← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1050

التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة - ط مركز دراسات المدينة

السخاوي

Полный текст (4 406 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وأتى النبيُّ ﷺ خديجةَ، فعلَّمها ذلك، وصلَّى بها (١)، وكان الفرضُ إذ ذاك ركعتين بالغَداة، وركعتين بالعشي، إلى أن كانت ليلةُ المعراج (٢). وأقام ﷺ بمكة بعد البَعثة ثلاث سنين يدعو اللّه مُستخفيًا، فكان المسلمون يجتمعون بدار الأرقم (٣) أو بالشِّعاب للصِّلاة (٤). ثمَّ نزل عليه في السنة الرابعة (٥) ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٦)، وقوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٧) فأعلنَ حينئذٍ الدُّعاءَ لأهلِ الإسلام (٨) وكفَّارُ قريشٍ غيرُ منكرين لما يقول، بحيث كان إذا مرَّ بهم في مجالسهم يشيرون إليه: إنَّ غلام بني عبد المطَّلب ليُكَلَّمُ مِن السَّماء، إلى أَنْ عابَ آلهتهم، وذكر آباءهم، الذين ماتوا على الكفر، فانتصبوا لعداوته وعداوة مَنْ آمن به، يُعذِّبون مَنْ لا مَنعَة عنده أشدَّ العذاب، ويُؤذون

стр. 72

مَنْ لا يقدرون على عذابه (١)، وآمن به -مع مَنْ قدَّمناهما- عليّ، وزيدُ بنُ حارثة، وأبو بكر ثمَّ بدعائِه (٢) عثمانُ، والزُّبير، وعبدُ الرَّحمنِ بنُ عوفٍ، وسعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ، وطلحةُ بنُ عبيد الله. واشتدَّ الأمرُ، وتنابذ القوم، ونادى بعضهم بعضًا، وتآمرتْ قريشٌ على مَنْ أسلم منهم يُعذِّبونهم، ويفتنونهم عن دينهم. وحَدَبَ (٣) عليه عمُّه أبو طالب، ومنعَ اللّهُ عن رسوله به وببني هاشم -غيرَ أبي لهب- وبني المطلب، وكذَّبه مَنْ عداهم، وآذوه ورمَوْه بالسِّحر، والشِّعر، والكَهانة، والجنون (٤)، وأغروا به سفهاءَهم، حتى إنَّ شقيًا منهم أخذَ يومًا بجمعِ ردائِه، فقام أبو بكر دونه -وهو يبكي- ويقول: أتقتلون رجلًا أن يقولَ ربي اللّه (٥)؟. إلى أَنْ أسلمَ في سنةِ ستٍّ عمُّه حمزةُ (٦) أعزُّ فتىً في قريش، وأشدُّه شكيمة (٧)، فعزَّ به رسول اللّه ﷺ ، وكفَّتْ عنه قريشٌ قليلا (٨)، بل وكذا تأيَّدَ الإسلامُ بإسلامِ عمرَ بنِ

стр. 73

الخطَّاب، إجابةً لدعوةِ النبيِّ ﷺ أنَّ اللّه يؤيِّدُه به (١)، وكان لا يُرامُ ما وراءَ ظهرِه، فامتنع بهما حتى قال الأعداءُ له: إنْ كنتَ تطلبُ مالًا جمعنا لك ما تكونُ به أكثرَ مالًا، أوالشَّرفَ؛ فنحن نُشرِّفك علينا، أو المُلكَ؛ ملَّكْنَاك عليها، وإن كان الذي يأتيك رَئِيًّا (٢) قد غَلب عليك؛ بذلنا أموالنا في طلبِ الطبِّ لك حتى تبرأ منه، أو نُعذرَ فيك، فقال لهم: "ما بي ما تقولون، ولكنَّ اللّه بعثني رسولًا، وأنزل عليَّ كتابًا، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلَّغتكم رسالاتِ ربي ونصحتُ لكم، فإنْ تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظُّكم في الدُّنيا والآخرة، وإن تردُّوا عليَّ أصبرْ لأمرِ اللّه حتى يحكمَ اللّهُ بيني وبينكم" (٣). وأيَّدَه اللّه سبحانه بمعجزةِ القرآن، وبانشقاقِ القمر بالعِيَان، وكفاه أمرَ المُستهزئين مع تماديهم على العِناد ودفعِ اليقين، ولو اختار لدُمِّرُوا وما عُمِّروا، ولكنَّه ﷺ كان يترجَّى هدايتهم، ويتوخَّى إجابتَهم، ويأبى اللّه إلا ما أراده، وأُذِنَ للنَّبِيِّ ﷺ بعد أن عُذِّبَ بلالٌ، بحيث اشتراه أبو بكر، وأعتقَه (٤)، وقُتِلَتْ سُميَّة أمُّ عمَّاِر ابنِ ياسِرِ،

стр. 74

بحيث كانت أوَّلَ قتيلٍ في الإسلام (١)، وضَربَ سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ رجلًا من المشركين -ممَّن آذاه هو ومَنْ كان يُصلِّي معه بشِعْبٍ من شِعاب مكَّة، وعابَ صنيعَهم- بِلَحْي (٢) بعيرٍ فشجَّه، فكانَ أوَّلَ دمٍ أُهريق في الإسلام (٣) - إلى غيرِ هذا من شديدِ الأذى لأصحابه -في الهجرة إلى الحبشة عند ملكِها أصحمةَ النَّجاشيِّ (٤)، فهاجروا، وذلك في رجبٍ سنةَ خمسٍ، فكانتْ أوَّلَ هجرةٍ في الإسلام (٥)، فلمَّا علمتْ قريشٌ باستقرارهم فيها، وأمنِهم عنده، أرسلوا إليه عمرَوَ بنَ العاص وعبدَ اللّه بنَ أبي ربيعة ليردَّهم إلى قومهم، فأبى ورجعا خائبين (٦)؛ مع كونه لم يكن حينئذٍ مسلمًا،

стр. 75

إنما أسلم في سنة تسعٍ قُبيلَ موته (١)، وصلىَّ عليه النَّبيُّ ﷺ (٢). ولم يلبث أن رجعَ المهاجرون، حين قيل لهم: إنَّ أهل مكَّة أسلموا، فلم يجدوا لذلك صِحَّةً، فكان بعضُهم في الجِوار، وبعضُهم مخُتفيًا، وبعضُهم لم يدخل مكَّة (٣). ثمَّ هاجر المسلمون الثانية (٤) إلى الحبشة، وأقاموا عند النَّجاشي على أحسن حال، وهم زيادةٌ على مئةٍ مِن الرِّجال والنِّساء، وفشَا الإسلامُ في القبائل، واجتمع قريشٌ، وائتمروا أن يكتبوا كتابًا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطَّلبِ: أن لا يَنْكِحوا إليهم ولا يُنكِحوهم، ولا يبيعوا منهم شيئًا، ولا يبتاعوا منهم. وكتبوه في صحيفةٍ، وعلَّقوها في جوف الكعبة هلال المحرَّمِ سنَةَ سبع، فانحاز الهاشميون -غيرَ أبي لهب- والمُطَّلبيون إلى أبي طالب، ودخلوا معه في شِعْبِه، فأقاموا على ذلك سنين حتى جَهِدوا، وكان لا يصل إليهم شيءٌ إلا سِرًّا، إلى أن أعلمَ اللّه رسولَه ﷺ : "أنَّ الأَرَضَةَ أكلت ما كانَ فيها من جَورٍ وَظلمٍ، ولم يبقَ منها إلا ذكرُ اللّه سبحانه" فوجد ذلك كذلك وشَلَّت يد كاتبها، ففرَّج اللّه عنهم، وخرجوا من شِعبهم، وذلك في سنة

стр. 76

عشر (١)، وما كان أسرعَ من موتِ أبي طالبٍ فيها (٢)، ثمَّ بعده -بثلاثة أيَّامٍ- أمِّ المؤمنين خديجةَ ﵂ (٣)، فنالت قريشٌ من النَّبيِّ ﷺ ما لم تكن تناله في حياة أبي طالب (٤)، بحيثُ كان ﷺ يُسمِّي ذاك العامَ عامَ الحزن. وبعد ثلاثة أشهرٍ من وفاة خديجة، خرج، ومعه زيدُ بنُ حارثةَ إلى الطائف، فلم يجيبوه، بل أغروا به سفهاءهم (٥)، فرجعَ بزيدٍ لمكَّة، فلمَّا نزل نخلَة (٦) قام يُصلِّي من الليل، فَصُرِفَ إليه نفرٌ من جنِّ نَصِيبين (٧)، فاستمعوا القرآن وأسلموا، وأقام بنخلةَ

стр. 77

أيامًا (١)، وقال له زيدٌ: كيفَ تدخلُ مكَّةَ وقد أخرجوك؟ فقال: "إنَّ اللّه جاعلٌ لما ترى فَرَجًا ومَخرجًا، وإنَّ اللّه ناصر دينَه، ومُظهر نبيَّه". ثمَّ انتهى إلى حِراءٍ حتى دخلَها في جوار مُطعِم بنِ عَدِيٍّ (٢)، فقصد الرُّكنَ فاستلمه، وصلَّى ركعتين، وانصرف إلى بيته. فلمَّا كان ليلةُ السَّبت -لسبعَ عشرَة ليلةً خلَتْ من رمضان، وقبل الهجرة بثمانية عشر شهرًا- أتاه جبريلُ وميكائيلُ ﵉، وهو نائم في مكَّةَ، فأُسْرِيَ به من زمزمَ إلى بيت المقدس، بعد أن شُقَّ صدرُه الشَّريفُ وحُشِيَ إيمانًا. ثمَّ عُرِجَ (٣) به إلى السَّماء السَّابعة، وفُرضت الصَّلواتُ الخمس، ورأى ربَّه بعينِ (٤) رأسه ﷺ ، فلمَّا أصبحَ، وأخبر قريشًا بذلك كذَّبوه (٥)، وارتدَّ جماعةٌ (٦)،

стр. 78

وسألوه أَمارةً، فأعلمهم بها (١)، وأتاه جبريل في صبيحتها، فأراه أوقات الصَّلوات (٢). كلُّ ذلك وهو يدعو النَّاسَ إلى الإسلام نحو عشرِ سنين، فيوافي الموسم كلَّ عامٍ، ويَتتبَّع الحاجَّ في منازلهم بعُكاظ ومَجنَّة وذي المجاز (٣)، يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلِّغَ رسالاتِ ربِّه، فلا يجدُ أحدًا ينصرُه ولا يجيبه، حتى إنَّه ليسألُ عن القبائل ومنازلهِا قبيلةً قبيلةً، فيردُّون عليه أقبحَ ردٍّ، ويؤذونه ويقولون: قومُكَ أعلمُ بكَ (٤)، إلى أنْ أرادَ اللّه سبحانه إظهارَ دينِه، فساقَه إلى هذا الحيِّ المُلقَّبين في الإسلام (بالأنصار) فدعاهم إلى اللّه ، وقرأ عليهم القرآن، وأسلم مَنْ شاء اللّه منهم، ووعدوه بالمجيء -هم ومن معهم- إلى العام المقبل، ثمَّ حضروا إليه عنده (٥)، فأسلموا وبايعوا على بيعة النِّساء (٦) وغيرِ ذلك، مِن غير أن يُفرضَ يومئذ

стр. 79

قتالٌ، وهي العقَبة الأولى (١). في العامِ المقبلِ -وذلك في ذي الحجَّة أوسط أيام التَّشريق- قدِمَ عليه سبعون فأزيدُ منهم، وكان مَن حجَّ مِن قومهم خمس مئةٍ، فوعدهم مِنى -ليلةَ النَّفر الأوَّل إذا هدأت الرِّجالُ: أن يوافوه في الشِّعب الأيمن إذا انحدروا من منى أسفلَ العَقبة، فوافَوه فيه، ومعه عمُّه العبَّاسُ -قبل إسلامه- مُتوثِّقًا له، وهي العَقبة الثَّانية. فبايعوه على أنْ يمنعوه ممَّا يمنعون منه نساءَهم وأبناءَهم وأنفسَهم، وعلى حرب الأحمر والأسود، وأنزل اللّه تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ (٢) الآية، وغيرَها، وأنَّه "من وفَّى فله الجنَّةُ، ومَن غشي ممَّا بايعهم عليه، كان أمرُه إلى اللّهِ، إن شاء عذَّبَه وإن شاءَ عفا عنه" (٣). ثمَّ رجعوا إلى رحالهم، وقد طابت نفسُ رسول اللّه ﷺ ، إذ جعل اللّه له مَنَعةً: قومًا أهل حربٍ وعُدّةٍ ونجدة.

стр. 80

وقدِموا المدينةَ، فدَعوا إلى الإسلامِ حتى فشا فيها، ولم يبق دارٌ من دورِ الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول اللّه ﷺ . وجعلَ البلاءُ يشتدُّ على المسلمين من المشركين، لمِا يعلمون من الخزرج، فضيّقوا عليهم، ونالوا منهم ما لم يكونوا ينالون من الشَّتم والأذى. فَشكَوا ذلك إلى رسول اللّه ﷺ ، واستأذنوه في الهجرة إلى المدينة لإخوانهم من الأنصار، فأذِنَ لهم، فخرجوا أرسالًا، مخُتفين حتى قدموا على الأنصارِ في دورهم، فآووهم ونصروهم وواسوهم. ولمَّا علمَ المشركون بذلك، وأنَّه لم يبق بمكَّة إلا رسولُ اللّه ﷺ ، وأبو بكر وعليٌّ ﵄، أو مفتونٌ محبوسٌ، أو مريضٌ، أو عاجز عن الخروج: خافوا خروجَ النَّبيِّ ﷺ ، فاجتمعوا في دار النَّدوة (١)، ولم يتخلَّفْ أحدٌ من أهل الرَّأي والحِجى، ليتشاوروا في أمره، وحضرَهم إبليسُ اللَّعين، في صورةِ شيخٍ كبيرٍ من أهل نجد، فقيل: يُحبس أو ينفى، فلم يرتضِ إبليس بواحد منهما. فقال أبو جهلٍ: أرى أن نأخذَ من كلِّ قبيلةٍ من قريشٍ غلامًا نَهْدًا جَلْدًا (٢)، ثمَّ نعطيه سيفًا صارمًا، فيضربونه ضربةَ رجلٍ واحدٍ، فيتفرَّق دمُه في القبائل، فلا يدري بنو عبد مَنافٍ بعد هذا ما يصنعون، فاستصوبَه إبليسُ، وتفرَّقوا مجمعين على ذلك،

стр. 81

فأتى جبريلُ النبيَّ ﷺ فأعلمَه به، وأمره أن لا ينامَ فيه (١)، واجتمعَ الأعداءُ يتطَّلعون من صِيِر (٢) الباب، ويرصدونه حتى ينامَ ليحملَ عليه بعضُهم، فطلع ﷺ عليهم، وهم جلوسٌ عند الباب، فأخذ حَفنةً من ترابٍ فجعلَ يذرُّه على رؤوسِهم ويتلو: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ … لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٣)، ومضى، فأتاهم آتٍ ممَّن لم يكن معهم، فقالَ لهم: قد خبتُم وخسرتم، إنِّه -واللّه- مرَّ بكم، فما تركَ منكم رجلًا إلا وضعَ على رأسه ترابًا، وانطلقَ لحاجته، فخابَ ما أمَّلوه، وأنزل اللّه في ذلك (٤): ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية (٥). وتحرَّكَ رسولُ اللّه ﷺ بعدَ مُكثه من حين النُّبوَّة بضعَ عشرة سنةً للهجرة، ثمَّ خرج بالتَّأييد والتَّوفيق، في صحبتِه أبو بكر الصِّدِّيق، السَّابقُ بالتَّصديق، بإذنٍ من اللّه له في الهجرة، واستصحابه إلى غارِ ثور (٦)، فمكثا فيه ثلاثَ ليال، وأنبتَ اللّه شجرةً فسدَّت

стр. 82

وجهَ الباب، وأمرَ العنكبوتَ فنسَجتْ على فمه، وحمامتين وحشيتين فوقفتا بفمِه، فكان ذلك سببًا لتحقُّقهم عدمَ أحدٍ به (١). وبعدَ الثَّلاثِ ركبا راحلتين، وراحلتُه ﷺ : هي ناقتُه الجَدعاءُ، وأردفَ أبو بكرٍ مولاه عامرَ بنَ فُهيرةَ، ومعهم عبدُ اللّه بنُ الأريقط (٢) ليدلَّهم على الطَّريق (٣)، وذلك في يومِ الاثنين من ربيع الأوَّل، وسِنُّه ﷺ ثلاثٌ وخمسون (٤). وعرضَ سُراقةُ بنُ مالكٍ -وهو على فرسه- للنَّبيِّ ﷺ ، ليفوزَ بما وعدتْ به قريشٌ مَن جاء به، فدعا عليه فساختْ (٥) فرسُه، فقال: يا محمَّدُ، ادعُ اللّه أن يُطلق فرسي، وأرجعُ عنك، وأردُّ عنك مَن ورائي، ففعلَ، فأُطلقَ ووفَّى (٦).

стр. 83

ومرَّ النَّبيُّ ﷺ بِخَيمَتَي أمِّ مَعبد -عاتكةَ- (١) ومنزلهُا بعدَ قُدَيد (٢)، فرأى شاةً خلَّفها الجَهْدُ عن الغنم، فسألها: أَبِها لبنٌ؟ قالت: هي أجهدُ من ذلك، فاستأذنها في حَلْبِها، فقالت: نعم بأبي وأمي، إنْ رأيتَ بها حَلَبًا (٣)، فمسَحَ بيدِه الطَّاهرةِ ضَرْعَها، وسمَّى اللّه تعالى، وقال: "اللَّهُمَّ بارك لها في شَاتِهَا"، فتفاجّت (٤) عليه ودَرَّت (٥) واجترّت (٦)، فدعا بإناء لها يُربض (٧) الرَّهط، فحلب فيه، ثمَّ سقاها حتى رويتْ، وسقى أصحابَه كذلك، ثمَّ شرب آخرَهم، وقال (٨): "سَاقِي القَومِ آخِرُهُم "، ثمَّ حلَب في الإناء ثانيًا، حتى ملأه وتركه عندها وارتحلوا. وأصبح صوتٌ بمكَّةَ عاليًا بينَ السَّماءِ والأرض يسمعونه ولا يرون قائله: جزى اللّهُ ربُّ النَّاسِ خيرَ جزائِه … رفيقينِ قَالا (٩) خَيمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ

стр. 84

هما نزَلاها بالهُدى واهتَديا به (١) … فقدْ فاز مَنْ أمسَى رفيقَ مُحَمَّدِ فيَا لَقُصّيٍّ، ما زوَى اللّهُ عَنكُمُ … به من فِعالٍ لا تُجَارَى وسُؤدَدِ ليَهْنِ بني كعبِ مَكَانُ فتاتِهم … وَمَقعَدها للمؤمنين بِمرصَدِ سَلُوا أُختكَم عنْ شاتِها وإنائِها … فَإنّكُمُ إنْ تسألوا الشَّاةَ تَشهَدِ دَعَاهَا بشاةٍ حَائِل (٢) فَتَحَلَّبتْ … صريحًا ضَرّةُ (٣) الشّاة مُزبدِ فغادرَهُ رهنًا لديها بِحَالِبِ … يُرَدِّدُهَا (٤) في مَصدرٍ ثمَّ مَوْرِدِ (٥) ونحوُ قصَّةِ أمِّ مَعبدٍ سببُ إسلام ابنِ مسعود حيث أخذ النَّبيُّ ﷺ من الغنم -التي كان ابن مسعود يرعاها- شاةً لم يمسَّها الفحل، وحلبها، فدرَّت (٦). وانتهى النَّبيُّ ﷺ في ربيعٍ المُعَيَّنِ ضُحى يوم الاثنين، لاثنتي عشرة خلت منه إلى بني عمرو بن عوف، بقُباء منها، فجلس فيها، وجاء المسلمون يُسلِّمون عليه، وأبو بكر قائم يُذكِّر النَّاس (٧).

стр. 85

وتأخَّر عليٌّ بعدهما بمكَّة ثلاثةَ أكَلامٍ، حتى أدَّى ما كان عند النَّبيِّ ﷺ من الودايع لأربابه، ثمَّ لحقه بقُباء (١). واستمرَّ النبيُّ ﷺ في بني عَمرو بن عوف، ثمَّ انتقل إلى المدينة بعد أن أسَّس مسجد قُباء (٢) وصلَّى الجمعةَ في طريقه بمسجدِ بني سالمٍ الذي في الوادي، بعد أنْ خطبَهم فيه، والقِبلةُ إذ ذاك لبيت المقدس، إلى أن حُوِّلت (٣). ونزل بالمدينةِ حيثُ بركتْ ناقتُه باختيارها قائلًا: "إنها مأمورة"، عند محلِّ مسجدِه الشَّريف الذي أَمر ببنائه بعدُ، وهو يومئذٍ مُصلَّى الرِّجالِ من المسلمين، ومِربَدٌ (٤) لغلامين من بني مالك بن النَّجَّار (٥)، وحمل أبو أيوبَ الأنصاريُّ رحلَه إلى داره (٦)،

стр. 86

وهو فيما قيل: من ذُريَّة الحبر الذي أسلمه تُبَّعٌ الأوَّلُ كتابَه الذي فيه أنه بناه لما مرَّ بالمدينة للنبيِّ ﷺ لينزله إذا قدِمها، فتداوله المُلّاَك، إلى أن صار لأبي أيوب، وحينئذٍ فما نزل ﷺ إلا في بيت نفسه (١)، وكرَّر قوله (٢): "اللهمَّ أنزلنا مَنزلًا مباركًا وأنت خير المُنزلين" وصارت الهدايا من الطعام تُحمل إليه. وكان أوَّل ما سُمع منه ﷺ (٣): "أفشوا السَّلام، وأطعِموا الطَّعام، وصِلُوا الأرحام، وصلُّوا باللَّيل والنَّاسُ نيام، تدخلوا الجنَّة بسلام". ثمَّ تحوَّل منه، وأَمر ببناءِ المسجد (٤). ثمَّ بنى مساكنَه بجانبه (٥)، وآخى بين المهاجرين والأنصار على الحقِّ والمواساة (٦).

стр. 87

وقدمَ عليه ابنتاه فاطمةُ، وأمُّ كلثوم، وزوجتُه سودة، وأسامة بن زيد، وأمُّه بَركةُ أمُّ أيمن، مع زيدِ بنِ حارثة وأبي رافع، وكان أرسل إليهم بهما، ومعهما بعيران وخمسُ مئةِ درهمٍ. و [قدِم] (١) على أبي بكرٍ عيالُه مع ابنهِ عبد اللّه، ثمَّ المهاجرون إلى المدينة (٢)، ودامَ بالمدينة التي أضاءَ منها بَعد قدومه ﷺ كلُّ شيء (٣)، وزال عنها الوباء، ونُقل حُمَّاها إلى الجُحفة (٤)، وأُكرمت بمنعِ دخولِ الدَّجَّال والطَّاعون لها (٥) بعد الهجرة عشر سنين. كان في الأولى التي ابتدأ التَّاريخُ منها، وافتتحَ بالمحرَّم غزوةَ الأبواء، وهي غزوةُ

стр. 88

وَدَّانَ (١)، وجُعلت صلاةُ الحضر أربعَ ركعاتٍ بعد ركعتين (٢)، وشُرِع الأذانُ، وبنى بعائشة في شوّالها (٣). وفي الثَّانيه: غزوة بُواط (٤)، ثمَّ بدرٍ الأولى (٥)، ثمَّ ذي العُشيرة (٦)، ثمَّ بدرٍ الكبرى، وهي البطشةُ التي أعزَّ اللّه بها الإسلام، وأهلكَ بها رءوسَ الكَفَرة اللِّئام -يومَ الجمعة

стр. 89

لسبعَ عشرةَ خلون من رمضان - ثمَّ غزوة بني قَينُقاع (١) ثمَّ السَّويق (٢)، ثمَّ قُرقُرة الكُدر (٣)، وصُرفت القِبلةُ إلى الكعبة (٤) بعد أن كانت لبيت المقدس، وفُرِضَ صومُ رمضان، وزكاةُ الفطر، بل الزَّكاةُ (٥)، وصلَّى العيدين، وخطب فيهما، وأمر بالأضحيةِ (٦) وأعرسَ عليٌّ بالزَّهراء (٧)، وتُوفيت رُقيَّةُ ابنته ﷺ (٨)، وعثمانُ بنُ مظعون.

стр. 90

وفي الثَّالثة: غزوة غَطَفان إلى نجد -ويقال لها: غزوة أنمار- وذي أَمَر (١)، وغزوة بني سُليم (٢)، وأُحُد، واستُشهدَ فيها من المسلمين كثيرون (٣)، وحمراء الأسد (٤)، ودخوله بحفصة، وبالزَّينبينِ: ابنةِ خُزيمة، وابنةِ جَحش (٥)، وبناء عثمانَ بأمِّ كلثوم، وتحريم الخمر، أو في التي تليها.

стр. 91

وفي الرَّابعة: غزوةُ بئر معونة (١)، وبني النَّضير (٢)، ثمَّ بدرٍ الصُّغرى (٣)، ثمَّ ذات الرِّقاع (٤)، وصلاةُ الخوف (٥)، وقصرُ الصَّلاة (٦)، وتزويج أمِّ سلمة (٧).

стр. 92

وفي الخامسةِ: غزوةُ دُومة الجَنْدل (١)، ثمَّ المُرَيسيعُ (٢)، وهي غزوةُ بني المصطلق، ثمَّ الخندقُ، وهي الأحزابُ (٣)، ثمَّ بني قريظة (٤)، وقصَّة الإفك (٥)، ونزولُ آية التيمم (٦)، وآيةِ الحجاب (٧)،

стр. 93

وصلَّى لخسوفِ القمر (١)، وبنى بجويرية (٢). وفي السادسة: غزوةُ بني لِحْيان (٣)، ثمَّ الغابةِ، وهي ذو قرَد (٤)، ثمَّ الحُديبيةِ (٥)، وبَيعةُ الرِّضوان (٦)، وفَرضُ الحجِّ (٧)، وسابقَ بين الخيل (٨)، ونزول آية الظِّهار (٩)، وقحط

стр. 94

النَّاسُ، فاستسقى اللّه فَسُقوا (١)، وكَسفت الشَّمس (٢). وفي السَّابعة: غزوةُ خيبر (٣)، وعُمرةُ القضاء (٤)، والبِناءُ بكلٍّ من صفيةَ وأمِّ حبيبة، وميمونَة (٥)، ومَنعُ الحُمُرِ الأهلية (٦)، ومُتعةِ النِّساء (٧).

стр. 95

وفي الثَّامنة: وَقعةُ مُؤْتَة (١)، وغزوة الفتح (٢)، ثمَّ حُنين (٣)، ثمَّ الطائف (٤)، وعُمِل المِنبرُ النَّبويُّ (٥) ولما خطَب عليه حنَّ الجِذْعُ الذي كان يخطب عنده (٦)، وهو أوَّلُ مِنبرٍ عُمِلَ في

стр. 96

الإسلام (١)، وتأبيد تحريم المُتعة بعد حِلِّها (٢)، وأخذ الجِزية من مجوس هَجَر (٣). وفي التَّاسعة: غزوةُ تبوكَ (٤)، وهي آخرُ غزواته رحَل، التي انحصرت في سبع وعشرين (٥)، وانتهت سراياه لستٍّ وخمسين (٦)، قاتلَ النبيُّ ﷺ في تسعٍ من غزواته: بدرٍ، وأُحُدٍ، والخندقِ، وقُريظةَ، والمُصطَلِق، وخَيبر، والفتح، وحُنين، والطائف (٧)، وحَجَّ الصِّدِّيقُ بالنَّاس (٨)، ثم أردفهْ بعَليٍّ: بأن لا يحجَّ بعدها مُشركٌ، ولا يطوفَ عُريان (٩).

стр. 97

وصَلَّى على النَّجاشيِّ (١)، وتسمَّى هذه السَّنةُ سنةَ الوفود؛ لكثرةِ الوافدين فيها على النبيِّ ﷺ (٢)، وفيها آلى النَّبيُّ ﷺ من نسائِه (٣)، وهدَمَ مسجدَ الضِّرار (٤)، وكانت الملاعنة (٥). وفي العاشرة: قدومُ جريرٍ البَجَليّ (٦)، ونزولُ (٧): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الآية (٨)، وكانوا لا يفعلونه قبلها.

стр. 98

وارتدَّ مُسيلِمةُ الكذَّاب، وادَّعى النُّبوَّة (١)، وحجَّة الوداع التي لم يحج بعد الهجرة غيرها (٢) ونزلت عليه فيها بعرفة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٣) الآية، وخطبَ النَّبيُّ ﷺ فيها، وأوصاهم وودَّعَهم، وقال: "لعلَّكم لا تروني بعد عامي هذا" (٤)، ووقف معه ﷺ فيها مئةُ ألفٍ وعشرون ألفًا (٥). وفي الحادية عشرة: كانت وفاتُه ﷺ بعد شكواه أيامًا شهيدًا، حميدًا سعيدًا، في يوم الاثنين حين اشتدَّ الضُّحى (٦) لليلتين مضتا من ربيعٍ الأوَّلِ عن ثلاثٍ وستين سنة، وعَظُمَ الخظْب، ودَهِشَ جماعةٌ من الصَّحابة، ولم يكن فيهم أثبتَ من أبي بكر الصِّدِّيق، والعبَّاس، وخطب الصِّدِّيقُ النَّاس تاليًا قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ (٧)

стр. 99

فثابتْ قلوبُهم (١)، وسُجِّي ﷺ بِبُرْدٍ حِبرَة (٢)، وجاءت التَّعزيةُ، يسمعون الصَّوتَ ولا يرون الشَّخصَ: السَّلامُ عليكم أهلَ البيتِ، ورحمةُ الله وبركاته، كلُّ نفسٍ ذائقةُ الموت، وإنَّما تُوفَّون أجورَكم يومَ القيامة، إنَّ في الله عزاءً عن كلِّ مصيبةٍ، وخَلَفًا من كلِّ هالك، ودَرَكًا من كلِّ ما فات، فبالله فَثِقُوا، وإياه فارجوا، فإنَّ المُصَابَ مَنْ حُرِمَ الثَّواب، والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركَاته (٣). وغسَّله ﷺ عليٌّ ﵁ في قميصِه الذي مات فيه (٤)، من بئرٍ بقُباء، يقال لها: الغَرْس، كان ﷺ يشربُ منها، بوصيةٍ منه (٥)، وكانت على يدِه خِرقةٌ يُغسِّله بها من تحتِ

стр. 100

القميص، والعبَّاسُ وابناه: الفضل، وقُثَم يقلِّبونه مع عليٍّ (١)، وأسامةُ وشُقران مولياه ﷺ يَصبَّان الماء (٢). وكُفِّنَ في ثلاثةِ أثوابٍ بيضٍ سَحُوليةٍ، ليس فيها قميصٌ ولا عِمامةٌ، أُدرِجَ فيها إدراجًا (٣). و (صلَّى) عليه المسلمون أفرادًا، لم يؤمَّهم أَحدٌ (٤). و (دُفن) في منزلِه الذي توفي فيه -بيتِ عائشة (٥) - وأُلحِدَ له في جانب قبره (٦). و (دخل) قبرَه الأربعة الذين غسَّلوه (٧)، ثمَّ هِيلَ عليه التراب ﷺ .

стр. 101

وفي الكثير ممَّا سبق في هذا الفصل -أو أكثره- اختلافٌ، مشيتُ على ما صُحِّح مع الاختلاف بين المصحِّحين أيضا حسبما يُعلم من المبسوطات. واشتركَ الأنامُ في العزاءِ به. فلم يُصابوا بمصيبةٍ أعظمَ مِنْ فَقدِه ﷺ ، فإنَّه أشفقُ عليهم من أنفسِهم، وأرفقُ بهم في مخْوُفِهم ومُلْبِسِهم (١)، وأحرص على هدايتهم. وأنَصُّ ببيانِ المقتضِى لسعادتِهم. ابتعثه الله سبحانه رحمةً لهم، وقدَّمه للشَّفاعة للمخطئ المُتلوِّث منهم، ففرَّجَ به عنهم الكُروب، وفرَّحَ بالانتسابِ إليه القلوب، وأتحفَ المتوسِّلَ به (٢) بكلِّ مطلوب، وخفَّفَ بذلك عظيمَ الشَّدائد والخطوب، فله الفضلُ في الإسعادِ بالانتماءِ إليه، إذ لا حولَ ولا قوةَ إلا بالتَّوكُّلِ عليه. - ولقد كانَ ﷺ كاملَ الأوصاف، شاملَ الأفضالِ والإنصاف، فَخَلْقُهُ سليم،

стр. 102

وخُلُقُهُ عظيم (١)، أحسنُ النَّاس خَلْقَاً (٢) وخُلُقُاً (٣). وأَبْيَنُ عندَ الاضطراب والإلباس، فضلًا عن الإيناس، لفظًا ومنطقًا. ليس بالطَّويلِ ولا بالقصير (٤)، بل هو في العَدْلِ والاعتدال، لا شبيهَ له ولا نظير. بَعيدُ ما بين المَنْكبين (٥)، شديدُ البذل؛ فلا يدَّخر الفاني، ولا يقبضُ عليه باليدين (٦)، يُجيب الدَّعوة (٧)، ويقبلُ الهدية وإنْ قلَّت، ولا يُخيِّب العبدَ والأَمَةَ والمسكين فيما

стр. 103

التمسَ منه (١) من النَّوازلِ التي أَعلَّتْ (٢)، بل يجالسُ الفقراءَ ويُؤاكلهم (٣)، ويؤانسُ الغرباءَ وبالجميلِ يُعاملهم (٤)، يتفقَّدُ مَنْ غابَ مِن أصحابه (٥)، ويتَردَّدُ إليهم بالعيادة حتى لمَنْ لم يكنْ من أتباعِه وأحبابه؛ للتَّرجي لهدايته، والتَّوخِّي للاقتداءِ به (٦). في مزيدِ تواضعِه مع سيادته: يَخْصِفُ (٧) لتواضعِه النَّعل (٨)، ويُنْصِفُ من نفسه

стр. 104

للرَّغبة في أوفرِ العدل (١)، ويَرقعُ الثَّوبَ ويَخِيطُه، ونعليه، ويرفعُ معه على دابَّته المملوك (٢)، ويلاطفُ الصغير (٣)، بل والسَّفيهَ بحيث يُلينُ الخطابَ لمن يصفُه بقوله: "بِئسَ أخو العَشيرة" (٤)، ويتحمَّلُ ما يتعلَّقُ بخاصَّةِ نفسِه؛ إلا أَنْ تُنتهكَ حُرُماتُ الله الصَّغيرةُ فضلاً عن الكبيرة (٥). ولا يطوي عن أحدٍ بِشرَه (٦)، بل يُداعبُ ويمزحُ من غير انتهاءٍ لما يُكره (٧).

стр. 105

مأمونٌ في السُّخط والرِّضا (١). ميمونٌ في المَضيق والفَضا. إلى غير هذا ممَّا يحتملُ مجلَّدات، وتشتملُ عليه تصانيفُ متعدِّدات، وبالجملةِ فقد جمعَ الله لنبيِّه ﷺ كمالَ الأخلاق، ومحاسنَ الشِّيَم والسِّياسةَ التَّامَّة، المنتشر في الخافقين بها العِلم، وآتاه علمَ الأوَّلين والآخرين (٢)، ووافاه بما فيه النَّجاةُ في الآخرةِ لأتباعِه، ولو كانوا مِثلي مُقصِّرين. قال البراءُ: رأيتُه في حُلَّةٍ حمراءَ، فلم أرَ شيئًا قطُّ أحسنَ منه (٣). وقال أنسٌ: ما مسِسْتُ ديباجًا ولا حريرًا ألينَ من كفِّه، ولا شمِمتُ رائحةً قطُّ أطيب من رائحته (٤). وكان أبو بكر ﵁ إذا رآه يقول:

стр. 106

أمينٌ مُصطفًى بالخيرِ يدعو … كضوءِ البدرِ زَايلَهُ الظَّلامُ (١) وعمر ﵁ ينشد لغيره: لو كنتَ من شيءٍ سوى بشَرٍ … كنتَ المضيءَ لِلَيلةِ البَدْرِ (٢) وعمُّه أبو طالب: وأبيضَ يُستسقى الغَمامُ بوجهِه … ربيعُ اليتامى عِصمةٌ للأراملِ تُطيفُ به المُلَّاك من آل هاشمٍ … فهم عندَه في نعمةٍ وفَواضلِ وميزانُ حقٍّ لا يَخِيسُ شعيرةً … وَوِزَانُ عدلٍ وزنُه غيرُ عائلِ (٣) وكان له ﷺ مِنَ الأعمامِ والعمَّات (٤): العبَّاسُ، وحمزةُ، وعاتكةُ (٥)، وأروى (٦)، وأميمةُ (٧)،

стр. 107

وصفيةُ (١)، وكلُّهم ممَّن أسلم (٢)، أبو طالبٍ عبدُ مَناف (٣)، وأبو لهبٍ عبدُ العزَّى (٤)، وأبو الطاهر الزُّبير (٥)، وحَجلة -واسمه المغيرةُ- وضِرارٌ، والحارثُ (٦)، وقُثَم (٧)، والغَيداق - واسمه مصعبٌ أو نوفل (٨) - وعبدُ الكعبة (٩)، والمقوّم، والعوَّام، وأمُّ حَكيم البيضاءُ (١٠)،

стр. 108

وبَرَّة (١). فهؤلاء تسعةٌ من الرِّجال والنِّساء (٢). والعوَّام منهم؛ زاده الدِّمياطيُّ (٣). ومن الأولادِ (٤): القاسمُ، وبه كان يُكنى، وزينبُ، ورُقيَّةُ، وفاطمةُ الزَّهراء، وأمُّ كُلثوم، وعبد الله -ويسمَّى الطَّيِّبَ والطَّاهر-، وإبراهيمُ، وهو فقط من سُرّيته ماريةَ ابنةِ شمعونَ القبِطية، وباقيهم من خديجةَ المختصَّةِ بأنه لم يتزوَّجْ عليها (٥). وللثَّانية (٦): عليٌّ، وأمامةُ، ابنا أبي العاص بنِ الرَّبيع بنِ عبدِ شمسٍ (٧). تزوَّج الثَّانية (٨) عليٌّ بعد الزَّهراء، ثمَّ بعد موته: المغيرةُ بنُ نوفل (٩)، فولدت له يحيى (١٠).

стр. 109

وللثَّالثة (١): عبدُ الله بنُ عثمانَ بنِ عفَّان، مات صغيرًا، وبعد موتِها، تزوَّجَ عثمانُ الخامسة، ولذا لُقِّب ذا النُّورين (٢). وللرَّابعة (٣): من عليٍّ، التي لم تتزوَّجْ غيرَه: الحسنُ، والحسينُ، ومحُسِّنٌ، وأمُّ كلثوم، وزينبُ. فمُحسِّنٌ مات صغيرًا، وأم كلثوم: تزوَّجها عمرُ بنُ الخطَّاب، فولدت له زيدا، لا عقِب له. وزينبُ تزوَّجها عبدُ الله بنُ جعفرِ بنِ أبي طالب، فولدت له عليًا، وله عَقِبٌ (٤). والنَّسلُ الكريم، والفخرُ الجسيم، والشُّرف العظيم، من الحسنين. ولم يتأخَّر عن النَّبيِّ ﷺ من أولاده سوى أمِّهما الزَّهراءِ التي هي ممَّا امتازت بالتَّنصيص عليه: "بَضعةٌ منه" (٥)، وعاشت بعده نصف سنة (٦). -ومن الزَّوجات- المرويِّ عنه ﷺ أنَّه ما تزوَّج منهنَّ واحدة، ولا زوَّجَ (٧) أحدًا من

стр. 110

بناته إلا بوحيٍ (١) -أمُّ هندٍ خديجةُ ابنةُ خويلد (٢)، ثمَّ أمُّ الأسود سَودةُ بنتُ زمعةَ (٣)، ثمَّ أمُّ عبدِ الله عائشةُ ابنةُ الصِّدِّيق التي لم يتزوَّجْ بِكرًا غيرَها (٤)، ثمَّ حفصةُ ابنةُ الفاروق أبي حفصٍ عمرَ بنِ الخطَّاب (٥)، ثمَّ أمُّ المساكينِ زينبُ ابنةُ خُزيمة (٦)، واشتركت مع الأولى والتَّاسعة في موتِهنَّ في حياتِه، ثمَّ أمُّ سلمةَ هندُ ابنةُ أبي أُميَّة (٧)،
следующие страницы →