وكان إمامًا عالمًا متحرِّيًا في الأخذِ، بِحيثُ إنَّهُ يستحلفُ مَن يحدِّثُهُ بالحديثِ سوى أبي بكرٍ (١).
وكانَ قتلُهُ بالكوفةِ على يدِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ مُلجمٍ الشَّقيِّ، في رمضانَ سنةَ أربعين، عن سِتِّين سنةً فأكثر بسنةٍ أو سنتينِ أو أقلَّ، وصلَّى عليهِ ابنهُ الحسنُ، ودُفنَ بالكوفةِ عندَ قصرِ الإمارةِ، وعُمِّي قبرهُ لئلا يَنبِشَهُ الخوارج، وقيلَ: إنَّ الحسنَ نقلهُ إلى المدينة، بِحيثُ قالَ المبرِّدُ (٢) عن محمَّدِ بنِ حبيبٍ (٣): إنَّهُ أوَّلُ مَن حُوِّلَ مِن قبرٍ إلى قبرٍ، وذلكَ كما قال غيرُهُ: صُبِّر في صندوقٍ، وكثَّرُوا عليهِ منَ الكافورِ، وحُمل على بَعيرٍ يريدون بهِ المدينةَ، فدُفِن بالبقيعِ عندَ زوجتِهِ فاطمةَ الزَّهراءِ.
وكان يقولُ: بُليتُ بأربعةٍ: أطوع النَّاسِ في الناسِ عائشةَ، وأشدّ النَّاسِ الزُّبيرِ، وأعبدِ النَّاسِ محمَّدِ بنِ طلحةِ بنِ عبيدِ الله، وأسخَى النَّاسِ يَعْلَى بنُ مُنْيَةَ (٤)؛ كان يعطِي الرَّجلَ ثلاثينَ دِينَارًا وفرسًا يقولُ: اخرج قاتِل عليًّا، وقُتِل محمَّدٌ يومَ الجمَلِ، وكانَ عليٌّ يقولُ: ما قتلهُ إلَّا طاعةُ أبِيهِ. قتلهُ مروانُ بنُ الحكمِ، وكذَا قُتِل
стр. 2235
الزُّبيرُ، قَتلهُ ابنُ جرمُوزٍ وهو مُنصرِفٌ.
٢٨٣٢ - عليُّ بنُ عبدِ الله بنِ أحمدَ بنِ أبِي الحسنِ عليِّ بنِ عِيسَى بنِ محمَّدِ بنِ عيسَى بنِ أبي عبدِ الله محمَّدِ ابن شرفِ الدِّينِ ابنِ الرُّوحِ عِيسى ابنِ أبي عبدِ الله محمَّدِ ابنِ الرُّوحِ عيسَى ابنِ جلالِ الدِّينِ ابنِ العلاءِ ابنِ أبِي الفضلِ جعفرِ بنِ عليِّ بنِ محمَّدِ بنِ حسنِ بنِ محمَّدِ بنِ إسحاقَ بنِ محمَّدِ بنِ سُليمانَ بنِ داودَ بنِ الحسن المُثَنَّى بنِ الحسنِ الأكبرِ بنِ عليِّ بنِ أبِي طالبٍ، النُّورُ أبو الحسنِ ابنُ الجمالِ، الحسنيُّ، السَّمهوديُّ، القاهريُّ، الشَّافعيُّ، نزيلُ الحرمينِ، وعالمُ طَيبةَ، ويعرفُ بالشَّريفِ السَّمْهُوديِّ (١).
وُلدَ سنةَ أربعٍ وأربعِين وثماني مئةٍ بسَمْهُودَ (٢)، ونشأ بها، فحفظَ القرآنَ، و"المِنهاجَ"، ولازَم والدَهُ حتَّى قرأهُ عليهِ بَحثًا مع شرحِهِ لـ "المحلِّي" و"شرح البهجة"، لكنَّ النِّصفَ الثَّاني مِنه سماعًا، و"جمع الجوامع"، وغالب "ألفية ابن مالك"، بل سمع عليه جُلَّ "البخاري"، و"مختصر مسلم" للمنذريِّ، وغيرَ ذلك.
وقدِمَ القاهرةَ معهُ، وبمفردِهِ غيرَ مرةٍ، أوَّلُها سنةَ ثمانٍ وخَمسينَ، ولازم أوَّلًا الشمسَ الجَوْجَرِيَّ في الفقهِ وأصولِهِ والعربِيَّةِ، فكانَّ ممَّا قرأَ عليهِ: جميعُ "التوضيحِ" لابن هشامٍ، و"الخزرجية" مع "الحواشي الإِبْشِيطِية"، و"شرحِهِ للشذورِ"، والرُّبعَ الأوَّلَ من شرحِ "البهجة" للوليِّ (٣)، و"شرحِ شيخِهِ المحلِّي
стр. 2236
للمنهاج" قراءةً لأكثرِهِ، وسَماعًا لِسائِرِه، مع سماعِ غالبِ شرحِ شيخهِ أيضًا لـ "جمع الجوامع"، بل قرأَ بعضَهما على مؤلِّفِهِما، مع سماعِ دروسٍ من "الروضة" عليهِ بالمؤيَّديَّةِ، وأكثرَ مِن ملازمةِ المناوِيِّ (١)، وكان مِمَّا أخذهُ عنه: تقسيمُ "المنهاج" مرَّتينِ بفوتِ مجلسٍ أو مجلِسَين في كلٍّ مِنهما، لكنَّهُ تلفَّقَ لهُ مِنهما مَعًا، و"التنبيه"، و"الحاوي"، و"البهجة" بفوتٍ يسيرٍ في كلٍّ منهما، وجانبًا من شرح "البهجة"، ومن شرحِ "جمع الجوامع"، كِلاهُما لشيخِهِ، وقِطعةٌ من حاشيتِهِ على أوَّلِهمَا، ومِمَّا كتبَهُ على "مختصر المُزَنِّي" في درسِ الشَّافِعِيِّ، وعلى "المنهاجِ" في درسِ الصَّالحِيَّة (٢)، وممَّا قرأهُ عليهِ بحثًا قطعةٌ من "شرح ألفية العراقي"، ومن "بستان العارفين" للنَّوويِّ، وبِجامعِ عمروٍ (٣) جميعَ "الرسالة" للقُشَيْرِيِّ (٤)، وسمِعَ عليهِ "المُسلسل" بشرطِهِ، و"البخاريَّ" مِرارًا بأفواتٍ، وقطعةً من "مسلم"، ومن "مختصرِ جامع الأصول" للبَارِزِيّ، ومن آخرِ "تفسير البيضاويِّ".
وألبَسَهُ خِرْقَةَ التَّصوُّفِ (٥)، وقرأَ على النَّجمِ ابنِ قاضي عَجْلُوْنٍ (٦) بعضَ
стр. 2237
"تَصحيحِ المنهاجِ"، وعلى الشَّمسِ البامِي (١) قطعةً من "شرح البهجة" مع حضور تقاسيمِهِ في "المنهاج"، وعلى الزَّينِ زكريا "شرح المنهاج الأصلي" للإسْنَائِي، وشرحه على "منظومة ابن الهَائِم" في الفرائض، وعلى الشَّمسِ الشُّروانيِّ "شرحَ عقائدِ النَّسفيِّ" للتَّفتازانيِّ بل سمعَهُ عليهِ ثانيةً، وغالبَ "شرح الطوالع" للأصفهانيِّ، وسَمِعَ عليهِ الإلهياتِ بَحثًا بمَكَّةَ، وقطعةً من "الكشاف"، وغالبَ "مختصرِ سعدِ الدِّينِ" على "التلخيص"، وشيئًا من "المطوَّل"، ومن "العضد شرح ابن الحاجب" (٢)، ومن "شرح المنهاج الأصلي" للسيد العِبْريِّ (٣) وغير ذلك.
وحضرَ عِندَ العلمِ البُلْقِينيِّ مِن دروسه في "قطعة الإسنائي"، وعند الكمال إمامِ الكامليَّةِ دروسًا، وألبسَهُ الخِرقةَ، ولقّنَه الذِّكر.
وقرأَ في سنةِ إحدَى وستين "عمدة الأحكام" بحثًا على السَّعدِ ابنِ الدَّيْرِيِّ، وأذِنَ لهُ في التَّدرِيسِ هو والبَامِيُّ، والجَوْجَرِيُّ، وفيهِ وفي الإفتاءِ الشِّهابُ الشَّارِمساحيُّ (٤) بعد امتحانِهِ له في مسائلَ ومذاكرتِهِ معهُ، وفيهما أيضًا زكريا، وكذا
стр. 2238
المحلِّيُّ، والمناوِيُّ، وعظُمَ اختصاصُهُ بِهما، وتزايَدَ معَ ثانِيهما، بحيث خطبَهُ لتزوِيجِ سِبطتِهِ الشَّريفةِ ابنةِ أحمدَ المصريِّ الصفَّارِ.
وقرَّرهُ مُعيدًا في الحديثِ بجامعِ ابنِ طُولون (١)، وفي الفقهِ بالصَّالحيَّةِ، وفي غيرِهما مِن الوظائِفِ والمرتَّباتِ، وأسكنَهُ قاعةَ القضاءِ بها، وعرضَ عليهِ النِّيابةَ فأبَى، ثُمَّ فُوِّضَ إليهِ عندَ رُجوعِهِ مَرَّة إلى بلدِةِ مع القضاءِ (٢) النَّظرُّ في أمرِ النُّوابِ بالصَّعِيدِ، وصَرفُ غيرِ المتأهلِ منهم، فما عملَ بجَمِيعِهِ.
وأخذَ عن: العزِّ عبدِ العزيزِ الوفائيِّ (٣) في الميقات، وغيرِهِ، وكانَ يجيءُ إليهِ للخلوةِ التِي ينزلُ فيها بالمؤيديَّةِ للقراءَةِ.
ثُمَّ إنَّهُ استوطنَ القاهرةَ مع توجُّهِهِ لزِيارةِ أهلِهِ أحيَانًا، ووقَعَ في خاطِرِهِ الإعراضُ عن تِلكَ الجِهاتِ التِي تقرَّرَ فيها بشيءٍ قامَ في نفسِهِ، وأنَّهُ لا يلجئُهُ إليهِ إلا الزَّوجةُ فيفارِقُها. هذا معَ كونِه كانَ قد تكرَّرَ مِن شيخِهِ بنفسِهِ، وبالشَّمسِ الجَوْجَرِيِّ عرضُ تزوُّجِهِ بِها، وأخَّرَ الإجابةَ لاستيدانٍ بهِ، وقُدِّر أنَّهُ سافرَ إليهِ، وكلَّمَهُ فيهِ فلمْ يعد، ولا صرَّحَ بالمنعِ، وسافرَ على ذلكَ، فما وصلَ حتَّى جاءهُ
стр. 2239
العِلمُ بِوفاتِهِ، فرَجعَ فضَمَّ ما حصَلَ لهُ مِن ميراثِهِ، وهو مئةٌ وخمسونَ دِينارًا سِوى الكتبِ وغيرِها، فلمَّا عادَ أخذَ الجَوْجَرِيُّ في التَّكلُّمِ معهُ، وهو يبالِغُ في الاعتذارِ والعجزِ إلى أن أذعنَ ودَفع له ثُلثَ الميراثِ، وقامَ القاضِي بالوليمةِ، فكانَ مصرُوفُها زيادةً على مئةٍ، ودخلَ بِها، ولم يرَ إلَّا خيرًا. بل كانَ القاضِي يحضُّهُ على عدمِ الاتِّساعِ. هذا معَ أنَّهُ كان يريدُ ما تأخَّرَ مِن الميراثِ، فيربحُ فيهِ ما يوازِي كلفتَهُ، فأكثرَ من غيرِ قطعٍ بذلكَ عنِ التَّوجُّهِ للعلمِ، وله في ذلكَ عنايةٌ ربانيةٌ.
ولمَّا حضرَ لشيخِهِ بعد مَا وقعَ في خاطِرِهِ، قال لهُ يومًا: يا فلانُ، الشَّخصُ إذا أقبلَ على الله يُقبلُ النَّاسُ عليهِ أوَّلًا، ثُمَّ ينحرفُونَ عنهُ ويؤذُونَه، لأنَّ سنَّةَ الله في عَبادِهِ قد جرتْ بابتلائِهِم واختبارِهِم، تطهيرًا لهم مِن السُّكونِ إلى القلقِ، وتخليصًا لهمْ من الالتجاءِ لغيرِ الحقِّ. قال تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (١).
ثُمَّ حكَى أنَّ شَيخَهُ السَّيدَ الطَّباطبِيَّ كانَ بخلوتِهِ في جامعِ عمروٍ، فتسلَّطَ عليهِ قُرُقماسُ الشَّعبانيُّ (٢) الناظرُ لهُ، وأخرجهُ مِنها، فلمَّا أصبحَ السَّيدُ جاءهُ شخصٌ، وقالَ له: رأيتُكَ اللَّيلةَ في المنامِ جالسًا بين يَدي النبيِّ ﷺ وهو يُنشدُكَ:
стр. 2240
يا بَني الزَّهراء والنُّورِ الذي … ظنَّ موسى أنَّها نارُ قبَسْ
لا أُوالي الدَّهرَ مَنْ عَاداكمُ … إنَّه آخرُ شطْرٍ مِن عَبَسْ
يُشير إلى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ (١)، ثُمَّ أخذَ النَّبيُّ ﷺ عذَبةً بِسوطٍ في يدهِ، فعقَدهَا ثلاثَ عَقدَاتٍ.
قالَ القاضي: وكانَ مِن تقدِيرِ اللهِ أن ضُربَ رأسُ قُرُقْماس، فلمْ يَزُلْ إلَّا بثلاثِ ضرباتٍ، بحيثُ كانَ ذلكَ الصَّوتُ من قَبِيلِ: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ (٢) ثُمَّ قالَ القاضِي: يا فلانُ، إذَا أقامَ الفقِيرُ بِخَلوةٍ فأُخرِجَ مِنها، فجلسَ في مَوضعٍ قَيَّضَ الله لهُ عِمارتَهُ، ولو كانَ مَزبلةً.
قالَ السَّيدُ: فعلمتُ أنَّ شَيخَنَا يعنِينِي بجُملةِ كلامهِ الأوَّلِ، ولم أعلم أنَّهُ يَعنِينِي بالجُملةِ الأخِيرةِ، ولا حكمةَ عطفِهَا على مَا قَبلَهَا إلَّا بَعدَ مُضِيِّ نحوِ سبعَ عشرةَ سنةً، فإنِّي فارقتُهُ عقِبَ ذِكرِهِ لذَلكَ سنةَ سبعينَ، وسافرتُ -وقد تركتُ الزَّوجةَ والوظائِفَ- ومَعِي (٣) والدتِي إلى الحِجازِ للحَجِّ بَحرًا في ذِي القِعدةِ، وكدتُّ أدركُ الحجَّ فلم يُمكِن، وتألَّمتُ لذَلِكَ شَديدًا، وحصلَ لِي كسرٌ عظيمٌ، فنظرتُ "شرحَ الأسماءِ" للقُشَيْري، وأنَّهُ حكَى عَن بعضِهم ممَّن حجَّ سَبعينَ حجَّةً: وأنَّهُ رأَى في مُنصَرفِهِ مِن آخرها شَخصًا باكيًا، لفواتِ إدراكِهِ الوقوفَ، فقالَ لهُ: هبْ عليَّ
стр. 2241
انكسارِك، وأهبَ لكَ جميعَ حَجَّاتِي. قال: فسُرِّيَ عَنِّي.
وجاورتُ بِمَكَّةَ كلًا من سَنتينِ، وفي أثناءِ الأولى منهما جاءَنِي العِلمُ بوفاةِ شيخِنا الشَّمسِ الشُّروانيِّ في رجُوعِهِ للقاهرةِ، فتكلَّمَ لِي في خلوةٍ مع كوثرٍ أحدِ الخدَّامِ وأعلمَهُ بحَالِي، فأرسلَ إلى شيخِهِم بعد انفصالِ الموسمِ بمفتاحِ خلوةٍ دَاخلَ مؤخَّرِ المسجدِ بجانبِ المنارةِ الغربيةِ الشَّماليةِ، ولا سَقف لهَا.
وكانَ قد اتُّفقَ أنَّ البرهاني ابنَ ظَهِيرةَ قاضِي مَكَّةَ كتبَ لقاضِي المدينةِ الزَّكويِّ بما ينفعُهُ عندَ الله، فصارَ يتردَّدُ إليَّ، بحيثُ توسَّلَ بِي عندَهُ بعضُ المعتبَرين في بعضِ مآربِهِ، بل أحضَرَ صالحٌ سقفَ الخلوةِ وغيرَه، ولم يلبثْ أن سافرَ إلى الرُّومِ، فصارَ أخُوهُ الصَّلاحيُّ يقرأُ عليَّ، فاتَّفقتِ المرافعةُ فيهِ من الصَّلاحِ وغيرِه، فألقَى الشَّيطانُ في مخيِّلَتِهِ كونَ ذلكَ بتحرِيكِي، فبادرَ إلى تحريكِ أحدِ شيوخِ الخدَّامِ بِحيثُ رأيتُ ما وصفَ شيخُنا من إقبالِ النَّاسِ، ثُمَّ ما أشارَ إليهِ من الانحرافِ ممَّا أعظمُ أسبابِهِ إجابةُ المستفتِينَ عن المسائلِ العلميَّةِ، فأغرَى المستقرَّ حِينئذٍ في مشيخةِ الحرمِ، وكانَ لا يَعرفُنِي، وذلكَ قَبلَ وُصولِهِ لمحلِّ وِلايتِهِ، واستكتَبَهُ كِتابًا يتضمَّنُ الأمرَ بإخلاءِ الخَلوة التي كنتُ بها، ويوضَعُ زيتُ المسجدِ بِهَا.
فرأيتُ ليلةَ مَجِيءِ كتابِهِ والدِي بالمنامِ جَالسًا بالمصلَّى النَّبويِّ من الرَّوضَةِ الشَّريفةِ، وأنا خلفَهُ بِها، وهو في غايةِ الحزنِ والكآبةِ، فسألتُهُ عن سببِ ذلكَ؟ فقال: البِسَسُ في مؤخَّرِ الحَرمِ خَرْبَشُوني، فقلتُ له: يا سيدي، خَربشةُ البِسَسِ مِن الأمورِ السَّهلةِ، فاستبشرَ، وأشرقَ وَجهُهُ، وزالَ ذلكَ الحزنُ.
والعَجبُ أنَّنِي كنتُ أُصلِّي خلفَ المصلَّى النبويِّ بالمحلِّ الذِي رأيتُ أنِّي معَ
стр. 2242
والدِي بهِ يومَ مجَيءِ الكتابِ، فجَاءَنِي مَن أعلمَنِي بمضمُونِهِ، فشقَّ عليَّ، ثُمَّ تذكَّرتُ الرُّؤيا، فقلتُ: هذا ما أخبرَ بهِ الوالدُ من خربشةِ البِسَسِ، واستسْهالي لها، فسُريَّ عني، وما كانَ بأسرعَ من مجَيء الشَّيخِ، محمَّدِ ابنِ الزَّينِ المراغي إليَّ، واستخبرني عنِ المقتضي للرَّغبةِ في الخلوةِ؟ فقلتُ لهُ: للقربِ والاعتكافِ ونحوِ ذلكَ، فأشارَ عليَّ بمكانٍ بجانبِ المسجدِ يحصلُ بهِ القرْبُ ونحوُه، فتحوَّلتُ لدارٍ ببابِ الرَّحمةِ مشهورةٍ بدارِ تميمٍ الدَّاري، فاكتَريتُها، ونقلتُ كتُبِي إليها، وكانتْ مُتشعثَةً خَرابًا، فأقمتُ بِها مُدَّةً، ولم يخطرْ بِبَالي قطُّ [أن] أملِكَها، ولا أنْ أعمرَ دارًا، ولا أضعَ لبِنةً على لبنةٍ، ولا أنْ أملكَ بالمدينةِ أبدًا دارًا، ثُمَّ بعدَ أن تحوَّلتُ قدِمَ شيخُ الحرمِ المشارُ إليهِ، وعلمَ بالمقاصدِ السَّيئةِ التي لم تُنهَ إليهِ على وجهِها في أمرِ الخلوةِ، أمرَ بردِّ مفتاحِها إليَّ بحيثُ كان ذلك سببًا لإنشاءِ قصيدةٍ في المدِيحِ النَّبويِّ تَزِيدُ على سِتِّين بيتًا، توسَّلتُ فيهَا بهِ (١) في دفعِ كيدِ الأعداءِ وبَغيِهم، ورأيتُ عَقِبها في منامِي ما يُؤذِنُ بالنَّصرِ مما شاهدتُهُ يقظةً.
وسافرتُ قبلَ الحريقِ الكائنِ في سنةِ ستٍّ وثمانينَ لمكَّةَ، ووردَ علينَا ونحنُ بِهَا أمرُهُ، فسافرتُ بعدَ الحجِّ لزيارةِ الوالدةِ، وكنتُ قد أرسلتُهَا السَّنةَ الثانيةَ من إِقامتِي بالمدينةِ لأجل الإخوةِ، فأدركتُ من حياتِها عشرةَ أيامٍ، ثُمَّ ماتت بِبلدنا سَمْهُودَ غروبَ شمسِ العاشرِ.
ثُمَّ رجعتُ لمصرَ، فأنعم الله بإلهامِ الأشرفِ بدفع مالٍ عندَ سفرِي آخرَ التي
стр. 2243
تَليهَا، فاشتريتُ الدَّارَ المشارَ إليها، ثُمَّ أنعمَ اللهُ بأسبابِ عِمارتِها، ولزمتُ سُكناها، وحينئذٍ حضرتُ -ما لوَّحَ بهِ شيخُنا على وجههِ- الكشفَ. انتهى.
وقد صحبتهُ مِن سنةِ بضعٍ وسِتِّين، ثُمَّ كثرتْ خُلطَتِي بهِ في سنةِ إِحدَى وسَبعين بمَكَّةَ، وكتَبَ بخطِّهِ مصنَّفِي "الابتهاج"، وسمِعَهُ مِنِّي، وكذَا سَمِعَ مِنِّي غيرَهُ مِن تصانِيفِي. وكانَ على خيرٍ وعبادةٍ، وسكونٍ وفتوَّةٍ (١)، وفارقتُهُ بِمَكَّةَ بعدَ أن حجَجْنَا، ثُمَّ توجَّهَ مِنها إلى طَيبةَ كما تقدَّم فقطَنها، ولازَمَ وهو فيهَا الشِّهابَ الإِبْشِيطيَّ، وحضرَ درُوسَهُ في "المنهاج" وغيرِه.
وسمِعَ عليهِ جَانبًا من "تفسير البيضاوي"، ومن "شرح البهجة" للوليِّ، وبحثَ عليهِ "توضيح ابن هشام". بل قرأ عليه من تصانيفِهِ: "شرحه لخطبة المنهاج"، و"حاشيتَه على الخزرجية"، وأذِنَ له في التَّدرِيسِ، وأكثرَ مِن السَّماعِ هناكَ على أبِي الفرجِ المراغيِّ، بل قرأَ بعدَ الثَّمانِينَ على العفيفِ عبدِ الله ابنِ القاضِي ناصرِ الدّينِ ابنِ صالحٍ أشياءَ بالأجايز، وألبسهُ خِرقةَ التَّصوُّفِ، بلباسهِ لها مِن عمرَ الأعرابيِّ (٢).
وكذا كانَ سَمِعَ بمَكَّةَ على: كماليةَ ابنةِ محمَّدِ بنِ أبِي بكرٍ المرجانيِّ، وشَقِيقِهَا الكمالِ أبي الفضلِ محمَّدٍ، وزينبَ الشَّوبكيَّةِ (٣)، والنَّجمِ عمرَ بنِ فهدٍ في آخرِين.
стр. 2244
وبالقاهرةِ على سِوى مَن تقدَّمَ "ختم البخاري" مع "ثلاثياته" بقراءة الدِّيَمِي على مَن اجتَمعَ مِن الشُّيوخِ بالكامِليةِ. بل قرأَ على النَّجمِ ابنِ عبدِ الوَارِثِ (١) في سنةِ خمسٍ وسِتِّينَ بمُنيةِ ابنِ خصيبٍ (٢) شيئًا من "الموطأ"، ومن "الشِّفا". وأجازَ لهُ جماعةٌ، ولم يُكثِرْ مِن ذلك.
وصاهرَ في المدينةِ النَّبويَّةِ بيتَ الزَّرَنْدي، فتزوَّجَ أختَ الشَّمسِ محمَّدِ بنِ عمرَ بنِ المحبِّ، ولها مَحْرَميَّةٌ بالنَّجمِ (٣) ابنِ يعقوبَ المالكيِّ ابنِ أخِي زوجِها، ثُمَّ فارقَهَا، وتزوَّجَ أختَ الشَّيخِ محمَّدٍ المراغيِّ ابنةِ شيخهِ أبي الفرجِ، وفارقَهَا بعدَ مدَّةٍ بعدَ موتِ أخِيها، وكذا تزوَّجَ غيرَهما سِرًّا وجهرًا، ثمَّ اقتصرَ على التَّسرِيِّ، ومع هذا كلِّهِ عقيمٌ. وجلَسَ في غُضونِ ذلكَ للإقراءِ، وأخذَ عنهُ جماعةٌ من الطَّلبةِ في الحرمينِ.
ومِن أجلِّ مَن أخذَ عنه مِن الشافعيَّةِ: الشَّمسُ المِسكين (٤) والدُ الجماعةِ، والزَّينُ عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبِي الهُدى، والشَّمسُ محمَّدُ بنُ زينِ الدِّينِ القطَّانُ، ومِن الحنفيَّةِ: الشَّمسُ ابنُ جلالٍ، ومِن المالكيَّةِ: النَّجمُ المشارُ إليهِ، ومسعودٌ المغربيُّ (٥).
стр. 2245
وصنَّفَ في "مسألةِ فرشِ البُسطِ المنقوشةِ" رَدَّ بهِ على مَن نازعَهُ أخذَ ثمان نُسخٍ وانهملا (١) بتصنِيفِهما، فقرَّضَهُما غيرُ واحدٍ.
فكانَ مِمَّن قرَّضَ لهذَا شيخُهُ الجَوْجَريُّ، والبقاعيُّ، وأحضرهُ إليَّ أولهُما بعدَ إِرسالِ الأمِينِي الأقصرائيِّ إليَّ بالمؤلَّفِ الآخرِ رَاغبًا مِنِّي ذلكَ أيضًا، فما سمَحتْ نَفسِي بهِ لهُ، بل كتبتُ لِهذَا تقريظًا، ثُمَّ أعرضتُ عنهُ.
وكذا عمِلَ للمدينةِ بالنِّسبةِ لمعالِمها وأماكِنِها ونحوِ ذلكَ مع التَّعرُّضِ للفضائِلِ وشِبْهِها "تاريخًا" تعبَ فيه، قرَّضْتُهُ والبرهانُ ابنُ ظهيرةَ له، بل حصَّلهُ كلٌّ مِنَّا، وقُرئَ عليهِ بعضُهُ بِمَكَّةَ، واقتَصَرَ على العزوِ في جُلِّ ما يُورِدُهُ مِن الأحاديثِ ونحوِها من "تاريخ عمر بن شبَّة" وغيرِه من الكتبِ المسندةِ وغيرِها، من غيرِ بيانٍ لصحةٍ ولا غيرِها، لكونِهِ في الفضَائِلِ غالبًا، ولغيرِ ذلكَ.
بل ألَّفَ غيرَ ما ذُكرَ جملةً، ومِن ذلكَ: الكتابةُ على "إيضاحِ النووي في المناسك"، أفادَ فِيهِ.
والتَمَسَ من صَاحِبِنَا النَّجمِ ابنِ فهدٍ تخريجَ شيءٍ مِمَّا تقدَّمَ، ففعَلَ بعدَ إِرسالِهِ إليَّ في تراجِمِ أكثرِهِم. كما استمدَّ هُو مِنِّي بعضَهُ، وعظَّمَهُ في الخُطبَةِ، حيثُ قالَ: سألنِي مَنْ لا أَستطِيعُ ردَّهُ -ولا يمكنُنِي صدُّهُ، لحقوقٍ واجبةٍ منهُ عليَّ، وإحسانٍ قد أسدَاهُ إليَّ، فكيفَ وقد حوَى مِن العلومِ والفضائلِ، ما لم يحوِهِ غيرُه من العلماءِ الأماثِلِ.