) (٥) . وهذا المسلك مبني على القول بقبول الحديث وصحته وقد علم من المسلك الأول أن صحته دونها خرط القتاد والله أعلم. هذه المسالك التي ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى وقد تحصل لي غيرها وهي: المسلك الرابع: أن هذا الحديث منسوخ. وهذا محكي عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى حكاه ابن حجر (٦) والآبادي (٧) . ومن قبلهما البيهقي (٨) رحمهم الله تعالى.

стр. 387

وناسخه هو حديث ترك قتل شارب الخمر في الرابعة كما في قصة النعيمان الملقب (حماراً) (١) . وهذا نسخ بالتنظير لا بالنص، وهو مسلك غريب والله أعلم. المسلك الخامس: حمل الحكم بقتله على أن كان من المفسدين في الأرض. حكى، الخطابي (٢) وابن حجر (٣) والآبادي (٤) على أن هذا الحديث قد يخرج على مذاهب بعض الفقهاء وهو أن يكون هذا من المفسدين في الأرض فيكون هذا من باب العقوبة التعزيرية للمفسدين في الأرض. وهذا يعزى للإمام مالك رحمه الله تعالى. وهذا المسلك وإن كان في ذاته قاعدة مقررة لدى كثير من أهل العلم في أحكام (الاستصلاح) و (السياسة الشرعية) فإن الأمر بقتله من أول مرة ونص القرآن الكريم بقطع السارق يأبى هذا المسلك والله أعلم. الخلاصة: هذه هي مسالك أهل العلم في الجواب عن هذا الحديث وإن كان بعضها يناقشه في قضية القتل خاصة، وقد ظهر من هذا السياق لها أن المسلك الأول وهو: النقد لها رواية ودراية هو المسلك الذي تقتضيه أصول الصناعة الحديثية. وقواعد الشريعة الكلية. وأن ما سواها كل قال بمجرد اجتهاده، ولا يخلو واحد منها من نظر والله أعلم. ب- بيان ما يروى فيها عن الصحابة ﵃؟.

стр. 388

وقد تحصل بالتتبع الوقوف على آثار في ذلك عن علي ﵁ وعن عمر ﵁ ساقها عبد الرزاق (١) والبيهقي (٢) وهي تفيد قطع الرجل اليسرى بعد اليد اليمنى فإن عاد عزر ولا قطع ومنها: عن علي ﵁ أنه كان لا يقطع إلا اليد والرجل- وإن سرق بعد ذلك سجن ونكل، وكان يقول: إني لأستحي من الله ألا أدع له يداً يأكل بها ويستنجى) رواه عبد الرزاق (٣) والبيهقي (٤) . قال ابن حجر وسنده صحيح (٥) . وعن عمر ﵁ أنه أتى برجل قد سرق يقال له: سدوم، فقطعه ثم أتى به الثانية فقطعه، ثم أتى به الثالثة، فأراد أن يقطعه، فقال له علي لا تفعل. إنما عليه يد ورجل، ولكن احبسه. رواه عبد الرزاق (٦) . والبيهقي (٧) . وقال ابن حجر وسنده حسن (٨) . ج- بيان الاتفاق في هذه العقوبة. ثبت عن الصحابة ﵃ قطع الرجل اليسرى في السرقة بعد اليد اليمنى وهذا محل اتفاق بين أهل العلم منهم الأئمة الأربعة وغيرهم. كما حكاه ابن قدامة (٩) وابن هبيرة (١٠) بل حكى عليه الإجماع ابن الهمام (١١) .

стр. 389

الدليل في هذا: هو أقضية الصحابة ﵃ كما تقدم ذكر بعضها وفيه يقول ابن عبد البر (١) (ثبت عن الصحابة ﵃ قطع الرجل بعد اليد وهم يقرؤون (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) (٢) . د- بيان محل الخلاف في هذه العقوبة. ثم اختلفوا فيما وراء ذلك إذا سرق ثالثة ورابعة على قولين: القول الأول: أنه لا يقطع في الثالثة بعد قطع اليد والرجل بل يحبس وهذا هو مذهب الحنفية والمعتمد لدى الحنابلة (٣) . وهم يريدون من سجنه: تخليده في السجن حتى يموت كما صرّح به ابن الهمام (٤) وهو ظاهر المذهب الحنبلي كما في (المغنى) (٥) وغيره. ودليلهم في هذا: أقضية الصحابة ﵃ كما تقدم والله أعلم. القول الثاني: أنه يقطع في الثالثة يسري يديه وفي الرابعة يمنى رجليه فإن سرق خامسة عزر

стр. 390

بضرب أو سجن ونحوهما. وهذا مذهب المالكية. والشافعية. ورواية في المذهب الحنبلي (١) . دليلهم: استدلوا بالأحاديث المرفوعة المتقدم سياقها (٢) . والمتضمنة للإتيان على أطراف السارق الأربعة. وقد تبين أن هذه الأحاديث لا تثبت عن النبي ﷺ فلا يتم الاستدلال إذا والله تعالى أعلم. الترجيح: والذي يظهر والله أعلم هو القول بقطع الرجل اليسرى بعد قطعٍ اليد اليمنى وإن سرق ثالثاً فلا قطع بل يكون التعزير والنكال بما يراه الحاكم رادعا لعدوانه من حبس أو جلد. أو بهما حسبما يراه رادعاً وهذا مما يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص والله أعلم. ٣- العقوبة بقتل السارق. اشتهر عن أبي مصعب المالكي- القول بقتل السارق في الخامسة بعد الإتيان على أطرافه الأربعة إذا سرق أربع مرات وفي الخامسة يقتل (٢) . وقد ذكر ذلك الحافظ ابن حجر (٤) قولاً عن مالك أولا ثم أنه رجع عنه واستقر رأيه على تعزيره دون قتله في الخامسة ولو بلغ التعزير إلى القتل كما تقدم (٥)

стр. 391

واستدل أبو مصعب لذلك بحديث القتل في ذلك. وقد تبين أن الاستدلال به لا يتم لعدم ثبوته عن النبي ﷺ والله أعلم. ٤- العقوبات التعزيرية للسارق . نستخلص مما تقدم ومما يأتي من كلام ابن القيم رحمه الله تعالى أن العقوبات التعزيرية للسارق تكون في صور منها ما يلي: الصورة الأولى: تعزيره إذا سرق في الثالثة أو الخامسة على الخلاف ويكون تعزيره بالحبس أو بالضرب ونحوه على الخلاف المتقدم. الصورة الثانية: قتله في الخامسة تعزيراً إذا استشرى بالفساد عند بعض أهل العلم كما تقدم. الصورة الثالثة: أن كل من سرق فسقط عنه الحد ترتب عليه عقوبتان تعزيريتان: عقوبة مالية بتضعيف الغرم للمسروق. وعقوبة بدنية: بالضرب ونحوه نكالاً له. وقد أوضح ابن القيم هذه الصورة التعزيرية فقال (١) : (أسقط ﷺ العقوبة بالقطع عن سارق الثمر (٢) والكثر (٣) . وحكم أن من

стр. 392

أصاب منه شيئاً بفمه وهو محتاج فلا شيء عليه. ومن خرج منه بشيء فعليه غرامة مثليه والعقوبة (١) . وقضى ﷺ في الشاة تؤخذ من مراتعها بثمنها مرتين وضرب نكال ... الاستدلال: م ذكر رحمه الله تعالى الاستدلال من هذين الحديثين على اجتماع هاتين العقوبتين في حق كل من سقط عنه القطع فقال (٢) : (في ذلك أن من سرق ما لا قطع فيه ضوعف عليه الغرم، وقد نص عليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى فقال (كل من سقط عنه القطع ضوعف عليه الغرم) وفي إجماع التعزير مع الغرم الجمع بين العقوبتين: مالية وبدنية. وقد بيّن رحمه الله تعالى أيضا (٣) أن هذه العقوبة المالية يرجع فيها إلى اجتهاد الأئمة في كل زمان ومكان حسب المصلحة وهذا يأتي بسطه إن شاء الله تعالى في العقوبة المالية من باب التعزير والله أعلم. المبحث الخامس: في قطع جاحد العارية. هذه من مسائل العلم المشتهرة بين الحنابلة والجمهور على ما يلي: مذهب الجمهور: وهو أنه لا قطع على جاحد العارية.

стр. 393

وهذا مذهب الحنفية (١) . والمالكية (٢) . والشافعية (٣) . وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد (٤) . وقيل هي المذهب (٥) . المعتمد من مذهب الحنابلة: وهو وجوب قطع جاحد العارية. وهذا هو الرواية الثانية عن الإمام أحمد (٦) . وهي المذهب على الصحيح (٧) وهذا هو مذهب الظاهرية وله انتصر ابن حزم (٨) . مناقشة أدلة الخلاف (٩) : ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في (أعلام الموقعين) الخلاف في هذه المسألة، وناقش الدّليل محل التجاذب بين الطرفين وهو: حديث المخزومية (١٠) وبين أن القول بالقطع لجاحد العارية، هو مقتضى الدّليل الصحيح والقياس الصريح. وفي (زاد المعاد) (١١) بين أن هذا هو مقتضى لغة العرب.

стр. 394

وفي الكتابين نقض قياس المخالف وأشار للنقض أيضاً في كتابه (إغاثة اللهفان) (١) . وأتى على جميع هذه الأدلة والمناقشات في كتابه (تهذيب السنن) (٢) . والتفصيل لذلك على ما يلي: حديث المخزومية. هو من الأحاديث المشهورة في الكتب الستة وقد جاء في بعض ألفاظ الرواة (أنها سرقت) وفي بعضها (أنها كانت تستعير المتاع وتجحد) . وقد جاء اللفظان في روايته من حديث عائشة ﵂. كما يلي: روايته بلفظ (سرقت) : عن عائشة ﵂: أن قريشاً أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد (٣) حبّ رسول الله ﷺ فكلم رسول الله ﷺ فقال: أتشفع في حد من حدود الله. ثم قام فخطب فقال: يا أيها الناس إنما ضلّ من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد. وإني والذي نفسي بيده: لو أن فاطمة بنت محمد (٤) ﷺ سرقت لقطعت يدها، ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها.

стр. 395

رواه البخاري (١) . ومسلم (٢) وأبو داوود (٣) . والترمذي (٤) . والنسائي (٥) . وا بن ماجه (٦) . واللفظ لمسلم (٧) . روايته بلفظ (كانت تستعير المتاع وتجحده) : عن عائشة ﵂ قالت: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي ﷺ بقطع يدها- وذكر فيه نحو ما تقدم بالرواية قبله - وقطع النبي ﷺ يدها. رواه مسلم (٨) . وأبو داوود (٩) . والنسائي بروايات متعددة (١٠) وجعل روايته بلفظ (أنها كانت تستعير المتاع وتجحده) هي الأصل. وجعل روايته بلفظ (سرقت) من اختلاف الرواة الناقلين للحديث وأردف ذكرها بعد ذكر اللفظ الأول وهذا من تمام فقهه رحمه الله تعالى. وهذه من لطائف النسائي في (سننه) التي جرى عليها عند اختلاف النقلة في لفظ الحديث.

стр. 396

وإنما قدمت هنا الرواية بلفظ (سرقت) لرواية البخاري لها تقديماً له فحسب والله أعلم. الحديث بين النفاة والموجبين للقطع: ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن نفاة القطع لجاحد العارية وهم الجمهور، ناقشوا وروده بلفظ (كانت تستعير المتاع وتجحده) من حيث الرواية والدراية، ثم تعقب الإيرادين بالمناقشة والرد. وذلك على ما يلي: تعليل الجمهور لرواية (كانت تستعير المتاع وتجحده) : قال ابن القيم رحمه الله تعالى (١) : (وأعل بعض الناس الحديث بأن معمر (٢) تفرد من بين سائر الرواة بذكر (العارية) في الحديث. وأن الليث (٣) . ويونس (٤) . وأيوب بن موسى (٥) . رووه عن الزهري، وقالوا (سرقت) . ومعمر لا يقاومهم) . تعقب ابن القيم لهذا التعليل: قال رحمه الله تعالى (٦) :

стр. 397

(أما تعليله بما ذكر فباطل: فقد رواه: أبو مالك عمرو بن هشام الكوفي (١) ، عن عبيد الله بن عمر (٢) . عن نافع. عن ابن عمر (أن امرأة كانت تستعير الحلي للناس ثم تمسكه. فقال رسول الله ﷺ لتتب هذه المرأة إلى الله ورسوله. وترد ما تأخذ من القوم ثم قال رسول الله ﷺ : قم يا بلال فخذ بيدها فاقطعها. ذكره النسائي (٣) . ورواه: شعيب بن إسحاق (٤) . عن عبيد الله عن نافع بنحوه سواء، ذكره النسائي أيضاً (٥) . وقال فيه: لتتب هذه المرأة، ولتؤدي ما عندها مراراً. فلم تفعل فأمر فقطعت. ورواه سفيان عن أيوب بن موسى، عن الزهري. عن عروة. عن عائشة ﵂ قالت: كانت مخزومية تستعير متاعاً وتجحده. فرفعت إلى رسول الله ﷺ وكلم فيها: فقال: لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها. ذكره النسائي (٦) . ورواه بشر بن شعيب (٧) . أخبرني أبي (٨) . عن الزهري، عن عروة، عن عائشة

стр. 398

رضي الله عنها قالت: استعارت امرأة على ألسنة أناس يعرفون وهي لا تعرف- حلياً فباعته وأخذت ثمنه. فأتى بها رسول الله ﷺ فذكر الحديث- وقال في آخره: ثم قطع تلك المرأة. وذكره النسائي أيضاً (١) : ورواه هشام (٢) . عن قتادة (٣) عن سعيد بن يزيد (٤) ، عن سعيد بن المسيب: أن امرأة من بني مخزوم استعارت حلياً على لسان أناس فجحدته. فأمر بها النبي ﷺ فقطعت ذكره النسائي أيضاً (٥) . فقد صح الحديث ولله الحمد (٦)) . وقد تبين من تعقب ابن القيم أن تعليل الحديث بتفرد معمر به غير صحيح بل قد رواه) . جمع من الرواة ومن بينهم أيوب بن موسى أحد رواته عن الزهري بلفظ (سرقت) . وعليه فإن هذه الرواية بلفظ (العارية) قد كثرت مخارجها وعدلت نقلتها وتعدد رواتها فبطلت إذا علية الانفراد من معمر به وهذا ما حققه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى والله أعلم (٧) .

стр. 399

مناقشة الجمهور للحديث دراية: ثم ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى تعقب الجمهور لرواية (العارية) على فرض ثبوتها عندهم من أن السبب الموجب للقطع هو (السرقة) كما في بعض روايات الحديث وأن ذكر (العارية) إنما هو للتعريف المجرد بالمرأة لا أنه سبب القطع. وفي ذلك يقول عنهم ابن القيم (١) : (قالوا: ولو ثبت، فذكر وصف العارية إنما هو للتعريف المجرد لا لأنه سبب القطع) . تعقب ابن القيم لهذه المناقشة: لم يرتض ابن القيم هذا التأويل والحمل من الجمهور لهذا اللفظ (العارية) على فرض ثبوتها عندهم فتعقبها بقوله (٣) : (وأما قولهم: أن ذكر جحد العارية للتعريف، لا أنه المؤثر: فكلام في غاية الفساد لو صح مثله- وحاشا- وكلا- لذهب من أيدينا عامة الأحكام المترتبة على الأوصاف. وهذه طريقة لا يرتضيها أئمة العلم، ولا يردون بمثلها السنن، وإنما يسلكها بعض المقلدين من الأتباع) . وبين أن لفظ رواية النسائي (لتتب هذه المرأة، ولتؤدي ما عندها مراراً فلم تفعل. فأمر بها فقطعت) . يبطل قولهم: أن ذكر هذا الوصف للتعريف المجرد (٢) . وهذا تعقب وارد ذلك أن جعل ذكر جحد العارية للتعريف ينافي القاعدة

стр. 400

الشرعية الأصولية وهي: أن ترتيب الحكم على الوصف يؤذن بعلية ذلك الوصف) . ومن شأن العلة أنها إذا وجدت يوجد الحكم فمعنى ذلك أن الوصف كلما وجد يوجد الحكم وبهذا لا يضيع شيء من الحكم المترتب على الوصف. بخلاف ما إذا جعل ذكر الوصف لتعريف من اتصف به فإنه حينئذ لا يكون علة وبالتالي لا يستلزم وجوده وجود الحكم وبذلك تذهب عامة الأحكام المترتبة على الوصف وتضيع. فثبت إذا أن ذكر لفظ (العارية) للتعليل لا لمجرد الوصف والله أعلم. جمع ابن القيم بين ألفاظ الرواة للحديث: بعد أن بيّن ابن القيم أن رواية (العارَية) صحيحة الإسناد كرواية (السرقة) وأن تأويل الجمهور لرواية (العارية) لا يصح. بين أن الصحيح في سبب القطع هو: جحد العارية. وأنه لا تنافي بين الروايتين فقال (١) : (ولا تنافي بين ذكر جحد العارية وبين السرقة فإن ذلك داخل في اسم السرقة فإن هؤلاء الذين قالوا (إنها جحدت العارية) وذكروا أن قطعها لهذا السبب قالوا (إنها سرقت فأطلقوا على ذلك اسم السرقة. فثبت لغة أن فاعل ذلك سارق، وثبت شرعاً أن حده قطع اليد. وهذه الطريقة أولى من سلوك طريقة القياس في اللغة. فيثبت كون الخائن سارقاً لغة، قياساً على السارق. ثم يثبت الحكم فيه. وعلى ما ذكرناه يكون تناول اسم السارق للجاحد لغة. بدليل تسمية الصحابة له سارقاً ونظير هذا سواء: ما تقدم من تسمية نبيذ التمر وغيره خمرا: لغة لا

стр. 401

قياساً. وكذلك تسمية النباش سارقاً) . فابن القيم رحمه الله تعالى يبين بكل ثبات أنه لا تنافي بين الروايتين فإن المخزومية سرقت وسرقتها بجحدها العارية. إذ جحد العارية داخل في اسم السرقة لغة كما جرى على لسان الصحابة ﵃ في روايات الحديث وهذا أولى من قياس جاحد العارية ليتم إطلاق اسم السارق عليه إذ القياس في اللغة لا يجوز. وقد ذكر ابن حجر في (فتح الباري) (١) كلام ابن القيم هذا واستبعده فقال: (كذلك قال ولا يخفى بعده) . وليت ابن القيم رحمه الله تعالى ذكر لنا شواهد اللغة على تسمية (جاحد العارية) سارقاً والله أعلم. رفض قياس جاحد العارية على الخائن في الوديعة (٢) : ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن قياس جاحد العارية على جاحد الوديعة، بجامع الخيانة في كل منهما، فينتج الحكم أنه لا قطع على جاحد العارية كما أنه لا قطع على جاحد الوديعة- ذكر أنه قياس مع الفارق. ووجهه: أن جاحد العارية لا يمكن الاحتراز منه، بخلاف جاحد الوديعة فإن صاحب المتاع فرط حيث ائتمنه فهو إنما يفعل ذلك عند عدم احتراز المالك (٣) . لكن الحافظ ابن حجر (٤) تعقب ابن القيم في رفضه هذا القياس فقال: وهي مناسبة لا تقوم بمجردها حجة إذا ثبت حديث جابر ﵁ (ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع) .

стр. 402

والحديث قد ثبت بإسناد صحيح عند أبي داوود (١) . والترمذي (٢) . والنسائي (٣) وابن ماجه/١٧. واللفظ للنسائي دونهم (٥) . قطع جاحد العارية هو مقتضى القياس، وحكمة التشريع: بعد أن بين ابن القيم رحمه الله تعالى ثبوت الحديث برواية (العارية) وأن جاحد العارية يسمى (سارقاً) لغة، وأن قطع يد المخزومية إنما كان بسبب (جحد العارية) وأن من قاس جاحد العارية على جاحد الوديعة فقد غلط. بعد أن بين ذلك رحمه الله تعالى أوضح أن القول بالقطع هو مقتضى القياس الصريح وحكمة التشريع الكريم فقال: (ولو ثبت أن جاحد العارية لا يسمى سارقاً لكان قطعه بهذا الحديث جارياً على وفق القياس: فإن ضرره مثل ضرر السارق أو أكثر، إذ يمكن الاحتراز من السارق بالأحراز والحفظ وأما العارية: فالحاجة الشديدة لكي تبلغ الضرورة ماسة إليها، وحاجة الناس فيما بينهم من أشد الحاجات. ولهذا ذهب من ذهب من العلماء إلى (٦) وجوبها. وهو مذهب كثير من الصحابة والتابعين، وأحد القولين في مذهب أحمد.

стр. 403

فترتيب القطع على جاحدها طريق إلى حفظ أموال الناس، وترك لباب هذا المعروف مفتوحاً وأما إذا علم أن الجاحد لا يقطع فإنه يفضي إلى سد باب العارية في الغالب) . وفي معرض رده على نفاة القياس قال (١) : (إذا كان الصحيح هو القول الآخر- قطع جاحد العارية- فموافقته للقياس والحكمة والمصلحة ظاهرة جداً، فإن العارية من مصالح بني آدم التي لا بد لهم منها، ولا غنى لهم عنها، وهي واجبة عند حاجة المستعير وضرورته إليها إما بأجرة أو مجاناً، ولا يمكن المعير كل وقت أن يشهد على العارية، ولا يمكن الاحتراز بمنع العارية شرعاً وعادة وعرفاً، ولا فرق في المعنى بين من توصل إلى أخذ متاع غيره بالسرقة، وبين من توصل إليه بالعارية وجحدها) . وابن القيم في هذا القياس يذكر أركانه: فيذكر المقيس، وهو جاحد العارية. ويذكر المقيس عليه: وهو السارق. ويذكر العلة الجامعة: وهي الضرر. ويذكر الحكم: وهو القطع. ويقرر أنه قياس جلي ذلك: أن العلة وهي (الضرر) في المقيس وهو (جاحد العارية) أقوى منها في المقيس عليه، لعدم إمكان الاحتراز عن جاحد العارية بينما الاحتراز عن السارق يمكن بالحفظ والأحراز، فيكون المقيس بناء على هذا القياس أولى بالحكم.

стр. 404

تعقب هذا القياس: وعندي أن هذا القياس متعقب بأمور منها ما يلي: الوجه الأول: أن هذا قياس مع الفارق، ذلك أن الحرز غير متوفر في العارية إذ المعير قد سلط المستعير على ماله وجعله تحت يده، وهذا بخلاف السرقة من حرز فافترقا. الوجه الثاني: أن العلة ليست الضرر وإنما هي (السرقة) والحكم الشرعي وهو (القطع) مرتب على الوصف وهو (السارق والسارقة) . وهو اسم فاعل مشتق من المصدر الذي هو (السرقة) ، وترتيب الحكم على المشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق، وهذا المعنى غير متوفر في (جاحد العارية) . الوجه الثالث: اتفاق أهل اللسان على أن السرقة: هي من المسارقة وهي الاختفاء وهذا العنصر غير موجود في جاحد العارية. ومجرد الإطلاق للفظ (السرقة) على (جاحد العارية) لا يفيد الاجتماع معه في الحكم، فإن النبي ﷺ قال: العين تزني الحديث. ولم يكن زناها موجباً للحد. الوجه الرابع: أن في هذا إثباتاً للحد بالقياس، والحدود لا تثبت بالقياس (١) . الوجه الخامس: إمكان نقض هذا القياس بمقابله وهو أن يقال: يقاس جاحد العارية على: المنتهب، بعلة الضرر، فينتج الحكم بعدم القطع، وحينئذ يتعارض الدليلان، وعند التعارض يسقطان والله أعلم. هذا ما ظهر لي في تعقب هذا الدليل القياسي والله أعلم.

стр. 405

الخلاصة والترجيح: والخلاصة أن مذهب الجمهور منهم الأئمة الثلاثة وإحدى الروايتين عن أحمد أنه لا قطع. وإن الرواية المعتمدة من مذهب الحنابلة وهو مذهب الظاهرية وجوب القطع على جاحد العارية وهو اختيار ابن القيم رحمه الله تعالى، وعليه يدل حديث المخزومية والله أعلم. المبحث السادس الحد بالقرينة الظاهرة، وهي وجود المسروق في حوزة المتهم (١) . في معرض بحث ابن القيم: عن اعتبار القرائن وشواهد الأحوال الظاهرة والحكم بموجبها. ضرب لها المثال بإقامة الحد على المتهم بالسرقة إذا وجد المسروق عنده. وهو يقرر رحمه الله تعالى: اختياره على أن الأصح من قولي أهل العلم، أن وجود المسروق في حوزة المتهم يوجب القطع وإن الحكم بهذه القرينة أقوى من البينة والإقرار: لأنها خبران يتطرق إليهما الصدق والكذب فالمستفاد منهما الظن الغالب. أما وجود المسروق في حوزة المتهم فيستفاد منه اليقين. وفي ذلك يقول (١) : (ولم يزل الأئمة والخلفاء يحكمون بالقطع إذا وجد المال المسروق مع المتهم. وهذه القرينة أقوى من البينة والإقرار، فإنهما خبران يتطرق إليهما الصدق والكذب. ووجود المال معه نص صريح لا يتطرق إليه شبهة) . ويقول أيضاً (٣) :

стр. 406

(والصحيح أنه يقام الحد على المتهم بالسرقة إذا وجد المسروق عنده) . وقال أيضاً (١) : (إنه أصح القولين) . أدلة ابن القيم: استدل ابن القيم على ذلك بقصة إخوة يوسف ﵇ إلى قوله تعالى: (قالوا تا الله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين. قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين. قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين. فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه. ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف) الآيات (٢) . وجه الاستدلال: قال ابن القيم رحمه الله تعالى في بيانه منها (٣) . (فيها دليل على أن وجود المسروق بيد السارق كاف في إقامة الحد عليه. بل هو بمنزلة إقراره. وهو أقوى من البينة. وغاية البينة أن يستفاد منها الظن وأما وجود المسروق بيد السارق فيستفاد منه اليقين) . خلاف العلماء في هذه المسألة: الحديث عن الخلاف في خصوص هذه القضية فرع عن الحديث في الحكم بالقرينة الظاهرة هل يقضى فيها بكل شيء من حقوق الله أو حقوق العبد. أو تقبل فيما عدا الحدود. أو تقبل في حقوق العباد وفي بعض الحدود دون بعض وقد تقدم سياق الخلاف في هذه المسألة في (باب الزنا) .

стр. 407

وأما المالكية فينبغي أن يكون هذا هو مقتضى مذهبهم لأنهم يصرحون بالحد بالقرينة الظاهرة بالحبل في الزنا والرائحة في الخمر. لكن لم أر لهم تصريحاً في حد السارق بوجود المسروق في حوزته والله أعلم. موقفي في هذا المبحث: لم أزل متطلعاً إلى الوقوف على أقضية الصحابة ﵃ في ذلك كما أشار إليه ابن القيم، ولكن لم يتيسر الوقوف عليها ولم أر في هذه المسألة بحثا فسبيلي بها الوقف حتى يفتح الله وهو خير الفاتحين بالوقوف على قضايا السلف في هذا وكلام أهل العلم والله أعلم. المبحث السابع: في توبة السارق قال الله تعالى (١) (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم. فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه أن الله غفور رحيم. تكلم ابن القيم رحمه الله تعالى عن توبة السارق في صور ثلاث: الصورة الأولى: توبته قبل القدرة عليه. الصورة الثانية: توبته بعد القدرة عليه. الصورة الثالثة: توبته بعد إقامة الحد عليه. الصورة الأولى: توبته قبل القدرة عليه: تقدم الحديث مستوفى عن هذه الصورة في: مبحث توبة أصحاب الحدود قبل القدرة عليهم. وأن اختيار ابن القيم رحمه الله تعالى: سقوط الحد بالتوبة قبل القدرة عليه. والله أعلم.

стр. 408

الصورة الثانية: توبته بعد القدرة عليه: وكذا تقدم الحديث عن هذه الصورة (١) . من أن الحد لا يسقط بالتوبة بعد رفعه إلى الإمام. والله أعلم. الصورة الثالثة: توبته بعد إقامة حد القطع عليه. محل الخلاف في هذه الصورة هل من شرطها ضمان المسروق ورده لصاحبه أم لا؟ ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن في هذا: إجماعاً. واختلافاً. محل الإجماع: إذا كانت العين المسروقة موجودة بعينها فالإجماع على أن ردها لصاحبها شرط لصحة توبته وفي ذلك يقول (٢) : (وأجمعوا على أن من شرط صحة توبته: أداؤها إليه إذا كانت موجودة بعينها) . محل الاختلاف: اختلف أهل العلم إذا كانت العين المسروقة تالفة فهل من تمام التوبة ضمانها لمالكها أم لا. حكى ابن القيم رحمه الله تعالى ثلاثة أقوال على ما يلي: القول الأول: قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٣) : (قال الشافعي وأحمد: من تمام توبته: ضمانها لمالكها. ويلزمه ذلك موسراً كان أو معسراً) . أدلتهم: قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٤) :

стр. 409

(وأصحاب القول الأول يقولون: هذه العين تعلق بها حقان: حق لله. وحق لمالكها وهما حقان متغايران لمستحقين متباينين. فلا يبطل أحدهما الآخر بل يستوفيان معاً. لأن القطع حق لله. والضمان حق للمالك. ولهذا لا يسقط القطع بإسقاطه بعد الرفع إلى الإمام. ولو أسقط الضمان سقط. وهذا كما إذا أكره أمة غيره على الزنا لزمه الحد لحق الله. والمهر لحق السيد. وكذلك إذا أكره الحرة على الزنا أيضاً. بل لو زنا بأمة ثم قتلها: لزمه حد الزنا وقيمتها لمالكها. وهو نظير ما إذا سرقها، ثم قتلها: قطعت يده لسرقتها، وضمنها لمالكها. قالوا وكذلك: إذا قتل في الإحرام صيداً مملوكاً لمالكه. فعليه الجزاء لحق الله وقيمة الصيد لمالكه) . وهذه الاستدلال: هو من حيث المعنى الموجود في السرقة بترتب الحقين حق الله وحق العبد فلا يبطل أحدهما الآخر. وذلك مطرد في جملة من أحكام الشريعة كما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى للتنظير. القول الثاني: قال ابن القيم رحمه الله تعالى (١) : (وقال أبو حنيفة: إذا قطعت يده- وقد استهلكت العين- لم يلزمه ضمانها. ولا تتوقف صحة توبته على الضمان) . أدلته: ذ! ابن القيم رحمه الله تعالى عدة أدلة هي كما يلي: ١- (إن قطع اليد هو مجموع الجزاء، والتضمين عقوبة زائدة عليه لا تشرع.

стр. 410

وهذا بخلاف ما إذا كانت العين قائمة: فإن صاحبها قد وجد عين ماله. فلم يكن أخذها عقوبة ثانية. بخلاف التضمين. فإنه غرامة. وقد قطع طرفه فلا تجمع عليه غرامة الطرف وغرامة المال) (١) . مناقشة الجمهور لهذا الدليل: ثم ذكر رحمه الله تعالى مناقشة هذا الدليل فقال (٢) : (وأما قولكم إن قطع اليد مجموع الجزاء. إن أردتم. أنه مجموع العقوبة فصحيح. فإنه لم يبق عليه عقوبة ثانية. ولكن الضمان ليس بعقوبة للسرقة. ولهذا يجب في حق غير الجاني: كمن أتلف مال غيره خطأ أو إكراهاً. أو في حالة نومه. أو أتلفه إتلافاً مأذوناً له فيه كالمضطر إلى أكله. أو المضطر إلى إلقائه في البحر لإنجاء السفينة. ونحو ذلك. فليس الضمان من العقوبة في شيء) . وهذا تعقب وارد فإن: مجموع الجزاء العقابي للسارق هو القطع. والقول بتضمينه لا دخل له في العقوبة لهذا فإن سقوط الحد لا يسقط الضمان لتفاوت الحقين بتفاوت جهتهما الأول حق الله والثاني حق العبد والله أعلم. ٢- استدلالهم من الكتاب: ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى دليل الحنفية من القرآن الكريم فقال (٣) : (قالوا: ولهذا لم يذكر الله سبحانه في عقوبة السارق والمحارب غير إقامة الحد عليهما ولو كان الضمان لما أتلفوه واجباً لذكره مع الحد. ولما جعل مجموع جزاء المحاربين ما ذكره من العقوبة بأداة (إنما) التي هي عندكم للحصر، فقال تعالى (٤) (إنما جزاء

стр. 411

الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً) الآية. ومدلول هذا الكلام، عند من يجعل أداة (إنما) للحصر. أنه لا جزاء لهم غير ذلك) . أي وهذا استدلال من القرآن على أنه لا ضمان. مناقشة الجمهور لهذا الاستدلال:. ثم ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى مناقشة الجمهور لهذا فقال (١) : (وأما قولكم (إن الله لم يذكر في القرآن تضمين السارق والمحارب) فهو لم ينفه أيضاً. وإنما سكت عنه فحكمه مأخوذ من قواعد الشرع ونصوصه كقوله تعالى (٢) (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) . وهذا قد اعتدى بالإتلاف فيعتدى عليه بالتضمين ولهذا: أوجبنا رد العين إذا كانت قائمة. ولم يذكر في القرآن. وليس هذا من باب الزيادة على النص. بل من باب إعمال النصوص كلها. لا يعطل بعضها ويعمل بعضها. وكذلك الجواب عن قوله تعالى في المحاربين (٣) ((إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله) أي عقوبتهم. وخلاصة هذه المناقشة: أن الذي ذكره الله في آيتي السرقة والحرابة هو: الجزاء العقابي أي بمعنى العقوبة المقدرة للجريمة. أما قضية التضمين فشيء آخر لا دخل له في العقوبة. وليس في النص ما ينفيه: إذا فيجب التضمين لدلالة الدليل عليه (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) . والله أعلم.

стр. 412

٣- استدلال الحنفية من السنة: (قالوا: وقد روى النسائي في سننه (١) عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ عن النبي ﷺ : أنه قضى في السارق إذا أقيم عليه الحد. أنه لا غرم عليه) (٢) . مناقشة الجمهور لهذا الدليل: (قالوا: وأما حديث عبد الرحمن بن عوف: فمنقطع لا يثبت. يرويه سعد ابن إبراهيم. عن منصور. وقد طعن في الحديث ابن المنذر، فقال: سعد ابن إبراهيم مجهول. وقال ابن عبد البر: الحديث ليس بالقوي) (٣) . هذا ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى في تعقب هذا الحديث ومناقشته. ولي موقف في هذه المناقشة يتجلى في نقطتين هما: تعقب هذه المناقشة. وبيان منزلة هذا الحديث. تعقب هذه المناقشة: وهو من وجهين: أولاً: في قوله (يرويه سعد ابن إبراهيم عن منصور) . هذا تحريف صوابه (سعد بن إبراهيم عن (المسور) . كما في سياق سنده عند مخرجيه (النسائي) (٤) و (الدارقطني) (٥) ونص على ذلك ابن حجر (٦) .

стр. 413

الثاني: قوله (وقد طعن في الحديث ابن المنذر فقال: سعد ابن إبراهيم: مجهول) . هذا غير صحيح من ابن المنذر فإن سعداً هذا هو: سعد ابن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف المتوفى سنة ١٢٥ هـ. وكان ثقة فاضلاً عابداً كما في (التقريب) لابن حجر (١) . وأن سعداً هذا يرويه عن أخيه (المسور بن إبراهيم ابن عبد الرحمن ابن عوف المتوفى سنة ١٠٧ هـ. وقد وقع منسوباً في روايتي (الدارقطني) و (الجوزجاني) (٢) بإسنادهما (عن سعد ابن إبراهيم عن أخيه المسور) كما نبه عليه الحافظ بن حجر في (التهذيب) (٣) . إذاً: فرد الحديث بجهالة سعد لا يصح والله أعلم. بيان منزلة هذا الحديث: وإذ قد علمنا عدم سلامة هذه المناقشة فما هي منزلة هذا الحديث؟ لقد تبين لي أن هذا حديث لا تقوم به حجة كما ذكره ابن القيم ذلك لما يلي: أ- أن راويه النسائي قال بعد سياقه (٤) : . (قال أبو عبد الرحمن- يعني نفسه -: وهذا مرسل، وليس بثابت) . ويريد بالإرسال الانقطاع الحاصل بين المسور ابن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف وجده عبد الرحمن بن عوف ﵁ فإن المسور لم يدرك جده عبد الرحمن بن

стр. 414

عوف ﵁ فإن عبد الرحمن بن عوف ﵁ مات سنة ٣٢ هـ. وحفيده المسور مات سنة ١٠٧ هـ. كما ذكره الحافظ ابن حجر (١) . فتحقق إذا انقطاع الحديث بهذا السند. ب- كما أن المسور هذا انفرد برواية هذا الحديث عن جده عبد الرحمن ابن عوف وبينهما مفازة فهو أيضاً كما قال الحافظ بن حجر مقبول الحديث (٢) . ومن كان كذلك فيقبل حديثه حيث توبع وإلا فلا. وهو في الحديث لم يتابع عليه. وقد وهم من ظن متابعة المسور بن مخرمة الصحابي المتوفى سنة ٦٤ (٣) . وقد نبه على ذلك الوهم الحافظ بن حجر إذ قال (٤) (إن الحديث جاء منسوبا في رواية الدارقطني. والجوزجاني فإنهما أخرجاه من طريق عن مفضل بن صالح عن يونس عن سعد ابن إبراهيم عن أخيه المسور به وقال: المسور لم يدرك عبد الرحمن) (٥) . ٤- استدلال الحنفية: بجريان العمل بهذا: (قالوا: وهذا هو المستقر في فطر الناس وعليه عملهم: أنهم يقطعون السراق، ولا يغرمونهم ما أتلفوه من أموال الناس، وما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن) . مناقشة الجمهور لهذا الدليل: قال ابن القيم رحمه الله تعالى في بيان هذه المناقشة (٦) : (وأما استقرار ذلك في فطر الناس: فمن قال؟ إنه مستقر في فطرهم، أن الغني الواجد إذا سرق مال فقير

стр. 415

محتاج، أو يتيم فأتلفه، وقطعت يده: أنه لا يضمن مال هذا الفقير واليتيم، مع تمكنه من الضمان، وقدرته عليه، وضرورة صعبه وضعفه. فهل المستقر في فطر الناس إلا عكس هذا؟) القول الثالث: المتوسط بين القولين. وهو أنه إن كان له مال ضمنها وإلا فلا وهذا مذهب فقهاء المدينة مالك وغيره. وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: وتوسط فقهاء المدينة- مالك وغيره- بين القولين. فقالوا: إن كان له مال ضمنها بعد القطع. وإن لم يكن له مال فلا ضمان عليه. وهذا استحسان حسن جداً. وما أقربه من محاسن الشرع. وأولاه بالقبول والله أعلم) . هذا هو نهاية المطاف في هذه المسألة عند ابن القيم رحمه الله تعالى ومنه يظهر ترجيحه لرأي مالك رحمه الله تعالى واختياره له والله أعلم. الخلاصة والترجيح: بعد الوقوف على هذه الأقوال وبيان مناهج الأدلة التي استدل بها الحنفية ومناقشة الجمهور لهم وبيان استدلال الجمهور. والإلماع إلى رأي المالكية ووجهته: فإن الذي ظهر لي والله أعلم هو: أن رأي الحنفية لم تثبت أدلته المذكورة أمام النقد والتعقب. وأن رأي المالكية المختار لدى ابن القيم هو مجرد استحسان فأين الدليل؟. إذ الاستحسان هو (الحكم على مسألة بحكم يخالف نظائرها لدليل شرعي) (١) . ولم

стр. 416

يذكروا لنا دليلاً شرعياً يقضي بهذا الاستحسان. وعليه فإن الذي يظهر لي والله أعلم هو رأي الجمهور: لقوة أدلته وسلامتها. وهو أن من تمام توبة السارق ضمان المسروق لربه إذا كان تالفاً. فإن كان قادراً تعين دفعه وإن كان غير قادر فقد قال الله تعالى في حق غير القادرين (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) (١) . ولم يسقط عنهم ما ترتب في ذممهم من حقوق فكذلك ههنا وقد قال ﷺ (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) رواه أبو داوود (٢) . والترمذي (٣) . وابن ماجه. والله أعلم.

стр. 417

باب الردة

стр. 418

توطئة تعريف (الردّة) و (المرتد) في اللسانين اللغة والشرع. التعريف اللغوي: (الردّة) و (المرتد) من مادة، رده، يرده. والمصدر منه: رداً، وترداداً وارتداداً وردة، فهو مرتد (١) . إذاً (الردة) مصدر. والاسم منه (مرتد) . أصل معنى هذه المادة: وأصل معنى المادة: الرّاء والدّال: يعود إلى أصل واحد مطرد منقاس وهو: (رجع الشيء) كما في (معجم مقاييس اللغة) لابن فارس (٢) . فمعنى (الردّة) لغة إذاً هو: الرجوع. ومعنى (المرتد) لغة هو: الراجع.

стр. 419

وقرر غير واحد من أهل اللغة على: أن الردّة لغة الرجوع عن الإسلام إلى الكفر وأن المرتد لغة: الراجع من الإسلام إلى الكفر (١) . بل ذكر الراغب اختصاص معنى (الردّة) بذلك. دون معنى (الارتداد) فقال (٢) : (الارتداد والردّة: الرجوع في الطريق الذي جاء منه. لكن الردّة تخص بالكفر والارتداد يستعمل فيه وفي غيره) . والخلاصة: أن (الردّة) مصدر وهي لغة: الرجوع عن دين الإسلام إلى الكفر. وأن الاسم منه (المرتد) وهو لغة: الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر. والله أعلم. المرتد شرعاً: الناظر لكلمة أهل الاصطلاح في معنى (المرتد) شرعاً: يجد التواطؤ التام بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي. فالمرتد شرعاً: الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر (٣) الردّة شرعاً: أما تعريف الردّة شرعاً، فهو وإن اختلفت كلمة أهل الاصطلاح فيه، فهو اختلاف مذهبي يعود إلى موجبات الردّة عند صاحب المذهب لكنها تؤول إلى معنى واحد هو:

стр. 420

(الإتيان بما يوجب الرجوع عن دين الإسلام إلى الكفر) . ومن تعريفات المذاهب المشهورة للردّة ما يلي: الحنفية: قال السمرقندي (١) : (الردّة عبارة عن الرّجوع عن الإيمان) . المالكية: قال خليل (٣) : (الردّة: كفر المسلم بصريح أو لفظ يقتضيه أو فعل يتضمنه) . الشافعية: قال النووي (٣) : (الردّة: قطع الإسلام بنية أو قول أو فعل) . الحنابلة: قال ابن قدامة (٤) : (الردّة: هي الإتيان بما يخرج به عن الإسلام إما نطقاً أو اعتقاداً أو شكاً ينقل عن الإسلام) . هذه تعريفات فقهاء المذاهب المشهور لمعنى (الردّة) شرعاً وهي تتفق في الغاية

стр. 421

وهي: كفر من أتى ما يوجب رجوعه وردته عن دين الإسلام وتختلف من حيث الشمول لما يتصور وقوعه من المكلف، من قول أو فعل أو اعتقاد أو شك. فتعريف المالكية: أتى على القول والفعل دون الاعتقاد والشك. وتعريف الشافعية: اشتمل على القول. والفعل. والاعتقاد. دون الشك. وتعريف الحنابلة: اشتمل على القول. والاعتقاد. والشك. دون الفعل. وأما تعريف الحنفية: بقولهم (الردّة الرجوع عن الإيمان) . فينقصه الوضوح والبيان لموجبات الردّة الجامعة من قول أو فعل ونحو ذلك. والتعاريف مبناها على الوضوح والبيان لا على الغموض والإبهام. وإن كان التعريف بعمومه الذي يتضمنه لفظ (الرجوع) يشمل كل موجبات الردَّة، ويكون التعريف بذلك جامعاً لجميع أفراد الردّة. لكن ينبني أن يكون التعريف جامعاً واضحاً. لهذا فإن التعريف الذي أراه مانعاً جامعاً واضحاً هو أن يقال: (الردّة: هي الإتيان بما يوجب الرجوع عن دين الإسلام من قول أو فعل أو اعتقاد أو شك) .

стр. 422

مباحِث ابن القيم ﵀ في الردَّة حصل بالتتبع أن مباحثه فيها كالآتي: المبحث الأول: في ردّة من سبّ النبي ﷺ . المبحث الثاني: في ردّة قاذف أم المؤمنين عائشة ﵂. المبحث الثالث: يا الهازل وردّته. المبحث الرابع: أثر الإكراه في انتفاء الردّة. المبحث الخامس: في توبة الزنديق. والى بيانها على هذا الترتيب.

стр. 423

المبحث الأول: في ردة من سبّ النبي ﷺ (١) من قواطع الأحكام في الإسلام أن من سبّ النبي ﷺ فهو كافر مرتد، وعقوبته القتل. وقد حكى ابن القيم (٢) رحمه الله تعالى إجماع المسلمين من الصحابة ﵃ فمن بعدهم. وهذا إجماع محكي لدى عامة أهل العلم وممن حكاه: الخطابي (٣) وابن تيمية (٤) بل قرر ابن سحنون من علماء المالكية: أن من شك في كفر ساب النبي ﷺ وعذابه فهو كافر (٦) . والحكم بردّة ساب النبي ﷺ أمر فطري لأنه لا يسبه إلا وهو جاحد له، وقد ذكر الله تعالى كفر المستهزئ وهو دون الساب فقال سبحانه (٧) (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون، لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) . الآية والله أعلم.

стр. 424

المبحث الثاني: في ردّة قاذف أم المؤمنين عائشة ﵂ ؟ من مواطن الإجماع أن من قذف عائشة ﵂ فهو كافر عقوبته القتل، وفي حكاية الإجماع على كفره يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (١) : (اتفقت الأمة على كفر قاذف أم المؤمنين عائشة ﵂ . وقد حكى هذا الإجماع ابن حزم (٢) ، وابن تيمية (٣) والبهوتي (٤) وغيرهم. الحجة في هذا: والحجة في هذا أن براءتها قد نزلت في كتاب الله تعالى فيكون قادفها مكذباً لنص كتاب الله تعالى كما في آيات براءتها في قصة الإفك إذ قال سبحانه (٥) (يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين) . عقوبته: وأما عقوبته فهو القتل، لأن من رماها بالقذف فقد خالف صريح القرآن الكريم ومخالفته والحالة هذه كفر، فعقوبته القتل كما قرره مالك وغيره (٦) والله أعلم.

стр. 425

المبحث الثالث: في الهازل وردته، تعريف ابن القيم للهازل: قال رحمه الله تعالى في تعريفه (للهازل) (١) . (الهازل: هو الذي يتكلم بالكلام من غير قصد لموجبه وحقيقته بل على وجه اللعب) . ونقيضه الجاد: فاعل من الجدّ بكسر الجيم وهو نقيض الهزل، وهو مأخوذ من (جد فلان) . إذا عظم واستغنى وصار ذا حظ. والهزل: من هزل إذا ضعف وضؤل. نزل الكلام الذي يراد معناه حقيقته بمنزلة صاحب الحظ والبخت والغني. والذي لم يرد معناه وحقيقته: بمنزلة الخالي منِ ذلك. إذ قوام الكلام بمعناه، وقوام الرجل بحظه وماله. وابن القيم في هذا التعريف يأتي على معناه الاصطلاحي بقوله: (الهازل: هو الذي يتكلم بالكلام من غير قصد لموجبه وحقيقته بل على وجه اللعب) . ولم يذكر رحمه الله تعالى (مخالفة الهازل للمعنى المجازى) لأنه رحمه الله تعالى
следующие страницы →