← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1050

التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة - ط مركز دراسات المدينة

السخاوي

Полный текст (4 406 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

مضى في: ابنِ إبراهيمَ بنِ أبي عمروٍ. (١٨٣٦). ٢٠٤١ - عبدُ الله بنُ عمرَ بنِ حفصِ بنِ عاصمِ بنِ عمرَ بنِ الخَطَّابِ، أبو عبدِ الرَّحمنِ العدَوِيُّ، العُمَريُّ، المدَنيُّ (١). مِن أهلِهَا. أخو عبيدِ الله، وعاصمٍ، وأبي بكرٍ، وأحدُ أوعيةِ العلمِ، وكانَ -كما لابن أبي الدُّنْيَا- يكنَّى: أبا القاسمِ، فتَرَكَهَا، واكتَنَى أبا عبدِ الرَّحمنِ. يروي عن: أخِيهِ، وسعيدٍ المَقبُريِّ، ونافعٍ، والزُّهريِّ، وأبي الزُّبيرِ، ووهبِ بنِ كَيْسَانَ وطائفةٍ، وعنه: وكيعٌ، وابنُ وهبٍ، وسعيدُ بنُ أبي مريمَ، والقَعنبيُّ، وإسحاقُ الفرويُّ، وأبو جعفير النُّفيليُّ، وعبدُ العزيزِ الأويسيُّ، وأبو نُعيمٍ، وأبو مُصعبٍ، وخلقٌ. وكان صالحًا عالمًا، خيِّرًا، صالحَ الحديثِ. قالَ أحمدُ (٢): لا بأسَ بهِ، كانَ رجلًا صالحًا؛ لكنَّهُ كانَ يزِيدُ في الأسانيدِ، ويخالفُ. كان يُسألُ في حياةِ أخِيهِ عبيدِ الله عنِ الحديثِ، فيقولُ: أمَّا وأبو عُثمانَ - وهي كنيتُهُ- حيٌّ فلَا. وكذا قالَ ابنُ عَدِيٍّ (٣): لا بأسَ بهِ في رواياتِهِ، ولا يلحقُ أخاهُ. وقالَ العِجْلِيُّ (٤): لا بأسَ بهِ في رواياتِهِ. وقالَ ابنُ مَعِينٍ (٥): صويلحٌ، ومرَّةً: صالحٌ، ثقةٌ.

стр. 1647

وقالَ ابنُ المدِينِيِّ: ضعيفٌ، وقالَ النَّسائيُّ (١): ليس بالقويِّ. وقد روى له مُسلمٌ (٢) متابعةً فإنَّهُ لا يبلغُ حديثُهُ درجةَ الصِّحةِ. وذُكر في "التهذيب" (٣)، و"ضعفاء العُقيلي" (٤)، وابنِ حِبَّانَ (٥). ماتَ بالمدينةِ سنةَ إحدى وسبعينَ ومئةٍ على الصَّحِيحِ، وقيلَ: سنةَ اثنتينِ، وقيل: ثلاثٍ. وأوردَ يعقوبُ بنُ شيبةَ في "مسنده" له حديثًا، فقالَ: هذا حديثٌ حسنُ الإسنادِ، مَدنيٌّ، وقالَ في موضعٍ آخرَ: هوَ رجلٌ صالحٌ، مذكورٌ بالعلمِ والصَّلاحِ، وفي حَديثِهِ بعضُ الضَّعفِ والاضطِرابِ، ويَزيدُ في الأسانيدِ كثيرًا. ٢٠٤٢ - عبدُ الله بنُ عمرَ بنِ الخطَابِ بنِ نُفَيلِ بنِ عبدِ العُزَّى، أبو عبدِ الرَّحمنِ القُرشيُّ، العَدَوِيُّ (٦). الصحابيُّ، وابنُ الثَّاني في الفَضيلةِ بعدَ رسولِ اللهِ ﷺ ، وشقيقُ حفصةَ أمِّ المؤمنينَ ﵃. أمُّهما زينبُ ابنةُ مظعونِ بنِ حبيبِ بنِ وهبِ بنِ حُذافةَ بنِ جُمح، وسمَّاهَا ابنُ حِبَّانَ رَيطة (٧)، وله مِنَ الأولادِ عبدُ اللهِ، وعبيدُ اللهِ، وعاصمٌ،

стр. 1648

وحمزةُ، وبلالٌ، وواقدٌ، سوى البناتِ (١). وكان أحدَ الأعلامِ في العلمِ والعَمَلِ، هاجرَ بهِ أبوهُ قبلَ أنْ يحتلمَ، واستُصغِر عن أُحدٍ، وشَهدَ الخندقَ، وما بعدَهَا، وذكرَهُ مُسلمٌ (٢) في المدنيين. وروى عن: النَّبيِّ ﷺ عِلمًا كثيرًا، وعنِ الشَّيخينِ، وغيرِهمَا من السَّابِقين، وروَى عنهُ: بنوهُ حمزةُ، وسالمٌ، وبلالٌ، وزيدٌ، وعبدُ اللهِ، وعبيدُ اللهِ، ومولياه: نافعٌ، وعبدُ اللهِ بنُ دينارٍ، وخلقٌ. وترجمتُهُ تَحتمِلُ كراريسَ، وهو ممَّن شهدَ فتحَ مصرَ، والغَزوَ بفارسٍ، وقال له عثمانُ: اقضِ بينَ النَّاسِ. قال: أوَ تعفِينِي يا أميرَ المؤمِنِينَ؟، قال: فما تكرهُ منهُ، وقدْ [كان] أبوكَ يقضِي!؟ قال: إني سمعتُ رسول اللهَ ﷺ يقول (٣): "مَنْ كانَ قاضياً؛ فقضَى بالعدلِ؟ فبالحِرَى أن ينْفَلِتَ منهُ كَفَافًا"! فما أرجُو بَعدَ ذلَكَ؟! ولما قُتلَ عثمانُ جاءَ عليٌّ إلى ابنِ عمرَ، فقالَ: إنَّكَ محبوبٌ إلى النَّاسِ، فسرْ إلى الشَّامِ، فقدْ أمَّرتُكَ عليهِمْ، فقالَ: أُذَكِّركَ اللهَ وقرابتِي، وصُحبَتِي النَّبيَّ ﷺ ، والرَّحمَ التي بيننا، فلمْ يعاودْهُ. وفي روايةٍ: أنَّ ابنَ عمرَ استعانَ عليهِ بأختِهِ حفصةَ، فأبى، فخرجَ ليلًا إلى مكَّةَ؛

стр. 1649

فقِيلَ لهُ: إِنَّه خرجَ إلى الشَّامِ، فبعثَ في أثَرِهِ، فبَانَ أنَّهُ إنَّمَا خرجَ لمِكَّةَ. ولمّاَ قالَ مُعاويةُ بحضرتِهِ: مَنْ أحقُّ بهذا الأمرِ مِنَّا؟ أرادَ أنْ يقولَ: أحقُّ بهِ مِنكَ مَنْ ضربَكَ عليهِ وأباكَ، ثُمَّ خَشيَ الفتنةَ، فسكتَ، وذكرَ ما أعدَّ اللهُ في الجِنَانِ. وقالَ لهُ رجلٌ: مَا أحدٌّ شرٌّ لأمَّةِ محمَّدٍ ﷺ مِنْكَ! قالَ: ولمَ؟ قالَ: لأنّكَ لو شئْتَ ما اختلفَ فيكَ اثنانِ. قالَ: ما أُحبُّ أنَّها أتتْنِى ورَجلٌ يقولُ: لا، وآخرُ يقولُ: بلى. وقَدِمَ حَاجًّا فدَخَلَ عليهِ الحجَّاجُ، وكانَ الخليفةُ أمرهُ أنْ يقْتَدِيَ بهِ، وقدْ أصابهُ زُجُّ (١) رُمحٍ، فقالَ [الحجَّاجُ]: مَنْ أصابَكَ؟ قال: أَصَابَنِي مَنْ أمرتموهُ بِحملِ السِّلاحِ في مَكانٍ لا يحلُّ فيهِ حملُهُ (٢). وكانَ مِمَّنْ يصلحُ للخِلَافَةِ، فعُيِّنَ لذلكَ يوم الحكمَينِ معَ وجودِ الإمامِ عليٍّ وفاتحِ العراقِ سعدٍ، ونحوِهِمَا. واعتزَلَ في الفِتنِ عنِ النَّاسِ، وكانَ مولدُهُ قبلَ الوحيِ بسنةٍ، وماتَ بمكَّةَ سنةَ أربعٍ وسبعينَ على الصَّحِيحِ عنْ أربع وثمانِينَ. وأوصَى عِندَ موتِهِ أنْ يُدفنَ خَارجَ الحرَمِ، فلمْ يُقْدَرْ على ذلك مِنَ الحجَّاجِ، فَدُفِنَ بفخٍّ (٣) في مقبرةِ المُهاجرينَ، بعدَ أنْ صلَّى عليهِ الحَجَّاجُ، وحديثُهُ في "السِّتةِ"،

стр. 1650

وذُكرَ في "التهذيب (١) وأوَّلِ "الإصابة" (٢) ٢٠٤٣ - عبدُ اللهِ بنُ عمرَ بنِ عليِّ بنِ عَدِيٍّ العَبَليُّ (٣). مِنْ بنِي العبَلاتِ، بمهملةٍ ثُمَّ موحَّدَةٍ: بطنٍ مِنْ بنِي عبدِ شَمسِ بنِ عبدِ منافٍ. يروي عن: عبيدِ بنِ حنين (٤) مولى الحكمِ بنِ أبِي العاصِ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ عمروِ بنِ العاصِ، عنْ أبِي مُويهبَةَ مولى النَّبِيِّ ﷺ في استغفارِهِ لأهلِ البَقِيعِ. وأخرجَهُ أحمدُ (٥) أيضًا مِنْ طَريقِ يَعلَى بنِ عطاءٍ، عنْ عُبيدٍ، عن أَبِي مويهبةِ، لمْ يَذْكُرْ عبدَ اللهِ بنِ عمروٍ، وهو في الجزءِ الثالثِ مِنْ "مُسندِ الكوفيينَ" مِنْ وجهينِ: عن محُمَّدِ بنِ إسحاقَ صاحبِ المغازي هكذا. وأخرجَ الحديثَ الحاكمُ (٦) منْ طريقِ ابنِ إسحاقَ، فقالَ: حدثنِي عبيدُ اللهِ بنُ عمرَ بنِ حفصٍ. وعندَ يونسَ بنِ بُكيرٍ في "المغازي" عن: ابنِ إسحاقَ حدثني عبدُ اللهِ بنُ عمرَ بنِ ربيعةَ. وذكرهُ ابنُ حِبَّانَ في الطَّبقةِ الثَّالثةِ من "ثقاته" (٧)، فقال: عبدُ اللهِ بنُ عمرَ

стр. 1651

العَبشميُّ، عدادُه في أهلِ المدينةِ، ولم يترجِمْ له الحسينيُّ، ولا مَنْ تبعهُ، ولا ذكَرُوا الرَّاويَ عنهُ عبيدَ بنَ حنينٍ. ٢٠٤٤ - عبدُ اللهِ بنُ عمرَ ابنِ البعليِّ (١). منْ أهلِ المدينةِ. يروي عنْ: عبيدٍ مولى الحكمِ بنِ أبِي العاصِ (٢) عن: ابنِ عمروٍ (٣)، وعنه: ابنُ إسحاقَ. قالهُ ابنُ حِبَّانَ في ثالثةِ "ثقاته" (٤). ٢٠٤٥ - عبدُ الله بنُ عمرَ بنِ عيَّاذٍ الأنصاريُّ، المدَنيُّ. أخو عبدِ الواحدَ. كانَ محبًا (٥) في خِدمةِ الفقراءِ، مسارعًا إلى قضاءِ حوائجِ الإخوانِ، محُبَّبًا إلى النَّاسِ. قالهُ ابنُ فرحونٍ (٦). ٢٠٤٦ - عبدُ اللهِ بنُ عمرَ ابنِ المحبِّ محمِّدٍ الزَّرَنْدِيُّ. سمعَ على: الجمالِ الكازَرُونيِّ، وأبِي الفتحِ المراغيِّ. ٢٠٤٧ - عبدُ اللهِ بنُ عمرَ بنِ موسَى أبو مُحمَّدٍ البَسْكريُّ، المِغْراويُّ (٧).

стр. 1652

الشيخُ الصَّالحُ، الوليُّ الربانيُّ. كانَ في بلادِهِ مِنْ أكابرِهَا في النَّسبِ، ومِنْ أعيَانِهَا في المالِ والحسَبِ (١)، فخرجَ عنْ ذلكَ كلِّهُ، وانقَطَعَ إلى اللهِ ورسولِهِ، وخرجَ مجرَّدًا فقيرًا، وصحبَ مشايخَ وقتِهِ بشرقِ البلادِ وغربِهَا، كالشيخِ أبِي محُمَّدٍ عبدِ اللهِ بنِ محُمَّدٍ المرجانيِّ (٢)، وغيرِه، ونَقلَ عنِ المرجانيِّ أنّهُ كانَ يقولُ: لا يجوزُ استنباطُ معنى مِنْ لفظٍ إلَّا بخمسةِ شروطٍ: -أنْ لا يُخلَّ بالفصاحةِ،-ولا بالمعقولِ،-ولا بالمنقولِ،-وأنْ يكون اللَّفظُ يَحتملهُ،- وأنْ يؤخذَ مِنْ روحانيةِ ذلكَ اللَّفظِ. قالَ: واحترزنَا بالأخِيرِ عنْ أنْ يُؤخذَ مِنْ معنى يُشبِهُهُ، مثالهُ: ماءُ الوردِ وماءُ النِّسرينِ (٣) فكلاهما مشتَبِهٌ، ولكلٍّ منهما خاصيةٌ. ثُمَّ أوى إلى المدينةِ الشَّريفةِ في وقتٍ شديدٍ، على قدمِ التَّجريدِ، فأقامَ أولًا بالمدرسةِ الشِّهابيةِ مدةً، ثُمَّ انتقلَ إلى رِباطِ دكالةَ، ومعهُ جماعةٌ مِنْ أهلِ المجاهدةِ

стр. 1653

والصَّبرِ، فمكثَ بهِ سِنينَ لا يُعلمُ بحالِهِ، ولمْ يتعرَّضْ لزوجةٍ ولا ولدٍ، بلْ كانَ هو وأصحابُهُ يطوونَ الايَّامَ على غيرِ شيءٍ من الطَّعامِ. قالهُ ابنُ فرحونٍ (١). قال: وأخبرنِي بعضُ خُدَّامِهِ آنهُ كانَ لهُ أصحابٌ مغاربةٌ، مثلُ يوسفَ وحسنٍ الخولانيينِ، ومحُمَّدٍ المكناسيِّ، إذا جاؤوا مِنْ عملهِمْ في الحدائِقِ حَملُوا معهُم شيئًا مِن رُمامِ البُقولِ الذي لا يصلحُ إلَّا للدَّوابِّ كالسِّلْقِ وبقايا اللِّفتِ، وما أشبههُما، فيأخذُهُ خادمُهمْ، فيسلقُهُ، ويضعُهُ في قَصعةٍ إلى أنْ يفرغُوا مِنْ صلاةِ العشاءِ، فيقدِّمُهُ لهم وهمْ صائمون، فيأخذُ كلٌّ منهم كِفايتَهُ، وما فضلَ منهم أخذَهُ الخادمُ، ورماهُ خارجَ بابِ المدينةِ؛ لتأكلَهُ البهائِمُ، واستمرَّ على ذلك سِنينَ لا يعملونَ غيرَه إلّا في النَّادرِ، حتَّى فطِنَ بهم بعضُ النَّاس، فكان يأتِيهِم بشيءٍ من الأعْشارِ، كعُشرِ الشَّعيرِ والتَّمرِ، منهم سنجرُ تركيُّ الأميرِ جمَّارٍ، وأبو شميلةَ الدَّارانجيُّ، فترفَّعَ حالُهُم، وكثُرَ أتباعُهم، ومالَ النَّاسُ إليهم لما رأَوْا من خيرِهِمْ واعتزالهِم، ثُمَّ قصدهُم الخدَّامُ، وصحبُوهمْ. واشتُهرَ في البِلادِ ذكرُ صاحبِ التَّرجمةِ، فكانَ يُقصد مِنَ البلادِ البعيدةِ، كاليمنِ وغيرِها، ويبسُطُ يدَهُ بالإنفاقِ، حتَّى كانَ لا يدَّخِرُ شيئًا، ولا يرُدُّ فَقيرًا، ولا يَبِيتُ على معلومٍ. كانَ إذا قدِمَ عليهِ أحدٌ مِنْ مكَّةَ أضافَهُ ووانسَهُ، ثُمَّ يقولُ لهُ: ارفعْ طرفَ الحصيرِ، فيرفَعُهُ، فما وجدَ تحتَه فهو لهُ، كثيرًا كان أو قليلًا. وإذا أطعمَ الفقراءَ لم يَدعْ في بيتِهِ قمحًا ولا سَمْنا ولا عَسلًا، بلْ يعملُ لهمْ

стр. 1654

الجميعَ، حتَّى إنّه عَمِلَ يومًا للفقراءِ طعامًا، ولم يجدْ لهُ أُدمًا غيرَ برنيّة شرابٍ أهدِيتْ لهُ لمرضٍ كانَ بهِ، فأمرَ بصبِّهَا وائتِدَامِهم بها. وظَهرتْ لهُ في النَّاسِ كراماتٌ، وأخبارٌ بالمُغَيَّبَاتِ (١)، حتَّى انعطفَ النَّاسُ عليهِ لِعلمِهِ وعَملِهِ، وكَرَمِهِ وحسنِ خُلقِهِ، وكانَ مع ذلك مَهِيبًا في جماعتِهِ، بل في الحرمِ كلِّهِ. قال لي منْ أثقُ بهِ: إنَّهُ كانَ إذا دخلَ المسجدَ خضعَ لهُ كلُّ من فيهِ مِنْ كبيرٍ وصغيرٍ، ومتى رأى مُنكرًا غيَّرَهُ بلسانِهِ أو بيدِهِ، ولا يأتِيهِ مظلومٌ إلّا شَفعَ لهُ، فإنْ أجيبَ، وإلَّا عُجِّلتْ عقوبةُ الظالمِ في الوقتِ. أخبرني مَنْ أثقُ بهِ: أنَّ الشَّيخَ أبا العلاءِ إدريسَ تكلَّمَ بكلامٍ وصلَ إلى الأميرَ جمَّازٍ، فغضِبَ عليهِ، وأمَرَ بإخراجِهِ مِنَ المدينَةِ، وذلكَ أنَّ شيخَ الخُدَّامِ في وقتِهم كان يُحسن إليهِ، وإلى سائرِ المُجاورين، ويفرِّقُ عليهم من السَّنةِ قدرَ كفايَتِهم وعِيالهِمْ، وكان شيخُ الخدَّامِ يومئذٍ يجرِي في الأوقافِ مجرَى أهلِ المدينةِ في مغارساتِهِمْ ومُعاملاتِهِم على جاري العادةِ في المدينةِ وأحكامِ قُضاتِهَا، ولهم عادةٌ في المغاربةِ غيرُ جائزةٍ بإجماعٍ منَ الأئمَّةِ، والأملاك لا تُعمرُ إلّا بها، ولا يرغبُ في خدمتِهَا إلّا مَنْ يأخذُها بذلك، فبلغَ ذلكَ أبا العلاءِ المذكور وكان مِنَ الوَرِعينَ

стр. 1655

الزَّاهدينَ- فلمَّا جاء وقتُ تفرقةِ التَّمرِ على المجاورِينَ، أرسلَ إليهِ بِنصِيبِهِ على العادةِ، فتورَّعَ وردَّه، فجاءَهُ الشَّيخُ، وقال له: لأيِّ شيءٍ تردُّ (١) التَّمرَ وأنتَ لم تَزَلْ تأخذُهُ؟! فإذا كُنتَ غنيًا عنهُ صرفتَهُ على مُستحِقِّيهِ، ولا تردَّهُ في وجهِي، فقالَ له: أنتَ خالفتَ في الأوقافِ (٢) المعاملةَ الشَّرعِيَّة، وعملتَ فيهَا بمَا لا يجوزُ، وأدخلتَ علينا الشُّبهةَ فيما تتناولُهُ مِنها، وهذا لا يجوزُ لكَ، ولا يحِلُّ لنَا أن نأخذَهُ مِنكَ، فاشتدَّ عليهِ كلامُه، وكونُ ذلك يُنقَلُ عنه، وكانوا يَغارُون على عِرضهِم ودِينهِم مِن مِثلِ هذا ودونِهِ، وكأنَّه شكى حالَهُ معهُ إلى الأمِيرِ جمّاز، وكان بينهُ وبينَ الشُّرفاءِ خُلَّةٌ وصحابةٌ أكيدةٌ، فاغتاظَ الأميرُ، وأمرَ بإخراجِ أبي العلاءِ منَ المدينةِ، فبلغَ ذلكَ صاحبَ التَّرجمةِ والجماعةَ، فعزَّ عليهِمْ، وأرسلَ إليهِ صاحبُ التَّرجمةِ؛ ليترَكَ له صاحبَه، ولا يُشدِّدَ عليهِ، ويردَ الأميرَ عنه، فلمْ يفعلْ، فقِيلَ لِي: إنَّهُ بعثَ إليهِ جماعةً مِنْ أصحابِهِ بعدَ العشاءِ، فدخلُوا عليهِ بيتَهُ، فوجدُوهُ مضطجِعًا على سريرِهِ، فوقَفُوا بين يديْهِ كاشفينَ عنْ رؤوسِهِم في الاستغفارِ، فغَفلَ عنهُمْ، فنَامَ وعليهِ النَّومُ (٣)، فما استيقظَ حتَّى ذهبَ جانبٌ من الليل، فوجدهُمْ قيامًا على حالهِم، فعزَّ عليهِ، وقالَ: اذهبُوا حتَّى يأتِيَني هو بِنفسِهِ أو نحوَ ذلكَ، فرجعُوا

стр. 1656

بدونِ قضاءِ حاجةٍ، فأخبرُوا صاحبَ التَّرجمةِ بذلك، فاغتاظَ، وخَرجَ لصلاةِ الصُّبحِ، فاجتمعَ بالقويضيِّ ابنِ أبي النَّصرِ (١) مُفتِي الإماميَّةِ وشيخِهِم، وكان يَعتقِدُ في صاحِبِ التَّرجمةِ، فحكَى له الحِكايةَ، فجاءَ إلى شيخِ الخدَّامِ، فكلَّمهُ، فأنعَمَ لهُ، وقبِلَ شفاعتَهُ، ثُمَّ جاءَ، فأعلَمَ صاحبَ التَّرجمةِ بذلكَ؛ ليَكون لهُ عليهِ بذلكَ يدٌ، فلمَّا خرجَ جمعَ صاحبُ التَّرجمةِ أصحابَهُ، وحكَى لهمْ ما جَرَى مِنْ شيخِ الخدَّامِ في عدمِ قبولِ الفُقراءِ، وقبولهِ ابنَ أبِي النَّصرِ، فتغيَّرتْ خواطرُهم عليهِ؛ فمرِضَ مِنْ حينِهِ، واشتكَى حتَّى طلبَ مِنهم المحاللةَ والرِّضَى، فنفَذَ فيهِ السَّهم، وانقضَى الأمرُ، فقضَى. وأخبرني الجمالُ المطريُّ -وكانَ مُلازمًا خِدمتَهم؛ لأنَّ مسكنَهُ في الحجرةِ التي عِندَ بابِ رباطِهم- أنَّ صاحبَ التَّرجمةِ لمّا دخلَ مكَّةَ، قصدَ زيارةَ النَّجمِ الأَصبهانيِّ (٢)، فلمَّا جلسَ إليهِ أرادَ أنْ يسألهُ عنِ اسمِهِ، فبادرَهُ وقالَ: اسمِي مَكتوبٌ بينَ عَيْنيكَ، ففَهِمَ مقالَهُ، وأنَّه كاشفَهُ (٣)، وأنَّ اسمَهُ -كاسمِهِ- عبدُ اللهِ. واتفقَ أنَّنِي لمَّا عزمتُ على التَّوجُّهِ لمكَّةَ مِنْ طريقِ الماشِي في حالِ الشُّبوبيَّةِ سنةَ عشرٍ وسبعِ مئةٍ ظنًا جاءَ أبي إليهِ، وأعلمَهُ بذلكَ، فأمرَهُ أنْ يرسلنِي إليهِ، فجِئْتُهُ، فقال لِي: بَلغنِي أنَّكَ تُريدُ مكَّةَ؛ فقلتُ: نعمْ؛ لأجلِ العُمرةِ في رمضانَ، فقال لي:

стр. 1657

مَنْ رُفقتُكَ؟ فذكرتُ لهُ جماعةً من الفرَّاشينَ وغيرِهمِ، فقالَ لي: ليسَ في هؤلاءِ مَنْ هو مِنْ جنسِكَ، ولا مَنْ تليقُ بك مرافقتُهُم، ولكنِ اصبرْ قليلًا حتَّى ننظُرَ لكَ رفقاءَ، فقلتُ له: قد ضاقَ الوقتُ، ومضى أكثرُ رمضانَ، فقال لي: اسمعْ ما أقولُ لكَ، فذهبتُ عنهُ ووثقتُ بوعدِهِ، فما كان إلَّا قليلًا، ووردَ الشَّيخُ: محُمَّدُ بنُ عمرَ ابن الخضريِّ، وجماعةٌ من الصَّالحينَ للزِّيارةِ، فدعانِي الشَّيخُ، وقال: سافِرْ معَ هذا، فسافرتُ معهُم، فرأيتُ منهُ ومِنْ أصحابِهِ مِنَ الخِدمةِ والمُؤانسَةِ ما لو كان والدِي معِي لم يبلُغْهُ، ولم أحملْ معهُم سِوى عَصايَ، فدخلتُ مكَّةَ ليلةَ ثامنَ عِشري رمضانَ، وخرجتُ يومَ العيدِ متوجِّهًا إلى المدِينةِ معَ الشيخِ الصَّالحِ محمودٍ اللّاَريِّ ذي الأخلاقِ الحميدةِ، والمعاشرةِ الجميلةِ، والدِّيانةِ التَّامَّةِ، والمبادرةِ لانتظارِ الصَّلاةِ مِنْ أوَّلِ الوقتِ، فصحبتُهُ بإشار الشَّيخيْنِ أبوي عبدِ اللهِ النَّحويِّ، والشَّريفِ الفاسيِّ، فكانَ نِعمَ الصَّاحبُ، ووصلتُ المدينةَ في ستَّةِ أيَّامٍ، وَكان ذلك كلُّهُ بِبَركَةِ رأيِ صاحبِ التَّرجمةِ، وخاطرِ والدِي. وكانَ صاحبُ التَّرجمةِ قدْ ابتُليَ في آخرِ عُمرهِ بالبواسيرِ، وانقطَعَ في بيتِهِ لذلك، ولزِمَ حجرتَهُ، وقاسى مِنهُ مقاساةً شديدةً، بِحيثُ كان يقولُ: لو جازَ لي سؤالُ الموتِ لسألتُهُ منْ شِدَّةِ ما قاسَى. ولهُ مِنَ المناقِبِ والأحوَالِ العليَّةِ ما لا أُحصِيهِ، وهو صاحبُ القَصيدَةِ الجليلةِ السَّائرةِ المباركةِ التِي أوَّلهُا: دارُ الحبيبِ أحقُ أنْ تهواها … وتحنَّ من طَرَبٍ إلى ذِكْرَاها ورأى بعضُ الصَّالحين -وأشكُّ أهو صاحبُها أو غيرُه؟ - النَّبيَّ ﷺ في المنام،

стр. 1658

فأنشدَه إياها، فلمَّا بلغَ آخرَها، وهو قولُه: والحمدُ للهِ الكريمِ وهذهِ … كمُلتْ وظنِّي أنَّه يَرضاها (١) قال ﷺ : رضينَاها رضِيناهَا. ومِمَّنْ أخذَ عنهُ: عبدُ الواحدِ الجُزوليُّ الآتي. وذكرهُ المجدُ، فقال (٢): الشيخُ أبو مُحَمَّدٍ، ذو المقاماتِ الفاخرةِ، والكراماتِ الظَّاهرةِ، والولايةِ العليَّةِ، والعِنايةِ الجليَّةِ، والزَّنْدِ الوَريِّ بالأنوارِ، والقلبِ الرَّويِّ بالأسرارِ، كانَ أعبدَ مشايخِ أهلِ عصرهِ وأزهدَهُمْ، وأقدرَهُم على الرِّياضةِ وأجهدَهُم (٣)، وأعلاهُم في الطَّريقِ غايًا (٤)، وأجلاهُم في التَّحقِيقِ آيًا. أَعرضَ عنْ طريقِهِ وتِلادِه (٥)، وسافرَ عن ديارِه وبلادِه، وهاجرَ إلى اللهِ على قدمِ التَّجريدِ، وانقطعَ بإخلاصِهِ إلى عالمِ التَّحقيقِ والتَّفريدِ. شرَّقَ البلادَ وغرَّبَ، وخَبَرَ العبادَ وجرَّبَ، وصحِبَ المشايخَ المحقِّقِينَ، وانتفعَ بِجماعةٍ منْ أربابِ اليقينِ، ثُمَّ

стр. 1659

انضوَى إلى المدينةِ بنيَّةِ الجِوارِ، وأَلقَى بِفِنائِهِ عَصَى التِّسيارِ، وصادفَ ورودُهُ زمانَ شِظاف، وكَلَبَا حَكَى مِنهُ المزارعُ طرافَ عصاف (١)، فأقامَ بالمدرسةِ الشِّهابيةِ مدةً، ولم يكنْ لهُ غيرُ التَّوكُّلِ عُمدةً وعدةً، ثُمَّ انتقلَ إلى رِباطِ دُكالةَ، النَّفسُ غيرُ حريصةٍ ولا أكَّالةٍ، فمكثَ بها سنِينَ لا يعلمُ بِهَا أحدٌ حالَهُ، وفي خدمتِهِ جماعةٌ من المجاهدينَ، صارعُونَ الطَّوى، ويقارعونَ البَلَا، كأزهَدِ الزَّاهدينَ، يطوُونَ مراحلَ الأيَّامِ، بقليلٍ مِنَ الطَّعامِ. كان لهمْ فُقراءُ معارفُ عَرفُوا بالآخِرةِ حالَهم، وكانوا إِذَا فرغُوا فِي مَخْن (٢) الحدائقِ أشغالهِم الغيرِ محَمِيَةِ، حملوا لهُم مِنْ سقاطاتِ اللِّفتِ السِّلْقِ المرميَّةِ، ورفات (٣) الجزرِ والبقولِ اللَّحميَّةِ، وأتوابها إليهِمْ، كأنما أنعمُوا بجزِيل منَ النِّعمِ عليهم، فيأخذُهُ خادمُهُم ويسلقُهُ بالماءِ، فإذَا رجعُوا مِنْ صلاةِ العِشاءِ، تَناولُوا مِنهُ لُقَمًا، وما فضَلَ مِنْ ذلكَ أخذهُ الخادمُ، ورمَى بهِ خارجَ البلدِ فتأكلَهُ البهائِمُ. استمرُّوا على ذلكَ أعوامًا، لا يعرفُونَ غيرَ ذلكَ طعامًا ولا إدامًا، فَفَطِنَ لهمْ بعضُ النَّاسِ، فكانَ يأتِيهِمْ بشيءٍ مِنْ عُشر التَّمرِ والشَّعيرِ، ويجتزِئُونَ (٤) بذلكَ بِأيسرَ من اليَسيرِ، إلى أنْ انتشرَ صِيتُهم، واشتَهَرتْ أخبارُهم، وكَثُرَ أتباعُهُم

стр. 1660

ورُوَّادُهُم، والتفَّ عليهِمْ الأعيانُ والخُدَّامُ، وقُصدُوا مِنَ اليمنِ والشَّامِ. وكانَ الشَّيخُ ﵀ يأبَى العَيشَ الرَّغدَ، ولا يدَّخرُ أبدًا شيئًا لغدٍ، ولا يردُّ المسكينَ والفقيرَ، ولا يتَعدَّى في الملبسِ خَلَقَ نَقِير، ويتصدَّقُ بجمِيعِ ما حضرَ مِنَ القليلِ والكثيرِ، فيقولُ للسائلِ: ارفعِ الحصيرَ، وخذْ ما تحتَ الحصيرِ. وإذَا أطْعمَ الفقراءَ أوفى حقَّ الإنعامِ، حتَّى لمْ يدعْ في بيتِهِ البتَّة شيئًا مِنَ الشَّرابِ والطَّعامِ، واشتُهِرَ عنهُ سيرةُ السلفِ الغابرينَ، وكذلكَ عنْ أصحابِهِ الأخيَارِ الصَادقينَ الصَّابرينَ. وكانَ الشَّيخُ ﵀ إذا دخلَ المسجِدَ خَضَعَ لِهَيبتِهِ كلُّ إنسانٍ، وإذَا رأَى مُنكرًا بَادرَ إلى إِنكارِهِ باليَدِ، وإلّا فباللِّسانِ، وكان مِنْ باهِرِ كراماتِهِ أنَّهُ إذا تظلَّمَ إليهِ مظلومٌ شفعَ لهُ، فإنْ شُفِّع فيهِ وإلَّا لحقَ الظالمَ في الحِينِ منهَا عقوبةُ ما فعلَهُ. وفي الجملةِ فلهُ المناقبُ السنيَّةُ، والمراتبُ العليَّةُ، ولهُ القصيدةُ المباركةُ المشهورةُ التي منهَا (١): دارُ الحبيبِ أحقُّ أنْ تهواها … وتحنَّ من طَربِ إلى ذِكْراها والحمدُ لله الكريم وهذه … كَمُلَتْ وظنِّي أنّه يَرضَاها رأَى بعضُ الصَّالحينَ النَّبِيَّ ﷺ في المنامِ، وقدْ أنشدَهُ هذ القَصِيدةَ، وهُوَ ﷺ يَقولُ: رضينَاهَا رضينَاهَا. انتهى. ومِمَّنْ روَى القصيدَةَ عنهُ سَماعًا غيرَ مرَّةٍ: عبدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ أحمدَ

стр. 1661

المطريُّ، ورويناها (١) عن أبِي هُريرةَ القِبَابِيِّ (٢) إِذنًا عَنِ العفيفِ. وعندَ ابنِ صالحٍ: عبدُ الله البَسكريُّ، كانَ رجلًا صالحًا، مُعتَقَدًا، يُحسنُ الخِياطةَ، ويشفقُ على الضعفاءِ وَالمساكينِ، ويحبُّ الخيرَ وأهلهُ. تزوجَ بابنةِ الفقيهِ عليِّ بنِ فرحونٍ، وتقدَّمَ في مشيخةِ رباطِ دكالةَ، وماتَ بالمدينةِ، ودُفنَ بالبقيعِ. انتهى. وكأنَّهُ هذا. ٢٠٤٨ - عبدُ اللهِ بنُ عمرَ الجمالُ التوَّاتيُّ -بمثنَّاتين، بينهما واوٌ ثقيلةٌ- المدَنيُّ. سمعَ على: الزينِ أبي بكرٍ المراغيِّ "تاريخَ المدينة" لهُ في سنةِ تسعٍ وسبعينَ وسبعِ مئةٍ، وعلى الزَّينِ العِراقيِّ في سنةِ تِسعٍ وثمانينَ مؤلَّفَهُ في "قص الشارب". كان صالحًا خيِّرًا، عليهِ آثارُ الزُّهدِ، والخيرِ والصَّلاحِ. أقامَ بِالمدينةِ مجُاورًا بها، وكان يتردَّدُ إلى مصرَ والشَّامِ؛ فكانتْ مَنِيَّتهُ بالقاهرةِ. ٢٠٤٩ - عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ العَبشَمِيُّ. عِدادُهُ في أهلِ المَدينةِ. يروِي عنْ: عُبيدِ بنِ حُنينٍ، وعنه: ابنُ إسحاقَ. قالهُ ابنُ حِبَّانَ في ثانِيةِ "ثقاته" (٣)، وقدْ مضى في: ابنِ عُمرَ بنِ عليِّ بنِ عَدِيٍّ. (٢٠٤٣). ٢٠٥٠ - عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ ابنِ الخَرَّازِ.

стр. 1662

سِبطُ أبي بكرِ ابنِ يوسفَ المحوجبِ. لهُ ذكرٌ فيهِ. ٢٠٥١ - عبدُ اللهِ بنُ عُميرٍ مولى ابنِ عبَّاسٍ. ذكرَهُ مُسلمٌ (١) في ثالثةِ تابعِي المدنيين. ٢٠٥٢ - عبدُ اللهِ بنُ عَوفِ بنِ عبدِ عوفٍ الزُّهريُّ، المدنيُّ (٢). أخو أحدِ العشَرَةِ عبدِ الرَّحمنِ، لهُ دارٌ بالمدينةِ (٣)، وبها ماتَ، وهوَ في أوَّلِ "الإصابة" (٤)، وكذَا في أَخِيهِ. ٢٠٥٣ - عبدُ اللهِ بنُ عوفٍ أبو القاسِمِ الكنانيُّ، الشَّاميُّ، القَاريُّ (٥). مِنْ أهلِ المدينةِ. يروِي عن: رجلٍ مِنْ الصَّحابةِ، بل رأَى عثمانَ، وروَى عن: أبي جُميعةَ الأنصاريِّ، وبشيرِ بنِ عقربةَ، وكعبٍ الأحبارِ، وعنه: الزُّهريُّ، وحُجرُ بنُ الحارثِ، ورجاءُ بنُ أبي سلمةَ، وقد وليَ خَراجَ فلسطينَ لعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ. ٢٠٥٤ - عبدُ اللهُ بنُ عياشِ بنِ أبي ربيعةَ عمروِ بنِ المُغيرةِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ بنِ مخزومٍ، أبو الحارثِ القرشيُّ، المخزوميُّ، القارئُ (٦). وُلدِ بالحبشةِ، وأمُّهُ أسماءُ ابنةُ سَلامةَ بنِ مخرمةَ بنِ جندلٍ، ولهُ رؤيةٌ وشرفٌ.

стр. 1663

ذكرَهُ مُسلمٌ (١) في ثالثةِ تابعي المدنيينَ، وكانَ مِنْ أقرإ أهلِ المدينةِ لكتابِ اللهِ وأقومِهِمْ بهِ. قرأَ على: أُبيٍّ، وسمعَ مِنْ أبيهِ، وعُمرَ، وابنِ عباسٍ، وعنه: ابنُه (٢) الحارثُ ومولياهُ زيدٌ، وأبو جعفرٍ يزيدُ بنُ القعقاعِ أحدُ العَشَرَةِ القرَّاءِ، وعلى مَولاهُ قرأَ القرآنَ، وذُكر أنَّهُ كانَ يمسكُ المصحفَ عليهِ، وسليمانُ بنُ يسارٍ، ومُحَمَّدُ بنُ طلحةَ بنِ يزيدَ بنِ ركانةَ، وسعيدُ بنُ عمروِ بنِ سعيدِ بنِ العاصِ، ونافعٌ مولى ابنِ عمرَ. قُتِلَ بسجستانَ. قالَ الذَّهبيُّ (٣): وأعتقدُ أنَّهُ تأخَّرَ إلى بعدِ السَّبعينَ، وأنَّ مَنْ أرَّخَ وفاتَهُ سنةَ ثمانٍ وأربعينَ صحَّفَ سبعين بأربعين. ٢٠٥٥ - عبدُ اللهِ بنُ عيسى بنِ عبدِ اللهِ بنِ شُعيبٍ، أبو موسَى القُرَشيُّ، المدَنيُّ، القصيرُ، الكاتِبُ (٤). نَزيلُ مصرَ، قرأَ على: قالون، وسمعَ منهُ الحروفَ، وسمعَ مِنْ مطرّفِ بنِ عبدِ اللهِ الفقيهِ، وكان كأَبيهِ، ويعرفُ بطيارٍ. روَى عنهُ القراءةَ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ منيرٍ الإِمامُ، وسمعَ مِنْهُ في سنةِ أربعٍ وثمانينَ ومئتينِ، ولهُ إذ ذاك تِسعونَ سنةً، وسمعَ مِنهُ عامةُ المِصريِّينَ، وهو في "اللسان" (٥).

стр. 1664

٢٠٥٦ - عبدُ اللهِ بنُ عيسى، أبو علقمَةَ الفَرْويُّ، الأصمُّ (١). مِن أهلِ المدينةِ. يروِي عن: عبدِ الله بنِ نافعٍ، ومطرِّفِ بنِ عبدِ اللهِ اليَساريِّ (٢) العجائبَ، ويقلبُ الأخبارَ. ذكرهُ ابنُ حِبَّانَ في "الضعفاء" (٣). ومِمَّا رواهُ عن ابنِ نافعٍ، عن مالكٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ (٤): "سافرُوا تَصِحُّوا وتسلمُوا". حدَّثَنا عنهُ محُمَّدُ بنُ المُنذِرِ. وكذا قالَ الحاكمُ (٥)، والنَّقاشُ، وأبو نُعيمٍ (٦). رَوَى عنْ: ابنِ نافعٍ ومطرِّفٍ أحاديثَ مناكيرَ، والذَّهبيُّ في "الميزان" (٧)، وسيأتي في: ابنِ هرونَ بنِ موسَى. ٢٠٥٧ - عبدُ اللهِ بنُ عِيسَى، أبو مُحمَّدٍ المدينيُّ. عن مالكٍ، وعنه: أبو قيسٍ عبدُ البَرِّ بنُ عبدِ العزيزِ. قالَ الدَّارقطني: مجهولٌ، وحديثُهُ لا يثبتُ. استدركَهُ شيخُنا في "لسانه" (٨). ٢٠٥٨ - عبدُ اللهٍ بنُ أبي فَروةَ المدَنيُّ.

стр. 1665

عنِ الرَّبيعِ بنِ سَبرةَ، وعنهُ: ابنهُ يونسُ. ليسَ بِمشهورٍ، وسيأتي لهُ ذِكرٌ في تَرجمةِ ابنِهِ يونسَ (١). ٢٠٥٩ - عبدُ اللهِ بنُ الفَضلِ بنِ العبَّاسِ بنِ ربيعةَ بنِ الحارثِ بنِ عبدِ المُطَّلبِ بنِ هَاشمٍ الهاشميُّ، المدَنيُّ (٢). مِنْ أهلِهَا. ذكرَهُ مُسلمٌ (٣) في رابعةِ تابعي المدنيينَ. وقدْ قُتلَ أبوهُ يومَ الحرَّة، وهذا صَبِيٌّ. روى عن: أنسٍ، وعبيدِ اللهِ بنِ أبي رافعٍ، وأبي سلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، ونافعِ بنِ جُبيرٍ، والأعرجِ، وجماعةٍ، وعنَه: الزُّهريُّ، وموسى بنُ عُقبةَ، وصالحُ بنُ كَيسانَ ويحيَى بنُ أبي كثيرٍ، وزيادُ بنُ سعدٍ، مالكٌ، وعبدُ العزيزِ بنُ الماجشونَ، وقالَ أحمدُ: لا بأسَ بهِ، ووثَّقَهُ ابنُ مَعينٍ، وأبو حَاتِمٍ (٤)، والنَّسائيُّ، والعجليُّ (٥)، وابنُ البرقيِّ، وابنُ المديني، وزادَ: معروفٌ، وابنُ حِبَّانَ (٦)، وقال: يروي عن ابنِ عمرَ، وأنسٍ إنْ كان سمِعَ منهما، وعنه: أهلُ المدينةِ. انتهى. وقدْ صرَّحَ بالسَّماعِ مِنْ أنسٍ عند البخاري (٧) في سورةِ المنافقينَ.

стр. 1666

وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ (١): لمْ يسمعْ مِنْ عبيدِ اللهِ بنِ أبي رافعٍ. وخرَّج لهُ الستةُ، وهو في "التهذيب" (٢). ٢٠٦٠ - عبدُ اللهِ بنُ أبِي الفَضلِ المدَنيُّ (٣). يروي عن: أبي هُريرةَ، وعنه: يحيى بن أبي كَثيرٍ. قالهُ ابنُ حِبَّانَ في ثانية "ثقاته" (٤). وهو في "اللسان" (٥). ٢٠٦١ - عبدُ اللهِ بنُ أبي قَتادةَ الأنصاريُّ (٦). ذكرَهُ مُسلمٌ (٧) في ثالثةِ تابعي المدنيين. وقد مضى في: ابنِ الحارثِ بنِ رِبعيٍّ (١٨٥٧). وسيأتي في: أبي ابراهيمَ الأشهليِّ من الكنى (٨)، أنه قِيلَ إنَّهُ: عبدُ اللهِ بنُ أبي قتادةَ، ولا يصحُ؛ لأنَّهُ أشهليٌّ، وذا مِنْ بني سلمةَ. - عبدُ اللهِ بنُ أبي قُحافَةَ. هو أبو بكرٍ الصديقُ ﵁، واسمُ أبيهِ عثمانُ، مضى في: ابنِ عثمانَ بنِ

стр. 1667

عَامرٍ (٢٠١٨). ٢٠٦٢ - عبدُ اللهِ بنُ قيسِ بنِ خالدِ بنِ خَلدةَ بنِ الحارثِ الأنصاريُّ، الخزرجيُّ (١). استُشهِدَ بأُحُدٍ، وقيلَ: بل بقيَ إلى خلافةِ عثمانَ، وليسَ هو بأبِي موسَى الأشعريِّ، وهو في أوَّل "الإصابة" (٢). ٢٠٦٣ - عبدُ اللهِ بنُ قيسِ بنِ مَخْرمةَ بنِ المطّلِبِ بنِ عبدِ منافِ بنِ قُصيٍّ القرشيُّ، المطَّلبيُّ، المدَنيُّ (٣). قاضِيهَا أيامَ عبدِ الملكِ بنِ مروانَ، بل وليَ لهُ الكوفةَ والبصرةَ أيضا. وأخوهُ محُمَّدٌ، ذكرهما مُسلم (٤) في ثالثةِ تابعِي المدنيينَ. قيل: لهُ صحبةٌ، وليس بشيءٍ. حدَّثَ عن: أبيهِ، وابنِ عمرَ، وزيدِ بنِ خالدٍ الجُهنيِّ. وعنه: ابنهُ المطَّلبُ، وأبو محُمَّدٍ إسحاقُ بنُ يسارٍ، وأبو بكرِ بنُ محُمَّدِ بنِ عمروِ بنِ حزمٍ. [قالَ النَّسائيّ] (٥): ثقةٌ. خرَّجَ له مُسلمٌ (٦) وغيرُه.

стр. 1668

وذُكرَ في "التهذيب" (١). وقالَ ابنُ حزمٍ في "الجَمهرةِ" (٢): إنَّهُ استخلفَهُ الحجَّاجُ على المدينةِ إذْ وليَ العِراقينِ، وإنَّه مولى يسارٍ جدِّ ابنِ إسحاقَ صاحبِ "المغازي". زادَ غيرُهُ: إنَّ استقضاءَ الحجَّاجِ له في سنةِ ثلاثٍ وسبعينَ، وإنَّهُ بقيَ على القضاءِ بها إلى سنةِ ستٍّ وسبعينَ على ما قالهُ خليفةُ (٣). وقالَ الذَّهبيُّ (٤): إنَّه وليَ قضاءَ المدينةِ في حياةِ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ. وقالَ البغويُّ في "الصحابة" (٥): يشكُ في سماعِهِ، وقالَ العَسكريُّ: له رؤيةٌ. وروى ابنُ شاهينَ في ترجمتِهِ حديثًا فيهِ لقيُّهُ، لكنَّه غلط. إنَّما رواه عنْ زيدِ بنِ خالدٍ، وذكرهُ الفاسيُّ في "مكَّةَ" (٦). ٢٠٦٤ - عبدُ اللهِ بنُ قيسٍ (٧). تابعيٌّ، شيخٌ لأبي معاويةَ المدنيِّ، وهو في "الميزان" (٨). ٢٠٦٥ - عَبدُ اللهِ بنُ كثيرِ بنِ جعفرِ بنِ أبِي كثيرٍ، أبو عمرَ الأنصاريُّ، مولاهم المدنيُّ (٩).

стр. 1669

عدادُهُ في أهلِها، ابنُ أخي إسماعيلَ بنِ جعفرٍ، يروِي عن: أبيهِ، وكثيرِ بنِ عبدِ الله المُزَنِيِّ، وسعدِ بنِ سعيدٍ المقبريِّ، وعنه: عبَّاسٌ (١) العنبريُّ، ويحيى بنُ أيوبَ المقابريُّ، وإبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجوهريُّ، والزُّبيرُ بنُ بكّارٍ. وهو مقلُّ كثيرُ التَّخليطِ، ضعَّفَهُ ابنُ حِبَّانَ (٢)، وقالَ ابنُ مَعينٍ: إنَّهُ شيخ كانَ يجالسنَا في المسجِدِ، صاحبُ مُصنفاتٍ ليسَ بشيءٍ. خرَّجَ لهُ ابنُ ماجه (٣)، وذُكر في "التهذيب" (٤). ٢٠٦٦ - عبدُ اللهِ بنُ كَثيرٍ المدنيُّ (٥). قالَ [المِزيُّ] (٦) روى عن: سعيدٍ المقبريِّ. قالَ ابنُ حِبَّانَ (٧): لا يُحتجُّ بهِ، وقالَ ابنُ مَعينٍ: ليس بشيءٍ، قاله في "الميزان" (٨). وقال شيخنَا (٩): إنَّهُ هو الذي قبلهُ. ٢٠٦٧ - عبدُ اللهِ بنُ كعبِ بنِ عمروِ بنِ عَوفٍ الأنصاريُّ، النَّجاريُّ (١٠).

стр. 1670

بَدريٌّ كان على ثَقَلِ (١) غنائمِ بدرٍ. ماتَ بالمدينةِ، وصلَّى عليهِ عثمانُ، وهو في أوَّلِ "الإصابة" (٢). ٢٠٦٨ - عبدُ اللهِ بنُ كعبِ بنِ مالكِ بنِ أبي القَينِ، أبو فَضالةَ السَّلَميُّ، الأنصاريُّ (٣). مِنْ أهلِ المدينةِ، وقائدُ أبيهِ -من بَنِيهِ- حينَ عَميَ. سمعَ: أباهُ، وعثمانَ، وأبَا لبابةَ ابنَ عبدِ المنذِرِ، وعبدَ الله بنَ أنيسٍ، وابنَ عبَّاسٍ. وذكرَ البخاريُّ (٤) أنَّهُ روى عن: عمرَ ﵁، وعنه: ابنه عبدُ الرَّحمنِ، وإخوتُهُ: محُمَّدٌ، ومعبدٌ، وعبدُ الرَّحمنِ، والزُّهريُّ، وسعدُ بنُ إبراهيمَ، وغيرهُم. وثَّقهُ أبو زُرعةَ الرَّازيُّ والعجليُّ (٥)، وقالَ: مدنيٌّ تابعيٌّ، وابنُ سعدٍ (٦) وابنُ حِبَّانَ (٧)، وقالَ: ماتَ سنةَ سبعٍ أو ثمانٍ وتسعينَ في ولايةِ سليمانَ بنِ عبدِ الملكِ، وذكرهُ (٨) العسكريُّ فيمنْ لحقَ النَّبيَّ ﷺ . وقالَ الوَاقديُّ: وُلدَ على عهدِ النَّبيِّ ﷺ ، وخرَّجَ له الشيخانِ (٩)، وغيرهُما. وهو في

стр. 1671

"التهذيب" (١)، وثاني "الإصابة" (٢). ٢٠٦٩ - عبدُ اللهِ بنِ كعبٍ الحِمْيريُّ، المدنيُّ، مولى عثمانَ (٣). ذكرَهُ مُسلمٌ (٤) في ثانيةِ تابعي المدنيينَ. وقدْ روَى عن: عمرَ بنِ أبي سلمةَ، وأبي بكرِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ الحارثِ، وخارجةَ بنِ زيدِ بنِ ثابتٍ، وعنه: عبدُ ربِّهِ بنُ سعيدٍ، وعبدُ الرَّحمنِ بنُ الحارثِ، وابنُ إسحاقَ. وقالَ ابنُ خلفونٍ: إنَّهُ روى عن: محمودِ بنِ لبيدٍ الأنصاريِّ، وعنه: يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ. ذكرَهُ ابنُ حِبَّانَ في "الثقات" (٥)، وهو في "التهذيب" (٦). ٢٠٧٠ - عبدُ اللهِ بنُ كيسانَ، أبو عمرَ القُرشيُّ، التَّيميُّ، المدَنيُّ (٧). مولى أسماءَ ابنةِ أَبي بكرٍ، وخَتَنُ عطاءِ بنِ أبِي رباحٍ. يروي عن: أسماءَ، وابنِ عمرَ، وعنه: صِهرهُ عطاءُ بنُ أبِي رباحٍ، وهو مِنْ أقرانِهِ، وعبدُ الملكِ بنُ أبِي سليمانَ، وحجَّاجُ بنُ أرطأةَ، وابنُ جريجٍ، وعمروُ بنُ دينارٍ، والمُعلَّى بنُ زيادٍ، وغيرُهم. قالَ أبو داودَ: ثبتٌ، وقالَ [أبو] (٨) أحمدَ الحاكمُ: مِن

стр. 1672

أجلَّةِ التَّابعينَ. وذكرَهُ ابنُ حِبَّانَ في "الثقات" (١)، وهو عندَ مُسلمٍ (٢) في الطبقة الثَّانيةِ من ثِقَاتِ أهلِ مكَّةَ، وخرَّجَ له السِّتَّةُ، وذُكرَ في "التهذيب" (٣). ٢٠٧١ - عبدُ الله بنُ أبِي لَبيدٍ، أبو المُغيرةِ المدَنيُّ (٤). من أهلِهَا ومولىَ الأَخنَسِ بنَ شُريقٍ، كانَ مِنْ عُبَّادِ أهلِ زمانِهِ. سمعَ أبا سلمةَ ابنَ عبدِ الرَّحمنِ، ويحيى بنَ عبدِ الرَّحمنِ بنِ حاطبٍ، وغيرَهما، وعنه: محمَّدُ بنُ عَمروِ بنِ علقمةَ، وابنُ إسحاقَ، والسُّفيانانِ. قالَ أحمدُ (٥): وسماعُ الثَّوريِ منهُ بالكوفةِ، وأصلُهُ مدَنيٌّ، وفي رواية: مدينيٌّ. قدِمَ الكوفةَ، ما أعلمُ بحديثهِ بأسًا، ووثَّقهُ ابنُ مَعينٍ (٦)، والعِجْليُّ (٧). وقالَ أبو حاتمٍ (٨): صدوقٌ في الحديثِ، وقالَ النَّسائيّ: ليس بهِ بأسٌ. وقالَ الحُميديُّ عنْ سفيانَ: كان مِنْ عبُّادِ أهلِ المدِينةِ. وقالَ الدَّرَاورديُّ: كان يُرمَى بالقَدرِ، فلمْ يصلِّ عليهِ صفوانُ بنُ سُليمٍ، وكذا قالَ ابنُ سعدٍ (٩): كانَ مِنَ العُبَّادِ المنقطعينَ، وكان يقولُ بالقدَرِ، وكانَ

стр. 1673

قليلَ الحديثِ. وقالَ السَّاجِيُّ: كانَ صَدوقًا إلَّا أنَّه اتُّهِمَ بالقَدَرِ، وقالَ ابنُ عَدِيٍّ (١): أمَّا في الرِّواياتِ فلا بأسَ بهِ، وقالَ العُقيليُّ (٢): يخالفُ في بعضِ حديثهِ، وكانَ من المجتهدِينَ في العِبادةِ، وقالَ ابنُ حِبَّانَ (٣): يروِي عن: جماعة من الصَّحابةِ، وعنه: أهلُ الحِجازِ. خرَّجَ لهُ الشَّيخانِ (٤)، وغيرُهما، وذُكرَ في "التهذيب" (٥). ماتَ سنةَ بضعٍ وثلاثينَ ومئةٍ، في أوَّلِ ولايةِ أبي جعفرٍ. ٢٠٧٢ - عبدُ اللهِ بنُ مالكِ بنِ أبي الأسحمِ، أبو تميمٍ الجيشانيُّ (٦). أخو سيفٍ. في الكنى (٧). ٢٠٧٣ - عبدُ الله بنُ مالكِ بنِ القِشْبِ، أبو مُحمَّدِ ابنُ بُحينَةَ (٨). وهِيَ أمُّهُ، واسمُها: عبدةُ ابنةُ الحارثِ، واسمُ جدِّهِ القِشْبِ: جُندبٌ الأزديُّ [مِنْ] (٩) أزدِ شنوءةَ ويقال لهُ: أسدُ شنوءةَ، حليفُ بَنِي عبدِ [المطَّلبِ] بنِ عبدِ

стр. 1674

منافٍ. رجلٌ قديمُ الإسلامِ والصُّحبةِ، فاضلٌ ناسكٌ، نزَلَ بطنَ ريمٍ (١) على مرحلةٍ مِنَ المدينةِ ثلاثينَ مِيلًا، وعدَّهُ مُسلمٌ (٢) في المدنيين. وكان يصومُ الدَّهرَ، له عدَّةُ أحاديثَ مخُرَّجةٌ في السِّتَّةِ، وغيرِها. روى عنهُ: حفصُ بنُ عامرِ بنُ محُمَّدِ (٣) بنِ الخطَّابِ، والأعرجُ، ومحُمَّدُ بنُ يحيى بنِ حَبَّانَ. توفي في آخرِ أيَّامِ معاويةَ بالمدينةِ، وقالَ [ابنُ زَبر] (٤): إنَّهُ ماتَ ببطنِ ريمٍ في ولايةِ مروانَ الثَّانيةِ عليهَا، وهي مِنْ سنةِ أربعٍ وخمسينَ إلى ذِي القِعدةِ سنةَ ثمانٍ وخمسينَ. وهو في "التهذيب" (٥)، وأوَّل "الإصابة" (٦). ٢٠٧٤ - عبدُ اللهِ بنُ مُبَشِّرٍ الأمويُّ، المدَنيُّ. مولى أمِّ حبيبةَ، وجليسُ ابنِ أبِي ذئبٍ. روى عن: زيدِ بنِ أبِي عتَّابٍ المدنيِّ، وعنه: الثَّوريُّ، وأبو نُعيمٍ. ذكرهُ البُخاريُّ (٧) بهذا. وقالَ ابنُ [أبِي] حَاتِمٍ (٨) نحوهُ. ونُقلَ عن ابنِ مَعينٍ أنَّه قال: ثقةٌ، ولمْ يقعْ في نسخةِ البَكريِّ من "ثِقاتِ ابنِ

стр. 1675

حِبَّانَ" (١)، وعلَّقَ البخاريُّ (٢) لمعاويةَ حديثَ: "خيرُ نِساءٍ ركبنَ الإبلَ نساءُ قريشٍ"، ووصلهُ أحمدُ (٣)، و [الطبراني (٤) من طريق (٥)] أبي نُعيمٍ عن: عبدِ اللهِ بنِ مُبَشِّرٍ بهذا الإِسنادِ، وأوردَهُ شيخُنا في "زَوائِد على التهذيب" (٦). ٢٠٧٥ - عبدُ اللهِ بنُ مُحمَّدِ بنِ إبراهيمَ بنِ مُحمَّدِ بنِ مُرتضَى، أبو مُحمَّدٍ المؤذِّنُ. الآتي أبوهُ، والماضي ولدُه أحمدُ. قالَ ابنُ فرحونٍ (٧): وُلدَ سنةَ أربعٍ وسبعِ مئةٍ، [و] استقرَّ في الرِّئاسةِ بعدَ أبيهِ، وكانَ مِنْ أحبابِنَا وأصحابِنَا، بلْ مِنْ أولادِنَا، وجدنَا مِنهُ بِرًا عَظيمًا، وأدبًا كثيرًا، وكانت لهُ وَجاهةٌ عندَ آلِ جمَّازٍ أمراءِ المدينةِ، فانتفعَ النَّاسُ بشفاعاتِهِ، بل كان محُبَّبًا إلى النَّاسِ كلِّهِم لما اشتمَلَ عليهِ مِنْ حسنِ السِّيرةِ، وصَفاءِ السَّريرةِ. وكان بينَهُ وبين أخوَيَّ -خصوصًا أخي: محُمَّدًا- ملاءمةٌ عظيمةٌ، ومحبَّةٌ أكيدةٌ، لا يكادُ ينشرحُ إلّا معهمَا، ولا طيبُ لهُ أُنسٌ إلّا بِهمَا، وكانَ يحبُّ التَّنزُّهَ والمشيَ إلى مفرَّجاتِ المدينةِ ومُتنزهاتِها، وإذا خرجَ يذهبُ معهُ بالأطعمَةِ لفاخِرةِ، والأشياءِ

стр. 1676

المعدومةِ التي لا تكادُ توجدُ عندَ غيرِهِ، فيُتحِفُ بها الجماعةَ، وكانَ فيهِ كرمٌ وطيبُ نفسٍ، وقدْ ضمِنَ العفيفَ عبدَ اللهِ ابنَ الجمالِ المطريِّ في المِحنةِ التِي نالتْهُ مِنْ ثابتِ بنِ جمازٍ في سنةِ اثنتينِ وأربعينَ وسبعِ مئةٍ. ماتَ سنةَ إحدَى وخمسينَ وسبعِ مئةٍ. وهو في "الدرر" (١) لشيخِنَا، قال فيه: المصريُّ الأصلُ، المؤذِّنُ بالحرمِ النَّبويِّ كأبِيهِ وجدِّهِ، وهو والدُ الفقيهِ أحمدَ الحنفيِّ، كانَ رضيَّ الأخلاقِ محمودَ الصِّفاتِ وذَكر مولدَه ووفاتَه. ٢٠٧٦ - عبدُ اللهِ بنُ مُحمَّدِ بنِ إبراهيمَ، المُلقَّبُ بالإِمامِ ابنِ مُحمَّدِ بنِ عليِّ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ العباسيُّ (٢). وأُمُّهُ زينبُ ابنةُ سليمانَ العبَّاسيّةُ، ولِذَا كانَ يُعرفُ بهَا، فيقالُ لهُ: ابنُ زينبَ. كان أميرَ المدينةِ، بحيثُ إنَّهُ هو الذِي صلَّى على الإمامِ مالكٍ، وذلكَ في سنةِ تسعٍ وسبعينَ ومئةٍ. ٢٠٧٧ - عبدُ اللهِ بنُ مُحمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ خلفِ (٣) بنِ عيسَى بنِ عبَّاسٍ -بتحتانيةٍ بين مُهملتينِ- بنِ يوسفَ بنِ بدرِ بنِ عليِّ بنِ عثمانَ، الحافظُ عفيفُ الدِّينِ، أبو السِّيادةِ، وأبو جعفرِ ابنُ الحافظِ الجمالِ، الأنصاريُّ، الخزرجيُّ، السَّعديُّ، العُباديُّ (٤).

стр. 1677

مِنْ ولدِ قيسِ بنِ سعدِ بنِ عُبادةَ، المَطريُّ الأصلِ، المدَنيُّ، الشَّافعيُّ. وُلد في ليلَةِ رابعَ عشرَ شوالٍ سنةَ ثمانٍ وتسعينَ وستِّ مئةٍ، وطلبَ الحديثَ بِنفسهِ، وعُنيَ بهِ، فسمعَ بالمدينةِ مِنْ والدِهِ، والقاضِي أبِي حفصٍ عمرَ بنِ أحمدَ السَّواريِّ، وغيرِهما، وبِمَكَّةَ مِنَ الفخرِ التَّوزرِيِّ، والرَّضِيِّ الطَّبريِّ، وممَّا سمعهُ عليهِ "ثلاثيات الصحيح"، وغيرُهما. وبمصرَ مِنَ: الوَانِي، والدَّبوسيِّ، والختنيِّ، وجماعةٍ. وبدمشقَ مِنَ القاسمِ ابنِ عساكرَ، وأبي نصرِ ابنِ الشِّيرازيِّ، والحجَّارِ، وآخرينَ، وبإسكندريَّةَ مِنْ: ابنِ مَخلوفٍ (١). وبيتِ المقدسِ مِنْ: زينبَ ابنةِ شكرٍ (٢). وببغدادَ مِنْ: محُمَّدِ بنِ عبدِ المُحسِنِ ابنِ الدَّواليبيِّ (٣)، وجماعةٍ. وطافَ البِلادَ، وحصلَ الفوائدَ، وعُنِيَ بالتاريخِ، فحصَّل منهُ جملةً صالحةً، وحدَّثَ. سمع منهُ: شيخنا (٤) الذَّهبيُّ، وانتقَى عليهِ "جزءًا" مِنْ مروياتِهِ، وذَكرهُ في "مُعجمِهِ" (٥)، فقال: قَدِمَ علينا طالبَ حديثٍ، ولهُ فَهمٌ، وذكاءٌ، ورحلةٌ ولقاءٌ،

стр. 1678

وقَدِمَ علينَا مِنْ بغدادَ، فأفادنَا أشياءَ حسنةً مهمَّةً. وكذا ذكرهُ في "المعجم المختص" (١)، فقالَ: العالمُ الفاضلُ، المحدِّثُ، ارتحلَ في سماعِ الحديثِ إلى الشَّامِ، ومِصرَ، والعِراقِ، وكتبَ، وحصلَ، وأفادنِي أشياءَ حسنةً، وامتُحنَ في سنةِ اثنتينِ وأربعينَ، ونُهبتْ دارُهُ، وأُخذَ مِنها مبلغ نحوُ: مئتيْ ألفِ دِرهمٍ فيما قيل، وحُبسَ، ثُمَّ أُطلقَ، ولَطفَ اللهُ بهِ، ثُمَّ قُتلَ خصمُه، انتهى. ومِنْ شيوخِهِ: الشِّهابُ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عسكرٍ البغداديُّ، المالكيُّ (٢)، وكذا مِنهُمْ الشِّهابُ أحمدُ بنُ حرزِ اللهِ بنِ حجَّاجٍ الإربديُّ، الشَّافعيُّ (٣)، تلميذُ النَّووِيِّ، ونقلَ عنه في ترجمتِه كلامًا أثبتُّهُ في مؤَلِّفي فيه (٤)، والمحيويُّ أبو التَّقيِّ صالح بن عبدِ اللهِ بنِ جعفرِ بنِ صالحِ بنِ عليِّ ابنِ الصبّاغِ، الأسديُّ، الكوفيُّ (٥)، الحنفيُّ، العلامةُ، المفسِّرُ، الأوحدُ، الزَّاهدُ، الفقيهُ، يروِي عنه: "الكشَّاف" (٦). والعلّاَمةُ الأوحدُ التاجُ عليُّ بنُ أبي اليُمنِ البغداديُّ، الحنفيُّ، ابنُ السَّبَّاكِ (٧)،

стр. 1679

مدرِّسُ المستنصِريَّةِ، ورئيسُ الأصحابِ، روى عنه تصانيفَ شيخِهِ: الجمالِ الحسينِ بنِ إياز (١) البغداديِّ، وتصانيفَ ابنِ الحاجبِ، والعلامةُ السِّراجُ عمرُ بنُ محُمَّدٍ الدَّمنهوريُّ، الشَّافعيُّ، ومِمَّا كتبهُ عنهُ ما قاله فيهِ: ألا قلْ لِلذي يبغي الإفَادةْ … ويرجُو مِن مَقاصدِه السَّعادةْ عليك بسيّدٍ حازَ المعالي … عفيفِ الدِّين ذاكَ أبو السِّيادةْ تجدْ ما شئتَ من دِينٍ ودُنيا … وتبلُغُ ما تؤمِّلُ بالزِّيادةْ حماهُ اللهُ من غِيَرِ اللَّيالي … وفي الدَّارينِ يُعطيه مُرادَهْ وتاجُ الدِّينِ ابنُ عبدِ الكافِي، وولدُهُ الشِّهابُ أحمدُ، والأديبُ الشَّرفُ أبو عبِد اللهِ الحسينُ بنُ عليِّ بنِ مصدّقِ بنِ الحسنِ بنِ الحسينِ الشَّيبانيُّ، الواسطيُّ المصريُّ، المعَروفُ بابنِ الحبَّانيِّ (٢)، والشَّمسُ محُمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ إبراهيمَ بنِ حيدرَةَ، القرشيُّ، الشَّافعيُّ، ابنُ القمَّاحِ (٣)، وأبو حيَّانَ، والقطبُ الحلبيُّ الحافظُ، والبهاءُ أبو منصورٍ أحمدُ ابنُ الجمالِ أبِي العَبَّاسِ أحمدَ ابنِ الصَّفيِّ أبِي عبدِ اللهِ الحسينِ ابنِ الصَّاحبِ الوزيرِ الجمالِ أبِي الحسنِ فيَ بنِ ظافرِ بنِ الحسينِ الأنصاريُّ، الخزرجيُّ، المالكيُّ، المصريُّ (٤). سمع عليه شيئًا من أولِ "البخاري".

стр. 1680

وقاضِي الشَّامِ أحمدُ بنُ سلامةَ بنِ أحمدَ البلويُّ، القضاعيُّ، السكندريُّ، المالكيُّ (١)، شافههُ بالإجازَةِ، وصحِبَ الشِّهابَ أحمدَ ابنَ فضلِ اللهِ، مؤلِّفَ "المسالكِ". وكتبَ عنِ الشِّهابِ أحمدَ بنِ منصورِ بنِ أرسطوُ راسِ بنِ صارمٍ، القيسيِّ الأصلِ، الدمياطيِّ، الصوفيِّ، الشَافعيِّ، عُرف بابنِ الحبَّاسِ (٢) مِن نظمِهِ، فكانِ مِمَّا كتبهُ عنهُ بثَغرِ دمياطَ، وهما بظاهِرِهَا: خلتِ الزَّوايا مِن خَبايَاها كما … خَلَتِ القلوبُ مِن المعارفِ والتُّقَى وتنكَّر الوادي فما غِزلانُه … تلكَ الظِّباءُ ولا النَّقَا ذاكَ النَّقا وكَذَا كتبَ عنِ الشِّهابِ أحمدَ بنِ عبدِ القادرِ بنِ أحمدَ بنِ مكتومٍ (٣) مِنْ نظمِهِ؛ فمنه: عزُّ القناعةِ لا تطلبْ جمها بدلا … ولا تُعلِّقْ بغير الخالقِ الأمَلا وأسألْ بذلٍّ مِنَ الرَّحمنِ مَغفرةً … فإنَّها لِلفتى مِن خيرِ مَا سألَا

стр. 1681

ولا تَبِتْ ضيِّقًا مِن فاقةٍ عَرضتْ … فعَن قليلٍ تُرى للقبرِ مُنتَقِلا وكَتَبَ عنِ الشَّمسِ أبي الفضائلِ عبدِ الرَّحمنِ ابنِ البُرهانِ أبي المكارِمِ أحمدَ ابنِ وحيدِ الدِّينِ أبي البَرَكاتِ محُمَّدِ ابنِ النَّجيبِ أبي الفتحِ إسماعيلَ الغزنويِّ المَحتدِ، الدَّهلويِّ المنشأ والمولدِ، الحنفيِّ (١) - مِن نظمهِ لمَّا لقيَهُ حينَ حجَّ بالمدينةِ في ذي الحجَّةِ سنةَ ثلاثٍ وثلاثين وسبعِ مئةٍ، وترجمه، وأنّهُ ماتَ بمكَّةَ، وعنْ شيخِ الشَّافِعيَّةِ بالموصلِ الزَّينِ أبي الحسنِ عليِّ بنِ الحسينِ بنِ القاسمِ بنِ منصورٍ (٢)، عُرِفَ بابنِ شيخِ العُوينةِ بالمدينةِ حينَ حجَّ أيضًا سنةَ ثمانٍ وثلاثينَ، وترجمهُ أيضًا. وأجازَ لهُ أرشدُ الدِّينِ أبو الرَّشادِ أرشدُ ابنُ أبي المعالِي عبدِ الكبيرِ بنِ محمودِ بنِ عبدِ اللهِ الشَّريفُ، الحسنيُّ اللَّهاوريُّ، السَّرخسيُّ، ثُمَّ النَّيسابوريُّ، عالمُ ما وراءَ النَّهرِ، ومولدهُ سنةَ تسعَ عشرةَ وستِّ مئةٍ، وتُوفي سنةَ تسعٍ وعشرينَ وسبعِ مئةٍ، وترجمهُ. وقالَ ابنُ رافعٍ: كَتَبَ بِخَطِّهِ، وعُنِيَ بالطَّلبِ والتَّاريخِ، وذكرَ لي أنَّهُ قرأَ بالرِّواياتِ على القَصريِّ، وأنَّهُ جمعَ كِتابَ "الإعلام بمن دخل المدينة من الأعلام". وقالَ ابنُ رجبٍ (٣) في "معجمه": كان حافظَ وقتِهِ، حسنَ الأخلاقِ،

стр. 1682

كثيرَ العبادةِ، حسنَ الملتقَى للواردينَ، انتهى. وأذَّنَ بالمدينةِ الشَّريفةِ مدَّةً، بل كانَ رئيسَ المؤذِّنينَ، ورأيتُ مَنْ كتبَ: أنّهُ كبَّرَ بالحرمِ المدنيِّ أكثرَ مِنْ خمسينَ سنةً. وله "ذيلٌ على طبقات الشافعية" لابن كثيرٍ مفيدٌ، وكذا رأيتُ بخطِّهِ مجاميعَ مفيدةً، وحدَّثَ ببغدادَ، والشَّامِ، والقاهرةِ، وكذا حدَّثَ في أماكنَ مِنْ دربِ الحجازِ، وكذَا بمنزلِه بالمدينةِ دارِ ابنِ مسعودٍ، ومنزلِ مالكِ بنِ أوسٍ. وممَّا قِيل فيه: علّاَمةُ الإسلام أوحدُ عَصرِه … حاوي الخِصالِ الزَّاهراتِ المُشرِقَةْ مَن سارتِ الرُّكبانُ مُشْيِمَةً بصيـ … ـتِ جلالِه بينَ الأنام ومُعْرِقَة وحدَّثَ، سَمِعَ منهُ الأئِمَّةُ، ومنهم: الزَّينُ أبو بكبر المَراغيُّ بقراءتِهِ وقراءَةِ غيرِهِ، وابنُ أخِيهِ الرَّضيُّ أبو حامدٍ محُمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، وقرأَ عليهِ الجلالُ الخُجنديُّ "صحيح مسلم"، و"شرح معاني الآثار" للطحاوي، و"أربعي النووي"، و"شرح الأسماء الحسنى" للبيهقي، و"شرح قصيد ابن الفارض"، و"البردة"، وألبسهُ جبَّةً أبياريةً، وأمرَهُ بوضعِ شرحٍ على "البُردة"، وبكتابةِ مَن لقِيَهُ، فامتثَلَ ذلكَ، بل أخذَ عنهُ ما لا يحمىَ كثرةً خصوصًا "الجزءَ" الذي خرجَّهُ له الذَّهبيُّ. ومِمَّن قرأَ عليهِ مِنَ الحُفَّاظِ والأئِمةِ: الزَّينُ العراقيُّ، والشِّهابُ العريانيُّ (١)،

стр. 1683

والزَّينُ المراغيُّ، والجمالُ الأُميوطيُّ، والبرهانُ ابنُ جَماعةٍ (١)، والزَّينُ ابنُ رجبٍ، والتَّاجُ السُّبكيُّ (٢)، والتَّقيُّ ابنُ رافعٍ، والتَاجُ عبدُ الباقِي بنُ عبدِ المجيدِ اليمانيُّ (٣)، والحافظُ المحبُّ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ ابنِ المحبِّ (٤). وسمعهُ مِنهُ مخرِّجهُ الحافظُ الذَّهبيُّ، والعمادُ ابنُ كثيرٍ (٥). ومِمَّن أخذَ عنهُ أبو عبدِ الله محُمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ محُمَّدِ بنِ مُحمَّدِ بنِ مرزوقٍ، وكذا روى عنه شيخُنَا أبو هريرةَ القِبابِيُّ (٦). وقد ذَكرهُ ابنُ فرحونٍ (٧)، فقال: الشَّيخُ الإمامُ العلَّامةُ، خَلَفَ والدَهُ في أخلاقِهِ وسيادتِهِ ورياستِهِ، وزادَ عليهِ بالمشيخَةِ في الحديثِ، ولقاءِ الشُّيوخِ، فإنَّهُ رحلَ إلى العِراقِ، وسمعَ بها، ثُمَّ إلى مِصرَ، ودمشقَ، وحلبَ، وكثيرٍ من الأقاليمِ، ولقيَ مِنْ شيوخِ هذا الفنِّ ما لا يُحمَى كثرةً، واشتُهِرَ ذِكر شَرقًا وغربًا بسببِ هذا العلمِ،

стр. 1684

وبما كانَ فيهِ مِنْ مكارمِ الأخلاقِ والنَّفسِ، والإحسانِ للغُرباءِ الواردينَ عليهِ منَ العلماءِ؛ فإنَّهُ كان لهم كالأبِ الشَّفِيقِ، وكونِهِ منْ أهلِ الصَّلاحِ والتَّقوى مع انجماعِهِ وانقباضِهِ عمَّنْ عداهم مِنَ النَّاسِ، وانتهتْ إليهِ مشيخةُ الصُّوفيةِ بالحرمينِ، فإنَّه كانَ في زِيّهم ولِباسهِم وأخلاقِهِم في أعلى المراتبِ. وكانَ إِمامًا في عِلْمَي الرِّجالِ والحديثِ مع حَردةٍ (١)، وسكينةٍ، وِحشمةٍ مع ما رُزقَ من الشِّكالةِ الحسنةِ، والخِصالِ المُستحسَنةِ، ولم يتزوَّجْ قطُّ (٢)، بل كان عندهُ جوارٍ يقومونَ بِخدمتِهِ وخدمةِ أصحابِهِ. ولما تُوُفِّيَ أبوهُ قامَ بِخدمَةِ أخيهِ التَّقِيِّ أبي الحزمٍ عبدِ الرَّحمنِ، وكفلَ أيضاً بنَ أختِهِ عبدَ العزِيزِ بنَ يحيَى بنِ العفيفِ، فربَّاهما جميعًا، وأشغلهُمَا بالعلمِ على الشُّيوخِ، وكانَ كلُّ شيخٍ ذي علمٍ يَرِدُ إلى المدينةِ يُحسنُ إليهِ، ويُلزمُهُما العَكوفَ عليهِ. وامتُحِنَ في دُنياهُ في سنةِ اثنتينِ وأربعين بعدَ موتِ الطواشيِّ مختارٍ البغداديِّ؛ لكونِهِ كانَ وَصيًّا على أولادِ العفِيفِ ابنِ مزروعٍ، وهم أولادُ أختِ العفيفِ هذا. وكانَ (٣) الوالي في المدينةِ يومئذٍ ثابتَ بنَ جمَّازٍ نيابةً عن أخيهِ وُدَيٍّ، فطلبَ العفيفَ،

стр. 1685

واتَّهمَهُ أنَّ للطواشيِّ عندَهُ مالًا، فحلفَ لهُ أنَّه ليسَ لهُ عِندهُ شيءٌ، فلمْ يُصدِّقهُ، وأنزلهُ مع غَيرِهِ مِنْ أخصامِهِ الجُبَّ، وأقامَا بهِ نحوَ يومَيْنِ بلياليهِمَا، وكانتْ حادثةً شنيعةً غَرِمَ فيهَا ودائعَ كانتْ تحتَ يده؛ فإنَّه نُهِبَ جميعُ ما في حوزتِهِ مِنْ كتبٍ وأثاثٍ ومالٍ، ولمْ يلبثْ ثابتٌ إلّا يسيرًا، وقُتلَ بعدَ أنْ ضاعَ ممَّا نُهبَ جملةٌ، وهي دونَ عشرةِ آلافٍ، وآل الأمرُ إلى أنْ اشتَرَى العفيفُ كتبَهُ مِنَ الوزيرِ محُمَّدِ بنِ يعقوبَ، وعوَّضَهُ اللهُ خيرًا مِمَّا ذهبَ لهُ. وذكرهُ المجدُ (١)، فقال: شيخُ العلمِ والحديث، والتَّصوُّفِ والتَّأذِينِ، بحَرمِ رسولِ اللهِ ﷺ ، جمعَ إلى حُسنِ الخَلْق محاسنَ الأخلاقِ، ورحلَ إلى مِصرَ والشَّام والعراقِ، وبرعَ في علمِ الحديثِ والتَّاريخِ وفاقَ، وصارَ عَديمَ النَّظِيرِ فيهمَا بالاتِّفاقِ. أدركَ مِنْ أكابِرِ المسندِينَ جمعًا كثيرًا، ولَقِيَ من المشايخِ المعتبَرِينَ جمًا غفيرًا، اختارَ متاعبَ السَّفرِ على الإِسارِ في سِرارِ (٢) أُسرتِهِ، فسفرَ السَّفَرُ عن سرارةِ أساريرِ (٣) غُرَّتِهِ، رجعَ عن بغدادَ وتبريز؛ وقدْ سبَكتْهُ المسافرةُ سبكَ الذَّهبِ الإبريزِ، وبرزَ في العلومِ على الأقرانِ أيَّ تبرينر، فأقامَ في مولدِ أشرفِ البلادِ، مُتَنَحِّيًا عنِ التَّعلقِ بالأهلِ والأولادِ، سالكًا مسالكَ المجرَّدِينَ، صارفًا أوقاتَهُ في
следующие страницы →