← Адаб

Адаб · id 10501

البخلاء للجاحظ

الجاحظ

Полный текст (304 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

اليوم؟ قالوا: سمن. قال: وما كان يصنع به؟ قالوا: كنّا في الشتاء نلقي له في البرمة «١» شيئا من دقيق نعمله له، فكان ربّما برّمة «٢» بشيء من سمن. قال: يقولون ولا يفعلون. السمن أخو العسل. وهل أفسد الناس أموالهم الا في السمن والعسل؟ والله إني لولا أن للجرة ثمنا لما كسرتها إلا على قبره. قالوا: فخرج فوق أبيه وما كنّا نظن أن فوقه مزيدا. المخطراني: الذي يأتيك في زيّ ناسك، ويريك أن بابك «٣» قدقوّر لسانه من أصله لأنه كان مؤذنا هناك. ثم يفتح فاه كما يصنع من يتثاءب، فلا ترى له لسانا البتة. ولسانه في الحقيقة كلسان الثور. وأنا أحد من خدع بذلك. ولا بد للمخطراني أن يكون معه واحد يعبّر عنه، أو لوح أو قرطاس قد كتب فيه شأنه وقصتّه. والكاغاني: الذي يتجنّن ويتصارع ويزبد «٤» ، حتى لا يشكّ أنه مجنون لا دواء له، لشدّة ما ينزل بنفسه، وحتى يتعجب من بقاء مثله على مثل علّته. - والبانوان: الذي يقف على الباب ويسل الغلق «٥» ، ويقول: بانوا. وتفسير ذلك بالعربية: يا مولاي. - والقرسيّ: الذي يعصب «٦» ساقه وذراعه عصبا شديدا، ويبيت

стр. 72

على ذلك ليلة. فإذا تورّم واختنق الدم، مسحه بشيء من صابون ودم الأخوين «١» وقطر عليه شيئا من سمن، وأطبق عليه خرقة، وكشف بعضه. فلا يشكّ من رآه أن به الأكلة «٢» ، أو بليّة شبة الأكلة. - والمشعّب: الذي يحتال للصبيّ حين يولد، بأن يعميه أو يجعله أعسم «٣» أو أعضد «٤» ، ليسأل الناس به أهله. وربما جاءت به أمه وأبوه ليتولى ذلك منه بالغرم الثقيل، لأنه حينئذ عقدة «٥» وغلّة. فإمّا أن يكتسبا به، وإمّا أن يكرياه بكراء «٦» معلوم. وربما أكروا أولادهم ممّن يمضي إلى أفريقية، فيسأل بهم الطريق أجمع، بالمال العظيم. فإن كان ثقة مليئا، وإلا أقام بالأولاد والأجرة كفيلا. - والفلّور: الذي يحتال لخصيته، حتي يريك أنه آدر «٧» . وربما أراك أن بها سرطانا أو خرّاجا أو غربا ... أو ربما أرى ذلك في دبره بأن يدخل فيه حلقوما ببعض الرئة. وربما فعلت ذلك المرأة بفرجها. - والكاغان: الغلام المكدّي إذا واجر «٨» ، وكان عليه مسحة جمال، وعمل العملين معا. - والعوّاء: الذي يسأل بين المغرب والعشاء. وربما طرّب، إذا كان له صوت حسن وحلق شجيّ.

стр. 73

- والإسطيل: هو المتعامي: إن شاء أراك أنه منخسف العينين، وإن شاء أراك أن بهما ماء، وإن شاء أراك أنه لا يبصر، لخسف ولريح السبل «١» . - والمزيدي: الذي يدور ومعه الدريهمات، ويقول: هذه دراهم قد جمعت لي في ثمن قطيفة «٢» ، فزيدوني فيها رحكمك الله. وربما احتمل صبيا على أنه لقيط. وربما طلب في الكفن. - والمستعرض: الذي يعارضك وهو ذو هيئة، وفي ثياب صالحة. وكأنه قد مات من الحياء، ويخاف أن يراه معرفة «٣» . ثم يعترضك اعتراضا، ويكلّمك خفيّا. - والمقدّس: الذي يقف على الميّت يسأل في كفنه. ويقف في طريق مكّة على الحمار الميّت، والبعير الميت فيدعي أنه كان له، ويزعم أنه قد أحصر «٤» . وقد تعلّم لغة الخراسانية واليمانية والإفريقية، وتعرّف تلك المدن والسكك والرجال. وهو، متى شاء كان أفريقيا، ومتى شاء كان من أهل فرغانة «٥» ، ومتى شاء كان من أي مخاليف اليمن شاء. - والمكديّ: صاحب الكداء «٦» . - والكعبي: أضيف إلى إبن أبي كعب الموصلي وكان عريفهم بعد خالويه سنة على ماء. - والزكوري: هو خبز الصدقة، كان على سجين أو على سائل.

стр. 74

هذا تفسير ما ذكر خالويه فقط. وهم أضعاف ما ذكرنا في العدد. ولم يكن يجوز أن نتكلف شيئا ليس من الكتاب في شيء. طرف شتّى: رفع يحيى بن عبد الله بن خالد بن أميّة بن عبد الله بن أسيد، رغيفا من خوانه «١» بيده، ثم رطله «٢» ، والقوم يأكلون، ثم قال: يزعمون أن خبزي صغار. أي إبن زانية يأكل من هذا الخبز رغيفين؟ وكنت أنا وأبو إسحاق، إبراهيم بن سيّار النظام، وقطرب النحوي «٣» ، وأبو الفتح، مؤدّب منصور بن زياد، على خوان فلان بن فلان. والخوان من جزعة «٤» ، والغضار «٥» صيني ملمّع، أو خلنجية كيماكيّة «٦» ، والألوان طيّبة شهيّة، وغذية قدية، وكل رغيف في بياض الفضة، كأنه البدر، وكأنه مرآة مجلوة، ولكنه على قدر عدد الرؤوس. فأكل كل إنسان رغيفه إلا كسرة. ولم يشبعوا فيرفعوا أيديهم، ولم يمدّوا بشيء فيتموا أكلهم، والأيدي معلقة. وإنما هم في تنقير وتنتيف «٧» . فلما طال ذلك عليهم أقبل الرجل على أبي الفتح، وتحت القصعة رقاقة «٨» ، فقال: «يا أبا الفتح، خذ ذلك الرغيف فقطّعه، واقسمه على

стр. 75

أصحابنا» فتغافل أبو الفتح، ثم أعاد عليه القول: فتغافل، فلما أعاد عيه القول: فتغافل، فلما أعاد عليه القول، الرابعة، قال: مالك، ويلك، لا تقطّعه بينهم؟ قطع الله أوصالك! قال: تبتلى على يدي غيري، أصلحك الله فخجّلناه مرّة، وضحكنا مرة، وما ضحك صاحبنا ولا خجل. وزرته أنا والمكي، وكنت أنا على حمار مكاريّ، والمكّي على حمار مستعار. فصار الحمار إلى أسوأ من حال الزّور» . فكلّم المكي غلمانه فقال: لا أريد منكم التبن فما فوقه، اسقوه ماء فقط. فسقوه ماء بئر، فلم يشربه الحمار، وقد مات عطشا. فأقبل المكّي عليه، فقال: أصلحك الله! إنهم يسقون حماري ماء بئر؛ ومنزل صاحب الحمار على شارع دجلة؛ فهو لا يعرف إلا العذب. قال: فامزجوه له يا غلام. فمزجوه، فلم يشربه. فأعاد المسألة، فأمكنه من أذن من لا يسمع إلا ما يشتهي. وقال لي مرة: يا أخي، إنّ أناسا من الناس يغمسون اللقمة الى أصبارها «٢» في المري، فأقول هؤلاء قوم يحبّون الملوحة، ولا يعجبون بالحامض. فما ألبث أن أرى أحدهم يأخذ حرف الجردقة «٣» ، فيغمسها في الخل الحاذق، ويغرقها فيه وربما رأيت أحدهم يمسكها في الخل، بعد التغريق، ساعة، فأقول: هؤلاء قوم يجمعون حبّ الحموضة الى حب الملوحة. ثم لا ألبث أن أراهم يصنعون مثل ذلك بالخردل. والخردل لا يرام: قل لي أي شيء طبائع هؤلاء؟ وأي ضرب هم؟ وما دواؤهم؟ وأي شيء علاجهم؟

стр. 76

فلما رأيت مذهبه وحمقه، وغلبة البخل عليه، وقهره له، قلت: ما لهم عندي علاج هو أنجع فيهم من أن يمنعوا الصبّاغ كله. قال: لا والله إن هو غيره! وصديق لنا آخر، كنا قد ابتلينا بمؤاكلته، وقد كان ظنّ أنّا قد عرفناه بالبخل على الطعام، وهجس ذلك في نفسه، وتوهّم أنّا قد تذاكرنا أمره. فكان يتزيّد في تكثير الطعام، وفي إظهار الحرص على أن يؤكل، حتى قال: من رفع يده، قبل القوم، غرّمناه دينارا فيرى بعضهم أن غرم دينار أولى، فذلك منه محتمل في رضى نفسه، وما يرجو من نفع ذلك له. ولقد خبّرني خبّاز لبعض أصحابنا أنه جلده على إنضاج الخبز، وأنه قال له: إنضج خبزي الذي يوضع بين يديّ، واجعل خبز من يأكل معي على مقدار بين المقدارين. وأما خبز العيال والضيف، فلا تقرّبنّه من النار إلا بقدر ما يصير العجين رغيفا، وبقدر ما يتماسك فقط. فكلفّه العويص «١» ، فلما أعجزه ذلك، جلده حدّ الزاني الحرّ. فحدثت بهذا الحديث عبد الله العروضي «٢» ، فقال: ألم تعرف شأن الجدي؟ ضرب الشّواء ثمانين سوطا، لمكان الإنضاج. وذلك أنه قال له: ضع الجدي في التنور، حين نضع الخوان، حتى أستبطئك أنا في إنضاجه، وتقول أنت: بقي قليل. ثم تجيئنا به، وكأني قد أعجلتك. فماذا وضع بين أيديهم غير منضج، احتسبت عليهم بإحضار الجدي. فإذا لم يأكلوه، أعدته الى التنور، ثم أحضرتناه، الغد، باردا، فيقوم الجدي الواحد مقام جديين. فجاء به الشوّاء يوما نضيجا، فعمل فيه القوم. فجلده ثمانن جلدة، جلد القاذف الحرّة. حدثني أحمد بن المثنى، عن صديق لي وله، ضخم البدن، كثير

стр. 77

العلم، فاشي الغلّة، عظيم الولايات، إنه إذا دعي على مائدته بفضل دجاجة، أو بفضل رقاق، أو غير ذلك، ردّ الخادم مع الخبّاز الى القهرمان «١» ، حتى يصكّ «٢» له بذلك الى صاحب المطبخ. ولقد رأيته، وقد تناول دجاجة، فشقّها نصفين، فألقى نصفها إلى الذي عن يمينه، ونصفها الى الذي عن شماله. ثم قال: يا غلام جئني بواحدة رخصة، فإن هذه كانت عضلة «٣» جدا. فحسبت أن أقلّ ما عند الرجلين ألا يعود الى مائدته أبدا. فوجدتهما قد فخرا عليّ بما حباهما به، من ذلك، دوني. وكانوا ربما خصّوه، فوضعوا بين يديه الدرّاجة «٤» السمينة، والدجاجة الرخصة. فانطفأت الشمعة في ليلة، من تلك الليالي، فأغار عليّ الأسواري «٥» على بعض ما بين يديه، واغتنم الظلمة، وعمل على أن الليل أخفى للويل. ففطن له، وما هو بالفطن إلا في هذا الباب، وقال: كذلك الملوك، كانت لا تأكل مع السوقة. وحدثني أحمد بن المثنى أنهم كانوا يعمدون إلى الجرادق «٦» التي ترفع عن مائدته، فما كان منها ملطخا دلك ذلك دلكا شديدا، وما كان منها قد ذهب جانب منه، قطع بسكين من ترابيع الرغيف مثل ذلك، لئلا يشكّ من رآه أنهم قد تعمّلوا ذلك، وما كان من الأنصاف والأرباع، جعل بعضه للثريد «٧» ، وقطع بعضه كالأصابع، وجعل مع بعض القلايا.

стр. 78

ولقد رأيت رجلا ضخما، فخم اللفظ، فخم المعاني، تربية في ظل ملك، مع علم جم ولسان عضب «١» ، ومعرفة بالغامض من العيوب، والدقيق من المحاسن، مع شدّة تسرّع الى أعراض الناس، وضيق صدر بما يعرف من عيوبهم، وأن ثريدته لبلقاء «٢» ، إلا أن بياضها ناصع، ولونها الآخر أصهب «٣» . فرأيت ذلك مرّة أو مرّتين. وكنت قد هممت قبل ذلك، أن أعاتبه على الشيء يستأثر به «٤» ، ويخص به، وإن احتمل ثقل تلك النصيحة، وبشاعتها في حظّه، وفي النظر له. ورأيت أن ذلك لا يكون إلا من حاقّ الإخلاص «٥» ، ومن فرط الإخاء بين الأخوان. فلما رأيت البلقة «٦» ، هان عليّ التحجيل والغرّة «٧» . ورأيت أن ترك الكلام أفضل، وأن الموعظة لغو «٨» . وقد زعم أبو الحسن المدائني أن ثريدة مالك بن المنذر كانت بلقاء. ولعل ذلك أن يكون باطلا؛ وأما أنا فقد رأيت بعيني من هذا الرجل ما أخبرك به. وهو شيء لم أره إلا فيه، ولا سمعت به في غيره. ولسنا من تسمية الأصحاب المتهتكين، ولا في غيرهم من المستورين، في شيء. أما الصاحب، فإنّا لا نسميه لحرمته، وواجب حقه، والآخر لا نسمّيه لستر الله عليه، ولما يجب لمن كان في مثل حاله، وإنما نسمّي من خرج من هاتين الحالين، ولربما سميّنا الصاحب إذا كان

стр. 79

ممن يمازح بهذا كثيرا، ورأيناه يتظرّف «١» به، ويجعل ذلك الظرف سلّما إلى منع شينه «٢» . قصة أبي جعفر الطرسوسي: لم أر مثل أبي جعفر الطرسوسي: زار قوما فأكرموه وطيّبوه، وجعلوا في شاربه وسبلته «٣» غالية «٤» ، فحكّته شفته العليا، فأدخل إصبعه فحكها من باطن الشفة، مخالفة أن تأخذ إصبعه من الغالية شيئا إذا حكتها من فوق. وهذا وشبهه إنما يطيب جدا، إذا رأيت الحكاية بعينك، لأن الكتاب لا يصوّر لك كل شيء، ولا يأتي لك على كنهه، وعلى حدوده وحقائقه. قصة أبي محمد الخزامي: وأما أبو محمد الخزاميّ، عبد الله بن كاسب، كاتب مويس، وكاتب داود بن أبي داود، فإنه كان أبخل من برأ الله، وأطيب من برأ الله. وكان له في البخل كلام، وهو أحد من ينصره ويفضله، ويحتج له، ويدعو اليه. وأنه رآني مرة في تشرين الأول، وقد بكّر البرد شيئا، فلبست كساء لي قومسيا «٥» خفيفا، قد نيل منه. فقال لي: ما أقبح السرف بالعاقل،

стр. 80

وأسمج «١» الجهل بالحكيم. ما ظننت أن إهمال النفس، وسوء السياسة، بلغ بك ما أرى. قلت: وأيّ شيء أنكرت منا مذ اليوم، وما كان هذا قولك فينا بالأمس؟ فقال: لبسك هذا الكساء قبل أوانه. قلت: قد حدث من البرد بمقداره. ولو كان هذا البرد الحادث في تموز وآب، لكان إبّانا «٢» لهذا الكساء. قال: إن كان ذلك كذلك، فاجعل، بدل هذه المبطّنة، جبّة محشوّة، فإنها تقوم هذا المقام، وتكون قد خرجت من الخطأ. فأما لبس الصوف اليوم، فهو غير جائز. قلت: ولم؟ قال: لأن غبار آخر الصيف يتداخله ويسكن في خلله، فإذا أمطر الناس، وندي الهواء وابتلّ كل شيء، ابتلّ ذلك الغبار. وإنما الغبار تراب، إلا أنه لباب التراب. وهو مالح، وينقبض عند ذلك عليه الكساء ويتكرّش، لأنه صوف، فتنضم أجزاؤه عليه. فيأكله أكل القادح «٣» ، ويعمل فيه عمل السوس، ولهو أسرع فيه من الأرضة «٤» في الجذوع النجرانية. ولكن أخّر لبسه، حتى إذا مطر الناس، وسكن الغبار، وتلبّد التراب، وحط المطر ما كان في الهواء من الغبار، وغسله، وصفّاه، فألبسه حينئذ، على بركة الله. وكان يقع إلى عياله بالكوفة، كل سنة مرة، فيشتري لهم من الحب مقدار طبيخهم، وقوت سنتهم. فإذا نظر الى حب هذا، وإلى حبّ هذا، وقام على سعره، اكتال من كل واحد منها كيلة معلومة، بالميزان، واشترى أثقلها وزنا. وكان لا يختار على البلدي والموصلّي شيئا، إلا أن يتقارب السعر. وكان على كل حال يفرّ من الميساني، إلا أنّ يضطرّ اليه. ويقول: هو ناعم ضعيف، ونار المعدة شيطان، فإنما ينبغي لنا أن نطعم

стр. 81

الحجر، وما أشبه الحجر. وقلت له مرّة: أعلمت أن خبز البلدي ينبت عليه شيء شبيه بالطين، والتراب، والغبار المتراكم؟ قال: حبذا ذلك من خبز، وليته قد أشبه الأرض بأكثر من هذا المقدار؟ وكان إذا كان جديد القميص ومغسوله، ثم أتوه بكل بخور في الأرض، لم يتبخّر، مخافة أن يسوّد دخان العود بياض قميصه. فإن اتسخ فأتي بالبخور، لم يرض بالتبخر، واستقصاء ما في العود من القتار «١» ، حتى يدعو بدهن، فيمسح به صدره وبطنه، وداخلة إزارة، ثم يتبخر، ليكون أعلق للبخور. وكان يقول: حبّذا الشتاء، فإنه يحفظ عليك رائحة البخور، ولا يحمض فيه النبيذ، إن ترك مفتوحا، ولا يفسد فيه مرق إن بقي أياما. وكان لا يتبخر إلا في منازل أصحابه. فإذا كان في الصيف، دعا بثيابه، فلبسها على قميصه، لكيلا يضيع من البخور، شيء. وقال مرّة: إن للشيب سهكة «٢» . وبياض الشعر الأسود هو موته، وسواده حياته. ألا ترى أن موضع دبرة الحمار الأسود لا ينبت إلا أبيض. والناس لا يرضون منا، في هذا العسكر، إلا بالعناق واللثام. والطيّب غال، وعادته رديئة. وينبغي لمن كان أيضا عنده، أن يحرسه ويحفظه من عياله. وأن العطّار ليختمه على أخص غلمانه به. فلست أرى شيئا هو خير من اتخاذ مشط صندل «٣» ، فإن ريحه طيّبة، والشعر سريع القبول، وأقل ما يصنع أن ينفي سهك الشيب. قصرنا في حال لا لنا ولا علينا. فكان عطر الحزامي إلى أن فارق الدنيا مشط صندل، إلا أن يطيّبه صديق.

стр. 82

واستسلف منه عليّ الأسواري مائة درهم، فجاءني وهو حزين منكسر. فقلت له: إنما يحزن من لا يجد بدا من إسلاف الصديق، مخافة ألا يرجع إليه ماله، ولا يعد ذلك هبة منة. أو رجل يخاف الشكيّة، فهو إن لم يسلف كرما، أسلف خوفا. وهذا باب، الشهرة فيه هي قرّة عينك. وأنا واثق باعتزامك وتصميمك، وبقلّة المبالاة بتبخيل الناس لك، فما وجه انكسارك واغتمامك؟ قال: اللهم غفرا! ليس ذاك بي إنما بي أني قد كنت أظنّ أن أطماع الناس قد صارت بمعزل عني، وآيسة مني، وأني قد أحكمت هذا الباب وأتقنته، وأودعت قلوبهم اليأس، وقطعت أسباب الخواطر. فأراني واحدا منهم إن من أسباب إفلاس المرء طمع الناس فيه؛ لأنهم إذا طمعوا فيه، احتالوا له الحيل، ونصبوا له الشّرك» ، وإذا يئسوا منه فقد أمن. وهذا المذهب من عليّ استضعاف شديد. وما أشك أني عنده غمر «٢» ، وأني كبعض من يأكل ماله. وهو مع هذا خليط وعشير. وإذا كان مثله لم يعرفني، ولم يتقرر عنده مذهبي، فما ظنّك بالجيران، بل ما ظنك بالمعارف؟ أراني أنفتح في غير فحم، وأقدح بزند مصلد «٣» . ما أخوفني أن أكون قد قصد إليّ بقول. ما أخوفني أن يكون الله في سمائه قد قصد إلى أن يفقرني. قال: ويقولون: ثوبك على صاحبك أحسن منه عليك. فما يقولون إن كان أقصر مني، أليس يتخبّل في قميصي؟ وإن كان طويلا جدا، وأنا قصير جدا، فلبسه، أليس يصير آية للسائلين؟ فمن أسوأ أثرا على صديقه ممن جعله ضحكة للناس؟ ما ينبغي لي أن أكسوه حتى أعلم أنه فيه مثلي. ومتى يتفق هذا؟ وأنى ذاك محيا وممات؟

стр. 83

وكان يقول: أشتهي اللحم الذي قد تهرّأ، وأشتهي أيضا الذي فيه بعض الصلابة. وقلت له مرة: ما أشبهك بالذي قال: أشتهي لحم دجاجتين. قال: وما تصنع بذلك القائل؟ هوذا أنا أشتهي لحم دجاجتين: واحدة خلاسيّة مسمّنة، وأخرى خوامزكة «١» رخصة. وقلت له مرة: قد رضيت بأن يقال: عبد الله بخيل؟ قال: لا أعدمني الله هذا الإسم. قلت: وكيف؟ قال: لا يقال فلان بخيل، إلا وهو ذو مال، فسلم إليّ المال، وادعني بأيّ اسم شئت. قلت: ولا يقال أيضا فلان سخيّ، إلا وهو ذو مال، فقد جمع هذا الإسم الحمد والمال، واسم البخل يجمع المال والذم. فقد اخترت أخسّهما وأوضعهما. قال: وبينهما فرق. قلت: فهاته. قال: في قولهم بخيل تثبيت لإقامة المال في ملكه، وفي قولهم: «سخيّ» إخبار عن خروج المال من ملكه. واسم البخيل اسم فيه حفظ وذم، واسم السخيّ إسم فيه تضييع وحمد. والمال زاهر، نافع، مكرم لأهله، معزّ، والحمد ريح وسخرية، واستماعك له ضعف وفسولة «٢» . وما أقل غناء الحمد، والله، عنه، إذا جاع بطنه، وعري جلده، وضاع عياله، وشمت «٣» به من كان يحسده. وكنا عند داود بن أبي داود بواسط، أيام ولايته كسكر. فأتته من البصرة هدايا فيها زقاق دبس، فقسمها بيننا، فكلنا أخذ ما أعطي غيره. فأنكرت ذلك من مذهبه، ولم أعرف جهة تدبيره. فقلت للمكيّ: قد علمت أن الحزامي إنما يجزع من الإعطاء وهو عدوّه، فأمّا الأخذ فهو ضالّته وأمنيته. وإنه لو أعطي أفاعي سجستان، وثعابين مصر، وحيّات الأهواز، لأخذها، إذ كان اسم الأخذ واقعا عليها، فعساه أراد التفضيل

стр. 84

في القسمة. قال: أنا كاتبه، وصداقتي أقدم، وما ذلك به. وإن ههنا أمرا ما نقع عليه. فلم يلبث أن دخل علينا، فسألته عن ذلك، فتعصّر قليلا. ثم باح بسرّه. قال: وضيعته أضعاف ربحه، وأخذه عندي من أسباب الأدبار. قلت: أوّل وضائعه احتمال الشكر. قال: هذا لم يخطر لي قط على بال. قلت: فهات إذا ما عندك. قال: أول ذلك كراء «١» الحمّال. ثم هو على خطر حتى يصير الى المنزل. فإذا صار الى المنزل، صار سببا لطلب العصيدة «٢» ، والأرزة، والبستندود «٣» . فإن بعته فرارا من هذا، صيّرتموني شهرة، وتركتموني عنده آية، وإن أنا حبسته، ذهب في العصائد، وأشباه العصائد، وجذب ذلك شراء السمن، ثم جذب السمن غيره، وصار هذا الدبس أضرّ علينا من العيال. وإن أنا جعلته نبيذا، احتجت إلى كراء القدور، والى شراء الحبّ «٤» ، وإلى شراء الماء، وإلى كراء من يوقد تحته، والى التفرّغ له. فإن ولّيت ذلك الخادم أسودّ ثوبها، وغرمنا ثمن الأشنان «٥» ، والصابون، وازدادت في الطّعم على قدر الزيادة في العمل. فإن فسد، ذهبت النفقة باطلا، ولم نستخلف منها عوضا بوجه من جميع الوجوه. لأن خلّ الداذي يخضب «٦» اللحم، ويغيّر الطعم، ويسوّد المرق، ولا يصلح للإصطباغ.

стр. 85

وهذا إذا استحال خلا، وأكثر ذلك أن يحول عن النبيذ، ولا يصير إلى الخلّ. وإن سلم، وأعوذ بالله، وجاد وصفا، لم نجد بدّا من شربه، ولم تطب أنفسنا بتركه. فإن قعدت في البيت أشرب منه، لم يمكن إلا بترك سلاف «١» الفارسيّ المعسّل، والدجاج المسمّن، وجداء كسكر «٢» ، وفاكهة الجبل، والنقل الهشّ، والريحان الغضّ، عند من لا يغيض ماله، ولا تنقطع مادته، وعند من لا يبالي على أيّ قطريه «٣» سقط، مع فوت الحديث المؤنس، السماع الحسن. وعلى أني إن جلست في البيت أشربه، لم يكن لي بدء من واحد، وذلك الواحد لا بدّ له من دريهم لحم، ومن طسوج «٤» نقل، وقيراط ريحان، ومن أبراز للقدر، ومن حطب للوقود. وهذا كلّه غرم، وهو بعد هذا سؤم، وحرفة، وخروج من العادة الحسنة، فإن كان ذلك النديم غير موافق، فأهل الحبس أحسن حالا مني. وإن كان وأعوذ بالله موافقا، فقد فتح الله على مالي بابا من التلف، لأنه حينئذ يسير في مالي كسيري في مال من هو فوقي. وإذا علم الصديق أن عندي زائرا ونبيذا، دق الباب، دقّ المدل. فإن حجبناه فبلاء، وإن أدخلناه فشقاء. وإن بدا لي في استحسان حديث الناس، كما يستحسنه مني من أكون عنده، فقد شاركت المسرفين، وفارقت إخواني من المصلحين، وصرت من إخوان الشياطين. فإذا صرت كذلك، فقد ذهب كسبي من مال غيري، وصار غيري يكسب منّي. وأنا لو ابتليت بأحدهما لم أقم له، فكيف إذا ابتليت بأن أعطي ولا آخذ. أعوذ بالله من الخذلان بعد

стр. 86

العصمة «١» ، ومن الحور بعد الكور «٢» . لو كان هذا في الحداثة «٣» كان أهون. هذا الدوشاب «٤» دسيس من الحرفة، وكيد من الشيطان، وخدعة من الحسود. وهو الحلاوة التي تعقب المرارة. ما أخوفني أن يكون أبو سليمان قد ملّ منادمتي، فهو يحتال لي الحيل. وكنّا مرّة موضع حشمة، وفي جماعة كثيرة، والقوم سكوت، والمجلس كبير. وهو بعيد المكان مني. فأقبل عليّ المكّي وقال، والقوم يسمعون: يا أبا عثمان من أبخل أصحابنا؟ قلت: أبو الهذيل. قال: ثمّ من؟ قلت: صاحب لنا لا أسمّيه. قال الحزاميّ من بعيد: إنما يعنيني. ثم قال: حسدتم للمقتصدين تدبيرهم، ونماء أموالهم «٥» ، ودوام نعمتهم، فالتمستم تهجينهم «٦» بهذا اللقب، وأدخلتم المكر عليهم بهذا النبّز «٧» . تظلمون المتلف لماله باسم الجود، إدارة له عن شيئه، وتظلمون المصلح لماله باسم البخل، حسدا منكم لنعمته، فلا المفسد ينجو، ولا المصلح يسلم. حديث خالد عبد الله القسري: قال أبو عبيدة: بلغ خالد بن عبد الله القسري أن الناس يرمونه

стр. 87

بالبخل على الطعام. فتكلم يوما، فما زال يدخل كلاما في كلام، حتى أدخل الإعتذار من ذلك في عرض كلامه. فكان مما احتجّ به، في شدة رؤية الإكيل عليه، وفي نفوره منه، أن قال: نظر خالد المهزول في الجاهلية، يوما، إلى ناس يأكلون، وإلى إبل تجترّ، فقال لأصحابه: أتروني إذا أكلت بمثل هذه العين التي أرى بها الناس والإبل؟ قالوا: نعم. فحلف بإلهه ألّا يأكل بقلا، وأن مات هزلا. فكان يغتذي اللبن، ويصيب من الشراب. فأضمره ذلك وأيبسه. فلما دق جسمه، واشتد هزاله، سمّي: المهزول. ثم قال خالد: هأنذا مبتلى بالمضغ، ومحمول على تحريك اللحيين، ومضطر الى مناسبة البهائم، ومحتمل ما في ذلك من السخف والعجز. ما بالي احتملته فيمن لي منه بدّ، ولي عنده مذهب. ليأكل كل امريء في منزله، وفي موضع أمنه وأنسه، ودون ستره وبابه. هذا ما بلغنا عن خالد بن عبد الله القسري «١» واحتجاجه. فأما خالد المهزول فهو أحد الخالدين، وهما سيّدا بني أسد، وفيه، وفي خالد بن نضلة «٢» ، يقول الأسود بن يعفر: وقبلك مات الخالدان كلاهما: ... عميد بني حجوان، وابن المضلّل قصة الحارثي: وقيل للحارثي بالأمس: والله إنك لتصنع الطعام فتجيده، وتعظم

стр. 88

عليك النفقة، وتكر منه؛ وإنك لتغالي «١» بالخبّاز والطبّاخ والشواء والخباص، ثم أنت مع هذا كله لا تشهده عدوّا لتغمّه «٢» ، ولا وليّا فتسرّه، ولا جاهلا لتعرّفه، ولا زائرا لتعظّمه، ولا شاكرا لتثبّته. وأنت تعلم حين يتنحّى من بين يديك، ويغيب عن عينيك. فقد صار نهبا مقسما، ومتوزعا مستهلكا. فلو أحضرته من ينفع شكره، ويبقى شكره، ويبقى على الأيام ذكره، ومن يمتعك بالحديث والإستماع، ومن يمتدّ به الأكل، ويقصر به الدهر، لكان ذلك أولى بك، وأشبه بالذي قدّمته يدك. وبعد، فلم تبيح مصون الطعام لمن لا يحمدك، ومن ان حمدك لم يحسن أن يحمدك، ومن لا يفصل بن الشهيّ القديّ، وبين الغليظ الزهم «٣» ؟ قال: يمنعني من ذلك ما قال أبو الفاتك. قالوا: ومن أبو الفاتك؟ قال: قاضي الفتيان «٤» . وإني لم آكل مع أحد، قطّ ألا رأيت منه بعض ما ذمّه، وبعض ما شنّعه وقبّحه. فشيء يقبح بالشطّار، فما ظنك به إذا كان في أصحاب المروءات، وأهل البيوتات؟ قالوا: فما قال أبو الفاتك. قال: قال أبو الفاتك: الفتى لا يكون نشّالا، ولا نشّافا، ولا مرسالا، ولا لكّاما، ولا مصّاصا، ولا نقّاضا، ولا دلّاكا، ولا مقوّرا، ولا مغربلا، ولا محلقما، ولا مسوّغا ولا ملغّما، ولا مخضّرا. فكيف لو رأى أبو الفاتك اللطّاع، والقطّاع، والنهّاش، والمدّاد، والدفّاع، والمحوّل «٥» ؟

стр. 89

والله إني لأفضّل الدهاقين «١» ، حين عابوا الحسو «٢» ، وتقززوا من التعرّق» ، وبهرجوا صاحب التمشيش «٤» ، وحين أكلوا بالبارجين «٥» ، وقطعوا بالسكين، ولزموا عند الطعام السكتة، وتركوا الخوض، واختاروا الزمزمة. أنا والله أحتمل الضيق والضيّفن، ولا أحتمل اللعّموظ ولا الجردبيل. والواغل أهون عليّ من الراشن «٦» . ومن يشكّ أن الوحدة خير من جليس السوء، وأن جليس السوء خير من أكيل السوء؟ لأن كل أكيل جليس، وليس كل جليس أكيلا. فإن كان لا بد من المؤاكلة، ولا بد من المشاركة، فمع من لا يستأثر عليّ بالمخّ، ولا ينتهز بيضة البقيلة «٧» ، ولا يلتهم كبد الدجاجة، ولا يبادر إلى دماغ رأس السلّاءة «٨» ولا يختطف كلية الجدي، ولا يزدرد قانصة الكركّي «٩» ، ولا ينتزع شاكلة الحمل «١٠» ولا يقتطع سرّة الشّيصان «١١» ، ولا يعرض لعيون الرؤوس، ولا يستولي على صدور الدجاج، ولا يسابق إلى أسقاط الفراخ، ولا يتناول إلا ما بين يديه، ولا يلاحظ ما بين يدي غيره

стр. 90

ولا يتناول إلا ما بين يديه، ولا يلاحظ ما بين غيره، ولا يتشهّى الغرائب، ولا يمتحن الإخوان بالأمور الثمينة، ولا يهتك أستار الناس بأن يتشهّى ما عسى ألا يكون موجودا. وكيف تصلح الدنيا، وكيف يطيب العيش، مع من إذا رأى جزوريّة، التقط الأكباد والأسنمة، وإذا عاين بقريّة، استولى على العراق والقطنة، وإن أتوا بجنب شواء، اكتسح كل شيء عليه. لا يرحم ذا سن لضعفه، ولا يرقّ على حدث لحدّة شهوته، ولا ينظر للعيال، ولا يبالي كيف دارت بهم الحال؛ وإن كان لا بد من ذلك، فمع من لا يجعل نصيبه في مالي أكثر من نصيبي. وأشد من كل ما وصفنا، وأخبث من كل ما عددنا، أن الطبّاخ، ربما أتى باللون الطريف، وربما قدّم الشيء الغريب، والعادة في مثل ذلك اللون أن يكون لطيف الشخص، صغير الحجم، وليس كالطفشيلية «١» ، ولا كالهريسة «٢» ، ولا كالفجلية، ولا كالكرنبية «٣» ، وربما عجّل عليه، قدّمه حارا ممتنعا، وربما كان من جوهر بطيء الفتور. وأصحابي في سهولة ازدراد «٤» الحار عليهم، في طباع النعام، وأنا في شدّة الحار عليّ، في طباع السباع. فإن انتظرت إلى أن يمكن أتوا على آخره، وإن بدرت مخافة الفوت «٥» ، وأردت أن أشاركهم في بعضه، لم آمن ضرره. والحار ربما قتل، وربما أعقم، وربما أبال الدم. ثم قال: هذا عليّ الأسواري، أكل مع عيسى بن سليمان بن علي، فوضعت قدّامهم سمكة عجيبة، فائقة السمن، فجلط بطنها جلطة،

стр. 91

فإذا هو يكتنز شحما. وقد كان غص بلقمة، وهو المستسقي ففرغ من الشراب، وقد غرف من بطنها كل إنسان منهم بلقمته غرفة. وكان عيسى ينتخب الأكلة، ويختار منهم كل منهوم فيه، ومفتون به. فلما خاف عليّ الأسواري الإخفاق، وأشفق من الفوت، وكان أقربهم إليه عيسى، استلب «١» من يده اللقمة بأسرع من خطفة البازي «٢» ، وانكدار العقاب «٣» ، من غير أن يكون أكل عنده، قبل مرّته. فقيل له: ويحك! استلبت لقمة الأمير من يده، وقد رفعها اليه وشحا لها فاه «٤» ، من غير مؤانسة ولا ممازحة سالفة. قال: لم يكن الأمر كذلك، وكذب من قال ذلك. ولكنا أهوينا أيدينا معا، فوقعت يدي في مقدّم الشحمة، ووقعت يده في مؤخر الشحمة، معا. والشحم ملتبس بالأمعاء. فلما رفعنا أيدينا معا، كنت أنا أسرع حركة، وكانت الأمعاء متصلة غير متباينة، فتحوّل كل شيء كان في لقمته بتلك الجذبة الى لقمتي، لإتصال الجنس بالجنس، والجوهر بالجوهر. وأنا كيف أؤاكل أقواما يصنعون هذا الصنيع، ثم يحتجون له بمثل هذه الحجج؟ ثم قال: إنكم تشيرون عليّ، بملابسة شرار الخلق، وأنذال الناس، وبكل عياب متعتّب، ووثاب على أعراض الناس متسرع. وهؤلاء لم يرضوا أن يدعوهم الناس، ولا يدعوا الناس، وأن يأكلوا ولا يطعموا، وأن يتحدثوا عن غيرهم، ولا يبالون أن يتحدث عنهم، وهم شرار الناس. ثم قال: اجلس معاوية (وهو في مرتبة الخلافة، وفي السطح من

стр. 92

قريش، وفي نبل الهمة، وأصالة الرأي، وجودة البيان، وكمال الجسم، وفي تمام النفس عند الجولة، وعند تقصّف الرماح، وتقطع السيوف) رجلا على مائدته، مجهول الدار، غير معروف النسب، ولا مذكور بيوم صالح. فأبصر في لقمته شعرة، فقال: خذ الشعرة من لقمتك. ولا وجه لهذا القول منه إلا محض النصيحة، والا الشفقة. فقال الرجل: وإنك لتراعيني مراعاة من يبصر معها الشعرة؟ لا جلست لك على مائدة ما حييت، ولأحكينها عنك ما بقيت. فلم يدر الناس أي أمري معاوية كان أحسن وأجمل: تغافله عنه أم شفقته عليه. فكان هذا جزاؤه منه، وشكره له. ثم قال: وكيف أطعم من إن رأيته يقصّر في الأكل فقلت له كل، ولا تقصّر في الأكل. قال: ولم فطن لفضل ما بين التقصير وغيره؟ وإن قصّر فلم أنشّطه، ولم أحثّه. قال لولا أنه وافق هواه. ثم قال: ومد رجل من بني تميم يده إلى صاحب الشراب يستسقيه، وهو على خوان المهلّب، فلم يره الساقي، ولم يفطن له. ففعل ذلك مرارا والمهلّب يراه، وقد أمسك عن الأكل الى أن يسيغ لقمته بالشراب. فلما طال ذلك على المهلّب، قال: اسقه يا غلام ما أحبّ من الشراب. فلما سقاه استقله، وطلب الزيادة منه. وكان المهلب أوصاهم بالإقلال من الماء والإكثار من الخبز. قال التميمي: إنك لسريع الى السقي، سريع الى الزيادة. وحبس يده عن الطعام. فقال المهلب: إله عن هذا أيها الرجل، فإن هذا لا ينفعك ولا يضرّنا. أردنا أمرا وأردت خلافه. وقد علمت أني دون معاوية، ودون المهلّب بن أبي صفرة «١» ، وأنهم

стр. 93

إليّ أسرع، وفي لحمي أرتع «١» . ثم قال: وفي الجارود بن أبي سبرة «٢» لكم واعظ، وفي أبي الحارث جميّن زاجر. فقد كانا يدعيان الى الطعام، وإلى الإكرام، لظرفهما، وحلاوتهما، وحسن حديثهما، وقصر يومهما. وكانا يتشهيان الغرائب، ويقترحان الطرائف، ويكلفان الناس المؤن الثقال «٣» ويمتحنان ما عندهم بالكلف الشداد. فكان جزاؤهم من إحسانهم ما قد علمتم. بلال بن أبي بردة قال: من ذلك أن بلال بن أبي بردة «٤» كان رجلا عيّابا، وكان إلى أعراض الأشراف متسرعا، فقال للجارود: كيف طعام عبد الله بن أبي عثمان؟ قال: يعرف وينكر. قال: فكيف هو عليه؟ قال: يلاحظ اللقم، وينتهر السائل. قال: فكيف طعام سلم بن قتيبة «٥» ؟ قال: طعام ثلاثة، فإن كانوا أربعة جاعوا. قال: فكيف طعام تسنيم إبن الحواري؟ قال: نقط العروس. قال: فكيف طعام المنجاب بن أبي عيينة؟ قال: يقول: لا خير في ثلاث أصابع في صحفة. حتى أتى على عامة أهل البصرة، وعلى كل، من كان يؤثره بالدعوة، وبالآنسة، والخاصة، ويحكمه في ماله. فلم ينج منه إلا من كان يبعده، كما لم يبتل به إلا من كان يقرّبه.

стр. 94

أبو شعيب القلّال ومويس وهذا أبو شعيب القلّال، في تقريب مويس له وأنسه به، وفي إحسانه إليه، مع سخاته «١» على المأكول، وغضّ طرفه عن الأكيل، وقلة مبالاته بالحفظ، وقلة احتفاله بجمع الكثير، سئل عنه أبو شعيب، فزعم أنه لم ير قطّ أشحّ منه على الطعام. قيل: وكيف؟ قال: يدلّك على ذلك أنه يصنعه صنعة، ويهيئه تهيئة من لا يريد أن يمس، فضلا على غير ذلك. وكيف يجترىء الضرس على إفساد ذلك الحسن، ونقض ذلك النظم، وعلى تفريق ذلك، وقد علم أن حسنه يحشم «٢» ، وأن جماله يهيّب منه. فلو كان سخيا لم يمنع منه بهذا السلاح، ولم يجعل دونه الجنن. فحوّل إحسانه إساءة، وبذله منعا واستدعاءه إليه نهيا. قال: ثم قيل لأبي الحارث جميّن: كيف وجه محمد بن يحيى على غذائه؟ قال: أما عيناه فعينا مجنون. وقال فيه أيضا: لو كان في كفه كر «٣» خردل، ثم لعب به لعب الأبليّ «٤» بالأكرة «٥» ، لما سقطت من بين أصابعه حبة واحدة. وقيل له أيضا: كيف سخاؤه على الخبز خاصة؟ قال: والله لو ألقي اليه من الطعام بقدر ما إذا جدس، نزف السحاب لوثرّ «٦» ، ما تجافى عن رغيف.

стр. 95

أبو نواس وكان أبو نواس يرتعي «١» على خوان إسماعيل بن نيبخت، كما ترتعي الإبل في الحمض، بعد طول الخلّة «٢» ، ثم كان جزاؤه منه أنه قال: خبز اسماعيل كالوش ... ي إذا ما شقّ يرفا وقال: وما خبزه إلا كليب بن وائل ... ليالي يحمي عزّه منبت البقل «٣» أبو الشمقمق وكان أبو الشمقمق «٤» يعيب في طعام جعفر بن أبي زهير، وكان له ضيفان في ضيافة جعفر. وهو مع ذلك يقول: رأيت الخبز عزّ لديك حتّى ... حسبت الخبز في جو السحاب وما روّحتنا «٥» لتذبّ عنا ... ولكن خفت مرزئة الذباب وقيل للجمّاز «٦» : رأيناك في دهليز فلان، وبين يديك

стр. 96

قصعة «١» ، وأنت تأكل، فمن أيّ شيء كانت القصعة، وأي شيء كان فيها؟ قال: قيء كلب، في قحف «٢» خنزير. وقيل لرجل من العرب: قد نزلت بجميع القبائل، فكيف رأيت خزاعة؟ قال: جوع وأحاديث. ونزل عمرو بن معدي كرب «٣» برجل من بني المغيرة، وهم أكثر قريش طعاما، فأتاه بما حضر، وقد كان فيما أتاه به فضل، فقال لعمر بن الخطاب، وهم أخواله: لئام بني المغيرة يا أمير المؤمنين. قال: وكيف؟ قال: نزلت بهم فما قروني غير قوس وكعب وثور «٤» . قال عمر: إن ذلك لشبعة. وكم قد رأينا من الأعراب من نزل بربّ صرمة «٥» ، فأتاه بلبن، وتمر، وحيس «٦» ، وخبز، وسمن سلاء «٧» ، فبات ليلته ثم أصبح يهجوه: كيف لم ينحر له (وهو لا يعرفه) بعيرا من ذوده، أو من صرمته. ولو نحر هذا البائس لكلّ كلب مرّ به، بعيرا من مخافة لسانه، لما دار الأسبوع إلا وهو يتعرّض للسابلة «٨» ، يتكفّف الناس، ويسألهم العلق «٩» .

стр. 97

وسأل زياد «١» عن رجل من أصحابه فقيل: إنه لملازم، وما يغبّ «٢» غداء الأمير. فقال زياد: فليغبّه، فإن ذلك مما يضرّ بالعيال. فألزموه الغبّ. فعابوا زيادا بذلك. وزعموا أنه استثقل حضوره، في كل يوم، وأراد أن يزجر «٣» به غيره، فيسقط عن نفسه وعن ماله مؤونة عظيمة «٤» . وإنما كان ذلك من زياد على جهة النظر للعيالات، وكما ينظر الراعي للرعية، على مذهب عمر بن الخطّاب ﵁. وقد قال الحسن: تشبّه زياد بعمر فأفرط «٥» ، وتشبّه الحجاج بزياد فأهلك الناس. فجعلتم ذلك عيبا منه. وقال يوسف بن عمر لقوّام موائده: أعظموا الثريدة، فإنها لقمة الدرداء «٦» . فقد يحضر طعامكم الشيخ الذي قد ذهب فمه، والصبي الذي لم ينبت فمه. وأطعموهم ما يعرفون، فإنه أنجع وأشفى للقرم «٧» فقلتم: إنما أراد العجلة والراحة، بسرعة الفراغ، وأن يكيدهم بالثريد، ويملأ صدورهم بالعراق «٨» . حديث الرسول وقد قال رسول الله ﷺ : سيّد الطعام الثريد. ومثل عائشة في النساء، مثل الثريد في الطعام. ولعظم صفة الثريد في أعين قريش،

стр. 98

سمّوا عمرو بن عبد مناف بهاشم، حين هشم الخبز «١» ، واتخذ منه الثريد، حتى غلب عليه الاسم المشتق له من ذلك. عوف بن القعقاع وقال عوف بن القعقاع لمولاه: اتخذ لنا طعاما يشبع فضله أهل الموسم. قلتم: فلما رأى الخبز الرّقاق والغلاظ والشّواء، والألوان، واستطراف الناس للون بعد اللون، ودوام أكلهم لدوام الطّرف، وأن ذلك لو كان لونا واحدا لكان أقلّ لأكلهم، قال: فهلّا جعلته طعام يد، ولم تجعله طعام يدين. فقلتم: اتسع ثم ضاق، حين أراد إطعامهم الثّريد والحيس «٢» ، وكل ما يؤكل بيد دون يدين. وابن القعقاع عربي كره لمولاه أن يرغب عن طعام العرب إلى طعام العجم، وأراد دوام قومه على مثل ما كانوا عليه. وعلى أن الترفة «٣» تفنّخهم «٤» وتفسدهم، وأنّ الذي فتح عليهم من باب التّرفة أشد عليهم مما أغلق عليهم من باب فضول اللذة. وقد فعل عمر، من جهة التأديب، أكثر من ذلك، حين دعي إلى عرس، فرأى قدرا صفراء، وأخرى حمراء، وواحدة مرّة، وأخرى حلوة، وواحدة محمضة. فكدرها كلها في قدر عظيمة. وقال: إن العرب إذا أكلت هذا، قتل بعضها بعضا. تفسير كلام أبي فاتك: أما قوله: الفتى لا يكون نشّالا؛ «فالنشّال» ، عنده، الذي يتناول

стр. 99

من القدر، ويأكل قبل النضج، وقبل أن تنزل القدر، ويتتامّ القوم «١» . و «النشّاف» ، الذي يأخذ حرف الجردقة، فيفتحه، ثم يغمسه في رأس القدر، ويشرّبه الدسم. يستأثر بذلك دون أصحابه. و «المرسال» رجلان: أحدهما إذا وضع في فيه لقمة هريسة، أو ثريدة، أو حيسة، أو أرزّة «٢» ، أرسلها في جوف حلقه إرسالا. والوجه الآخر: هو الذي إذا مشى في أشب من فسيل أو شجر، قبض على رأس السّعفة «٣» ، أو على رأس الغصن، لينحيّها عن وجه، فإذا قضى وطره «٤» ، أرسلها من يده. فهي لا محالة تصكّ وجه صاحبه الذي يتلوه، لا يحفل بذلك، ولا يعرف ما فيه. وأما «اللكّام» ، فالذي في فيه اللقمة، ثم يلكمها بأخرى، قبل إجادة مضغها، أو ابتلاعها. و «المصّاص» ، الذي يمصّ جوف قصبة العظم، بعد أن استخرج مخّه، واستأثر به دون أصحابه. وأما «النفّاض» ، فالذي إذا فرغ من غسل يده في الطست، نفض يديه من الماء، فنضح على أصحابه. وأما «الدلّاك» ، فالذي لا يجيد تنقية يديه بالأشنان «٥» ، ويجيد دلكها

стр. 100

بالمنديل. وله أيضا تفسير آخر، وليس هو الذي تظنه، وهو مليح، وسيقع في موضعه، إن شاء الله. و «المقوّر» ، الذي يقوّر الجرادق، ويستأثر بالأوساط، ويدع لأصحابه الحروف. و «المغربل» ، الذي يأخذ وعاء الملح، فيديره إدارة الغربال ليجمع أبازيره، يستأثر به دون أصحابه. لا يبالي أن يدع ملحهم بلا أبزار «١» . و «المحلقم» ، الذي يتكلم، واللقمة قد بلغت حلقومه. نقول لهذا: قبيح! دع الكلام الى وقت إمكانه. و «المسوّغ» الذي يعظم اللقم، فلا يزال قد غصّ، ولا يزال يسيغه بالماء. و «الملغّم» : الذي يأخذ حروف الرغيف، أو يغمز ظهر التمرة بإبهامه، ليحملا له من الزبد والسّمن، ومن اللّبأ «٢» واللبن، ومن البيض النيمبرشت «٣» ، أكثر. و «المخضّر» ، الذي يدلك يده بالأشنان من الغمر «٤» والودك «٥» ، حتى إذا أخضّر واسودّ من الدرن، دلك به شفته. هذا تفسير ما ذكر الحارثيّ من كلام أبي فاتك. فأما ما ذكره هو: فإن «اللطاع» معروف، وهو الذي يلطع إصبعه، ثم يعيدها في مرق القوم أو لبنهم أو سويقهم، وما أشبه ذلك.

стр. 101

و «القطّاع» ، الذي يعضّ على اللقمة، فيقطع نصفها، ثم يغمس النصف الآخر في الصباغ. و «النهّاش» ، هو معروف، وهو الذي ينهش، كما ينهش السبع. و «المداد» ، الذي ربما عض على العصبة «١» التي لم تنضج، وهو يمدها بفيه، ويده توترها له. فربما قطعها بنترة، فيكون لها انتضاح على ثوب المؤاكل. وهو الذي إذا أكل مع أصحابه الرطب، أو التمر، أو الهريسة، أو الأرزة، فأتى على ما بين يديه، مد ما بين أيديهم إليه. و «الدفّاع» ، الذي إذا وقع في القصعة عظم، فصار مما يليه، نحاه بلقمة من الخبز، حتى تصير مكانه قطعة من لحم. وهو في ذلك كأنه يطلب بلقمته تشريب المرق، دون إراغة اللحم. و «المحوّل» ، هو الذي إذا رأى كثرة النوى بين يديه، احتال له حتى يخلطه بنوى صاحبه. وأما ما ذكره من الضيف والضيفن، فإن الضيفن ضيف الضيف. وأنشد أبو زيد: إذا جاء ضيف جاء للضيف ضيفن فأودى بما يقرى الضيوف الضيافن. يقول: الأكيل لا يكون إلا يكون إلا بمالعاينة، وقد يكون الضيف (وإن كان معه الضيفن) لا يؤاكل من أضافه. يقول: فأكل الكثير من حيث لا أراه، أهون عليّ. الطفيلي وأما قوله: «الواغل «٢» أهون عليّ من الراشن «٣» » فإنه يزعم أن

стр. 102

طفيلي الشراب أهون عليّ من طفيلي الطعام. وقول الناس: «فلان طفيلي» ، ليس من أصول كلام العرب، ليس كالراشن اللّعموظ «١» . وأهل مكة يسمونه البرقيّ. وكان بالكوفة رجل من بني عبد الله بن غطفان، يسمى «طفيل» «٢» : كان أبعد الناس نجعة في طلب الولائم والأعراس، فقيل له لذلك «طفيل العرائس» ، وصار ذلك نبزا «٣» له، ولقبا لا يعرف بغيره. فصار كل من كانت تلك طعمته يقال له «طفيلي» . هذا من قول أبي اليقظان «٤» . ثم قال الحارثي: وأعجب من كل عجب، وأطرف من كل طريف، أنكم تشيرون عليّ بإطعام الأكلة، ودفعي الى الناس مالي. وأنتم أترك لهذا مني. فإن زعمتم أني أكثر مالا، وأعد عدة، فليس بين حالي وحالكم في التقارب، أن أطعم أبدا، وأنتم تأكلون أبدا. فإذا أتيتم في أموالكم من البذل والإطعام، على قدر احتمالكم، عرفت بذلك أن الخير أردتم، وإلى تزييني ذهبتم. وإلا فإنكم إنما تحلبون حلبا لكم شطره. بل أنتم كما قال الشاعر: يحبّ الخمر من مال الندامى ... ويكره أن تفارقه الفلوس ثم قال: والله إني لو لم أترك مؤاكلة الناس وإطعامهم، إلا لسوء رعة عليّ الأسواري، لتركته. وما ظنكم برجل نهش بضعة لحم تعرّقا، فبلع ضرسه، وهو لا يعلم. فعل ذلك عند إبراهيم بن الخطاب، مولى

стр. 103

سليم. وكان إذا أكل، ذهب عقله، وجحظت عينه «١» ، وسكر، وسدر «٢» ، وانبهر «٣» ، وتربد وجهه «٤» ، وعصب «٥» ولم يسمع، ولم يبصر، فلما رأيت ما يعتريه وما يعتري الطعام منه، صرت لا آذان له إلا ونحن نأكل التمر والجوز والباقلي. ولم يفجأني قط وأنا آكل تمرا إلا استفّه سفا، وحساه حسوا، وزدا به زدوا «٦» . ولا وجده كنيزا الا تناول القطعة كجمجمة الثور، ثم يأخذ بحضنيها، ويقلها من الأرض. ثم لا يزال ينهشها طولا وعرضا، ورفعا وخفضا، حتى يأتي عليها جميعا. ثم لا يقع غصبه إلا على الإنصاف والاثلاث. ولم يفصل تمرة قط من تمرة. وكان صاحب جمل، ولم يكن يرضى بالتفاريق. ولا رمى بنواة قط، ولا نزع قمعا، ولا نفى عنه قشرا، ولا فتشه مخافة السوس والدود. ثم ما رأيته قط، إلا وكأنه طالب ثأر، وشحشحان «٧» صاحب طائلة «٨» . وكأنه عاشق مغتلم «٩» ، أو جائع مقرور «١٠» . والله يا إخوتي لو رأيت رجلا يفسد طين الردغة «١١» ، ويضيع ماء البحر، لصرفت عنه وجهي. فإذا كان أصحاب النظر وأهل الديانة والفلسفة، هذه سيرتهم، وهكذا أدبهم، فما ظنكم بمن لا يعد ما يعدون، ولا يبلغ من الأدب حيث يبلغون؟!

стр. 104

قصة الكنديّ: حدثني عمرو بن نهيوي، قال: كان الكندي لا يزال يقول للساكن، وربما قال للجار: إن في الدار إمرأة بها حمل، والوحمى «١» ربما أسقطت من ريح الطيّبة. فإذا طبختم، فردّوا شهوتها، ولو بغرفة أو لعقة، فان النفس يردّها اليسير. فإن لم تفعل ذلك، بعد إعلامي إياك، فكفارتك «٢» أن أسقطت غرّة: عبد أو أمة «٣» ، ألزمت ذلك نفسك أم أبيت» . قال: فكان ربما يوافي الى منزله من قصاع السكان «٤» والجيران ما يكفيه الأيام، وكان أكثرهم يفطن ويتغافل. وكان الكندي يقول لعياله: أنتم أحسن حالا من أرباب هذه الضياع. إنما لكل بيت منهم لون واحد، وعندكم ألوان. قال: وكنت أتغدى عنده يوما، إذ دخل عليه جار له. وكان الجار لي صديقا. فلم يعرض عليه الغداء. فاستحييت أنا منه فقلت: لو أصبت معنا مما نأكل. قال: قد، والله، فعلت. قال الكندي: ما بعد الله شيء. قال: فكتفه والله، يا أبا عثمان، كتفا لا يستطيع معه قبضا ولا بسطا، وتركه ولو أكل لشهد عليه بالكفر، ولكان عنده قد جعل مع الله شيئا. قال عمرو: بينا أنا، ذات يوم، عنده إذ سمع صوت انقلاب جرّة من الدار الأخرى، فصاح: أي قصاف! فقال، مجيبة له: بئر وحياتك! فكانت الجارية في الذكاء، أكثر منه في الإستقصاء.

стр. 105

قال معبد: نزلنا دار الكندي أكثر من سنة، نروّج له الكراء، ونقضي له الحوائج، ونفي له بالشرط. قلت: قد فهمت ترويج الكراء، وقضاء الحوائج. فما معنى الوفاء بالشرط؟ قال: في شرطه على السكان أن يكون له روث الدابة «١» ، وبعر الشاة ونشوار «٢» العلوفة، وألا يلقوا عظما، ولا يخرجوا كساحة «٣» . وأن يكون له نوى التمر، وقشور الرمان، والغرفة من كل قدر تطبخ للحبلى في بيته. وكان في ذلك يتنزّل عليهم؛ فكانوا لطيبه وإفراط بخله، وحسن حديثه، يحتملون ذلك. قال معبد: فبينا أنا كذلك، إذ قدم ابن عمّ لي ومعه إبن له، وإذا رقعة منه قد جاءتني: «إن كان مقام هذين القادمين ليلة أو ليلتين، احتملنا ذلك. وإن كان إطماع السكان في الليلة الواحدة، يجرّ علينا الطمع في الليالي الكثيرة» . فكتبت إليه: «ليس مقامهما عندنا إلا شهرا أو نحوه» . فكتب إليّ: «إن دارك بثلاثين درهما، وأنتم ستة، لكل رأس خمسة، فإذا قد زدت رجلين، فلا بد من زيادة خمستين. فالدار عليك من يومك هذا بأربعين» . فكتبت إليه: «وما يضرك من مقامهما، وثقل أبدانهما على الأرض التي تحمل الجبال، وثقل مؤونتهما عليّ دونك؟ فاكتب إليّ بعذرك لأعرفه» . ولم أدر أني أهجم على ما هجمت، وإني أقع منه فيما وقعت، فكتب إلي: «الخصال «٤» التي تدعو إلى ذلك كثيرة، وهي قائمة معروفة من ذلك سرعة امتلاء البالوعة، وما في تنقيتها من شدة المؤنة، ومن ذلك أن الإقدام إذا كثرت، كثر المشي على ظهور السطوح المطيّنة، وعلى أرض البيوت المجصّصة، والصعود على الدرج الكثيرة. فينقشر لذلك الطين،

стр. 106

وينقلع الجص، وينكسر العتب. مع إنثناء الأجذاع لكثرة الوطء، وتكسّرها لفرط الثقل. وإذا كثر الدخول والخروج والإغلاق والإقفال وجذب الأقفال، تهشمت الأبواب وتقلعت الرزّات «١» وإذا كثر الصبيان، وتضاعف البوش «٢» نزعت مسامير الأبواب، وقلعت كل ضبّة «٣» ، ونزعت كل رزّة، وكسرت كل حوزة «٤» ، حفر فيها آبار الزدو «٥» ، وهشّموا بلاطها بالمداحي «٦» . هذا مع تخريب الحيطان بالأوتاد وخشب الرفوف. وإذا كثر العيال والزوّار، والضيفان والندماء، احتيج من صب الماء واتخاذ الحببة «٧» القاطرة، والجرار الرّاشحة، إلى أضعاف ما كانوا عليه. فكم من حائط قد تأكل أسفله، وتناثر أعلاه، واسترخى أساسه، وتداعى بنيانه، من قطر حب ورشح جرة، ومن فضل ماء البئر، ومن سوء التدبير. وعلى قدر كثرتهم يحتاجون من الخبيز والطبيخ ومن الوقود والتسخين. والنار لا تبقي ولا تذر. وإنما الدور حطب لها. وكل شيء فيها من متاع فهو أكل لها. فكم من حريق قد أتى على أصل الغلة، فكلفتم أهلها أغلظ النفقة. وربما كان ذلك عند غاية العسرة، وشدة الحال. وربما تعدت تلك الجناية الى دور الجيران، والى مجاورة الأبدان والأموال. فلو ترك الناس حينئذ رب الدار وقدر بليّته ومقادر مصيبته، لكان عسى ذلك أن يكون محتملا. ولكنهم يتشاءمون به، ولا يزالون يستثقلون ذكره، ويكثرون من لائمته وتعنيفه.

стр. 107

نعم ثم يتخذون المطابخ في العلالي على ظهور السطوح، وإن كان في أرض الدار فضل وفي صحنها متسع مع ما في ذلك من الخطار بالأنفس «١» ، والتغرير بالأموال، وتعرض الحرم ليلة الحريق لأهل الفساد، وهجومهم مع ذلك على سر مكتوم، وخبيء مستور. من ضيف مستخفّ، ورب دار متوار، ومن شراب مكروه، ومن كتاب متهم، ومن مال جم أريد دفنه، فأعجل الحريق أهله عن ذلك فيه، ومن حالات كثيرة، وأمور لا يحب الناس أن يعرفوا بها ثم لا ينصبّون التنانير «٢» ، ولا يمكنّون للقدور، إلا على متن السطح، حيث ليس بينها وبين القصب والخشب إلا الطين الرقيق والشيء لا يقي. هذا مع خفّة المؤونة في إحكامها وأمن القلوب من المتالف بسببها. فإن كنتم تقدمون على ذلك منا ومنكم وأنتم ذاكرون، فهذا عجب. وإن كنتم لم تحفلوا بما عليكم في أموالنا، ونسيتم ما عليكم في أموالكم، فهذا أعجب. ثم إن كثيرا منكم يدافع بالكراء، ويماطل بالأداء. حتى إذا اجتمعت أشهر عليه، فرّ وخلّى أربابها جياعا، يتندّمون على ما كان من حسن تقاضيهم وإحسانهم. فكان جزاؤهم وشكرهم اقتطاع حقوقهم، والذهاب بأقواتهم. ويسكنها الساكن حين يسكنها، وقد كسحناها ونظفّناها، لتحسن في عين المستأجر، وليرغب فيها الناظر. فإذا خرج، ترك فيها مزبلة وخرابا، لا تصلحه إلا النفقة الموجعة، ثم لا يدع مترسا «٣» إلا سرقه، ولا سلّما إلا حمله، ولا نقضا إلا أخذه، ولا برادة إلا مضى بها معه، ويدع دقّ الثوب، والدقّ في الهاون والمنحاز «٤» ، في

стр. 108

أرض الدار. ويدّق على الأجذاع والحواضن والرواشن «١» ، وإن كانت الدار مقرمدة أو بالاجرّ مفروشة، وقد كان صاحبها جعل في ناحية منها صخرة، ليكون الدّق عليها، ولتكون واقية دونها. دعاهم التهاون، والقسوة، والغش، والفسولة، إلى أن يدقوا حيث جلسوا، وإلى ألا يحفلوا بما أفسدوا. لم يعط قط لذلك أرشا «٢» ، ولا استحلّ صاحب الدار، ولا استغفر الله منه في السّر. ثم يستكثر من نفسه، في السنة، إخراج عشرة دراهم، ولا يستكثر من رب الدار ألف دينار في الشهر. أيذكر ما يصير إلينا مع قلته، ولا يذكر ما يصير إليه مع كثرته؟ هذا والأيام التي تنقض المبرم، وتبلى الجدّة، وتفرّق الجميع المجتمع، عاملة في الدور كما تعمل في الصخور، وتأخذ من المنازل كما تأخذ من كلّ رطب ويابس، كما تجعل الرطب يابسا، واليابس هشيما، والهشيم «٣» مضمجلا. ولانهدام المنازل غاية قريبة، ومدة قصيرة. والساكن فيها هو المتمتع بها «٤» ، والمنتفع بمرافقها. وهو الذي أبلى جدّتها وذهب بحلاها، وبه هرمت وذهب عمرها، لسوء تدبيره. فإذا قسنا الغرم عند انهدامها بإعادتها، وبعد إبتدائها، وغرم ما بين ذلك من مرمّتها وإصلاحها، ثم قابلنا بذلك ما أخذنا من غلّاتها، وارتفقنا به من إكرائها، خرج على المسكن من الخسران، بقدر ما حصل للساكن من الربح. إلا أن الدراهم التي أخرجناها من النفقة، كانت جملة، والتي أخذناها على جهة الغلة جاءت مقطعة. وهذا مع سوء القضاء، والأحوج

стр. 109

الى طول الاقتضاء، ومع بعض الساكن للمسكن، وحبّ المسكن للساكن. لأن السكن يحب صحة بدن الساكن، ونفاق سوقه إن كان تاجرا، وتحرّك صناعته إن كان صانعا. ومحبة الساكن أن يشغل الله عنه المسكن كيف شاء. إن شاء شغله بعينه، وإن شاء بزمانه، وإن شاء بحبس، وإن شاء بموت، ومدار مناه أن يشغل عنه. ثم لا يبالي كيف كان ذلك الشغل، إلا أنه كلما كان أشدّ كان أحبّ اليه، وكان أجدر أن يأمن، وأخلق لأن يسكن. وعلى أنه إن فترت سوقه أو كسدت صناعته، ألحّ في طلب التخفيف من أصل الغلة، والحطيطة مما حصل عليه من الأجرة «١» . وعلى أنه إن أتاه الله بالأرباح في تجارته، والنفاق في صناعته، لم ير أن يزيد قيراطا في ضريبته، ولا أن يعجّل فلسا قبل وقته. ثم أن كانت الغلة صحاحا «٢» دفع أكثرها مقطعة، وإن كانت أنصافا وأرباعا دفعها قراضة مفتتة «٣» . ثم لا يدع مزبّقا «٤» ولا مكحلا ولا زائفا ولا دينارا بهرجا «٥» ، إلا دسّه فيه ودلّسه «٦» عليه، واحتال بكل حيلة، وتأتّى له بكل سبب. فإن ردّوا عليه بعد ذلك شيئا، حلف بالغموس أنه ليس من دراهمه ولا من ماله، ولا رآه قط ولا كان في ملكه. فان كان الرسول جارية ربّ الدار أفسدها وربما أحبلها، وإن كان غلاما خدعه وربما شطر به. هذا مع التشرّف على الجيران والتعرّض للجارات، ومع اصطياد طيورهم وتعريضنا لشاكيتهم. وربما استضعف عقولهم بالشهوات، ويفتح لهم أبوابا من النفقات، ليعيبهم ويربح

стр. 110

عليهم. حتى إذا استوثق منهم «١» ، أعجلهم وحزق «٢» بهم، حتى يتقوه ببيع بعض الدار، أو باسترهان الجميع، ليربح، مع الذهاب بالأصل، السلامة، مع طول مقامه، من الكراء. وربما جعله بيعا في الظاهر، ورهنا في الباطن، فحينئذ يقتضيهم دون المهلة، ويدّعيها قبل الوقت. وربما بلغ من استضعافه واستثقاله لأداء الكراء، أن يدّعي أن له شقيصا «٣» وأن له يدا ليصير خصما من الخصوم، ومنازعا غير غاصب. وربما أخذهم ومعه امرأة يفجر بها، فيجعل استئجار البيوت وتصفّح المنازل، علة لدخولها والمقام ساعة فيها. فإذا استقر في المنزل، قضى حاجته منها، وردّ المفتاح. وربما اكترى المنزل وفيه مرمّة، فاشترى بعض ما يصلحها، ثم يتوخّى عاملا جيد الكسوة، وجيرانا أصحاب آنية وآلة، فإذا شغل العامل وغفل، اشتمل على كل ما قدر عليه، وتركهم يتسكعون. وربما استأجر الى جنب سجن لينقب أهله اليه، وإلى جنب صرّاف لينقب عليه، طلبا لطول المهلة والستر، ولطول المدة والأمن. وربما جنى الساكن ما يدعو إلى هدم دار المسكن، بأن يقتل قتيلا أو يجرح شريفا، فيأتي السلطان الدار (وأربابها إما غيّب وإما أيتام وإما ضعفاء) فلا يصنع دون أن يسوّيها بالأرض. وبعد فالدّور ملقاة «٤» ، وأربابها منكوبون وملقّون. وهم أشد الناس اغترارا بالناس، وأبعدهم غاية من سلامة الصدور. وذلك أن من دفع داره ونقضها وساجها «٥» وأبوابها، مع حديدها وذهب سقوفها الى مجهول
следующие страницы →