Полный текст (350 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وأدخلهم فيه وأغلق بابه ... وقال لهم مفتاح بابكم الصبر
وكان ينشد:
إني وجدت وخير القول أصدقه ... للصبر عاقبة محمودة الأثر
وقلّ من جدّ في أمر يحاوله ... فاستصحب الصّبر إلّا فاز بالظّفر
وقال آخر:
عليك بالصبر فيما قد منيت به ... فالصبر يذهب ما في الصّدر من حرج
كم ليلة من غموم الدهر مظلمة ... قد ضاء من بعدها صبح من الفرج
وقال آخر:
تصبّر إذا ما آلمتك ملمة ... وأهون بها ما لم تسمك بعار
فغب قطوب النحس بشر سعادة ... وبعد ظلام الليل نور نهار
وفي بعض الأخبار الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله.
وقال آخر:
إذا المرء لم يأخذ من الصبر حظه ... تقطّع من أسبابه كلّ مبرم
стр. 107
ويقال: أوكد الأسباب للظفر الصبر. وقال بعض العلماء:
الصبر جنّة المؤمن، وعزيمة المتوكل، وسبب درك النجح في الحوائج.
ويقال: من وطّن نفسه على الصبر لم يجد للأذى مسا. وقال النبي ﷺ : «من استعف بالله عفا، ومن استعان به أعانه، ولن تجدوا حظا خيرا من الصبر» «١» .
وقال الشاعر:
قرين الصّبر يظفر بعد حين ... بحاجته فيوجد قد قضاها
وقال المهلب: يا بني إن غلبتم على الظفر، فلا تغلبوا على الصبر.
وقال آخر:
من يمتط الصبر يضع رحله ... بساحة الرّاحة واليسر
وقال محمود «٢» :
الصبر أمضى سلاح ذي الأدب ... فاقمع به حدّ سورة الأرب
وقال الله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ
«٣» . وقال عز اسمه: وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً
«٤» . وقال عز من قائل: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ
«٥» ، الآية.
стр. 108
وكان الحسن البصري يقول: إني لأعجب ممن خف كيف خف بعد هذه الآية: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا
«١» .
وقال عمر بن عبد العزيز: ما أنعم الله على عبد نعمة فنزعها عنه فصبر، إلا كان ما أعاضه أفضل مما انتزعه عنه، ثم قرأ: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ
«٢» . وقال بعض الحكماء:
الصبر صبران: صبر عمّا تحب، وصبر على ما تكره «٣» ، والرجل من جمع بينهما «٤» . وقلت في المبهج: الصبر أحجى بذي الحجج.
وقال حكيم: تابع الصبر متبوع النصر. وقال الشاعر:
ما أحسن الصبر في مواطنه ... والصبر في كل موطن حسن
وقال ابن الجهم:
وعاقبة الصّبر الجميل جميلة ... وأفضل أخلاق الرجال التّفضل
ويقال: الصبر كاسمه، وعاقبته العسل.
стр. 109
باب ذم الصبر
الصبر كاسمه، ويقال: الصبر تجرع الغصة، وانتظار الفرصة.
وأنشد:
وإني لأدري أنّ في الصبر راحة ... ولكنّ إنفاقي على الصّبر من عمري
يقولون لي صبر التّحمّد غبّة ... فقلت لهم ليس التّصبّر من أمري
وقال البرقعي:
من حمد الصّبر وحالاته ... فلست بالحامد للصبر
كم جرعة للصبر جرعتها ... أمر في الذوق من الصبر
صبرت حتى قيل لي جاهل ... لا يعرف الخير من الشر
إني إذا الدهر نبا نبوة ... أصبر للدهر من الدهر
وقال أبو القاسم بن أبي العلاء «١» الأصفهاني «٢» :
فإن قيل لي صبرا فلا صبر للذي ... غدا بيد الأيام تقتله صبرا
وإن قيل لي عذرا فو الله ما أرى ... لمن ملك الدّنيا إذا لم يجد عذرا
стр. 110
باب مدح الحلم
كان يقال: الحلم حجاب الآفات. وقال حكيم: حلم ساعة يردّ سبعين آفة. وقال بعض السلف: الحلم أجلّ من العقل، لأن الله تعالى وصف نفسه به. وقيل: حسب الحليم أنّ الناس أنصاره على الجاهل، ومن ملك غضبه احترز من عدوه. وقال الحسن رحمة الله عليه: ما بعث الله نبيا إلى قوم إلا بعثه وأمره بالحلم. وكان الأحنف يقول: ما أضيف شيء إلى شيء أحسن من علم إلى حلم.
وكان يقول: من لم يصبر على كلمة واحدة، سمع كلمات.
ومن أحسن ما قيل في الحلم قول الشاعر:
لن يبلغ المجد أقوام وإن كرموا ... حتى يذلوا وإن عزّوا لأقوام
ويشتموا فترى الألوان مشرقة ... لا عفو ذل ولكن عفو أحلام
باب ذم الحلم
كان يقال: من عرف بالحلم كثرت الجراءة عليه. وقال بعض السلف: الحلم ذلّ كله. وقال السفاح: إذا كان الحلم مفسدة،
стр. 111
كان العفو معجزة. وقال الشاعر:
أرى الحلم في بعض المواطن ذلّة ... وفي بعضها عزا يسوّد فاعله
وقاتل الأحنف قتالا شديدا في بعض المواطن، فقيل له: أين الحلم يا أبا بحر! فقال: عند الحياء. وكان يقال: آفة الحلم الضعف. ومن أحسن ما قيل في هذا الباب قول النابغة الجعدي:
لا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... أديب إذا ما أورد الأمر أصدرا
وقال محمد بن وهب:
لئن كنت محتاجا إلى الحلم إنني ... إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج
ولي فرس للحلم بالحلم ملجم ... ولي فرس للجهل بالجهل مسرج
فمن شاء تقويمي فإني مقوّم ... ومن رام تعويجي فإني معوج
وأحسن ما سمعت في هذا الباب ما قيل:
أتاني منك ما ليس ... على مكروهه صبر
فاغضيت على عمد ... وقد يغضي الفتى الحرّ
وأدّبتك بالهجر ... فما أدّبك الهجر
стр. 112
ولا ردّك عما كا ... ن منك الصفح والزجر
فلما اضطرني المكرو ... هـ واشتد بي الأمر
تناولتك من سرّي ... بما ليس له قدر
فحركت جناح الذلّ ... لما مسّك الضرّ
إذا لم يصلح الخير ... أمرأ أصلحه الشر
قد شذ في الأصل منه بيت، قال الشيخ الإمام: البيت الأخير من قول الحسن، وهو أنه قيل له: إن عندنا رجلا إذا قيل له جزاك الله خيرا يغضب، فقال: من لا يصلحه الخير أصلحه الشر.
стр. 113
باب مدح المشورة
روي عن النبي ﷺ أنه قال: «المستشار بالخيار، وإن شاء قال، وإن شاء سكت» . وقال ﵊ أيضا:
«المستشار مؤتمن» «١» . وقال الحسن البصري: إن الله تعالى أمر نبيه ﵇ بالمشورة، لا من حاجة منه إلى آرائهم، وإنما أراد عز اسمه أن يعلمنا ما في المشورة من الفضيلة، حيث قال: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
«٢» ، يعني أن الإنسان لا يستغني عن مشورة نصيح له، كما أن القوادم من ريش الجناح تستعين بالخوافي منه. قال بشار:
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... بحزم نصيح أو نصاحة حازم
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فريش الخوافي تابع للقوادم
قال الأصمعي: قلت لبشار: رأيت رجال الرأي يتعجبون من أبياتك في المشورة، فقال: أو ما علمت أن المشاور بين إحدى الحسنيين، صواب يفوز بثمرته، أو خطأ يشارك في مكروهه، فقلت له: أنت والله في هذا الكلام أشعر منك في شعرك. وقال الجاحظ:
المشورة لقاح العقول، ورائد الصواب، والمستشير على طرف
стр. 114
النجاح، واستنارة المرء برأي أخيه، من عزم الأمور وحزم التدبير، وقد أمر الله تعالى أكمل الخلق لبا، وأولاهم بالإصابة عزما، فقال لرسوله الكريم ﵇ في كتابه الكريم: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
«١» .
وقال حكيم: إذا شاورت العاقل صار عقله لك «٢» . ويقال:
أول الحزم المشورة. وقال العتابي: المشورة عين الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه «٣» .
وقال ابن المعتز: المشورة راحة لك، وتعب لغيرك. وقال أيضا: من أكثر المشورة لم يعدم عند الصواب مادحا، وعند الخطأ عاذرا. وقلت في المبهج: ثمرة رأي الأديب المشير، أحلى من رأي المشور. ولبعضهم: لا تشاور الجائع حتى يشبع، ولا الغضبان حتى يهجع، ولا الأسير حتى يطلق، ولا المضل حتى يجد، ولا الراغب حتى ينجح. وقال بعض الحكماء: ما خاب من استشار ولا ندم من استخار «٤» . وقال صالح بن عبد القدوس:
ومن الرجال من استوت أحلامهم ... من يستشار إذا استشير فيطلق
حتى يجول بكل واد قلبه ... فيرى الصواب بها يشير فينطق
стр. 115
إن الأديب إذا تفكّر لم يكد ... يخفى عليه من الأمور الأوفق
فهناك تشعب ما تفاقم صدعه ... ويداك ترتق كلّ أمر يفتق
وإذا استشرت ذوي العقول فخيرهم ... عند المشورة من يحن ويشفق
وكان يقال: نصف عقلك مع أخيك فاستشره. وكان يقال: ما استنبط الصواب بمثل المشورة، ولا خصبت النعم بمثل المواساة، ولا اكتسبت البغضة بمثل الكبر. وكان يقال: لا يستقيم الملك بالشركاء، ولا يستقيم الرأي بالتفرد به.
وقيل: شاور قبل أن تقدم. وقال عبد الملك بن مروان: لأن أخطىء وقد استشرت، أحب إليّ من أن أصيب وقد استبددت برأي من غير مشورة. وقال سليمان بن داود ﵉ لابنه: لا تقطعن أمرا حتى تشاور مرشدا، فإنك إذا فعلت ذلك لم تحزن عليه. وقيل للنبي ﵊: ما الحزم؟ قال: «أن تستشير ذا الرأي وتطيع أمره» «١» . وقال ﵊: «لم يهلك امرؤ عن مشورة» «٢» . وقيل: مكتوب في التوراة: من ملك استأثر، ومن لم يستشر يندم، والحاجة الموت الأكبر والهم نصف الهرم. وقال الشاعر:
نصحت لذي جهل وقلت لعلّه ... بنصحي له من نومه يتنبه
стр. 116
فما نجعت فيه النصائح منجعا ... وهل يبرىء الكهان من هو أكمه
باب ذم المشورة
كان عبد الملك بن صالح يقول: ما استشرت أحدا قط إلّا تكبر عليّ، وتصاغرت له، ودخلته العزة ودخلتني الذلة، فإياك والمشاورة وإن ضاقت بك المذاهب، واشتبهت عليك المسارب، وأداك فرط الاستبداد إلى الخطأ والفساد. وكان عبد الله بن طاهر يقول: ما حك ظهري مثل ظفري، ولأن أخطىء مع استبداد ألف خطأ أحبّ إليّ من أن أرى بعين النقص عند المستشار.
стр. 117
باب مدح التأني
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا
«١» الآية، يعني فتثبتوا، وهو أبين. وقال حكيم: ينبغي للوالي أن يتثبت فيما أنهي إليه، ولا يتعجل، ويتأنى ويتمهل، حتى ينظر ويستكشف الحال، ويأخذ بأدب سليمان ﵇ حيث قال: سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ
«٢» . وفي الخبر:
«التأني من الله والعجلة من الشيطان» . ويقال: الأناة حصن السلامة، والعجلة مفتاح الندامة. وقيل: التأني مع الخيبة، خير من العجلة مع النجاح. وقال آخر: التأني في الأمور أول الحزم، والتسرع إليها عين الجهل. وقال النابغة:
الرّفق يمن والأناة سعادة ... فتأنّ في أمر تلاق نجاحا
وقال القطامي:
قد يدرك المتأنّي بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزّلل «٣»
ويقال: ائتد تصب أو تكد؛ يعني إرفق لتدرك الصواب أو
стр. 118
تقرب أن تدركه. قال النبي ﵊: «من تأنى أصاب أو كاد، ومن تعجل أخطأ أو كاد» .
باب ذم التأني
كان يقال: إياكم والتأني في الأمور فإن الفرص تمر مر السحاب. وقال ابن عائشة القرشي: الفلك أجدر من أن يحتمل معه التأني والتثبت، وخير الخير أعجله. ويقال: الآفات في التأخيرات.
وقيل لابي العيناء: لا تعجل، فإن العجلة من الشيطان، فقال: لو كانت العجلة من الشيطان لما قال كليم الله ﵊:
وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى
«١» .
وقال القطامي بعد قوله: قد يدرك المتأني البيت:
وربما فات قوما بعض نجحهم ... من التأني وكان الحزم لو عجلوا «٢»
وأحسن منه قول ابن الرومي:
عيب الأناة وإن كانت مباركة ... أن لا خلود وأن ليس الفتى الحجر
وقال ابن المعتز:
وإن فرصة أمكنت في العدا ... فلا تبد فعلك إلّا بها «٣»
стр. 119
فإن لم تلج بابها مسرعا ... أتاك عدوّك من بابها
وإياك من ندم بعدها ... وتأميل أخرى وأنّى بها
وقال محمد بن بشير «١» :
كم من مضيّع فرصة قد أمكنت ... لغد وليس غد له بموات
حتّى إذا فاتت وفات طلابها ... ذهبت عليها نفسه حسرات
стр. 120
باب مدح الوحدة والعزلة
كان يقال: الوحدة خير من جليس السوء. ويقال: العزلة من الناس تقي العرض، وتبقي الجلالة، وتستر الفاقة، وترفع مؤنة المكافأة في الحقوق الواجبة. وقال الشاعر:
كن لقعر البيت جلسا ... وارض بالوحدة أنسا
لست بالواجد خلا ... أو ترد اليوم أمسا
وأنشدني ميمون بن سهل الواسطي قال: أنشدني القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني «١» لنفسه:
ما تطعمت لذة العيش حتى ... سرت في وحدتي لكتبي جليسا
إنما الذّل في مداخلة الناس ... فدعها وكن كريما رئيسا
ليس عندي شيء أجلّ من العلم ... فلا أبتغي سواه أنيسا
وقال مكحول: إن كان الفضل في الجماعة، فإن السلامة في الوحدة والعزلة.
стр. 121
ومن أحسن ما قيل في هذا الباب قول منصور بن إسماعيل المصري:
الناس بحر عميق ... والبعد عنهم سفينه
وقد نصحتك فانظر ... لنفسك المسكينه
ولبعضهم:
الناس داء دفين ... لا تركننّ إليهم فيهم خداع ومكر
لو اطّلعت عليهم
وأنشدني البستي لأبي سليمان الخطابي «١» :
قد أولع الناس بالتلاقي ... والمرء صبّ إلى مناه
وإنما منهم صديقي ... من لا يراني ولا أراه
وله أيضا:
إذا خلوت صفا ذهني وعارضني ... خواطر كطراز البرق في الظّلم
فإن توالى صياح الناعقين على ... أذني عرتني منه حكلة العجم «٢»
ومن أحسن ما قيل في الانفراد قول أبي هيان:
إن أمس منفردا فالليث منفرد ... والبدر منفرد والسيف منفرد
стр. 122
وقلت في المبهج: من لزم الخلوة بربه، حصل في العيش الأمتع والحي الأمنع. وقال أبو العتاهية:
وحدة الإنسان خير ... من جليس السوء عنده
وجليس الخير خير ... من جلوس المرء وحده
باب ذم الوحدة
قيل: الوحدة وحشة، والوحدة قبر الحي. وفي الخبر:
الشيطان مع الواحد وهو عن الإثنين أبعد، ويد الله مع الجماعة «١» .
ولحاتم الطائي وهو مما يتمثل به:
إذا لزم الناس البيوت رأيتهم ... عماة عن الأخبار خرق المكاسب «٢»
ويقال: إياكم والعزلة فإن لقاء الناس معتبرا نافعا ومتعظا واسعا، ومجالسة الناس تجلو البصر وتطرد الفكر.
ويقال: الانقباض من الناس مكسبة للعداوة. وقال بعض الحكماء: إياكم والخلوات فإنها تفسد العقول، وتحل المعقود، وتعقد المحلول. وقال آخر: البيت رمس ما لزمته، والهم زمانة ما سلطته.
ولأبي تمام في معناه بعينه:
وراكد الهمّ كالزمانة ... والبيت إذا لزمته رمس
стр. 123
باب مدح الشجاعة
في الخبر: إن الله يحب الشجاعة ولو على قتل حية أو عقرب» . وكتب أنوشروان إلى وكلائه: عليكم بأهل الشجاعة والسخاء، فإنهم أهل حسن الظن بالله تعالى. وكان يقال: الشجاع موقى، والجبان ملقى. ويقال: الشجاع محبب حتى إلى عدوه، والجبان مبغض حتى إلى أمه، وقال بعض الحكماء: قوة النفس أبلغ من قوة الجسد، وقال الشاعر:
يفرّ الجبان من أبيه وأمّه ... ويحمي شجاع القوم من لا يناسبه
ولما قال أبو الطيب المتنبي:
يرى الجبناء أنّ العجز عقل ... وتلك خديعة الطبع اللئيم
وكلّ شجاعة في المرء تغني ... ولا مثل الشجاعة في الحكيم «١»
قيل له: أنى يكون الشجاع حكيما وهما على طرفي نقيض؟
قال: هذا علي بن أبي طالب ﵁ وكان يقال: خيفة العاقبة تورث جبنا والشجاعة حسن الظن. وكان خالد بن الوليد رضي الله
стр. 124
عنه يقول: ما ليلة أقر لعيني من ليلة يهدى إليّ فيها عروس إلا ليلة أغدو فيها لقتال العدو. وكان حصين بن المنذر صاحب راية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يقول: ابتذال الأنفس في الحرب أبقى لها إذا أخر في الآجال.
وقيل لعباد بن الحصين: في أي جنّة تحب أن تلقى عدوك؟
قال: في أجل مستأخر. وكان يقال: إن بني هاشم شجعان قريس وأسخياء قريش، أجمع أهل الإسلام على أنه لم يكن فارس في زمن رسول الله ﷺ أشجع من علي بن أبي طالب ﵁. وقيل:
لا يصدق في القتال إلا ثلاثة، مستنصر في دين أو غيران على النساء أو ممتهن من ذل.
باب ذم الشجاعة
قيل: إنه روي عن شيخ كبير وقد تأخر عن الصف في الحرب، واستعد للهرب فقيل له: نراك غير شجاع! فقال: لو كنت شجاعا ما بلغت هذا السن. وقيل: ما في الدنيا شجاع إلا متهور، ولا جبان إلا متحرز.
وقال بعض الجبناء: من أراد السلامة، فليدع الشجاعة. وقال آخر: يقال: فر أخزاه الله، خير من قتل ﵀؛ هو كقولهم:
رهبوت خير من رحموت.
ويقال: الفرار في وقته ظفر. وقال محمد بن أبي حمزة العقيلي مولى الأنصار:
ظلّت تشجعني هند وقد علمت ... أنّ الشجاعة مقرون بها العطب
стр. 125
يا هند لا والذي حجّ الحجيج له ... لا يشتهي الموت عندي من له أدب
وهذا أحسن ما قيل في مدح الجبن. وقال بعضهم: الشجاعة تغرير، والتغرير مفتاح البؤس.
стр. 126
باب مدح الجود
في الخبر: «إن الله ﵎ يحب الجواد لأنه جواد كريم» «١» وفيه أيضا: «الجود من أخلاق أهل الجنة» «٢» . ويقال:
الجود غاية الزهد، والزّهد غاية الجود. وقال غيره: الجود أن تكون بمالك متبرّعا، وعن مال غيرك متورّعا.
وقال علي بن عبد الله: الناس في الدنيا الأسخياء، وفي الآخرة الأتقياء. وكان خالد بن عبد الله القسري «٣» يقول: تنافسوا في المغانم وسارعوا إلى المكارم، واكتسبوا بالجود حمدا ولا تكتسبوا بالمال ذما، ولا تعدوا بمعروف لم تجعلوه، واعلموا أن حوائج الناس نعمة من الله عليكم، فلا تملوها فتعود نقما. وقال الشاعر:
لا تزهدنّ في اصطناع العرف تفعله ... إنّ الذي يحرم المعروف محروم
وقال آخر من غير الكتاب الأصلي:
стр. 127
ستلقى الذي قدمت للنفس محضرا ... فأنت بما تأتي من الخير أسعد
وقال طلحة بن عبد الله: إنا لنجد بأموالنا ما يجد البخلاء، ولكنا نصبر. وقال العتابي: من منع الحمد ماله، ورثه من لا يحمده عليه. وكان يقال: رب فاجر في دينه أخرق في معيشته دخل الجنة بسماحته. وقال العتابي: ثواب الجود ثلاثة: خلف ومحبة ومكافأة، وثواب البخل مثلها: تلف ومذمة وحرمان. وكتب الحسن بن علي إلى أخيه ﵃: يعتب عليه في إعطاء الشعراء، فأجابه: خير المال ما وقي به العرض.
وقال غيره: الجود أشرف الأخلاق وأنفس الأعلاق. وقال ابن المعتز: الجود حارس العرض من الذم. وقال آخر: الأسخياء يعبدهم المال، والبخلاء يعبدونه. وقال بعض السلف: لو كان شيء يشبه الربوبية لقلت الجود. ويقال: من جاد ساد، ومن بخل رذل.
وقال عمر ﵁: السيد الجواد حين يسأل. وقال أبو نواس:
أنت للمال إذا أمسكته ... فإذا انفقته فالمال لك
ولبعضهم:
يا غافلا من حركات الفلك ... نبّهك الله فما أغفلك
مالك للغير إذا صنته ... وكلّ ما أنفقته فهو لك
ولسيدنا عمر بن عبد العزيز لما لاموه على الكرم:
مالي عليّ حرام إن بخلت به ... وصاحب البخل بين الناس مذموم
стр. 128
مالي أشحّ بمال لست أملكه ... والمال بعدي إذا ما مت مقسوم
لا بارك الله في مال أخلّفه ... للوارثين وعرضي فيه مشتوم
ولبعضهم:
مات الكرام وولوا وانقضوا ومضوا ... ومات في إثرهم تلك الكرامات
وخلفوني في قوم ذوي سفه ... لو عاينوا طيف ضيف في الكرى ماتوا
وفي كتاب عيون الآداب روي عن النبي ﷺ أنه قال: «أشد الأعمال ثلاثة: إنصاف الناس من نفسك، ومواساة الأخ في مالك، وذكر الله على كل حال» .
وقال بعض العلماء: من أيقن بالخلف، جاد بالعطية.
أتي النبي ﷺ بأسارى فأمر بقتلهم وأفرد رجلا منهم، فقال له علي بن أبي طالب ﵁: يا رسول الله الرّبّ واحد والدين واحد، والذنب واحد، فما بال هذا أفرد من بينهم؟ فقال ﷺ : نزل عليّ جبريل ﵇، فقال: «أقتل هؤلاء واترك هذا فإن الله شكر له سخاء فيه» «١» . وقال بعض الأنبياء لإبليس: من أحب الناس إليك؟ قال: عابد بخيل، قال: فمن أبغض الناس إليك؟
стр. 129
قال: فاسق سخي، قال: كيف ذلك؟ قال: لأني لا أرجو أن يقبل الله عبادته لبخله، ولا آمن من أن يطلع الله على العبد الفاسق فيرى بعض سخائه فينجيه ويرحمه.
باب ذم الجود
قال بعض الحكماء: من جاد بماله جاد بنفسه، لأنه جاد بما لا قوام له إلا به، وكان أبو الأسود الدؤلي يقول: لا تجاودوا الله فإنه أجود وأمجد، ولو شاء أن يوسّع على خلقه حتى لا يكون فيهم محتاج لفعل. وكان يقول: لوجدنا على المساكين بإعطائهم ما يسألوننا لكنا أسوأ حالا منهم. وكان علي بن الجهم «١» يقول: من وهب المال في عمله فهو أحمق، ومن وهبه بعد العزل فهو مجنون، ومن وهبه من جوائز سلطانه أو ميراث لم يتعب فيه فهو مخذول، ومن وهبه من كسب وما استعاده بحيلة فهو المطبوع على قلبه.
وقال محمد بن الجهم «٢» : أتركوا الجود للملوك، فإنه لا يليق إلا بهم، ولا يصلح إلا لهم ومن عارضهم في ذلك وافتقر وافتضح فلا يلومن إلا نفسه. وكان ابن المقفع يقول: إن مالك لا يعم الناس فاخصص به ذوي الحق. ومن أحسن ما قيل في تحسين البخل قول
стр. 130
ابن المعتز:
يا ربّ جود جرّ فقر امرىء ... فقام في الناس مقام الذليل
فاشدد عرى مالك واستبقه ... فالبخل خير من سؤال البخيل
وقول أبي الفتح البستي:
أشفق على الدرهم والعين ... تسلم من الغيبة والدين
قوة العين بإنسانها ... وقوة الإنسان بالعين «١»
وقول عبد العزيز بن عبد الله بن طاهر «٢» :
في كل شيء سرف ... يكره حتى في الكرم
ولربما ألفان لا ... أفضل من ألفي نعم
وكان الكندي يقول: قول «لا» يدفع البلا، وقول «نعم» يزيل النعم «٣» .
стр. 131
باب مدح البخل
من أمثال العرب: الشحيح عذر من الظالم «١» . ومن أمثال العجم: منع الجميع أرضى للجميع. وقال بعضهم: عجبت لمن سمى القصد بخلا. وسمى السرف جودا.
وقال آخر: حفظ ما في يدك خير من طلب الفضل من أيدي الناس. وقال صالح بن عبد القدوس:
لا تجد بالعطاء في غير حق ... ليس في منع غير ذي الحق بخل
وقال آخر: إذا قبح السؤال حسن المنع. وقال المتلمس:
لحفظ المال خير من عطاه ... وسعي في البلاد بغير زاد
وإصلاح القليل يزيد فيه ... ولا يبقى الكثير مع الفساد
ومما يليق بهذا الباب قول الله تعالى لنبيه من لطف العتاب:
وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ
«٢» .
стр. 132
باب ذم البخل
قال الشعبي: ما أفلح بخيل قط؛ أما سمعتم قول الله تعالى:
وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ*
«١» . وقال المأمون لمحمد بن عبد الله المهلبي: بلغني أنك متلاف، فقال: يا أمير المؤمنين منع الجود، سوء ظن بالمعبود: وهو تعالى يقول: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
«٢» . ويقال: البخيل أبدا ذليل. ويقال: لا مرؤة لبخيل. ويقال: شرّ أخلاق الرجال البخل والجبن، وهما «٣» من أخلاق النساء. وقال الجاحظ: البخل والجبن غريزة واحدة، يجمعها سوء الظن بالله. وقال غيره: البخل يهدم مباني الكرم. وقال ابن المعتز: بشّر بمال البخيل بحادث أو وراث. وقال أيضا: أبخل الناس بماله، أجودهم بعرضه. وقال الشاعر:
وغيظ البخيل على من يجو ... د لأعجب عندي من بخله
ومن أمثال العرب: هو يحسد أن يفضل، ويزهد أن يفضل.
ومن قولهم: هو يمنع دره ودر غيره، ويحسد أن يعطى، ويزهد أن يعطي. وقال بعض الشعراء:
ليس البخيل باخلا بخيره ... لكن من منّ بخير غيره
стр. 133
وقال الشاعر:
لا يسود امرؤ بخيل ولو ... مسّ بيافوخه عنان السّما
وقال بعض السلف: لو لم ينطق القرآن في ذم البخيل إلا بقوله:
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ
«١» ، لكفى، وهو أبلغ البلاغ في تهجيته وأنهى النهي عن إيثاره. وقال الله تعالى، فيمن يبخل ويأمر بالبخل: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
«٢» قال ابن مسعود في قوله تعالى:
سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ
«٣» ، يطوق بثعبان فينقر رأسه ثم ينطوي في عنقه، فيقول: أنا مالك الذي بخلت بي.
وقال بعضهم: قد ذم الله من يمنع خيره ويأمر بالبخل غيره، فإياك أن تكون إياه.
стр. 134
باب مدح الحقد
قال يحيى بن خالد البرمكي لعبد الملك بن صالح الهاشمي في كلام جرى بينهما: أنت حقود، فقال: إن كنت تريد بقاء الخير والشر عندي فأنا كذلك. ويقال إنه قال له: أنا خزانة تجمع الخير والشر، فقال يحيى: هذا والله جبل قريش، وما رأيت أحدا يمدح الحقد ويحسنه غيره بمثل هذا، وقد أخذ معناه ابن الرومي وزاد فيه وحسنه فقال:
وما الحقد إلّا توأم الشكر للفتى ... وبعض السجايا ينتسبن إلى بعض
إذا الأرض كرّت كلّ ما أنت زارع ... من البذر فيها فهي ناهيك من أرض
باب ذم الحقد
قال رسول الله ﷺ : أعظم الذنوب عند الله الحسد، والحاسد مضاد لنعمة الله، خارج عن أمر الله، تارك لعهد الله «١» . وقال : وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ
«٢» وأمر رسول الله أن يستعيذ به
стр. 135
من شره. وقال معاوية ﵁: «كل إنسان أقدر أن أرضيه إلا حاسد نعمة، فإنه لا يرضيه إلا زوالها. وقال عمر بن عبد العزيز: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد، غم دائم ونفس متتابع. وقال الشاعر:
إنّ الحسود الظلوم في كرب ... يخاله من يراه مظلوما
من نفس دائم على نفس ... يظهر منه ما كان مكتوما
قال الشيخ الإمام: أنشدني أبو منصور البوشنجي «١» لنفسه في هذا المعنى:
قالوا يقود سعيد ... جيشا لهم يسود
وكيف ذاك وأني ... وهو الحقود الحسود
ولا يسود حسود ... ولا يقود حقود
كان يقال: الحقد داء دوي. ويقال: من كثر حقده، دوي قلبه. ويقال: الحقد مفتاح كل شر. ويقال: حل عقد الحقد، ينتظم لك عقد الود. ويقال: الحقود والحسود لا يسودان.
وقال آخر:
لما عفوت ولم أحقد على أحد ... أرحت نفسي من غمّ العداوات
ويقال: لا يوجد العجول محمودا، ولا المغضوب مسرورا، ولا الحر حريصا، ولا الكريم حسودا، ولا الشره غنيا، ولا الملول ذا إخوان.
стр. 136
وقال بعض الحكماء: وجدت أول الأشياء منفعة، وأضر لها في العاقبة: الحاجة، ووجدت أنكر العيش عيش الحسود.
وقال الشاعر:
لا يحزننك فقر إن عراك ولا ... تتبع أخا لك في مال له حسدا
فإنه في رخاء في معيشته ... وأنت تلقى بذاك الهمّ والنكدا
وقال آخر:
إذا ما المرء كان لنا حسودا ... فأف لذاك من باغ حسود
стр. 137
باب مدح الحياء
مما أدركه الناس من كلام النبوة: «الحياء شعبة من الإيمان» «١» وفيه أيضا: «الحياء خير كله، فإذا لم تستح فافعل ما شئت» «٢» .
وقال الشاعر:
إذا لم تخش عاقبة الليالي ... ولم تستح فافعل ما تشاء
فلا وأبيك ما في العيش خير ... ولا الدّنيا إذا ذهب الحياء
وفي الخبر: «أن الله يحب الحيى المتعفف ويبغض الوقح الملجف» «٣» . وقال الحكيم: الحياء سبب «٤» كل جميل. ويقال: من كساه الحياء ثوبه ستر عن العيون عيبه. ويقال: الحياء والإيمان مقرونان في قرن، فإذا ارتفع أحدهما ارتفع الآخر. وقيل لبنت أرسطاطاليس: ما أحسن ما في المرأة؟ قالت: الحمرة التي تعلو وجهها من الحياء. وقال بعضهم: أكثر الناس حياء من كان الذم أشد عليه من الفقر.
стр. 138
باب ذم الحياء
كان يقال: الحياء يمنع الرزق. وفي أمثال العامة: من استحيا من ابنة عمه يولد له في الآخرة. وقال علي ﵁: قرنت الهيبة بالخيبة، والحياء بالحرمان. وقال بعض المجربين: استعينوا على قضاء حوائجكم بالوقاحة والإبرام. وقال غيره: هذا زمان نكد عسير ليس الوقح المبرم ينجح فيه، فكيف الحيي المخفف. ويروى: هذا زمان نكد لا ينجح فيه الوقح المتكفف فكيف الحيي المتعفف.
وقال الشاعر:
ليس للحاجات إلّا ... من له وجه وقاح
ولسان ذو فضول ... وغدو ورواح
ومن غير الأصل ما أملاه الشيخ الإمام المقدسي من مسموعاته إلى آخر الباب، وقال أبو القاسم الحريش:
سألت زماني وهو بالجهل عالم ... وبالسخف مهتز وبالنقص مختص
فقلت له كيف الطريق إلى الغنى ... فقال طريقان الوقاحة والنقص
وممّا سمع منه أيضا قال: الوقاحة كالقداحة، بها يستفز اللهب ويشتعل الحطب.
стр. 139
باب مدح الإخوان والأصحاب
في الخبر: «المرء كثير بأخيه» «١» ، ويقال: الرجل بلا إخوان كالشمال بلا يمين، ويقال: من اتخذ إخوانا كانوا له أعوانا، وقيل:
أعجز الناس من فرط في طلب الإخوان، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم «٢» . وقال المغيرة بن شعبة: التارك للإخوان متروك.
وقال شبيب بن شبة: عليك بالإخوان فإنهم زينة في الرخاء، وعدة عند البلاء.
وقال الشاعر:
تكثر من الإخوان ما استطعت إنهم ... عماد إذا استنجدتهم وظهر
وما بكثير ألف خل وصاحب ... وإن عدوا واحدا لكثير
وقال إسماعيل بن صبيح: الودّ أعطف من الرّحم. وقال العتبي «٣» : لقاء الإخوان نزهة القلوب. وقال ابن عائشة لقرشي:
مجالسة الإخوان مسلاة للأحزان. وقال سعيد بن مسلم: إن في لقاء
стр. 140
الإخوان لغنما وإن قل. وقال سليمان «١» بن وهب: غزل المودّة أرق من غزل الصّبابة، والنفس بالصديق آنس منها بالعشيق. وقال يونس النحوي: يستحسن الصبر عن كل أحد إلا عن الصديق. وقال محمد بن يوسف: من أكثر من أصدقائه ركب أعناق أعدائه.
وقال القطامي:
وإذا تصبك من الحوادث محنة ... فالجأ بها نحو الصديق الأوثق
وقال السندي «٢» : الصديق إنسان هو أنت إلّا أنه غيرك. وقال المأمون «٣» : الإخوان ثلاث طبقات: طبقة كالغذاء، وطبقة كالدواء، وطبقة كالداء؛ فالغذاء لا يستغنى عنه أبدا والدواء يحتاج إليه أحيانا، والداء لا يحتاج إليه بحال. وقال ابن المغيرة: إذا قدمت المودة تشبهت بالقرابة.
وقال الشاعر:
لعمرك ما مال الفتى بذخيرة ... ولكنّ إخوان الثقاة الذخائر
وقال ابو تمام:
стр. 141
ذو الود مني وذو القربى بمنزلة ... وإخوتي أسوة عندي وإخواني
عصابة جاورت آدابهم أدبي ... فهم وإن فرقوا في الأرض جيراني
أرواحنا في مكان واحد وغدت ... أبداننا بشآم أو خراسان
وقلت في المبهج: الصديق الصدوق ثاني النفس وثالث العينين.
ومنه: الصديق الصدوق كالشقيق الشفوق. ومنه: الصديق عمدة الصديق وعدته ونصرته وعقدته وربيعه وزهرته ومشتريه وزهرته.
ومنه: قربة الوداد أقرب منه لحمة الولاد، ومنه: لقاء الخليل شفاء الغليل. ومنه: ليس للصديق إذا حضر عديل ولا عنه إذا غاب بديل، ومنه: مثل الصديقين كاليد تستعين باليد، والعين تستعين بالعين. ومنه: لقاء الصديق روح الحياة، وفراقه سم الحياة.
ومنه: لا تساغ مرارة الأوقات إلا بحلاوة الإخوان والثقات، ومنه:
استروح من غمة الزمان، بمناسبة الخلان. ومنه: الحاجة إلى الأخ المعين، كالحاجة إلى الماء المعين. ولبعضهم في معنى هذا الباب:
ما ضاع من كان له صاحب ... يقدر أن يصلح من شأنه
فإنما الدّنيا بسكانها ... وإنما المرء بإخوانه
стр. 142
باب ذم الإخوان
كان عمرو بن العاص ﵁ يقول: من كثر إخوانه كثر غرماؤه؛ يعني في قضاء الحقوق. وقال عمر بن مسعدة: العبودية عبودية الإخاء لا عبودية الرق. وقال إبراهيم بن العباس: مثل الإخوان كالنار قليلها متاع، وكثيرها بوار. وقال الكندي لابنه: يا بني الأصدقاء هم الأعداء، لأنك إذا احتجت إليهم منعوك، وإذا احتاجوا إليك ثلبوك وسلبوك.
وكان بعضهم يقول في دعائه: اللهم أحرسني من أصدقائي، فإذا قيل له في ذلك، قال: أقدر على الاحتراس من أعدائي، ولا أقدر على الاحتراس من أصدقائي. وقال ابن المعتز: أصدقاء السوء كشجرة النار يحرق بعضها بعضا. وقال أيضا: إنما تطيب الدنيا بمساعدة الإخوان، وينتفع بهم في كافة الأحوال، وإلا فعلى الصداقة الدمار، وما أرجوه منها إذا كانت تنقطع في الآخرة، ولا تتصل بما أحب في الدنيا.
وقال أبو العتاهية:
أنت ما استغنيت عن ... صاحبك الدهر أخوه
فإذا احتجت إليه ... ساعة مجّك فوه
وقال إبراهيم بن العباس:
نعم الزمان زماني ... الشأن في الإخوان
فيمن رماني لما ... رأى الزمان رماني
لو قيل لي خذ أمانا ... من أعظم الحدثان
стр. 143
لما طلبت أمانا ... إلّا من الإخوان
وقال ابن الرومي:
عدوك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرنّ من الصّحاب
فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب «١»
وللإمام الشافعي ﵁:
صديقك من يعادي من تعادي ... بطول الدهر ما سجع الحمام
ويوفي الدين عنك بغير مطل ... ولا يمنن به أبدا دوام
فإن صافى صديقك من تعادي ... ويفرح حين ترشقك السهام
فذاك هو العدو بغير شك ... تجنّبه فصحبته حرام
فإنّا قد سمعنا بيت شعر ... شبيه الدرّ زينه النظام
إذا وافى صديقك من تعادي ... فقد عاداك وانفصل الكلام
ولبعضهم:
وأنت أخي ما لم تكن لي حاجة ... فإن عرضت أيقنت أن لا أخا ليا
стр. 144
وقال ابن المعتز:
وأفردني عن الإخوان علمي ... بهم فبقيت مهجور النواحي
إذا ما قل وقري قلّ مدحي ... فإن أثريت عادوا في امتداحي
فكم ذم لهم في جنب مدح ... وجد بين أثناء المزاح
وقال آخر:
آخ من شئت ثم رم منه شيئا ... تلقى من دون ما أردت الثريا
وللمتنبي:
صديقك أنت لا من قلت خلّي ... وإن كثر التجمّل والكلام
ومن غير الكتاب:
إحذر عدوك مرة ... واحذر صديقك ألف مره
فلربما انقلب الصديق ... فكان أخبر بالمضره
وقال آخر:
ألا إنّ إخواني الذين عهدتهم ... أفاعي رمال ما تقصّر في لسعي
ظننت بهم خيرا فلما بلوتهم ... حللت بواد منهم غير ذي زرع «١»
стр. 145
ولبعضهم:
صديق يفدّينا إذا كان حاضرا ... ويوسعنا في حال غيبته لسعا
له لطف قول دونه كلّ رقية ... ولكنه في فعله حية تسعى
следующие страницы →