← Адаб

Адаб · id 10501

البخلاء للجاحظ

الجاحظ

Полный текст (304 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وينقلع الجص، وينكسر العتب. مع إنثناء الأجذاع لكثرة الوطء، وتكسّرها لفرط الثقل. وإذا كثر الدخول والخروج والإغلاق والإقفال وجذب الأقفال، تهشمت الأبواب وتقلعت الرزّات «١» وإذا كثر الصبيان، وتضاعف البوش «٢» نزعت مسامير الأبواب، وقلعت كل ضبّة «٣» ، ونزعت كل رزّة، وكسرت كل حوزة «٤» ، حفر فيها آبار الزدو «٥» ، وهشّموا بلاطها بالمداحي «٦» . هذا مع تخريب الحيطان بالأوتاد وخشب الرفوف. وإذا كثر العيال والزوّار، والضيفان والندماء، احتيج من صب الماء واتخاذ الحببة «٧» القاطرة، والجرار الرّاشحة، إلى أضعاف ما كانوا عليه. فكم من حائط قد تأكل أسفله، وتناثر أعلاه، واسترخى أساسه، وتداعى بنيانه، من قطر حب ورشح جرة، ومن فضل ماء البئر، ومن سوء التدبير. وعلى قدر كثرتهم يحتاجون من الخبيز والطبيخ ومن الوقود والتسخين. والنار لا تبقي ولا تذر. وإنما الدور حطب لها. وكل شيء فيها من متاع فهو أكل لها. فكم من حريق قد أتى على أصل الغلة، فكلفتم أهلها أغلظ النفقة. وربما كان ذلك عند غاية العسرة، وشدة الحال. وربما تعدت تلك الجناية الى دور الجيران، والى مجاورة الأبدان والأموال. فلو ترك الناس حينئذ رب الدار وقدر بليّته ومقادر مصيبته، لكان عسى ذلك أن يكون محتملا. ولكنهم يتشاءمون به، ولا يزالون يستثقلون ذكره، ويكثرون من لائمته وتعنيفه.

стр. 107

نعم ثم يتخذون المطابخ في العلالي على ظهور السطوح، وإن كان في أرض الدار فضل وفي صحنها متسع مع ما في ذلك من الخطار بالأنفس «١» ، والتغرير بالأموال، وتعرض الحرم ليلة الحريق لأهل الفساد، وهجومهم مع ذلك على سر مكتوم، وخبيء مستور. من ضيف مستخفّ، ورب دار متوار، ومن شراب مكروه، ومن كتاب متهم، ومن مال جم أريد دفنه، فأعجل الحريق أهله عن ذلك فيه، ومن حالات كثيرة، وأمور لا يحب الناس أن يعرفوا بها ثم لا ينصبّون التنانير «٢» ، ولا يمكنّون للقدور، إلا على متن السطح، حيث ليس بينها وبين القصب والخشب إلا الطين الرقيق والشيء لا يقي. هذا مع خفّة المؤونة في إحكامها وأمن القلوب من المتالف بسببها. فإن كنتم تقدمون على ذلك منا ومنكم وأنتم ذاكرون، فهذا عجب. وإن كنتم لم تحفلوا بما عليكم في أموالنا، ونسيتم ما عليكم في أموالكم، فهذا أعجب. ثم إن كثيرا منكم يدافع بالكراء، ويماطل بالأداء. حتى إذا اجتمعت أشهر عليه، فرّ وخلّى أربابها جياعا، يتندّمون على ما كان من حسن تقاضيهم وإحسانهم. فكان جزاؤهم وشكرهم اقتطاع حقوقهم، والذهاب بأقواتهم. ويسكنها الساكن حين يسكنها، وقد كسحناها ونظفّناها، لتحسن في عين المستأجر، وليرغب فيها الناظر. فإذا خرج، ترك فيها مزبلة وخرابا، لا تصلحه إلا النفقة الموجعة، ثم لا يدع مترسا «٣» إلا سرقه، ولا سلّما إلا حمله، ولا نقضا إلا أخذه، ولا برادة إلا مضى بها معه، ويدع دقّ الثوب، والدقّ في الهاون والمنحاز «٤» ، في

стр. 108

أرض الدار. ويدّق على الأجذاع والحواضن والرواشن «١» ، وإن كانت الدار مقرمدة أو بالاجرّ مفروشة، وقد كان صاحبها جعل في ناحية منها صخرة، ليكون الدّق عليها، ولتكون واقية دونها. دعاهم التهاون، والقسوة، والغش، والفسولة، إلى أن يدقوا حيث جلسوا، وإلى ألا يحفلوا بما أفسدوا. لم يعط قط لذلك أرشا «٢» ، ولا استحلّ صاحب الدار، ولا استغفر الله منه في السّر. ثم يستكثر من نفسه، في السنة، إخراج عشرة دراهم، ولا يستكثر من رب الدار ألف دينار في الشهر. أيذكر ما يصير إلينا مع قلته، ولا يذكر ما يصير إليه مع كثرته؟ هذا والأيام التي تنقض المبرم، وتبلى الجدّة، وتفرّق الجميع المجتمع، عاملة في الدور كما تعمل في الصخور، وتأخذ من المنازل كما تأخذ من كلّ رطب ويابس، كما تجعل الرطب يابسا، واليابس هشيما، والهشيم «٣» مضمجلا. ولانهدام المنازل غاية قريبة، ومدة قصيرة. والساكن فيها هو المتمتع بها «٤» ، والمنتفع بمرافقها. وهو الذي أبلى جدّتها وذهب بحلاها، وبه هرمت وذهب عمرها، لسوء تدبيره. فإذا قسنا الغرم عند انهدامها بإعادتها، وبعد إبتدائها، وغرم ما بين ذلك من مرمّتها وإصلاحها، ثم قابلنا بذلك ما أخذنا من غلّاتها، وارتفقنا به من إكرائها، خرج على المسكن من الخسران، بقدر ما حصل للساكن من الربح. إلا أن الدراهم التي أخرجناها من النفقة، كانت جملة، والتي أخذناها على جهة الغلة جاءت مقطعة. وهذا مع سوء القضاء، والأحوج

стр. 109

الى طول الاقتضاء، ومع بعض الساكن للمسكن، وحبّ المسكن للساكن. لأن السكن يحب صحة بدن الساكن، ونفاق سوقه إن كان تاجرا، وتحرّك صناعته إن كان صانعا. ومحبة الساكن أن يشغل الله عنه المسكن كيف شاء. إن شاء شغله بعينه، وإن شاء بزمانه، وإن شاء بحبس، وإن شاء بموت، ومدار مناه أن يشغل عنه. ثم لا يبالي كيف كان ذلك الشغل، إلا أنه كلما كان أشدّ كان أحبّ اليه، وكان أجدر أن يأمن، وأخلق لأن يسكن. وعلى أنه إن فترت سوقه أو كسدت صناعته، ألحّ في طلب التخفيف من أصل الغلة، والحطيطة مما حصل عليه من الأجرة «١» . وعلى أنه إن أتاه الله بالأرباح في تجارته، والنفاق في صناعته، لم ير أن يزيد قيراطا في ضريبته، ولا أن يعجّل فلسا قبل وقته. ثم أن كانت الغلة صحاحا «٢» دفع أكثرها مقطعة، وإن كانت أنصافا وأرباعا دفعها قراضة مفتتة «٣» . ثم لا يدع مزبّقا «٤» ولا مكحلا ولا زائفا ولا دينارا بهرجا «٥» ، إلا دسّه فيه ودلّسه «٦» عليه، واحتال بكل حيلة، وتأتّى له بكل سبب. فإن ردّوا عليه بعد ذلك شيئا، حلف بالغموس أنه ليس من دراهمه ولا من ماله، ولا رآه قط ولا كان في ملكه. فان كان الرسول جارية ربّ الدار أفسدها وربما أحبلها، وإن كان غلاما خدعه وربما شطر به. هذا مع التشرّف على الجيران والتعرّض للجارات، ومع اصطياد طيورهم وتعريضنا لشاكيتهم. وربما استضعف عقولهم بالشهوات، ويفتح لهم أبوابا من النفقات، ليعيبهم ويربح

стр. 110

عليهم. حتى إذا استوثق منهم «١» ، أعجلهم وحزق «٢» بهم، حتى يتقوه ببيع بعض الدار، أو باسترهان الجميع، ليربح، مع الذهاب بالأصل، السلامة، مع طول مقامه، من الكراء. وربما جعله بيعا في الظاهر، ورهنا في الباطن، فحينئذ يقتضيهم دون المهلة، ويدّعيها قبل الوقت. وربما بلغ من استضعافه واستثقاله لأداء الكراء، أن يدّعي أن له شقيصا «٣» وأن له يدا ليصير خصما من الخصوم، ومنازعا غير غاصب. وربما أخذهم ومعه امرأة يفجر بها، فيجعل استئجار البيوت وتصفّح المنازل، علة لدخولها والمقام ساعة فيها. فإذا استقر في المنزل، قضى حاجته منها، وردّ المفتاح. وربما اكترى المنزل وفيه مرمّة، فاشترى بعض ما يصلحها، ثم يتوخّى عاملا جيد الكسوة، وجيرانا أصحاب آنية وآلة، فإذا شغل العامل وغفل، اشتمل على كل ما قدر عليه، وتركهم يتسكعون. وربما استأجر الى جنب سجن لينقب أهله اليه، وإلى جنب صرّاف لينقب عليه، طلبا لطول المهلة والستر، ولطول المدة والأمن. وربما جنى الساكن ما يدعو إلى هدم دار المسكن، بأن يقتل قتيلا أو يجرح شريفا، فيأتي السلطان الدار (وأربابها إما غيّب وإما أيتام وإما ضعفاء) فلا يصنع دون أن يسوّيها بالأرض. وبعد فالدّور ملقاة «٤» ، وأربابها منكوبون وملقّون. وهم أشد الناس اغترارا بالناس، وأبعدهم غاية من سلامة الصدور. وذلك أن من دفع داره ونقضها وساجها «٥» وأبوابها، مع حديدها وذهب سقوفها الى مجهول

стр. 111

لا يعرف، فقد وضعها في مواضع الغرر «١» وعلى أعظم الخطر. وقد صار في معنى المودع، وصار المكتري في موضع المودع. ثم ليست الخيانة وسوء الولاية الى شيء من الودائع أسرع منها الدور. وأيضا أن أصلح السكان حالا من إذا وجد في الدار مرمّة ففوّضوا إليه النفقة وأن يكون ذلك محسوبا عند الأهلّة، الذي يشفّف في البناء «٢» ويزيد في الحساب. فما ظنك بقوم هؤلاء أصلحهم وهم خيارهم. وأنتم أيضا ربما أكريتم «٣» مستغلات غيركم، بأكثر مما أكتريتموها منه. فسيروا فينا كسيرتكم فيهم، وأعطونا من أنفسكم مثل ما تريدونه منهم. وربما بنيتم في الأرض، فإذا صار البناء بنيانكم (وإن كانت الأرض لغيركم) ادّعيتم الشركة، وجعلتموه كالإجارة، وحتى تصيّروه كتلاد مال أو مورّث سلف. وجرم آخر، هو أنكم أهلكتم أصول أموالنا، وأخربتم غلاتنا، وحططتم بسوء معاملتكم أثمان دورنا ومستغلاتنا، حتى غلات الدور من أعين المياسير «٤» وأهل الثروة، ومن أعين العوّام والحشوة، وحتى تدافعوكم بكل حيلة، وصرّفوا أموالهم في كل وجه، وحتى قال عبيد الله بن الحسن «٥» قولا أرسله مثلا، وعاد علينا حجة وضررا. وذلك أنه قال: «غلة الدار مسكة وغلة النخل كفاف «٦» ، وإنما الغلة غلة الزرع والنّسولتين «٧» » . وإنما جرّ ذلك علينا حسن اقتضائنا، وصبرنا على سوء قضائكم. وأنتم تقطعونها علينا وهي عليكم مجملة، وتلووننا بها وهي عليكم حالّة. فصارت كذلك غلّات الدور (وإن كانت أكثر ثمنا

стр. 112

ودخلا) ، أقل يمنا وأخبث أصلا، من سائر الغلّات. فأنتم شرّ علينا من الهند والروم ومن الترك والديلم «١» ، إذ كنتم أحضر أذى وأدوم شرا. ثم كانت هذه صفتكم وحليتكم ومعاملتكم في شيء لا بد لكم منه، فكيف كنتم لو امتحنتم بما لكم عنه مندوحة والوجوه لكم فيه معرضة، وأنتم فيه بالخيار وليس عليكم طريق للإضطرار؟ وهذا مع قولكم: إن نزول دور الكراء أصوب من نزل دور الشراء. وقلتم: لأن صاحب الشراء قد أغلق رهنه، وأشرط نفسه، وصار بها ممتحنا، وبثمنها مرتهنا. ومن اتخذ دارا، فقد أقام كفيلا لا يخفر، وزعيما لا يغرم. وإن غاب عنها حنّ إليها، وإن أقام فيها ألزمته المؤن وعرّضته للفتن: إن أساءوا جواره، وأنكر مكانه، وبعد مصلّاه، ونأت «٢» عنه سوقه، وتفاوتت حوائجه، ورأى أنه قد أخطأ في اختيارها على سواها، وأنه لم يوفق لرشده حين آثرها على غيرها. وأن من كان كذلك، فهو عبد داره، وخول جاره. وإن صاحب الكراء «٣» الخيار في يده والأمر إليه؛ فكل دار هي له متنزّه إن شاء، ومتجر إن شاء، ومسكن إن شاء. لم يحتمل فيها اليسير من الذل، ولا القليل من الضيّم «٤» ؛ ولا يعرف الهوان، ولا يسام الخسف «٥» ، ولا يحترس من الحسّاد، ولا يداري المتعللّين. وصاحب الشراء يجرّع المرار، وبيسقى بكأس الغيظ، ويكد بطلب الحوائج، ويحتمل الذلة وإن كان ذا أنفة. إن عفا عفا على كظم «٦» ، ولا يوجه ذلك منه إلا الى العجز، وإن رام «٧» المكافأة

стр. 113

تعرض لأكثر مما أنكره. قال رسول الله، ﷺ : «الجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق» . وزعمتم أن تسقّط الكراء أهون، إذا كان شيئا بعد شيء. وإن الشدائد إذا وقعت جملة، جاءت غامرة للقوة فأما إذا تقطّع وتفرّق، فليس يكترث لها إلا من تفقّدها وتذكّرها. ومال الشراء يخرج جملة، وثلمته «١» في المال واسعة، وطعنته نافذة. وليس كل خرق يرقع، ولا كل خارج يرجع. وأنه قد أمن من الحرق والغرق وميل أسطوان «٢» وانقصاف سهم واسترخاء أساس وسقوط سترة وسوء جوار وحسد مشاكل، وأنه أما لا يزال في بلاء، وإما أن يكون متوقعا لبلاء. وقلتم: إن كان تاجرا فتصريف ثمن الدار في وجوه التجارات أربح، وتحويله في أصناف البياعات أكيس «٣» . وإن لم يكن تاجرا، ففي ما وصفناه له ناه، وفيما عددنا له زاجر «٤» . فلم تمنعكم حرمة المساكنة وحقّ المجاورة والحاجة الى السكنى وموافقة المنزل، إن أشرتم على الناس بترك الشراء. وفي كساد الدور فساد لأثمان الدور، وجرأة للمستأجر، واستحطاط «٥» من الغلة، وخسران في أصل الماء. وزعمتم أنكم قد أحسنتم الينا حين حثثتم الناس على الكراء، لما في ذلك من الرخاء والنماء. فأنتم لم تريدوا نفعنا بترغيبهم في الكراء، بل إنما أردتم أن تضرّونا بتزهيدكم في الشراء. وليس ينبغي أن يحكم عن كل قوم إلا بسبيلهم، وبالذي يغلب عليهم من أعمالهم. فهذه الخصال المذمومة كلها فيكم، وكلها حجة عليكم، وكلها

стр. 114

داعية الى تهمتكم وأخذ الحذر منكم. وليست لكم خصلة محمودة، ولا خلّة فيما بيننا وبينكم، مرضيّة. وقد أريناكم أنّ حكم النازلين كحكم المقيمين، وأن كل زيادة فلها نصيب من الغلّة. ولو تغافلت لك يا أخا أهل البصرة عن زيادة رجلين، لم أبعدك على قدر ما رأيت منك أن تلزمني ذلك، فيما يتبيّن، حتى يصير كراء الواحد ككراء الألف، وتصير الإقامة كالظّعن «١» والتفريغ كالشغل. وعلى أني لو كنت أمسكت عن تقاضيك وتغافلت عن تعريفك ما عليك، لذهب الإحسان إليك باطلا. إذ كنت لا ترى للزيادة قدرا. وقد قال الأول: «٢» «والكفر مخبثة لنفس المنعم» وقال الآخر: تبدّلت بالمعروف نكرا «٣» وربما ... تنكّر للمعروف «٤» من كان يكفر أنت تطالبني ببغض المعتزلة «٥» للشيعة، وبما بين أهل الكوفة والبصرة، وبالعداوة التي بين أسد وكندة، وبما في قلب الساكن من استثقال المسكن وسيعين الله عليك. السلام» .

стр. 115

حديث إسماعيل بن غزوان قال اسماعيل بن غزوان: لله در الكندي! ما كان أحكمه وأحضر حجّته، وأنصح جيبه وأدوم طريقته! رأيته وقد أقبل على جماعة ما فيها إلا مفسد، أو من يزيّن الفساد لأهله، من شاعر بودّه أن الناس كلّهم قد جاوزوا حدّ المسرفين إلى حدود المجانين، ومن صاحب تفقيع «١» واستئكال، ومن ملّاق متقرّب، فقال: «تسمّون من منع المال من وجوه الخطأ، وحصّنه خوفا من الغيلة «٢» ، وحفظه إشفاقا من الذلّة بخيلا، تريدون بذلك ذامه وشينه «٣» وتسمّون من جهل فضل الغنى، ولم يعرف ذلّة الفقر، وأعطى في السرف، وتهاون بالخطأ، وابتذل النعمة «٤» ، وأهان نفسه بإكرام غيره جوادا، تريدون بذلك حمده ومدحه؟ فاتهموا على أنفسكم من قدّمكم على نفسه. فإنّ من أخطأ على نفسه، فهو أجدر أن يخطيء على غيره، ومن أخطأ في ظاهر دنياه وفيما يوجد في العين، كان أجدر أن يخطيء في باطن دينه وفيما يوجد بالعقل. فمدحتم من مدح صنوف الخطأ، وذممتم من جمع صنوف الصواب. فاحذروهم كلّ الحذر ولا تأمنوهم على حال» . قال اسماعيل: وسمعت الكنديّ يقول: «إنما المال لمن حفظه، وإنما الغنى لمن تمسّك به «٥» . ولحفظ المال بنيت الحيطان. وعلّقت الأبواب واتخذت الصناديق، وعملت الأقفال،

стр. 116

ونقشت الرشوم «١» والخواتيم «٢» ، وتعلّم الحساب والكتاب. فلم يتخذون هذه الوقايات دون المال؛ وأنتم آفته «٣» وأنتم سوسه وقادحه «٤» ؟ وقد قال الأول: أحرس أخاك إلا من نفسه ولكن أحسب أنك قد أخذته في الجواسق «٥» ، وأودعته الصخور، ولم يشعر به صديق ولا رسول ولا معين. من لك بألّا تكون أشد عليه من السارق وأعدى عليه من الغاصب «٦» ؟ وأجعلك قد حصّنته من كل يد لا تملكه، كيف لك من أن تحصّنه من اليد التي تملكه، وهي عليه أقدر ودواعيها أكثر، وقد علمنا أنّ حفظ المال أشدّ من جمعه؟ وهل أتي الناس إلا من أنفسهم، ثم ثقاتهم «٧» ؟ فالمال لمن حفظه، والحسرة لمن أتلفه «٨» . وإنفاقه هو إتلافه، وأن حسّنتموه بهذا الإسم وزيّنتموه بهذا اللقب. وزعمتم إنما سمّينا البخل إصلاحا والشحّ إقتصادا، كما سمّى قوم الهزيمة انحيازا والبذاء «٩» عارضة، والعزل عن الولاية صرفا، والجائر «١٠» على أهل الخراج مستقصيا «١١» . بل أنتم الذي سمّيتم السّرف جودا،

стр. 117

والنفج «١» أريحيّة «٢» ، وسوء نظر المرء لنفسه ولعقبه كرما. قال رسول الله ﷺ : «أبدا بمن تعول «٣» » . وأنت تريد أن تغني عيال غيرك بإفقار عيالك، وتسسد الغريب بشقوة القريب، وتتفضل على من لا يعدل عنك، ومن لو أعطيته أبدا لأخذ أبدا. قد علمتم ما قال صاحبنا لأخي تغلب، فإنه قال: يا أخا تغلب إني والله كنت أجري ما جرى هذا الغيل «٤» ، وأجرى وقد انقطع النيل «٥» . إني والله لو أعطيتك، لما وصلت إليك، حتى أتجاوز من هو أحق بذلك منك. إني لو أمكنت الناس من مالي لنزعوا داري طوبة طوبة «٦» . إنه والله ما بقي معي منه إلا ما منعته الناس. ولكني أقول: والله إني لو أمكنت الناس من نفسي لادّعوا رقّي «٧» ، بعد سلب نعمتي» . قال اسماعيل: وسمعته يقول: «عجبت لمن قلّت دراهمه كيف ينام. ولكن لا يستوي من لم ينم سرورا، ومن لم ينم غمّا» «٨» . ثم قال: «قال رسول الله ﷺ في وصيّة المرء يوم فقره وحاجته، وقبل أن يغرغر «٩» : «الثلث، والثلث كثير» .

стр. 118

فاستحسنت الفقهاء، وتمنى الصالحون أن نغصّ من الثلث شيئا، لاستكثار رسول الله ﷺ الثلث، ولقوله: «إنك إن تدع عيالك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس «١» » ورسول الله ﷺ لم يرحم عيالنا إلا بفضل رحمته لنا. فكيف تأمرونني أن أؤثر «٢» أنفسكم على نفسي، وأقدّم عيالكم على عيالي، وأن أعتقد الثناء بدلا من الغنى، وأن أكنز الريح وأصطنع السراب «٣» ، بدلا من الذهب والفضة» . قال إسماعيل: وسمعته يقول لعياله وأصحابه: «اصبروا عن الرّطب عند ابتدائه وأوائله، وعن باكورات الفاكهة. فإن للنفس عند كل طارف «٤» نزوة، وعند كل هاجم بدوة، «٥» وللقادم حلاوة وفرحة، وللجديد بشاشة وغرّة. فإنك متى رددتها ارتدّت، ومتى ردعتها ارتدعت والنفس عزوف «٦» ، ونفور ألوف، وما حمّلتها احتملت وإن أهملتها فسدت. فإن لم تكفّ جميع دواعيها وتحسم جميع خواطرها، في أول ردّة، صارت أقلّ عددا وأضعف قوة. فإذا أثر ذلك فيها، فعظها في تلك الباكورة بالغلاء والقلة. فإنّ ذكر الغلاء والقلة حجة صحيحة وعلة عاملة في الطبيعة. فإذا أجابتك في الباكورة فسمها مثل ذلك في أوائل كثرتها، واضرب نقصان الشهوة ونقصان قوة الغلبة، بمقدار ما حدث لها من الرخص والكثرة، فلست تلقى على هذا الحساب من معالجة الشهوة في غدك، إلا مثل ما لقيت منها في يومك، حتى

стр. 119

تنقضي أيام الفاكهة وأنت على مثل إبتداء حالك وعلى أول مجاهدتك لشهوتك. ومتى لم تعدّ الشهوة فتنة والهوى عدوّا، اغتررت لهما وضعفت عنهما، وائتمنتهما على نفسك، وهما أحضر عدوّ وشرّ دخيل. فاضمنوا لي النزوة «١» الأولى، أضمن لكم تمام الصبر وعاقبة اليسر، وثبات العزّ في قلوبكم والغني في أعقابكم ودوام تعظيم الناس لكم. فإنه لو لم يكن من منفعة الغنى إلا أنك لا تزال معظّما عند من لم ينل منك قط درهما، لكان الفضل في ذلك بيّنا والربح ظاهرا. ولو يكن من بركة الثروة ومن منفعة اليسر، إلا أن رب المال الكثير لو أتصل بملك كبير، وفي جلسائه من هو أوجب حرمة، وأقدم صحبة وأصدق محبة، وأمتع إمتاعا، وأكثر فائدة وصوابا، إلا أنه خفيف الحال قليل ذات اليد، ثم أراد ذلك الملك أن يقسم مالا أو يوزّع بينهم طرفا «٢» ، لجعل حظ الموسر «٣» أكثر، وإن كان في كل شيء دون أصحابه، وحظ المخفّ أقل، وإن كان في كل شيء فوق أصحابه. قد ذكرنا رسالة سهل بن هارون «٤» ، ومذهب الحزامي، وقصص الكندّي، وأحاديث الحارثي، واحتجاجاتهم، وطرائف بخلهم، وبدائع حيلهم. قصة محمد بن أبي المؤمل: قلت لمحمد بن أبي المؤمل: أراك تطعم الطعام وتتخذه، وتنفق المال وتجود به. وليس بين قلة

стр. 120

الخبز وكثرته كثير ربح. والناس يبخلون من قلّ عدد خبزه، ورأوا أرض خوانه. وعلى أني أرى جماجم من يأكل معك أكثر من عدد خبزك. وأنت لو لم تتكلّف، ولم تحمل على مالك بإجادته والتكثير منه، ثم أكلت وحدك، لم يلمك الناس، ولم يكترثوا لذلك منك، ولم يقضوا عليك بالبخل ولا بالسخاء، وعشت سليما موفورا، وكنت كواحد من عرض الناس «١» . وأنت لو لم تنفق الحرائب «٢» وتبذل المصون «٣» ، إلا وأنت راغب في الذكر والشكر، وإلا لتحرز الأجر، فقد صرنا لقلة عدد خبزك من بين الأشياء، نرضى لك الغنيمة بالإياب، ومن غنم الحمد والشكر، بالسلامة من الذم واللوم. فزد في عدد خبزك شيئا، فإنّ بتلك الزيادة القليلة ينقلب ذلك اللوم شكرا وذلك الذم حمدا. أعلمت أنك لست تخرج من هذا الأمر بعد الكلفة العظيمة سالما، لا لك ولا عليك؟ فانظر في الأمر رحمك الله! قال: يا أبا عثمان، أنت تخطيء، وخطأ العاقل أبدا يكون عظيما، وإن كان في العذر قليلا. لأنه إذا أخطأ أخطأ بنيقة وإحكام «٤» . فعلى قدر التفكّر والتكلّف يبعد من الرشاد «٥» ويذهب عن سبيل الصواب. وما أشك أنك قد نصحت بمبلغ الرأي منك. ولكن خف ما خوّفتك، فإنه مخوف. بل الذي أصنع أدلّ على سخاء النفس بالمأكول، وأدل على الاحتيال ليبالغوا؛ لأن الخبز إذا كثر على الموائد، ورّث ذلك النفس صدودا «٦» ، وكل شيء من المأكول وغير المأكول، إذا ملأ العين، ملأ

стр. 121

الصدر، وفي ذلك موت الشهوة وتسكين الحركة. ولو أن رجلا جلس على بيدر تمر فائق، وعلى كدس كمثّري «١» منعوت، وعلى مائة قنو موز «٢» موصوف، لم يكن أكله إلا على قدر استطرافه، ولم يكن أكله على قدر أكله إذا أتي بذلك في طبق نظيف، مع خادم نظيف، عليه منديل نظيف. وبعد، فأصحابنا آنسون واثقون مسترسلون، يعلمون أن الطعام لهم اتّخذ، وأن أكلهم له أوفق من تمزيق الخدم والأتباع له. ولو احتاجوا لدعوا به، ولم يحتشموا منه، ولكان لا أقلّ من أن يجرّبوا ذلك المرة والمرتين، وأن لا يقضوا علينا بالبخل دون أن يروناه. فإن كانوا محتشمين وقد بسطناهم، وشاء ظنّهم بنا مع ما يرون من الكلفة لهم، فهؤلاء أصحاب تجنّ وتترّع «٣» . وليس في طاقتي إعتاب المتجنّي ولا رد المتترّع. قلت له: إني قد رأيت أكلهم في منازلهم وعند إخوانهم، وفي حالات كثيرة ومواضع مختلفة، ورأيت أكلهم عندك، فرأيت شيئا متفاوتا وأمرا متفاقما. فاحسب أن التجنّي عليهم غالب، وأن الضعف لهم شامل، وأن سوء الظن يسرع إليهم خاصة، لم لا تداوي هذا الأمر بما لا مؤونة فيه بالشيء الذي لا قدر له، أو تدع دعاءهم والإرسال إليهم والحرص على إجابتهم؟ والقوم ليس يلقون أنفسهم عليك، وإنما يجيئونك بالإستحباب منك. فإن أحببت أن تمتحن ما أقول، فدع مواترة «٤» الرسل والكتب، والتغضّب عليهم إذا أبطؤوا، ثم انظر. قال: فان الخبز إذا كثر على الخوان فالفاضل مما يأكلون لا يسلم من

стр. 122

التلطيخ والتغمير «١» . والجردقة الغمرة والرقاقة المتلطخة، لا أقدر أن أنظر إليها، وأستحيي أيضا من إعادتها. فيذهب ذلك الفضل باطلا، والله لا يحب الباطل. قلت: فإن ناسا يأمرون بمسحه، ويجعلون الثريدة منه. فلو أخذت بزيّهم وسلكت سبيلهم، أتى ذلك على ما تريد ونريد. قال: أفلست أعلم كيف الثريدة، ومن أي شيء هي؟ وكيف أمنع نفسي التوهّم وأحول بينها وبين التذكّر؟ ولعل القوم أن يعرفوا ذلك على طول الأيام، فيكون هذا قبيحا. قلت: فتأمر به للعيال؛ فيقوم الحواري «٢» المتلطخ مقام الخشكار «٣» النظيف. وعلى أن المسح والدلك يأتي على ما تعلق به من الدسم. قال: عيالي يرحمك الله عيالان: واحد أعظمه عن هذا وأرفعه عنه، وآخر لم يبلغ عندي أن يترف بالحواريّ. قلت: فاجعل إذا جميع خبزك الخشكار؛ فإن فضل ما بينه وبين الحواريّ في الحسن والطيب، لا يقوم بفضل ما بين الحمد والذم. قال: فههنا رأي هو أعدل الأمور وأقصدها، وهو أنا نحضر هذه الزيادة من الخبز على طبق، ويكون قريبا حيث تناله اليد، فلا يحتاج أحد مع قربه منه إلى أن يدعو به، ويكون قربه من يده كثرة على مائدته. قلت: فالمانع من طلبه هو المانع من تحويله. فأطعني واخرج هذه الزيادة من مالك كيف شئت. واعلم أن هذه المقايسة وطول هذه المذاكرة، أضر علينا مما نهيتك عنه وأردتك على خلافه.

стр. 123

فلما حضر وقت الغداء صوّت بغلامه «١» وكان ضخما جهير «٢» الصوت، صاحب تقعير «٣» وتفخيم وتشديق «٤» وهمز «٥» وجزم «٦» : يا مبشّر هات من الخبز تمام عدد الرؤوس. قلت: ومن فرض لهم هذه الفريضة؟ ومن جزم عليهم هذا الجزم؟ أرأيت أن لم يشبع أحدهم رغيفه أليس لا بد له من أن يعوّل على رغيف صاحبه، أو يتنحّى وعليه بقيّة، ويعلّق يده منتظرا للعادة فقد عاد الأمر وبطل ما تناظرنا فيه. قال: لا أعلم إلا ترك الطعام البتّة؛ أهون علينا من هذه الخصومة. قلت: هذا ما لا شك فيه، وقد عملت عندي بالصواب، وأخذت لنفسك بالثقة، إن وفيت بهذا القول. وكان كثيرا ما يقول: يا غلام هات شيئا من قليّه «٧» وأقلّ منها وأعد لنا ماء باردا وأكثر منه. وكان يقول: قد تغير كل شيء من أمر الدنيا، وحال عن أمره وتبدل، حتى المؤاكلة. قاتل الله رجالا كنا نؤاكلهم، ما رأيت قصعة قط رفعت من بين أيديهم إلا وفيها فضل. وكانوا يعلمون أن إحضار الجدي إنما هو شيء من آيين «٨» الموائد الرفيعة، وإنما جعل كالعاقبة والخاتمة، وكالعلامة لليسر وللفراغ، وأنه لم يحضر للتمزيق والتخريب، وأن أهله لو أرادوا به السوء لقدّموه قبل كل شيء لتقع الحدّة به. بل ما يأكل منه إذا جيء به إلا العابث، وإلا الذي لو لم يره

стр. 124

لقد كان رفع يده ولم ينتظر غيره. ولذلك قال أبو الحارث جمّين، حين رآه لا يمس: «هذا المدفوع عنه» . ولولا أنه على ذلك شاهد الناس، لما قال ما قال. ولقد كانوا يتحامون بيضة البقيلة «١» ، ويدعها كل واحد منهم لصاحبه حتى أن القصعة «٢» لقد كانت ترفع البيض خاصة لعلى حاله وأنت اليوم إذا أردت أن تمتع عينك بنظرة واحدة منها، ومن بيض السّلاءة «٣» لم تقدر على ذلك. لا جرم لقد كان تركه ناس كثير، ما بهم إلا أن يكونوا شركاء من ساءت رعته. وكان يقول: الآدام «٤» أعداء للخبز. وأعداها له المالح. فلولا أن الله انتقم منه وأعان عليه بطلب صاحبه الماء وإكثاره منه، لظننت أنه سيأتي على الحرث والنسل. وكان مع هذا يقول: لو شرب الناس الماء على الطعام ما اتخموا، وأقلهم عليه شربا أكثرهم تخما «٥» . وذلك أن الرجل لا يعرف مقدار ما أكل حتى ينال من الماء. وربما كان شبعان وهو لا يدري. فإذا ازداد على مقدار الحاجة بشم «٦» . وإذا نال من الماء شيئا بعد شيء، عرّفه ذلك مقدار الحاجات، فلم يزد إلا بقدر المصلحة. والأطباء يعلمون أن ما أقول حق، ولكنهم يعلمون أنهم لو أخذوا بهذا الرأي لتعطّلوا، ولذهب المكسب. وما حاجة الناس الى المعالجين إذا صحّت أبدانهم؟ وفي قول جميع الناس أن ماء دجلة أمرأ «٧» من الفرات وأن ماء مهران أمرأ من ماء نهر بلخ، وفي قول العرب: «هذا ماء نمير

стр. 125

يصلح عليه المال» دليل على أن الماء يمريء، حتى قالوا: «إن الماء الذي يكون عليه النفّاطات «١» أمرأ من الماء الذي يكون سليه القيّارات «٢» فعليكم بشرب الماء على الغداء، فإن ذلك أمرأ» . وكان يقول: ما بال الرجل إذا قال: «يا غلام اسقني ماء أو اسق فلانا ماء» ، أتاه بقلة على قدر الريّ، فإذا قال: «أطعمني شيئا» ، أو قال: «هات لفلان طعاما» ، أتاه من الخبز بما يفضل عن الجماعة، والطعام والشراب أخوان متحالفان ومتوازران؟ وكان يقول: لولا رخص الماء وغلاء الخبز، لما كلبوا على الخبز وزهدوا «٣» في الماء. والناس أشدّ تعظيما للمأكول إذا كثر تمنه، أو كان قليلا في أصل منبته وموضع عنصره. هذا الجزر الصافي، وهذا الباقلي الأخضر العباسي، أطيب من كمثري خراسان، ومن المؤز البستاني. ولكنهم لقصر همّتهم لا يتشهّون إلا على قدر الثمن، ولا يحنون الى إلا على قدر القلة وهذه العوام في شهوات الأطعمة إنما تذهب مع التقليد، أو مع العادة، أو على قدر ما يعظم عندها من شأن الطعام. وأنا لست أطعم الجزر المسلوق بالخل والزيت والمرّيّ، دون الكمأة «٤» بالزّبد والفلفل، لمكان الرّخص، أو لموضع الإستفيضال، ولكن لمكان طيبه في الحقيقة، ولأنه صالح للطبيعة. علم ذلك من علم، وجهل ذلك من جهل. وكان إذا كان في منزله، فربما دخل عليه الصديق له، وقد كان تقدّمه الزائر أو الزائران؛ وكان يستعمل على خوانه من الخدع والمكايد والتدبير ما لم يبلغ بعضه قيس بن زهير «٥» ، والمهلب بن أبي صفرة،

стр. 126

حازم بن خزيمة، وهرثمة بن أعين «١» وكان عنده فيه من الإحتيال ما لا يعرفه عمرو بن العاص، ولا المغيرة بن شعبة «٢» ؛ وكان كثيرا ما يمسك الخلال بيده، ليؤنس الداخل عليه من غدائه؛ فاذا دخل عليه الصديق له، وقد عزم على إطعام الزائر الزائرين قبله، وضاق صدره بالثالث، وإن كان قد دعاه وطلب إليه، أراد أن يحتال له، أو الرابع إن ابتلي كلّ واحد منهما بصاحبه، فيقول عند أول دخوله وخلع نعله وهو رافع صوته بالتنويه وبالتشنيع: «هات يا مبشّر لفلان شيئا يطعم منه، هات له شيئا ينال منه، هات له شيئا» ، اتّكالا على خجله أو غضبه أو أنفته، وطمعا في أن يقول: «قد فعلت» . فان أخطأ ذلك الشقيّ وضعف قلبه وحصر، وقال: «قد فعلت» ، وعلم أنه قد أحرز وحصّله وألقاه وراء ظهره، لم يرض أيضا بذلك حتى يقول: «بأي شيء تغدّيت» ؟ فلا بد له من أن يكذب، أو ينتحل المعاريض «٣» فإذا استوثق منه رباطا، وتركه لا يستطيع أن يترمرم «٤» ، لم يرض بذلك حتى يقول في حديث له: «كنا عند فلان، فدخل عليه فلان فدعاه الى غدائه، فامتنع. ثم بدا له، فقال: في طعامكم بقيلة أنتم تجيدونها، ثم تناوله» : فلا يزال يزيد في وثاقه، وفي سد الأبواب عليه، وفي منعة البدوات حتى إذا بلغ الغاية قال: «يا مبشر أما إذ تغدّى فلان واكتفى، فهات لنا شيئا نعبث به» . فإذا وضعوا الطعام، أقبل على أشدّهم حياء، أو على أشدّهم أكلا، فسأله عن حديث حسن، أو عن خبر طويل. ولا يسأله إلا عن حديث يحتاج فيه الى الإشارة باليد أو الرأس كلّ ذلك ليشغله. فإذا هم أكلوا

стр. 127

صدرا «١» ، أطهر الفتور والتشاغل والتنقّر كالشبعان الممتلىء «٢» . وهو في ذلك غير رافع يده ولا قاطع أكله. إنما هو النّتف بعد النّتف، وتعليق اليد في خلل ذلك. فلا بدّ من أن ينقبض بعضهم ويرفع يده، ربما شمل ذلك جماعتهم. فإذا علم أنه قد أحرزهم واحتال لهم، حتى يقلعهم من مواضعهم من حول الخوان، «٣» ويعيدهم الى مواضعهم من مجالسهم، ابتدأ الأكل، فأكل أكل الجائع المقرور «٤» وقال: «إنما الأكل تارات والشرب تارات» . وكان كثيرا ما يقول لأصحابه إذا بكروا عليه: لم لا نشرب أقداحا على الريق؟ فإنها تقتل الديدان، وتحفش «٥» لأنفسنا قليلا، فإنها تأتي على جميع الفضول، وتشهّي الطعام بعد ساعة. وسكّره أطيب من سكر «٦» الكظّة «٧» . والشارب على الملأة بلاء «٨» ، وهو بعد ذلك دليل على أنك نبيذي خالص. ومن لم يشرب على الريق فهو نكس «٩» في الفتوة ودعي «١٠» في أصحاب النبيذ. وإنما يخاف على كبده من سورة الشراب على الريق، من بعد عهده باللحم. وهذه الصبحة «١١» تغسل عنكم الأوضار «١٢» ، وتنفي التّخم، وليس دواء الخمار إلا الشرب بالكبار.

стр. 128

والأعشى «١» كان أعلم به حيث يقول: وكأس شربت على لذّة ... وأخرى تداويت منها بها وهذا، حفظك الله، هو اليوم الذي كانوا لا يعاينون فيه لقمة واحدة، ولا يدخل أجوافهم من النقل ما يزن خردلة. وهو يوم سروره التامّ، لأنه قد ربح المرزئة «٢» وتمتع بالمنادمة. واشترى مرة شبّوطة وهو ببغداد وأخذها فائقة عظيمة، وغالى بها «٣» وارتفع في ثمنها، وكان قد بعد عهده بأكل السمك. وهو بصري لا يصبر عنه. فكان قد أكبر أمر هذه السمكة، لكثرة ثمنها ولسمنها وعظمها ولشدّة شهوته لها. فحين ظنّ عند نفسه أنه قد خلا بها، وتفرّد بأطايبها، وحسر عن ذراعيه وصمد صمدها، هجمت عليه ومعي السدريّ «٤» فلما رآه رأى الموت الأحمر والطاعون الجارف، ورأى الحتم المقضيّ «٥» ، ورأى قاصمة الظهر «٦» ، وأيقن بالشرّ، وعلم أنه قد ابتلي بالتنين. فلم يلبثه السّدري حتى قوّر السرّة «٧» بالمبال «٨» فأقبل عليّ فقال لي: يا أبا عثمان، السدري يعجبه السّرر» ، فما فصلت الكلمة من فيه، حتى

стр. 129

قبض على القفا فانتزع الجانبين جميعا. فأقبل عليّ فقال: «والسدري يعجبه الإقفاء» ، فما فرغ من كلامه إلا والسدريّ قد اجترف المتن كله، فقال: «يا أبا عثمان والسدري يعجبه المتون» ، ولم يظن أن السدري يعرف فضيلة ذنب الشّبوط «١» وعذوبة لحمه، وظنّ أنه سيسلم له، وظن معرفة ذلك من الغامض، فلم يدر إلا والسدري قد اكتسح ما على الوجهين جميعا. ولولا أن السدري أبطره وأثقله وأكمده وملأ صدره وملأه غيظا لقد كان أدرك معه طرفا، لأنه كان من الأكلة. ولكن الغيظ كان من أعوان السدري عليه. فلما أكل السدري جميع أطايبها. وبقي هو في النظارة، ولم يبق في يده ما كان يأمله في تلك السمكة إلا الغيظ الشديد والغرم الثقيل، ظنّ أن في سائر السمكة ما يشبعه ويشفي من قرمه. فبذلك كان عزاؤه، وذلك هو الذي كان يمسك بأرماقه «٢» وحشاشات نفسه. فلما رأى السدري يفري الفريّ «٣» ويلتهم التهاما قال: «يا أبا عثمان، السدري يعجبه كل شيء» . فتولّد الغيظ في جوفه، وأقلقته الرّعدة. فخبثت نفسه، فما زال يقيء ويسلح «٤» . ثم ركبته الحمّى. وصحت توبته وتمّ عزمه، في أن لا يؤاكل رغيبا أبدا ولا زهيدا، ولا يشتري سمكة أبدا رخيصة ولا غالية، وإن أهدوها إليه أن لا يقبلها، وإن وجدها مطروحة لا يمسّها. فهذا ما كان حضرني من حديث ابن أبي المؤمّل. وقد مات. عفا الله عنا وعنه.

стр. 130

قصة أسد بن جاني: فأما أسد بن جاني، فكان يجعل سريره في الشتاء من قصب مقشّر، لأن البراغيث تنزلق عن ليط القصب «١» ، لفرط لينه وملاسته «٢» . وكان إذا دخل الصيف، وحرّ عليه بيته، أثاره حتى يغرق المسحاة «٣» ، ثم عليه جرارا كثيرة من ماء البئر ويتوطؤه حتى يستوي. فلا يزال ذلك البيت باردا ما دام نديّا «٤» . فإذا امتدّ به الندى ودام برده بدوامه، اكتفى بذلك التبريد صيفته. وإن جف قبل انقضاء الصيف وعاد عليه الحر، عاد عليه بالإثارة والصب «٥» . وكان يقول: خيشتي أرض، وما خيشتي «٦» من بئري. وبيتي أبرد، ومؤونتي أخف. وأنا أفضلهم أيضا بفضل الحكمة وجودة الآلة. وكان طبيبا فأكسد «٧» مرة؛ فقال له قائل: «السنة وبئة والأمراض فاشية، وأنت عالم ولك صبر وخدمة، ولك بيان ومعرفة، فمن أين تؤتى في هذا الكساد» ؟ قال: «أما واحدة فإني عندهم مسلم؛ وقد اعتقد القوم قبل أن أتطبّب، لا بل قبل أن أخلق، إن المسملين لا يفلحون في الطب. واسمي أسد، وكان ينبغي أن يكون اسمي صليبا وجبرائيل ويوحنّا وبيرا؛ وكنيتي أبو الحارث، وكان ينبغي أن تكون أبو عيسى، وأبو زكريا، وأبو إبراهيم؛ وعليّ رداء قطن أبيض، وكان ينبغي أن يكون

стр. 131

ردائي «١» حريرا أسود؛ ولفظي لفظ عربيّ وكان ينبغي أن تكون لغة أهل جندي سابور «٢» » . قصة الثوري: قال الخليل السلوليّ: أقبل عليّ يوما الثوريّ «٣» وكان يملك خمسمائة جريب «٤» ، ما بين كرسي الصدقة إلى نهر مرة «٥» ، ولا يشتري إلا كل غرّة، ول أرض مشهورة بكريم التربة، وشرف الموضع، والغلة الكثيرة. قال: فأقبل عليّ يوما، فقال لي: «هل اصطبغت «٦» بماء الزيتون قط» ؟ قال: قلت: «لا والله» . قال: «أما والله لو فعلته ما نسيته» . قال: قلت: «أجل إني والله لو فعلته لما نسيته» . وكان يقول لعياله: لا تلقوا نوى التمر والرطب، وتعوّدوا إبتلاعه، وخذوا حلوقكم بتسويغه «٧» . فإن النوى يعقد الشحم في البطن، ويدفيء الكليتين بذلك الشحم. واعتبروا ذلك ببطون الصفايا «٨» وجميع ما يعتلف النوى «٩» . والله لو حملتم أنفسكم على البزر والنوى، وعلى قضم الشعير واعتلاف القت ١» ،

стр. 132

لوجدتموها سريعة القبول. وقد يأكل الناس القتّ قدّاحا، والشعير فريكا «١» ، ونوى البسر «٢» الأخضر، ونوى العجوة «٣» . فإنما بقيت الآن عليكم عقبة واحدة؛ لو رغبتم في الدفء لا لتمستم الشحم؛ وكيف لا تطلبون شيئا يغنيكم عن دخان الوقود، وعن شناعة السكر، وعن ثقل الغرم. والشحم يفرّج القلب. ويبيّض الوجه. والنار تسوّد الوجه؛ أنا أقدر أن أبتلع النوى وأعلفه الشاء. ولكني أقول ذلك بالنظر مني لكم. وكان يقول: كلوا الباقلّي «٤» بقشوره. فان الباقلي يقول: من أكلني بقشوري فقد أكلني، ومن أكلني بغير قشوري فأنا الذي آكله. فما حاجتكم إلى أن تصيروا طعاما لطعامكم، وأكلا لما جعل أكلا لكم؟ وكان يعيّن مالا عظيما، ولم يكن له وارث. فكان يسخر ببعضهم، فيقول عند الإشهاد: «قد علمتم أنه لا وارث لي، فإذا متّ فهذا المال لفلان» . فكان قوم كثير يحصرصون على مبايعته لهذا. وقد رأيته أنا زمانا من الدهر، ما رأيته قط إلا ونعله في يده أو يمشي طول نهاره في نعل مقطوعة العقب، شديدة على صاحبها. قال: فهؤلاء المجوس يرتعون البصرة وبغداد وفارس والأهواز والدنيا كلها بنعال سندية «٥» ، فقيل له: إن المجوسيّ لا يستحل في دينه المشرّكة، فأنت لا تجده أبدا إلا حافيا أو لا بسا نعلا سندية. وأنت مسلم ومالك كثير. قال: فمن كان ماله كثيرا فلا بد له من أن يفتح كيسه للنفقات وللسرّاق؟ قالوا: فليس بين هاتين منزلة؟.

стр. 133

حديث الخليل قال الخليل: جلس الثوريّ إلى حلقة المصلحين في المسجد، فسمع رجلا من مياسيرهم يقول: بّطنوا كل شيء لكم فإنه أبقى. ولأمر جعل الله دار الآخرة باقية، ودار الدنيا فانية. ثم قال: ربما رأيت المبطّنة «١» الواحدة تقطع أربعة أقمصة، والعمامة الواحدة تقطع أربعة أزر «٢» . ليس ذلك إلا لتعاون الطي، وترافد «٣» الأثناء. فبطنوا البواريّ «٤» ، وبطنوا الحصر، وبطنوا البسط، وبطنوا الغداء بشربة باردة. قال: فقال له الثوريّ: لم أفهم مما قلت إلا هذا الحرف وحده. قال الخليل: حمّ الثوري، وحمّ عياله وخادمه، فلم يقدروا مع شدة الحمى على أكل الخبز، فربح كيلة تلك الأيام من الدقيق، ففرح بذلك وقال: لو كان منزلي سوق الأهواز أو نطاة خيبر «٥» أو وادي الجحفة «٦» ، لرجوت أن استفضل كل سنة مائة دينار. فكان لا يبالي أن يحمّ هو وأهله أبدا، بعد أن يستفضل كفايتهم من الدقيق. وكان يقول: إذا رأيت الرجل يشتري الجدي رحمته، فإن رأيته يشتري الدجاج حقرته، فإن رأيته يشتري الدرّاج «٧» لم أبايعه «٨» ولم أكلّمه.

стр. 134

وأنه قال: أول الإصلاح، وهو الواجب خصف النعل «١» ، واستجادة الطرّاق «٢» ، وتشحيمها «٣» في كل الأيام. وعقد ذؤابة الشرّاك «٤» من زيّ النسّاك، لكيلا يطأ عليه إنسان فيقطعه. ومن الإصلاح الواجب قلب خرقة القلنسوة إذا اتسّخت، وغسلها من اتساخها بعد القلب. واجعلها حبرة فانها مما له مرجوع. ومن ذلك اتخاذ قميص الصيف جبّة في الشتاء، واتخاذ الشاة اللّبون إذا كان عندك حمار. واتخاذ الحمار الجامع خير من غلة ألف دينار، لأنه لرحلك وبه تدرك البعيد من حوائجك، وعليه تطحن فتستفضل «٥» ما يربحه عليك الطحّان، وتنقل عليه حوائجه وحوائجك، حتى الحطب، وتستقي عليه الماء. وهذه كلها مؤن إذا اجتمعت كانت في السنة مالا كثيرا. اليمن والشؤم ثم قال: أشهد أنّ الرفق يمن، أن الخرق «٦» شؤم، اشتريت ملاءة مذارية «٧» فلبستها، ما شاء الله، رداء وملحفة. ثم احتجت الى طيلسان «٨» فقطعتها، يعلم الله، فلبسته ما شاء الله. ثم احتجت إلى جبّة فجعلته، يعلم الله، ظهارة «٩» جبّة محشوة، فلبستها ما شاء الله. ثم أخرجت ما كان فيها من الصحيح، فجعلته مخادّ «١٠» ، وجعلت قطنها

стр. 135

للقناديل. ثم جعلت ما دون خرق المخادّ للقلانس «١» ؛ ثم عمدت الى أصح من أصحاب الصينّيات والصلاحيّات، وجعلت ما لا رقعة له ممحاة لي وللجارية، إذا نحن قضينا حاجة الرجال والنساء. وجعلت السقّاطّات وما قد صار كالخيوط وكالقطن المندوف، صمائم «٢» لرؤوس القوارير «٣» . وقد رأيته وسمعت منه في البخل كلاما كثيرا. وكان من البصريين، ينزل ببغداد مسجد ابن رغبان «٤» . ولم أر شيخا ذا ثروة اجتمع عنده وإليه من البخلاء ما اجتمع له منهم: إسماعيل بن غزوان وجعفر بن سعيد وخاقان بن صبيح وأبو يعقوب الأعور وعبد الله العروضي والحراميّ عبد الله بن كاسب. وأبو عبد الرحمن هذا شديد البخل، شديد العارضة «٥» ، عضب اللسان «٦» . وكان يحتجّ للبخل ويوصي به ويدعو إليه. وما علمت أنّ أحدا جرد في ذلك كتابا إلا سهل بن هارون وهو. وصية بخيل وأبو عبد الرحمن هذا هو الذي قال لأبنه: أي بنيّ! إنّ إنفاق القراريط يفتح عليك أبواب الدوانيق «٧» ، وإنفاق الدوانيق يفتح عليك أبواب الدراهم، وإنفاق الدراهم يفتح عليك أبواب الدنانير. والعشرات تفتح عليك أبواب المئين، والمئون تفتح

стр. 136

عليك أبواب الألوف، حتى يأتي ذلك على الفرع والأصل ويطمس على العين والأثر، ويحتمل القليل والكثير. أي بنيّ! إنما صار تأويل الدرهم «دار الهم» ، وتأويل الدينار «يدني إلى النار» . إن الدرهم إذا خرج الى غير خلف، وإلى غير بدل، دار الهم على دانق مخرجه. وقيل: إن الدينار يدني إلى النار لأنه إذا أنفقه في غير خلف، وأخرج الى غير بدل، بقي مخفقا معدما، وفقيرا مبلطا «١» متحرّج المخارج. وتدعوه الضرورة الى المكاسب الرديئة والطعم الخبيثة. والخبيث من الكسب يسقط العدالة، ويذهب بالمروءة، ويوجب الحدّ، ويدخل النار» . وهذا التأويل الذي تأوّله للدرهم والدينار ليس له، إنما هذا شيء كان يتكلم بعه عبد الأعلى القاصّ. فكان عبد الأعلى إذا قيل: «لم سمي الكلب قليطا» » ؟ قال: لأنه «قلّ ولطى» . وإذا قيل له: لم سمّي الكلب سلوقيا؟ قال: لأنه «يستلّ ويلقي» . وإذا قيل له: لم سمّي العصفور عصفورا؟ قال: لأنه «عصى وفرّ» . وعبد الأعلى هذا هو الذي كان يقول في قصصه: الفقير رداؤه علقة «٣» ، ومرقته سلقة وجردقته فلقة، وسمكته شلقة «٤» . في طيب له كثير. وبعض المفسّرين يزعم أنّ نوحا النبي ﷺ إنما سمّي نوحا لأنه كان ينوح على نفسه. وأن آدم إنما سمّي آدم لأنه حذي «٥» من أديم «٦»

стр. 137

الأرض وقالوا: كان لونه أدمة لون الأرض، وأن المسيح إنما سميّ المسيح لأنه مسح بدهن البركة. وقال بعضهم: لأنه كان لا يقيم في البلد الواحد، وكان كأنه ماسح يمسح الأرض. أعاجيب ابن عبد الرحمن ثمّ رجع الحديث الى أعاجيب أبي عبد الرحمن: وكان أبو عبد الرحمن «١» يعجب بالرؤوس ويحمدها ويصفها. وكان لا يأكل اللحم إلا يوم أضحى، أو من بقيّة أضحيته «٢» ، أو يكون في عرس أو دعوة أو سفرة. وكان سمّى الرأس «عرسا» لما يجتمع فيه من الألوان الطيبة. وكان يسمّيه مرّة «الجامع» ، ومرّة «الكامل» . وكان يقول: «الرأس شيء واحد، وهو ذو ألوان عجيبة وطعوم مختلفة «٣» . وكل قدر وكل شواء فإنما هو شيء واحد، والرأس فيه الدماغ فطعم الدماغ على حدة؛ وفيه العينان وطعمهما شيء على حدة؛ وفيه الشحمة التي بين أصل الأذن ومؤخرّ العين وطعمها على حدة، على أن هذه الشحمة خاصّة أطيب من المخّ وأنعم من الزبد وأدسم من السّلاء «٤» ؛ وفي الرأس اللسان وطعمه شيء على حدة، وفيه الخيشوم «٥» والغضروف «٦» الذي في الخيشوم وطعمهما شيء على حدة؛ وفيه لحم الخدّين وطعمه شيء على حدة» ، حتّى يقسّم اسقاطه الباقية. ويقول: «الرأس سيّد البدن، وفيه الدماغ، وهو معدن العقل، ومنه يتفرّق

стр. 138

العصب الذي فيه الحسّ، وبه قوام البدن؛ وإنما القلب باب العقل؛ كما أن النفس هي المدركة؛ والعين هي باب الألوان؛ والنفس هي السّامعة الذائقة؛ وإنما الأنف والأذن بابان. ولولا أن العقل في الرأس لما ذهب العقل من الضربة تصيبه، وفي الرأس الحواس الخمس» . وكان ينشد. قول الشاعر «١» : إذا ضربوا رأسي، وفي الرأس أكثري ... وغودر عند الملتقى ثمّ سائري وكان يقول: «الناس لم يقولوا: هذا رأس الأمر، وفلان رأس الكتيبة، وهو رأس القوم، وهم رؤوس الناس وخراطيمهم وأنفهم، واشتقّوا من الرأس الرياسة والرئيس، وقد رأس القوم فلان، إلا والرأس هو المثل وهو المقدّم» . وكان إذا فرغ من أكل الرأس عمد إلى القحف «٢» وإلى اللحيين فوضعه بقرب بيوت النمل والذرّ، فإذا اجتمعن فيه أخذه فنفضه في طست فيها ماء، فلا يزال يعيد ذلك في تلك المواضع، حتى يقلع أصل النمل والذرّ من داره؛ فإذا فرغ من ذلك ألقاه في الحطب، ليوقد به سائر الحطب. وكان إذا كان يوم الرؤوس أقعد ابنه معه على الخوان. إلا أن ذلك بعد تشرّط طويل، وبعد أن يقف له على ما يريده. وكان فيما يقول له: «إياك ونهم الصبيان، وشره الزرّاع، وأخلاق النوائح «٣» . ودع عنك خبط الملّاحين والفعلة «٤» ، ونهش الأعراب والمهنة «٥» . وكل من بين يديك، فإنما حظّك الذي وقع وصار أقرب إليك. وإعلم أنه إذا كان في

стр. 139

الطعام شيء طريف ولقمة كريمة ومضغة شهيّة، فإنما ذلك للشيخ المعظّم والصبي المدلّل، ولست واحدا منهما. فأنت قد تأتي الدعوات وتجيب الولائم، وتدخل منازل وعهدك باللحم قريب، وإخوانك أشدّ قرما «١» إليه منك. وأنا بعد أكره لك الموالاة «٢» بين اللحم، فإن الله يبغض أهل البيت اللحمين. وكان عمر يقول: «إياكم وهذه المجازر، فإن لها ضراوة كضراوة الخمر «٣» » . وكان يقول: «مدمن اللحم كمدمن الخمر» . وقال المسيح ورأى رجلا يأكل اللحم فقال: «لحم يأكل لحما، أفّ لهذا عملا» . وذكر هرم بن قطبة «٤» اللحم، فقال: «وإنه ليقتل السباع» . وقال المهلب «٥» : «لحم وارد على غير قرم، هذا الموت الأحمر» . وقال الأول: «أهلك الرجال الأحمران: اللحم والخمر، وأهلك النساء الأحمران: الذهب والزعفران» . أيّ بنيّ! عوّد نفسك الأثرة ومجاهدة الهوى والشهوة، ولا تنهش نهش الأفاعي ولا تخضم خضم البراذين «٦» ، ولا تدم الأكل إدامة النعاج، ولا تلقم لقم «٧» الجمال. قال أبو ذرّ، لمن بدّل من أصحاب رسول الله ﷺ : «تخضمون ونقضم والموعد لله» «٨» . إنّ الله قد فضّلك فجعلك إنسانا، فلا تجعل نفسك بهيمة ولا سبعا «٩» . واحذر سرعة الكظة «١٠»

стр. 140

وسرف البطنة. وقد قال بعض الحكماء: «إذا كنت بطينا فعدّ نفسك في الزّمني «١» » وقال الأعشى: «والبطنة مما تسفه الأحلاما» واعلم أن الشبع داعية البشم «٢» ، وأن البشم داعية السقم، وأن السقم داعية الموت؛ ومن مات هذه الميتة فقد مات ميتة لئيمة، وهو قاتل نفسه وقاتل نفسه ألوم من قاتل غيره. وأعجب إن أردت العجب. وقد قال الله جل ذكره: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ . وسواء. قتلنا أنفسنا أو قتل بعضنا بعضا كان ذلك للآية تأويلا. أي بنيّ! إن القاتل والمقتول في النار. لو سألت حذّاق الأطباء لأخبروك أن عامة أهل القبور إنما ماتوا بالتخم. واعرف خطأ من قال: «أكلة وموتة» ، وخذ بقول من قال: «ربّ أكلة تمنع أكلات» وقد قال الحسن «٣» : «يا ابن آدم كل في ثلث بطنك، ودع الثلث للتفكّر والتنفس» . وقال بكر بن عبد الله المزني «٤» : «ما وجدت طعم العيش حتى استبدلت الخمص «٥» بالكظة، وحتى لم ألبس من ثيابي ما يستخدمني، وحتى لم آكل إلا ما لا اغسل يديّ منه» . يا بنيّ! والله ما أدري حق الركوع ولا وظيفة السجود ذو كظّة، ولا خشع لله ذو بطنة. والصوم مصحّة، والوجبات عيش الطالحين. ثم قال: لأمر ما طالت أعمال الهند، وصحّت أبدان الأعراب. فلله

стр. 141

درّ الحارث إبن كلدة «١» حين زعم أن الدواء هو الأزم «٢» ، وأن الداء هو إدخال الطعام في إثر الطعام. أي بنيّ! لم صفت أذهان العرب، ولم صدقت إحساس الأعراب، ولم صحّت أبدان الرهبان، مع طول الإقامة في الصوامع، وحتى لم تعرف النقّرس «٣» ولا وجع المفاصل ولا الأورام، إلا لقلة الرزء «٤» من الطعام، وخفة الزاد والتّبلغ باليسير؟ أي بنيّ! إن نسيم الدنيا وروح الحياة، أفضل من أن تبيت كظيظا وأن تكون بقصر العمر خليقا. وكيف لا ترغب في تدبير يجمع لك صحة البدن، وذكاء الذهن، وصلاح المعاد، وكثرة المال، والقرب من عيش الملائكة. أي بنيّ! لم صار الضب «٥» أطول شيء عمرا، إلا لأنه إنما يعيش بالنسيم؟ ولم زعم الرسول ﷺ أن الصوم وجاء «٦» ، إلا ليجعل الجوع حجازا دون الشهوات؟ افهم تأديب الله فإنه لم يقصد به إلا الى مثلك. أي بنيّ! قد بلغت تسعين عاما ما نغض لي سنّ، ولا تحرّك لي عظم، ولا انتشر لي عصب، ولا عرفت دنين أذن ولا سيلان عين، ولا سلس بول، ما لذلك علّة إلا التخفيف من الزاد. فإن كنت تحب

стр. 142

الحياة فهذه سبيل الحياة، وإن كنت تحب الموت فلا يبعد الله إلا من ظلم» . هذه كانت وصيته في يوم الرؤوس وحده. فلم يكن لعياله إلا التقمّم «١» ومصّ العظم. وكان لا يشتري الرأس إلا في زيادة الشهر، لمكان زيادة الدماغ. وكان لا يشتري إلا رأس فتى لوفارة الدماغ، لأن دماغ الفتى أوفر، ويكون مخه أنقص، ومخ المسن أوفر ودماغه أنقص. ويزعمون أن للأهلّة والمحاق في الأدمغة والدماء عملا معروفا، وبينها في الربيع والخريف فضلا بينا. وتزعم الأعراب والعرب أن النطفة إذا وقعت في الرحم، في أول الهلال، خرج الولد قويا ضخما، وإذا كان في المحاق خرج ضئيلا شختا «٢» . وأنشد قول الشاعر: لقحت في الهلال عن قبل الطّهر ... وقد لاح للضياء بشير ثم نمى ولم يراضع فلوّا «٣» ... ورضاع المحجّ عيب كبير «٤» وكان أبو عبد الرحمن يشتري ذلك الرأس من جميع رأآسي بغداد، إلا من رأآسي مسجد ابن رغبان. وكان لا يشتريه إلا يوم سبت. واختلط عليه الأمر فيما بين الشتاء والصيف، فكان مرّة يشتريه في هذا الزمان. وأما زهده في رؤوس مسجد ابن رغبان، فان البصريين يختارون لحم الماعز الخصيّ على الضأن كله، ورؤوس الضأن أشحم وألحم رخصا وأطيب. ورأس التيس أكثر لحما من رأس الخصيّ، لأن الخصيّ من الماعز يعرق جلده، ويقلّ لحم رأسه ولا يبلغ جلده وإن كان ما عزا في الثمن عشر ما يبلغ جلد التيس، ولا يكون رأسه إلا دونا. ولذلك تخطاه إلى غيره.

стр. 143

وما اختيار شراء الرؤوس يوم السبت، فإن القصّابين يذبحون يوم الجمعة أكثر، فتكثر الرؤوس يوم السبت على قدر للفضل فيما يذبحون، ولأن العوام والتجار والصنّاع لا يقرمون «١» إلى أكل الرؤوس يوم السبت، مع قرب عهدهم بأكل اللحم يوم الجمعة، ولأن عامّتهم قد بقيت عنده فضلة، فهي تمنعه من الشهوة. ولأن الناس لا يكادون يجمعون على خوان واحد بين الرؤوس واللحم. وأما اختلاط التدبير عليه في فرق ما بين الشتاء والصيف، فوجه ذلك أن العلل كانت تتصوّر له، وتعرض له الدواعي على قدر قرمه وحركة شهوته، صيفا وافق ذلك أم شتاء. فإن اللحم في الصيف أرخص، والرؤوس تابعة للحم، ولأن الناس في الشتاء لها آكل، وهم لها في القيظ «٢» أترك. فكان يختار الرخص على حسن الموقع. فإذا قويت دواعيها في الشتاء، قال: «رأس واحد شتوي كرأسين صيفيين، لأن المعلوفة غير الراعية، وما أكل الكسب في الحبس موثقا، غير ما أكل الحشيش في الصحراء مطلقا» . وكان على ثقة أنه سيأتي عليه في الشتاء مع صحته وبدنه، وفي شك من استبقائه في الصيف، لنقصان شهوات الناس للرؤوس في الصيف، فكان يخاف جريرة تلك البقية وجناية تلك الفضلة. وكان يقول إن أكلتها بعد الشبع لم آمن العطب «٣» وإن تركتها لهم في الصيف، ولم يعرفوا العلة، طلبوا ذلك مني في الشتاء!. طرائف العنبري: حدثني المكّي «٤» قال: كنت يوما عند العنبريّ، إذا جاءت جارية

стр. 144

أمّه، ومعها كوز «١» فارغ، فقالت: «قالت أمك: بلغني أنّ عندك مزمّلة «٢» ، ويومنا يوم حارّ، فابعث إليّ بشربة منها في هذا الكوز» قال: «كذبت! أمي أعقل من أن تبعث بكوز فارغ ونردّه ملآن. إذهبي فاملئيه من ماء حبّكم، وفرّغيه في حبنا «٣» ، ثم املئيه من ماء مزمّلتنا، حتى يكون شيء بشيء» . وقال المكّي: فإذا هو يريد أن تدفع جوهرا بجوهر، وعرضا بعرض، حتى لا تربح أمه إلا صرف ما بين العرضين الذي هو البرد والحرّ، فأما عدد الجواهر والأعراض، فمثلا بمثل. وقال المكّيّ: دخلت عليه يوما، وإذا عنده جلّة «٤» تمر، وإذا ظئره «٥» جالسة قبالته فكلما أكل تمرة رمى بنواتها إليها، فأخذتها فمصّتها ساعة ثم عزلتها. فقلت للمكي: أكان يدع على النواة من جسم التمر شيئا؟ قال: والله لقد رأيتها لاكت نواة مرة بعد أن مصتّها، فصاح بها صيحة، لو كانت قتلت قتيلا ما كان عنده أكثر من ذلك. وما كانت إلا في أن تبادله الإعراض وتسلّم إليه الجوهر. وكانت تأخذ حلاوة النواة، وتودعها ندوة الريق. طرائف أبي قطبة: قال الخليل: كان أبو قطبة يستغلّ ثلاثة آلاف دينار. وكان من البخل يؤخرّ تنقية بالوعته إلى يوم المطر الشديد، وسيل المتاعب،

стр. 145

ليكتري «١» رجلا واحدا فقط، يخرج ما فيها، ويصبّه في الطريق، فيجترفه السيل، ويؤديه إلى القناة. وكان بين موضع بئره والصبّ قدر مائتي ذراع، فكان لمكان زيادة درهمين يحتمل الإنتظار شهرا أو شهرين. وإن هو جرى في الطريق، وأذي به الناس. وقال: ونظر يوما إلى الكسّاحين «٢» ، وهو معنا جالس في رجال من قريش، وهم يخرجون ما في بالوعته، ويرمون به في الطريق، وسيل المثاعب «٣» يحتمله، فقال: أليس البطّ والجداء والدجاج والفراخ والدرّاج «٤» وخبز الشعير والصحناء «٥» والكرّاث «٦» والجواف «٧» جميعا تصير إلى ما ترون؟ فلم يغالي بشيء يصير هو والرخيص في معنى واحد؟. قال الخليل: وسمعته يقول: إياكم والفساء في ثيابكم التي تخرجون فيها، وفي لحفكم التي تنامون فيها، فإن الفساء يدرّ القمل. إني والله ما أقول إلا بعلم. ثم قال: علمتم إن الصوت يدبغ؟ قلنا: وكيف صار الصوت يدبغ؟ قال: الفسوة هي الضرطة بلا صوت، وإنما تخرجان جميعا من قارورة واحدة، فكيف تكون واحدة طيبة وأخرى منتنة؟ فهذا الذى يدلّكم أن الصوت هو الذي يدبغها. قال: وهم ثلاثة إخوة: أبو قطبة والطيل وباني، من ولد عتّاب بن أسيد. واحد منهم كان يحجّ عن حمزة، ويقول: «استشهد قبل أن
следующие страницы →