Полный текст (350 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
ذو الود مني وذو القربى بمنزلة ... وإخوتي أسوة عندي وإخواني
عصابة جاورت آدابهم أدبي ... فهم وإن فرقوا في الأرض جيراني
أرواحنا في مكان واحد وغدت ... أبداننا بشآم أو خراسان
وقلت في المبهج: الصديق الصدوق ثاني النفس وثالث العينين.
ومنه: الصديق الصدوق كالشقيق الشفوق. ومنه: الصديق عمدة الصديق وعدته ونصرته وعقدته وربيعه وزهرته ومشتريه وزهرته.
ومنه: قربة الوداد أقرب منه لحمة الولاد، ومنه: لقاء الخليل شفاء الغليل. ومنه: ليس للصديق إذا حضر عديل ولا عنه إذا غاب بديل، ومنه: مثل الصديقين كاليد تستعين باليد، والعين تستعين بالعين. ومنه: لقاء الصديق روح الحياة، وفراقه سم الحياة.
ومنه: لا تساغ مرارة الأوقات إلا بحلاوة الإخوان والثقات، ومنه:
استروح من غمة الزمان، بمناسبة الخلان. ومنه: الحاجة إلى الأخ المعين، كالحاجة إلى الماء المعين. ولبعضهم في معنى هذا الباب:
ما ضاع من كان له صاحب ... يقدر أن يصلح من شأنه
فإنما الدّنيا بسكانها ... وإنما المرء بإخوانه
стр. 142
باب ذم الإخوان
كان عمرو بن العاص ﵁ يقول: من كثر إخوانه كثر غرماؤه؛ يعني في قضاء الحقوق. وقال عمر بن مسعدة: العبودية عبودية الإخاء لا عبودية الرق. وقال إبراهيم بن العباس: مثل الإخوان كالنار قليلها متاع، وكثيرها بوار. وقال الكندي لابنه: يا بني الأصدقاء هم الأعداء، لأنك إذا احتجت إليهم منعوك، وإذا احتاجوا إليك ثلبوك وسلبوك.
وكان بعضهم يقول في دعائه: اللهم أحرسني من أصدقائي، فإذا قيل له في ذلك، قال: أقدر على الاحتراس من أعدائي، ولا أقدر على الاحتراس من أصدقائي. وقال ابن المعتز: أصدقاء السوء كشجرة النار يحرق بعضها بعضا. وقال أيضا: إنما تطيب الدنيا بمساعدة الإخوان، وينتفع بهم في كافة الأحوال، وإلا فعلى الصداقة الدمار، وما أرجوه منها إذا كانت تنقطع في الآخرة، ولا تتصل بما أحب في الدنيا.
وقال أبو العتاهية:
أنت ما استغنيت عن ... صاحبك الدهر أخوه
فإذا احتجت إليه ... ساعة مجّك فوه
وقال إبراهيم بن العباس:
نعم الزمان زماني ... الشأن في الإخوان
فيمن رماني لما ... رأى الزمان رماني
لو قيل لي خذ أمانا ... من أعظم الحدثان
стр. 143
لما طلبت أمانا ... إلّا من الإخوان
وقال ابن الرومي:
عدوك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرنّ من الصّحاب
فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب «١»
وللإمام الشافعي ﵁:
صديقك من يعادي من تعادي ... بطول الدهر ما سجع الحمام
ويوفي الدين عنك بغير مطل ... ولا يمنن به أبدا دوام
فإن صافى صديقك من تعادي ... ويفرح حين ترشقك السهام
فذاك هو العدو بغير شك ... تجنّبه فصحبته حرام
فإنّا قد سمعنا بيت شعر ... شبيه الدرّ زينه النظام
إذا وافى صديقك من تعادي ... فقد عاداك وانفصل الكلام
ولبعضهم:
وأنت أخي ما لم تكن لي حاجة ... فإن عرضت أيقنت أن لا أخا ليا
стр. 144
وقال ابن المعتز:
وأفردني عن الإخوان علمي ... بهم فبقيت مهجور النواحي
إذا ما قل وقري قلّ مدحي ... فإن أثريت عادوا في امتداحي
فكم ذم لهم في جنب مدح ... وجد بين أثناء المزاح
وقال آخر:
آخ من شئت ثم رم منه شيئا ... تلقى من دون ما أردت الثريا
وللمتنبي:
صديقك أنت لا من قلت خلّي ... وإن كثر التجمّل والكلام
ومن غير الكتاب:
إحذر عدوك مرة ... واحذر صديقك ألف مره
فلربما انقلب الصديق ... فكان أخبر بالمضره
وقال آخر:
ألا إنّ إخواني الذين عهدتهم ... أفاعي رمال ما تقصّر في لسعي
ظننت بهم خيرا فلما بلوتهم ... حللت بواد منهم غير ذي زرع «١»
стр. 145
ولبعضهم:
صديق يفدّينا إذا كان حاضرا ... ويوسعنا في حال غيبته لسعا
له لطف قول دونه كلّ رقية ... ولكنه في فعله حية تسعى
стр. 146
باب مدح المزاح
كان النبي ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقا «١» ، وكان العباس ﵁ يقول: مزح رسول الله ﷺ ، فصار المزح سنّة ومن مزاحه ﵊: أنه كسا امرأة من نسائه ثوبا، فقال: إلبسيه واحمدي الله وجربي ثوب العروس.
وقيل لسفيان بن عيينة: المزاح هجنه. فقال: بل سنّة، ولكن الشأن فيمن يحسنه ويضعه مواضعه. وكان علي ﵁ فيه دعابة. وكان يقال: المزح في الكلام كالملح في الطعام. وقد نظمه أبو الفتح البستي فقال:
أعد طبعك المكدود بالهم راحة ... قليلا وعلله بشيء من المزح
ولكن إذا أعطيته المزح فليكن ... بمقدار ما تعطي الطعام من الملح «٢»
ويقال: الإفراط في المزح مجون، والاقتصاد فيه ظرافة، والتقصير فيه ندامة «٣» . وقال عطاء بن السائب: كان سعيد بن جبير لا
стр. 147
يقص علينا إلا أبكانا بوعظه، ولا يقوم من مجلسنا حتى يضحكنا بمزحه. وقال المتنبي:
ولما صار ودّ الناس خبّا ... جزيت على ابتسام بابتسام
وصرت أشكّ فيمن أصطفيه ... لعلمي أنه بعض الأنام
فحبّ العاقلين على التّصافي ... وحبّ الجاهلين على الوسام «١»
باب ذم المزاح
قال بعض حكماء العرب: المزاج يذهب المهابة ويورث الضغينة والمهانة. وقال بعضهم: المزاح سباب النّوكى. وقال بعضهم:
المزاح هو السّباب الأصغر. وقال آخر: المزاح يجلب الشرّ صغيره، والحرب كبيره. وقال آخر: لو كان المزاح فحلا لم ينتج إلّا شرا.
ويقال: المزاح أوله فرح وآخره ترح، وخير المزاح لا ينال، وشره لا يقال، وقل مزاح لم يحدث شرا أو ضغينة.
وقال ابن المعتز: المزاح يأكل الهيبة، كما تأكل النار الحطب.
وقال أيضا: من كثر مزاحه لم يزل في استخفاف به وحقد عليه «٢» .
وقال أيضا: رب مزح في عوده جد «٣» . وقال أبو نواس:
قد صار في الناس جدا ما مزحت به ... كم مازح صار بين الناس مذموما
стр. 148
وقال أيضا: أية نار قدح القادح، وأي جد بلغ المارح.
ويقال: لكل شيء بدء وبدء العداوة المزاح. وقال سالم بن قتيبة لأهل بيته: لا تمازحوا فيستخف بكم، ولا تدخلوا الأسواق فتدق أخلاقكم. وقال الأحنف: من كثر مزاحه ذهبت هيبته، ومن كثر ضحكه استخف به.
وقال الشاعر:
أما المزاح والمراء ذرهما ... خلقان لا أرضاهما لصديق
وقال آخر:
إن المزاح للجلال مسلبه ... والضحك أيضا للبهاء مذهبه
وقال آخر:
إن المزاح يورث الضّغينه ... وحمل ضغن في الحشا مؤنه
стр. 149
باب مدح العتاب
قال بعض البلغاء: العتاب حدائق المتحابين، وثمار الأوداء، والدليل على الضن بالإخوة. ويقال: ظاهر العتاب خير من باطن الحقد. ويقال: من لم يعاتب على الزّلة، فليس بحافظ للخلة.
وقال الشاعر:
نعاتبكم يا آل عمرو لحبكم ... ألا إنّما المقليّ من لا يعاتب
وقال ابن المعتز: العتاب حياة المودة، ويقال: من كثر حقده قلّ عتابه. وقال الشاعر:
ترك العتاب إذا استحق أخ ... منك العتاب ذريعة الهجر
وقال آخر:
إذا ذهب العتاب فليس ودّ ... ويبقى الودّ ما بقي العتاب
وقال آخر:
أبلغ أبا جعفر عني معاتبة ... وفي العتاب حياة بين أقوام «١»
стр. 150
باب ذم العتاب
قال بعضهم: كثرة العتاب تورث الضغينة وتولد البغضة. وقال بعض الحكماء والبلغاء: مثل العتاب، مثل الدواء ينقي به عارض الصدود، ويشفي بمكانه مرض الصدور، فإذا استعمل لغير علة عارضة، وتنوقل بلا حاجة ظاهرة، تحول داء المحبة دويّا وصار موتا بيد القطيعة وحيّا.
وقال آخر: كثرة العتاب داعية الاجتناب. وقال الشاعر:
إن بعض العتاب يدعو إلى حقد ... ويؤذي به المحبّ الحبيبا
فإذا ما القلوب لم تضمر الودّ ... فلن يعطف العتاب القلوبا
وقال آخر:
فدع العتاب فرب شر ... هاج أوله العتاب
وقال آخر:
إذا ما كنت منكر كل ذنب ... ولم تجلل أخاك عن العتاب
تباعد من تعاتب بعد قرب ... وصار به الزمان إلى اجتناب
وقال ابن المعتز: لا تعاتب صديقك لأدنى سبب وأخفى شيء يتعلق به الظن، فإن ذلك يدل على ضعف ثقتك به، ووهن مودتك له، وكفى بما قاله بشار بن برد واعظا من العتاب:
стр. 151
إذا كنت في كلّ الأمور معاتبا ... صديقك لم تلق الذي لم تعاتبه
فعش واحدا أو صل أخاك فإنّه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه
إذا كنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت وأيّ الناس تصفو مشاربه
стр. 152
باب مدح الحجاب
أحسن ما قيل في الحجاب قول أبي تمام:
يا أيها الملك النائي برؤيته ... وجوده لمراعي جوده كثب
ليس الحجاب بمقص منك لي أملي ... إنّ السماء ترجّى حين تحتجب «١»
ولبعضهم:
له حاجب عن كل أمر يشينه ... وليس له عن طالب العزّ حاجب
وقال ابن نباتة السعدي:
ولو كان الحجاب بغير نفع ... لما احتاج الفؤاد إلى حجاب
وقال الحكيم لملك: لا تمكّن الناس من كثرة رؤيتهم لك، فإن أجرأ الناس على الأسد أكثرهم له رؤية. وقال بعضهم: كثرة الإذن مجلبة الابتذال، وأبهة الملوك في الاحتجاب. وقال آخر: المبذول مملول، والممنوع متبوع.
وقد أحسن ابن المعتز في قوله:
стр. 153
كما يخلق الثوب الجديد ابتذاله ... كذا تخلق المرء العيون اللوامح
وقال أبو جعفر العتبي للأمير منصور بن نوح وهو يعرض له بالعتاب على التعرض لكثرة لقاء الناس له: لو كان الله ظاهرا للعيون وغير محجوب عن العبيد لما عبد.
باب ذم الحجاب
أحسن ما قيل في ذم الحجاب قول بعض العصريين:
ليس الحجاب بآلة الاشراف ... إنّ الحجاب مجانب الإنصاف
ولقلّما يأتي فيحجب مرة ... فيعود ثانية بقلب صاف
وقال محمد بن عبد الله بن أبي عيينة:
إني أتيتك للسلام ولم ... أنقل إليك لغيره رجلي
فحجبت دونك مرتين وقد ... تشتدّ واحدة على مثلي
وكان خالد بن عبد الله القسري يقول لحاجبه: «إذا أخذت مجلسي فلا تحجبن أحدا عني «١» ، فإن الوالي يحتجب لثلاثة أشياء: عيّ يكره أن يطّلع عليه، أو ريبة يخاف انتشارها، أو بخل يكره أن يسأل معه شيئا» . وكانت العجم تقول: ما شيء بأضيع للمملكة من شدة احتجاب الملوك، ولا شيء بأهيب للجند والرعية وأكف لهم عن الظلم من سهولته.
стр. 154
وقال أبو العتاهية:
متى ينجح الغادي إليك لحاجة ... ونصفك محجوب ونصفك نائم
وقال المتنبي:
وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا ... ودون الذي أمّلت منك حجاب
стр. 155
باب مدح الزيارة
في الخبر: من زار أخاه أو عاد مريضا، نادى مناد من السماء أن طبت وطاب ممشاك، تبوّأت من الجنة منزلا «١» . ويقال: إمش ميلا وعد مريضا، وامش ميلين واصلح بين اثنين، وامش ثلاثة أميال وزر صديقا في الله المتعال. ويقال: الزيارة عمارة المودة ومنظرة الخلة.
وزار بعض العلوية يحيى بن معاذ الرازي ﵀ فقال له يحيى: إن زرتنا فبفضلك، وإن زرناك فلفضلك، فلك الفضل زائرا ومزورا.
وقال الشاعر:
أزور محمدا فإذا التقينا ... تكلمت الضمائر في الصدور
فأرجع لم ألمه ولم يلمني ... وقد رضي الضمير عن الضمير
وقلت في المبهج: من زار صديقه الذي يفضي إليه بسره فقد لقي السرور بأسره، وخرج عن عقال الهم وأسره. وفيه: زيارة الصديق تترك الهم مطردا والأنس مطّردا. وفيه: في زيارة الإخوان روح الجنان وراحة الجنان.
стр. 156
باب ذم الزيارة
في الخبر: «زرغبا تزداد حبا» «١» . ويقال: قلّة الزيارة أمان من الملالة. وينشد:
إني كثرت عليه في زيارته ... فملّ والشيء مملول إذا كثرا
ورابني منه أني لا أزال أرى ... في طرفه قصر عني إذا نظرا
وقال كشاجم:
قد قلت لما أن شكت ... تركي زيارتها خلوب
إنّ التباعد لا يضرّ ... إذا تقاربت القلوب
وقال منصور الفقيه:
كثرت عليه فأمللته ... وكلّ كثير عدو الطبيعة
وقال آخر:
أقلل زيارتك الحبيب تكون كالثوب استجده
إنّ الصديق يملّه ... أن لا يزال يراك عنده
وأحسن من هذا قول الآخر:
عليك بإقلال الزيارة إنّها ... إذا كثرت كانت إلى الهجر مسلكا
стр. 157
ألم تر أن القطر يسأم دائما ... ويسأل بالأيدي إذا هو أمسكا
وأحسن ما قيل فيه قول الآخر:
أقلل زيارة من تهوى مودّته ... فالناس من لم يواسيهم أجلّوه
فالغيث وهو حياة الناس كلهم ... إن دام أكثر من يومين ملّوه
стр. 158
باب مدح النساء
قال النبي ﷺ : حبّب إليّ من دنياكم ثلاث: النساء والطيب وجعلت قرّة عيني في الصلاة «١» . وقال ﵊: تنكح المرأة لجمالها ومالها، فعليك بذات الدّين تربت يدك «٢» . ثم قال ﵊: ما أفاد رجل بعد الإسلام خيرا من امرأة ذات دين، تسره إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمرها، وتحفظه في نفسه وماله إذا غاب عنها «٣» .
وقال مسلمة بن عبد الله: المرأة الصالحة خير للمرء من عينيه ويديه.
ويقال: آخر متاع الدنيا لعين المرء: المرأة الصالحة والولد الأريب.
ويقال: من لم تخنه نساؤه تكلم بملء فيه. ويقال: خير النساء
стр. 159
الودود الولود القعود.
وقال بعض العرب: خير النساء الهينة اللينة، النقية التقية التي تعين زوجها على الدهر، ولا تعين الدهر على زوجها. وقال بعض السلف: المرأة الصالحة إحدى الحسنيين.
ويقال: أعون الأعوان على المعيشة: المرأة الصالحة. ويقال:
الإنسان لا يسكن إلى شيء كسكونه إلى زوجته، ولذلك إن الله تعالى خلق حواء ليسكن إليها آدم ﵇. كما قال عز اسمه: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها
«١» .
فالسكون إلى الأزواج والأنس بهن مما ورثوه عن آبائهم.
وقال بعضهم: إن الرجل لا يسكن إلى شيء كسكونه إلى زوجته الموافقة المؤاتية له، لأن الله عز اسمه يقول: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً
«٢» ولم يخصص بهذه الصفة غير النساء، ولذلك يهجر الرجل والديه وأولاده ومن دونهم بسبب زوجته، ولذلك لا يهتم أحد لأحد كاهتمام المرأة الصالحة لزوجها في شفقتها عليه وعلى عياله، ولا يكاد يتم أمر منزل الرجل ومروءته إلا بحرّة شفيقة رفيعة صالحة عفيفة، وإلا اختلت أموره واضطربت أسبابه.
وقال خالد بن صفوان لرجل: أطلب لي بكرا كثيب، أو ثيبا كبكر. لا ضرعاء صغيرة، ولا عجوزا كبيرة قد عاشت في نعمة وأدركتها حاجة، فخلق النعمة فيها وذل الحاجة معها.
стр. 160
ومن أحسن ما قيل فيهن قول الشاعر:
ونحن بنو الدّنيا وهنّ بناتها ... وعيش بني الدنيا لقاء بناتها
وقال آخر:
إنّ النساء رياحين خلقن لنا ... وكلّنا نشتهي شمّ الرياحين
باب ذم النساء
قال النبي ﷺ في ذكر النساء إنهن ناقصات العقل والدين «١» .
وقال ﵊: شاوروهن وخالفوهن فإن البركة في خلافهن «٢» . وقال عمر رضي الله تعالى عنه: استعيذوا بالله من شرار النساء، وكونوا من خيارهن على حذر «٣» . ويقال: النساء حبائل الشيطان. ويقال: إعص هواك والنساء وأطع من تشاء. وقال النبي ﵊: ما تركت بعدي فتنة أضر بالرجال من النساء «٤» . وعنه ﵊: خلقت المرأة من ضلع عوجاء، فإن داريتها استمتعت بها، وإن رمت تقويمها كسرتها.
وقال الشاعر على هذا:
стр. 161
هي الضّلع العوجاء لست تقيمها ... ألا إنّ تقويم الضّلوع انكسارها
وتجمع ضعفا واقتدارا على الفتى ... وهذا عجيب ضعفها واقتدارها
وقيل: إن كيد النساء أعظم من كيد الشيطان، لأن الله تعالى يقول: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً
«١» . وقال الله: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ
«٢» . وقال بعض الحكماء: لا ينبغي للعاقل أن يمدح امرأته إلا بعد موتها.
وقال بعضهم:
إنّ النساء شياطين خلقن لنا ... نعوذ بالله من شرّ الشياطين
فهن أصل البليات التي ظهرت ... بين البريّة في الدّنيا وفي الدّين
وكان المأمون يقول: النساء شرّ كلّهن، ومن شر ما فيهن قلة الاستغناء عنهن «٣» .
وقال بعضهم: المرأة الصالحة غلّ قمل يضعه الله في عنق من يشاء من عباده، ويفكه عمن يشاء «٤» . وكان يقال: من القواتل امرأة إن
стр. 162
حضرتها سبتك، وإن غبت عنها لم تأمنها. وقال بعض الحكماء: أضر الأشياء بالدين والعقل والجسم والمال: الغرام بالنساء، ومن لؤم من يبتلي بهن: أنه لا يقتصر على ما عنده ويطمح إلى ما ليس له.
وقال بعضهم: من يحصي مساوىء النساء وقد اجتمعت فيهن نجاسة البطن والفرج، وما فيهن إلا ناقصة العقل والدين لا تصلي ولا تصوم أيام حيضها، ولا يسلم عليها، وليست عليهن جمعة ولا جماعة، ولا يكون فيهن نبي ولا قاض، ولا يسافرن إلا بوليّ «١» .
ويقال: ما نهيت امرأة عن شيء قط إلا أتته. وفي معناه يقول طفيل الغنوي:
إنّ النساء كأشجار نبتن لنا ... منهن مرّ وبعض المرّ مأكول
إن النساء متى ينهين عن خلق ... فإنّه واجب لا بدّ مفعول
وقال رجاء بن حيوة، قال معاذ بن جبل: إنكم ابتليتم بفتنة الضّرّاء فصبرتم، وإني أخاف عليكم فتنة السرّاء، وإنّ أشدها لكم عندي النساء؛ إذا تحلين الذهب والفضة ولبسن ريط الشام وعصب اليمن، أتعبن الغني، وكلّفن الفقير ما لا يقدر عليه.
стр. 163
باب مدح التزوج
قيل للحسن بن علي بن أبي طالب، ﵄: إنك يا ابن رسول الله منكاح مطلاق، فقال: لأني أحب الغنى، وقد قال تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
«١» فنكحت ابتغي الغنى، وقال تعالى: وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ
«٢» فطلقت أبغي الغنى أيضا.
وقال النبي ﵊ لعاكف الهلالي: ألك امرأة؟
قال: لا، قال: فأنت إذا من إخوان الشياطين، فإن كنت من رهبان النصارى فالحق بهم، وإن كنت منا فمن سنتنا النكاح «٣» .
وقال بعض الصحابة عند وفاة زوجته: زوجوني زوجوني فإن رسول الله ﷺ أوصاني أن لا ألقاه أعزب «٤» . وقال معاذ بن جبل: لو لم يبق من عمري إلا ليلة لأحببت أن تكون لي فيها زوجة خوف الفتنة. وقال بعض السلف لأعزب: والله ما يمنعك من التزوج إلا عجز أو فتور. ويقال: النكاح من سنن المرسلين وكذلك العطر والسواك «٥» .
стр. 164
باب ذم التزوج
سئل بعض الحكماء البلغاء عن التزوج فقال: فرح شهر وغم دهر وغرم مهر ودق ظهر. وقيل لرجل: املك، فقال: أهلك.
وقال آخر: الملك هو المملوك، إلا أن ثمنه عليه. وقال بعض العرب بيتا فيه:
يقولون تزويج وأشهد أنه ... هو البيع إلا من يشاء يكذب
ويقال: قيل للعتابي: أنت أعزب فلو تزوجت، فقال: وجدت الصبر عنهن أيسر من الصبر عليهن. وقيل لمالك بن دينار مثل ذلك فقال: لو استطعت لطلقت نفسي.
وفي كتاب ملح النوادر: أن ذئبا كان ينتاب بعض القرى ويعبث فيها، فترصده أهلها حتى صادوه، وتشاوروا في تعذيبه وقتله، فقال بعضهم: تقطع يداه ورجلاه وتدق أسنانه ويخلع لسانه، وقال بعضهم: بل يصلب ويرشق بالنبال. وقال بعضهم: لا بل توقد نار عظيمة ويلقى فيها. وقال بعض الممتحنين بنسائه: لا بل يزوج، وكفى بالتزويج تعذيبا. وفي هذه القصة يقول الشاعر:
ربّ ذئب أخذوه ... وتماروا في عقابه
ثم قالوا زوّجوه ... وذروه في عذابه
стр. 165
باب مدح الجواري
كان يقال: من أراد قلة المؤنة وخفة النفقة وحسن الخدمة وارتفاع الحشمة فعليه بالإماء دون الحرائر. وكان عبد الملك يقول: عجبت لمن استمتع بالسراري كيف يتزوج الحرائر. ويقال: السرور في اتخاذ السراري. وكان أهل المدينة يكرهون اتخاذ الإماء أمهات أولادهم حتى نشأ فيهم علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁. وفاقوا أهل المدينة فقها وعلما وورعا، وما منهم إلا ابن سرية، فرغب الناس في اتخاذ السراري.
وقال مؤلف الكتاب: وليس من خلفاء بني العباس من أبناء الحرائر إلا ثلاثة: السفاح، والمنصور والمخلوع «١» ، وأما الباقون كلهم فأبناء السراري والجواري: وقد أوردت أسماء الكل في كتاب لطائف المعارف المؤلف بخزانة مولانا الملك المؤيد أعز الله نصره وثبت ملكه.
وكان يقال: النجابة في أولاد الإماء لأنهم يجمعون عز العرب ودهاء العجم. ولما تزوج علي بن الحسين بأم ولد رجل من الأنصار لامه عبد الملك بن مروان على ذلك، فكتب إليه: إن الله عز اسمه قد رفع بالإسلام الخسيسة، وأتم النقيصة، وأكرم من اللؤم، فلا عار على
стр. 166
مسلم في حلال، هذا رسول الله ﷺ تزوج أمة وأم ولد: فقال عبد الملك: إن عليا يتشرف من حيث تتضع الناس.
وفي كتاب المبهج: الجارية الوسيمة من النعم الجسيمة. وفيه:
لا تتخذ السرية إلا سرية.
قال: وقلت في كتاب المترف «١» :
سقيا لدهر سروري ... والعيش بين السراري
إذ طير سعدي جوار ... مع امتلاك الجواري
أيام عيشي قعودي ... وقد ملكت اختياري
أجري بغير عذار ... أجني بغير اعتذار
وغيم لهوي مطير ... وزند أنسي واري
كأن خوارزم شاه ال ... همام أصبح جاري
من ريب دهر خؤون ... بغير ما سر جاري
ذاك المليك الذي قد ... حكت يداه السواري
وقد حمى الدين لما ... جلاه يوم الفخار
فظل سورا عليه ... وتارة كسوار
لا زال خوارزم شاه ... يحوي الغنى باقتدار
صدرا بغير مبار ... بدرا بغير سرار
باب ذم الجواري
أحسن ما سمعت في ذم الجواري ما أنشدني أبو الحسن
стр. 167
السهروردي، قال: أنشدني المحبوبي المروزوي قول الشاعر:
إذا لم يكن في منزل الحرّ حرة ... رأى خللا فيما تولي الولائد
فلا يتخذ منهن حر معيدة ... فهن لعمر الله شر القعائد
وكان يقال: الجواري كخبز السوق، والحرائر كخبز الدور.
ومن أمثال العرب: لا تمازح أمة، ولا تبل على أكمة. وسمعت أبا الحسن الماسرخسي يقول: سمعت بعض صدور نيسابور يقول: لا تفترش من تداولتها أيدي النخاسين، ووقع ثمنها في الموازين.
ويقال: لا خير في بنات الكفر وقد نودي عليهن في الأسواق، ومرّت عليهن أيدي الفساق.
стр. 168
باب مدح العيال
قال بعض السلف: استكثروا من العيال، فإنكم لا تدرون بمن ترزقون.
ويقال: من لا عيال له، لا مروءة له.
وقال طلحة الطلحات «١» : لا تمتنعوا من اتخاذ العيال، فإنكم لا تدرون بمن ترزقون، واعلموا أن أرزاقهم على الله، ومرافقهم لكم.
وكان يقال: الكلب ومن لا عيال له بمنزلة.
وكان جعفر بن سليمان يقول: المروءة في سعة الحال وكثرة العيال.
وشكا رجل إلى بعض العلماء كثرة عياله فقال له: من كان من عيالك رزقه على غير الله فحوله إليّ.
ومما يستحسن في ذلك لأبي العتاهية:
الخلق كلهم عيا ... ل الله تحت ظلاله
وأحبهم طرا إليه ... أبرّهم لعياله
стр. 169
باب ذم العيال
كان يقال: قلة العيال أحد اليسارين. وقال خلف بن أيوب:
كم من كريم فضحته العيال. وقال سفيان بن عيينة: لا يصلح ولا يجوز ولا يستقيم أن يكون صاحب العيال ورعا. ويقال: العاقل يتخذ المال قبل العيال والجاهل يتخذ العيال قبل المال.
ورؤي سفيان بن عيينة يوما واقفا بباب يحيى بن خالد البرمكي، فقيل له: ليس هذا من مواطنك يا أبا محمد! فقال: متى رأيتم صاحب العيال أفلح. وكان يقول: إني لأعجب ممن له عيال وليس له مال كيف لا يخرج على الناس بالسيف.
ومن الأمثال السائرة: العيال سوس المال. وقيل لبعضهم: ما المال؟ قال: قلة العيال. وقال آخر: لا مال لكثير العيال.
ومن مواعظ كتاب المبهج: استظهر على الدهر بخفة الظهر.
стр. 170
باب مدح الولد
في الخبر المرفوع: «ريح الولد من ريح الجنة» «١» . ويروى عنه ﵊ أنه قال لأحد الحسنين، ﵄: «أنك من ريحان الجنة» «٢» . وعنه ﵊: «ولد الرجل من أطيب كسبه» «٣» . ويقال: الولد قرة العين، وريحانة الأنف، وثمرة القلب. وقال بعض السلف: أولادنا أكبادنا. وقال الأحنف لمعاوية: أولادنا ثمار قلوبنا، وعما ظهورنا، ونحن لهم أرض ذليلة وسماء ظليلة، إن غضبوا فارضهم، وإن سألوا فاعطهم، ولا تكن عليهم قفلا فيملوا حياتك ويتمنوا وفاتك «٤» . وقالت إعرابية وهي ترقص ولدها:
يا حبذا ريح الولد ... ريح الخزامى في البلد
أهكذا كلّ ولد ... أم لم يلد قبلي أحد
ومما يستحسن من ألفاظ الصاحب قوله في كتاب: وصل كتاب مولاي فألصقته بالقلب والكبد، وشممته شم الولد. وقال: من سره أن يرى كبده يمشي على الأرض فلير ولده.
стр. 171
باب ذم الولد
قال بعض حكماء العرب: من سرّه بنوه، ساءته نفسه. وكان يحيى بن خالد يقول: ما رأى أحد في ولده ما يحب إلا رأى في نفسه ما يكره. وقال ابن الرومي في معناه:
كم من سرور لي بمو ... لود أؤمله يعد
وبأن يهدّنيّ الزما ... ن رأيت منّته أشد
ومن العجائب أن أسر ... ر بمن يشدّ بما أهد «١»
وقل ابن المعتز في فصوله: أفقرك الولد أو عاداك. وفي المبهج:
إذا ترعرع الولد ترعرع الوالد.
وقيل لعيسى ﵇: هل لك في الولد؟ فقال: ما حاجتي إلى من إن عاش كدني، وإن مات هدني. وقيل لبعض النساك: ما بالك لا تبتغي في ما كتب الله لك؟! قال سمعا لأمر الله، ولا مرحبا بمن إن عاش فتنني، وإن مات أحزنني: يريد قوله تعالى: أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ*
«٢» . وقال حكيم في ذم الأولاد: ملوك صغارا، وأعداء كبارا؛ يريد قوله تعالى: إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ
«٣» . ويقال: من أراد أن يذوق الحلاوة والمرارة فليتخذ ولدا. وينشد لأبي سهل سعيد بن عبد الله الثكلي:
стр. 172
هذا الزمان الذي كنا نحذره ... فيما يحدّث عن كعب ومسعود
إن دام هذا ولم يحدث له غير ... لم يبك ميت ولم يفرح بمولود
وقال المتنبي:
وما الدهر أهل أن يؤمّل عنده ... حياة وأن يشتاق فيه إلى النسل «١»
وقال البستي:
يقولون ذكر المرء يحيا بنسله ... وليس له ذكر إذا لم يكن نسل
فقلت لهم نسلي بدائع حكمتي ... فإنّا فاتنا نسل فإنّا بها نسلو «٢»
وقال ابن المعتز:
سكنتك يا دنيا برغمي مكرها ... وما كان لي في ذاك صنع ولا أمر
وجربت حتى قد قتلتك خبرة ... فأنت وعاء حشوه الهم الصرّ
فإن ارتحل يوما أودعك ذميمة ... وما فيك من عودي غراس ولا بذر
стр. 173
وقيل لفيلسوف يعق والديه: لم تعق والديك؟! فقال: لأنهما أخرجاني إلى عالم الكون والفساد. وقيل لأعرابي: لم أخرّت التزوج إلى الكبر؟! قال: لأبادر ولدي باليتم قبل أن يسبقني بالعقوق.
وحدثني أبو نصر سهل بن المهدي قال: كان رجل من المياسير بالبصرة يتمنى أن يرزق ابنا وينذر عليه النذور حتى ولد له، فسرّ به غاية السرور وأحسن تربيته حتى ارتفع عن مبلغ الأطفال إلى حد الرجال.
ولم يهمه شيء من أمر الدنيا سواه، ولم يؤخر ممكنا من الإحسان عنه، فلم يشعر الأب ذات يوم إلا بخنجر خالط جوفه من وراء ظهره، فاستغاث بابنه فلم يجبه، ثم استغاث به ثانية والتفت فإذا هو صاحب الضربة، فقال الشيخ: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أستغفر الله، صدق الله؛ أراد بالتهليل أن يلقى الله بالإيمان، وبالاستغفار إن الله تعالى حذره فلم يحذر، وبقوله: صدق الله ، قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ
«١» . فجمع بهذه الكلمات كل ما يحتاج إليه في تلك الحال.
стр. 174
باب مدح البنات
دخل عمرو بن العاص على معاوية وعنده ابنته عائشة فقال: من هذه يا معاوية؟ فقال: هذه تفاحة القلب، وريحانة العين وشمامة الأنف، فقال: أمطها عنك، قال: ولم؟! قال: لأنهن يلدن الأعداء، ويقربن البعداء، ويورثن الشحناء، ويثرن البغضاء، قال: لا تقل ذلك يا عمرو فو الله ما مرّض المرضى ولا ندب الموتى ولا أعان على الزمان ولا أذهب غبش الأحزان مثلهن، وانفك لواحد خالا قد نفعه بنو أخته، وأبا قد رفعه نسل بنته، فقال: يا معاوية دخلت عليك وما على الأرض شيء أبغض إليّ منهن، وإني لأخرج من عندك وما عليها شيء أحب إليّ منهن «١» .
وقال معن بن أوس:
رأيت رجالا يكرهون بناتهم ... وفيهن لا نكذب نساء صوالح
وفيهن والأيام يفتكن بالفتى ... خوادم لا يمللنه ونوائح
стр. 175
وقال العلوي الجماني في صديق له ولدت له بنت فسخطها شعرا:
قالوا له ماذا رزقتا ... فاصاخ ثمة قال بنتا
وأجل من ولد النساء ... أبو البنات فلم جزعتا
إن الذين تودّ من ... بين الخلائق ما استطعتا
نالوا بفضل البنت ما ... كبتوا به الأعداء كبتا
وفي رقعة للصاحب بالتهنئة بالبنت: أهلا وسهلا بعقيلة النساء وأم الأبناء، وجالبة الأصهار والأولاد الأطهار، والمبشرة بإخوة يتناسقون ونجباء يتلاحقون. شعر:
فلو كان النساء كمن وجدنا ... لفضّلت النساء على الرجال
وما التأنيث لاسم الشمس عيب ... وما التذكير فخر للهلال «١»
والله تعالى يعرفك يا مولاي البركة في مطلعها، والسعادة بموقعها، فادرع اغتباطا، واستأنف نشاطا، فالدنيا مؤنثة والرجال يخدمونها، والذكور يعبدونها، والأرض مؤنثة ومنها خلقت البرية، وفيها كثرت الذرية، والسماء مؤنثة وقد زينت بالكواكب، وحليت بالنجم الثاقب، والنفس مؤنثة وهي قوام الأبدان، وملاك الحيوان، والحياة مؤنثة ولولاها لم تتصرف الأجسام، ولا عرف الأنام، والجنة مؤنثة وبها وعد المتقون، وفيها ينعم المرسلون، فهنيئا لك هنيئا بما
стр. 176
أوتيت وأوزعك الله شكر ما أعطيت.
ونسخت رقعة لأبي الفرج الببغاء: اتصل بي خبر المولودة المسعودة، كرّم الله عرقها وأنبتها نباتا حسنا، وما كان من تغيرك عند اتصال الخبر، وإنكارك ما اختاره الله لك في سابق القدر، وقد علمت أنهن أقرب من القلوب وأن الله بدأ بهن في الترتيب فقال عز من قائل: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ
«١» وما سماه الله تعالى هبة، فهو بالشكر أولى وبحسن التقبل أحرى. فهنّاك الله بورود الكريمة عليك، وثمرتها اعداد النسل الطيب لديك، والله أعلم.
باب ذم البنات
قيل لأعرابي: ما ولدك؟ قال: قليل خبيث. قيل: وكيف ذلك؟! قال: لا عدد أقل من الواحد ولا أخبث من بنت. وكان يقال: دفن البنت من المكرمات. ويقال: تقديم الحرم من النعم.
وفي الحديث المرفوع: نعم الختن القبر. ويروى لعبد الله بن طاهر:
لكلّ أبي بنت إذا ما ترعرعت ... ثلاثة أصهار إذا كرم الصهر
فزوج يراعيها وبيت يكنها ... وقبر يواريها، وخيرهم القبر
стр. 177
وقال غيره:
جعلت فداك من النائبات ... ومتعت ما عشت من الطيبات
سروران ما لهما ثالث ... حياة البنين وموت البنات
وأصدق من ذين قول الحكيم ... دفن البنات من المكرمات
وكان الاستاذ الطبري يقول: ليس بشيخ من لا بنت له، وإن كان ابن تسعين سنة، وليس بشاب من له بنت، وإن كان ابن عشرين سنة.
وقيل: طوبى لمن صاهر القبر وخطب إليه الدهر ووضع في ميزانه الأجر.
стр. 178
باب مدح الغلمان
قال مطيع بن إياس: لو لم يكن للمرد فضيلة إلا أنّ الله تعالى خلق ملائكته مردا، وأهل الجنة مردا، لكانت فيها الكفاية؛ وإنما عنى الحديث المرفوع: «أهل الجنة مرد جرد مكحلون» «١» . وفي ذلك يقول الشاعر:
لو كان يرضى ربّنا اللحى ... ما خلق الجنّة للمرد
وكان يقال: الغلام هو الرفيق في السفر، والقرين في الحضر، والصديق في الشدّة والرخاء، والمعين على الشغل، والنديم عند الشرب، وهو مفتاح الأنس.
وكان يحيى بن أكثم»
يقول: «قد أكرم الله أهل جنته بأن أطاف عليهم غلمانا كأنهم لؤلؤ مكنون، وولدانا مخلدين في وقت رضاه عنهم، وقرب اتصاله منهم لفضلهم في الخدمة على الجواري، فما الذي يمنعني عاجلا عن طلب هذه الكرامة المخصوص بها أهل القربة عند الله والزلفى لديه.
وقيل لمسلم الأصغر: لم فضلت الغلام على الجارية؟ فقال:
стр. 179
لأنه في السفر صاحب، ومع الإخوان نديم، وفي الخلوة أهل.
وقال مطيع بن إياس:
من كان تعجبه الأنثى ويعجبها ... من الرجال فإني شفّني الذكر
فوق الخماسي لما طرّ شاربه ... رخص البنان خلا من جلده الشّعر
لم يجف من كربتي ما يراد به ... من الأمور ولا أزرى به الصّغر
وقال آخر:
فديتك إنّما اخترناك عمدا ... لأنك لا تحيض ولا تبيض
ولو ملنا إلى وصل الغواني ... لضاق بنسلنا البلد العريض
وقال أبو نواس:
إني امرؤ أبغض النعاج وقد ... يعجبني من نتاجها الحمل
حتى إذا ما رأيت لحيته ... فليس بيني وبينه عمل
وكتب بعضهم إلى صديق له على ظهر:
كتبت إليك في ظهر لعلمي ... بأنّا معشر نهوى الظّهورا
وإن الصّيد للغزلان خير ... من السمك الذي يأوي البحورا
стр. 180
باب ذم الغلمان
قال بعض السلف: لا تملأوا أعينكم من المرد فإن فتنتهم كفتنة الغواني وتربو عليها. وقيل: من أولع بحب الغلمان استهدف لألسن الطاعنين.
وقال ابن الرومي:
حبّك الغلمان ما ... أمكن النسوان غبن
إنما يمشق في ظه ... ر إذا أعوز بطن
وقال الصابي:
لحاجة المرء في الأدبار إدبار ... والمائلون إلى الأحراء أحرار
كم من ظريف نظيف بات ممتطيا ... ردف الغلام فأضحى وهو عطار
تصفرّ أثوابه من ورس فقحته ... فيستبين لذاك الخزي والعار
لا يستطيع جحودا إذ تقذره ... يوما وفي ثوبه للسلح آثار
كم بين ذاك ومن باتت مطيته ... حوراء ناظرها بالغنج سحار
يقوم عنها وقد أهدت له أرجا ... تضوعت من غوالي طيبه الدار
ليس الغلام لها عدلا يقاس بها ... وهل يقاس بعود النّدّ أقذار
следующие страницы →