Полный текст (350 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
أن لا تخرب على يدي.
ويقال: إن شيخا كان يغرس شجر النارجيل وهي لا تثمر إلا بعد أربعين سنة فمر به كسرى وقال له: أتعيش إلى أن تأكل منها؟
فقال الشيخ: غرسوا وأكلنا ونغرس فيأكلون، فقال كسرى: زه زه وأمر له بأربعة آلاف درهم، وكان من عادته ذلك لمن يقول له زه، فقال الشيخ: أيها الملك إن غرس السابقين أثمر بعد أربعين سنة، وغرسنا أثمر في يومه، فقال كسرى: زه، وأمر له بأربعة آلاف مثلها.
وسئل واحد «١» : أي المال أفضل؟ فقال: عين خرارة في أرض خوارة، قيل: ثم ماذا؟ قال: الراسخات في الوحل المطعمات في المحل الملقحات بالفحل، يريد بها النخل. وقال الشاعر:
استغن أو مت ولا يغررك ذو نسب ... من ابن عم ولا عم ولا خال
إنّي مكب على الزوراء أعمرها ... إن الحبيب إلى الأخوان ذو حال
كلّ النداء إذا ناديت يخذلني ... إلا نداي إذا ناديت يا مالي
وقلت في المبهج:
إذا ما نقل الدهقا ... ن غلات الرساتيق
فكم من نعمة بيضاء ... في سود الجواليق
стр. 72
وقلت أيضا:
يا رب أنت وهبتها لي نعمة ... أضحت تعين على الزمان ببرها
ووهبت منها نعمة لا تلهني ... يا ربّ أنت بسكرها عن شكرها
باب ذم الضياع
قلت في المبهج: الضيعة ضائعة ما لم تدبرها بقوة ساعد وجد مساعد، وفيه الضياع: مدارج الغموم وكتب وكلائها سفاتج «١» الهموم، وقلت في رقعة إلى وكيل أجبته بها:
يا رقعة طويت على حيّات ... وعقارب كدّرن ماء حياتي
ما أنت إلّا من تباريح الجوى ... وسفاتج الأحزان والحسرات
وكأن أحرفك الكريهة أعين ... لرواقب أو ألسن لوشاة
أو كالضّياع رقاع قيمتها إذا ... وافت أتت بحوادث الآفات
وقلت أيضا:
قد قلت قولا سديدا ... يروي العطاش بمائه
إنّ الخراج خراج ... دواؤه في أدائه
هو منظوم من قول الصاحب حيث قال: الخراج دواؤه في أدائه.
стр. 73
وذكرت الضياع وجلالتها ونوائبها بحضرة ابي العباس أحمد بن محمد بن الفرات فأنشدني:
هي المال إلا أنّ فيها مذلة ... فمن شاء قاساها ومن ملّ باعها
وقال أبو زكريا يحيى بن إسماعيل الحربي لابن محمد السلمي «١» :
قد كانت الضيعة فيما مضى ... تعد من يملكها ذاهبه
فصار من يملكها يومنا ... مهجته في حفظها ذاهبه
يستغرق الغلة في خرجها ... وتفضل الكلفة والنائبه
فإن يقم صاحبها كل ذا ... ينجو وإلا نتفوا شاربه
стр. 74
باب مدح الدور والأبنية
كان يقال: جنة الرجل داره، وقال يحيى بن خالد لابنه جعفر:
يا بني دارك قميصك فوسعه كيف شئت. وذكر الأحنف الدور فقال:
لتكن أول ما يشترى وآخر ما يباع، وقيل لبعض الناس: ما السرور؟ فقال: دار قوراء، وامرأة حسناء، وفرس مرتبط بالغناء.
وينشد:
ومن المروءة للفتى ... ما عاش دار فاخره
فاقنع من الدنيا بها ... واعمل لدار الآخره
وكان يقال: دار الرجل عشه، وفيها يطيب عيشه. وقال السلامي «١» في كتابه «نتف الظرف» : الدور للناس كالعش للطير والأوجرة للوحش، والحجرة للحشرات، ودار الرجل مأوى نفسه، وموضع أمنه ومسكن قلبه، ومجمع أهله، ومحرز ملكه، ومأنس ضيفه، وملتقى صديقه وعدوّه، فلا شيء أصعب على الناس من خروجهم من ديارهم؛ وقد قرن الله تعالى الخروج منها بالقتل حيث قال: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ
«٢» . وقال المتوكل لأبي العيناء: كيف ترى
стр. 75
دارنا هذه؟ فقال: يا أمير المؤمنين رأيت الناس يبنون الدور في الدنيا، وأنت بنيت الدنيا في دارك. وقال بعض الأشراف لابنه: يا بني حسّن أثرك في هذه الدنيا بالبناء الحسن، واسمع قول الشاعر:
ليس الفتى بالذي لا يستصاء به ... ولا يكون له في الأرض آثار
ولا تنس قول الآخر:
إنّ آثارنا تدلّ علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار
ومن أحسن ما قيل في بناء الملوك قول علي بن الجهم «١» :
وما زلت أسمع أنّ الملو ... ك تبني على قدر أخطارها
فلما رأيت بناء الاما ... م رأيت الخلافة في دارها
وكان جعفر بن سليمان الهاشمي يقول: العراق عين الدنيا، والبصرة عين العراق والمربد عين البصرة، وداري عين المربد. ومن أحسن ما سمع في التهنئة بالدور قول أبي القاسم الزعفراني في الصاحب «٢» :
سرّك الله بالبناء الجديد ... نلت حال الشكور للمزيد
هذه الدار جنّة الخلد في الدنيا فصلها واختصّها بالخلود ولمؤلف الكتاب في الأخشيد بجرجانية:
стр. 76
وقصر ملك ترى كلّ الجمال به ... وأسعد الدهر تبدو من جوانبه
كأنّه جنّة الفردوس قد نزلت ... إلى خوارزم تعجيلا لصاحبه
باب ذم الدور والأبنية
فارق النبي ﷺ الدنيا ولم يضع لبنة على لبنة، وكان ﵇ يقول: «إذا أراد الله بعبد سوءا جعل ماله في الطين والماء» «١» ، وعنه أيضا ﵇، أنه قال: «إذا أراد الله بعبد شرا أهلك ماله في اللبن والطين» .
وقال وهب بن منبه في الحديث القدسي: قال الله :
«من استغنى بأموال الفقراء أفقرته، ومن تجبر على الضعفاء أذللته، ومن بنى بقوة الفقراء أعقبت بناءه الخراب» . وقال وهب بن الوردي: كان نوح ﵇ اتخذ بيتا من خص فقيل له: لو بنيت بناء؟ فقال: هذا لمن يموت كثير. وقال ابن مسعود: يأتي بعدكم أقوام يرفعون الطين ويضعون الدين، ويمتطون البراذين، ويصلون إلى قبلتكم، ويموتون على غير ملتكم. وقيل ليزيد بن المهلب: لم لا تبني دارا بالبصرة؟ فقال: لأني لا أدخلها إلا أميرا أو أسيرا، فإن
стр. 77
كنت أميرا فدار الإمارة داري، وإن كنت أسيرا فالسجن مسكني وقراري.
وكان يقال: البناء من يوم ابتدائه في نقصان، والغرس من يوم ابتدائه في زيادة. ومر بعض الخوارج على دار تبنى فقال: من هذا الذي يقيم كفيلا. وقيل: الدار الضيقة العمى الأصغر. ومن أحسن ما قيل في التبرم بالعمارة قول بعضهم:
ألا من لنفس وأحزانها ... ودار تداعت بحيطانها
أظلّ نهاري في شمسها ... شقيّا بإلقاء بنيانها
أسوّد وجهي بتبييضها ... وأهدم كيسي بعمرانها «١»
стр. 78
باب مدح الحمّام
قال بعض السلف: نعم البيت بيت الحمّام، ينقي الأقذار، ويذكر النار. وذكر الحمّام عند الفضل الرقاشي فقال: نعم البيت بيت الحمام، يذهب القشافة، ويعقب النظافة، ويجشىء التخمة، ويطيب البشرة. وقلت في المبهج: الحمّام صيقل الأجسام، ونظام النظافة ودافع آفة القشافة. ولم يمدح الحمام كما مدحه السري حيث قال «١» :
بيت بنته حكماء الورى ... فهو إلى الحكمة منسوب
مجاور النار ولكنّه ... يجاور النار به الطيب
حرّ هو الروح لا جسامنا ... والحرّ للأجسام تعذيب «٢»
ولبعضهم: وقد دعا صديقا إلى الحمام وأظنه للسري أيضا:
أسعيد هل لك في زيارة منزل ... تثني عليه جوارح الزوّار
بيت ترى الجدران فيه منابعا ... وترى السماء كثيرة الأقمار «٣»
стр. 79
ولآخر بمدحه «١» :
قم بنا قبل غرّة الإصباح ... وقيام السّقاة بالأقداح
نتمشّى إلى النعيم الذي فيه صلاح الأجسام والأرواح
بيت ظرف تجول عيناك فيه ... بين بيض الطّلا وبيض الفقاح
وتلاقي الجسوم في خلع منه رقاق على الجسوم ملاح
فإذا ما صقلت جسمك فيه ... بأكف النعيم صقل الصّفاح
تتروّى من الصّبوح وتفتضّ نسيم الرياض قبل الصباح «٢» وللمؤلف في المبهج:
وحمام له حرّ الجحيم ... ولكن شابه برد النّعيم
رأيت به ثوابا في عقاب ... وزرت به نعيما في جحيم
ولأبي طالب المأموني ﵀:
أحق بيت من بيوت الورى ... بصونه قدما وإيثاره
بيت إذا ما زاره زائر ... وقد قضى أعظم أوطاره
وهو إذا ما جاء مستنظفا ... مروءة الإنسان في داره
يدخله المولى بخز كما ... يدخله العبد بأطماره
وله «٣» :
وبيت كأحشاء المحبّ دخلته ... وما لي ثياب فيه غير إهابي
أرى محرما فيه وليس بكعبة ... فما ساغ إلّا فيه خلع ثياب
بماء كدمع الصّب في حرّ قلبه ... إذا آذنت أحبابه بذهاب
стр. 80
توهّمت فيه قطعة من جهنم ... ولكنّها من غير مس عقاب
يثير ضبابا للبخار محلّلا ... بدور زجاج في شموس قباب
باب ذم الحمام
قال بعض السلف: بئس البيت الحمّام يكشف عن العورة، ويذهب بالحياء. وفي الخبر: «إن الحمام من بيوت الشياطين» «١» .
ولما مدح الرقاشي الحمام بما تقدم، قيل له ذمه، فقال: بئس البيت بيت الحمام، يهتك الأستار، ويذهب الوقار، ويؤلف إلى الأطياب الأقذار. ومن أبلغ ما قيل في ذمه قول ابن المعتز:
حمّامنا كالعجوز ... يشقى به الوارد
بيت له منتن ... بيت له بارد
وقوله:
ما نلت بالحمّام حرا ولا ... يصلح فيه غير تبريد ماء
وجدت بالصيف به رعدة ... فكيف أرجو عرقا في الشتاء
ولبعضهم:
وحمام دخلناه لأمر ... حكى سقرا وفيه المجرمونا
فيصطرخوا يقولوا أخرجونا ... فإن عدنا فإنّا ظالمونا
وللصنوبري:
حمّامنا ليس فيه ماء ... وبرده ما له انقضاء
ما ينفع القطن فيه شيئا ... ولا اللّبابيد والفراء
стр. 81
ترعد في الصيف فيه بردا ... فصيف حمّامنا شتاء فلم نرده لدفع داء
هل يدفع الداء وهو داء
стр. 82
باب مدح المال
قد مدح الله المال وسماه خيرا بقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً
«١» أي مالا، وبقوله تعالى:
وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ
«٢» ، أي المال. ويروى عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أنه كان يقول: حبذا المال أصون به عرضي وأقرضه ربي فيضاعفه لي. يريد قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً
«٣» . وروى السدي عن ابن عباس ﵄ في قوله عز اسمه: وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ
«٤» ، أي مالا إلى مالكم، وكان ﵁ يقول: قد يشرف الوضيع بالمال. ويقال: المال تكسب أهله المحبة، لا مجد إلا بمال، ولا حمد إلا بفعال. وقيل: الآمال مشغولة بالأموال؛ وقال الشاعر:
كل النداء إذا ناديت يخذلني ... إلا نداي إذا ناديت يا مالي
ولأبي العتاهية:
стр. 83
قد بلونا الناس في أحوالهم ... فرأيناهم بذي المال تبع
وقال آخر:
شيئان لا تحس الدنيا بغيرهما ... المال يصلح منه الحال والولد
زين الحياة هما لو كان غيرهما ... كان الكتاب به من ربنا يرد
يعني قوله تعالى: الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا
«١» ، وكان يقال: أصل السؤدد والرياسة المال، وبه تستجمع أسبابهما وتطرد أحوالهما، وقد انقاد الناس حديثا وقديما للغني، ولذلك حكى الله تعالى في أمر طالوت عن ملكه عليهم فقال: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ
«٢» .
وقلت في المبهج: لا موئل كالمال، وفيه: القلوب لا تستمال بمثل المال والعرض هو العرض، وفيه: مال الرجل موئله وقوّته وقوته، وفيه: من أصلح ماله فقد حصل نقاء العرض وحصن بقاء العز.
стр. 84
باب ذم المال
قال الله تعالى: أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ*
«١» .
ويقال: المال ملول، والمال ميال، والمال غاد ورائح، وطبع المال كطبع الصبي، لا يوقف على رضاه وسخطه. وقيل: المال لا ينفعك ما لم يفارقك. وقيل: قد يكون مال المرء سبب حتفه، كما الطاووس قد يذبح لحسن ريشه «٢» . ومن أحسن ما قيل في هذا المعنى قول ابن المعتز:
ألم تر أنّ المال يهلك ربّه ... إذا جم آتيه وسدّ طريقه
ومن جاور الماء الغزير بجسمه ... وسدّ طريق الماء فهو غريقه
стр. 85
باب مدح الغنى
قلت في المبهج: لو لم يكن الغنى إلا أنه من صفات الله لكفى به فضلا «١» . ومن أبلغ ما قيل فيه، أي في مدح الغنى وتفضيله على النسب، قول ابن المعتز:
إذا كنت ذا ثروة من غنى ... فأنت المسوّد في العالم
وحسبك من نسب صورة ... تخبّر أنك من آدم
وينشد لأبي الأسود الدؤلي في حارثة بن بدر:
وتاه تميم بالغنى إنّ للغنى ... لسانا به رب المهانة ينطق «٢»
وقال غيره:
ألم تر أن الفقر يهجر بيته ... وبيت الغنى يهدى له ويزار
وقلت في المبهج: الغنى مجل مبجل، والفقر مبذل مبتذل.
стр. 86
باب ذم الغنى
قال الله تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى
«١» ، وقال عز ذكره: أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ*
«٢» ، وقال تعالى:
وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ
«٣» . وقال بعض المفسرين في قوله تعالى:
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ*
«٤» ، ما جدد والله معصية إلا جدد لهم نعمة ليستدرجهم بها.
وقال بعض الحكماء: الغنى يورث البطر. ويقال: غنى النفس أفضل من غنى المال. وقال الشاعر:
غني النفس ما عمرت غنى ... وفقر النفس ما عمرت شقاء
وقال محمود بن الوراق:
لا تشعرن قلبك حبّ الغنى ... إن من العصّمة أن لا تجد
كم واجد أطلق وجدانه ... عنانه في بعض ما لم يرد
ومدمن للخمر غاد إلى ... سماع عود وغناء غرد
لو لم يجد خمرا ولا مسمعا ... برّد بالماء غليل الكبد
وكم يد للفقر عند امرىء ... طأطأ منه الفقر حتى اقتصد
стр. 87
باب مدح الفقر
كان يقال: الفقر شعار الصالحين «١» . ويقال: الفقر لباس الأنبياء. وفيه يقول البحتري:
فقر كفقر الأنبياء وغربة ... وصبابة ليس البلاء بواحد
وكان يقال: الفقر مخفّ، والغنى مثقل «٢» ، ويقال: الفقر أخف ظهرا وأقل عددا. وكان سفيان الثوري يقول: الصبر على الفقر يعدل الجهاد في سبيل الله تعالى.
ومن أحسن ما قيل في مدح الفقر قول أبي العتاهية:
ألم تر أنّ الفقر يرجى له الغنى ... وإنّ الغنى يخشى عليه من الفقر
وقال محمود الوراق:
يا عائب الفقر ألا تنزجر ... عيب الغنى أكثر لو تعتبر
من شرف الفقر ومن فضله ... على الغنى لو صحّ منك النّظر
أنّك تدعو الله تبغي الغنى ... ولست تدعو الله أن تفتقر
стр. 88
باب ذم الفقر
كان يقال: الفقر مجمع العيوب. ويقال: الفقر كنز البلاء.
ويقال: الفقر هو الموت الأحمر. وقال النبي ﵊:
«كاد الفقر أن يكون كفرا» «١» . وكان سعيد بن عبد العزيز يقول: ما ضرب العباد بسوط أوجع من الفقر. ومن فصول ابن المعتز: لا أدري أيهما أمر.، موت الغنيّ أم حياة الفقير «٢» ؟.
وقلت في المبهج: لا فاقرة كالفقر، وفيه: الفقر في الأذن وقر، وفي الكبد عقر، وفي القلب نقر، وفي الجوف بقر. وينشد لبعضهم:
إذا قلّ مال المرء قلّ حياؤه ... وضاقت عليه أرضه وسماؤه
وأصبح لا يدري وإن كان حازما ... أقدّامه خير له أم وراؤه «٣»
وقال صالح بن عبد القدوس:
بلوت أمور الناس سبعين حجة ... وجربت صرف الدهر في العسر واليسر
стр. 89
فلم أر بعد الدين خيرا من الغنى ... ولام أر بعد الكفر شرّا من الفقر «١»
وقال أبو أحمد اليمامي:
غالبت كلّ شديدة فغلبتها ... والفقر غالبني فأصبح غالبي
إنّ أبده أفضح وإن لم أبده ... أقتل فقبّح وجهه من صاحب
стр. 90
باب مدح القناعة
قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
«١» . هي القناعة. وقال بعض الحكماء لابنه: يا بني، العبد حر إذا قنع، والحر عبد إذا طمع. وكان يقال: أنت العزيز ما التحفت بالقناعة. وقيل: القانع بما قسم الله في حدائق النعيم.
ويقال: أخفض الخفض رضا المرء بحظّه. وقال بعضهم: من لم يقنع بالقليل، لم يكتف بالكثير. ومن فصول ابن المعتز: أعرف الناس بالله من رضي بما قسم له. وقال غيره: من قنع بما له استراح وأراح. وقال أبو العتاهية:
إن كان لا يغنيك ما يكفيكا ... فكلّ ما في الأرض لا يغنيكا
وقال أيضا:
قنّع النفس بالكفاف وإلّا ... طلبت منك فوق ما يكفيها
ولغيره:
إذا شئت أن تحيا سعيدا فلا تكن ... على حالة إلا رضيت بدونها
стр. 91
ومن طلب العليا من العيش لم يزل ... حقيرا وفي الدنيا أسير غبونها
وقال غيره:
إذا ما شئت أن تحيا ... حياة حلوة المحيا
فلا تحسد ولا تحقد ... ولا تأسف على الدّنيا
باب ذم القناعة
قال بعض المهالبة: من اتخذ القناعة صناعة، تلحف بالخمول، وفاتته معالي الأمور. وقال آخر: القناعة من أخلاق العجائز والزمن العاجز. ويقال: البركات حيث الحركات. وقال حكيم لابنه: يا بني، إن القناعة من صغر النفس وقصر الهمة، وضعف الغريزة، ولؤم النحيزة «١» ، فلا ترض لنفسك إلا كل غاية. وقال الرافعي من قصيدة له:
رأت عزماتي وفرط انكماشي ... وطول التّململ فوق الفراش
فقالت أراك أخا همّة ... ستبلغها فترى ذا انتعاش
فهلّا قنعت ولا تغترب ... فقلت: القناعة طبع المواشي
стр. 92
وقال رجل لمعروف الكرخي ﵀: أأتحرك في طلب الرزق أم أجري في طريق القناعة؟ فقال: تحرك، فإن الله قال لمريم:
وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا
«١» ، ولو شاء الله أن ينزله عليها من غير أن تسعى في هز النّخلة لفعل. وقد نظم هذا المعنى من قال:
ألم تر أنّ الله قال لمريم ... وهزّي إليك الجذع يسّاقط الرطب
ولو شاء أن تجنيه من غير هزّها ... جنته ولكن كلّ شيء له سبب
стр. 93
باب مدح القلة
سمع سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ رجلا يقول: اللهم اجعلني من الأقلين، فقال: ما هذا الدعاء؟ فقال: سمعت الله يقول: وَقَلِيلٌ ما هُمْ
«١» وقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
«٢» ، وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ
«٣» .
وقال بعض العلماء: إن الكثرة ليست بممدوحة في كتاب الله ، وإنما الممدوح الأقلون، لأنا سمعنا الله يثني على أهل القلة ويمدحهم، ويذم أهل الكثرة ويوبخهم. حيث يقول عز من قائل:
ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ
«٤» ، ويقول: فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ
«٥» ، ويقول: لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا
«٦» ، ويقول جل ذكره حكاية عن إبليس: لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا
«٧» ، ويقول ﷻ في ذم الكثرة: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ
стр. 94
الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً
«١» ، ويقول:
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
«٢» . ويقول: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ*
«٣» . ويقول: مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ
«٤» .
ويقول: وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ
«٥» . ويقول: وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ
«٦» ، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ
«٧» . ويقول: وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ
«٨» . ويقول: وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ
«٩» .
وقال الشاعر «١٠» :
تعيّرنا أنّا قليل عديدنا ... فقلت لها إنّ الكرام قليل
وما ضرّنا أنّا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل
стр. 95
وقالت الفلاسفة: كل كثير عدوّ للطبيعة. وقالت الأطباء:
الإقلال مما يضر، خير من الإكثار مما ينفع. وقال إسحق الموصلي:
هل إلى نظرة إليك سبيل ... فيروي الظما ويشفي الغليل
إنّ ما قلّ منك يكثر عندي ... وكثير من الحبيب القليل
وقال الإمام جعفر الصادق، رضي الله تعالى عنه: لا تستح من إعطاء القليل فكل فوائد الدنيا قليل، والحرمان أقل منه. وقال الشاعر:
ليس العطاء من الفضول سماحة ... حتى تجود وما لديك قليل
باب ذم القلة
كان يقال: الذلة في القلة، والشرف في السرف. وكان قيس بن سعد بن عبادة يقول: اللهم إنّك تعلم أن القليل لا يسعني ولا أسعه، فأكثر لي ووسع عليّ. وقال منصور الفقيه «١» :
منافسة الفتى فيما يزول ... على نقصان همّته دليل
ومختار القليل أقلّ منه ... وكلّ فوائد الدّنيا قليل
стр. 96
وقال السري الموصلي «١» :
قبلت على الرغم نيل البخيل ... وقلت: قليل أتى من قليل
تعجبت لما ابتدى بالجميل ... وما كان يعرف فعل الجميل
وما كان إعطاؤه سؤددا ... ولكنه غلطة من بخيل
ويقال: من قل ذل، ومن بز عز. وقال النبي ﷺ : «كونوا من السواد الأعظم» «٢» .
стр. 97
باب مدح اللسان
كان يقال: ما الإنسان لولا اللّسان إلا صورة ممثّلة، أو ضالة، أو بهيمة مرسلة.
وقال بعض الحكماء: المرء بأصغريه قلبه ولسانه، إن نطق نطق ببيان، وإن قاتل قاتل بجنان. وقال الجاحظ: اللسان أداة يظهر به البيان، وشاهد يعبر عن الضمير، وحاكم يفصل بين الخطاب، وناطق يرد به الجواب، وشافع تدرك به الحاجة، وواصف تعرف به الأشياء، وواعظ ينهي عن القبيح، ومبشر ترد به الأحزان، ومعتذر تذهب به الأضغان، ومله يونق الأسماع، وزارع يحرث المودة، وحاصد يستأصل العداوة، وشاكر يستوجب المزيد، ومؤنس يسلي الوحشة. ويقال: المرء مخبوء تحت طي لسانه، لا تحت طيلسانه.
وقال بعض العلماء البلغاء: للسان فضائل معدومة في الجوارح، ودرجته عالية على درجاتها، لما خصه الله به من النطق والبيان وأنطقه بالذكر والقرآن، وأنشد «١» :
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللّحم والدّم
فكائن ترى من صامت لك معجب ... زيادته أو نقصه في التّكلّم
стр. 98
ومن أحسن ما قيل في اللسان والبراعة قول إبراهيم بن شاه في أبي مسلم:
لسان محمد أمضى غرارا ... وأنفذ من ظبا السيف الحسام
إذا ارتجل الكلام بدا خليج ... بفيه يمدّه بحر الكلام
كلام بل مدام بل نظام ... من الياقوت بل حبّ الغمام
وقال آخر:
وما المرء إلا أصغريه لسانه ... ومقوله والجسم خلق مصور
فإن نظرة راقتك فاحذر فربما ... أمر مذاق العود والعود أخضر
إعلم أن كمال العالم هو الإنسان، وكمال الإنسان هو اللسان، وجماله هو البيان.
نظر رسول الله ﷺ ، إلى عمه العباس ﵁ فتبسم، فقال له: ممّ ضحكت يا رسول الله؟ فقال: «أعجبني جمالك يا عم» ، فقال: أين موضع الجمال مني؟ فأشار إلى لسانه «١» . وقال أيضا ﵊: «جمال الرجل فصاحة لسانه» «٢» .
стр. 99
باب ذم اللسان
كان يقال: مقتل الرجل بين فكّيه. وقال بعض البلغاء: اللسان أجرح جوارح الإنسان. وقال آخر: اللسان سبع صغير الجرم كبير الجرم. وكان ابن مسعود، ﵁ يقول: والذي لا إله إلا هو ما على الأرض شيء أحق بطول السجن من اللسان «١» . قال بعض العرب لرجل وهو يعظه في حفظ اللسان: إياك أن يضرب لسانك عنقك. وقد قيل:
إحذر لسانك أيّها الإنسان ... لا يلدغنّك إنّه ثعبان
كم في المقابر من قتيل لسانه ... كانت تهاب لقاءه الفرسان
وقال أبو محمد بن اليزيدي:
حتف الفتى لسانه ... في جده ولعبه
بين اللهات مسكنه ... ركب في مركبه
وقال آخر:
جراحات السّنان لها التئام ... لا يلتام ما جرح اللسان
وقال ابن المعتز:
أيا ربّ ألسنة كالسيوف ... تقطّع أعناق أصحابها
وكم قد دهى المرء من نفسه ... فلا تؤكلن بأنيابها
ومن أبلغ ما قيل في عي اللسان قول بعضهم:
стр. 100
بين فكيه لسان ... ينسب العيّ إليه
فإذا حاول قولا ... عسر القول لديه
وسواء هو فيه ... أو حسام في يديه
стр. 101
باب مدح الصمت
من حكم لقمان رحمة الله عليه: الصمت حكمة وقليل فاعله.
وكان يقال: الصمت أنفع للناس، والسكون أنفع للطير لأن الطير إذا نبش قبض وحبس. وقال بعض السلف: الندم على الصمت خير من الندم على القول. ومن فصول ابن المعتز: من أخافه الكلام أجاره الصمت «١» . وقال أيضا: الخطأ بالصمت يختم «٢» ، والخطل بمثله لا يكتم. وقال آخر:
الصمت يكسب أهله ... صدق المودّة والمحبه
والقول يستدعي لصا ... حبه المذمّة والمسبّه
فاترك كلاما لاغيا ... ولا يكن لك فيه رغبه
وقيل: أربع كلمات صدرت عن أربعة ملوك؛ كأنما رميت عن قوس واحدة، قال كسرى: لم أندم على ما لم أقل، وندمت على ما قلت مرارا. وقال قيصر: إني على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت. وقال ملك الصين: إذا تكلمت بكلمة ملكتني، وإذا لم أتكلم بها ملكتها. وقال ملك الهند: عجبت لمن يتكلم بالكلمة، إن رفعت ضرّته، وإن لم ترفع ما نفعته «٣» .
стр. 102
ويقال: من سكت فسلم، كان كمن تكلم فغنم. ويقال: من علامات العاقل حسن سمته وطول صمته. وقال بعض الحكماء:
أوّل العلم الصمت، والثاني حسن الاستماع، والثالث الحفظ، والرابع العمل به، والخامس نشره. وقيل: من حفظ لسانه نجا من الشر كله.
نظم:
ولو يكون القول في القياس ... من فضّة بيضاء عند الناس
إذا لكان الصمت من خير الذهب ... فاسمع هداك الله تلخيص الأدب
وقال آخر:
والصمت عند القبيح تسمعه ... صاحب صدق لكل مصطحب
فآثر الصمت ما استطعت فقد يؤثر قول الحكيم في الكتب
لو كان بعض الكلام من ورق ... لكان جل السكوت من ذهب
وقال آخر:
مت بداء الصمت خير ... لك من داء الكلام
إنما العاقل من أل ... جم فاه بلجام
وفي كتاب عيون الآداب بيت:
كلام راعي الكلام قوت ... قد أفلح الصامت السكوت
وقال ابن مسعود: ما شيء أحق بطول السجن من اللسان «١» .
стр. 103
وقال بعضهم: إذا أعجبك الكلام فاصمت. وقيل:
إحفظ لسانك إن اللسان ... سريع إلى المرء في قتله
وهذا اللسان بريد الفؤاد ... يدلّ الرجال على عقله
وقال آخر:
إن كان يعجبك السكوت فإنه ... قد كان يعجب قبلك الأخيارا
ولئن ندمت على سكوت مرة ... فلقد ندمت على الكلام مرارا
إن السكوت سلامة ولربما ... زرع الكلام عداوة وضرارا
باب ذم الصمت
قال رجل بين يدي عمر ﵁: الصّمت مفتاح السلامة، فقال: نعم ولكنه قفل الفهم. وكان يقال: من تكلم فأحسن قدر أن يسكت فيحسن.
وقال بعض الفلاسفة: الصمت نتيجة الموت، كما أن المنطق نتيجة الحياة.
وقال النبي ﷺ : «تكلموا تعرفوا» ، ولم يقل اسكتوا تعرفوا.
وقال الله تعالى حكاية عن يوسف ﵇ وعن الملك: فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ
«١» ، ولم يقل فلما سكت عنده.
стр. 104
وقال آخر: أخزى الله المساكتة فما أسوأ أثرها على اللسان وأجلبها للعي والحصر إلى الإنسان. وقال بعض الحكماء: إنك تمدح الصمت بالمنطق، ولا تمدح المنطق بالصمت، وما عبر به عن شيء فهو أفضل. ويقال: اللسان عضو فان مرنته مرن، وإن تركته حرن.
стр. 105
باب مدح الصبر
قال النبي ﷺ : «لم يؤت الناس خيرا من الصبر والمعافاة» «١» .
وقال أيضا ﵇: «لم نزل نستزيد للصابرين «٢» حتى نزلت:
إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ
«٣» . وقال ﵇:
«عليكم بالصبر، فإنه لا إيمان لمن لا صبر له» «٤» . وقال أيضا:
«الصبر ثلاثة: صبر على المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر على المعصية «٥» . شعر:
تصبّر ولا تبد التّضعضع للعدا ... ولو قطّعت في الجسم منك البواتر
سرور الأعادي أن تراك بذلة ... ولكنها تغتمّ إذ أنت صابر
ولبعضهم:
بنى الله للأخيار بيتا سماؤه ... هموم وأحزان وحيطانه الضر
стр. 106
وأدخلهم فيه وأغلق بابه ... وقال لهم مفتاح بابكم الصبر
وكان ينشد:
إني وجدت وخير القول أصدقه ... للصبر عاقبة محمودة الأثر
وقلّ من جدّ في أمر يحاوله ... فاستصحب الصّبر إلّا فاز بالظّفر
وقال آخر:
عليك بالصبر فيما قد منيت به ... فالصبر يذهب ما في الصّدر من حرج
كم ليلة من غموم الدهر مظلمة ... قد ضاء من بعدها صبح من الفرج
وقال آخر:
تصبّر إذا ما آلمتك ملمة ... وأهون بها ما لم تسمك بعار
فغب قطوب النحس بشر سعادة ... وبعد ظلام الليل نور نهار
وفي بعض الأخبار الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله.
وقال آخر:
إذا المرء لم يأخذ من الصبر حظه ... تقطّع من أسبابه كلّ مبرم
стр. 107
ويقال: أوكد الأسباب للظفر الصبر. وقال بعض العلماء:
الصبر جنّة المؤمن، وعزيمة المتوكل، وسبب درك النجح في الحوائج.
ويقال: من وطّن نفسه على الصبر لم يجد للأذى مسا. وقال النبي ﷺ : «من استعف بالله عفا، ومن استعان به أعانه، ولن تجدوا حظا خيرا من الصبر» «١» .
وقال الشاعر:
قرين الصّبر يظفر بعد حين ... بحاجته فيوجد قد قضاها
وقال المهلب: يا بني إن غلبتم على الظفر، فلا تغلبوا على الصبر.
وقال آخر:
من يمتط الصبر يضع رحله ... بساحة الرّاحة واليسر
وقال محمود «٢» :
الصبر أمضى سلاح ذي الأدب ... فاقمع به حدّ سورة الأرب
وقال الله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ
«٣» . وقال عز اسمه: وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً
«٤» . وقال عز من قائل: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ
«٥» ، الآية.
стр. 108
وكان الحسن البصري يقول: إني لأعجب ممن خف كيف خف بعد هذه الآية: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا
«١» .
وقال عمر بن عبد العزيز: ما أنعم الله على عبد نعمة فنزعها عنه فصبر، إلا كان ما أعاضه أفضل مما انتزعه عنه، ثم قرأ: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ
«٢» . وقال بعض الحكماء:
الصبر صبران: صبر عمّا تحب، وصبر على ما تكره «٣» ، والرجل من جمع بينهما «٤» . وقلت في المبهج: الصبر أحجى بذي الحجج.
وقال حكيم: تابع الصبر متبوع النصر. وقال الشاعر:
ما أحسن الصبر في مواطنه ... والصبر في كل موطن حسن
وقال ابن الجهم:
وعاقبة الصّبر الجميل جميلة ... وأفضل أخلاق الرجال التّفضل
ويقال: الصبر كاسمه، وعاقبته العسل.
стр. 109
باب ذم الصبر
الصبر كاسمه، ويقال: الصبر تجرع الغصة، وانتظار الفرصة.
وأنشد:
وإني لأدري أنّ في الصبر راحة ... ولكنّ إنفاقي على الصّبر من عمري
يقولون لي صبر التّحمّد غبّة ... فقلت لهم ليس التّصبّر من أمري
وقال البرقعي:
من حمد الصّبر وحالاته ... فلست بالحامد للصبر
كم جرعة للصبر جرعتها ... أمر في الذوق من الصبر
صبرت حتى قيل لي جاهل ... لا يعرف الخير من الشر
إني إذا الدهر نبا نبوة ... أصبر للدهر من الدهر
وقال أبو القاسم بن أبي العلاء «١» الأصفهاني «٢» :
فإن قيل لي صبرا فلا صبر للذي ... غدا بيد الأيام تقتله صبرا
وإن قيل لي عذرا فو الله ما أرى ... لمن ملك الدّنيا إذا لم يجد عذرا
стр. 110
باب مدح الحلم
كان يقال: الحلم حجاب الآفات. وقال حكيم: حلم ساعة يردّ سبعين آفة. وقال بعض السلف: الحلم أجلّ من العقل، لأن الله تعالى وصف نفسه به. وقيل: حسب الحليم أنّ الناس أنصاره على الجاهل، ومن ملك غضبه احترز من عدوه. وقال الحسن رحمة الله عليه: ما بعث الله نبيا إلى قوم إلا بعثه وأمره بالحلم. وكان الأحنف يقول: ما أضيف شيء إلى شيء أحسن من علم إلى حلم.
وكان يقول: من لم يصبر على كلمة واحدة، سمع كلمات.
ومن أحسن ما قيل في الحلم قول الشاعر:
لن يبلغ المجد أقوام وإن كرموا ... حتى يذلوا وإن عزّوا لأقوام
ويشتموا فترى الألوان مشرقة ... لا عفو ذل ولكن عفو أحلام
باب ذم الحلم
كان يقال: من عرف بالحلم كثرت الجراءة عليه. وقال بعض السلف: الحلم ذلّ كله. وقال السفاح: إذا كان الحلم مفسدة،
следующие страницы →