← Адаб

Адаб · id 10509

اللطائف والظرائف

أبو منصور الثعالبي

Полный текст (350 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أوتيت وأوزعك الله شكر ما أعطيت. ونسخت رقعة لأبي الفرج الببغاء: اتصل بي خبر المولودة المسعودة، كرّم الله عرقها وأنبتها نباتا حسنا، وما كان من تغيرك عند اتصال الخبر، وإنكارك ما اختاره الله لك في سابق القدر، وقد علمت أنهن أقرب من القلوب وأن الله بدأ بهن في الترتيب فقال عز من قائل: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ «١» وما سماه الله تعالى هبة، فهو بالشكر أولى وبحسن التقبل أحرى. فهنّاك الله بورود الكريمة عليك، وثمرتها اعداد النسل الطيب لديك، والله أعلم. باب ذم البنات قيل لأعرابي: ما ولدك؟ قال: قليل خبيث. قيل: وكيف ذلك؟! قال: لا عدد أقل من الواحد ولا أخبث من بنت. وكان يقال: دفن البنت من المكرمات. ويقال: تقديم الحرم من النعم. وفي الحديث المرفوع: نعم الختن القبر. ويروى لعبد الله بن طاهر: لكلّ أبي بنت إذا ما ترعرعت ... ثلاثة أصهار إذا كرم الصهر فزوج يراعيها وبيت يكنها ... وقبر يواريها، وخيرهم القبر

стр. 177

وقال غيره: جعلت فداك من النائبات ... ومتعت ما عشت من الطيبات سروران ما لهما ثالث ... حياة البنين وموت البنات وأصدق من ذين قول الحكيم ... دفن البنات من المكرمات وكان الاستاذ الطبري يقول: ليس بشيخ من لا بنت له، وإن كان ابن تسعين سنة، وليس بشاب من له بنت، وإن كان ابن عشرين سنة. وقيل: طوبى لمن صاهر القبر وخطب إليه الدهر ووضع في ميزانه الأجر.

стр. 178

باب مدح الغلمان قال مطيع بن إياس: لو لم يكن للمرد فضيلة إلا أنّ الله تعالى خلق ملائكته مردا، وأهل الجنة مردا، لكانت فيها الكفاية؛ وإنما عنى الحديث المرفوع: «أهل الجنة مرد جرد مكحلون» «١» . وفي ذلك يقول الشاعر: لو كان يرضى ربّنا اللحى ... ما خلق الجنّة للمرد وكان يقال: الغلام هو الرفيق في السفر، والقرين في الحضر، والصديق في الشدّة والرخاء، والمعين على الشغل، والنديم عند الشرب، وهو مفتاح الأنس. وكان يحيى بن أكثم» يقول: «قد أكرم الله أهل جنته بأن أطاف عليهم غلمانا كأنهم لؤلؤ مكنون، وولدانا مخلدين في وقت رضاه عنهم، وقرب اتصاله منهم لفضلهم في الخدمة على الجواري، فما الذي يمنعني عاجلا عن طلب هذه الكرامة المخصوص بها أهل القربة عند الله والزلفى لديه. وقيل لمسلم الأصغر: لم فضلت الغلام على الجارية؟ فقال:

стр. 179

لأنه في السفر صاحب، ومع الإخوان نديم، وفي الخلوة أهل. وقال مطيع بن إياس: من كان تعجبه الأنثى ويعجبها ... من الرجال فإني شفّني الذكر فوق الخماسي لما طرّ شاربه ... رخص البنان خلا من جلده الشّعر لم يجف من كربتي ما يراد به ... من الأمور ولا أزرى به الصّغر وقال آخر: فديتك إنّما اخترناك عمدا ... لأنك لا تحيض ولا تبيض ولو ملنا إلى وصل الغواني ... لضاق بنسلنا البلد العريض وقال أبو نواس: إني امرؤ أبغض النعاج وقد ... يعجبني من نتاجها الحمل حتى إذا ما رأيت لحيته ... فليس بيني وبينه عمل وكتب بعضهم إلى صديق له على ظهر: كتبت إليك في ظهر لعلمي ... بأنّا معشر نهوى الظّهورا وإن الصّيد للغزلان خير ... من السمك الذي يأوي البحورا

стр. 180

باب ذم الغلمان قال بعض السلف: لا تملأوا أعينكم من المرد فإن فتنتهم كفتنة الغواني وتربو عليها. وقيل: من أولع بحب الغلمان استهدف لألسن الطاعنين. وقال ابن الرومي: حبّك الغلمان ما ... أمكن النسوان غبن إنما يمشق في ظه ... ر إذا أعوز بطن وقال الصابي: لحاجة المرء في الأدبار إدبار ... والمائلون إلى الأحراء أحرار كم من ظريف نظيف بات ممتطيا ... ردف الغلام فأضحى وهو عطار تصفرّ أثوابه من ورس فقحته ... فيستبين لذاك الخزي والعار لا يستطيع جحودا إذ تقذره ... يوما وفي ثوبه للسلح آثار كم بين ذاك ومن باتت مطيته ... حوراء ناظرها بالغنج سحار يقوم عنها وقد أهدت له أرجا ... تضوعت من غوالي طيبه الدار ليس الغلام لها عدلا يقاس بها ... وهل يقاس بعود النّدّ أقذار

стр. 181

إياكم يا ثقاتي من مخالفتي ... فلا يصدكم عن الأحراء أحجار وقال بعض الرؤساء: استراح من اقتصر على النساء. وقال بعض الحكماء الظرفاء: اللواط ليس من الاحتياط.

стр. 182

باب مدح الخط والعذار يقال: هل يحسن الروض إلا بزهره. وقال بعض البلغاء: أحسن ما يكون وجه الأمرد الصبيح إذا نقش الخط فصّ وجهه، وأحرق فضة خده. وقال آخر: خط الوجه الحسن كالسواد الحال في القمر. ومن أحاسن الشعر في معناه للصاحب الجليل حيث قال: إن كنت تنكره فالبدر يعرفه ... أو كنت تظلمه فالحسن ينصفه ما جاءه الشّعر كي يمحو محاسنه ... وإنما جاءه غمدا يغلفه وقال أبو الفرج الببغاء: ومهفهف لما اكتست وجناته ... حلل المحاسن طرزت بعذاره لما انتصرت على عظيم جفائه ... بالقلب صار القلب من أنصاره وقال أبو نواس: قد كان بدر السماء حسنا ... والناس في حبه سواء فزاده ربه عذارا ... تم به الحسن والبهاء لا تعجبوا ربنا قدير ... يزيد في الخلق ما يشاء وقال أيضا:

стр. 183

من أين للرشأ الغرير الأحور ... في الخدّ مثل عذاره المتحدر قمر كان بعارضيه كليهما ... مسكا تساقط فوق ورد أحمر وقال الشهاب الحجازي: ومهفهف ألحاظه وعذاره ... يتعاضدان على فناه الناس سفك الدماء بصارم من نرجس ... كانت حمائل غمده من آس وقال آخر: وخط تم في حافات خد ... له في كل يوم ألف عاشق كأن الريح قد مرت بمسك ... وذرّت ما حوته على الشقائق باب ذم الخط والعذار قال بعض البلغاء: إذا اختط الغلام استحال فور خده دجا، وزمرذ خطه سبجا. ويقال: عيب العذار أن يكسف الهلال، ويحيل الخال، ويمسخ الجمال، وينقص الكمال. وقال الشاعر: قلت لما تشوكت وجنتاه ... وأزال الظلام ضوء نهاره

стр. 184

أيّ شيء هذا فقال مجيبا ... كل من مات سوّوا باب داره وقال التنوخي: قلت لأصحابي وقد مر بي ... منتقبا بعد الضيا بالظّلم بالله يا أهل ودي قفوا ... كي تبصروا كيف تزول النعم وقال بعض العصريين: أخنى عليه الشهر والدهر ... ومحا محاسن وجهه الشّعر ومن يصف ما قد دهاه يقل ... لا تعجبوا قد يكسف البدر وقال آخر: ما يفعل الله باليهود ... ولا بعاد ولا ثمود ولا بأبليس إذ تأبّى ... يوم دعاه إلى السجود ولا بفرعون إذ تعدّى ... ما يفعل الشّعر بالخدود بينا يرى الأمرد المفدى ... كالبدر في ليلة السعود إذ غمر الشعر عارضيه ... وصار قردا من القرود وقيل: ليس بعد الشعر حسن.

стр. 185

باب مدح السماع قال بعض الفلاسفة «١» : أمهات لذات الدنيا أربع: لذة الطعام، ولذة الشراب، ولذة النكاح، ولذة السماع؛ فاللذات الثلاث لا وصول إلى كل منها إلا بحركة وتعب ومشقة ونصب ولها مضار إذا استكثر منها، وأما لذة السماع، قلّت أو كثرت، صافية من التعب، خالصة من النصب، خالية من الوصب. وقد نظم ذلك من قال: وجدت رئيسة اللذا ... ت أربعة متى تحسب فمنها لذة المنكح ... والمطعم والمشرب وتبقى بعدها أخرى ... من الصوت الذي يطرب وهذي تفيد النفس إبهاجا ولا تنصب «٢» وما من لذة من تلك إلا وهي قد تتعب قال مؤلف الكتاب: ومن خصائص السماع أنه لا يحجزه ولا يحجبه شيء وأن الجمع بينه وبين كل عمل ممكن، وأن الإبل والخيل تستطيبه وترقص عليه، والصبيان الرضع تستلذه وتسكن إليه، والوحوش والطيور تسكن إلى فائقه وتعرج عليه «٣» .

стр. 186

وكان بعض فقهاء المتكلمين يقول: قد اختلف الناس في السماع فأباحه قوم وحظره آخرون، وأنا أخالف الفريقين، فأقول: إنه واجب لكثرة منافعه ومرافقه وحاجة الناس إليه وحسن أثر استماعها به «١» . وكان عبد الله بن جعفر يقول: إني لأجد للسماع أريحية، ولو سئلت عندها أعطيت، ولو قاتلت أبليت. وسمع معاوية عند عبد الله بن جعفر الغناء فحرك رأسه ورجليه وصفق بيديه، ثم لما أناب رأيه إليه قال كالمعتذر منه: إن الكريم طروب ولا خير فيمن لا يطرب. وكان مروان بن أبي حفصة إذا تغدى عند إسحق الموصلي يقول له: أطعموا آذاننا رحمكم الله. وكان يحيى بن خالد البرمكي يقول: خير الغناء ما أشجاك وأبكاك وأطربك وألهاك. ويقال: إن الغناء غذاء الروح كما أن الطعام والشراب غذاء البدن. ومن أحسن ما قيل في الغناء قول بعضهم: غنّت فلم تبق فيّ جارحة ... إلا تمنيت أنها أذن

стр. 187

باب ذم السماع قال الحطيئة لقوم نزل بهم: جنبوا مجلسنا الغناء، فإنه رقية الزنا «١» . وسمع سليمان بن عبد الملك ذات ليلة في معسكره غناء، فأمر بصاحبه أن يخصى، ثم قال: إن الفرس ليصهل فتستودق الرمكة، وإن الجمل ليرغو فتستبضع له الناقة، وإن الرجل ليغني فتغتلم له المرأة. وكان الكندي يقول لابنه: إياك والسماع، فإنه برسام حاد، وذلك أن المرء يسمع فيطرب، ويطرب فيسمح، ويسمح فيعطي، ويعطي فيفتقر، ويفتقر فيهتم، ويهتم فيمرض، ويمرض فيموت. وكتب البديع «٢» في رقعة إلى تلميذ له توفي أبوه وخلف مالا: يا مولاي ذلك المسموع من العود يسميه الجاهل نقرا والعاقل فقرا بل وقرا، وذلك الخارج من الناي هو اليوم في الآذان زمر، وغدا في الأبواب سمر، والعمر مع هذه الآلات ساعة، والقنطار في هذا العمل بضاعة. وطلب بعض المغنين جائزة من بعض المحصلين، فقال المسؤول له: إعلم أن المال روح والغناء ريح، ولست أشتري الريح بالروح.

стр. 188

ونظمه الشيخ الإمام فقال: ألا إنّ الغناء للمرء روح ... وإن غناه في الآذان ريح وما يحصل عقلا ودينا ... ليذهب منه بين الريح روح

стр. 189

باب مدح الزجاج مدح سهل بن هارون الزجاج ووصفه في بعض مجالس الملوك فقال: الذهب مخلوق، والزجاج مصنوع، وفضيلة الذهب بالصلابة، وفضيلة الزجاج بالصفاء، ثم إن الزجاج أبقى على الدفن وهو مجلو نوري، والذهب متاع سائر، والشراب في الزجاج أحسن منه في كل جوهر، ولا يفقد معه وجه النديم، ولا يثقل في اليد، ولا يرتفع في السوم، وقدور الزجاج أطيب من قدور الحجارة، وهي لا تصدأ، وإن اتسخت فالماء وحده لها جلاء، ومتى غسلت بالصابون صارت جددا، والزجاج أشبه شيء بالماء، وصنعته عجيبة وصفته غريبة وصياغته أغرب وأعجب، ومن كرع فيه لشرب ماء فكأنما يشرب في إناء من ماء وهواء وضياء، ومرآته المركبة في الحائط أضوأ من مرآة الفولاذ والصور فيها أبين، وقد تقدح النار من قنينة الزجاج إذا كان فيها ماء محاذ عين الشمس، لأن طبع الزجاج والماء والهواء والشمس من عنصر واحد. وليس في كل ما يدور الفلك عليه جوهر أقبل لكل صبغ وأجدر أن لا يفارقه منه حتى كان ذلك الصبغ جوهره، ومتى سقط عليه ضياء أنفذه إلى الجانب الآخر وأعاره لونه، وإن كان الجام ذا ألوان أراك بياض البيت أحسن من وشيء صنعاء ومن ديباج تستر، ولم يتخذ الناس آنية أجمع لما يريدون منه؛ وقال الله تعالى عز ذكره: يلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً

стр. 190

كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ «١» . وقال عز ذكره: وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً «٢» . واشتق الفضة من اسمها، على أن الزجاج أقطع من السيف وأحد من الموسى، وإذا وقع المصباح على جوهر الزجاج صار مصباحا آخر وردّ كل واحد منهما الضياء على صاحبه واعتبروا ذلك الشعاع الذي على وجه الماء وعلى الزجاج، ثم انظروا كيف يتضاعف نوره حتى يكاد يغشى عين الناظر إليه، قال الله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ «٣» . وكان سليمان بن داود ﵉ إذا عبّ في الإناء كلحت في وجهه مردة الجن والشياطين فعلمه الله صنعة الزجاج. باب ذم الزجاج أحسن ما ذم به الزجاج قول النظّام، فإنه أخرجه في كلمتين بأوجز لفظ وأتم معنى فقال: يسرع إليه الكسر ولا يقبل الجبر «٤» . ومن هنا قال الشاعر: احرص على حفظ القلوب من الأسى ... فرجوعها بعد التنافر يعسر

стр. 191

إن القلوب إذا تنافر ودّها ... مثل الزجاجة كسرها لا يجبر وقال آخر: وهشيم الزجاج أرجى صلاحا ... من فساد القلوب بعد الصّلاح وقال مؤلف الكتاب: ليس الزجاج من حسن المتاع، وهو على مدرجة الهلاك والضياع، لأن الآفات ترفرف عليه، والعاهات تسارع إليه، وكلما كان أثمن وأقوم، كان الخطر فيه أشد وأعظم، وما احتاط على ماله من غالى به وأسرف في ثمنه. وكتب مروان بن محمد إلى بعض الخوارج: إني وإياك كالحجر والزجاجة: إن وقع عليها رضّها، وإن وقعت عليه فضها؛ وكما قال الشاعر: وآلت يمينا كالزجاج رقيقة ... وما حلفت إلا لتحنث من أجلي وقال السري يعاتب صديقا له على سر أذاعه: سرّ لديك كأسرار الزجاجة لا ... يخفى على العين منها الصفو والكدر فاحذر من السرّ كسرا لا انجبار له ... فللزجاجة كسر ليس ينجبر وقال ابن علان النهرواني للزجاج النحوي: لك عهد قد جبرنا ... فأعيتنا صدوعه فإذا ودّك مما ... كنت بالأمس تبيعه

стр. 192

باب مدح الذهب قال شداد الحارثي: الذهب أبقى الجواهر على الدفن، وأصبرها على الماء، وأقلها نقصانا على النار، وهو أوزن من كل شيء إذا كان في مقدار شخصه، وجميع جواهر الأرض إذا وضع على الزئبق في إنائه طفا، ولو كان ذا وزن ثقيل وحجم عظيم، ولو وضعت عليه قيراطا من الذهب لرسب حتى يضرب قعر الإناء، ولا يجوز ولا يصلح أن تشد الأسنان المنتزعة بغيره، ولا يوضع في مكان الأنوف المصطلحة سواه، وميله أجود الأميال وأهل الهند تهزه في العين بلا كحل ولا ذرور لصلاح طبعه وموافقة جوهره لجوهر الناظرين، وله حسن وبهاء في العيون، وحلاوة في الصدور، ومنه الزريابات والصفائح التي تكون في سقوف الملوك، وعليه مدار التبايع منذ الزمان الأول والدهر الأطول، وهو ثمن لكل شيء، وهو فوق الفضة مع حسنها وكرمها بأضعاف وأضعاف أضعاف، والأرض التي تنبته ويسلم عليها تحيل الفضة إلى جوهرها في السنين اليسيرة والمدة القصيرة وتقلب الحديد إلى طبعها في الأيام القليلة والأوقات الضئيلة، والطبيخ يكون في قدره أغذى وأمرأ وأصح في الجوف وأطيب. وسئل أمير المؤمنين، علي رضي الله تعالى عنه، عن الكبريت الأحمر فقال: هو الذهب. وقال النبي ﷺ : «لو أن لي طلاع الأرض ذهبا لافتديت به من

стр. 193

هول المطلع» «١» فأجراه في ضرب المثل به كل مجرى. وقال الله تعالى حكاية عن شأن الكفار: الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ «٢» : فدل على عزته وعظم قدره. وقال أبو زيد البلخي «٣» : معلوم أنه ليس من الجواهر الموجودة في العالم أطول بقاء من الذهب لما يرى من انقضاء الزمان بدون فساد يعرض عليه، حتى أن العامة لتحكم بأنه جوهر لا فساد فيه البتة، وإنما خص بهذا البقاء الطويل وإبطاء آفات التغير بسبب اعتدال مزاجه في الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، فإن كل ما خرج من الأشياء المركبة عن الاعتدال إلى إفراط كيفية من الكيفيات الأربع أسرع إليه الفساد لغلبة تلك الكيفية، ولذلك الفساد الذي هو ضد الكون سببه الخروج عن الاعتدال، ولصحة مزاجه لم يوجد فيه صدأ كغيره من الجواهر، والسهولة التي فيه لم توجد في غيره، إذ كل ما عداه يكسب الأطعمة والأشربة المجعولة فيه نوعا من فساد الطعم والرائحة، وكل ما أكل وشرب فيه وجد سليما من هذا العارض. ولذلك اختار الملوك العظماء الأكل والشرب فيه ووعد الله عباده به في دار الثواب، فقال سبحانه: يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ «٤» كما قال في

стр. 194

باب الحلية والزينة: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ «١» وذلك لما كانت العادة به من متنعمي الملوك في هذه الدنيا بأن يحلوا أعضاءهم الشريفة بالذهب، وكذلك شأنهم إذ بالغوا في إكرام من يقفون منه على بلاء عظيم في الحرب والدفاع عن حوزة الملك، ولجلالة قدره ما حكى الله عز اسمه في قصة موسى عن فرعون: فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ «٢» . ومن أحسن ما قيل في وصف الذهب قول قدامة حكيم المشرق: الذهب نسيم مركوم وشعاع معقود؛ فأتى بعلة عجيبة حيث ذكر أنه شعاع الشمس وقد انعقد فصار جمادا. وفي المبهج: الذهب خير مال حاضر، لباد أو حاضر، وقال أيضا: من ملك الصفر والبيض أبيضّ وجهه واخضر عيشه واسودّ وجه عدوه. باب ذم الذهب قال سهل بن هرون: الذهب اسم يتطير منه ولا يتفاءل به، ومن لؤمه إسراعه إلى بيوت اللئام وإبطاؤه عن بيوت الكرام. المتنبي في معناه: شبيه الشيء منجذب إليه ... وأشبهنا بدنيانا الطغام وما أنا منهم بالعيش راض ... ولكن معدن الذهب الرّغام «٣»

стр. 195

والذهب فتان لمن أصابه. ويقال: الذهب من مصائد إبليس: ولذلك قالوا: أهلك الرجال الأحمران. وقلت في المبهج: ما أسرع ذهاب الذهب وانفضاض الفضة.

стр. 196

باب مدح الشطرنج أحسن ما فيه قول ابن المعتز: يا عائب الشطرنج من جهله ... وليس في الشطرنج من باس في فهمها علم وفي لعبها ... شغل عن الغيبة والناس وتذهل العاشق عن عشقه ... وصاحب الكاس عن الكاس وصاحب الحرب بتدبيرها ... يزداد في الشدّة والباس وأهلها في حسن آدابهم ... من خير أصحاب وجلاس وقال ابن الرومي في معناه يمدح الشطرنج والنديم أحسن: فتى نصب الشطرنج كيما يرى بها ... عواقب لا تسمو بها عين جاهل وأجدى على السلطان في ذاك أنه ... يريد بها كيف اتقاء الغوائل وتصريف ما فيها إذا ما اعتبرته ... مثال لتصريف القنا والقنابل تأمل حجاه في دقائق هزله ... تجده حجاه في الخطوب الجلائل وسئل محمد المزني عن المتلاعبين بالشطرنج، فقال: إذا سلمت أيديهما من الضرب والخسران وألسنتهما من الفحش والعدوان، وصلاتهما من السهو والنسيان كانت أدبا بين الإخوان والخلان.

стр. 197

وكان المأمون يقول: عجبت من ذراع في ذراع يديرها العقلاء منذ دهر طويل فلم يقفوا لها على غاية. وكان سعيد بن جبير، ﵁، يقول: ما وضع هذا الشطرنج إلا لأمر عظيم. باب ذم الشطرنج ذكر الصولي في كتاب شعراء مصر أن الخراساني الشاعر كان حاذقا. لعب الشطرنج، فعابها الحسين بن محمد مكايدة له فقال: صاحبها أبدا مشغول مهموم، يحلف بالله كاذبا ويعتذر مبطلا ويشتم نفسه ويسخط ربه، وكل صناعة لا تجوز المكابرة فيها غيرها؛ فإن صاحبها يغلب في ساعة فتنقضي دعواه، وهي لعب الصائم إذا جاع والعامل إذا عزل والمخمور حتى يفيق، وإنما هي خشب هزم خشبا ولعب أورث من غير طائل تعبا، ثم إن الرجل ليسأل عن غلامه فيقال هو يلعب فيضربه ولا يستحي أن يقول: تعالوا حتى نلعب الشطرنج، وأنت تقول في الكناسي ما احذقه، وفي الطنبوري ما أضربه، فإذ عبرت عن الشطرنجي قلت: ما ألعبه؛ فما تقول في العبارة عن صناعة الكناس أحسن من العبارة عن صاحبها. وفي كتاب يتيمة الدهر لمؤلف هذا الكتاب، أن أبا القاسم الكسروي «١» «كان يبغض الشطرنج ويذمها ولا يقارب من يشتغل بها ويطنب في ذكر عيوبها «٢» . ويقول: لا ترى شطرنجيا غنيا إلا بخيلا

стр. 198

دنيا «١» ، ولا فقيرا إلا طفيليا، ولا تسمع نادرة باردة إلا على الشطرنج، فإذا أجري شيء منها «٢» قيل: جاء الزمهرير. ولا يتمثل بها إلا فيما يعاب [ويذم] «٣» ويكره، فإذا أخذت اليشلزان قيل قد فرزنت «٤» ، وإذا كان مع الغلام الصبيح [المليح] «٥» رقيب ثقيل. قيل: معه فرزن بند «٦» ، وإذا استحقر قدر الإنسان قيل: كأنه بيدق الشطرنج «٧» . [ولا سيما إذا اجتمع فيه قصر القد وصغر القدر كما قال الناجم: ألا يا بيدق الشطرنج في القيمة والقامة. وإذا ذكر وقوع الإنسان في ورطة وهلكة على يد عدو قيل، كما قال عبد الله بن المعتز وأجاد: قل للشقي وقعت في الفخ ... أودت بشاهك ضربة الرّخّ «٨» وإذا رؤي طفيلي يكثر الأكل على المائدة، ويسيء الأدب في المؤاكلة «٩» قيل: أنظروا إلى يد هذا «١٠» الكشخان كأنها الرخ في الرقعة. وإذا رؤي زيادة لا يحتاج إليها قيل: زيد في الشطرنج

стр. 199

بغل «١» ، وإذا سب رجل ساقط المروءة «٢» قيل: من أنت في الرقعة؟ وإذا ذكر وضيع ارتفع قيل «٣» : متى تفرزنت يا بيدق.

стр. 200

باب مدح النرجس قال جالينوس: من كان له رغيفان فليجعل أحدهما في ثمن النرجس، لأن الخبز غذاء البدن والنرجس غذاء الروح. وكان أنوشروان ينظر إلى النرجس ويشبهه بالعيون ويقول: إني لأستحي أن أجامع في بيت فيه نرجس «١» . وكان الحسن بن سهل يقول: من أدمن شم النرجس في الشتاء أمن من البرسام «٢» في الصيف. ووصف بعض البلغاء النرجس فقال: كأن عينه عين وورقه ورق وساقه زمرذ. وقد أكثر الشعراء في وصفه فقال أبو نواس: تأمل في نبات الأرض وانظر ... إلى آثار ما صنع المليك عيون من لجين شاخصات ... بأبصار هي الذهب السبيك على قضب الزبرجد شاهدات ... بأن الله ليس له شريك ولبعضهم: يا صاح إن وافيت روضة نرجس ... إياك فيها المشي فهو محرّم

стр. 201

حاكت عيون معذّبي بذبولها ... ولأجل عين ألف عين تكرم وابن الرومي فضله على الورد بقوله: خجلت خدود الورد من تفضيله ... خجلا تورّده عليها شاهد «١» لم يخجل الورد المورّد لونه ... إلا وناحله الفضيلة عاند للنرجس الفضل المبين وإن أبى ... آب وحاد عن الطريقة حائد فصل القضية أنّ هذا قائد ... زهر الربيع وأن هذا طارد «٢» وإن احتفظت عليه أمتع صاحب ... وعلى المدامة والسماع مساعد «٣» أطلب بعقلك في الملاح سميّه ... ابدا فإنك لا محالة واجد «٤» والورد- لو فتشت- في أسمائه ... ما في الملاح له سمي واحد

стр. 202

هذي الزهور هي التي قد ربيت ... بيد السحاب كما يربي الوالد «١» فانظر إلى الأخوين من أدناهما ... شبها بوالده، فذاك الماجد «٢» أين الخدود من العيون نفاسة ... ورياسة لولا القياس البارد «٣» وله أيضا: أرى حسن هذا النرجس الغضّ مخبرا ... عن الله أن ليس النبيذ محرّما باب ذم النرجس لما فضل ابن الرومي النرجس على الورد تصدى له الشعراء بالمناقضة والمعارضة، فقال ابن الحاجب «٤» : يا ذا الذي للحق ظلّ يعاند ... وقد استبان له الطريق القاصد

стр. 203

قايست نرجسك الذي فضلته ... بالورد، يا هذا قياسك فاسد وعدلت عن عدل الحكومة جائرا ... بقضية فيها عليك أواجد وجعلت أصلك أن هذا قائد ... زهر الربيع وأنّ هذا طارد والنرجس البادي وليس مفضلا ... والورد بعد النّور أجمع وارد وإذا الجيوش تتابعت في موكب ... فبآخر منها يجيء القائد وأجل من عين يشين بياضها ... لون من اليرقان أصفر بارد خدّ تورد لونه لنعيمه ... فعليه من خلع الربيع مجاسد والورد ساق مستقر أصله ... والنرجس المضفوف غصن مائد فتأمل الاثنين أيهما رست ... أعراق منصبه فذاك الماجد ما أخر الورد الخطير مقدما ... للنرجس المرذول إلا حاسد وقال أبو العلاء السروري «١» : أنظر إلى نرجس تبدّت ... صبحا لعينيك منه طاقه

стр. 204

واكتب أسامي مشبهيه ... بالعين في دفتر الحماقه وأي حسن يرى لطرف ... مع يرقان يحل ماقه كروثة ركّبت عليها ... صفرة بيض على رقاقه وقال آخر: قد أجاد الورد حجته ... في مقال غير ذي خطل قال لي أبصرت نرجسة ... غضة في كف ذي غزل فهي تحكي عين ذي مرض ... يقطّع الأيام بالعلل

стр. 205

باب مدح الورد قال ابن سكرة الهاشمي «١» : للورد عندي محلّ ... لأنه لا يملّ كل الرياحين جند ... وهو الأمير الأجلّ ولآخر: كتب الورد إلينا ... في قراطيس الخدود يا بني الصّهبا صلوني ... قد دنا وقت الورود وقال أبو الفرج الببغاء: زمن الورد أظرف الأزمان ... وأوان الربيع خير أوان أشرف الزهر زاد في أشرف الده ... ر فصل فيه أشرف الفتيان «٢» وعهدي بغير واحد من الفضلاء يستظرف قول ابن أبي البغل: تمتع من الورد القليل بقاؤه ... كأنك لم يفجأك إلا فناؤه

стр. 206

وودعه بالتقبيل والشمّ والبكا ... وداع حبيب لا يطول بقاؤه ومما يدخل على الأذن بلا إذن قول علي بن الجهم: زائر يهدي إلينا ... نفسه في كلّ عام حسن الوجه زكي ال ... ريح إلف للمدام عمره خمسون يوما ثم يمضي بسلام وقوله: ما أخطأ الورد منك شيئا ... حسنا وطيبا ولا ملالا أقام حتى إذا أنسنا ... بقربه أسرع انتقالا وقال مؤلف الكتاب في المبهج: إذا ورد الورد، صدر البرد. باب ذم الورد كان ابن الرومي يذم الورد ويهجنه لأنه كان يزكم من رائحته، وقد قال في ذمه، وهو من نوادر التشبيه: وقائل لم هجرت الورد مقتبلا ... فقلت من قبحه عندي ومن سخطه كأنه سرم بغل حين أخرجه ... عند البراز وباقي الرّوث في وسطه ولغيره: النرجس الغض لربات الغنج ... والورد من شمّ رعاع وهمج

стр. 207

أما تراه حين يبدو طالعا ... كأنه سرم حمار قد خرج وبلغني أن الأمير خلف بن أحمد كان ينشد كثيرا قول البستي: لا يغرنك أنني لين بالم ... سّ لأني إذا انتضيت حسام «١» أنا كالورد فيه راحة قوم ... ثمّ فيه لآخرين زكام

стр. 208

باب مدح الشتاء أحسن ما قيل فيه قول النبي ﷺ : «الشتاء ربيع المؤمن، قصر نهاره فصامه، وطال ليله فقامه» «١» . وقد أحسن أبو تمام في قوله: إنّ الشتاء على سآمة وجهه ... لهو المفيد طلاوة المصطاف وقال آخر: لولا الذي غرس الشتاء بكفّه ... قاسى المصيف هشائما لا تثمر وقال آخر: خضرة الصيف من بياض الشتاء ... وابتسام الثرى بكاء السماء وقال مؤلف الكتاب: ومن محاسن الشتاء طول الليل الذي جعله الله سكنا ولباسا، وبرد الماء الذي هو مادة الحياة وانقطاع الذباب والبعوض وعدم ذوات السموم من الهوام وأمنها على الطعام والأجسام، وهو حبيب الملوك وأليف المتنعمين يطيب لهم فيه الأكل

стр. 209

والشرب، ويجتمع فيه الشمل، ويظهر فيه فضل الغني على الفقير، وهو زمان الراحة كما أن الصيف زمان الكد ولذلك قالوا: من لم يغل دماغه صائفا لم تغل قدوره شاتيا، كما قيل: وإن الذي لم يغل صيفا دماغه ... وجدّك لا تغلي شتاء قدوره كذلك مقسوم المعايش في الورى ... بسعي ورعي تستبين أموره ومدح بعض الدهاقين «١» الشتاء فقال: آكل فيه ما جمعت، واستمتع بما ادخرت، وأي شيء أحسن من كانوني في كانون، ومن لبس الخزّ والسمور، والقعود في الطوارم مع الأحباب، وتناول الدراج والكباب، والاستظهار على البرد بالشراب، والشرب على الثلج يثلج الصدر. وقال بعض الكتّاب: ليت الشتاء يعود لي بنعيمه ... إنّ الشتاء غنيمة الكتّاب قصر النهار وطول ليل ممتع ... فيه نلذ بقينة وشراب باب ذم الشتاء أحسن ما قيل في ذلك قول النبي ﷺ : «إحذروا البرد فإنه قتل

стр. 210

أخاكم أبا الدرداء» . قال بعض السلف: الشتاء عدو الدين وهلاك المساكين. وفي الخبر: الحرّ يؤذي والبرد يقتل. وقال الجاحظ: الشتاء عند الناس هو الكلب الكلب، والعدو الحاضر، يتأهب له كما يتأهّب للجيش، ويستعدّ له كما يستعد للحرق والغرق. وقال مؤلف الكتاب: الشتاء عذاب وبلاء وعقاب ولأواء يغلظ فيه الهواء ويستحجر له الماء وتنحجر الفقراء، وما ظنك بما يذوي الوجوه ويعمش العينين ويسيل الأنوف ويغير الألوان ويقشف الأبدان ويميت كثيرا من الحيوان، فكم فيه من يوم أرضه كالقوارير اللامعة، وهواؤه كالزنابير اللاسة، وليل يحول بين الكلب وهريره، والأسد وزئيره، والطير وصفيره، والماء وخريره. وقال آخر: نحن في الشتاء بين نشق وزلق ودمق «١» . وقال الشيخ الإمام رحمه الله تعالى: نحن في شتوتنا في قلق ... وتمادي شفق في فرق ليس يخلو يومنا والليل من لثق أو زلق أو دمق

стр. 211

باب مدح الصيف يقال: الصيف خفيف المؤنة، جليل المعونة، كثير النفع، قليل الضر، وهو أم الحب والرياحين وبنات البساتين، وراحة الفقراء والمساكين، وستر الضعفاء والمتخملين، والعون على عبادة رب العالمين، وطبعه طبع الشباب الذي هو باكورة الحياة، كما أن الشتاء طبعه الهرم الذي هو باكورة العدم. باب ذم الصيف في الحديث المرفوع: «شدة الحر من فيح جهنم» . وقلت في المبهج: حر الصيف كحد السيف. وقلت أيضا: رب يوم هواؤه يتلظى ... فيحاكي فؤاد صب متيم قلت إذ خدّ حرّه حر وجهي ... ربنا اصرف عنا عذاب جهنم وكتب بعض الكتّاب إلى بعضهم: أشكو إلى مولاي صيفا لا يطيب معه عيش ولا ينفع به ثلج ولا خيش «١» . وكتب آخر: كيف لي

стр. 212

بالحركة وقد قوي سلطان الحر، وفرش بساط الجمر، لا سيما وفيه الهاجرة التي هي كقلب المهجور، والتنور المسجور. وكتب آخر: لا مرحبا بالصيف من ضيف، فهو عون على الحيّات والعقارب، وأم الذباب والخنافس، وظئر البق الذي هو آفة الخلق. ثم قال فيه: من كلّ سائلة الخرطوم طاغية ... لا يحجب السجف مسراها ولا الكلّ طافوا علينا وحرّ الصيف يطبخنا ... حتى إذا نضجت أجسامنا أكلوا

стр. 213

باب مدح المطر قال الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ «١» : يعني المطر. وكان النبي ﷺ يكشف رأسه للمطر تعرضا لرحمة الله تعالى. وقال عر وجل: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً «٢» . وقال : وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً «٣» . وكان أمير المؤمنين علي ﵁ يقول: من كان له داء قديم فليستوهب امرأته درهما من مهرها وليشتر به عسلا ويشربه بماء السماء، ليكون قد اجتمع له الهنيء والمريء والشفاء والمبارك؛ وهو مأخوذ من قوله تعالى: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً «٤» ، وقوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ «٥» ، وقوله تعالى: وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً «٦» . وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول: المطر بعل الأرض؛ يعني أنه يلقحها؛ ومنه أخذ ابن المعتز قوله:

стр. 214

ومزنة مشعلة البوارق ... تبكي على الأرض بكاء العاشق تلقح بالقطر بطون الثرى ... والقطر بعل التربة العاتق وقال بعض البلغاء: مرحبا بالغيث الذي أغاث الأنام، واروى الهضاب والآكام، وأحيا النبات والسوام. وقال آخر: يا فرحتا بالغيث الذي أحيا الورى، وروى الثرى، ونبّه عيون النّور من الكرى. وقال أبو تمام: غيث أتانا مؤذنا بخفض ... قضت به السماء حقّ الأرض يمضي ويبقى نعما لا تمضي وقال أحمد بن أبي طاهر «١» : وعارض مبتسم قد استهل ... ومدّ أطناب الغمام وأظل حتى إذا أثرى الثرى من وبله ... واخصب الجدب تولّى وارتحل كم أنزل الله به من رحمة ... ومن حياة بحياة إذ نزل

стр. 215

وقال مؤلف الكتاب: أتى هذا النثار على نظام ... وجاء الخير إذ جاد الغمام فللوسمي في أرضي بكاء ... وللزرع ابتهاج وابتسام باب ذم المطر كان يقال: المطر مفسد الميعاد. ويقال: الغيث لا يخلو من العبث «١» . وقلت في المبهج: عاقت الأمطار عن الأوطار، وحالت الأوحال عن الوصال. وقال أبو نواس: هو الغيث إلا أنّه باتصاله ... إذا ليس قول الله فيه بباطل لئن كان أحيا كل رطب ويابس ... لقد حبس الأحباب وسط المنازل وقال أبو علي البصير: من تكن هذه السماء عليه ... نعمة أو يكن بها مسرورا فلقد أصبحت علينا عذابا ... ولقينا منها أذى وشرورا صيّرت منزلي خرابا ومن عا ... داتها أن تخرّب المعمورا أيها الغيث كنت بؤسا وفقرا ... لي وللناس حنطة وشعيرا «٢»
следующие страницы →