الوقتَ مِنَ المآكلِ والطُّرف ونحوِها، وقطعَهَا بذلكَ أوقاتًا طيِّبةً.
ويُهرعُ لهذه المشاهدِ جمهورُ النَّاسِ، ويكادُ أنْ يعمَّهُم بالإطعامِ، كما أنَّهُ يتكلَّفُ لكثيرِين من أهلِ القافلةِ، ولبعضِ منْ يمسُّهُ منهُ الأذَى سفرًا أو حَضرًا مِن أقربائِهِ وذوِي رحمِهِ. ولذَا وغيرِه كثرتْ ديُونُه، بحيثُ أخبرنِي أنَّها تقاربُ ثلاثةَ آلافِ دينارٍ.
وأنشأَ بكلٍّ منَ الحرمينِ بَيتًا، وأسنَدَ الخواجَا حسينُ بنُ قاوان إليهِ وصيتَهُ؛ لكونِهِ كان زَوجًا لأختهِ في آخَرِين، ولم يَسلمْ في كلِّهِ من مُنتقدٍ خصوصًا وهو يتَعَالى -عنِ الاجتماعِ- عن جُلِّ رفاقِهِ القُضاةِ، حتَّى لا يجلِسَ في محلٍّ لا يرضاهُ.
وقد رافقتُهُ في التَّوجُّهِ من مَكَّةَ إلى المدينةِ في سنةِ سبعٍ وثمانين، فحمدتُ مرافقَتَهُ وإِفضالَه، وكثرَ اجتماعُنا في الموضعينِ، وزُرنَا جميعًا كثيرًا من مشاهدِ المدينةِ: كقباءَ، والسيدِ حمزةَ، والعوالِي.
وسمِعَ منِّي، بل كتبتُ عنهُ مِن نظمِهِ وعندَهُ مِن تصانِيفِي عدَّةٌ، وكان يُعلِمنِي بما يستفيدهُ مِنها، ويَستصحِبُ بعضَها في أسفارِهِ ويتلذَّذُ بما يُعجِبُهُ فيها من العِبَاراتِ، ويُنبِّهُ جماعتَه على ذلك، وكُتُبهُ تَرِدُ عليَّ بالثَّناءِ البالغِ، والوصفِ لي بشيخِ الإسلامِ.
بل قالَ بحضرتِي في مجاورتِي الرَّابعةِ للقاضِي الشَّافعِي: ولم يخلفْ شيخُنا الأمينيُّ الأقصرائيُّ في طريقَتِهِ مع أهلِ الحرمينِ وكذا وكذا إلَّا فلانًا، ومرَّةً: وهو
стр. 1997
غيثٌ بكلِّ مكانٍ حَلَّ بِهِ نَفَعَ أهلَه، إلى غيرِها، ثُمَّ تزايدَ مِن الإفضالِ جدًا والثَّناءِ حتَّى بأميرِ الحرمين (١)، وفي التِماسِ اقتفائِي في الزِّيارَةِ حينَ التوجُّهِ في قافلتِهِ سنةَ وفاتِهِ، إلى أن ماتَ، وذلك في ضُحَى يومِ الخَميسِ ليلةَ الجمعةِ والنِّصفِ من شَعبانَ سنةَ خمسٍ وتِسعينَ وثمانِ مئةٍ بعدَ تعلُّلٍ نحوَ نصفِ شهرٍ شَهيدًا بالإسهالِ، وصُلِّيَ عليهِ بعدَ عصرِهِ بالرَّوضةِ، ودُفنَ بالبقيعِ عندَ قبرِ أمِّهِ وأختِهِ (٢). وتأسَّفنا على فَقدِهِ. ورؤيتْ لهُ مناماتٌ جمةٌ صالحة، وما خلَّفَ بعدَهُ في مجموعِ ما أثبتَهُ مِثلَهُ.
وخلَّفَ ذكرًا وأربعَ إناثٍ مِن أمِّهاتِ أولادٍ شتَّى. عوَّضَهُ اللهُ الجنَّةَ، ورحمهُ، وخلفَهُ فِيهِم خيرًا، وأقرَّ عينه بوفاءِ دَينِهِ. وفي ترجمته من "الضوء اللامع" (٣) من نظمِهِ ونثرِه ما يشرحُ الخاطرَ بإيرادِهِ (٤).
٢٤٩٧ - عبدُ القادرِ بنُ مُحمَّدِ ابنِ النُّورِ عليِّ بنِ عمرَ بنِ حمزَةَ، الإمامُ العلَّامةُ، مُحيي الدِّينِ، ويُلَقَّبُ بدرَ الدِّينِ أيضًا، القُرشيُّ، العُمريُّ، الحرَّانيُّ، ثُمَّ المدنيُّ، الحنبليُّ، الفرَّاشُ بالحرمِ النَّبويِّ، ويعرفُ بالحجَّارِ (٥).
وُلدَ لثمانٍ خلتْ مِن ربيعٍ الأوَّلِ سنةَ اثنتينِ وثلاثينَ وسبعِ مئةٍ، وأُحضِرَ في
стр. 1998
الخامسةِ مِن شعبانَ سنةَ سبعٍ وثلاثينَ على جدِّهِ النُّورِ "مسلسلات ابن شاذان" (١)، ثُمَّ سمِعَ عليهِ شيئًا يسيرًا من أوَّلِ "سباعيات مُؤْنِسَة خَاتُون" (٢) و "ثمانياتها"، ثُمَّ بعدَ الخمسين سمِعَ بالمدينةِ على إبراهيمَ بنِ رجبٍ السَّلمانيِّ شيئًا من "الدِّراية في اختصار الرعاية" للشَّرفِ ابنِ البارزيِّ بروايتِهِ عنه، ولازمهُ وانتفعَ بهِ.
وفي سنةِ سبعٍ وستين سمِعَ أيضًا -ومعهُ أكبرُ أولادِهِ- الثلاثةِ المسمَّينَ -مُحمَّدٌ- على البدرِ ابنِ فرحونٍ من "الأنباءِ المُبِينَةِ" لابنِ عساكرَ.
وفي سنةِ ثمانٍ وستِّينَ بدمشقَ "السنن" لأبِي داودَ على ابنِ أُميلةَ، وكذا سمِعَ هناكَ على غيرِهِ وحدَّثَ. سَمعَ عليهِ أبو الفَتحِ المراغِيُّ "السباعيات" المشارَ إليهَا.
وكانَ إمامًا عالمًا خيِّرًا. رأيتُ بخطِّهِ كراسةٍ نقلهَا من "مفتاح دار السعادة" لابن قيمِ الجوزيَّةِ، وماتَ في آخرِ سنةِ تسعٍ وتسعين وسبعِ مئةٍ بالمدينةِ، ودُفنَ بالبقِيعِ.
وهو في "إنباء" شيخِنا (٣)، ﵀.
٢٤٩٨ - عبدُ القادِرِ بنُ مُحمَّدِ بنِ يَعقوبَ المدنيُّ، المالكيُّ (٤).
أخُو عبدِ الوهَّابِ الآتي، وعمُّ القاضِي للمالكيةِ بمَكَّةَ النجمِ مُحمَّدٍ.
ابنةِ الأَذْرَعيِّ. وسمِعَ بها على ابنِ أبِي المجدِ -لما استقدَمهُ يَلْبُغَا السالميُّ (١) من دمشقَ- "صحيحَ البخاري" وغيرَه.
وأخذَ علمَ الحديثِ عن الزَّينِ ابنِ العراقيِّ، والفقهَ عنِ ابنِ المُلَقِّنِ، وسَمِعَ منهُ كثيرًا، وحضرَ مجَلسَ البُلْقِينِيِّ، واستفادَ مِنهُ ومِنَ الوليِّ العراقِيِّ، وعادَ لمكَّةَ في سنةِ تسعٍ وتِسعينَ، وقد بَرَعَ في فنونٍ منَ العِلمِ.
وفي سنةِ ثمانِ مئةٍ قرأَ في الرَّوضةِ وغيرِها على الجمالِ ابنِ ظَهيرةَ، ولازمهُ كَثِيرًا، وانتفَعَ بهِ، وفي التي تَلِيهَا، والفقهَ على الأبْناسِيِّ (٢) بمَكَّةَ، وأذِنَ له في التَّدرِيسِ.
وفي سنةِ ثلاثٍ دخلَ اليمنَ أيضًا، وأخذَ بزَبِيدٍ عن الشِّهابِ أحمدَ بنِ أبِي بكرٍ النَّاشِريِّ (٣)، وأذِنَ لهُ في الإفتاءِ والتَّدرِيسِ، وعادَ لِمَكَّةَ وقدْ تَأثَّلَ قليلًا من الدُّنيا، ففاتَ ذلك منه قبلَ وصولِهِ إليها. وتوجَّهَ إلى مِصرَ بعدَ أن حجَّ سنةَ أربعٍ، وأقبلَ فيها كثيرًا على العِلمِ، فأخذَ عن علمائِهَا: كالجلالِ البُلْقِينيِّ (٤)، والوليِّ ابنِ العراقيِّ،
стр. 2012
والنُّورِ عليِّ بنِ قبيلةَ البكريِّ (١)، ومَمَّا أخذهُ عنهُ: "المختصرُ الأصلي" لابنِ الحاجبِ، وكان البكريُّ خَبِيرًا بهِ، وأذِنُوا لهُ في الإفتاءِ والتَّدرِيسِ وكان إذنُ (٢) ثانِيهِم له بذلك في سنةِ سبعٍ.
وفيها حجَّ، ثُمَّ عادَ إلى القاهرةِ مُستمرًا على طَرِيقتِهِ في ملازمةِ الاشتغالِ، فتزايدَ فضلُهُ، وحجَّ سنةَ ثمانٍ، وأقامَ بمكَّةَ يُدَرِّسُ ويُفتِي، ثُمَّ حجَّ في سنةِ تِسعٍ، وعادَ إلى القاهرةِ، ومنهَا توجَّهَ في أثناءِ سنةِ عشرٍ إلى تونسَ، وأخذَ عنهُ بها روايةً قاضي الجماعةِ بها عيسىَ الغُبرِينِيّ (٣)، ونالَهُ بِرٌّ قليلٌ من صاحبِها، وعادَ إلى مصرَ في سنةِ إحدَى عشرةَ، وفيها حجَّ، وأقامَ بمَكَّةَ حتَّى حجَّ في سنةِ اثنتي عشرةَ، وتوجَّهَ في بقِيَّتِهَا، أو في أوائِلِ التي بَعدَها إلى القاهرةِ، وأقامَ بِهَا.
وأذِنَ له العزُّ ابنُ جماعةَ في الإفتاءِ والتَّدرِيسِ في فنونٍ من العلمِ، في سنةِ أربعَ عشرةَ، وكان يقرأُ عليهِ في مدَّةِ سنتينِ قبلهَا، ثُمَّ توجَّهَ فيهَا إلى مَكَّةَ مع الحاجِّ، وقد وليَ نصفَ الإِمامةِ بمقامِ إبراهيمَ عِوضًا عن أبي الخيرِ [بن] أبِي اليُمنِ الطبريِّ بعدَ وفاتِهِ، فصدَّهُ عنِ المباشرةِ صاحبُ مَكَّةَ السَّيدُ حسنُ بنُ عجلانَ الحسنيُّ لاعتقادِهِ في الشَّيخِ أبِي اليمنِ.
стр. 2013
وأقَامَ بِمَكَّةَ سنةَ خمسَ عشرةَ، وزَارَ فِيها النَّبيَّ ﷺ ، وابنَ عمِّهِ ابنَ عباسٍ بالطائفِ.
وأخذَ فيهَا بِمكَّةَ عنِ الإمام حسامِ الدِّينِ الأَبِيْوَرْديِّ (١): "تأليفَهُ في المعاني والبيانِ"، وفي الأصولِ، وفي "شرحِ العضدِ"، وفي "الشمسيةِ" في المنطق.
وعن أبِي عبدِ اللهِ الوَانُّوغِيِّ: التفسيرَ، والأصولَ، والعربيةَ، وكانا يُثنيانِ عليهِ كثيرًا بِحسنِ فَهمِهِ وبحثِهِ.
ثُمَّ توجَّهَ بعدَ الحجِّ مِن سنةِ خمسَ عشرةَ مع الرَّكبِ المصريِّ إلى القاهرةِ، ودَخلهَا في محرَّمِ التِي تلِيهَا، وأقامَ بها حتَّى ماتَ، غيرَ أنَّهُ دخلَ مِنهَا إسكندريَّةَ مرَّتَينِ: سنةَ عشرينَ، وسنةَ اثنتينِ وعشرينَ، وماتَ بعدَ قدومِهِ بخمسةَ عشرَ يومًا.
وكانَ كثيرَ النَّبَاهَةِ في الأصلينِ، والفقهِ والتَّفسيرِ، والعربيةِ والمعانِي والبيانِ، والمنطقِ، مليحَ الشَّكالةِ والخِصالِ، ذا حظٍّ من العِبادةِ. دَرَّسَ بالحرمِ وأفتَى، وكانَ مُجيدًا في الإفتاءِ والتَّدريسِ والفهمِ، والكِتابةِ سريعَهَا، ووليَ الإعادةَ بالمدرسةِ المجاهديَّةِ (٢)، ولم يباشرها لغيبتِهِ بِمصرَ، والإعادَةَ بالمدرسةِ المجاورةِ لضريحِ الشافعيِّ بالقَرافةِ، وكتبَ بخطِّهِ أشياءَ كثيرةً لنفسهِ، ولغيرِهِ من أصحابِهِ خدمةً لهم.
وقد اختُلفَ في اسمِه، فقالَ الطَّبرانيُّ (١): والصَّوابُ فيه المطَّلبُ، وسيأتي، والجمهورُ على أنَّه ماتَ سنةَ إحدى وستينَ (٢).
٢٥٣٠ - عبدُ المعطي بنُ أحمدَ بنِ مُحمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ موسى ابنِ أبي بكرِ ابنِ أبي العبدِ، النَّجيبُ الزَّينُ، أبو الفضلِ ابنُ الشِّهابِ ابنِ قاضي المالكيةِ بطيبةَ الشَّمسِ ابنِ القَصَبيّ (٣)، السَخَاويُّ، المالكيُّ.
الماضي أبوه، وخالُه الرَّيِّسُ عبدُ الغنيِّ.
وُلدَ في سنةِ ثلاثٍ وثمانينَ وثمان مئةٍ، أو التي قبلَها تقريبًا بالمدينةِ، ونشأَ بها، فحفظَ القرآنَ، وكُتبًا: كـ "الرسالة"، و "المختصر" كلاهما في الفقه، و "التنقيح" في الأصول للقَرَافِي، و "ألفيتي النَّحوِ والحديثِ"، وعرضَهما عليَّ، وعلى أهلِ المدينةِ ونحوِهم، فأجادَ، ولازمَني في سماعِ جُملةٍ مُستكثرَةٍ، وهو متوجِّهٌ للخيرِ لِتُؤَدَتِه وفَهمهِ، وهو أحدُ القرَّاءِ عندَ عمِّه في الفقهِ، وملازمِيه في غيرهِ، ولازمَني في "شرحي للألفية"، وكانَ يكتبُه بخطِّه، وسمعَ منِّي وعليَّ.
[أقولُ (٤): وقد عاشَ بعدَ المؤلِّفِ أزيدَ مِن أربعين سنةً، وتزوَّجَ مِن ابنةِ عبدِ القادرِ بنِ مُحمَّدِ بنِ يعقوبَ الكُبرى، وأولدَها عددًا، وتقرَّرَ في الوظائفِ،
стр. 2028
والصررِ (١)، وحصل الأرض، بل والدُّورَ وعمَرَها. ودرَّسَ، وقرأَ الحديثَ في الرَّوضةِ الشَّريفةِ في الأشهرِ الثَّلاثةِ، وليلةِ المولدِ، والمعراجِ، ويُهانُ مِن شيوخِ المدينةِ لإنكارِه على أكابرِ بلدِه، فلذلكَ لم يميلوا إليه، ولم يُعوِّلوا في قضيةٍ عليه].
٢٥٣١ - عبدُ المعطي بنُ خَصِيبٍ -بمعُجَمةٍ، ثمَّ مُهمَلة كَلَبِيبٍ- ابنِ زائدِ بنِ جامعٍ، أبو المواهبِ ابنُ أبي الدَّخا، بمُعجمةٍ -نسبة لعَربٍ بالمغرب، يقالُ لهم: بنو مُحمَّدٍ- التونسيُّ، المغربيُّ، المالكيُّ، نزيلُ مكَّةَ (٢).
وُلدَ سنةَ تسعٍ وعشرين وثمان مئةٍ، أو في التي بعدَها بباديةِ تونسَ، ونشأَ بها، فأخذَ الفقهَ وأصولَه والعربيةَ وغيرَها عن: عيسى الخَصِيبي، وعلى المغربيِّ الحسَّانيِّ، وأبوي القاسمِ المصموديِّ (٣)، [والفهميِّ الفاسيِّ] (٤)، تلميذي [ابنِ] (٥) عرفةَ، ولازمَ الثَّالثَ فيها وفي القراءاتِ، وتهذَّبَ بهم في السُّلوكِ والعرفانِ، وأتقنَ أصولَ الدِّينِ معَ الرَّابعِ، وكلُّهم ممَّنْ صحبَ فتحَ اللهِ العجميَّ (٦)، بل هو ممَّنْ انتمى
стр. 2029
صاحبُ التَّرجمةِ أيضًا إليه، ولازمَه، فسلكَ به، وأشارَ عليه بالأخذِ عن الأَوَّلَيْنِ.
وكذا أخذَ عن عبدِ الغنيِّ اللَّجَميِّ (١)، أحدِ مَن حضرَ عندَ ابنِ عرفةَ. بل حضرَ أيضًا دروسَ [أحمدَ] القَلْشانيِّ (٢)، وأخيهِ عمرَ (٣)، ومُحمَّدِ بنِ عُقابٍ (٤) في آخرينَ.
وتميَّزَ في فنونِ العلمِ وطريقِ القومِ، [وهاجرَ] (٥) مِن بلادِه، فدخلَ القاهرةَ ليلقَى مَنْ بها مِن المساكينِ (٦) والعلماءِ، فرأى بعضَ العارفينَ بجامعِ الأزهرِ، فلوَّحَ له بالتَّوجُّهِ إلى مكَّةَ، فسافرَ في البحرِ، فوصلَها في أثناءِ سنةِ ستين، فحجَّ، ثمَّ رجعَ إلى المدينةِ، وسمعَ بها على أبوي الفرجِ المراغيِّ، والكازرونيِّ، ودامَ بها ثلاثَ سنين، يحجُّ في كلِّها، ثمَّ قطنَ مكَّةَ، ولم يخرجْ منها إلا لبيتِ المقدسِ ودمشقَ، واجتمعَ في كلٍّ منها بجماعةٍ، وزارَ الخليلَ، وكانَ يتحرَّجُ مِن الدُّخولِ لعلوِّ
стр. 2030
السِّردابِ أدبًا، ويقفُ بمكانٍ، فاتَّفقَ أنَّه رأى الخليلَ ﵇ في المنامِ، وأمرَه بزيارةِ بنيه (١) بعدَ أنْ كانَ عزمَ على التَّركِ حينَ رأى عِدَّةَ الجمعِ الذي لا يحصلُ له معه توجهٌ (٢)، فامتثلَ، وكانَ في سنةِ خمسٍ وستين والتي تليها بتلكَ النَّواحي لم يحجَّ في أوَّلِ السِّتين، وعادَ لمكَّةَ وقد تمكَّنَ مِن العرفانِ، وتفنَّنَ في طرقِ الإرشادِ والبيان، فانقطعَ بها في ذلكَ وهو مُقِلٌّ مِن الدُّنيا، ولم يخرجْ منها لغيرِ (٣) الزِّيارةِ النَّبويةِ، وخالطَ بعضَ الأئمةِ، وأكثرَ بمكَّةَ مِن الانجماعِ والسُّكونِ، معَ مزيدِ العبادةِ، والقوَّةِ، وحُسنِ العِشرةِ والخبرةِ (٤) التامَّةِ، والفَهمِ الجيِّدِ، فصارَ بهذهِ الأوصافِ إلى شُهرةٍ وجلالةٍ، وانتشرَ أمرُه، وظهرَ ذِكرُه، وارتقَى في الحالِ، وصارتْ له دورٌ (٥) بمكَّةَ، ومِنىً، وجُدَّةَ، بل أنشأَ بالمعلاةِ تربةً لزوجتِه بني راحاتٍ، وكانتْ تذكرُ بمالٍ [جزيلٍ]، فاستمرَّ يتجرَّعُ بها الابتلاءَ معَ غيرِها حتَّى ماتتْ، وتمكَّن مِن تعلُّقِها.
ورغبَ في لقائِه جماعةٌ مِن الفضلاءِ، وأثنوا عليه، وأقرأَ في التَّصوُّفِ، بل حدَّثَ بـ "صحيح مسلم"، وعدَّةٍ، وربَّما أقرأ "التائية"، ونحوَها، مع إنكارِه على المطالعينَ لكلامِ ابنِ عربيٍّ، وكنتُ ممَّنْ جالسَه، وسمعتُ كلامَه، وتودَّدَ بي، وكتبَ
стр. 2031
بخطِّه مِن [تصانيفي] "القول البديع"، وغيرَه، ولا يجارى وهو مؤملٌ.
٢٥٣٢ - عبدُ الملكِ بنُ إبراهيمَ بنِ جبرٍ، أبو مروانَ، المدنيُّ، البزَّارُ (١).
عن: رباحِ بنِ صالحٍ، وسالمِ بنِ عبدالله، وعنه: خالدُ بنُ مخَلدٍ، وإسماعيلُ بنُ أبي أُويسٍ، والقعنبيُّ، وغيرُهم. قالَ أبو حاتمٍ (٢): مجهولٌ.
وهو في "الميزان" (٣).
٢٥٣٣ - عبدُ الملكِ بنُ أحمدَ بنِ مُحمَّدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عبدِ الله العثمانيُّ، الأمويُّ، المدَنيُّ، المالكيُّ.
سِبطُ البدرِ عبدِ اللهِ بنِ مُحمَّدِ بنِ فرحونٍ، والماضي أبوه. كانَ ذكيًّا، حفظَ بعضَ الكتبِ، وسافرَ لمصرَ بعدَ أبيهِ، فماتَ في الطَّاعونِ سنةَ إحدى وثمانين وثمان مئة ظنًّا.
٢٥٣٤ - عبدُ الملكِ بنُ أبي بكرِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامِ بنِ المغيرةِ المخزوميُّ، المدنيُّ (٤).
مِن أهلِها، أخو الحارثِ، وعمرَ، وعبدِ الله، وعبدِ الملكِ، وسلمةَ.
يروي عن: أبيهِ، وخلَّادِ بنِ السَّائبِ، وخارجةَ بنِ زيدٍ، قيل: وعن أبي هريرةَ،
стр. 2032
وعنه: الزُّهريُّ، وأبو حازمٍ الأعرجُ، وابنُ جُريجٍ، وآخرون. وثَّقه العِجليُّ (١)، وابنُ حِبَّانَ (٢)، وذَكرَ في الرُّواةِ عنه: عبدَ اللهِ بنَ عبيدِ بنِ عميرٍ. وكانَ جوادًا سخيًا، ماتَ في أوَّلِ ولايةِ هشامِ بنِ عبدِ الملكِ، وهو في "التهذيب" (٣).
٢٥٣٥ - عبدُ الملكِ بنُ جابرِ بنِ عَتِيكٍ الأنصاريُّ، المدَنيُّ (٤).
يروي عن: جابرٍ، وعنه: عبدُ الرَّحمنِ بنُ عطاء بنِ أبي لبيبةَ. قالَه ابنُ حِبَّانَ في ثانيةِ "ثقاته" (٥)، وكذا روى عنه: طلحةُ بنُ خراشٍ. قالَ أبو زُرعةَ: مدينيٌّ ثقةٌ، وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ: ليسَ بمشهورٍ بالنَّقلِ، وهو في "التهذيب" (٦).
٢٥٣٦ - عبدُ الملكِ بنُ حذيفةَ بنِ دابٍ المدَنيُّ (٧).
يروي المراسيل، وعنه: صالحُ بنُ كيسانَ. قاله ابنُ حِبَّانَ في ثالثةِ "ثقاته" (٨).
٢٥٣٧ - عبدُ الملكِ بنُ الحسنِ بن بِتِنَّه (٩) -بكسر الموحَّدةِ، والمُثنَّاة، ورأيتُهما مرَّةً
стр. 2033
مفتوحتين، ثمَّ نونٍ مشدَّدةٍ- أبو مُحمَّدٍ الأنصاريُّ (١).
شيخٌ صالحٌ، جاورَ بمكَّةَ. قالَ السِّلَفِيُّ في "معجم السفر" (٢) إنَّه حجَّ سبعًا وَسبعين حجَّةً، واعتمرَ في كلِّ سنةٍ مئةَ عمرةٍ على رِجليه في الأشهرِ الثَّلاثةِ (٣) وأوَّلِ ذي الحجَّةِ، وزارَ النَّبيَّ ﷺ أربعَ عشرةَ مرَّةً.
سمعَ أبا القاسمِ عليَّ بنَ الحسينِ بنِ مُحمَّدٍ الفسويَّ، وعبدَ العزيزِ بنَ بُندارٍ الشِّيرازيَّ، وعبدَ الرَّحمنِ بنَ أحمدَ بنِ عمر (٤) الأصبهانيَّ (٥)، وأبا بكرٍ الأرْدَسْتانيَّ (٦).
سمعَ منه السِّلَفيُّ، وأبو بكرِ ابنُ السَّمعانيِّ (٧)، وغيرُهما بمكَّة.
وذكرَ أنَّه صحبَ القاضي أبا الحسنِ البصريَّ، وأبا ذرٍّ الهرويَّ (٨)، وأبا نصرٍ
стр. 2034
السِّجستانيَّ (١)، ونظراءَهم، ولم يسمع منهم شيئًا لاشتغالِه بالسَّفرِ إلى اليمنِ في التِّجارةِ.
٢٥٣٨ - عبدُ الملكِ بنُ [حسنِ] بنِ أبي حَكِيمٍ، أبو مروانَ الأمويُّ، لكونِه مولى مروانَ بنِ الحكمِ، المدنيُّ، الجاريُّ، الأحولُ (٢).
يروي عن: عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، وسَهْمِ بنِ المُعْتَمرِ، وعبدِ الله بنِ دينارٍ، وجماعةٍ، وعنه: حاتمُ بنُ إسماعيلَ، وزيدُ بنُ الحُبَابِ، وأبو عامرٍ العَقَديُّ، والقَعْنَبيُّ، وخالدُ بنُ مَخْلدٍ. وثَّقَهُ ابنُ مَعِينٍ، ثمَّ ابنُ حِبَّانَ (٣)، وقال: يروي المقاطيعَ والمراسيلَ، وقالَ أحمدُ: لا بأسَ به، وقالَ أبو حاتمٍ (٤): شيخٌ، وقالَ ابنُ المدينيِّ: معروفٌ، وقالَ أبو سعدِ ابنُ السمعانيِّ (٥): عبدُ الملكِ ابنُ الجاريِّ، نسبةً إلى الجارِ: بُليدةٍ على السَّاحلِ بقربِ المدينةِ، وذُكِرَ في "التهذيب" (٦).
٢٥٣٩ - عبدُ الملكِ بنُ زَيْدِ بنِ سَعيدِ بنِ زَيْدِ بنِ عَمروِ بن نُفَيلٍ القُرَشيُّ، العَدَوِيُّ، المدنيّ (٧).
стр. 2035
يروي عن: المدنيينَ، وعنه: مُحمَّدُ بنُ إسماعيلَ بنِ أبي فُدَيْكٍ. قالَه ابنُ حِبَّانَ في ثالثةِ "ثقاته" (١). ويروي أيضًا عن: مُحمَّدِ بنِ أبي بكرِ بنِ عَمروِ بنِ حزمٍ، ومصعبِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ، وعنه: ابنُ مَهديٍّ.
قالَ عليُّ بنُ الجُنَيْدِ: ضعيفُ الحديث، والنَّسائيُّ: ليسَ به بأسٌ، وأوردَ له ابنُ عَديٍّ (٢) مِن حديثِه حديثينِ قال: وهما مُنكرانِ، لم يروِهما غيرُه. وهو في "التهذيب" (٣).
٢٥٤٠ - عبدُ الملكِ بنُ زيدٍ القُرشيُّ، العدَويُّ (٤).
مِن ولدِ سعيدِ بنِ زيدِ بنِ عَمروِ بنِ نفيلٍ، المدَنيُّ. روى عن: أبي بكرِ بنِ مُحمَّدِ بنِ عَمروِ بنِ حزمٍ، ومصعبِ بنِ مصعبٍ، وعنه: مُحمَّدُ بنُ إسماعيلَ بنِ أبي فُدَيكٍ. ذكرَه ابنُ عديٍّ، وأوردَ له عنْ كلٍّ مِن شيخيه حديثًا، وقالى: إنَّهما مُنكرانِ بهذا الإسنادِ، لم يروِهما غيرُه، ولا عنه إلا ابنُ [أبي] (٥) فُديكٍ. وهو في "اللسان" (٦).