← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1050

التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة - ط مركز دراسات المدينة

السخاوي

Полный текст (4 406 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

وخلقٍ، وعنه: شعبةُ، ومالكٌ، والسُّفيانانِ، وإسماعيلُ بنُ جعفرِ [بن أبي كثيرٍ، وعبدُ العزيزِ بنُ محمَّدٍ] (١) الدَّرَاوَرْدِيُّ، وغيرُهِم. قالَ ابنُ مَعينٍ: لم يزلِ النَّاس يتَّقُون حدِيثَهُ، ومرَّةً: ليس حديثُهُ بِحجَّةٍ، ومرَّةً: ليسَ بالقويِّ، وأحمدُ (٢): ثقةٌ، لم نَسمع أحدًا ذكرَهُ بسوءٍ. وكذا وثَّقَهُ العِجليُّ (٣)، وابنُ حِبَّانَ (٤)، وقالَ النَّسائيُّ: ليسَ بهِ بأسٌ، وأبو حاتمٍ (٥): وأنا أنكرُ مِن حدِيثِهِ أشياءَ (٦)، وابنُ عديٍّ (٧): ما أَرى بِحدِيثِهِ بأسًا. وقالَ ابنُ سعدٍ (٨): قالَ محمَّدُ بنُ عُمرَ: "صحِيفتُهُ" بالمدينةِ مشهورةٌ، وكان ثقةً كثيرَ الحديثِ ثبتًا، وماتَ في أوَّلِ خِلافةِ أبي جعفرٍ (٩). قالَ عليُّ ابنُ المدِينِيِّ: أُراهُ ماتَ سنةَ اثنتينِ وثلاثِين ومئةٍ، وقالَ غيرُه: سنةَ ثمانٍ وثَلاثِينَ، وقالَ ابنُ الأثيرِ (١٠): سنةَ تسعٍ وثَلاثِينَ.

стр. 2207

وقالَ الخليليُّ (١): مدنيٌّ مختلفٌ فِيهِ؛ لأنَّهُ ينفردُ بأحاديثَ لا يُتابَعُ عَليهَا، كَحدِيثِ: "إذا كان النِّصفُ مِن شعبانَ فلَا تَصُومُوا" (٢). وقد أخرجَ مُسلمٌ (٣) من حديثِهِ المشاهيرَ دون الشَّواذِّ، وقالَ الترمذيُّ (٤): هو ثقةٌ عِندَ أهلِ الحَدِيثِ. وهو في "التهذيب" (٥). ٢٧٩٩ - عِلاقةُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ زيدِ بنِ مِرْبعٍ، من بني حارثَةَ الأنصاريُّ (٦). عِدادُه في أهلِ المدينةِ. يروي عن: سهلِ بنِ سعدٍ السَّاعديِّ، وعنه: كثيرُ بنُ جعفرٍ. قالهُ ابنُ حِبَّانَ في ثانيةِ "ثقاته" (٧). ٢٨٠٠ - عِلْباءُ (٨)، بكسرِ العَينِ المُهملةِ وسُكونِ اللَّامِ، بَعدها موحَّدةٌ ممدودةٌ. عِدادُه في أهلِ المدينةِ، ذكرهُ فِيهم مسلمٌ (٩). روى عنِ النَّبيِّ ﷺ حديثَ: "لا تقومُ السَّاعةُ إلَّا على حُثالةِ النَّاسِ" (١٠)، وعنه: جعفرُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الحكمِ.

стр. 2208

٢٨٠١ - علقمةُ بنُ أبِي علقمةَ بلالٍ، المدنيُّ (١). مولى عائشةَ. يروي عن: أمِّهِ مرجانَةَ، وأنسٍ، والأعرجِ، وعنه: مالكٌ، وسليمانُ بنُ بِلالٍ، والدَّراورديُّ، وجماعةٌ. وثَّقَهُ ابنُ مَعينٍ (٢)، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، وابنُ حِبَّانَ (٣)، وقالَ: عِدادُه في أهلِ المدينةِ، وكان نَحويًا يَتَعاطى الأدبَ، وروَى عن أنسٍ أحرفًا، فلا أَدرِي أدلَّسَهَا؟ أم سمِعَهَا منه، وابنُ عبد البَرِّ (٤)، وقالَ: كانَ مأمونًا، واسمُ أمِّهِ مَرْجانةُ، وقالَ أبو حاتمٍ (٥): صالحُ الحَدِيثِ، لا بأسَ بهِ، وقالَ ابنُ سعدٍ (٦): ماتَ في أوَّلِ خلافةِ المنصورِ، وله أحاديثُ صالحةٌ، وكان لهُ كِتَاب، يُعَلِّم النَّحوَ، والعربيَّةَ، والعروضَ. ماتَ قُبَيل الأربعينَ ومئةٍ، في آخرِ خِلافةِ أبي جعفرٍ. وهو في "التهذيب" (٧). ٢٨٠٢ - عَلْقَمَةُ بنُ وَقَّاصِ بنِ مِحْصَنٍ اللَّيثيُّ، العُتْواريُّ، المدَنِيُّ (٨).

стр. 2209

مِن أهلِها. ذكرهُ مسلمٌ (١) في ثانية تابِعِيهم، وهو جدُّ محمَّدِ بنِ عَمروِ بنِ عَلقَمَةَ. سمِعَ: عمرَ، وعائشةَ، وابنَ عباسٍ، وعنه: ابناهُ عمروٌ، وعبدُ اللهِ، ومحمَّدُ بنُ إبراهيمَ التَّيميُّ، والزُّهريُّ، وابنُ أبي مُلَيكَةَ. وثَّقَهُ العِجليُّ (٢)، والنَّسائيُّ، وابنُ سعدٍ (٣)، وقالَ: قليلُ الحديثِ، تُوفِّيَ بالمدينةِ في خلافةِ عبدِ الملكِ بنِ مَروانَ، وله دارٌ بالمدينةِ في بَنِي ليثٍ. وذكرهُ مُسلمٌ في الطَّبقةِ الذينَ وُلدُوا في حياةِ النَّبيِّ ﷺ ، وكذَا قالَ ابنُ عبدِ البرِّ في "الاستيعاب" (٤): إنَّهُ وُلدَ على عَهدِهِ ﷺ . وقالَ أبو نُعيمٍ في "الصحابة" (٥): ذكرهُ بعضُ المتأخِّرينَ -يعني ابنَ مَندهْ- في "الصحابة"، وذكرهُ القاضِي أبو أحمدَ، والنُّاس في التَّابِعينَ انتهى. وذكرهُ ابنُ حِبَّانَ في "ثقات التابعين" (٦)، وأرَّخ وفاتَهُ كابنِ سعدٍ. وكنَّاهُ أبو الحسنِ عليُّ بنُ المفضلِ (٧) الحافظُ: أبا يحيَى، وقِيل غيرَ ذَلكَ. وهو في

стр. 2210

"التهذيب" (١). ٢٨٠٣ - عُلوَانُ المغربيُّ. مِن عَربِ المغرِبِ، جاورَ في الحرمَينِ بعدَ أن تابَ، وصَاحَب الصَّالحِينَ، وكأنَّهُ عادَ إلى بلدِهِ. ذكر ابنُ صالحٍ. ٢٨٠٤ - عليانُ بنُ مَسعودٍ الشَّكيليُّ، الحنفيُّ. اشتغلَ بالفقهِ، وكانَ ديِّنًا، مُنعزِلًا عنِ النَّاسِ، متسبِّبًا في العطرِ وغيرهِ، على طريقةٍ حسنةٍ. قالَه ابنُ فَرحونٍ (٢). ٢٨٠٥ - عليُّ بنُ إبراهيمَ بنِ أحمدَ بنِ غنايمَ، الشَّهيرُ بابنِ عَلْبَكَ (٣). الماضِي أبوهُ. ممَّن سمِعَ في سنةِ سبعٍ وثلاثِينَ على الجمالِ الكَازَرُونيِّ في "الصحيح". وهو أخُو أحمدَ، وأبي الفتحِ محمَّدٍ. ٢٨٠٦ - عليُّ بنُ إِبراهيمَ بنِ محمَّدٍ، السَّيدُ زينُ الدِّينِ، العَجميُّ، الجُوَيْمِيُّ (٤). نسبةً لجُوَيْمٍ (٥) - بضمِّ الجيمِ، وسُكونِ الواوِ، وكسرِ التَّحتانِيةِ وسكونِ المِيمِ: قصبةٍ من قَصباتِ شيراز (٦)، الشافعيُّ.

стр. 2211

نزيلُ المدينةِ، وشيخُ باسطِيَّتِها (١)، بل يُقالُ: لم يبنِهَا الواقفُ إلَّا لأجلِهِ، وكان ابتداءُ عِمارتهِ لها في سنةِ ثلاثٍ وخَمسينَ حِين حجَّ آخرَ حجَّاتِهِ، ويُدعى نصيًّا. أقامَ بالمدينةِ على قَدمٍ عظيمٍ في سُلوكِ الصَّلاحِ، والتَّصديِّ لإقراءِ العلومِ، والتكسُّبِ، والتكرُّمِ على أهلِهَا والوارِدين عليهَا، معَ لسانٍ فصِيحٍ، وقُدرةٍ على التَّعبِيرِ، حتَّى كانَ أبو يونسَ المغربيُّ يقولُ: هو جوهرةٌ بينَ البَصلِ، ولم يختلف في تقدُّمِهِ في العلمِ والصَّلاحِ من أهلِها اثنان. وممَّن لقِيَهُ حسينٌ الفَتْحيُّ فكتبَ عنهُ (٢): إذا شئتَ أنْ تستقرضَ المالَ مُنْفِقًا … على شَهواتِ النَّفسِ في زمنِ العُسرِ فَسَلْ نفسكَ الإنفاقَ مِن كَنزِ صبرِها … عليكَ وإرفاقًا إلى زمنِ اليُسرِ فإن فَعَلَتْ كنتَ الغنيَّ وإن أَبَتْ … فكلُّ مَنُوعٍ بعدَها واسعُ العُذرِ ووصفَهُ بِالمولَى السَّيدِ الإمامِ العلَّامةِ زينِ الدِّينِ، وكذَا لازمَهُ في علومٍ كَثيرةٍ، بل وكتبَ عليهِ البرهانُ ابنُ القطَّانِ، كما قدَّمتُ في تَرجمتِهِ، وكُتُبُهُ عندَهُ، وبعضُها بخطِّهِ. ماتَ وقد أسنَّ سنةَ سِتِّينَ وثماني مئةٍ بالمدينةِ، ودُفِنَ بالبَقِيعِ. وبَلغنِي أنَّهُ كتبَ سَيرًا على "المنهاج"، وأنَّهُ إمَّا أن يكونَ أخذَ عنِ التَّفتازاني، أو بعضِ تلامذَتِهِ، الشكُّ مِن سامعِ ذلكَ مِنهُ.

стр. 2212

وكان معهُ أخٌ له تُوفِّيَ قبلهُ بالمدينةِ، فلزِمَ الإقامةَ بعدهُ وفاءً بِما التزمَاهُ، ﵀ وإِيانَا. واستقرَّ بعدهُ في الباسطيَّةِ البرهانُ إبراهيمُ ابنُ القاضِي فتحِ الدِّينِ ابنِ صالحٍ، بُوركَ فيه. ٢٨٠٧ - عليُّ بنُ أحمدَ بنِ إسماعيلَ بنِ أحمدَ بنِ إبراهيمَ بنِ محمَّدِ بنِ مهدِيٍّ، المحدِّثُ، نورُ الدِّينِ، أبو الحسنِ ابنُ أبِي العبَّاسِ، الكِنانيُّ، المُدْلجِيُّ، المصريُّ، الفُوِّيُّ (١)، المدَنِيُّ، الشَّافعيُّ (٢). وُلد تَقريبًا سنةَ سبعَ عشرةَ وسبعِ مئةٍ، وطلبَ الحدِيثَ بِنفسِهِ، فسَمِعَ على ابنِ شاهدِ (٣) الجيش: "الصحيح". وعلى النَّجمِ عبدِ العَزِيزِ بنِ عبدِ القادِرِ البغداديِّ (٤)، والقاضِي ناصر (٥) الدِّينِ

стр. 2213

التُّونسيِّ (١): "السنن" لأبي داودَ، [و] (٢) على المظفَّرِ محمَّدِ بنِ محمَّدِ ابنِ العطَّارِ (٣)، وأبي الحسنِ العُرْضِيِّ (٤): "الترمذي"، وعلى أحمدَ بنِ كُشْتُغْدِي (٥): "الجمعةَ" للنَّسائيِّ، وعلى أبِي نُعَيْمٍ الإِسْعِرْدِيِّ (٦)، والمَيْدُوميِّ: "جزء البطاقة" (٧)، وعلى أبِي حَيَّان، ومحمَّدِ بنِ غالِي (٨)، والبدرِ الفارقِي (٩) في آخرِينَ. وقرأَ على العفيفِ المطريِّ في سنةِ ستٍّ وخمسينَ "الجزءَ" الذي خَرَّجه له الذَّهبيُّ، وكذَا فِيهَا "صحيح البخاري" على قاضِي المدينةِ الشَّمسِ ابنِ سبعٍ. وارتحَلَ بولدِهِ أبي الطَّيِّبِ إلى البلادِ الشَّامِيَّةِ، فسَمِعَ بدمشقَ من

стр. 2214

أصحابِ الفخرِ ابنِ البخاريُّ، وغيرِهِم، وبحلبَ وحمصَ وحماة، والمَعَرَّة (١) وبعلبَكَّ (٢)، والحرمينِ مِن عدَّةٍ، وحدَّثَ بالإجازَةِ عن الرضيِّ الطَّبريِّ والحجَّارِ. ومهرَ في الفِقهِ والعربِيَّةِ، ودرَّسَ بِبَغدادَ وبحلبَ، وقطنَهَا مدَّةً. ولازَمَ الشُّيوخَ وتزَهَّدَ وتصوَّفَ، وحَجَّ وجاوَرَ، وحدَّثَ بالحَرمينِ، ومصرَ، والشَّامَ، وبلادِ العجمِ. سمِعَ منهُ الفضلاءُ، وعرضَ عليهِ أبو اليُمنِ المراغيُّ، وأخبرَهُ بـ "العُمدةِ" عن ابنِ الخَبّازِ (٣) [عن] عزّ الدِّينِ أبي العبَّاسِ أحمد (٤) بنِ أبي الخيرِ سلامةَ الحدَّادِ سَماعًا، بسماعِهِ مِن مؤلِّفِهَا. واتَّفقَ لهُ بِبِلادِ العَجمِ أنَّهُ اجتَمَعَ بِبعضِ الرُّواةِ بها، فروَى لهُ حَديثًا عن شَخصٍ عنه، فقالَ لهُ: اسمعهُ مِنِّي تَعلُ درجتُكَ، فخَجَل الرَّجلُ، كما وقعَ للجعابيِّ (٥) مع الطبرانيِّ (٦).

стр. 2215

وكان رَجلًا صَالحًا، أمَّارًا بالمعروفِ نَّهاءً عنِ المُنكرِ، مُتقشِّفًا ملازمًا طريقةَ السَّلفِ، لا يُكثر الإقامةَ بِبلدٍ، ولا ينقطعُ في الغالبِ إلى معلومٍ، بِحيثُ إنَّهُ وَلي في وقتٍ مشيخةَ خانقاه (١) ببيتِ المقدسِ ثُمَّ تركَهَا. نعم كانتْ غالبُ إقامتِهِ بالحرمَينِ، واستقرَّ آخرًا بالمدينةِ النَّبويَّةِ، وولِيَ بهَا تدرِيسَ الحديثِ للأشرفِ شعبانَ بنِ حُسينٍ، وجمعَ كِتابًا في "رجالِ الصحيحين"، ثم وَردَ في آخرِ عمرِهِ إلى القاهرةِ، فماتَ بها في يومِ الثُّلاثاءِ خامسِ عشري جمادَى الأُولَى سنةَ اثنتينِ وثمانينَ وسبعِ مئةٍ، وصُلِّيَ عليهِ بجامعِ الحاكمِ (٢)، ثُمَّ بِمُصلَّى بابِ النَّصرِ، ودُفِنَ بتُربةِ الصُّوفيةِ ظاهرَ القاهرةِ. وهو ممَّن ذكرهُ شيخُنَا في "درره" (٣)، و"إنبائه" (٤) معًا باختصارٍ، والوليُّ العراقيُّ في "وفياته"، والفاسي في "مكة" (٥)، وابنُ الجزرِي (٦) في "مشيخةِ الجنيدِ". ﵀

стр. 2216

وإيانَا. ٢٨٠٨ - عليُّ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ العزيزِ بنِ عبدِ الواحدِ بنِ عُمرَ بنِ عَيّاذٍ الأنصاريُّ، المغربيُّ، ثُمَّ المدنيُّ، المالكيُّ (١). الماضِي أبوهُ، والآتي عمُّهُ محمَّدٌ. ممَّن حضَرَ وهو في الثانيةِ سنةَ عِشرينَ مع أبِيهِ ما سيُذكَرُ في عمِّهِ إن شاءَ اللهُ. ماتَ بالشَّامِ في طاعونِ سنةِ بضعٍ وخمسينَ. ٢٨٠٩ - عليُّ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ العزِيزِ بنِ القاسمِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، الشَّهيدُ النَّاطقُ ابنُ القاسمِ بنِ عبدِ اللهِ، العلَّامةُ أقضَى القُضاةِ، نورُ الدِّينِ أبو الحسنِ ابنُ الشِّهابِ أبي العبَّاسِ ابنِ الكمالِ أبي محمَّدٍ القرشيُّ الهاشميُّ، العَقِيليُّ، مِن ولدِ عَقيلِ بنِ أبي طالبٍ، النُوْيرِيُّ، المكيُّ، المالكيُّ (٢). وأمُّهُ كماليةُ (٣) ابنةُ القاضِي النَّجمِ محمَّدِ ابنِ الجمالِ ابنِ المُحِبِّ الطبريِّ. وُلدَ في شعبانَ سنةَ أربعٍ وعِشرين وسبعِ مئةٍ بمَكَّةَ، وسَمِعَ بِها معَ أخِيهِ القاضِي أبِي الفضلِ على عيسَى الحِجّيِّ "صحيح البخاري". وعليه، وعلى الزَّينِ الطبريِّ، ومحمَّدِ ابنِ الصفيِّ، وبلالٍ عتيقِ ابنِ العجميِّ، والجمالِ المطريِّ: "جامع الترمذي".

стр. 2217

وعلى الزَّينِ وحدهُ: "السيرةَ" لجدِّهِ المُحِبِّ، و"صفوةِ القِرَى". وعلى عِيسَى (١) ابن الملوكِ: "سباعيات مُؤْنِسة"، وعلى الصَّلاحِ العَلائيِّ: الأوَّل مِن "مسلسلاتِهِ"، وعلى العزِّ ابنِ جماعةَ: "مسند الموطأ" للغافِقِي، وغيرَ ذلك مِن مسمُوعاتِ أخِيهِ، وغيرِها بمَكَّةَ على جماعةٍ. وبالمدينةِ مع أخِيهِ أيضًا على الزُّبيرِ الأسوانيِّ "الشفا"، وعلى الجمالِ المطريِّ، وخالصٍ البهائيِّ: "إتحاف الزائر" لابن عساكر. وعلى علِي بنِ عُمرَ بنِ حَمزةَ الحَجّارِ عدَّةَ "أجزاء"، وعلى أبِي طيبَةَ الآقشَهْرِيِّ: "التيسير" للدَّاني. وأجازَ لهُ معَ أخِيهِ من مصرَ في سنةِ إِحدَى وأربعينَ وسبعِ مئةٍ البدرانِ الفارقيُّ، وحسنُ بنُ محمَّدِ بنِ السَّدِيدِ الإِرْبليُّ (٢)، وأبو نُعيمٍ الإسْعِرْدِيُّ، والشِّهابُ أحمدُ بنُ عُمرَ المُشْتُوليُّ (٣)، والصَّلاحُ يوسفُ بنُ أحمدَ بنِ عبيدٍ المُوقِّعُ (٤)، وابنُ شاهدِ الجيشِ، وأحمدُ بنُ محمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ الإخوةِ (٥)، والمَيْدوميُّ، وآخرونَ.

стр. 2218

ومن القدسِ: الأديبُ تاجُ الدِّينِ عبدُ الباقِي بنُ عبدِ المجيدِ الحماقيُّ (١)، وآخرُون. ومن دمشقَ: مسنِدُها أحمدُ بنُ عليٍّ الجَزَرِيُّ (٢) والحافظانِ المِزيُّ، والذَّهبيُّ، وعبدُ الرَّحِيمِ بنُ إبراهيمَ بنِ أبِي اليَسَرِ، وعليُّ ابنُ العزِّ عمرَ المقدسيُّ (٣)، وعليُّ بنُ عبدِ المؤمِنِ بنِ عبدِ العزيزِ بنِ عبدٍ الحارثيِّ (٤)، والشَّمسُ محمَّدُ بنُ عُمرَ السَّلَّاويُّ، وابنُ الخبازِ، وعمَّتُهُ نفيسةُ (٥) ابنةُ إبراهيمَ، وعبدُ الرَّحمنِ بنُ مَنَّاعٍ التَّكْرِيتيُّ (٦)، وأحمدُ بنُ عُمرَ بنِ عَفَافٍ المُوسويُّ (٧)، وآخرون.

стр. 2219

وحدَّثَ بالحرمينِ. سَمِعَ مِنهُ: التَّقيُّ ابنُ فهدٍ، وآخرون. ووليَ الإمامةَ بمقامِ المالكيَّةِ بالمسجدِ الحرامِ بعدَ وفاةِ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ المالكيِّ، ابنِ أخِي الشَّيخِ خليلٍ المالكيِّ، في آخرِ سنةِ سِتِّينَ، واستمرَّ إلى أن ماتَ، وذلك ثلاثةٌ وثلاثونَ سنةً وأشهرٌ. ونالَ بسببِ ذلكَ من التَّكارِرَة والمغاربةِ دنيا كثيرةً (١)، ومُعظمها من التَّكارِرَةِ، فإنَّهُ كان ينالُهُ مِن قِبل سُلطانِهم نحوُ ألفِ مثقالٍ ذَهبًا في كثيرٍ مِن السِّنين، غيرَ ما ينالُهُ من شَيخِ رَكْبِ التَّكارِرَةِ، وممَّن فيهِ مِن أعيانِهم. وربَّمَا يحصلُ لهُ مِن الذينَ في الرَّكبِ نحوُ ما يحصلُ لهُ مِن قِبَلِ السُّلطانِ، وتجَمَّل بذلكَ حالُهُ كثيرًا في أمرِ دُنياهُ وعيالِهِ، بحيثُ كان يُعينُ خالَهُ القاضي شهابَ الدِّينِ الطبريَّ في أمرِ دُنياهُ، وغيرِ ذلكَ مِن مصالحِهِ. واكتَسَبَ في حياتِهِ جَانبًا مِن الدُّنيا، وكان يقولُ: إنَّما اكتسبَ الدُّنيا قَبل أن يليَ الإمامةَ مِن تركَةِ زوجِ أمِّهِ ابنةِ الشَّيخِ خليلٍ المالكيِّ. وقد تزوَّجَ من بناتِ خالهِ: أمَّ الحسينِ، ثُمَّ زينبَ، ثُمَّ خديجةَ، ورُزِقَ مِن الأُوليَينِ أولادًا. ونابَ في الحكمِ عن أخِيهِ القاضِي أبي الفضلِ في غالبِ ولايَتِهِ. وسُئِلَ في إخراجِ مرسومٍ من صَاحِبِ مِصرَ بولايتِهِ الحُكمَ بِمَكَّةَ، فامتَنَعَ رعايةً لخاطرِ أَخِيهِ، ولم ينُب للشِّهابِ ابنِ ظَهِيرَةَ، فلمَّا عُزِلَ ابنُ ظهيرةَ بابنِ أخيهِ المُحبِّ

стр. 2220

ابنِ القاضي أبِي الفضلِ ناب لهُ، حتَّى في حضورِ حاصلِ الزيتِ وشمعِهِ، وتولَّى محاسبةَ مَن يقبضُ ذلكَ حتَّى ماتَ. ولعلَّهُ كان يباشرُ أيضًا في حياةِ أخِيهِ. وولِيَ تدريسَ الحديثِ بالمنصوريةِ (١)، ودَرَّسَ الفقهَ للأشرفِ صاحبِ مِصرَ، وغيرِهما، وكان يشبهُ جدَّهُ القاضِي نجمَ الدِّينِ الطَّبريَّ في شكلِهِ، طَويلًا غَلِيظًا، أبيضَ مُنورَ الشيبَةِ، ذا مرُوءَةٍ وعصبِيَّةٍ لمن ينتمِي إليهِ، وخِبرةٍ بأمرِ دُنياهُ، ومذاكرةٍ بأشياءَ حسنةٍ. وهوَ ممَّن جاورَ بالمدينةِ مُدَّةً، وسَمِعَ بها، وأسمَعَ، ولذا أثبتُّهُ هنا. ماتَ في يومِ الجُمعةِ ثامنِ جمادَى الآخرةِ سنةَ ثمانٍ وتِسعينَ وسبعِ مئةٍ بِمَكَّةَ، ودُفِنَ بعدَ العصرِ بالمعلاةِ، على أمهِ. رحمهما الله. ٢٨١٠ - عليُّ بنُ أحمدَ بنِ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ ابنِ الجلالِ أحمدَ الخُجَنْديُّ، المدَنيُّ الأصلِ، المكِّيُّ، الحنَفيُّ. الماضِي أبوهُ، والآتي شقِيقُهُ أبو البقاءِ محمَّدٌ، وأخوهُ لأبِيهِ أبو الوفاءِ محمَّدٌ، وصاحبُ التَّرجمَةِ أصغرُهم، ذكرهُ المؤلِّفُ. وُلدَ في سادسَ عشرَ رمضانَ سنةَ إِحدَى وثمانِينَ وثمانِ مئةٍ بِمَكَّةَ، واشتَغَلَ بِهَا، وحفِظَ "الكنز"، وحضَرَ دُروسَ الحنفيِّ فِيهَا، وقرأَ عليَّ "أربعي النووي" وسمِعَ

стр. 2221

غيرَها في شوالٍ سنةَ ٩٧ بمَكَّةَ، وأجزتُ لهُ بينَهُم. [أقولُ (١): وتردَّدَ إلى المدينةِ، وانقَطَعَ بِها بعدَ موتِ المؤلِّفِ في سنةِ إِحدَى وتِسعِ مئةٍ. واشتَغَلَ بِهَا في الفقهِ والنَّحوِ وغيرِهِما، وفَضُلَ، وأَمَّ بمقَامِ الحنفيِّ شريكًا لأَخِيهِ الشَّمسِ محمَّدٍ. ثُمَّ اشتغَلَ بِها بعدَ موتِهِ لصغَرِ أولادِهِ، وكونِهِ وَصِيًّا عليهِم وخالتِهم (٢)، ثُمَّ لما كَبِرُوا باشرُوا حِصَّتَهُم، وهو باشرَ حِصَّتَهُ. ودرَّسَ وأفتَى، ونابَ في القضاءِ عن قريبِهِ الشَّمسِ ابنِ جلالٍ وهو القاضِي، وحصَّلَ الدُّورَ والأصايِلَ، ثُمَّ عمَّرَهَا، وعاملَ فيهَا مع نخلِهِ وإمساكِهِ. ورُزِقَ ولدَهُ ثمامةَ في كبرِه، فاغتُبط بهِ، وجاورَ بأمِّهِ في مَكَّةَ عامَ ثمانٍ وثلاثِينَ وتسعِ مئةٍ. وتوجَّهَ لبلدِهِ، وتوعَّكَ أيَّامًا، وماتَ في صُبحِ يومِ الأحدِ ثالثَ عشرَ جُمادى الأولى، عامَ أربعينَ وتِسعِ مئةٍ، وهو على مَنحَى عالٍ بالمدينةِ الشَّريفَةِ، ودُفِنَ بالبقيعِ بتُربةِ سَلفِهِ. ﵀ وإيَّانَا. وخلَّفَ زوجَتَهُ ماتتْ بعدَه في شهرٍ، وصَارَ ولدُه يتِيمًا].

стр. 2222

٢٨١١ - عليُّ بنُ أيبَكَ، المنصورُ نورُ الدِّينِ ابنُ المعزِّ عزِّ الدِّينِ، الصَّالحيُّ، النَّجميُّ (١). كانَ المُجهِّزَ للآلاتِ الواصلةِ مِن مصرَ لعمارةِ المسجدِ النَّبويِّ بعدَ الحريقِ الكائنِ في سنةِ أربعٍ وخمسينَ وستِّ مئةٍ، ولم يَلْبثْ أنْ خُلعَ بمملوكِ أبيهِ السَّيفِ قطز (٢) المعزيِّ، واسمُهُ محمودُ بنُ ممدودٍ، وذلك في ذِي القِعدةِ سنةَ سبعٍ وخمَسينَ (٣). ٢٨١٢ - عليُّ بنُ بدرٍ. صاحبُ رأي وأصايِلَ، ولهُ منزلةٌ عندَ أمراءِ المدينةِ. قالهُ ابنُ صالحٍ. ٢٨١٣ - عليُّ بنُ أبِي بكرِ بنِ سُليمانَ بنِ أبِي بكرِ بنِ عُمرَ بنِ صالحٍ، الحافظُ النُّورُ، أبو الحسنِ الهيثميُّ، القاهريُّ، الشَّافعيُّ (٤). رفيقُ الزَّينِ عبدِ الرَّحيمِ العراقيِّ، وصِهرُه وخادِمهُ. رحلَ معهُ جميعَ رحلاتِهِ، وحجَّ معهُ جميعَ حَجَّاتِهِ، ولم يكنْ يفارِقُهُ حَضرًا ولا سفرًا. قالهُ شَيخُنا (٥)، ولِذَا أثبتُّهُ هُنا (٦).

стр. 2223

٢٨١٤ - عليُّ بنُ الحسنِ بنِ الحسنِ بنِ الحسنِ بنِ عليِّ بنِ أبِي طالبٍ، العلَويُّ، الملقَّبُ بالسَجَّادِ (١). لفضلهِ واجتِهادِهِ وتعبُّدِهِ، وهوَ والدُ حسينٍ المقتولِ بفَخٍّ (٢) وإخوتِهِ. وكانَ يقالُ: ليسَ بالمدينةِ زوجانِ أعبدَ منهُ ومن زوجتِهِ، وهي ابنةُ عمِّهِ زينبُ ابنةُ عبدِ اللهِ بنِ حسنٍ، ماتَ في سجنِ المنصورِ سنةَ خمسٍ وأربعِينَ ومئةٍ. ٢٨١٥ - عليُّ بنُ الحسنِ بنِ الحسنِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ الهاشميُّ (٣). يروِي عن: أهلِ المدينةِ، وعنه: عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبِي المَوالِ. قالهُ ابنُ حِبَّانَ في رابعةِ "ثقاته" (٤). ٢٨١٦ - عليُّ بنُ الحسنِ بنِ أبِي الحسنِ البَرَّاد، المدَنِيُّ (٥). روى عن: الزُّبيرِ بنِ المنذِرِ بنِ أبِي أُسيْدٍ السَّاعديِّ، وقيل: عن أبيهِ عنِ الزُّبَيرِ، وعن يزيدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ قُسَيْطٍ. روى عنه: صفوانُ بنُ سُلَيْمٍ، والدَّراورديُّ وغيرُهما. وهو في "التهذيب" (٦). ٢٨١٧ - عليُّ بنُ الحسنِ بنِ سبختَ بنِ الحسنِ بنِ طالوتَ بنِ سليمانَ بنِ الحسنِ

стр. 2224

بنِ سليمانَ بنِ الحسنِ بنِ سُليمانَ بنِ الحسنِ بنِ سليمانَ بنِ الحسنِ بنِ عليِّ بنِ سبخت بنِ يشجبَ بنِ يعربَ بنِ مُرَّةَ بنِ قحطانٍ، الفقيهُ الصَّالحُ، نورُ الدِّينِ أبو الحسنِ (١). وُلد في جُمادى الأولى سنةَ ثمانٍ وثلاثِينَ وسبعِ مئةٍ، وهم مِن بيتِ سَلطنةٍ ورئاسةٍ (٢)، مِن بلادِ المقدِسِ، ماتَ أبوهُ في ربيع الأوَّلِ سنةَ ثلاثٍ وخمسينَ. وجاورَ هوَ وأخُوه الفقيهُ محمَّدٌ بالمدينة النَّبويَّةِ مِن سنةِ إحدَى وسبعِينَ، ثُمَّ في ذِي القَعدةِ مِنهَا، وصلَ أخُوهُما العفيفُ سُليمانُ في طَريقِ المشيانِ، خرجَ هَاربًا مِن بِلادِهِ خَوفًا من خالِهِ السُّلطانِ حسنٍ المتولي بعدَ والدِهم، ولم يلبَث حسنٌ أن ماتَ، واستقرَّ بعدَهُ عمُّهُم طالوتُ. ذكرهُ أبو حامدِ ابنُ المطريِّ. ٢٨١٨ - عليُّ بنُ الحسينِ بنِ [عليِّ] بنِ إسماعيلَ (٣). عاملُ المدينةِ. تَوارَى حينَ طرقَهَا الشَّريفُ إسماعيلُ بنُ يوسفَ بنِ إبراهيمَ الحسنيُّ الماضِي، في سنةِ إحدَى وخمسِينَ ومئتينِ، كما تقدَّمَ في إسماعيلَ. (٤٥٦). ٢٨١٩ - عليُّ بنُ الحسينِ بنِ جعفرِ بنِ مُوسَى بنِ جعفرِ بنِ محمَّدِ بنِ عليِّ بنِ الحسينِ بنِ عليِّ بنِ أبِي طالبٍ (٤).

стр. 2225

الآتي أخوهُ محمَّدٌ، وأنَّهما أقامَا في المدِينةِ سنةَ إِحدَى وسبعِينَ ومئتينِ، كما سَيأتِي. ٢٨٢٠ - عليُّ بنُ الحسينِ بنِ عليِّ بنِ أبِي طالبِ بنِ عبدِ المطَّلِبِ بنِ هاشمٍ، زينُ العابدينَ، أبوُ الحسنِ (١)، أو أبو الحسينِ، أو أبو محمَّدٍ، أو أبو عبدِ اللهِ الهاشميُّ، المدَنِيُّ (٢). وأمُّهُ أمُّ وَلَدٍ اسمُها غزالةُ، وقِيلَ: سُلافةُ ابنةُ يَزْدَجُرْدَ آخرِ ملوكِ فارس. ذكرَهُ مسلمٌ (٣) في ثالثةِ تابعي المدنيين. يروي عن: أبيهِ، وعمِّهِ الحسنِ، وابنِ عبَّاسٍ، وعائشةَ، وأبي هُريرةَ، وجابرٍ، والمِسْوَرِ بنِ مَخْرمَةَ، وأمِّ سلمةَ، وصَفِيَّةَ أُمَّي المؤمنينَ، وسعيدِ بنِ المسيِّبِ، ومَروانَ، وغيرِهم، وعنه: بنُوهُ محمَّدٌ الباقرُ، وزيدٌ، وعمرُ، وعبدُ الله، وعاصمُ بنُ عُمرَ بنِ قتادَةَ، والحكمُ بنُ عُتَيْبةَ، وهشامُ بنُ عُروةَ، ومسلمٌ البَطِينُ، والزُّهريُّ، وزيدُ بنُ أسلمَ، وأبُو الزِّنادِ، ويحيَى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ، وعبدُ الله بنُ مسلمِ بنِ هُرمزَ. وحضرَ مصرعَ وَالدِهِ الشَّهيدِ بِكَرْبَلاءَ، وكانَ حِينئذٍ ابنَ ثلاثٍ وعشرِينَ سنةً، وقدِمَ إلى دِمشقَ، ومسجدُه بِها معروفٌ من الجامعِ، وكانَ مِن أفاضلِ بنِي هاشمٍ، وفقهاءِ أهلِ المدينةِ وعبَّادِهم، بل كانَ يقالُ بالمدينةِ: إنَّهُ في ذلكَ الزَّمانِ سيِّدُ العابدينَ، وقالَ الزُّهريُّ: ما رأيتُ هاشِميًّا أفضلَ مِنهُ.

стр. 2226

وهو أبو الحُسينيينِ كلِّهم، ليسَ للحسينِ عقبٌ إلَّا مِنهُ. ماتَ سنةَ اثنتَينِ، وقِيل: ثلاثٍ، وقِيل: أربعٍ، وقِيلَ: خمسٍ وتِسعينَ، والثَّالثُ أكثرُ وأصحُّ، في ربيعٍ الأوَّلِ، عن ثمانٍ وخَمسِينَ سنةً، ودُفنَ بالبقيعِ، وترجمتُهُ تحتَمِلُ البَسطَ. ٢٨٢١ - عليُّ بنُ الحُسينِ بنِ محمَّدِ بنِ الحسنِ، النُّورُ ابنُ البدرِ العليّ، العدنانيُّ، المكيُّ، الشَّافعيُّ (١). نزيلُ المدينةِ، وشقيقُ أحمدَ الماضي، ويُعرفُ كسلفِهِ بابنِ العُليفِ. وُلِدَ في المحرَّمِ سنةَ ستٍّ وأربعِينَ وثمانِ مئةٍ بِمَكَّةَ، ونَشأَ بِهَا، وحَفظَ "الأربعينَ"، و"الألفية"، وغيرَهما، وشرعَ في "المنهاج"، واشتغلَ بالفقهِ والعربيةِ وغيرِهما يَسيرًا عندَ النُّورِ الفاكِهِيِّ (٢)، وغيرِه، بل حضَرَ دروسَ القاضِي عبدِ القادرِ في العربيَّةِ وغيرِها، ورَافقَ أبا اللَّيثِ في الأخذِ في العربيةِ عن أحمدَ بنِ يونسَ، وسمِعَ الزَّينَ الأُمْيُوطيَّ، والتقيَّ ابنَ فهدٍ، وأبا الفتحِ المراغيَّ، في آخرِين، وقدِمَ القاهرةَ غيرَ مَرةٍ، فأخذَ عنِّي بِها، وكذَا بالحرمينِ، وقَطنَ المدِينَةَ دونَ عِشرينَ سنةً، وتزوَّجَ بِها ابنةَ أبِي الفتحِ بنِ عَلْبَك، وتأخَّرَ بعدهُ لهُ مِنها ابنة، وتولَّعَ بالنَّظمِ، وامتدحَنِي بأبياتٍ. وراقَ نظمُهُ في العربيَّةِ وإن كانَ في بعضِهِ لحنٌ.

стр. 2227

ماتَ بالقاهرةِ بالطَّاعونِ في شَعبانَ سنةَ سبعٍ وتِسعينَ. عوَّضهُ اللهُ الجنَّةَ. ٢٨٢٢ - عليُّ بنُ خالدٍ الدُّؤَليُّ، المدَنيُّ (١). يروي عن: أبِي هُريرةَ، وأبِي أُمامةَ، والنَّضْرِ بنِ سُفيانَ الدُّؤليِّ. وعنه: الضَّحاكُ بنُ عُثمانَ، وسعيدُ بنُ أبِي هلالٍ، وبُكيرُ بنُ عبدِ الله ابنِ الأشجِّ، ذكرهُ ابنُ حِبَّانَ في ثانية "ثقاته" (٢)، ثُمَّ في ثالثَتِها (٣) بِروايتِهِ عنِ النَّضَرِ، عن أبي هريرةَ. وقالَ النَّسائيُّ: ثقةٌ، والدَّارقطنيُّ (٤): شيخٌ يُعتبر [به]. وفرَّق بينَ الذِي يروِي عن: أبِي أُمامةَ، وعنه: سعيدُ بنُ أبِي هِلالٍ، وبينَ الآخرِ: البخاريُّ (٥)، وابنُ أبِي حاتمٍ (٦)، وأمَّا ابنُ حِبَّانَ فلم يذكرِ الرَّاوِي عن أبِي أُمامةَ، وذكرَ الرَّاوِي عن أبي هريرةَ في التَّابِعينَ، ثمَّ أعادَهُ بِروايتِهِ عن النَّضرِ في أتباعِ التَّابِعينَ. وذُكر في "التهذيب" (٧). ٢٨٢٣ - عليُّ بنُ سالمِ بنِ سَلمانَ. أخو حُسينٍ، وعِيسى، وقاسمٍ، ومحمدٍ، ووافِي، ويوسفَ، والرَّابعُ أكبرُ. كانَ

стр. 2228

هذا تاجرًا بالمدينةِ. ذكرهُ ابنُ صالحٍ. ٢٨٢٤ - عليُّ بنُ سعيدِ بنِ محمَّدِ بنِ عبدِ الوهَّابِ بنِ عليِّ بنِ يوسفَ، النُّورُ ابنُ الجمالِ ابنِ فتحِ الدِّينِ، الأنصاريُّ الزَّرَنديُّ، المدَنيُّ، الحنفيُّ (١). قاضِي المدينةِ كأبِيهِ. وُلِدَ بعدَ الأربعِينَ وثمانِ مئةٍ بالمدينةِ، وحَفِظَ "أربعي النَّووي"، و"الشَّاطبيةَ"، و"ألفيةَ العراقي"، و"الكنزَ"، و"أصولَ الشاشي"، و"مختصرَ التفتازاني" في أصول الكلامِ، و"ألفيةَ ابنِ مالك"، و"التوضيحَ" لابن هشام، و"الشافيةَ" في الصَّرف، و"إيساغوجي" في المنطق. وعرضَ على غيرِ واحدٍ مِنهُم -مِن القادمِينَ عليهِم- الزَّينُ قاسمٌ الحنفيُّ، وقرأَ على الفقِيهِ (٢) في الفقهِ وغيرِه، وفي الفقهِ فقط على حميدِ الدِّينِ العجميِّ (٣)، وفي العربيَّةِ والمنطقِ على الشِّهابِ الإِبْشِيطيِّ، وكذا على السَّيدِ عليٍّ شيخِ الباسطيَّةِ، وأحمدَ بنِ يونسَ، ومحمَّدِ بنِ مُباركٍ فيهما، وفي الصَّرفِ، وعلى السَّيِّدِ معير الدِّينِ الإيجِي (٤)، وملَّا محمَّدٍ سلطانٍ في العربيةِ. وأخذَ عنِ الأمينِ الأَقْصَرَائيِّ حينَ قُدومِهِ عليهِم المدينةَ، وسَمِعَ على أبَوي الفرجِ المراغيِّ والكَازَرُونيِّ بقراءَتِهِ وقراءَةِ غيرِهِ، وممَّا قرأَهُ على أولِّهما في "البخارِي".

стр. 2229

وتلا القرآنَ على الشَّمسِ الشُّشْتَريِّ، وعُمرَ النَّجارِ، وكذا على السَّيدِ الطباطبيِّ، لِنافعٍ وأبي عمروٍ، ثُمَّ جمعَ للسَّبعِ إلى براءةَ عليهِ. واستقرَّ في القضاءِ والحِسبةِ بعدَ موتِ أبيهِ بِمكَّةَ سنةَ أربعٍ وسبعين، وأسعَفهُ البرهانيُّ ابنُ ظَهيرَةَ بكتابةِ محضرٍ بتأهُّلِهِ لهما، ثُمَّ انفصَلَ عنِ الحِسبةِ فقط يَسيرًا بقَرِيبِهم النُّورِ عليِّ بنِ يوسفَ الزّرَنْديِّ الآتي، ثُمَّ أُعِيدَ إليهَا إلى أن أُضِيفت لشيخِ الخدَّامِ المقرِّ الشجاعيِّ شاهينِ الجماليِّ، وفوَّضَها بعدُ لأبِي الفتحِ أخِي صاحبِ التَّرجمةِ، مع مشاركتِهِ في بعضِ الأمورِ. وحلَّقَ بالمسجدِ في الفقهِ والحديثِ، وقرأَ عليهِ أخُوهُ أبو الفتحِ: "البخاريَّ". وركِبَ البحرَ في سنةِ ثلاثٍ وسَبعين للقاهرةِ، فبلغَهُ الطَّاعونُ، فعادَ، ثُمَّ كان دخولُهُ لها في سنةِ سبعٍ وتِسعين مع باقِي القضاةِ حِينَ المرافعةِ في بَعضِهم، فحفَّهُم اللُّطفُ، وأسرعُوا الرُّجوعَ للطَّاعُونِ أَيضًا. [أقوُل: وبعدَ المؤلِّفِ سافرَ للقاهرةِ مرَّةً أخرى بَحرًا، في سنةِ تِسع وتسعِ مئةٍ، فوجَدَ الطَّاعونَ بها، فماتَ فيهِ سنةَ عشرٍ وتسعِ مئةٍ، وتولَّى بعدَهُ القضاءَ أخُوهُ أبو الفتحِ محمَّدٌ الآتي] (١). ٢٨٢٥ - عليُّ بنُ سُليمانَ بنِ عبدِ الواحدِ القاهريُّ، نزيلُ المدينةِ، ويُعرفُ بابنِ الطَّحانِ (٢).

стр. 2230

ممَّن قدِمَها وهو يتكسَّبُ، فسلكَ طريقةَ رِفاقه ابنِ بقسماطةَ ونحوِهِ في التِّجارةِ بالينبعِ، وسيَّرَ الجلابِ في البحرِ، ونحو ذلك. وسمعَ بها في سنةِ سبعٍ وثلاثِينَ على الجمالِ الكَازَرُونيِّ، وتزوَّجَ برحمةَ ابنةِ عبدِ القادِرِ، فولدَتْ لهُ محمَّدًا في سنةِ أربعِينَ تقريبًا، وتُوُفِّيَ أبوهُ سنةَ خمسِين بعدَ أن عُدِيَ على ما كان بِيدِهِ، ونشأَ ابنُهُ على طريقةِ أبيهِ في التَّكسُّبِ بِدُرْبَةٍ، فأثرَى. وقيلَ: إنَّهُ اشتغلَ في "المختارِ" للحنفية، بل حَفِظَه، وعرضَهُ على القاضِي سعيدٍ، وحضرَ عندَهُ، وسمِعَ الحدِيثَ على أبي الفرجِ العثمانيِّ، المراغيِّ، ثُمَّ ولدِهِ. وتزوَّجَ خديجةَ ابنةَ عمرَ بنِ حسنِ بنِ محمَّدٍ الدُّخّيِّ، وأولدَها عِدَّةً: أكبرُهم محمدٌ زوجُ أمِّ الحسينِ ابنةِ عطيةَ بنِ فهدٍ، تزوَّجَها بعدَ نزيلِ الكرامِ أحمدَ بنِ محمَّدٍ، وله منها أيضًا أولادٌ، تأخَّرَ منهم: أبو السُّعودِ، وإبراهيمُ. ويُذكَرُ بثروةٍ ومَزيدِ حِرصٍ، معَ نخلٍ ودُورٍ، وتكرَّرَ دخولُه لمصرَ. وماتَ وقد جازَ الستِّينَ في ربيعٍ الأوَّلِ سنةَ اثنتين وتسعِ مئةٍ. وابنُه عليٌّ ممَّنْ اشتغلَ أيضًا حنفيًّا، وقرأَ على ابنِ جلالٍ في "الهداية"، و"المنار"، وفي مصرَ على نظامٍ، والطَّرابلسيِّ، ودخلَ دمشقَ، وتكرَّرَ دخولُه كأبيه لمصرَ، وسمعَ عَلَيَّ، وتزوَّجَ ستَّ الجميعِ ابنةَ أحمدَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ الزَّرَنديِّ. وأشقَّاؤُه ناصرُ الدّينِ أبو الفَرجِ، ثمَّ عبدُ اللَّطيفِ -المتوفَّى بالشَّامِ بعد رجوعِه مِن الرُّوم في سنةِ إحدى وتسعِ مئةٍ-، ثمَّ عبدُ القادرِ. ٢٨٢٦ - عليُّ بنُ سِنانِ بنِ عبدِ الوهَّابِ بنِ نُمَيْلةَ. أحدُ حكَّامِ الإماميةِ بالمدينةِ، والماضي أبوه. لم يكنْ أحدٌ مِن أهلِ السُّنَّةِ يجسرُ

стр. 2231

على عقدِ نكاحٍ، ولا يفصلُ خصومةً إلَّا إنْ علمَ بها، وأُعطيَ ما جرَتْ عادتُه به، حتَّى كانَ يكتبُ لأبي عبدِ الله ابنِ فرحونٍ -والدِ البدرِ المؤرِّخِ-: يا أبا عبدِ اللهِ، اعقدْ نكاحَ فلانٍ على فلانة، أَو أصلِحْ بينَ فلانٍ وفلانٍ. حَكاهُ ابنُ فَرحونٍ (١). وقد مضى أبوهُ، وأسماءُ مَن لِصاحبِ التَّرجمةِ مِن الإخوَةِ. ٢٨٢٧ - عليُّ بنُ صالحِ بنِ إسماعيلَ، الكِنانيُّ، المدنيُّ، الشَّافعيُّ. أخو محمدٍ الآتي. كانَ صالحًا كأبِيهِ، يخدُمُ مشهدَ سيدِنا حمزةَ ﵁، أثنَى على صلاحِهِ أبو عبدِ الله القصريُّ، كما في أخِيهِ. ٢٨٢٨ - عليُّ بنُ صالحٍ المدَنيُّ (٢). يروِي عن: عامرِ بنِ صالحٍ الزُّبَيْرِيِّ، وعبدِ اللهِ بنِ مُصعبٍ الزُّبَيْريِّ، ويعقوبَ بنِ محمَّدٍ الزُّهريِّ، وعنه: الزُّبَيْرُ بنُ بكارٍ، والمفضَلُ بنُ غسَّانَ الغلابيُّ، وجماعةٌ آخرونَ. وهو في "التهذيب" للتَّميِيزِ (٣). ٢٨٢٩ - عليُّ بنُ الصفيِّ، نورُ الدِّينِ. فقيهُ الإماميَّةِ في وقتِهِ، ورئِيسُهم. كان جَارًا لعبدِ اللهِ بنِ حجاجٍ المغربيِّ المكشوفِ الرَّأسِ، وبينَهُما مؤانسةٌ ومودَّةٌ، فأسندَ عبدُ اللهِ وصيَّتَهُ إليهِ، فوضَعَ يدَهُ على كُتبِهِ، وهي كثيرةٌ جِدًا، كما مضَى في ترجمتِهِ، حتَّى تَلِفَتْ وأكَلتْها الأَرَضَةُ،

стр. 2232

وذهبَ خيارُها، ووقعَ عَليهَا المطرُ، ثُمَّ كبِرَ الأولادُ، فتسلَّمُوها مِنه، وبِيعتْ، فامتلأَتِ المدينةُ حتَّى صارَ في كلِّ بَيتٍ مِنها جَانبٌ من علومٍ لا يعرفُها أحدٌ مِن أهلِ زَمانِنَا، ولا يَفهمُها إلَّا مَن عالجَ أصولهَا، وأدركَ شيُوخَها، ولقد بِيع مِنها نحوُ أربعةَ عشرَ مُجلدًا، كلُّ كتابٍ بدِرهمٍ من النُّسخِ المليحةِ الصحِيحَةِ. قاله ابنُ فرحونٍ (١). قالَ: وكانَ مِن رؤساءِ أهلِ المدينةِ وخِيارِهم، ممَّن يوالِي المجاوِرين ويخدِمُهم في قضاءِ حوائِجِهم، معَ جلالةِ قدرِهِ، وعلوِّ كلمتِهِ، ومحبَّةِ الأمراءِ له، ولذا أسنَدَ المذكورُ أولًا وصيَّتهُ إليهِ. ٢٨٣٠ - عليُّ بنُ طاهرِ بنِ مُعوّضةَ ابنِ تاجِ الدِّينِ، الشَّيخُ شمسُ الدِّينِ، أبو الحسنِ (٢). مَلِكُ اليمنِ في عَصرنا، ويُعرف بابنِ طاهرٍ. جاورَ قبلَ تملُّكِهِ بالمدينةِ، وتزوَّجَ ابنةَ أبِي الفتحِ ابنِ عَلْبَك، وعائشةَ القطانِيَّةَ، واحدةً بعدَ الأُخرَى. وكانَ مُديمًا للتِّلاوَةِ والاستغَاثةِ، بحيثُ كانَ لما تحرَّكَ لليمنِ صارَ يتوسَّلُ بذلكَ إلى أن استولَى على مملكةِ اليمنِ، مملكةِ بنِي رسولٍ بالسَّيفِ، وكانَ تملُّكُهُ عدنَ في سنةِ ثمانٍ وخمسين، وزَبِيْد في التي تلِيهَا، وتَعِزّ (٣) فيما بينَهُما، وملكَ حِصنَ حبٍّ، وهو حصنُ الملكِ ذُو رُعَين (٤) مِن مُلوكِ حِمْيَر، المعقلُ الذِي ليسَ في اليمنِ مثلُهُ

стр. 2233

حَصانةً ومَنَعَةً، بعد محاصرتِهِ إيَّاهُ سبعَ سِنينَ. ودوَّخَ العربَ، وضبطَ اليمنَ، وأمِنَتِ الطُّرقاتُ، وأحيَا البلادَ بعدَ خَرابِهَا، وأحبَّهُ الكافَّةُ، وكانَ مَلكًا عادِلًا، شُجَاعًا عَاقلًا، وللمعروفِ باذلًا، وعلى الفُقراءِ ونحوِهِم غَيثًا هَاملًا، صدقاتُهُ ومبرَّاتُهُ ومعرُوفُهُ فوقَ الوَصفِ. أنشأَ مدرسةً بتَعِزّ، وأخرَى ببلدِهِ، وجَدَّدَ أشياءَ، ويقالُ: إنَّهُ وقفَ جميعَ ما في مُلكِهِ مِن عقارٍ [على] المسلمين، وجعلَ النَّظرَ في ذلكَ للمتولِّي مِن أولادِ أخِيهِ. ماتَ في ربيعٍ الثَّاني سنةَ ثلاثٍ وثمانِين وثمانِ مئةٍ، عن أربعٍ وسبعينَ، فإنَّهُ وُلدَ في سنةِ تسعٍ. ٢٨٣١ - عليُّ بنُ أبِي طالبِ [بنِ] عبدِ منافِ بنِ عبدِ المطَّلبِ بنِ هاشمِ بنِ عبدِ منافٍ، أميرُ المؤمنين، أبو الحسنِ الهاشميُّ، ابنُ عمِّ النَّبيِّ ﷺ - (١). ورابعٌ في المدنيينَ لمسلمٍ (٢)، وأوَّلُ مَن ذكرَهُ فيمَن سكنَ الكوفةَ، وأمُّهُ فاطمةُ ابنةُ أسدِ بنِ هاشمِ بنِ عبدِ منافٍ الهاشميَّةُ، وهي ابنةُ عمِّ أبِي طالبٍ، وكانت مِنَ المُهاجراتِ، وتُوُفِّيتْ في حياةِ النَّبيِّ ﷺ بالمدينةِ (٣). ترجمتُهُ أفردَهَا غيرُ واحدٍ كالذهبيِّ (٤)، كلٌّ مِنهم في مجلدٍ.

стр. 2234

وكان إمامًا عالمًا متحرِّيًا في الأخذِ، بِحيثُ إنَّهُ يستحلفُ مَن يحدِّثُهُ بالحديثِ سوى أبي بكرٍ (١). وكانَ قتلُهُ بالكوفةِ على يدِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ مُلجمٍ الشَّقيِّ، في رمضانَ سنةَ أربعين، عن سِتِّين سنةً فأكثر بسنةٍ أو سنتينِ أو أقلَّ، وصلَّى عليهِ ابنهُ الحسنُ، ودُفنَ بالكوفةِ عندَ قصرِ الإمارةِ، وعُمِّي قبرهُ لئلا يَنبِشَهُ الخوارج، وقيلَ: إنَّ الحسنَ نقلهُ إلى المدينة، بِحيثُ قالَ المبرِّدُ (٢) عن محمَّدِ بنِ حبيبٍ (٣): إنَّهُ أوَّلُ مَن حُوِّلَ مِن قبرٍ إلى قبرٍ، وذلكَ كما قال غيرُهُ: صُبِّر في صندوقٍ، وكثَّرُوا عليهِ منَ الكافورِ، وحُمل على بَعيرٍ يريدون بهِ المدينةَ، فدُفِن بالبقيعِ عندَ زوجتِهِ فاطمةَ الزَّهراءِ. وكان يقولُ: بُليتُ بأربعةٍ: أطوع النَّاسِ في الناسِ عائشةَ، وأشدّ النَّاسِ الزُّبيرِ، وأعبدِ النَّاسِ محمَّدِ بنِ طلحةِ بنِ عبيدِ الله، وأسخَى النَّاسِ يَعْلَى بنُ مُنْيَةَ (٤)؛ كان يعطِي الرَّجلَ ثلاثينَ دِينَارًا وفرسًا يقولُ: اخرج قاتِل عليًّا، وقُتِل محمَّدٌ يومَ الجمَلِ، وكانَ عليٌّ يقولُ: ما قتلهُ إلَّا طاعةُ أبِيهِ. قتلهُ مروانُ بنُ الحكمِ، وكذَا قُتِل

стр. 2235

الزُّبيرُ، قَتلهُ ابنُ جرمُوزٍ وهو مُنصرِفٌ. ٢٨٣٢ - عليُّ بنُ عبدِ الله بنِ أحمدَ بنِ أبِي الحسنِ عليِّ بنِ عِيسَى بنِ محمَّدِ بنِ عيسَى بنِ أبي عبدِ الله محمَّدِ ابن شرفِ الدِّينِ ابنِ الرُّوحِ عِيسى ابنِ أبي عبدِ الله محمَّدِ ابنِ الرُّوحِ عيسَى ابنِ جلالِ الدِّينِ ابنِ العلاءِ ابنِ أبِي الفضلِ جعفرِ بنِ عليِّ بنِ محمَّدِ بنِ حسنِ بنِ محمَّدِ بنِ إسحاقَ بنِ محمَّدِ بنِ سُليمانَ بنِ داودَ بنِ الحسن المُثَنَّى بنِ الحسنِ الأكبرِ بنِ عليِّ بنِ أبِي طالبٍ، النُّورُ أبو الحسنِ ابنُ الجمالِ، الحسنيُّ، السَّمهوديُّ، القاهريُّ، الشَّافعيُّ، نزيلُ الحرمينِ، وعالمُ طَيبةَ، ويعرفُ بالشَّريفِ السَّمْهُوديِّ (١). وُلدَ سنةَ أربعٍ وأربعِين وثماني مئةٍ بسَمْهُودَ (٢)، ونشأ بها، فحفظَ القرآنَ، و"المِنهاجَ"، ولازَم والدَهُ حتَّى قرأهُ عليهِ بَحثًا مع شرحِهِ لـ "المحلِّي" و"شرح البهجة"، لكنَّ النِّصفَ الثَّاني مِنه سماعًا، و"جمع الجوامع"، وغالب "ألفية ابن مالك"، بل سمع عليه جُلَّ "البخاري"، و"مختصر مسلم" للمنذريِّ، وغيرَ ذلك. وقدِمَ القاهرةَ معهُ، وبمفردِهِ غيرَ مرةٍ، أوَّلُها سنةَ ثمانٍ وخَمسينَ، ولازم أوَّلًا الشمسَ الجَوْجَرِيَّ في الفقهِ وأصولِهِ والعربِيَّةِ، فكانَّ ممَّا قرأَ عليهِ: جميعُ "التوضيحِ" لابن هشامٍ، و"الخزرجية" مع "الحواشي الإِبْشِيطِية"، و"شرحِهِ للشذورِ"، والرُّبعَ الأوَّلَ من شرحِ "البهجة" للوليِّ (٣)، و"شرحِ شيخِهِ المحلِّي

стр. 2236

للمنهاج" قراءةً لأكثرِهِ، وسَماعًا لِسائِرِه، مع سماعِ غالبِ شرحِ شيخهِ أيضًا لـ "جمع الجوامع"، بل قرأَ بعضَهما على مؤلِّفِهِما، مع سماعِ دروسٍ من "الروضة" عليهِ بالمؤيَّديَّةِ، وأكثرَ مِن ملازمةِ المناوِيِّ (١)، وكان مِمَّا أخذهُ عنه: تقسيمُ "المنهاج" مرَّتينِ بفوتِ مجلسٍ أو مجلِسَين في كلٍّ مِنهما، لكنَّهُ تلفَّقَ لهُ مِنهما مَعًا، و"التنبيه"، و"الحاوي"، و"البهجة" بفوتٍ يسيرٍ في كلٍّ منهما، وجانبًا من شرح "البهجة"، ومن شرحِ "جمع الجوامع"، كِلاهُما لشيخِهِ، وقِطعةٌ من حاشيتِهِ على أوَّلِهمَا، ومِمَّا كتبَهُ على "مختصر المُزَنِّي" في درسِ الشَّافِعِيِّ، وعلى "المنهاجِ" في درسِ الصَّالحِيَّة (٢)، وممَّا قرأهُ عليهِ بحثًا قطعةٌ من "شرح ألفية العراقي"، ومن "بستان العارفين" للنَّوويِّ، وبِجامعِ عمروٍ (٣) جميعَ "الرسالة" للقُشَيْرِيِّ (٤)، وسمِعَ عليهِ "المُسلسل" بشرطِهِ، و"البخاريَّ" مِرارًا بأفواتٍ، وقطعةً من "مسلم"، ومن "مختصرِ جامع الأصول" للبَارِزِيّ، ومن آخرِ "تفسير البيضاويِّ". وألبَسَهُ خِرْقَةَ التَّصوُّفِ (٥)، وقرأَ على النَّجمِ ابنِ قاضي عَجْلُوْنٍ (٦) بعضَ

стр. 2237

"تَصحيحِ المنهاجِ"، وعلى الشَّمسِ البامِي (١) قطعةً من "شرح البهجة" مع حضور تقاسيمِهِ في "المنهاج"، وعلى الزَّينِ زكريا "شرح المنهاج الأصلي" للإسْنَائِي، وشرحه على "منظومة ابن الهَائِم" في الفرائض، وعلى الشَّمسِ الشُّروانيِّ "شرحَ عقائدِ النَّسفيِّ" للتَّفتازانيِّ بل سمعَهُ عليهِ ثانيةً، وغالبَ "شرح الطوالع" للأصفهانيِّ، وسَمِعَ عليهِ الإلهياتِ بَحثًا بمَكَّةَ، وقطعةً من "الكشاف"، وغالبَ "مختصرِ سعدِ الدِّينِ" على "التلخيص"، وشيئًا من "المطوَّل"، ومن "العضد شرح ابن الحاجب" (٢)، ومن "شرح المنهاج الأصلي" للسيد العِبْريِّ (٣) وغير ذلك. وحضرَ عِندَ العلمِ البُلْقِينيِّ مِن دروسه في "قطعة الإسنائي"، وعند الكمال إمامِ الكامليَّةِ دروسًا، وألبسَهُ الخِرقةَ، ولقّنَه الذِّكر. وقرأَ في سنةِ إحدَى وستين "عمدة الأحكام" بحثًا على السَّعدِ ابنِ الدَّيْرِيِّ، وأذِنَ لهُ في التَّدرِيسِ هو والبَامِيُّ، والجَوْجَرِيُّ، وفيهِ وفي الإفتاءِ الشِّهابُ الشَّارِمساحيُّ (٤) بعد امتحانِهِ له في مسائلَ ومذاكرتِهِ معهُ، وفيهما أيضًا زكريا، وكذا

стр. 2238

المحلِّيُّ، والمناوِيُّ، وعظُمَ اختصاصُهُ بِهما، وتزايَدَ معَ ثانِيهما، بحيث خطبَهُ لتزوِيجِ سِبطتِهِ الشَّريفةِ ابنةِ أحمدَ المصريِّ الصفَّارِ. وقرَّرهُ مُعيدًا في الحديثِ بجامعِ ابنِ طُولون (١)، وفي الفقهِ بالصَّالحيَّةِ، وفي غيرِهما مِن الوظائِفِ والمرتَّباتِ، وأسكنَهُ قاعةَ القضاءِ بها، وعرضَ عليهِ النِّيابةَ فأبَى، ثُمَّ فُوِّضَ إليهِ عندَ رُجوعِهِ مَرَّة إلى بلدِةِ مع القضاءِ (٢) النَّظرُّ في أمرِ النُّوابِ بالصَّعِيدِ، وصَرفُ غيرِ المتأهلِ منهم، فما عملَ بجَمِيعِهِ. وأخذَ عن: العزِّ عبدِ العزيزِ الوفائيِّ (٣) في الميقات، وغيرِهِ، وكانَ يجيءُ إليهِ للخلوةِ التِي ينزلُ فيها بالمؤيديَّةِ للقراءَةِ. ثُمَّ إنَّهُ استوطنَ القاهرةَ مع توجُّهِهِ لزِيارةِ أهلِهِ أحيَانًا، ووقَعَ في خاطِرِهِ الإعراضُ عن تِلكَ الجِهاتِ التِي تقرَّرَ فيها بشيءٍ قامَ في نفسِهِ، وأنَّهُ لا يلجئُهُ إليهِ إلا الزَّوجةُ فيفارِقُها. هذا معَ كونِه كانَ قد تكرَّرَ مِن شيخِهِ بنفسِهِ، وبالشَّمسِ الجَوْجَرِيِّ عرضُ تزوُّجِهِ بِها، وأخَّرَ الإجابةَ لاستيدانٍ بهِ، وقُدِّر أنَّهُ سافرَ إليهِ، وكلَّمَهُ فيهِ فلمْ يعد، ولا صرَّحَ بالمنعِ، وسافرَ على ذلكَ، فما وصلَ حتَّى جاءهُ

стр. 2239

العِلمُ بِوفاتِهِ، فرَجعَ فضَمَّ ما حصَلَ لهُ مِن ميراثِهِ، وهو مئةٌ وخمسونَ دِينارًا سِوى الكتبِ وغيرِها، فلمَّا عادَ أخذَ الجَوْجَرِيُّ في التَّكلُّمِ معهُ، وهو يبالِغُ في الاعتذارِ والعجزِ إلى أن أذعنَ ودَفع له ثُلثَ الميراثِ، وقامَ القاضِي بالوليمةِ، فكانَ مصرُوفُها زيادةً على مئةٍ، ودخلَ بِها، ولم يرَ إلَّا خيرًا. بل كانَ القاضِي يحضُّهُ على عدمِ الاتِّساعِ. هذا معَ أنَّهُ كان يريدُ ما تأخَّرَ مِن الميراثِ، فيربحُ فيهِ ما يوازِي كلفتَهُ، فأكثرَ من غيرِ قطعٍ بذلكَ عنِ التَّوجُّهِ للعلمِ، وله في ذلكَ عنايةٌ ربانيةٌ. ولمَّا حضرَ لشيخِهِ بعد مَا وقعَ في خاطِرِهِ، قال لهُ يومًا: يا فلانُ، الشَّخصُ إذا أقبلَ على الله يُقبلُ النَّاسُ عليهِ أوَّلًا، ثُمَّ ينحرفُونَ عنهُ ويؤذُونَه، لأنَّ سنَّةَ الله في عَبادِهِ قد جرتْ بابتلائِهِم واختبارِهِم، تطهيرًا لهم مِن السُّكونِ إلى القلقِ، وتخليصًا لهمْ من الالتجاءِ لغيرِ الحقِّ. قال تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (١). ثُمَّ حكَى أنَّ شَيخَهُ السَّيدَ الطَّباطبِيَّ كانَ بخلوتِهِ في جامعِ عمروٍ، فتسلَّطَ عليهِ قُرُقماسُ الشَّعبانيُّ (٢) الناظرُ لهُ، وأخرجهُ مِنها، فلمَّا أصبحَ السَّيدُ جاءهُ شخصٌ، وقالَ له: رأيتُكَ اللَّيلةَ في المنامِ جالسًا بين يَدي النبيِّ ﷺ وهو يُنشدُكَ:

стр. 2240

يا بَني الزَّهراء والنُّورِ الذي … ظنَّ موسى أنَّها نارُ قبَسْ لا أُوالي الدَّهرَ مَنْ عَاداكمُ … إنَّه آخرُ شطْرٍ مِن عَبَسْ يُشير إلى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ (١)، ثُمَّ أخذَ النَّبيُّ ﷺ عذَبةً بِسوطٍ في يدهِ، فعقَدهَا ثلاثَ عَقدَاتٍ. قالَ القاضي: وكانَ مِن تقدِيرِ اللهِ أن ضُربَ رأسُ قُرُقْماس، فلمْ يَزُلْ إلَّا بثلاثِ ضرباتٍ، بحيثُ كانَ ذلكَ الصَّوتُ من قَبِيلِ: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ (٢) ثُمَّ قالَ القاضِي: يا فلانُ، إذَا أقامَ الفقِيرُ بِخَلوةٍ فأُخرِجَ مِنها، فجلسَ في مَوضعٍ قَيَّضَ الله لهُ عِمارتَهُ، ولو كانَ مَزبلةً. قالَ السَّيدُ: فعلمتُ أنَّ شَيخَنَا يعنِينِي بجُملةِ كلامهِ الأوَّلِ، ولم أعلم أنَّهُ يَعنِينِي بالجُملةِ الأخِيرةِ، ولا حكمةَ عطفِهَا على مَا قَبلَهَا إلَّا بَعدَ مُضِيِّ نحوِ سبعَ عشرةَ سنةً، فإنِّي فارقتُهُ عقِبَ ذِكرِهِ لذَلكَ سنةَ سبعينَ، وسافرتُ -وقد تركتُ الزَّوجةَ والوظائِفَ- ومَعِي (٣) والدتِي إلى الحِجازِ للحَجِّ بَحرًا في ذِي القِعدةِ، وكدتُّ أدركُ الحجَّ فلم يُمكِن، وتألَّمتُ لذَلِكَ شَديدًا، وحصلَ لِي كسرٌ عظيمٌ، فنظرتُ "شرحَ الأسماءِ" للقُشَيْري، وأنَّهُ حكَى عَن بعضِهم ممَّن حجَّ سَبعينَ حجَّةً: وأنَّهُ رأَى في مُنصَرفِهِ مِن آخرها شَخصًا باكيًا، لفواتِ إدراكِهِ الوقوفَ، فقالَ لهُ: هبْ عليَّ

стр. 2241

انكسارِك، وأهبَ لكَ جميعَ حَجَّاتِي. قال: فسُرِّيَ عَنِّي. وجاورتُ بِمَكَّةَ كلًا من سَنتينِ، وفي أثناءِ الأولى منهما جاءَنِي العِلمُ بوفاةِ شيخِنا الشَّمسِ الشُّروانيِّ في رجُوعِهِ للقاهرةِ، فتكلَّمَ لِي في خلوةٍ مع كوثرٍ أحدِ الخدَّامِ وأعلمَهُ بحَالِي، فأرسلَ إلى شيخِهِم بعد انفصالِ الموسمِ بمفتاحِ خلوةٍ دَاخلَ مؤخَّرِ المسجدِ بجانبِ المنارةِ الغربيةِ الشَّماليةِ، ولا سَقف لهَا. وكانَ قد اتُّفقَ أنَّ البرهاني ابنَ ظَهِيرةَ قاضِي مَكَّةَ كتبَ لقاضِي المدينةِ الزَّكويِّ بما ينفعُهُ عندَ الله، فصارَ يتردَّدُ إليَّ، بحيثُ توسَّلَ بِي عندَهُ بعضُ المعتبَرين في بعضِ مآربِهِ، بل أحضَرَ صالحٌ سقفَ الخلوةِ وغيرَه، ولم يلبثْ أن سافرَ إلى الرُّومِ، فصارَ أخُوهُ الصَّلاحيُّ يقرأُ عليَّ، فاتَّفقتِ المرافعةُ فيهِ من الصَّلاحِ وغيرِه، فألقَى الشَّيطانُ في مخيِّلَتِهِ كونَ ذلكَ بتحرِيكِي، فبادرَ إلى تحريكِ أحدِ شيوخِ الخدَّامِ بِحيثُ رأيتُ ما وصفَ شيخُنا من إقبالِ النَّاسِ، ثُمَّ ما أشارَ إليهِ من الانحرافِ ممَّا أعظمُ أسبابِهِ إجابةُ المستفتِينَ عن المسائلِ العلميَّةِ، فأغرَى المستقرَّ حِينئذٍ في مشيخةِ الحرمِ، وكانَ لا يَعرفُنِي، وذلكَ قَبلَ وُصولِهِ لمحلِّ وِلايتِهِ، واستكتَبَهُ كِتابًا يتضمَّنُ الأمرَ بإخلاءِ الخَلوة التي كنتُ بها، ويوضَعُ زيتُ المسجدِ بِهَا. فرأيتُ ليلةَ مَجِيءِ كتابِهِ والدِي بالمنامِ جَالسًا بالمصلَّى النَّبويِّ من الرَّوضَةِ الشَّريفةِ، وأنا خلفَهُ بِها، وهو في غايةِ الحزنِ والكآبةِ، فسألتُهُ عن سببِ ذلكَ؟ فقال: البِسَسُ في مؤخَّرِ الحَرمِ خَرْبَشُوني، فقلتُ له: يا سيدي، خَربشةُ البِسَسِ مِن الأمورِ السَّهلةِ، فاستبشرَ، وأشرقَ وَجهُهُ، وزالَ ذلكَ الحزنُ. والعَجبُ أنَّنِي كنتُ أُصلِّي خلفَ المصلَّى النبويِّ بالمحلِّ الذِي رأيتُ أنِّي معَ

стр. 2242

والدِي بهِ يومَ مجَيءِ الكتابِ، فجَاءَنِي مَن أعلمَنِي بمضمُونِهِ، فشقَّ عليَّ، ثُمَّ تذكَّرتُ الرُّؤيا، فقلتُ: هذا ما أخبرَ بهِ الوالدُ من خربشةِ البِسَسِ، واستسْهالي لها، فسُريَّ عني، وما كانَ بأسرعَ من مجَيء الشَّيخِ، محمَّدِ ابنِ الزَّينِ المراغي إليَّ، واستخبرني عنِ المقتضي للرَّغبةِ في الخلوةِ؟ فقلتُ لهُ: للقربِ والاعتكافِ ونحوِ ذلكَ، فأشارَ عليَّ بمكانٍ بجانبِ المسجدِ يحصلُ بهِ القرْبُ ونحوُه، فتحوَّلتُ لدارٍ ببابِ الرَّحمةِ مشهورةٍ بدارِ تميمٍ الدَّاري، فاكتَريتُها، ونقلتُ كتُبِي إليها، وكانتْ مُتشعثَةً خَرابًا، فأقمتُ بِها مُدَّةً، ولم يخطرْ بِبَالي قطُّ [أن] أملِكَها، ولا أنْ أعمرَ دارًا، ولا أضعَ لبِنةً على لبنةٍ، ولا أنْ أملكَ بالمدينةِ أبدًا دارًا، ثُمَّ بعدَ أن تحوَّلتُ قدِمَ شيخُ الحرمِ المشارُ إليهِ، وعلمَ بالمقاصدِ السَّيئةِ التي لم تُنهَ إليهِ على وجهِها في أمرِ الخلوةِ، أمرَ بردِّ مفتاحِها إليَّ بحيثُ كان ذلك سببًا لإنشاءِ قصيدةٍ في المدِيحِ النَّبويِّ تَزِيدُ على سِتِّين بيتًا، توسَّلتُ فيهَا بهِ (١) في دفعِ كيدِ الأعداءِ وبَغيِهم، ورأيتُ عَقِبها في منامِي ما يُؤذِنُ بالنَّصرِ مما شاهدتُهُ يقظةً. وسافرتُ قبلَ الحريقِ الكائنِ في سنةِ ستٍّ وثمانينَ لمكَّةَ، ووردَ علينَا ونحنُ بِهَا أمرُهُ، فسافرتُ بعدَ الحجِّ لزيارةِ الوالدةِ، وكنتُ قد أرسلتُهَا السَّنةَ الثانيةَ من إِقامتِي بالمدينةِ لأجل الإخوةِ، فأدركتُ من حياتِها عشرةَ أيامٍ، ثُمَّ ماتت بِبلدنا سَمْهُودَ غروبَ شمسِ العاشرِ. ثُمَّ رجعتُ لمصرَ، فأنعم الله بإلهامِ الأشرفِ بدفع مالٍ عندَ سفرِي آخرَ التي

стр. 2243

تَليهَا، فاشتريتُ الدَّارَ المشارَ إليها، ثُمَّ أنعمَ اللهُ بأسبابِ عِمارتِها، ولزمتُ سُكناها، وحينئذٍ حضرتُ -ما لوَّحَ بهِ شيخُنا على وجههِ- الكشفَ. انتهى. وقد صحبتهُ مِن سنةِ بضعٍ وسِتِّين، ثُمَّ كثرتْ خُلطَتِي بهِ في سنةِ إِحدَى وسَبعين بمَكَّةَ، وكتَبَ بخطِّهِ مصنَّفِي "الابتهاج"، وسمِعَهُ مِنِّي، وكذَا سَمِعَ مِنِّي غيرَهُ مِن تصانِيفِي. وكانَ على خيرٍ وعبادةٍ، وسكونٍ وفتوَّةٍ (١)، وفارقتُهُ بِمَكَّةَ بعدَ أن حجَجْنَا، ثُمَّ توجَّهَ مِنها إلى طَيبةَ كما تقدَّم فقطَنها، ولازَمَ وهو فيهَا الشِّهابَ الإِبْشِيطيَّ، وحضرَ درُوسَهُ في "المنهاج" وغيرِه. وسمِعَ عليهِ جَانبًا من "تفسير البيضاوي"، ومن "شرح البهجة" للوليِّ، وبحثَ عليهِ "توضيح ابن هشام". بل قرأ عليه من تصانيفِهِ: "شرحه لخطبة المنهاج"، و"حاشيتَه على الخزرجية"، وأذِنَ له في التَّدرِيسِ، وأكثرَ مِن السَّماعِ هناكَ على أبِي الفرجِ المراغيِّ، بل قرأَ بعدَ الثَّمانِينَ على العفيفِ عبدِ الله ابنِ القاضِي ناصرِ الدّينِ ابنِ صالحٍ أشياءَ بالأجايز، وألبسهُ خِرقةَ التَّصوُّفِ، بلباسهِ لها مِن عمرَ الأعرابيِّ (٢). وكذا كانَ سَمِعَ بمَكَّةَ على: كماليةَ ابنةِ محمَّدِ بنِ أبِي بكرٍ المرجانيِّ، وشَقِيقِهَا الكمالِ أبي الفضلِ محمَّدٍ، وزينبَ الشَّوبكيَّةِ (٣)، والنَّجمِ عمرَ بنِ فهدٍ في آخرِين.

стр. 2244

وبالقاهرةِ على سِوى مَن تقدَّمَ "ختم البخاري" مع "ثلاثياته" بقراءة الدِّيَمِي على مَن اجتَمعَ مِن الشُّيوخِ بالكامِليةِ. بل قرأَ على النَّجمِ ابنِ عبدِ الوَارِثِ (١) في سنةِ خمسٍ وسِتِّينَ بمُنيةِ ابنِ خصيبٍ (٢) شيئًا من "الموطأ"، ومن "الشِّفا". وأجازَ لهُ جماعةٌ، ولم يُكثِرْ مِن ذلك. وصاهرَ في المدينةِ النَّبويَّةِ بيتَ الزَّرَنْدي، فتزوَّجَ أختَ الشَّمسِ محمَّدِ بنِ عمرَ بنِ المحبِّ، ولها مَحْرَميَّةٌ بالنَّجمِ (٣) ابنِ يعقوبَ المالكيِّ ابنِ أخِي زوجِها، ثُمَّ فارقَهَا، وتزوَّجَ أختَ الشَّيخِ محمَّدٍ المراغيِّ ابنةِ شيخهِ أبي الفرجِ، وفارقَهَا بعدَ مدَّةٍ بعدَ موتِ أخِيها، وكذا تزوَّجَ غيرَهما سِرًّا وجهرًا، ثمَّ اقتصرَ على التَّسرِيِّ، ومع هذا كلِّهِ عقيمٌ. وجلَسَ في غُضونِ ذلكَ للإقراءِ، وأخذَ عنهُ جماعةٌ من الطَّلبةِ في الحرمينِ. ومِن أجلِّ مَن أخذَ عنه مِن الشافعيَّةِ: الشَّمسُ المِسكين (٤) والدُ الجماعةِ، والزَّينُ عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبِي الهُدى، والشَّمسُ محمَّدُ بنُ زينِ الدِّينِ القطَّانُ، ومِن الحنفيَّةِ: الشَّمسُ ابنُ جلالٍ، ومِن المالكيَّةِ: النَّجمُ المشارُ إليهِ، ومسعودٌ المغربيُّ (٥).

стр. 2245

وصنَّفَ في "مسألةِ فرشِ البُسطِ المنقوشةِ" رَدَّ بهِ على مَن نازعَهُ أخذَ ثمان نُسخٍ وانهملا (١) بتصنِيفِهما، فقرَّضَهُما غيرُ واحدٍ. فكانَ مِمَّن قرَّضَ لهذَا شيخُهُ الجَوْجَريُّ، والبقاعيُّ، وأحضرهُ إليَّ أولهُما بعدَ إِرسالِ الأمِينِي الأقصرائيِّ إليَّ بالمؤلَّفِ الآخرِ رَاغبًا مِنِّي ذلكَ أيضًا، فما سمَحتْ نَفسِي بهِ لهُ، بل كتبتُ لِهذَا تقريظًا، ثُمَّ أعرضتُ عنهُ. وكذا عمِلَ للمدينةِ بالنِّسبةِ لمعالِمها وأماكِنِها ونحوِ ذلكَ مع التَّعرُّضِ للفضائِلِ وشِبْهِها "تاريخًا" تعبَ فيه، قرَّضْتُهُ والبرهانُ ابنُ ظهيرةَ له، بل حصَّلهُ كلٌّ مِنَّا، وقُرئَ عليهِ بعضُهُ بِمَكَّةَ، واقتَصَرَ على العزوِ في جُلِّ ما يُورِدُهُ مِن الأحاديثِ ونحوِها من "تاريخ عمر بن شبَّة" وغيرِه من الكتبِ المسندةِ وغيرِها، من غيرِ بيانٍ لصحةٍ ولا غيرِها، لكونِهِ في الفضَائِلِ غالبًا، ولغيرِ ذلكَ. بل ألَّفَ غيرَ ما ذُكرَ جملةً، ومِن ذلكَ: الكتابةُ على "إيضاحِ النووي في المناسك"، أفادَ فِيهِ. والتَمَسَ من صَاحِبِنَا النَّجمِ ابنِ فهدٍ تخريجَ شيءٍ مِمَّا تقدَّمَ، ففعَلَ بعدَ إِرسالِهِ إليَّ في تراجِمِ أكثرِهِم. كما استمدَّ هُو مِنِّي بعضَهُ، وعظَّمَهُ في الخُطبَةِ، حيثُ قالَ: سألنِي مَنْ لا أَستطِيعُ ردَّهُ -ولا يمكنُنِي صدُّهُ، لحقوقٍ واجبةٍ منهُ عليَّ، وإحسانٍ قد أسدَاهُ إليَّ، فكيفَ وقد حوَى مِن العلومِ والفضائلِ، ما لم يحوِهِ غيرُه من العلماءِ الأماثِلِ.
следующие страницы →