← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1050

التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة - ط مركز دراسات المدينة

السخاوي

Полный текст (4 406 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

انكسارِك، وأهبَ لكَ جميعَ حَجَّاتِي. قال: فسُرِّيَ عَنِّي. وجاورتُ بِمَكَّةَ كلًا من سَنتينِ، وفي أثناءِ الأولى منهما جاءَنِي العِلمُ بوفاةِ شيخِنا الشَّمسِ الشُّروانيِّ في رجُوعِهِ للقاهرةِ، فتكلَّمَ لِي في خلوةٍ مع كوثرٍ أحدِ الخدَّامِ وأعلمَهُ بحَالِي، فأرسلَ إلى شيخِهِم بعد انفصالِ الموسمِ بمفتاحِ خلوةٍ دَاخلَ مؤخَّرِ المسجدِ بجانبِ المنارةِ الغربيةِ الشَّماليةِ، ولا سَقف لهَا. وكانَ قد اتُّفقَ أنَّ البرهاني ابنَ ظَهِيرةَ قاضِي مَكَّةَ كتبَ لقاضِي المدينةِ الزَّكويِّ بما ينفعُهُ عندَ الله، فصارَ يتردَّدُ إليَّ، بحيثُ توسَّلَ بِي عندَهُ بعضُ المعتبَرين في بعضِ مآربِهِ، بل أحضَرَ صالحٌ سقفَ الخلوةِ وغيرَه، ولم يلبثْ أن سافرَ إلى الرُّومِ، فصارَ أخُوهُ الصَّلاحيُّ يقرأُ عليَّ، فاتَّفقتِ المرافعةُ فيهِ من الصَّلاحِ وغيرِه، فألقَى الشَّيطانُ في مخيِّلَتِهِ كونَ ذلكَ بتحرِيكِي، فبادرَ إلى تحريكِ أحدِ شيوخِ الخدَّامِ بِحيثُ رأيتُ ما وصفَ شيخُنا من إقبالِ النَّاسِ، ثُمَّ ما أشارَ إليهِ من الانحرافِ ممَّا أعظمُ أسبابِهِ إجابةُ المستفتِينَ عن المسائلِ العلميَّةِ، فأغرَى المستقرَّ حِينئذٍ في مشيخةِ الحرمِ، وكانَ لا يَعرفُنِي، وذلكَ قَبلَ وُصولِهِ لمحلِّ وِلايتِهِ، واستكتَبَهُ كِتابًا يتضمَّنُ الأمرَ بإخلاءِ الخَلوة التي كنتُ بها، ويوضَعُ زيتُ المسجدِ بِهَا. فرأيتُ ليلةَ مَجِيءِ كتابِهِ والدِي بالمنامِ جَالسًا بالمصلَّى النَّبويِّ من الرَّوضَةِ الشَّريفةِ، وأنا خلفَهُ بِها، وهو في غايةِ الحزنِ والكآبةِ، فسألتُهُ عن سببِ ذلكَ؟ فقال: البِسَسُ في مؤخَّرِ الحَرمِ خَرْبَشُوني، فقلتُ له: يا سيدي، خَربشةُ البِسَسِ مِن الأمورِ السَّهلةِ، فاستبشرَ، وأشرقَ وَجهُهُ، وزالَ ذلكَ الحزنُ. والعَجبُ أنَّنِي كنتُ أُصلِّي خلفَ المصلَّى النبويِّ بالمحلِّ الذِي رأيتُ أنِّي معَ

стр. 2242

والدِي بهِ يومَ مجَيءِ الكتابِ، فجَاءَنِي مَن أعلمَنِي بمضمُونِهِ، فشقَّ عليَّ، ثُمَّ تذكَّرتُ الرُّؤيا، فقلتُ: هذا ما أخبرَ بهِ الوالدُ من خربشةِ البِسَسِ، واستسْهالي لها، فسُريَّ عني، وما كانَ بأسرعَ من مجَيء الشَّيخِ، محمَّدِ ابنِ الزَّينِ المراغي إليَّ، واستخبرني عنِ المقتضي للرَّغبةِ في الخلوةِ؟ فقلتُ لهُ: للقربِ والاعتكافِ ونحوِ ذلكَ، فأشارَ عليَّ بمكانٍ بجانبِ المسجدِ يحصلُ بهِ القرْبُ ونحوُه، فتحوَّلتُ لدارٍ ببابِ الرَّحمةِ مشهورةٍ بدارِ تميمٍ الدَّاري، فاكتَريتُها، ونقلتُ كتُبِي إليها، وكانتْ مُتشعثَةً خَرابًا، فأقمتُ بِها مُدَّةً، ولم يخطرْ بِبَالي قطُّ [أن] أملِكَها، ولا أنْ أعمرَ دارًا، ولا أضعَ لبِنةً على لبنةٍ، ولا أنْ أملكَ بالمدينةِ أبدًا دارًا، ثُمَّ بعدَ أن تحوَّلتُ قدِمَ شيخُ الحرمِ المشارُ إليهِ، وعلمَ بالمقاصدِ السَّيئةِ التي لم تُنهَ إليهِ على وجهِها في أمرِ الخلوةِ، أمرَ بردِّ مفتاحِها إليَّ بحيثُ كان ذلك سببًا لإنشاءِ قصيدةٍ في المدِيحِ النَّبويِّ تَزِيدُ على سِتِّين بيتًا، توسَّلتُ فيهَا بهِ (١) في دفعِ كيدِ الأعداءِ وبَغيِهم، ورأيتُ عَقِبها في منامِي ما يُؤذِنُ بالنَّصرِ مما شاهدتُهُ يقظةً. وسافرتُ قبلَ الحريقِ الكائنِ في سنةِ ستٍّ وثمانينَ لمكَّةَ، ووردَ علينَا ونحنُ بِهَا أمرُهُ، فسافرتُ بعدَ الحجِّ لزيارةِ الوالدةِ، وكنتُ قد أرسلتُهَا السَّنةَ الثانيةَ من إِقامتِي بالمدينةِ لأجل الإخوةِ، فأدركتُ من حياتِها عشرةَ أيامٍ، ثُمَّ ماتت بِبلدنا سَمْهُودَ غروبَ شمسِ العاشرِ. ثُمَّ رجعتُ لمصرَ، فأنعم الله بإلهامِ الأشرفِ بدفع مالٍ عندَ سفرِي آخرَ التي

стр. 2243

تَليهَا، فاشتريتُ الدَّارَ المشارَ إليها، ثُمَّ أنعمَ اللهُ بأسبابِ عِمارتِها، ولزمتُ سُكناها، وحينئذٍ حضرتُ -ما لوَّحَ بهِ شيخُنا على وجههِ- الكشفَ. انتهى. وقد صحبتهُ مِن سنةِ بضعٍ وسِتِّين، ثُمَّ كثرتْ خُلطَتِي بهِ في سنةِ إِحدَى وسَبعين بمَكَّةَ، وكتَبَ بخطِّهِ مصنَّفِي "الابتهاج"، وسمِعَهُ مِنِّي، وكذَا سَمِعَ مِنِّي غيرَهُ مِن تصانِيفِي. وكانَ على خيرٍ وعبادةٍ، وسكونٍ وفتوَّةٍ (١)، وفارقتُهُ بِمَكَّةَ بعدَ أن حجَجْنَا، ثُمَّ توجَّهَ مِنها إلى طَيبةَ كما تقدَّم فقطَنها، ولازَمَ وهو فيهَا الشِّهابَ الإِبْشِيطيَّ، وحضرَ درُوسَهُ في "المنهاج" وغيرِه. وسمِعَ عليهِ جَانبًا من "تفسير البيضاوي"، ومن "شرح البهجة" للوليِّ، وبحثَ عليهِ "توضيح ابن هشام". بل قرأ عليه من تصانيفِهِ: "شرحه لخطبة المنهاج"، و"حاشيتَه على الخزرجية"، وأذِنَ له في التَّدرِيسِ، وأكثرَ مِن السَّماعِ هناكَ على أبِي الفرجِ المراغيِّ، بل قرأَ بعدَ الثَّمانِينَ على العفيفِ عبدِ الله ابنِ القاضِي ناصرِ الدّينِ ابنِ صالحٍ أشياءَ بالأجايز، وألبسهُ خِرقةَ التَّصوُّفِ، بلباسهِ لها مِن عمرَ الأعرابيِّ (٢). وكذا كانَ سَمِعَ بمَكَّةَ على: كماليةَ ابنةِ محمَّدِ بنِ أبِي بكرٍ المرجانيِّ، وشَقِيقِهَا الكمالِ أبي الفضلِ محمَّدٍ، وزينبَ الشَّوبكيَّةِ (٣)، والنَّجمِ عمرَ بنِ فهدٍ في آخرِين.

стр. 2244

وبالقاهرةِ على سِوى مَن تقدَّمَ "ختم البخاري" مع "ثلاثياته" بقراءة الدِّيَمِي على مَن اجتَمعَ مِن الشُّيوخِ بالكامِليةِ. بل قرأَ على النَّجمِ ابنِ عبدِ الوَارِثِ (١) في سنةِ خمسٍ وسِتِّينَ بمُنيةِ ابنِ خصيبٍ (٢) شيئًا من "الموطأ"، ومن "الشِّفا". وأجازَ لهُ جماعةٌ، ولم يُكثِرْ مِن ذلك. وصاهرَ في المدينةِ النَّبويَّةِ بيتَ الزَّرَنْدي، فتزوَّجَ أختَ الشَّمسِ محمَّدِ بنِ عمرَ بنِ المحبِّ، ولها مَحْرَميَّةٌ بالنَّجمِ (٣) ابنِ يعقوبَ المالكيِّ ابنِ أخِي زوجِها، ثُمَّ فارقَهَا، وتزوَّجَ أختَ الشَّيخِ محمَّدٍ المراغيِّ ابنةِ شيخهِ أبي الفرجِ، وفارقَهَا بعدَ مدَّةٍ بعدَ موتِ أخِيها، وكذا تزوَّجَ غيرَهما سِرًّا وجهرًا، ثمَّ اقتصرَ على التَّسرِيِّ، ومع هذا كلِّهِ عقيمٌ. وجلَسَ في غُضونِ ذلكَ للإقراءِ، وأخذَ عنهُ جماعةٌ من الطَّلبةِ في الحرمينِ. ومِن أجلِّ مَن أخذَ عنه مِن الشافعيَّةِ: الشَّمسُ المِسكين (٤) والدُ الجماعةِ، والزَّينُ عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبِي الهُدى، والشَّمسُ محمَّدُ بنُ زينِ الدِّينِ القطَّانُ، ومِن الحنفيَّةِ: الشَّمسُ ابنُ جلالٍ، ومِن المالكيَّةِ: النَّجمُ المشارُ إليهِ، ومسعودٌ المغربيُّ (٥).

стр. 2245

وصنَّفَ في "مسألةِ فرشِ البُسطِ المنقوشةِ" رَدَّ بهِ على مَن نازعَهُ أخذَ ثمان نُسخٍ وانهملا (١) بتصنِيفِهما، فقرَّضَهُما غيرُ واحدٍ. فكانَ مِمَّن قرَّضَ لهذَا شيخُهُ الجَوْجَريُّ، والبقاعيُّ، وأحضرهُ إليَّ أولهُما بعدَ إِرسالِ الأمِينِي الأقصرائيِّ إليَّ بالمؤلَّفِ الآخرِ رَاغبًا مِنِّي ذلكَ أيضًا، فما سمَحتْ نَفسِي بهِ لهُ، بل كتبتُ لِهذَا تقريظًا، ثُمَّ أعرضتُ عنهُ. وكذا عمِلَ للمدينةِ بالنِّسبةِ لمعالِمها وأماكِنِها ونحوِ ذلكَ مع التَّعرُّضِ للفضائِلِ وشِبْهِها "تاريخًا" تعبَ فيه، قرَّضْتُهُ والبرهانُ ابنُ ظهيرةَ له، بل حصَّلهُ كلٌّ مِنَّا، وقُرئَ عليهِ بعضُهُ بِمَكَّةَ، واقتَصَرَ على العزوِ في جُلِّ ما يُورِدُهُ مِن الأحاديثِ ونحوِها من "تاريخ عمر بن شبَّة" وغيرِه من الكتبِ المسندةِ وغيرِها، من غيرِ بيانٍ لصحةٍ ولا غيرِها، لكونِهِ في الفضَائِلِ غالبًا، ولغيرِ ذلكَ. بل ألَّفَ غيرَ ما ذُكرَ جملةً، ومِن ذلكَ: الكتابةُ على "إيضاحِ النووي في المناسك"، أفادَ فِيهِ. والتَمَسَ من صَاحِبِنَا النَّجمِ ابنِ فهدٍ تخريجَ شيءٍ مِمَّا تقدَّمَ، ففعَلَ بعدَ إِرسالِهِ إليَّ في تراجِمِ أكثرِهِم. كما استمدَّ هُو مِنِّي بعضَهُ، وعظَّمَهُ في الخُطبَةِ، حيثُ قالَ: سألنِي مَنْ لا أَستطِيعُ ردَّهُ -ولا يمكنُنِي صدُّهُ، لحقوقٍ واجبةٍ منهُ عليَّ، وإحسانٍ قد أسدَاهُ إليَّ، فكيفَ وقد حوَى مِن العلومِ والفضائلِ، ما لم يحوِهِ غيرُه من العلماءِ الأماثِلِ.

стр. 2246

وقد جمَعَ بالحرمِ النَّبويِّ بين الفتوى والتَّدرِيسِ، على مذهبِ الإمامِ الشَّافعيِّ المطَّلِبيِّ محمَّدِ بنِ إِدريسَ، وهجرَ الأهلَ والإخوانَ والأوطانَ، وهاجرَ إلى الحرمينِ الشَّريفينِ طالبًا فيهما ما يقرِّبُهُ إلى الجِنان، وهو سيِّدُنا العبدُ الفقيرُ إلى الله تعالى، السَّيدُ الشريفُ، الحسيبُ النَّسيبُ، الشَّيخُ الإمامُ العلَّامةُ، الأوحدُ القدوةُ الفَهّامةُ، الجامعُ بينَ أشتاتِ الفضائِلِ، والحاوِي لأنواعِ الكمالاتِ ومحاسنِ المسائلِ، بدرُ الأنجُمِ الزَّاهِرَةِ، سلالةُ العترةِ الطاهرةِ، مفتِي المسلمينَ، عمدةُ العلماءِ العامِلينَ، نورُ الدِّينِ أبو الحسنِ، وساقَ نسبَهُ، نزِيلُ المدينةِ الشَّريفةِ على الحالِّ بها أفضلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، أدامَ اللهُ بَقاءَهُ وأمتَعَ بهِ آمين. -أنْ أجمعَ له "فَهرسًا" إلى آخرِ ما قالَ. وماتَ قبلَ إِكمالِه، فبَيَّضَهُ ولدهُ العِزيُّ مُتَمِّمًا لما أمكنه فيه (١)، وقدِمَ مِن المدينةِ إلى مَكَّةَ في رمضانَ سنةَ ستٍّ وثمانِينَ رفيقًا لصاحبِنَا الشَّمسِ ابنِ العمادِ قبلَ وُقوعِ (٢) الحريقِ بالمدينةِ، فسلِمَ مِن هذِهِ الحادثةِ، ولكن احترقَ جميعُ كتُبِهِ، وهِي شيءٌ كثير مِمَّا حَصلَهُ في إقامتِهِ بِها مِن وقفٍ وغيرِه، مع ما كانَ في حوزِتهِ قبلُ مِنها ومِن غيرِه، وانتهزَ حينئِذٍ الفرصةَ، فسافرَ إلى القاهرةِ في مَوسِمِها رفيقًا للمشارِ إليه أيضًا فدخلَاها، ولقيَ السُّلطانَ، فأحسنَ إليهِ بمُرتَّبٍ على الذَّخِيرةِ وغيرِه، بل ووقفَ هو وغيرُه على المدينةِ كتبًا بتوسُّطِهِ بِنفسِهِ وبغيرِه في ذلكَ، ورُسِم بسِعَايتِهِ

стр. 2247

بسَدِّ السِّردابِ الذِي كان مُواجِهًا للحُجرَةِ النَّبويَّةِ، والمتوصِّلِ بهِ لدورِ العشرةِ، لما كانَ يحصلُ فيهِ مِن الفسادِ، ممَّا كانت المصلحةُ في سدِّهِ مع المعارضةِ فيهِ. وشهِدَ موتَ رفيقِهِ ابنِ العمادِ (١) بمرورِه معهُ على اختصارِه "تفسير البيضاوي"، ثمَّ سافرَ لزيارَةِ أمِّهِ، فما كان بأسرعَ مِن موتِها بعدَ لقائِهِ لهَا، ثُمَّ رجعَ فزارَ بيتَ المقدِس، وعادَ إلى القاهرةِ، ثُمَّ إلى المدينةِ، ثُمَّ إلى مَكَّةَ، فحجَّ، ثُمَّ رجعَ إلى المدِينَةِ مستَوطِنَها، وابتنى له بيتًا مناولةً من ابنَي أبي الفرجِ المراغيِّ، وكان الشَّمسيُّ أحدهما (٢) كهفًا لهُ بالمدينة، بل هو أعظمُ قائمٍ معهُ في مآربِهِ بِها، مع تجمُّلهِ بِأختِهِ في حالِ تزوُّجِهِ بِها، وكونِهَا هي الموصِّلَةَ لهُ للبيتِ المشارِ إليهِ، ولكنْ لعدَمِ صبرِهَا على السَّرارِي، حصلت الرَّغبةُ في المفارقةِ، وكنتُ أحبُّ إذ وقفَ البيتَ المشارَ إليهِ أن يجعلَ لها نَصيبًا فيهِ ولو بالنَّظرِ. وهو مِمَّن اجتمعَ بِي في القَاهِرَةِ عندَ شَيخِهِ المناويِّ وغيرِهِ غيرَ مرَّةٍ، ثُمَّ بالحرمَينِ كذلكَ، وغبطَتِهِ على استِيطَانِهِ المدينةَ، ورسُوخِ قدَمِهِ فِيهَا، بِحيثُ صارَ شيخَهَا، قلَّ أن لا يأخُذَ عنهُ أحدٌ مِن أهلِهَا، وهم معَ هذَا يحسُدُونَهُ، وطالَ ما كانَ الفاضلُ الشَّمسُ ابنُ الخَطِيبِ (٣) الريِّسُ يتظلَّمُ مِمَّا كان يذكُرُ أنَّ سبَبَهُ تقريرُ

стр. 2248

الأمِيرِ خير بك له مُدرِّسَ الشَّافِعيةِ بالمدينةِ بمدرَستِهِ، وكانَ بينَهُما ما بالغَ ذاكَ فيهِ بحيثُ عوجِلَ، وكذا لعدِمِ إغضَائِهِ عما يقَعُ من الفضلاءِ الوارِدينَ على المدِينةِ، وشدَّةِ مُنازعتِهِ لهُم، وقوَّةِ نفسهِ في الردِّ. كان أكثرَهم في حنقٍ مِنهُ. وأمَّا الخواجَا ابنُ الزّمِنِ فبارَزَهُ في أشياءَ مِنها المحمودُ وغيرُهُ، ثُمَّ كانَ بينَهُ وبينَ الخَطِيبِ الوزيريِّ (١) وأنا هُناكَ ما شرحتُهُ في محلٍّ آخرَ، وردَّ عليهِ السَّيدُ في مؤلفٍ مَتِينٍ قرَّضَهُ له الشَّافِعيُّ وابنُ أبي شريفٍ (٢) وأخُوهُ (٣) وغيرُهم، وهو عِندِي. ولزِمَ مِن هذِه المنازعاتِ تركُ السَّيدِ الصَّلاةَ في الرَّوضةِ، مكتفيًا لشيخِهِ الإبشيطِي في الجملةِ، بل وتركَ الإقراءَ في المسجِدِ، بل حدَّثَ نفسَهُ بالانتقالِ لِمكَّةَ، ولمتُه في هذَا كلِّهِ، فأبدَى لي ما لم أنهض لمخالفتِهِ فيهِ، ولكنَّهُ على كلٍّ خيرٍ مانعٌ، وحُفَّتِ الجنَّةُ بالمكارهِ. وبالجملةِ، فهوَ جمالٌ لأهلِ المدينةِ، عالِمٌ متفنِّنٌ متميِّزٌ في الفقهِ والأصلين، مع نظمٍ ونثرٍ، متوجِّهٌ للعبادةِ، وإرخاءِ العَذَبَة (٤)، مُديمٌ للمطالعةِ والاستفادةِ

стр. 2249

والكتابةِ، بِحيثُ ارتقَى عمَّا كانَ يُعهَدُ مِنه، وأمرهُ في ازديادٍ، وتآليفُهُ كثيرةُ التِّعدَادِ، وللمباحَثَةِ والمناظَرةِ قويُّ الجلادَةِ على ذلكَ، طلقُ العبارةِ فيه، مُغرمٌ بِهِ، مع قوَّةِ نفسٍ وتكلُّفٍ فيما يظهرُ لهُ. ولا زالتْ كتُبُهُ ترِدُ عليَّ (١) بالسَّلامِ، وطيبِ الكلامِ، بل يشافهُ بما هو أعلَى كما كانَ يسمعُهُ من شيخَيهِ المحليِّ والمناوِي، ويستمِدُّ مما لعلَّهُ يقفُ عليهِ مِن تصانِيفِي "كالقولِ البديع"، و"ارتقاءِ الغُرف"، و"مناقب العباس"، و"المقاصد الحسنة"، و"شرح الألفية". ولكنَّ الحقَّ أولَى بِالاتِّباعِ، وإنَّهُ لو أعرضَ عن كثيرٍ من المعارضَاتِ لِشيخِنَا كانَ أوفقَ، وقد استقرَبَهُ الأشرفُ مُضافًا لما عَمِلهُ لهُ في الذخِيرةِ بعنايةِ البدريِّ أبِي البقاءِ ابنِ الجيعانِ (٢) في النَّظرِ على المجمَّعِ بمدرستِهِ، وما بهِ مِن الكتُبِ التي وقَفَها فِيهِ. ولما قدمَ ابنُ قريبةَ المحليُّ (٣) على عمارةِ المدرسةِ الزَّينِيَّةِ المزهِريَّةِ (٤) كان مِن المعيِّنِينِ لهُ بتدرِيبِهِ، والإحسانِ إليهِ لتَقرِيرِهِ عِندَه أنَّهُ هو المختارُ لمَشيَختِها وغيرَ ذلكَ مِن أمورِهَا، فما كانَ أسرعَ مِن موتِ الوَاقِفِ، ولم يزِد على أن صَارَ هو المتكلِّمَ في

стр. 2250

مصارِفِها، وكذَا كانَ الأميرُ داود (١) بنُ عِيسَى بنِ عمرَ، شيخُ هوَّارَةَ (٢)، مِمَّن يُعلمُ جَلالتُهُم في ناحِيَتِهم، واتَّفَقَ حجُّهُ فتلقَّاهُ السَّيدُ بالإكرامِ، بِحيثُ كانَ مُعينًا لهُ في انقيادهِ معهُ في صدقَاتِهِ لأهلِ المدينةِ وغيرِها حينَ حجَّ، ووقَفَ كُتبًا كـ "فتحِ البارِي"، وجَعلَ مردَّهَا إليهِ، إلى غيرِ هذَا مِن انقيادِ ابنِ جبرٍ (٣) وغيرِه له في أشياءَ لذلكَ اعتمادًا مِنهُم على عِلمِهِ ودِيَانتِهِ، فترقَّى بهذَا كلَّهِ، سِيما وقد صارَ يوسِّع على كثيرٍ مِن أهلِ الحَرمينِ ومجاورتيهما بما يصلُ إليهِ مِن ذلكَ، وقد اجتهدَ في أنْ يَصرفَ لهُ من الصَّدقاتِ الرُّومِيَّةِ، كالقضاةِ وهو مئةُ دينارٍ غالبًا. وداخلَ مِن بكوكِ (٤) شيخِ الحرمِ سِيمَا الأميرُ شاهينُ الجماليُّ، ولانَ معهُ حتَّى بلغَنِي وصفُ الأميرِ لهُ بِخبرةِ دُنياهُ وعلمِهِ أو كمَا قالَ، ولكنَّهُ لم يسلَمْ مِن بسبَستِهِ ودنْدَنتِهِ، سِيما مع مشاركةِ كثِيرِينَ لهُ حَسدًا، والمعطِي الله، ولم يكنْ جميعُ هذا مانعًا لهُ عنِ التَّكسُّبِ بنفسِهِ ومندوبِهِ، وربَّمَا عاملَ الشَّريفَ أميرَ المدينةِ معَ قِلَّةِ مصرفِهِ، وكونِهِ ليسَ عِندَه غَالبًا سِوى سرارِي مقتصرًا عليهِنَّ. وعلى كلِّ حالٍ فهوَ شيخُ أهلِ المدينةِ عِلمًا ونسبًا وعبادةً، وعليه انطبَقَ ما كانَ

стр. 2251

شيخُهُ المناويُّ يقولهُ مِمَّا لا يحتاجُ إليهِ لبرهانِ أصحابِنا، يقومُ بِكُلِّ واحدٍ مِنهُم قريبه لعدمِ انفرادِ أحدٍ مِنهم سواهُ في بلدٍ كانَ، باركَ الله تعالى في حياتِهِ، وصرفَ عنهُ ما يعادِيهِ وسائرَ أسبابِ تكدُّرَاتِهِ، وقدْ وقفتُ لهُ على عدَّةِ تصانِيفَ، مِنها: "جواهرُ العقدينِ في فضلِ الشرفينِ شرفِ العلم والنَّسبِ" (١) حكى فيهِ من كراماتِ شُيوخِهِ المناويِّ والإبشيطيِّ ومكاشفاتِهما الكثيرَ. وتصانِيفُهُ حسبَما كتبَهُ لِي بخطِّهِ: "اقتفاء الوفا بأخبارِ دارِ المصطفى"، احترقَ قبلَ إكمالِهِ، ومختصرُهُ "الوفا"، ومختصرُهُ "خلاصة الوفا"، و"الوفا بما يجب لحضرة المصطفى" في تنظيفِ الحُجرةِ مِن هدمِ الحريقِ القديمِ، و"نصيحة اللبيب فيمن أتى الحبيب"، و"ورود السكينة على بُسُط المدينة"، و"الانتصار لبُسطِ روضة المختار"، وأصلُهما احترق، "مصابيح القيام في شهر الصيام" مختصره، لم يتمّ. "الأقوال المسفرة عن دلائل المغفرة"، و"الموارد الهنية في مورد (٢) خير البرية"، "الأربعون في فضل الرمي بالسهام" التقطها من مصنَّفِي "طيب الكلام بفوائد السلام"، "الحكم العشرة في مقابلة شمِّ الطيب بسؤال المغفرة"، "العَقد الفريد في أحكام التقليد"، "مواهب الكريم الفتاح في المسبوق المشتغل بالاستفتاح"، "شفاء الأشواق لحكمِ ما يكثرُ بيعه في الأسواق"، "فتح الرَّبِّ الواهب بإكمال المواهب"، "كشف الجِلباب والحِجاب عن القدوة في الشُّبَّاك والرحاب"، "المواهب الرَّبانية في وقف العثمانية"، مختصره "خلاصة المواهب"، "تحرير العبارة في بيان موجب

стр. 2252

الطهارة"، "حواشي على الدَّمِيرِي" لم تجرَّد، وعلى "شرح جمع الجوامع" للمحلِّي "كشف اللَّبس عن المسائل الخمس"، "الفوائد الجمَّة في المسائل الثلاثة المهمة". "المحرَّر من الآراء في تعليق الطَّلاق بالإبراء"، "شرح أمهات الأولاد من المنهاج" مع شرح مواضع منه، "ختم البخاري ومسلم" (١)، "شرح الباب الأخير مِن ابن ماجه"، "كشف المغطَّا في ختم الموطا"، "الإفصاح بنكت المناسك الإيضاح"، "حاشية شرح العقائد" احترقتْ قبلَ إكمالها، "جواهر العقدين في فضل الشَّرفين"، "درر السُّموط فيما للوضوء من الشُّروط"، مسوَّدَة، "شرح الورقات" احترق، "النَّصيحة الواجبة القَبول في بيان وضعِ مِنبر الرَّسول"، "زاد المسير لزيارة البشير"، "أمنية المعتنين بروضة الطَّالبين" مشتغلٌ فيه، "أجوبة الفتاوى التحلية والسواكنية واليمانية"، ترتِيب ما كتبَ عليهِ من الفتاوَى، "قصائد نبويات" انتهى. [أقول: وبعدَ المؤلِّفِ زادَت جلالتُهُ وعظمتُهُ ووجاهتُهُ، وصارَ أهلُ البلدِ يرجِعُون إليهِ، ويُعَوِّلُونَ في أمورِهم عليهِ مع ملازَمتِهِ لنفعِهِم، والذَّبِّ عنهُم، واستمرَّ على ذلك حتَّى مرِضَ ثلاثةَ أيَّامٍ. وماتَ في يومِ الخميس ثامنِ عشرِي ذي القِعدةِ عامَ إحدَى عشرَةَ وتسعِ مئةٍ، وصُلِّيَ عليهِ بالرَّوضةِ الشَّريفَةِ بعدَ صلاةِ العصرِ، ووُقِف بجنازَتِهِ عندَ وجهِ جدِّهِ المصطفَى ﷺ ، ودُفنَ بالبَقيعِ خلفَ قبَّةِ الإمامِ مالكٍ ﵁[بالقُربِ مِن شيخِهِ] (٢) شهابِ الدِّينِ أحمدَ الإبشيطيِّ بوصيةٍ منه، رحمهُ الله تعالى، ورضي عنهُ.

стр. 2253

ولم يُخلِّفْ بعدَه مثلَهُ، نفعَ الله بهِ، وما رُزقَ ذرِّيَةً، بل ورثَهُ أولادُ أخِيهِ عبدِ الكرِيمِ، وكانَ استدعاهُم مِن بلدِهِم للمدينةِ الشَّريفةِ، أوَّلُهم: عبدُ الرَّحِيمِ، ثُمَّ عبدُ الله أكبرُهم، ثمَّ محمَّدٌ، وعبدُ الرَّحمنِ بأمِّهِم. ووليَ قضاءَ المدينةِ أكبرُهُم والخطابةَ والإمامةَ مدَّةً، وصارَ مَرجَعًا ومعوَّلًا عليهِ. زادَهُ اللهُ خَيرًا]. ٢٨٣٣ - عليُّ بنُ عبدِ الله بنِ بَعجةَ بنِ عبدِ الله بنِ بدرٍ الجُهنيُّ (١). مِن أهلِ المدينةِ. يروي عن: أبيهِ عن جدِّهِ، وعنه: إبراهيمُ بنُ عليٍّ الرافقيُّ. قالهُ ابنُ حِبَّانَ في رابعةِ "ثقاته" (٢). ٢٨٣٤ - عليُّ بنُ عبدِ اللهِ بنِ جعفرِ بنِ نَجيحٍ، مولى عُروةَ بنِ عَطِيَّةَ السَّعديِّ، الإمامُ أبُو الحسنِ البصريُّ، ابنُ المدينيِّ (٣). لكونِ أصلِهِ مِن المدينةِ، أحدُ الأعلامِ، وصاحبُ التصانيفِ التي قالَ النَّوويُّ (٤): إنَّهَا نحوُ مئتينِ. وُلدَ سنةَ إِحدى وسِتِّينَ ومئةٍ بالبصرةِ، وسَمِعَ: أباهُ، وحمَّادَ بنَ زيدٍ، وهُشيمًا، وابنَ عُيينَةَ، والدَّراورديَّ، وعبدَ العزيزِ بنَ عبدِ الصَّمدِ العمِّيَّ، وجعفرَ بنَ سليمانَ

стр. 2254

الضُّبَعِيَّ، وجريرَ بنَ عبدِ الحميدِ، وابنَ وهبٍ، وعبدَ العزيزِ بنَ أبي حازمٍ، وعبدَ الوَارثِ، والوليدَ بنَ مسلمٍ، وغُندرًا، ويحيىَ القطانَ، وابنَ مهدِيٍّ، وابنَ عُلَيَّةَ، وعبدَ الرَّزاقِ، وخَلقًا سواهُم. وعنه: البخاريُّ (١)، وأبو داودَ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، والذُّهليُّ، وهلالُ بنُ العلاءِ، وحميدُ بنُ زَنْجويه، وإسماعيلُ القاضي، وصالحٌ جَزرةُ، وعليُّ بنُ غالبٍ البَتْلَهيُّ (٢)، وأبو خليفةَ الجُمحيُّ، وأبو يَعلَى الموصليُّ، ومحمَّدُ بنُ جعفرِ ابنُ الإمامِ الدِّمياطيُّ، ومحمَّدُ بنُ محمَّدٍ الباغنديُّ، وعبدُ الله البغويُّ، وخلقٌ آخرُهم وفاةً عبدُ الله بنُ محمَّدِ بنِ أيُّوبَ الكاتبُ، وأقدمُهم وفاةً شَيخُهُ ابنُ عُيينَةَ. قالَ الخطيبُ (٣): وبين وفَاتَيهِما مئةٌ وثمانٌ وعشرونَ سنةً. وكانَ مِن أعلمِ أهلِ زمانِهِ بالعلَلِ، مِمَّن رَحلَ وجمعَ، وكتبَ وصنَّف، وحفِظَ وذَاكَرَ. قالَ أبو حاتمٍ (٤): كانَ عَلمًا في النَّاسِ في معرفةِ الحدِيثِ والعِللِ، وما سمعتُ أحَدًا سمَّاهُ قط، إنَّمَا كان يَكنِيهِ تَبجِيلًا لهُ. وقالَ البخاريُّ (٥): ما استصغرتُ نَفسِي عندَ أَحدٍ إلَّا عِندَهُ. والكلامُ في الثَّناءِ عليهِ مُنتشرٌ جِدًا، وترجمتُهُ مطوَّلَةٌ في "تاريخ الخطيب" (٦)، ثُمَّ

стр. 2255

في "التهذيب" (١)، وذكرهُ ابنُ السُّبكيِّ في "أصحاب الشافعي" (٢). وهوَ مِمَّن أجابَ في المِحنةِ، وظهرَ بِذلكَ تفرُّسُ يحيىَ القطَّانِ بقولِهِ: ويحكَ أراكَ تَتبَّعُ الحديثَ تتبُّعًا، لا أحسِبُكَ تَموتُ حتَّى تبتَلَى. ولكنْ قدْ ثبتَ عنهُ قولُهُ: ما في قَلبِي مِمَّا قلتُ شيئًا، ولكنِّي خِفتُ أن أُقتَلَ، ولو ضُربتُ سَوطًا وَاحدًا لِمتُّ، ولذَا عذَرَهُ ابنُ مَعينٍ، وقالَ: رجلٌ خافَ. وعن غيرِهِ أنَّهُ قالَ قبلَ أن يمُوتَ بشَهرينِ: القرآنُ كلامُ الله غيرُ مَخلوقٍ، ومن قالَ: مخلوقٌ فهو كافرٌ، ومن زَعمَ أن الله لا يُرى فهو كافرٌ، ومن زَعم أنَّ الله لم يكلِّمْ موسَى على الحقيقةِ، فهو كافرٌ. وقوُل العقيليِّ (٣): إنَّهُ جنحَ إلى ابنِ أبِي دؤادَ والجهميَّةِ، وهو في الحديثِ مستقيمٌ إن شاءَ الله، وإن كانَ كذلكَ يُجابُ عليهِ بِما تقدَّمَ. ثُمَّ ماتَ بسامُرَّا في ذي القعدَةِ سنةَ أربعٍ وثلاثِينَ ومئتينِ، ودُفِن بالعسكرِ، ومولدُهُ سنةَ إحدَى وسِتِّينَ ومئةٍ. قالَ النَّوويُّ نقلًا عن "جامعِ الخَطِيبِ" (٤): صنَّفَ في الحديثِ مئتَي مُصنَّفٍ. ٢٨٣٥ - عليُّ بنُ عبدِ الله بنِ رِفاعةَ القُرَظيُّ (٥).

стр. 2256

مِن أهلِ المدينةِ. يروِي عن: الرَّبيعِ بنِ معبدٍ، وعنه: يحيَى بنُ سَعيدٍ الأنصاريُّ. قاله ابنُ حبانَ في ثالثة "ثقاته" (١). ٢٨٣٦ - عليُّ بنُ عبدِ الله بنِ عبَّاسِ بنِ عبدِ المطَّلِبِ، أبو محمَّدٍ، وقيل: أَبُو عبدِ الله الهاشميُّ، المدَنيُّ (٢). وَالدُ محمَّدٍ، وعِيسى، وداودَ، وسليمانَ، وإسماعيلَ، وعبدِ الصَّمدِ، وصالحٍ، وعبدِ الله، وهو جدُّ الخلفاءِ، ويُلقَّبُ السَّجَّادَ. ذكرهُ مسلمٌ (٣) في ثالثةِ تابِعي المدنيين. وُلِدَ أيَّامَ قتلِ عليٍّ ﵁، فسُمِّيَ باسمِهِ، وأمُّهُ هِي زرعةُ ابنةُ أحدِ الملوكِ الأربعةِ مشرَّح بن علي الكندي. يروى عن: أبيهِ، وأبِي هُريرةَ، وأبي سعيدٍ الخدرِيِّ، وابنِ عُمرَ، وجماعةٍ، وعنهُ: بنوهُ: عيسَى، وداودُ، وسليمانُ، وعبدُ الصَّمدِ، والزُّهريُّ، وسعدُ بنُ إِبراهيمَ، ومنصورُ بنُ المعتمِرِ، وعليُّ بن أبِي حمَلةَ، وآخرونَ. ثقةٌ. خرَّجَ لهُ مُسلمٌ (٤)، وذُكر في "التهذيب" (٥). وكانَ جَميلًا وسِيمًا، طَويلًا إلى الغايةِ، جَميلًا مَهيبًا، ذا لحِيةٍ مَليحةٍ، يَخْضِبُ بالوَسْمةِ (٦)، يُطلبُ لهُ الخفُّ والنَّعلُ فما يوجدُ حتَّى يستعملَه لكبرَ رجلِيهِ (٧).

стр. 2257

يسجُدُ كلَّ يومٍ ألفَ سَجدةٍ، وكان لهُ خمس مئةِ شجرةٍ، يُصلِّي كلَّ يومٍ عند كلِّ شجرةٍ ركعتين. قالَ له عبدُ الملكِ بنُ مروان: لا أحتملُ لك الاسمَ والكُنيةَ جميعًا، فغيَّرهُ، وكناه بأبِي محمَّدٍ. ماتَ سنةَ ثمانِي عشرةَ ومئةٍ بالشَّامِ. ٢٨٣٧ - عليُّ بنُ عبدِ الله بنِ محمَّدِ بنِ الحسينِ بنِ عليِّ بنِ إِسحاقَ بنِ سلَّامِ بنِ عبدِ الوهَّابِ بنِ الحسنِ بنِ سلَّامٍ، العلاءُ، أبو الحسنِ الدِّمشقيُّ، الشَّافعيُّ، ويُعرفُ بابنِ سلَّامٍ (١). وُلدَ سنةَ خمسٍ، أو سِتٍّ وخمسينَ وسبعِ مئةٍ، وحَفِظَ القرآنَ، و"التنبيه"، و"ألفيةَ ابن مالك"، و"مختصرَ ابن الحاجب الأصلي"، وتفقَّه بالعلاءِ [ابن] حِجيِّ، وابنِ قاضِي شُهْبَةَ (٢)، والحُسْبَانيِّ، وابنِ الزُّهريِّ (٣) وغيرِهم. وأخذَ الأصولَ عنِ: الضِّياءِ القرْمِيِّ (٤)، وارتَحَلَ إلى القاهرةِ، فقَرأَ "المختصرَ" على الرَّكْرَاكِيِّ (٥)، وكان يطرِيهِ بِحيثُ يَقولُ: إنَّهُ يعرفُهُ أكثرَ مِن مؤلِّفِهِ، فاشتهَرَ

стр. 2258

وتميز ومهَرَ، وكان يبحَثُ في حلقةِ ابنِ خطيبِ يَبْرُودٍ (١)، فينتشِر البحثُ بينَ الطَّلبةِ لكثرةِ تفنُّنِهِ وإشكالاتِهِ. وأصيبَ في الفتنةِ الكُبرَى في مالِهِ، بل وفي يديهِ بالحريقِ، وأسروهُ، فصارَ معهم إلى مَارِدِين (٢)، ثم انفلتَ مِنهم. وقرَّره النَّجمُ ابنُ حِجِّي في الظاهريَّةِ البَرَّانيةِ (٣) بعد وفاةِ أخيهِ، ونَزلَ لهُ التَّاجُ الزُّهريُّ عن العَذْرَاويةِ (٤) بمساعدَةِ ابنِ حِجيِّ، ودَرَّسَ بالرُّكْنيَّة (٥) بعدَ ابنِ خطيبِ عذرًا (٦).

стр. 2259

وكان يحفَظُ كثيرًا من "الرَّافعيِّ"، وإشكالاتٍ عليهِ وأسئلةٍ حسنةٍ، ويُقرِئُ في الفقهِ إقراءًا حسنًا، وكذَا "المختصر"، وله يدٌ في النَّظمِ والنَّثرِ والأدَبِ، ومع ذلكَ كلِّهِ فكانَ بحثُهُ أقوَى مِن تقرِيرِهِ، معَ الاقتصادِ في ملبَسِهِ وغيرهِ، وشرفِ النَّفْسِ، وحُسنِ المحاضَرةِ، ويُطلقُ لسانَهُ في جماعةٍ مِن الكبارِ، ويُنسِب لنُصرةِ مقالةِ ابنِ العربيِّ (١) ويتمحَّلُ لها تأويلاتٍ، فإذَا حوقِقَ في أمرِهِ تبرَّأَ مِن تلكَ المقالاتِ، والله أعلمُ بغيبهِ. واتفقَ أنَّهُ حَجَّ، فلمَّا انتهَى من الحجِّ والزِّيارةِ ماتَ في وَادِي بنِي سالمٍ (٢)، وذلكَ في آخرِ ذِي الحِجَّةِ سنةَ تسعٍ وعشرِينَ وثمانِي مئةٍ، فحُملَ إلى المدينةِ، ودُفِنَ بالبقيعِ، وقد شاخَ، وغُبطَ على ذلكَ. قالَ شيخُنا (٣): وقد لقِيتُهُ قديمًا بدمشقَ، وسمعتُ مِن فوائِدِهِ. ﵀. ٢٨٣٨ - عليُّ ابنُ الزَّينِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ حسينٍ، المدَنيُّ، الشَّافعيُّ. (٤) أخو إبراهيمَ الماضِي لأبِيهِ، ويُعرفُ بالقطَّانِ، وهو أفضلُ بنِي أبيهِ، وأكبرُهم محمَّدٌ، ثُمَّ صاحبُ التَّرجمةِ، ثُمَّ البرهانُ، ثُمَّ صلاحُ الدِّينِ ماتَ مُراهقًا، وأنجَبَ محمَّدٌ أولادًا مِنهُم: عبدُ الله والدُ الزَّينِ عبدِ الرَّحمنِ، أبي الشَّمسِ مُحمَّدٍ.

стр. 2260

سمِعَ على: الزَّينِ المراغيِّ في سنةِ خمسَ عشرةَ وثَمانِي مئةٍ، ثُمَّ قرأَ على والِدِهِ "صحيح مسلم" في رمضانَ سنةَ سبعٍ وعِشرين، ووصفَهُ بالفقِيهِ الفاضلِ الكامِلِ، ثُمَّ على المحبِّ المطريِّ "الشِّفا" في الأشهرِ الثَّلاثَةِ مِن سنةِ تِسعٍ وثلاثِينَ، ثُمَّ "صحيح مسلم" في الأشهرِ الثَّلاثَةِ من سنةِ إِحدى وأربعينَ، ثُمَّ "البخاري" في سنةِ سبعٍ وأربعِينَ، ووصفَهُ بالفقيهِ الصَّالِحِ العالمِ العامِلِ. ولازَمَ النَّجمَ الواسطيَّ ابنَ السَّكَاكِينيِّ، حتى قرأَ عليهِ مِن أوَّلِ "المنهاج" إلى الجراحِ قراءةَ بحثٍ وإتقانٍ، وتدقيقِ معنًى وإمعانٍ، سائلًا عمَّا فيهِ مِن المشكِلَاتِ والمسائِلِ الغوامِضِ، مع سماعِهِ كَذلكَ مِن النِّكاحِ مِنه إلى آخرِ الكِتابِ، ومِن أوَّلِهِ إلى الزَّكاةِ، وجميعِ "المُلحَة" (١) في النَّحوِ، و"تحفةِ الطَّالبِ" فيهِ من تصانيفِ النَّجمِ. وكتَبَ له بذَلكَ إجازةً، صدَّرَها بجوهرةِ العلماءِ السَّادةِ، ودُرَّةِ الفضلاءِ القادةِ، مع وصفِ قراءتِهِ بما تقدَّمَ، وأنَّ لهُ إلى دركِ الحقائقِ مُسارعةً، كالسَّيلِ الجارِي، في فسيحِ المجارِي، أو كالكوكبِ السَّارِي، في فَلكِ البارِي، ثُمَّ أذنَ له بالإقراءَ لمَا قرأهُ وسمِعَهُ من الفقهِ والنَّحوِ، لما علمَ مِن جَودةِ فهمِهِ وصدقِ أمانتِهِ، وأجازَ لهُ سائرَ مَرويَّاتِهِ ومصنَّفاتِهِ، وما لهُ مِن نظمٍ ونثرٍ: كـ "تخمِيسِ البُردةِ"، و"بانت سعاد"، وأرَّخَ ذلكَ بذي القَعدةِ سنةَ سبعٍ وثلاثِينَ، وقرأَ عليهِ قبلُ بخمسِ سِنينَ "الكافية النحوية" لابن الحاجِب قراءةَ بحثٍ وإتقانٍ، ومعنًى وإمعانٍ، مع السؤالِ عمَّا فيهَا

стр. 2261

من المشكِلاتِ، والفهمِ كما هو الواجبُ، ومطلوبُ كلِّ طالبٍ، ووصفَهُ مع ما تقدَّمَ بالعالمِ الفاضِلِ، ومِن محافِيظِهِ "المنهاجَان"، و"ألفية النحو". ودخلَ مِصرَ غيرَ مرَّةٍ، ولزِمَ الاشتغالَ معَ سُلوكِهِ التقشُّفَ، والتَّقنُّعَ والعِبادةَ، ودرَّسَ بدرسِ مختَصٍّ النقاشي بعد أبِيهِ، واستمَّرَ بعدهُ حتَّى ماتَ، فأخذَهُ أخُوهُ، وكذَا دَرَّسَ الطَّلبةَ وأفادَ. وماتَ في سَنةِ أربعِ وخمسِين، عن بضعٍ وسِتِّينَ بالمدينةِ، وتركَ أَولادًا مِنهم: حسنٌ، وكانَ فَاضِلًا، وزينبُ تزوَّجَهَا ابنُ عمِّهَا الزَّينُ عبدُ الرَّحمنِ المشارُ إليهِ. ٢٨٣٩ - عليُّ بنُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ مشكورٍ، نورُ الدِّينِ القُرشيُّ، المكِّيُّ الأصلِ، المدَنيُّ الشَّافعيُّ. أخُو أحمدَ، وحسنِ، وعبدِ الرَّحمنِ، وقد يُنسبُ إلى جدِّهِ. قالَ ابنُ فرحونٍ (١): إنَّه حازَ مِن المناصبِ أجلَّها، وليَ شهادةَ الحرمِ، ووزارةَ أميرِ المدينة، وكانَ مِن فُضلاء الشَّافعيَّةِ، كاتبًا نِحريرًا، فقيهًا، فهِمًا، فطِنًا، تبتَّلَ في آخر عُمرِه، وأقبلَ على العبادةِ والورعِ، حتَّى ماتَ في سنةِ أربعٍ وأربعينَ وسبعِ مئةٍ، وخلَّفَ أولادًا نجباءَ، منهم عبدُ الرَّحمن، ويوسفُ. ٢٨٤٠ - عليُّ بنُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ محمَّدٍ، أبو القاسِمِ الأنصاريُّ، المطَريُّ، المدَنيُّ. أخُو أبي حامدٍ محمِّدِ الآتي. سمِعَ بقراءَتِهِ على الزَّينِ العراقيِّ في سنةِ تِسعٍ وثمانِينَ وسبعِ مئةٍ "جزء قصِّ الشَّارب" بتصنِيفِهِ.

стр. 2262

٢٨٤١ - عليُّ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، المُعاويُّ، الأنصاريُّ، المدنيُّ (١). مِن أهلِها. ذكرهُ مسلمٌ (٢) في ثالثةِ تابِعي المدنِيين. يروي عن: ابنِ عُمرَ، وعنه: مكىُّ بنُ إِبراهيمَ. قالهُ ابنُ حِبَّانَ في ثانيةِ "ثقاته" (٣). ووثَّقَهُ أبو زُرعةَ، والنَّسائيُّ، ويروي أيضًا عن: جابرٍ، وعنه: مسلمُ بنُ أبي مَريمَ، والزُّهريُّ. وهو في "التهذيب" (٤). ٢٨٤٢ - عليُّ بنُ عُبيدِ الله بنِ أبِي رافعٍ الهاشميُّ. والدُ عونٍ، وجدُّ إسماعيلَ بنِ عونٍ الماضِي. ٢٨٤٣ - عليُّ بنُ عُبيدِ الله بنِ محمَّدِ بنِ عُمرَ بنِ عليِّ بنِ أبِي طالبٍ، الهاشميُّ، العَلويُّ، المدَنيُّ، الطبيبُ. قالَ أبو حاتمٍ الرِّازيُّ (٥): سمِعتُ داودَ بنَ عبدِ الله الجعفريَّ يقولُ: قَالَ لِي عليٌّ. يعنِي: هذَا، وكانَ أبصرَ النَّاسِ بالطِّبِّ، وذَكرَ حكايةً. ٢٨٤٤ - عليُّ بنُ عبيدٍ، الأنصاريُّ، المدَنيُّ، مولَى أبِي أُسَيْدٍ السَّاعديِّ (٦).

стр. 2263

يروي عنه، وعنه: ابنُهُ أسيدٌ. قالهُ ابنُ حِبَّانَ في ثالثةِ "ثقاته" (١). وذُكِر في "التهذيب" (٢). ٢٨٤٥ - عليُّ بنُ عبيدٍ، المدَنيُّ. في أخيه: محمَّدٍ. ٢٨٤٦ - عليُّ بنُ عُثمانَ بنِ عُمرَ، زينُ الدِّينِ، المدَنيُّ. سمِعَ في رجبٍ سنةَ ستٍّ وسبعِ مئةٍ بجامِعِ دِمشقَ على مجاهدِ الدِّينِ سُليمانَ بنِ لاحقِ بنِ سُليمانَ الخباز بِقراءَةِ البِرْزَاليِّ "جزءَ ابنِ زَبْرٍ" الكبيرَ، بسماعِهِ لهُ مِن عبدِ الوَهَّابِ بنِ روَّاجٍ، بسندِهِ. ٢٨٤٧ - عليُّ بنُ عُثمانَ الجَبرتيُّ. في: أبيه. (٢٧٤٠). ٢٨٤٨ - عليُّ بنُ عَطيَّةَ بنِ منصورِ بنِ جَمَّازِ بنِ شِيحَةَ. أخو محمَّدٍ الآتِي. حاربَ جَمَّازًا المستقرَّ في الإمرةِ بعدَ محمَّدٍ أخي صاحبِ التَّرجمةِ. وله ذكرٌ في: ابنِ مانعٍ. ٢٨٤٩ - عليُّ بنُ عَنانٍ. شيخُ الحارةِ المعروفةِ وراءَ المسجدِ. ذكرهُ ابنُ صالحٍ. ٢٨٥٠ - عليُّ بنُ أبِي عليٍّ القرشيُّ، اللَّهَبيُّ (٣).

стр. 2264

مِن ذرِّيةِ أبِي لهبٍ. يروِي عن: محمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ، وجعفرِ بنِ محمَّدٍ، وابنِ عَجْلانَ، وابنِ جُرَيجٍ، وغيرِهم، وعنه: بقيَّةُ، وابنُ أبِي فُديكٍ، وعبدُ العَزِيزِ الأُوَيسِيُّ، وأبو مُصعبٍ، وعليُّ بنُ بحرٍ القطَّانُ، ومحمَّدُ بنُ عبَّادٍ المكيُّ، وغيرُهم. قالَ البخاريُّ (١): مُنكرُ الحدِيثِ، وقالَ النَّسائِيُّ (٢): متروكُ الحدِيثِ، وقالَ ابنُ حِبَّانَ (٣): يروِي عن الثِّقاتِ الموضوعاتِ، وقال الحاكمُ: يروِي عنِ ابنِ المُنكدِرِ أحاديثَ موضوعةَ يرويِها عنهُ الثِّقاتُ. وهو في "الميزان" (٤)، و"ضعفاء ابن حِبَّان" (٥)، وضَعَّفَه النقَّاشُ، وابنُ الجارودِ، والسّاجيُّ، والخطيبُ، وابنُ السَّمعانيِ (٦). وقالَ أبو نُعيمٍ (٧): روى عنِ ابنِ المنكدِرِ مناكيرَ، ولم يرضهُ أحمدُ بنُ حنبلٍ. ٢٨٥١ - عليُّ بنُ عُمرَ بنِ حمزَةَ، الشَّيخُ المسنِدُ، المحدِّثُ، نورُ الدِّينِ أبو الحسنِ، القُرشيُّ، العُمَريُّ، الحرَّانيُّ، ثُمَّ المدنيُّ، الحنبليُّ، الفرَّاشُ (٨).

стр. 2265

والدُ مُحمَّدٍ الآتي. سمِعَ على: عبيدِ بنِ محمَّدِ بنِ عبَّاسٍ الإسْعِرْدِيِّ، وكذَا على مؤنِسَةَ خاتونٍ "سباعياتِها"، وحدَّثَ بِهَا عنه: حفيدُهُ عبدُ القادِرِ بنُ محمَّدٍ الماضِي، بل روَى عنه: الأمينُ الآقشهريُّ، ووصَفَهُ ابنُ سكَّر بالشَّيخِ المسندِ المعمَّرِ المرحومِ. ومِمَّن سَمِعَ منه: المحمدانِ الملقَّبُ كلٌّ مِنهما بالضِّياءِ ابنِ محمَّدِ بنِ سالمٍ الحضرميِّ، وابنِ مُحمَّدِ بنِ سَعيدٍ الهنديِّ، الحنفيِّ. ونقلَ القطبُ الحلبيُّ في "تاريخه" عن كتابِهِ إِليهِ وفاةَ المحبِّ الطبريِّ، كما تقدَّمَ. ٢٨٥٢ - عليُّ بنُ عُمرَ بنِ مُحمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ مُحمَّدِ بنِ محمودِ بنِ إبراهيمَ بنِ أحمدَ بنِ رُوْزَبةَ، النُّورُ ابنُ السِّراجِ ابنِ الجمالِ، الكازَرُونيُّ الأصلِ، المدَنيُّ، الشَّافعيُّ (١). الآتي أبوهُ. وُلدَ تقريبًا في سنةِ خمسٍ وستِّينَ وثمانِي مئةٍ بالمدينةِ، وكانَ ابنَ نصفِ سنةٍ حينَ موتِ أبيهِ، فنشأَ يَتيمًا. وسمِعَ عَليَّ في سنةِ سَبعٍ وثمانينَ بالمدينةِ أشياءَ، ولم يلبثْ أنْ ماتَ في شوَّالٍ، أو ذي القِعدة سنةَ ثمانٍ وثمانينَ. قالَ بعضُ أقربائِهِ: عن أربعٍ وعشرِين سنةً، بعدَ أنْ مَرِض أيامًا بذاتِ الجَنبِ، وكانَ قد لازمَ التِّلاوةَ قبلَ موتهِ إلى حينَ ماتَ عن خاتمةٍ حميدةٍ، ﵀. ٢٨٥٣ - عليُّ بنُ عُمرَ بنِ مُحمَّدِ بنِ عليِّ بنِ قُنانٍ، الشَّيخُ نورُ الدِّين الأسديُّ، القُرشيُّ، الزُّبيريُّ، الرَّسعنيُّ (٢) -نسبةً لرأسِ العينِ- المدَنيُّ، الشَّافعيُّ (٣).

стр. 2266

وَالِدُ: عمرَ، ومُحمَّدٍ، وأحمدَ، وخديجةَ، وعائشةَ، ويُعرَف بابنِ قُنَانٍ، بضمِّ القافِ. وُلِدَ في يومِ الجُمعةِ منتصفِ ذي الحجَّةِ سنة ستٍّ وسبعين وسبعِ مئةٍ برأسِ العين (١). وذَكر أَنَّهُ سمِعَ من لفظِ البُرهانِ إبراهيمَ بنِ داودَ الآمِدِيِّ (٢): "الكتبَ السِّتةَ"، و"مسندَ أحمدَ"، و"الدارميِّ"، و"الموطأَ" روايةَ يحيى بنِ يحيى بسماعِهِ لذلكَ مِن لفظِ التقيِّ ابنِ تيميَّةَ، وأنَّهُ تلَا بالسَّبعِ على: مُحمَّدِ بنِ السَّلار (٣) الدِّمشقيِّ (٤)، وأبي المعالِي ابن اللَّبَّانِ، والشَّمسِ العسقلانيِّ، وأبي سعيدٍ محمودِ بنِ أيوبَ التَّبريزيِّ (٥)، والكمالِ ابنِ عمرَ التبريزيِّ (٦).

стр. 2267

وأمَّا أنا فرأيتُ قراءتَهُ على ابنِ الجَزَرِيِّ في سنةِ ثمان مئةٍ ببُرْصَا (١) من الرُّومِ، وأجازَ له، وقدم مكَّةَ في سنةِ سبعٍ وثمان مية، وجاورَ بها، وتردَّدَ مِنها إلى المدينةِ الشَّريفةِ، ورأيتُ سماعَه بها على الزَّين أبي بكر المراغيِّ، بقراءةِ ابنهِ أبي الفتح في سنةِ اثنتي عشرةَ، ووصفَهُ القارئُ بالشَّيخِ المقرئِ. ثمَّ انقطعَ بها أخيرًا، واشترى بها أملاكًا، وصارَ يتردَّدُ بينهما، فقُدِّرتْ وفاتُهُ بِمَكَّةَ في صبيحةِ يومِ الجمعةِ ثاني عشرَ ذِي الحجَّةِ سنة تسعٍ وثلاثين وثماني مئةٍ، وصُلِّي عليهِ بعدَ الجمعةِ، ودُفنَ بالمَعْلاةِ. ٢٨٥٤ - عليُّ بنُ عِيسَى بنِ مسعودِ بنِ منصورِ بنِ يحيى بنِ يونسَ، نورُ الدِّين ابنُ شارحِ "مسلمٍ" القاضي الشَّرفِ أبي الرُّوحِ، الحِميريُّ، الزَّواويُّ (٢)، ثمَّ القاهريُّ، المالكيُّ (٣). تفقَّهَ بأبيهِ (٤)، وبالبرهانِ السَّفَاقسِيِّ (٥)، وأخذَ عنِ البرهانِ الرَّشيديِّ (٦) في عدَّةِ

стр. 2268

علومٍ، وسَمِعَ أبا حيَّان، والتَّقيَّ الدِّلَاصِيَّ (١)، وابنَ القمَّاحِ، وغيرَهم. وارتحلَ إلى دمشقَ؛ فلقي الحُفَّاظَ بها: المِزِّيَّ، والبِرْزَاليَّ، والذَّهبيَّ. وسمعَ على: الحجَّارِ، وزينبَ ابنةِ الكمالِ. ولما حجَّ أبوه في سنةِ اثنتينِ وثلاثين، نَزَلَ له عن تدرِيس زاويةِ المالكيَّةِ بِمصرَ، وصَار مُعيدًا عندَه فيها حتَّى مَات (٢)، ثمَّ غلبَ عليهِ محبَّةُ التَّصوُّفِ، وارتحلَ لزيارةِ الصَّالحينَ، فلقِيَ منهم جمعًا، وظهرَ عليهِ سِرُّهُم، وتكلَّمَ على طريقهِم (٣)، وظهرتْ فضائلُه، وجاورَ بالمدينةِ النَّبويَّةِ سنةَ اثنتينِ وخمسِين، وقَبلَها مِرارًا. ورأى عبدُ السَّلامِ بنُ سعيدِ بنِ غالبٍ الماضي النَّبيَّ ﷺ وهو يقولُ لهُ (٤): قلْ لابن الزَّواويِّ يَتكلمْ غدًا، فتكلَّمَ يومَ الجُمعةِ في الرَّوضةِ بعدَ العصرِ، وحضرَ مجلسَهُ العلماءُ، والصلحاءُ. وعادَ إلى مصرَ، فماتَ بِهَا سنةَ تِسعٍ وستِّينَ وسبعِ مئةٍ.

стр. 2269

ذكرهُ شَيخُنا في "درره" (١)، قال: وهو والدُ شمسِ الدِّين ناظرِ الأوقافِ بِمصرَ. ٢٨٥٥ - عليُّ بن فُرغوصَ، أبو الحسنِ التِّلمسانيُّ، المغربيُّ. قالَ ابنُ فرحونٍ (٢): كانَ مِن أجلَّاءِ مشايخِ الغَربِ المُجَوِّلِينَ المسافرِين، له حالٌ جليلٌ، ومقامٌ عظيمٌ، ورحلةٌ طافَ فيها كثيرًا من بلادِ المشرقِ والمغربِ، واستفادَ علومًا جليلةً من علمِ الحرف، وأسرارِ الطلاسمِ (٣) والتربيعاتِ، وعلمِ السِّيميا (٤)، والكيمياءِ (٥)، والرُّوحانياتِ، وجميعُ ما تأخذُ معهُ فيه (٦) تجدُ عِنده منهُ طرفًا جيدًا، وكانَ يحكِي في مجالسِهِ غرائبَ ونوادرَ. انعطفَ عليهِ المجاورون، وجميعُ أهلِ المدينةِ، وكبارُ الدَّولةِ ووُزَرَاؤُها، [وكذلك] (٧) أهلُ مكَّةَ بأجمعِهَا.

стр. 2270

وكانَ يمشِي في طريقِ الماشي مع جماعةٍ، فلا يقطعُها إلا في شهرٍ؛ لأنَّ العربَ كلَّها صارتْ تعرفُهُ وتحبُّهُ، وتعزمُ عليه، فكانَ يجعلُ سفرَه سِياحةً. وله مناقبُ جليلةٌ، ومحاسنُ جميلةٌ، لا يسعُ هذا المحلَّ ذِكرُها. وذكرهُ ابنُ صالحٍ، فقالَ: نزيلُ الحرمينِ الشَّريفينِ، وقديمُ الهجرةِ فِيهما، لازمَ لُبْسَ المرقَّعاتِ في وسطهِ وعلى أكتافه، وكانَ سَاكنًا بمَكَّةَ، ووليَ مشيخةَ الرِّباطِ الذي بباب إبراهيمَ فيها، ويستخلفُ فيه صاحبَه عبدَ الله الهوَّاريَّ. وفي كلِّ سنةٍ يجيءُ من طريقِ الماشي للزِّيارةٍ، فيقيمُ أشهرًا، ثمَّ يرجعُ في عامهِ. وكانَ ذا فضائلَ من علمٍ وطبٍّ، رأَى أخيارًا من الصَّالحينَ، وكِبارًا من العلماءِ. ٢٨٥٦ - عليُّ بن قانمٍ، العلاءُ، أبو الحسنِ ابنُ شيخِ الخدَّامِ بالمدينةِ، المُحمَّديُّ، المالكيُّ، الظاهريُّ (١). ممَّن اشتغلَ وفَهِم، وقرأَ عليَّ بالمدينةِ "الشِّفا"، والكثيرَ من بالرَّوضةِ النَّبويَّةِ. وسَمِعَ عليَّ جملةً من "البخاري"، و"الشمائل"، و"الدلائل"، بل سَمِعَ مِن لفظي "المسلسل"، و"حديثَ زهير"، وجملةً من "القول البديع"، وأماكنَ من "الستَّةِ" و"الموطأ"، و"مسند الشَّافعيِّ"، و"الطحاوي". وكتبتُ لهُ إجازةً وصفتُهُ فيها بالمُجلِّي الكريمِيِّ، الفاضِلي البارعِيِّ، الأوحدِيِّ المحصِّليِّ الأصِيليِّ، عَينِ أقرانِهِ، وزَينِ إخوانه، المشتغلِ بأنواعِ القُرُباتِ، والمقبِلِ على الفضائِلِ التي للخيراتِ جالبات، وقراءتَهُ بأنَّها قراءةٌ حسنةٌ، فصيحةٌ بيِّنةٌ،

стр. 2271

جرى فيها مجرَى السَّيلِ، ومالَ عنِ الخطأِ والتَّحريفِ كلَّ الميلِ، وأعربَ عن فخرهِ، واستغربَ كلُّ مَن شهِدَ ذلكَ، ونوَّهَ بهِ في إشادةِ ذكرِهِ، وكيفَ لا؟ وقد رُبِّيَ في حِجْرِ السَّعادةِ، وتوجَّهَ للاشتغالِ والعبادةِ، وتهذَّب وتأدَّبَ. زادَه اللهُ مِن فضلهِ، وجمعَ شملَهُ بأهلِهِ، وهو في سبعٍ وثمانينَ لم يبلغ الثَّلاثينَ. ولمَّا رجعتُ إلى القاهرةِ وقدِمَها هو بعد موتِ أبيه، كانَ يتردَّدُ لِي أحيانًا، وبلغَنِي تلفُّتُه لمشيخةِ الخُدَّامِ، وتحرُّكه للبذلِ فيها. ٢٨٥٧ - عليُّ بنُ ماجدٍ. كانَ ذَا نخلٍ كثيرٍ، تركهُ لأولادِهِ يوسفَ، وغيرِهِ ذكرهُ ابنُ صالحٍ. ٢٨٥٨ - عليُّ بنُ مانعِ بنِ عَطيَّةَ بنِ منصورِ بنِ جمَّازِ بنِ شيحةَ الحسينيُّ (١). وقد يُنسبُ لجدِّ أبيهِ عَطية، له ذِكرٌ في: العجلِ بنِ عجلانَ. ٢٨٥٩ - عليُّ بن مباركٍ الحزاميُّ (٢). وزيرُ طفيلَ بنِ منصورٍ. كانَ حيًّا سنةَ ستٍ وثلاثين وسبعِ مِئةٍ. ٢٨٦٠ - عليُّ بنُ مُحمَّدِ بنِ إبراهيمَ ابنِ العلَّامةِ جلالِ الدِّين أحمدَ بنِ مُحمَّدِ بنِ مُحمَّدٍ، نورُ الدِّين (٣)، أبو الحسنِ الخُجَندِيُّ، المدَنيُّ، الحنفيُّ (٤).

стр. 2272

أخو إبراهيمَ، وأحمدَ، وغيرِهِما، ويُعرفُ بالخُجَندِيِّ. وُلدَ في ليلةِ الجُمعةِ منتصَفِ رجبٍ، سنةَ اثنتينِ وأربعينَ وثمانِي مِئةٍ بالمدينةِ، ونَشأَ بها، فحفظَ القرآنَ، و"الكنزَ"، و"ألفية النحو"، وغيرَها. وعرضَ على المحبِّ المطريِّ، وفتحِ الدِّين ابنِ صالحٍ وغيرِهما، واشتغلَ على سميِّه السيدِ شيخِ الباسطيةِ، والشِّهابِ الإِبشيطيِّ. وارتحلَ إلى القاهرة؛ فقرأ على الشَّمسِ الشُّروانيِّ "المطوَّلَ"، وعلى الكافياجي، والتقيِّ الحصنيِّ في آخرين، ولازم الأمينَ الأقصرائيَّ، وبرعَ في العربية، والمعاني، والبيان، وكانَ غايةً في الذَّكاء، له النَّثرُ الحسن، والنَّظمُ الكثير الجيِّد. ماتَ بدمشقَ في صفرَ سنة إحدى وسبعين وثماني مئةٍ بعد أبيه بسنةٍ، وكانَ لمَّا بلغتْهُ وفاتَهُ كَتَبَ إلى أهله في مطالعةٍ: إنْ ماتَ والدِيَ الشَّفيقُ فإنَّ لي … دَمْعًا يسيلُ عليه في الوَجَناتِ ولرُبَّما كفَّ الحَزينُ دُموعَهُ … صونًا لهِمَّتِهِ عن الهَفَواتِ خِيْفَ الوقيعةِ قبل فَوتَ وقوعِها … فإذا استقرَّتْ خِيفَ ما هُوَ آتِ واجتمعَ هو وسميُّه الفاضلُ الفريدُ ابنُ بَرْدِ بك (١) مع شيخِهما التَّقيِّ الحِصْنِيِّ ببولاقَ (٢)، فلمَّا شاهدوا ما على البحرِ مِن الغَمامِ والظِّلِّ، التمسَ شيخُهما

стр. 2273

النَّظمَ في ذلك، فقال صاحبُ الترجمة بديهةً: انظرْ إلى الظِّلِّ وقدْ ألبَسَ الْـ … ـــبَحْرَ شِعَارًا سَائِغًا مَعْ دِثَارِهْ كأنَّما حِيْتَانُهُ هَيَّجَتْ … حَرْبًا، وهذا الظِّلُّ من (١) غُبَارِهْ وقالَ الآخر: بعثَ اللهُ نيلَ مصرَ إلينا … وعلى بَعثِهِ تدلُّ عَلامَهْ حينَ وافى عَلا عليهِ ضبابٌ … كرَسولٍ قد ظَلَّلَتْهُ غَمامهْ ولما بلغَ ذلك والدَ صاحبِ الترجمةِ -وهو بالمدينة- قالَ: انظرْ إلى البحرِ عليهِ الضَّبابْ … كأنَّه البدرُ تحت السَّحابْ لمَّا رأى عُشَّاقَه يُفتَنُوا … بحسنِهِ الفائقِ أرخَى الحِجابْ وممَّا اتَّفَقَ أنَّ ابن بَرْدِ بك قالَ لصاحب الترجمة: قد عملتُ أحدَ عشر بيتًا، وعرضتُها على جماعةٍ من شعراءِ مصرَ؛ ليزيدوا عليها بيتًا فعَجَزُوا؛ لالتزامي رَدَّ العَجُزِ على (٢) الصَّدرِ المتجانسين، فسأله إنشادَها ففعلَ، فكانَ الحادي عشرَ منها: ما آل قلبيَ جُهدًا عن محبَّتِهِ … حتى ألاقيه في يوم المآلِ لَهُ وقد ردَّ العَجُزَ وهو المآل، على الصدر وهو ما آل، مع تجانسهما، فقال هذا بديهةً: إنْ كانَ سافَ (٣) لهُ قلبي قِلىً أبدا … فقَطَّعَ اللهُ فيهِ منهُ سافِلَهُ

стр. 2274

فاستحسن ابن بَرْدِ بك ذلك، وقال: هؤلاء عَرَبٌ، ونظمُهُم طَبَعٌ، ونظمُنَا تكلُّفٌ (١)، فلمَّا بلغَ ذلك أيضًا والدَهُ قال: لو رامَ قلبي سُلُوًّا عنه جادَلَهُ … مني الغرامُ ولو دَمْعًا لجادَ لَهُ ومِن نظمِ صاحبِ الترجمةِ في مِصرَ: إنَّما مصرُ بلدةٌ ذاتُ حُسنٍ … كلُّ قَلْبٍ بِحُبِّها مَشغُوفُ وعجيبٌ يَهوى الكفيفُ قَناها … كيفَ يَهْوى وطرفُهُ مَكفُوفُ ومنه مخاطبًا للمناويِّ (٢): هُنِّيْتَ يا مَولايَ بالمَنْصِبِ … وفُزْتَ مِن عَيْشِكَ بالأطيَبِ وأصبحتْ تأتِيْكَ مِن مَشْرِقٍ … مآرِبُ النَّفسِ ومن مَغْرِبِ ومثله ممَّا كتبه من اليُنبوعِ بعد توجُّهِهِ من المدينة لأبيه: بايعتُ أيامي على كلِّ ما … تَجُرُّ لهُ (٣) بيعةَ الرِّضوانِ يا ليتني استثنيتُ في بيعتي … فُرْقةَ أحبابي وإخوانِي ومنه قصيدة: يا أُهَيلَ العقيقِ إنَّ فؤادي … كلَّ يومٍ يطوفُ بالشَّوقِ سَبْعا

стр. 2275

ما حكى عارضُ القرافةِ عندي … أُحُدًا، لا ولا المُقَطَّمُ سَلْعا إنْ عطفتُمْ على المُحِبِّ بِوَصْلٍ … ظلَّ يمشي على المواضعِ يَسْعى أقعدَتْنِي يدُ الحوادثِ عنكُمْ … سوفَ تَفْنى أيدِ الحوادث فَدْعا جمعَ الله شَمْلَ كُلِّ غريبٍ … وحبيبٍ معَ الأحبَّة جَمعا ٢٨٦١ - عليُّ بنُ مُحمَّدِ بنِ طُغجَ، أبو الحسن ابنُ الإخشيدِ (١). يأتي في أبيه. ٢٨٦٢ - عليُّ بنُ مُحمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ مُحمَّدِ بنِ مجاهدٍ، نورُ الدِّين الدَّمَاصيُّ، ثمَّ القاهريُّ، الشَّافعيُّ، الخطيبُ بالأزهر وغيره، ويُعرفُ بالدَّمَاصيِّ (٢). وُلدَ في سنة خمسٍ وعشرين وثماني مئةٍ تقريبًا بدَماصٍ، ونشأ بها، فحفظَ القرآن، وخطبَ، ثمَّ قدمَ القاهرةَ قريبًا مِن سنة ستٍ وستين، وأثبتَ عدالتَه عندَ أبي البركاتِ الغرَّاقيِّ (٣)، ولكنَّه لم يجلسْ لذلك، بل تصدَّى لتعليمِ الأبناءِ والتَّأذينِ بجامعِ العُمريِّ (٤)، بل دامَ به في بعضِ الأحيان، وخطبَ بشُبرا الخيمةِ (٥) وقتًا،

стр. 2276

وكذا بجامعِ الأزهرِ، وحُمِدَتْ خطابته؛ لتحرِّيهِ تصحِيحَها على الزَّينيِّ الأبْناسِيِّ وكاتبِهِ، وكانَ يُكثرُ مراجعتَه لي في ما يُؤدِّيه فيها من الأحاديثِ إلى أن اشتُهِرَ بذلك، بل وقرأ عليَّ وعلى سِبطِ شيخِنا في "البخاريِّ"، وربَّما حضرَ بعضَ الدُّروسِ، ولم يترقَّ في غير الخطابة. ونَزَّله ابنُ مُزهرٍ (١) في صوفيَّته بمدَّةٍ، ثمَّ حجَّ هو وزوجتُه لقضاءِ الفرضِ مع الموسمِ، ورجعا إلى المدينةِ النَّبويةِ للزِّيارة، فانقطعا بها في سبعِ خير بك، ولم يلبثْ أنْ توعَّكَ، واستمرَّ إلى أنْ ماتَ في عِشري شوَّالٍ سنةَ أربعٍ وثمانين، ودُفنَ بالبقيعِ، ﵀. فقد كانَ خيِّرًا مُتودِّدًا، مُغرَمًا بالخطابة، بحيث رامَ الخطابة في المسجِدَينِ (٢) أو أحدِهما، فلم يُجَبْ. ٢٨٦٣ - عليُّ بنُ مُحمَّدِ ابنِ العَفيفِ عبدِ السَّلام بنِ مَزروعٍ. ابنُ أخي يحيى (٣) الآتي، وأخو طاهر. كانَ أحدَ القرَّاءِ بسُبْعِ ابن سَلْعُوس. ذكرَه ابنُ صالحٍ. ٢٨٦٤ - عليُّ بنُ مُحمَّدِ بنِ عبدِ الوَهَّابِ، الإسكندرانيُّ، ثمَّ المدَنيُّ. وُلِدَ بمصرَ، وقدمَ معَ عمرَ [بن] عبدِ الباسطِ المدينةَ، فنشأ بها، وحفظَ القرآنَ. وسمعَ في "البخاري" على الجمال الكَازَرُونيِّ في سنةِ سبعٍ وثلاثينَ، وتزوَّجَ

стр. 2277

خديجةَ ابنةَ عمرَ بنِ زينِ الدِّين الأنصاريِّ، أختَ البدرِ حسنٍ الماضي، وأولدَها عدَّةً، المتأخِّرُ منهم مُحمَّدٌ، والشِّهابُ أحمدُ. ماتَ سنةَ ستين وثماني مئةٍ عن نحوِ الثَّمانين. ٢٨٦٥ - عليُّ بنُ مُحمَّدِ بنِ عليِّ بنِ سُليمانَ، المدَنيُّ، الحَنفيُّ. الآتي أبوه، والماضي جدُّه، ويُعرف بابنِ الطحَّانِ، له ذِكرٌ في جَدِّهِ. ممَّن سمعَ عليَّ بالمدينة، ويحضرُ عندَ قاضيها، وتردَّدَ إلى القاهرةِ مرارًا، وهو الآنَ في ربيعٍ الأوَّلِ سنةَ اثنتينِ وتسعِ مئةٍ بالمدينةِ. ٢٨٦٦ - عليُّ بنُ مُحمَّدِ بنِ عَليِّ بنِ أبي منصورٍ، الجلالُ أبو الحسنِ ابنُ الجوادِ (١). الآتي أبوه. كانَ مِن الفضلاءِ، البُلغاءِ الكُرماء. جمعَ المجدُ المباركُ ابنُ الأثير (٢) صاحبُ "جامع الأصول" -وكانَ في أوَّلِ أمرِه (٣) كاتبًا بين يديه- "ديوانَ رسائله"، وسمّاه: "الجواهرَ واللآلي من الإملاء المولويِّ الفريديِّ الجلاليِّ" (٤)، وبالغَ في أوَّلِه في وصفِه وتقريظِه، وتفضيلِه على مَنْ تقدَّمَهُ مِن الفُصحاء. وذكرَ أنَّه كانَ بينه وبين الحَيْصَ بَيْصَ (٥) الشَّاعرِ مكاتباتٌ، وممَّا كتبَ إليه

стр. 2278

الحَيْصَ بَيْصَ على يدِ رجلٍ عليه دَينٌ رسالةً مختصرةً، وهي: الكرمُ غامرٌ، والذِّكرُ سائرٌ، والعونُ على الخطوب أكرمُ ناصرٍ، وإغاثةُ الملهوفِ من أعظمِ الذَّخائرِ، والسَّلامُ. وكانَ الجلالُ وزيرَ سيفِ الدِّين غازي (١) ابنِ قطبِ الدِّين. وتوفي سنةَ أربعٍ وسبعين وخمس مئة بدُنَيْسِر (٢)، وحُملَ إلى الموصل، ثمَّ نُقل إلى المدينة، ودُفِنَ بها في تربةِ والدِه. ٢٨٦٧ - عليُّ بنُ مُحمَّدِ بنِ عَليِّ بنِ يوسفَ بنِ الحسنِ بن محمودِ بنِ الحسنِ، القاضي نورُ الدِّين، أبو الحسنِ ابنُ القاضي فتحِ الدِّين أبي الفتحِ الأنصاريُّ، الزَّرنديُّ، المدَنيُّ، الحنفيُّ (٣). أخو حسنٍ، ويوسفَ (٤). وُلِدَ تقريبًا سنةَ خمسٍ وسبعين وسبعِ مئةٍ، وماتَ أبوهُ، وهو صغيرٌ، فنشأ في حِجْرِ عَمِّه القاضي الزِّينِ عبدِ الرَّحمنِ، وسمعَ عليه، واشتغلَ بالعلمِ على الجلالِ الخُجَنديِّ، ولازمَه كثيرًا، وسمعَ عليه في سنةِ سبعٍ وتسعين

стр. 2279

جزءًا من "حديث العلائيِّ" بقراءةِ أبي الفتح المراغيِّ، ووصفَه بالفقيهِ البارعِ، وكذا قرأَ عليه "البخاريَّ"، وبالنَّحوِ على المحبِّ ابنِ هشامٍ (١)، وغيرِه، وسمِعَ على الزَّينِ المراغيِّ، وهو وأخواه على العَلمِ سليمانَ بنِ أحمدَ السَّقَّا "الشِّفا" في سنةِ خمسٍ وثمانين، وقرأَ على ابن الجزريِّ "مشيخة الفخر" (٢). وكانَ إمامًا عالمًا، بارعًا ديِّنًا، شهمًا بَشوشًا، جميلَ الهيئة، بارعًا في العربية والتَّفسير. وَلِيَ قضاءَ المدينةِ بعدَ موتِ عمِّه عبدِ الرَّحمنِ في سنةِ سبعَ عشرةَ وثماني مئة، واستمرَّ حتَّى ماتَ في ليلةِ السَّبتِ ثالثَ عشرَ ربيعٍ الثَّاني سنةَ ثلاثٍ وعشرين؛ بِعِلَّةِ ذاتِ الجَنْبِ عن خمسين سنةً، أو نحوِها، ودُفِنَ بالبقيعِ. وممَّن أخذَ عنه: أخوه، وكذا لازمَه أبو الفرجِ ابنُ المراغيِّ في تفسيرِ القرآنِ وإعرابِه، وفي قطعةٍ مِن مباحثِ "الألفية"، و"الحاجبية"، بلْ قرأَ عليه بحثًا قطعةً كبيرةً من "الجُمَل" للزَّجَّاجيِّ (٣)، وأجازَ له، وعرضَ عليه الشَّمسُ مُحمَّدُ بنُ عبدِ العزيزِ الكَازَرُونيُّ. بل أخذَ عنه النحوَ والصَّرفَ، والمعانيَ والبيانَ، وإعرابَ القرآنِ بقراءته وقراءَةِ غيره، والعربيةَ: القاضي فتحُ الدِّين أبو الفتحِ ابنُ صالحٍ، وأيوبُ بنُ سليمانَ المغراويُّ، وآخرون. وأجازَ للتقيِّ ابن فهدٍ، وأبيه، وبيَّضَا له في "معجميهما".

стр. 2280

قالَ الفاسيُّ في "ذيل النبلاء": وقد سمعَ معَنا على بعضِ شيوخِنا، وكانَ محمودًا عندَ النَّاسِ. ٢٨٦٨ - عليُّ بنُ مُحمَّدِ بنِ عليٍّ، الزَّينُ الأنصاريُّ، الزَّرنديُّ، المدَنيُّ، الحنفيُّ (١). وُلِدَ سنةَ أربعٍ وسبعين وسبعِ مئةٍ بالمدينةِ، وأخذَ الفنونَ عن الجَلالِ الخُجَنديِّ، وسمعَ على الجمال الأُمْيُوطيِّ، وحَدّثَ ودَرَّسَ، وماتَ في سادسَ عشرَ ذي الحجَّةِ سنة تسعَ عشرةَ وثماني مئةٍ (٢)، ويحرَّرُ مع الذي قبلَه. ٢٨٦٩ - عليُّ بنُ محمَّدِ بنِ أبي القاسمِ فرحونِ بن مُحمَّدِ بنِ فرحونٍ، الإمامُ المحدِّثُ، النُّورُ أبو الحسنِ، اليَعمريُّ لأبيه، الحَسَنِيُّ لأمِّه، التُّونسيُّ الأصلِ، المدَنيُّ، المالكيُّ (٣). والدُ القاضي البرهانِ إبراهيمَ الماضي. ذكرَه ابنُه في "طبقات المالكية" (٤)، فقالَ: إنَّه وُلِدَ في ليلةِ الجمعةِ العشرين مِن ربيعٍ الأوَّلِ سنةَ سبعٍ وتسعين (٥) وستِّ مئةٍ، وقرأ بالمدينةِ القرآنَ على أبي عبدِ اللهِ القَصْريِّ، وسمعَ بها على: أبي عبد الله ابن حُرَيْثٍ خطيب تِلِمْسَانَ (٦)، والعزِّ يوسفَ بنِ حسنٍ الزَّرنديِّ (٧)، والجمالِ المطريِّ،
следующие страницы →