← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1050

التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة - ط مركز دراسات المدينة

السخاوي

Полный текст (4 406 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أمينٌ مُصطفًى بالخيرِ يدعو … كضوءِ البدرِ زَايلَهُ الظَّلامُ (١) وعمر ﵁ ينشد لغيره: لو كنتَ من شيءٍ سوى بشَرٍ … كنتَ المضيءَ لِلَيلةِ البَدْرِ (٢) وعمُّه أبو طالب: وأبيضَ يُستسقى الغَمامُ بوجهِه … ربيعُ اليتامى عِصمةٌ للأراملِ تُطيفُ به المُلَّاك من آل هاشمٍ … فهم عندَه في نعمةٍ وفَواضلِ وميزانُ حقٍّ لا يَخِيسُ شعيرةً … وَوِزَانُ عدلٍ وزنُه غيرُ عائلِ (٣) وكان له ﷺ مِنَ الأعمامِ والعمَّات (٤): العبَّاسُ، وحمزةُ، وعاتكةُ (٥)، وأروى (٦)، وأميمةُ (٧)،

стр. 107

وصفيةُ (١)، وكلُّهم ممَّن أسلم (٢)، أبو طالبٍ عبدُ مَناف (٣)، وأبو لهبٍ عبدُ العزَّى (٤)، وأبو الطاهر الزُّبير (٥)، وحَجلة -واسمه المغيرةُ- وضِرارٌ، والحارثُ (٦)، وقُثَم (٧)، والغَيداق - واسمه مصعبٌ أو نوفل (٨) - وعبدُ الكعبة (٩)، والمقوّم، والعوَّام، وأمُّ حَكيم البيضاءُ (١٠)،

стр. 108

وبَرَّة (١). فهؤلاء تسعةٌ من الرِّجال والنِّساء (٢). والعوَّام منهم؛ زاده الدِّمياطيُّ (٣). ومن الأولادِ (٤): القاسمُ، وبه كان يُكنى، وزينبُ، ورُقيَّةُ، وفاطمةُ الزَّهراء، وأمُّ كُلثوم، وعبد الله -ويسمَّى الطَّيِّبَ والطَّاهر-، وإبراهيمُ، وهو فقط من سُرّيته ماريةَ ابنةِ شمعونَ القبِطية، وباقيهم من خديجةَ المختصَّةِ بأنه لم يتزوَّجْ عليها (٥). وللثَّانية (٦): عليٌّ، وأمامةُ، ابنا أبي العاص بنِ الرَّبيع بنِ عبدِ شمسٍ (٧). تزوَّج الثَّانية (٨) عليٌّ بعد الزَّهراء، ثمَّ بعد موته: المغيرةُ بنُ نوفل (٩)، فولدت له يحيى (١٠).

стр. 109

وللثَّالثة (١): عبدُ الله بنُ عثمانَ بنِ عفَّان، مات صغيرًا، وبعد موتِها، تزوَّجَ عثمانُ الخامسة، ولذا لُقِّب ذا النُّورين (٢). وللرَّابعة (٣): من عليٍّ، التي لم تتزوَّجْ غيرَه: الحسنُ، والحسينُ، ومحُسِّنٌ، وأمُّ كلثوم، وزينبُ. فمُحسِّنٌ مات صغيرًا، وأم كلثوم: تزوَّجها عمرُ بنُ الخطَّاب، فولدت له زيدا، لا عقِب له. وزينبُ تزوَّجها عبدُ الله بنُ جعفرِ بنِ أبي طالب، فولدت له عليًا، وله عَقِبٌ (٤). والنَّسلُ الكريم، والفخرُ الجسيم، والشُّرف العظيم، من الحسنين. ولم يتأخَّر عن النَّبيِّ ﷺ من أولاده سوى أمِّهما الزَّهراءِ التي هي ممَّا امتازت بالتَّنصيص عليه: "بَضعةٌ منه" (٥)، وعاشت بعده نصف سنة (٦). -ومن الزَّوجات- المرويِّ عنه ﷺ أنَّه ما تزوَّج منهنَّ واحدة، ولا زوَّجَ (٧) أحدًا من

стр. 110

بناته إلا بوحيٍ (١) -أمُّ هندٍ خديجةُ ابنةُ خويلد (٢)، ثمَّ أمُّ الأسود سَودةُ بنتُ زمعةَ (٣)، ثمَّ أمُّ عبدِ الله عائشةُ ابنةُ الصِّدِّيق التي لم يتزوَّجْ بِكرًا غيرَها (٤)، ثمَّ حفصةُ ابنةُ الفاروق أبي حفصٍ عمرَ بنِ الخطَّاب (٥)، ثمَّ أمُّ المساكينِ زينبُ ابنةُ خُزيمة (٦)، واشتركت مع الأولى والتَّاسعة في موتِهنَّ في حياتِه، ثمَّ أمُّ سلمةَ هندُ ابنةُ أبي أُميَّة (٧)،

стр. 111

ثمَّ أمُّ الحكم زينبُ ابنةُ جحشٍ (١)، ثمَّ جويريةُ ابنةُ الحارث (٢)، وكان اسمُ كلٍّ منهما: بَرَّةَ، فغيَّره النَّبيُّ ﷺ (٣)، ثمَّ ريحانةُ ابنةُ زيدٍ (٤)، ثمَّ أمُّ حَبيبةَ -رملةُ أو هندُ- ابنة أبي سفيانَ بنِ صخر بنِ حربٍ (٥)، ثمَّ صفيةُ ابنةُ حُييٍّ (٦)، ثمَّ ميمونةُ ابنةُ (٧) الحارث (٨).

стр. 112

ماتَ عن تسعٍ منهنَّ، ومَن لم يدخلْ بهنَّ ممَّن تزوَّجها، أو وهبتْ نفسَها له، أو خطبَها ولم يتفقْ تزويجها: فزيادةٌ على ثلاثين (١). ومن السَّراريِّ: ماريةُ ابنةُ شمعونَ القِبطيةُ، ورُبيحةُ القُرظية (٢)، وجاريةٌ جميلةٌ أصابها في السَّبي، وأخرى وهبتْها له زينبُ ابنةُ جحش (٣). ومن الخُدَّام والموالي مَن أفردتُهم في "جزء" (٤). * * *

стр. 113

ومن الخيلِ (١)، والبغالِ (٢)، والحميرِ (٣)، واللِّقاح (٤)، والغنمِ (٥)، والسِّلاحِ (٦)،

стр. 114

والملابسِ (١)، والأواني (٢)، والحُرَّاسِ (٣)، والكُتَّابِ (٤)، والمكتوبِ إليهم (٥)، والمؤذِّنين (٦)،

стр. 115

والرُّسلِ (١)، والأمراءِ (٢)، والشُّعراءِ (٣) والحُداة (٤)، والضَّاربين لأعناقِ الكفَّارِ بين يديه (٥) ما لا تحتملُ هذه النُّبذة التَّعرُّضَ لسردِه، فضلًا عن سردِ أصحابِه الذين منهم: العشرةُ المشهودُ لهم بالجنَّة (٦)، ولو بالخلافِ في حصرِ عِدَّتِهم إجمالًا، والأصهارُ والأختانُ، والجواري والخطيبُ، والفارسُ، والرَّاجلُ، والرَّامي.

стр. 116

وأهل الصُّفَّة، وهم عددٌ كثير، أفردتُ لهم "جزءًا" (١) ممَّا لا ينافيه قولُ أبي هريرة: رأيتُ ثلاثين رجلًا منهم يصلُّون خلفه ﷺ ، ليس عليهم أردية (٢). وعدَّ منهم نفسَه، وأبا ذرٍّ (٣)، وواثلةَ بن الأسقع (٤) وقيسَ بنَ طَخْفة الغِفاري (٥). وبالجملة: فلقد تصوَّرتُ أني لو بسطتُ هذه النُّبذة، وما يلتحقُ بها لزادتْ على عشرين مجلدًا. فلنرجع للنُّبذِ الأخرى في الإشارة، بألخصِ عبارة، لما الاهتمامُ باستحضاره، للزَّائر مُهمّ، وللسَّائر السَّاري في القُربات التي بها يُلمّ، ممَّا يتعلَّق بالمدينة الشَّريفة، وجهاتِها البهِجة المُنيفة، كأسمائها، وارتقت لدون مئةٍ عند المجدِ (٦) منها زيادة على ثلثيها، وأفضليتها على مكَّة، وقد ذهبَ لكلٍّ من القولين جماعة (٧)، مع الإجماعِ على أفضلية

стр. 117

البقعة التي ضمَّته، حتى على الكعبةِ المفضَّلة على أصل المدينة (١)، بل على العرش، فيما صرَّح، به ابنُ عقيلٍ من الحنابلة (٢). ولا شكَّ أنَّ مواضعَ الأنبياءِ وأرواحَهم أشرفُ ممَّا سواها من الأرض والسَّماء، والقبرُ الشَّريفُ أفضلُها، لما تتنزَّلُ عليه من الرَّحمةِ والرِّضوان والملائكة، التي لا يعلمُها إلا مانحُها، ولساكنِه عند الله من المحبَّة والاصطفاء ما تقصر العقولُ عن إدراكه، ويعمُّ الفيضُ من ذلك على الأمَّة، سِيَّما مَن قَصدَه وأَمَّه (٣)، مع العلمِ بدفنِ كلِّ أحدٍ في الموضع الذي خُلق فيه، كما ثبت في "مستدرك الحاكم" (٤) ممَّا له شواهدُ صحيحة: و"لا يقبضُ اللهُ سبحانه رُوحَ نبيِّه إلا في مكانٍ طيِّبٍ، أحبَّ إلي الله ورسوله" (٥).

стр. 118

ولما أمرَ الإمامُ مالكٌ المهديَّ حين قدومه بالسَّلام على أولاد المهاجرين والأنصار قائلًا له: ما على وجهِ الأرض قومٌ خيرٌ من أهلهِا، ولا منها، سأله عن ذلك؟ فقال: لأنَّه لا يُعرف قبرُ نبيٍّ اليومَ على وجه الأرض غيرُ قبرِ نبيِّنا محمَّد ﷺ ، ومَن كان قبرُه عندهم، فينبغي أن يُعرفَ فضلُهم على غيرهم، فامتثل أمره (١). ومن الأدلَّة: قولُه ﷺ : "اللَّهمَّ حبِّبْ إلينا المدينةَ كحبِّنا مكةَّ أو أشدَّ" (٢). ودعاؤُه ﷺ بضعفي ما بمكَّة من البرَكة (٣). وأمَّا: "الَّلهمَّ إنَّك أخرجتنَي من أحبِّ البقاعِ إليَّ، فأسكنِّي في أحبَّ البقاعِ إليك" (٤)؛ فضعَّفه ابنُ عبد البَرِّ (٥) احتمالَ (٦) كونِه صدرَ ابتداءً قبلَ ما تجدَّد له من فضائلِها التي منها ما عادَ على مكَّة بفتحِها. هذا مع العلمِ بأنَّ محبَّةَ الرَّسولِ ﷺ تابعة لمحبِّة اللهِ تعالى، وما وردَ من مضاعفةِ الصَّلاة بمسجد مكَّة زيادةٌ عليها بالمدينة (٧).

стр. 119

فأسبابُ الفضلِ غيرُ منحصرةٍ فيه، سِيَّما وكلُّ عملٍ في المدينة، كما في "الإحياء" (١) لحُجِّة الإسلامِ (٢) بألفٍ، كالصَّلاة (٣)، بل في "المطلب" (٤) لابنِ الرِّفعة (٥): ذهبَ بعضُ العلماء إلى أنَّ الصِّيامَ بالمدينة أفضلُ من الصَّلاة، والصَّلاةَ بمكَّة أفضلُ من الصِّيام، مراعاةً لنزولِ فرضِهما. وعلى هذا فيما ظهرَ: فكلُّ عبادةٍ شُرعتْ بالمدينة أفضلُ منها بمكَّة، إلى غير ذلك من الاتِّفاق على منعِ دخولِ الدَّجَّالِ، والطَّاعونِ لها، وكونُ الواردِ في منعها من مكةَ أيضًا لا يقاومه (٦)، وعلى: "مَنْ صبرَ على لأْوَائِها وشِدَّتِها كنتُ له شفيعًا أو

стр. 120

شهيدًا" (١)، وإيرادُ البخاريِّ (٢) لحديث: "لا يَكيدُ أهلَها أحدٌ إلا انماعَ كما يَنماعُ الملحُ في الماء"، وفي لفظٍ لمسلم (٣): "لا يريدُ أحدٌ أهلَها بسوءٍ إلا أَذَابَه اللهُ في النَّار ذَوْبَ الرَّصاص، أو: ذوبَ المِلحِ في الماء"، فصار من المتَّفق عليه أيضًا. وماورد في التَّرغيب في سُكناها (٤)، والموتِ بها (٥)، ممَّا لم يثبت في الموت بغيرِها مثلُه، والسُّكنى بها وُصلةٌ له إنْ شاء الله. وللمجاورةِ الثَّابتِ فيها: قوله (٦) ﷺ : "مازالَ جِبريلُ يُوصيني بالجارِ حتَّى ظننتُ أنه سيورِّثُه".

стр. 121

والاستشفاءُ بترابِها (١)، وثمرتِها (٢)، وما قارب مئةً ممَّا لا حصرَ له فيه. ولا شكَّ في أنَّ الفضائل الخاصَّة: لا تخدش (٣) في الأمور العامَّة على تقدير وجودها في الجهتين. وبالجملةِ؛ فرأيي الوقفُ لاسترسال الخوضِ في عدمِه، لمِا لا يليقُ بجلالتهما، كما علمته من مقامة الزَّرندي (٤) في المفاضلة (٥). وهما اتفاقًا أفضلُ من سائر البلاد، ويليهما بيتُ المقدس (٦). وما أحسنَ ما قاله صاحب "الشِّفاء" (٧) -بعد أنْ حكى: بعضهم حجَّ ماشيًا. فقيل له. في ذلك، فقال: العبدُ الآبقُ يأتي إلى بيت مولاه راكبًا، لو قدرتُ أنْ أمشيَ على رأسي

стр. 122

ما مشيتُ على قدمي- ما نصُّه: وجديرٌ لمَواطنَ عَمرَتْ بالوحي والتَّنزيل، وتردَّد بها جبريلُ وميكائيل، وعرجتْ منها الملائكةُ والرُّوح، وضجَّت عَرْصتُها بالتَّقديس والتَّسبيح، واشتملتْ تربتُها على جسدِ سيِّد البَشَر، وانتشرَ عنها مِن دينِ الله وسنَّة رسولِه ﷺ ما انتشَر، مدارسُ آيات، ومساجدُ صلوات، ومشاهدُ الفضائلِ والخيرات، ومعاهدُ البراهين والمعجزات، ومناسكُ الدِّين، ومشاعرُ المسلمين، ومواقفُ سيِّد المرسلين، ومُتبوَّأ خاتمِ النَّبيِّين، حيثُ انفجرت النّبوَّة، وفاضَ عُبابُها، ومواطنُ مهبِط الرِّسالة، وأوَّلُ أرضٍ مسَّ جلدَ المصطفى ترابُها أنْ تُعظَّمَ عرصاتُها (١)، وتُتنسَّمَ نَفَحاتُها (٢)، وتُقبَّل ربوعُها (٣)، وجدرانُها (٤). يا دارَ خَيرِ المرسلينَ ومَنْ بهِ … هُدِيَ الأنامُ وخُصَّ بالآياتِ عِندي لأجلِكِ لَوعة وصَبابةٌ … وتشوُّق متوقِّدُ الجَمراتِ (٥) وعليَّ عهدٌ لئنْ ملأتُ محَاجِري … مِن تِلكمُ الجُدراتِ والعَرَصاتِ (٦)

стр. 123

لأُعفِرَنَّ مَصونَ شيبيَ بينَها … من كرةِ التَّقبيلِ والرَّشَفاتِ (١) لولا العوادي والأعادي زرتُها … أبدًا ولو سَحْبًا على الوَجَناتِ (٢) لكنْ سأُهدي في حَفيل تحيتي … لِقَطِينِ تلكَ الدَّارِ والحُجُراتِ (٣) أذكى مِن المِسكِ المُفتَّقِ نفحةً … تغشاهُ بالآصالِ والبُكُراتِ (٤) وتخصّه بزواكيِّ الصَّلواتِ … ونواميِّ التَّسليمِ والبَركاتِ (٥) وأنشد غيره (٦): رُفِعَ الحِجابُ (٧) لنا فَلاحَ لناظرٍ … قمرٌ تَقطَّعُ دونَه الأوهامُ وإذا المطيُّ بنا بلغْنَ محمَّدًا … فظهورُهن على الرِّجال حَرامُ (٨) قرّبْنَنا مِن خيرِ مَنْ وَطِئَ الثَّرى … فلنا عليها حُرمةٌ وذِمامُ (٩)

стр. 124

وهاجرَ ﷺ بأمر الله إليها (١)، ونزل بقُباء، وأسَّسَ المسجدَ، ثمَّ ركبَ إلى المدينةِ، ونزلَ بدارِ أبي أيُّوبَ كما قدَّمتُ هذا كلَّه في الفصل قبله. ثمَّ بنى المسجدَ النَّبويَّ باللَّبِن، وارتفاعُه سبعةُ أذرعٍ، أو خمسةٌ، وأقيمَ فيه سواري من جذوع النَّخل، وسُقِفَ من جريده للاستظلال (٢)، وكانت الأمطارُ تنزل عليهم، فسئل أن يُطيَّن، فقالَ (٣): "بل عَريش كعريشِ موسى، والأمرُ أقربُ من ذلك". وكان إذا رفع يدَه بلغَ سقفَه، فلم يزلْ على ذلك حتى تُوفي (٤). وكان مُربَّعًا (٥) طولُه سبعون ذراعًا في عرض ستين أو يزيد. ثمَّ زاد عليه لمَّا ضاقَ على أهله، فبلغ أقلَّ من مئةٍ في مئةٍ (٦)، وبينَ انتهائِه وبابِ السَّلامِ الآن خمسُ بوايك (٧)، حسبما عُلِّمَ على أعلى الأسطوانةِ الخامسةِ من المنبرِ من صفِّ الأساطينِ التي في قِبلةِ المنبر-بطرازٍ متَّصلٍ بالسَّقفِ منقوشٍ، فيه التَّصريحُ بأنها نهايةُ المسجدِ النَّبويِّ. وبنى بيتين لعائشةَ وسودةَ باللَّبِن والجَريد أيضًا، ثمَّ لسائرِ أزواجِه (٨).

стр. 125

وكان بيتُ فاطمةَ ابنتِه إلى [جانب] (١) بيتِ عائشةَ ﵅ (٢). ثم لم يزد الصِّدِّيقُ في المسجدِ شيئًا. نعم أصلحَ ما نُخِرَ من سواريه بالجذوعِ أيضًا (٣)، وزاد فيه الفاروقُ لما كثُرَ المسلمون، وجعلَ أساطينه خشبًا (٤). ثمَّ زادَ عثمانُ -بعد الاستشارةِ- زيادةً كبيرةً، وبنى جدارَه بالحجار المنقوشةِ والقَصَّة (٥)، وجعلَ أساطينَه من حجارةٍ منقوشة، وسقفه بالسَّاج. ثمَّ الوليدُ بنُ عبد الملك (٦) على يدِ عمرَ بنِ عبد العزيز (٧) عاملِه عليها (٨). ثمَّ

стр. 126

المهديُّ (١)، وكان قائمًا عليه: عبدُ الله بنُ عاصمِ بنِ عمرَ بنِ عبد العزيز (٢)، حين أمر المهديُّ جعفرَ بن سليمان (٣) بالزِّيادة فيه (٤). ثمَّ بعدَ موت عبد الله: عبدُ الله بنُ موسى الحِمصيُّ (٥)، وكذا المأمون (٦) إنْ صحَّ (٧)، والمتوكِّل على الله أبو الفضل جعفرٌ (٨) حفيدُ هارون الرَّشيد، فإنَّه أرسلَ بعضَ الصُّنَّاع على عمارة الحرمين (٩). ولم يزل الخلفاءُ والملوكُ يلتفتون إليه، ويميلون لما معوَّل التقين عليه، من تجديدِ سقفِه ودعائِمه، وترديدِ النَّظرِ في استقامةِ مِنبره وقوائمِه. فكان آخرَ مَن ألهمه الله فيه رُشدَه، ولم يبخلْ بما تحصَّلَ عندَه، الأشرفُ قايتباي (١٠)، قبلَ الحريق الثَّاني وبعده (١١)، فله في الالتفاتِ إليه ولأهلِه اليدُ البيضاء،

стр. 127

وللجهاتِ التي يعودُ نفعُها عليه ما سبقَ به القضاء، وإنْ لِيمَ في بعضه ممَّا لعلَّه يُغتفر في جَنب فرضه، ولم يتخلَّف غيرُه من ملوك الآفاق، كالرُّوم المُتوجِّه لأهلِه بما فيه لهم به ارتفاق، بحيثُ ميَّزوهم عن المكيِّين، وأجزوهم بما هو غنيٌّ عن التَّعيين. وكم فرَّقَ أبو جعفرٍ المنصور (١)، من الأموالِ بالحرمين ماهو به في جنبِ عملِه مشكور، ثمَّ ابنه هارون الرَّشيد (٢)، ما يطولُ بذكرِه التَّعديد (٣). وكذا فرَّق المُعزُّ مَعَد العُبَيدي (٤) -لمَّا حجَّ- في الحرمين أموالًا، إلى غيرِهم من الملوكِ والخلفاءِ ممَّا يرجون النَّفعَ به، ولو بالذِّكْرِ حالًا ومآلًا، بل حجَّتْ جميلةُ ابنةُ ناصرِ الدَّولةِ ابنِ حمدان (٥)، فأغنتْ أهلَ الحرمين بمزيدِ الإحسان. وكذا بعث الحاكمُ -صاحبُ مصر الرَّافضيُّ (٦) - لأهلِ الحرمين، الكثيرَ من النَّقد العَين (٧).

стр. 128

وكم للنُّور محمودٍ الشهيد، مآثرُ لما منحه الله به من التَّسديد والتَّمهيد. وللمُعظَّم عيسى بنُ العادل صاحب دمشق (١)، من الصَّدقة والبرِّ لأهل الحرمين، ما شارك به أولي السَّبْق. ثمَّ الظاهرُ بيبرس الصالحيُّ، فأحسن وأتقن (٢). والمجاهدُ ابنُ العادل كتبُغا المنصوري (٣)، وجماعةٌ من الأمراء وخوند (٤)، ممَّن حصلَ بهم لأهلِ الحرمين الرِّفقُ الكثيرُ الصُّوري، وسلّاَر نائبُ السَّلطنة الظَّاهرية (٥)، فتصدَّقَ بالحرمين بصدقاتٍ وافرة، ثمَّ أرغون الدَّوَادار (٦)، فكان بذلُه في الحرمين عظيمَ القدار، وعملَ النَّاصر محمدُ ابن قلاوون (٧)، حين حجَّ -من الإحسان لهما ما ليس يهون، ولم

стр. 129

يزل الرَّكبُ العراقيُّ وغيرُه من العجَم والهنود، يبذلون الذَّهبَ الكثير في الحرمين المعدِن (١) للسُّعود. ولا تلتحقُ الزِّياداتُ بالأصل في المضاعفة، على ما جزم به النَّوويُّ (٢)، غير متفرِّد به (٣). ولكن نُقل عن مالكٍ التَّعميم (٤)، وأنَّ الله تعالى أطلعه -في جملة ما أخبر به من المغيبات- بما زيد، بحيث كانت الإشارةُ إليه بقوله: "في مسجدي هذا". سِيَّما وتَوجُّهُ الخلفاء الرَّاشدين بحضرة الصَّحابة ﵃ لها بدون إنكارٍ مُشعرٌ به، إذ لا يُظنُّ بهم تفويتُ الأمَّة للثَّواب (٥). على أنَّ النَّوويَّ ﵀ سلَّم المضاعفة فيما زيد في مسجد مكة (٦)، فلتكن في المسجد النَّبويِّ أحرى (٧)، ولا يَخدِش فيه ضَعفُ الوارد في إلحاق الزَّائد به (٨)، بل قد يعتضدُ به، والفضلُ عظيم. وذَرعُ عرضِ جميعِ المسجدِ، من مقدَّمِه ومؤخَّرِه

стр. 130

متفاوتٌ، فالمقدَّمُ: مئة وخمسة وستون ذراعًا، أو يزيد خمسةً، والمؤخَّر: دونَه بخمسةٍ وثلاثين، أو تزيد، وللصَّحنِ من ذلك مئةٌ وأحدٌ وستون ذراعًا ونصف. وطولُه: مئتان وأربعٌ وخمسون ذراعًا وأصابع، فللصَّحنِ من ذلك: خمسٌ وتسعون، وارتفاعُ المسجدِ من داخلِه، اثنتان وعشرون ذراعًا، ومِن خارجِه يزيدُ ستةً، لأجلِ شُرفةِ سطحِه (١)، والقَدْرُ النَّبويُّ منه تقدَّم. والرَّوضةُ: الثَّابتُ كونُها من رياض الجنة (٢)، وهي بين محالّه ومنبره الشريفين؛ تحديدُها مع الإحاطة بأنَّ المنبر الآن قُدِّمَ على محلِّه الأصليِّ لجهة القبلة بعشرين قيراطًا، ولجهةِ الرَّوضةِ من مقدّمِه بنحوِ ثلاثةِ قراريطَ من مُقدَّم الحُجرة القِبليِّ إلى المنبر، مع إدخالِ عرضِ الرُّخام ثلاثٌ وخمسون، أو تسع وأربعون -ذراعًا وثلثٌ بذراع اليد، كأنه بالنَّظر للتَّفاوتِ بين الذِّراعينِ المقيسِ بهما من جهتي الطُّول المُفرِط، ودونه. قال الزَّينُ المراغيُّ (٣): وينبغي اعتقادُ كونِها لا تختصُّ بما العرفُ عليه، بل تتَّسعُ إلى حدِّ بيوتِه ﷺ من ناحيةِ الشَّامِ، وهو آخرُ المسجدِ في زمنِه ﷺ ، فيكونُ كلُّه روضةً. ويشهد له روايةٌ لفظُها "ما بينَ هذه البيوتِ إلى مِنبري روضة" (٤).

стр. 131

والمِنبرُ داخلٌ فيها، والقبرُ الشَّريفُ هو الرَّوضةُ العظمى (١). وأروقته القِبليةُ (٢)، التي بين المشرقِ والمغرب كانت خمسة، ثمَّ استقرَّت بعد زيادةِ الرُّواقين بموحَّدة -سبعة (٣)، وأنَّ الشَّاميَّ كان خمسةً أيضًا، كما صنع به ابنُ جبير، فنقصَ منه رُواقٌ زِيدَ في صحن المسجد (٤). والشَّرقيُّ ثلاثةُ أروقةٍ من القِبلة إلى الشَّامِ، والغربيُّ أربعةُ أروقةٍ كذلك، وبه صنع ابنُ عُبيدة (٥)، ثمَّ ابن جبير (٦)، وكذا هو اليوم (٧).

стр. 132

وأساطينُه (١) -بما دخل في حائز القبرِ الشَّريف- تزيد على ثلاث مئة. المختصُّ بالبوائكِ الثَّلاث منه نحو الخمسين: إحداها -وهي الآن متقدِّمة على محلِّها- إذ محلُّها موضعُ كرسيِّ الشَّمعة التي عن يمين الإمامِ الواقفِ في المصلَّى، بل كان هناك الجِذعُ الذي كان ﷺ يخطب إليه، ويتكئ عليه، إلى أنْ بُني له المنبر، بنحو محلِّه الآن (٢). وبالسَّطر الذي يليه عدة، وسطاها تُعرف بعائشة (٣)، وبالمهاجرين ﵃ (٤)، بل صلَّى النَّبيُّ ﷺ إليها المكتوبة بعد تحويل القِبلة بضعة عشر يومًا (٥)، وهي محلُّ جلوس الرَّاغبين لقراءة الحديث. والتَّاليةُ لها من جهة القبر الشَّريف، تُعرف بتوبةِ أبي لُبابة، يجلس عندها المالكيُّ، والفقيرُ غالبًا (٦). والتَّاليةُ لها: ملاصقةُ المقصورِة الشَّريفة، وكانت -أو التي قبلها- تُعرف بموضعِ سريرٍ كان ﷺ يضطجعُ عليه.

стр. 133

ويُروى -كما لابن ماجه (١) عن نافعٍ عن ابنِ عمر- تعيينُ موضع السَّرير بوراءَ التي قبلها. وفي لفظٍ للبيهقيِّ (٢): كان إذا اعتكفَ يُطرحُ له فراشٌ -أو سرير- إلى أسطوانة التَّوبة ممَّا يلي القِبلةَ، يستندُ إليها. فلعلَّه كان يُوضعُ بينهما، أو في مرَّتين. ونقل عياضٌ (٣) عن ابنِ المنذرِ أنَّ مالكًا كان موضعُه من المسجدِ مكانَ عمر، وهو الذي كان يُوضعُ فيه فراشُه ﷺ إذا اعتكفَ. ثمَّ بالسَّطرِ الذي يليه: خلفَ التي للتَّوبةِ، الملقَّبة بالمَحْرسِ، وتُعرفُ أيضًا: بعليٍّ؛ لكونِه كان يجلسُ عليها لحرسه ﷺ ، وإليها يستندُ الأمراءُ الآن. ثمَّ خلفَها من جهة بابِ المقصور الغربيِّ، المعروفةُ بالوفودِ، كان ﷺ يجلسُ إليها لوفودِ العربِ إذا جاءته (٤). وبينها وبينَ المعروفة بمربَّعة القبر، وبمقام جبريل، التي حُرمَها -مع التي للسرير- النَّاسُ؛ لغلقِ أبوابِ الشُّباك الدَّائر على الحُجرة، وأخرى ملاصقةٌ للمقصورة. ثمَّ المعروفةُ بالمتهجَّدِ النَّبويِّ، المبدلة الآن بدعامة فيها محرابٌ، وهي أيضًا محجوبةٌ ما دام البابُ مغلقًا (٥).

стр. 134

وجميعُ أساطينِ المسجدِ النَّبويِّ التي عيَّنَّاها وغيرها: لها فضلٌ، لما ثبتَ من أنَّ كبار الصَّحابةِ ﵃ كانوا يبتدرون إليها عندَ المغربِ (١)، فتستحبُّ الصَّلاةُ عندها. كلُّ هذا بعدَ صلاةِ تحيَّة المسجدِ الشَّريفِ بالمحرابِ النَّبويِّ، أو غيرِه (٢). ثمَّ يعمِدُ إلى القصدِ الأعظم، فيقفُ مُقابلَ وجهِ النَّبيِّ ﷺ . والذي تحرَّرَ الآن ممَّا يُوصل لذلك: هو أنْ يقفَ عند الصَّرعة الثَّانية (٣) من باب المقصورة القِبلي، الذي عن يمين مُستقبلِ القبرِ الشَّريف، فمَنْ حاذاها كان محاذيًا لذلك، ثمَّ يمشي لجهةِ يمينه يسيرًا نحو ذراعٍ للسَّلامِ على صاحبِه وخليفتِه وأفضلِ الأمَّةِ من بعدِه أبي بكر الصدِّيق، ثمَّ كذلك للسَّلام على صاحبهما أميرِ المؤمنين عمر (٤)، ثمَّ يمشي إلى آخرِ الصَّفحةِ الأخرى عند البابِ الذي يُدخلُ منه لِوَقيدِ الحُجرة بالقربِ من بابِ جبريلَ، للسَّلام على السَّيِّدة فاطمةَ الزَّهراءِ أمِّ الحسنين، وابنةِ سيِّد الأوَّلينَ والآخرين، لما قيل: إنَّ قبرها بالحُجرة الشَّريفة قبل القبورِ المعظَّمةِ ممَّا يلي الشَّامَ، وهو بيتُها (٥) ممَّا قال العزُّ ابنُ جماعةَ: إنه أظهر الأقوال (٦). وإنْ مشيتَ في

стр. 135

الصَّفحةِ التي بها القبورُ الشَّريفة، بعدَ مجاوزةِ أمير المؤمنين نحوُ ذراعين فأزيدَ، كنتَ تُجاه وجهِها. وأبوابُه أربعةٌ (١): بابُ السَّلام (٢)، وبابُ الرَّحمة، وهما: في الجهة الغربية. وقد سكنتُ في إحدى مجاوراتي بالباسطية، وهي قريبة من الأوَّل (٣)، وفي أخرى بالمزهرية، وهي قريبة من الثاني (٤). ولعلَّ السَّببَ في تسميتهِ بابَ الرَّحمة أنَّه -فيما نرجو- البابُ المشارُ إليه بنحو دار القضاءِ الذي سألَ بعضُ مَن دخل منه النَّبيَّ ﷺ في الاستسقاءِ ففعل، وأُجيبَ بالغيثِ والرَّحمة (٥).

стр. 136

وبلغني أنه في أيامِ مباشرةِ بَرد بك التاجي (١) لعمارةِ المسجدِ أيّامَ الظَّاهرِ جقمق (٢) راموا إصلاحَ الأسطوانةَ، المقابلةَ لدُكَّة بوَّابِ الرَّحمة لخللٍ فيها، وراموا ذوبَ رصاصٍ بجانبها لسكبِه فيها، فلم تؤثِّرْ النَّارُ فيه، فصاحَ عليهم الشَّيخُ الجمالُ عبدُ اللهِ ابنُ الشَّمسِ محمَّدِ بنِ أحمدَ الششتري عمُّ إبراهيمَ بنِ محمد الآتيين: أنَّ النَّارَ لا تؤثِّرُ في بابِ الرَّحمة، فبادروا وتحوَّلوا لمحلٍّ آخرَ خارجَ المسجد، فبمجرَّدِ أنْ أُطلقت النَّارُ ذابَ بعد يأسِهم أوَّلًا. وممَّن شَهِدَ ذلك: حسينُ بنُ محمَّدِ بنِ عبدِ العزيزِ بنِ عبدِ الواحد، وإبراهيمُ الششتريُّ، المذكورُ (٣)، وغيرهما. وقال لي أبو الفتح الشَّكيليُّ (٤) أحدُ رؤوسِ نُوَبِ الفرَّاشين المجاور للباب المذكور: إنه شاهد ذلك. وحُكي كما في "الشِّفا" (٥): أنَّ قوماً أتوا سعدون الخولاني (٦)، فأعلموه أنَّ كتَّابه قتلوا رجلًا، وأضرموا عليه النَّار طول اللَّيل، فلم تعملْ فيه شيئًا، وبقي أبيضَ

стр. 137

البدن، فقال: لعلَّه حجَّ ثلاثَ حِجج؟ فقالوا: نعم، قال: حُدِّثتُ أنَّ مَن حجَّ حَجَّةً أدَّى فرضَه، ومَن حجَّ ثانيةً داين ربَّه، فينادي ملك غدًا مِن عند الله: مَن كان له دَينٌ عندَ الله فليقم، ومَنْ حجَّ ثلاثَ حِججٍ، حرَّم اللهُ شعرَه وبشَرَه على النَّار. وبابُ جبريل (١)، وبابُ النِّساء (٢)، وهما في الجهة الشَّرقية، وقد سكنتُ قريبًا منهما في أوَلِ مجاورتي. كما أنَّ لأصل المدينةِ أربعةَ أبواب: بابَ الجمعة، المتوصَّل منه للبقيع، وللشُّهداء، أو لقُباء غالبًا، وبابَ السويقة، المتوصِّل منه لمصلَّى العيدِ، ويدخل منه الزُّوارُ والحجيجُ غالبًا، والدَّربُ الكبير (٣) يدخلُ منه الرَّكبُ الشَّاميُّ حين مجيئه منه، والدَّربُ الصَّغيرُ، وكلاهما قريبٌ من حصنِ أمرائِها، بل للحصنِ باب مستقلٌّ، يسمَّى بابَ السِّرِّ (٤). ومنائرُه: أربعة أيضًا، على أركانِه، سوى خامسةٍ للمدرسة الأشرفية (٥). وكان رئيسُ المؤذِّنين -محمَّدُ بنُ إبراهيمَ الكِناني (٦) جدُّ أحدِ الرُّؤساء الآن- يقول:

стр. 138

إنَّها -يعني منارةَ بابِ السَّلام- تكفي أهلَ المدينة، وهو كذلك، كما سيأتي في ترجمته. والمنارةُ الرَّئيسيةُ، وهي أشرفُها، لقربِها من الحُجرةِ النَّبوية بحيث أُجِلُّها عن صعودِ غيرِ الفُضلاءِ، سيَّما لغير حاجةٍ. وقد أُحكمتْ على يد شيخِ الخُدَّام وعالمِهم: شاهين الجمالي، اقتداءً بشيخِهم. كان كافور الحريري (١) في منارة بابِ السَّلام جُوزي خيرًا؛ فإنه بلغَ في حفرِ أساسِها إلى الماء، وأتقنَها جدًا، وزاد في عرضِ بعضِ جُدرها، وفي ارتفاعِها، بحيثُ زادَ على مئةٍ وعشرين ذراعًا. كلُّ ذلك حين ظهورِ خللِها، وصارتْ أطولَ الأربعة. والرُّؤساءُ ثلاثةٌ: المطريون، وأوَّلهُم: أحمدُ بنُ خلفٍ المطريُّ، المنتقلُ من المطرية (٢) إلى المدينة، ثالث ثلاثة، لمعرفتِهم بالميقات، فولي رياستَها، ثمَّ تلقَّاها عنه ابنُه الحافظُ الجمالُ أبو عبدِ الله محمَّد، ثمَّ عنه ابناه: العفيفُ عبدُ الله، وأبو حامدٍ عبدُ الرَّحمن، وكبَّر العفيفِ فيما قيل أكثرَ من خمسين سنة، ثمَّ عقبَ أبي حامد ابنُه المحبُّ شيخنُا (٣)، ثمَّ عنه ابناه (٤)، ثمَّ عن آخرهما الكمال أبي الفضل محمَّدٍ الشَّمسُ محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ محمَّد بنِ محمَّدِ ابنِ الخطيبِ (٥).

стр. 139

سوى الرِّياسةِ التي بينهم، وهي الثَّانية التي صارت لجدِّهم الشَّمسِ محمَّدِ بنِ محمَّدِ بنِ محمَّدٍ القاهريِّ، ثمَّ المدنيِّ، بتقرير النَّاصرِ فَرجٍ، وخلفه فيها ابنُه الشِّهابُ أحمدُ، ثمَّ ابناه الشَّمس محمَّد، وإبراهيمُ، ثمَّ عن أوَّلهِما: ابنُه الشِّهابُ أحمدُ، أحدُ الفضلاء، وعن ثانيهما: ابناه الشَّمسُ محمَّد وإبراهيمُ أبو الفتح ومحمد (١). والرِّياسةُ الثَّالثةُ: لمحمَّدِ بنِ مرتضى الكنانيِّ العسقلانيِّ، المِصريِّ، ثمَّ المدنيِّ (٢). خلفه ابنُه: أبو إسحاق إبراهيمُ، أخو العزِّ عبدِ العزيز (٣). ثمَّ خلفَ إبراهيمَ: ابنُه الشَّمسُ أبو عبدِ الله محمَّد، ثمَّ ابنُه الجمالُ أبو محمَّدٍ عبدُ الله، ثمَّ ابنُه الشِّهابُ أبو العباسِ أحمدُ، ثمَّ ابنه عَبدُ الغني (٤)، ثمَّ ابنُه أحمدُ (٥)، ثمَّ ابنُه عبدُ الغنيِّ، الموجودُ الآن، وأشرك معه ابناه (٦). والمؤذِّنون عشرون وظيفةً، لكلِّ منارةٍ خمسةٌ، وعددُهم يزيدُ على ذلك بالنَّظر للاشتراك. وإمامُه الأصليُّ: شافعيٌّ، وأوَّلُ أئمتها وخطبائِها وقُضاتها من أهل السنة: السِّراجُ عمرُ بنُ أحمدَ ابنِ الخضريِّ الأنصاريُّ، الدَّمنهوريُّ، الشَّافعيُّ.

стр. 140

وكانت الخطابةُ قبلَه بأيدي آل سنان بنِ عبدِ الوهَّابِ بنِ نُميلةَ، الشَّريفُ الحسينيُّ (١)، بل وكان الحكمُ مرجعُه إليهم، فلم يكن لأهلِ السُّنةِ خطيبٌ ولا حاكمٌ منهم. قال ابنُ فرحون (٢): والظاهرُ أنَّ ذلك منذ استيلاءِ العُبيديين على مصرَ والحجازِ، فإنَّ الخُطبة في المدينة كانت بأيديهم، فلمَّا تغلَّب الخلفاءُ العباسيون على الحجازِ، وأقيمت الخطبةُ لهم إلى يومنِا، أُخذت الخطابةُ خاصَّة من آل سنان سنة اثنتين وثمانين وستمائة، واستقرَّ فيها من المنصورِ قلاوون الصالحي (٣): السِّراجُ عمرُ المذكور، فكان أوَّلَ مَنْ خطبَ بها لأهل السُّنَّة، واستمرَّت الإمامةُ معهم، ولكن لأهلِ السُّنَّة إمامٌ يصلِّي بهم الصَّلواتِ فقط. ثمَّ صارَ السُّلطانُ يرسلُ في كلِّ سنةٍ مع الحاجِّ شخصًا يُقيم لأهلِ السُّنةِ الخطابةَ والإمامةَ، فيقيمُ نصفَ سنةٍ، ثمَّ يأتي في رجب مع الرَّجبية (٤) إلى ينبع، ثمَّ يليها غيرُه، وكلُّ مَنْ يجيء لا يقدر على الإقامة إلا بكُلفةٍ ومشقَّةٍ، لتسلُّط الإمامية من الأشرافِ وغيرِهم عليه. ثمَّ خطبَ بعد السِّراجِ: الشَّمسُ الحلبيُّ (٥)، ثمَّ الشَّرفُ السِّنجاريُّ (٦)، ثمَّ أُعيدَ

стр. 141

السِّراجُ، وكان يقاسي من الإماميةِ من الأذى مالا يصبرُ عليه غيرُه، وهو صابرٌ محتسبٌ، بحيث كانوا يُلطِّخون بابَه بالقاذوراتِ، بل كانوا يرجمونه بالحصباء وهو على المنبر يخطبُ، فلمَّا كثُرَ منهم ذلك، تقدَّم الخُدَّام، وجلسوا بينَ يديه صفًّا، وخلفَهم علماؤُهم وعَبيدهم، خدمةً وحمايةً، ونصرًا للشريعة، وهو يعذرهم بخروج المنصب عنهم بعد توارثهم له، إلى أنْ صاهرَ رئيسَ الإمامية (١) وفقيهها، فانكفَّ عنه الأذى قليلًا، وصار يخطبُ ويصلِّي مِنْ غير حكمٍ ولا أمرٍ، ولا نهي. ثمَّ أُضيفَ إليه -مع الخطابة والإمامة- القضاءُ من النَّاصرِ محمَّدِ بنِ قلاوون (٢)، واشترط عليهم منصورُ بنُ جمَّازٍ (٣) الأمير: ألا يُغيَّر شيئًا من أحكامِهم ولا حُكَّامهم، بحيث اقتصرَ على الحكمِ بين المجاورين وأهلِ السُّنة. ونابَ عنه في القضاء: الشِّهابُ أحمدُ الصَّنعانيُّ اليمانيُّ (٤). وآلُ سنانٍ يحكمون في بلادِهم في جماعتِهم على عادتهم، بل ومَن دعا من أهل السُّنة إليهم، وأمرُ الحبسِ راجعٌ إليهم، والأعوانُ تختصُّ بهم، والإسجالات تثبتُ عليهم، والسِّراجُ يستعينُ بأعوانِهم وحبسِهم (٥)، ودام نيِّفًا على أربعين سنةً، إلى أن

стр. 142

سافر بحرًا للتَّداوي، فمات قبل وصولِه لمصر، سنةَ ستٍّ وعشرين وسبعِ مئة، فاستقرَّ في القضاءِ بعدَه مَن كان نائبَه في الوظائف، وهو العَلَمُ يعقوبُ بنُ جمالٍ القُرشيُّ، الهاشميُّ، المصريُّ (١)، فكان يشدِّدُ في الأحكام، سيَّما على الخُدَّام، فإنَّه منعهم من الشَّمعِ والدَّراهم، وغيرِ ذلك ممَّا يجمعونه في صندوقِ النُّذورِ أيامَ الموسم، قائلًا لهم: إنَّ هذا يجري في مصالح الحرَم، فلا يجوزُ لكم قسمتُه بينكم، وما هو محقٌّ فيه، فتضيَّقوا من ذلك وعزَّ عليهم، فغلبَهم عليه ولم يصرفْ لهم منه شيئًا. وأمَّا الخطابةُ والإمامةُ؛ فاستقرَّ فيهما -بعد السِّراجِ- البهاءُ ابنُ سلامةَ المصريُّ (٢). فأقام فيهما سنتين، ثمَّ استعفى، لكونه لم يرَ نفسَه أهلًا لما شرطَه الواقفُ من معرفةِ الفرائضِ والقراءات. فاستقرَّ بعدَه فيهما الشَّرفُ أبو الفتحِ محمَّدُ بنُ محمَّد بنِ أحمدَ بنِ إبراهيمَ العثمانيُّ، اللَّخميُّ، الأُميوطيُّ (٣).

стр. 143

ثمَّ أضيفَ إليه القضاءُ بعد ابنِ جمال (١)، فشدَّد على الأشراف وسقاهم المُرَّ، وأذاقهم الصَّبِر، وسطا على الإماميِة، ووبَّخهم في المحافل، وسبَّهم على المنبر، بحيث نزل مرَّةً من المنبر لضربِ واحدٍ منهم تنفَّل كهيئة الظُّهر، وأبطلَ صلاةَ ليلةِ نصفِ شعبان (٢) المبتدَعة مع بِدعٍ كثيرة، والد السُّنة (٣)، ومع ذلك فلم ينهضْ لرفع أحكامِ الإمامية. واستناب صهرَه البدَر حسَنًا الآتي، والفقيهَ أحمدَ الخراسانيَّ الفاسيَّ، ثمَّ أبا (٤) العبَّاس أحمد التادلي. ثمَّ عزله، واستنابَ الجمالُ المطريُّ (٥) في جميعِ الوظائف، وفي الإمامة والخطابة - حين غيبته بالقاهرة سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة (٦) - المقرئَ إبراهيمَ بنَ مسعودٍ المسروريَّ.

стр. 144

ودامَ الشَّرفُ (١) في القضاء سبعَ عشرَ سنةً، ومات سنةَ خمسٍ وأربعين (٢). فوَلِيَ الثَّلاثة بعدَه: التَّقيُّ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عبدِ المؤمنِ الهورينيُّ، وقدِمها في ذي الحجِّة، ولحُسنِ سياسةِ نائبِه -البدرِ عبدِ اللهِ بنِ محمَّدِ بنِ فرحون- أعرض الناس عن قضاة الإمامية، واعتزلوهم، ووقع التَّشديد عليهم في نكاح المُتعة، والتَّنكيلُ بفاعلها، وعُزّرَ مَن تكلَّم في الصَّحابة، وأُخمدت البدعةُ، وأظهرت السُّنة. ثمَّ سافر الهورينيُّ مع الرَّكبِ مِن التي تليها ليداويَ بصرَه أيضًا (٣)، فصُرِفَ عن الثَّلاثة بعمرَ ابنِ الصَّدر (٤) المتوفَّى سنة خمسين، ثمَّ أعيد عن قرب. قاله شيخنا (٥). والأشبه: أنَّ عزله إنَّما كانَ بصهرِ الشَّرف الأُميوطيِّ، البدرِ حسنِ بنِ أحمدَ القيسيِّ (٦). وقدِمَ المدينةَ في ذي الحجَّة سنةَ ثمانٍ وأربعين (٧)، ورام اقتفاءَ صهرِه في التَّشديد على الأشراف، فهدَّده طُفيلٌ أميرُها. فبادر لمكَّةَ معتمرًا، واستناب البدرَ ابنَ فرحون، فلم يلبث أن عُزِل طفيل، وعادَ البدرُ حسنٌ إلى المدينةِ على وظائفِه، ثمَّ إلى القاهرةِ، فماتَ في أثناءِ سنةِ إحدى وخمسين.

стр. 145

واستقرَّ بعدَه فيها الشَّمسُ محمَّدُ بنُ عبدِ المعطي الكنانيُّ، العسقلانيُّ، المصريُ، ابنُ السَّبع، فتعرَّضوا لنقصِه في العلم، وعدمِ اجتماعِ شروطِ الخطباء به، ورسومِ ما تولاه، مع سياسته ومُداراته، فصُرِفَ أثناءَ سنةِ أربعٍ وخمسين بالبدرِ إبراهيمَ بنِ أحمدَ القُرشيِّ المخزوميِّ، ابنِ الخشَّابِ، وقدمها في موسمها ذي الحجَّة (١). ثمَّ أُعيدَ ابنُ السَّبعِ في آخرِ التي تليها، وقدمَ في سنةِ ستٍّ (٢)، فدامَ إلى ربيع الثاني سنةَ تسعٍ وخمسين، فصُرفَ بعَوْدِ الهوريني، وناب عنه البدرُ ابنُ فرحون، ولم يلبثْ أنْ مات الهورينيُّ في أوَّل التي تليها (٣). فاستقرَّ فيها التَّاجُ محمَّدُ بنُ عثمانَ بنِ الخضرِ الأنصاريُّ، الصَّرخديُّ، الكَركيُّ، ووصل في أثنائها، فلم يسلمْ من كلامٍ كعير، وعزلَ ابنَ فرحون من النيابة، فجاءَه توقيعٌ بإجرائِه على عادتِه. وسافر التَّاجُ في موسمِ سنةِ خمسٍ وستين، واختارَ الإقامةَ بمصر، فاستقرَّ فيها الشَّمسُ محمَّدُ بنُ سليمانَ الحَكريُّ، المقري، وقدمَها في ذي الحجَّةِ مِن التي تليها، إلى أن انفصلَ بالشَّمسِ محمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ القُرشيِّ الجعبريِّ، ثمَّ الدِّمشقيِّ ابنِ خطيب [يبرود] (٤)، وباشر نحو سنتين فاستقرَّ. وأعيدَ ابنُ الخشَّاب في سنة اثنتين وسبعين، ورجع ليتداوى، فمات بحرًا في أثناء
следующие страницы →