← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1050

التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة - ط مركز دراسات المدينة

السخاوي

Полный текст (4 406 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

وكذا بجامعِ الأزهرِ، وحُمِدَتْ خطابته؛ لتحرِّيهِ تصحِيحَها على الزَّينيِّ الأبْناسِيِّ وكاتبِهِ، وكانَ يُكثرُ مراجعتَه لي في ما يُؤدِّيه فيها من الأحاديثِ إلى أن اشتُهِرَ بذلك، بل وقرأ عليَّ وعلى سِبطِ شيخِنا في "البخاريِّ"، وربَّما حضرَ بعضَ الدُّروسِ، ولم يترقَّ في غير الخطابة. ونَزَّله ابنُ مُزهرٍ (١) في صوفيَّته بمدَّةٍ، ثمَّ حجَّ هو وزوجتُه لقضاءِ الفرضِ مع الموسمِ، ورجعا إلى المدينةِ النَّبويةِ للزِّيارة، فانقطعا بها في سبعِ خير بك، ولم يلبثْ أنْ توعَّكَ، واستمرَّ إلى أنْ ماتَ في عِشري شوَّالٍ سنةَ أربعٍ وثمانين، ودُفنَ بالبقيعِ، ﵀. فقد كانَ خيِّرًا مُتودِّدًا، مُغرَمًا بالخطابة، بحيث رامَ الخطابة في المسجِدَينِ (٢) أو أحدِهما، فلم يُجَبْ. ٢٨٦٣ - عليُّ بنُ مُحمَّدِ ابنِ العَفيفِ عبدِ السَّلام بنِ مَزروعٍ. ابنُ أخي يحيى (٣) الآتي، وأخو طاهر. كانَ أحدَ القرَّاءِ بسُبْعِ ابن سَلْعُوس. ذكرَه ابنُ صالحٍ. ٢٨٦٤ - عليُّ بنُ مُحمَّدِ بنِ عبدِ الوَهَّابِ، الإسكندرانيُّ، ثمَّ المدَنيُّ. وُلِدَ بمصرَ، وقدمَ معَ عمرَ [بن] عبدِ الباسطِ المدينةَ، فنشأ بها، وحفظَ القرآنَ. وسمعَ في "البخاري" على الجمال الكَازَرُونيِّ في سنةِ سبعٍ وثلاثينَ، وتزوَّجَ

стр. 2277

خديجةَ ابنةَ عمرَ بنِ زينِ الدِّين الأنصاريِّ، أختَ البدرِ حسنٍ الماضي، وأولدَها عدَّةً، المتأخِّرُ منهم مُحمَّدٌ، والشِّهابُ أحمدُ. ماتَ سنةَ ستين وثماني مئةٍ عن نحوِ الثَّمانين. ٢٨٦٥ - عليُّ بنُ مُحمَّدِ بنِ عليِّ بنِ سُليمانَ، المدَنيُّ، الحَنفيُّ. الآتي أبوه، والماضي جدُّه، ويُعرف بابنِ الطحَّانِ، له ذِكرٌ في جَدِّهِ. ممَّن سمعَ عليَّ بالمدينة، ويحضرُ عندَ قاضيها، وتردَّدَ إلى القاهرةِ مرارًا، وهو الآنَ في ربيعٍ الأوَّلِ سنةَ اثنتينِ وتسعِ مئةٍ بالمدينةِ. ٢٨٦٦ - عليُّ بنُ مُحمَّدِ بنِ عَليِّ بنِ أبي منصورٍ، الجلالُ أبو الحسنِ ابنُ الجوادِ (١). الآتي أبوه. كانَ مِن الفضلاءِ، البُلغاءِ الكُرماء. جمعَ المجدُ المباركُ ابنُ الأثير (٢) صاحبُ "جامع الأصول" -وكانَ في أوَّلِ أمرِه (٣) كاتبًا بين يديه- "ديوانَ رسائله"، وسمّاه: "الجواهرَ واللآلي من الإملاء المولويِّ الفريديِّ الجلاليِّ" (٤)، وبالغَ في أوَّلِه في وصفِه وتقريظِه، وتفضيلِه على مَنْ تقدَّمَهُ مِن الفُصحاء. وذكرَ أنَّه كانَ بينه وبين الحَيْصَ بَيْصَ (٥) الشَّاعرِ مكاتباتٌ، وممَّا كتبَ إليه

стр. 2278

الحَيْصَ بَيْصَ على يدِ رجلٍ عليه دَينٌ رسالةً مختصرةً، وهي: الكرمُ غامرٌ، والذِّكرُ سائرٌ، والعونُ على الخطوب أكرمُ ناصرٍ، وإغاثةُ الملهوفِ من أعظمِ الذَّخائرِ، والسَّلامُ. وكانَ الجلالُ وزيرَ سيفِ الدِّين غازي (١) ابنِ قطبِ الدِّين. وتوفي سنةَ أربعٍ وسبعين وخمس مئة بدُنَيْسِر (٢)، وحُملَ إلى الموصل، ثمَّ نُقل إلى المدينة، ودُفِنَ بها في تربةِ والدِه. ٢٨٦٧ - عليُّ بنُ مُحمَّدِ بنِ عَليِّ بنِ يوسفَ بنِ الحسنِ بن محمودِ بنِ الحسنِ، القاضي نورُ الدِّين، أبو الحسنِ ابنُ القاضي فتحِ الدِّين أبي الفتحِ الأنصاريُّ، الزَّرنديُّ، المدَنيُّ، الحنفيُّ (٣). أخو حسنٍ، ويوسفَ (٤). وُلِدَ تقريبًا سنةَ خمسٍ وسبعين وسبعِ مئةٍ، وماتَ أبوهُ، وهو صغيرٌ، فنشأ في حِجْرِ عَمِّه القاضي الزِّينِ عبدِ الرَّحمنِ، وسمعَ عليه، واشتغلَ بالعلمِ على الجلالِ الخُجَنديِّ، ولازمَه كثيرًا، وسمعَ عليه في سنةِ سبعٍ وتسعين

стр. 2279

جزءًا من "حديث العلائيِّ" بقراءةِ أبي الفتح المراغيِّ، ووصفَه بالفقيهِ البارعِ، وكذا قرأَ عليه "البخاريَّ"، وبالنَّحوِ على المحبِّ ابنِ هشامٍ (١)، وغيرِه، وسمِعَ على الزَّينِ المراغيِّ، وهو وأخواه على العَلمِ سليمانَ بنِ أحمدَ السَّقَّا "الشِّفا" في سنةِ خمسٍ وثمانين، وقرأَ على ابن الجزريِّ "مشيخة الفخر" (٢). وكانَ إمامًا عالمًا، بارعًا ديِّنًا، شهمًا بَشوشًا، جميلَ الهيئة، بارعًا في العربية والتَّفسير. وَلِيَ قضاءَ المدينةِ بعدَ موتِ عمِّه عبدِ الرَّحمنِ في سنةِ سبعَ عشرةَ وثماني مئة، واستمرَّ حتَّى ماتَ في ليلةِ السَّبتِ ثالثَ عشرَ ربيعٍ الثَّاني سنةَ ثلاثٍ وعشرين؛ بِعِلَّةِ ذاتِ الجَنْبِ عن خمسين سنةً، أو نحوِها، ودُفِنَ بالبقيعِ. وممَّن أخذَ عنه: أخوه، وكذا لازمَه أبو الفرجِ ابنُ المراغيِّ في تفسيرِ القرآنِ وإعرابِه، وفي قطعةٍ مِن مباحثِ "الألفية"، و"الحاجبية"، بلْ قرأَ عليه بحثًا قطعةً كبيرةً من "الجُمَل" للزَّجَّاجيِّ (٣)، وأجازَ له، وعرضَ عليه الشَّمسُ مُحمَّدُ بنُ عبدِ العزيزِ الكَازَرُونيُّ. بل أخذَ عنه النحوَ والصَّرفَ، والمعانيَ والبيانَ، وإعرابَ القرآنِ بقراءته وقراءَةِ غيره، والعربيةَ: القاضي فتحُ الدِّين أبو الفتحِ ابنُ صالحٍ، وأيوبُ بنُ سليمانَ المغراويُّ، وآخرون. وأجازَ للتقيِّ ابن فهدٍ، وأبيه، وبيَّضَا له في "معجميهما".

стр. 2280

قالَ الفاسيُّ في "ذيل النبلاء": وقد سمعَ معَنا على بعضِ شيوخِنا، وكانَ محمودًا عندَ النَّاسِ. ٢٨٦٨ - عليُّ بنُ مُحمَّدِ بنِ عليٍّ، الزَّينُ الأنصاريُّ، الزَّرنديُّ، المدَنيُّ، الحنفيُّ (١). وُلِدَ سنةَ أربعٍ وسبعين وسبعِ مئةٍ بالمدينةِ، وأخذَ الفنونَ عن الجَلالِ الخُجَنديِّ، وسمعَ على الجمال الأُمْيُوطيِّ، وحَدّثَ ودَرَّسَ، وماتَ في سادسَ عشرَ ذي الحجَّةِ سنة تسعَ عشرةَ وثماني مئةٍ (٢)، ويحرَّرُ مع الذي قبلَه. ٢٨٦٩ - عليُّ بنُ محمَّدِ بنِ أبي القاسمِ فرحونِ بن مُحمَّدِ بنِ فرحونٍ، الإمامُ المحدِّثُ، النُّورُ أبو الحسنِ، اليَعمريُّ لأبيه، الحَسَنِيُّ لأمِّه، التُّونسيُّ الأصلِ، المدَنيُّ، المالكيُّ (٣). والدُ القاضي البرهانِ إبراهيمَ الماضي. ذكرَه ابنُه في "طبقات المالكية" (٤)، فقالَ: إنَّه وُلِدَ في ليلةِ الجمعةِ العشرين مِن ربيعٍ الأوَّلِ سنةَ سبعٍ وتسعين (٥) وستِّ مئةٍ، وقرأ بالمدينةِ القرآنَ على أبي عبدِ اللهِ القَصْريِّ، وسمعَ بها على: أبي عبد الله ابن حُرَيْثٍ خطيب تِلِمْسَانَ (٦)، والعزِّ يوسفَ بنِ حسنٍ الزَّرنديِّ (٧)، والجمالِ المطريِّ،

стр. 2281

وأبي عبد الله بن جابرٍ الوادي آشيِّ، والزَّينِ الطبريِّ، والشَّرفِ الزُّبيرِ الأُسْوانيِّ، والسِّراجِ الدَّمنهوريِّ، وأخذَ الفقهَ والعربيةَ عن والدِه، وسمعَ عليه الحديثِ. وببيتِ المقدسِ على: القاضي شرفِ الدِّين الخشنيِّ، والعلائيِّ. وبدمشق على: المزيِّ، والذهبيِّ، وداودَ ابن العطَّارِ (١)، وابن الخبَّازِ، والصَّدرِ أبي الرَّبيع ابنِ عبد الحليم (٢) الغماريِّ المالكيِّ (٣)، والشَّمس مُحمَّدِ بن عرب شاه الهمدانيِّ (٤)، والكمالِ (٥) ابن الفُوَيْرةِ الحنفيِّ، ومَنْ يَطول تَعدادُهُ. وكذا أخذَ بمصرَ عن جماعة، وبتونسَ عن: أبي عليٍّ عمرَ بنِ عليِّ بن قداح الهواريِّ (٦)، ولقي بها القاضيَ أبا إسحاقَ ابنَ عبدِ الرَّفيع (٧)، وبفاسٍ

стр. 2282

عن غير واحدٍ. بل أخذَ عنه بالمغربِ جماعةٌ منهم: أبو العبَّاس القبَّاب (١). وكانَ محدِّثًا متقِنًا، ضابطًا عارفًا، يضبطُ الحديثَ وأسماءَ رجالِه، ولغتَهُ، فاضلًا في الفقهِ والأصلينِ، والعربيةِ، والمعاني والبيانِ، مستبحرًا في اللغةِ والآدابِ، مشاركًا في الجدلِ والمنطقِ، أقبلَ في آخرِ عمره على الاشتغالِ في كتبِ التَّصوُّفِ، ولزمَ الاشتغالَ بالفقهِ والعربيةِ في المسجدِ النبويِّ، مع وجاهةٍ عظيمةٍ عند أمراءِ المدينة، بحيث يُقصَدُ بالشَّفاعةِ عندَهم، ولا يردُّونَهُ غالبًا. وله تآليفُ مفيدةٌ، منها: "نزهة النَّظَرِ ونُخبَةُ الفِكَرِ في شرح لاميَّةِ العَجَمِ" (٢) و"ذيلُها" له، اشتملَ على لغةٍ كثيرةٍ، وصناعةٍ بديعةٍ، و"شرحُ قصيدة عمرو الجِنِّيِّ" (٣)، المشتملةِ على المديحِ النَّبويِّ، و"الجوابُ الهادي عن أسئلةِ الشَّيخ أبي الهادي"، أحدِ شيوخ القيروان (٤) في الطَّريقة، وهي في القرآنِ والسُّنة، و"تحفةُ

стр. 2283

الرَّاغبين في اختصار منازل السَّائرين"، و"شرحُ حديثِ أمِّ زَرْعٍ"، و"قصيدةِ كعبِ بن زهيرٍ مع تخميسه لها"، و"حواشٍ على شرحِ ابن الحاجبِ لابن عبد السلام"، تكلَّم فيها على ما لم يتكلَّم عليه الشَّارحُ مِن المتنِ، مع تعقُّبٍ على الشَّارحِ في أماكنَ كثيرةٍ، انتهى فيه إلى الحج. وله في العربيةِ تقاييدُ مختصرةٌ، وشعرٌ كثيرٌ في غاية الجَودةِ. ماتَ في يومِ الجمعةِ ثالثَ عِشري جُمادى الثَّانيةِ سنةَ ستٍ وأربعين وسبعِ مئةٍ. وهو ممَّن في "الدُّرر" (١) لشيخِنا. وقرأ "الدلائلَ" للبيهقيِّ في رمضانَ سنة خمسٍ وأربعين على السِّراج الدمنهوريِّ بالرَّوضةِ، و"الصَّحيحين" على الجمالِ مُحمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ خَلَفٍ المطريِّ، وأبي عبد الله مُحمَّدِ بنِ إبراهيمَ المؤذِّنِ، وبقراءتِه سمعَهما أبو عبدِ اللهِ ابنُ مرزوقٍ، وكذا سَمِعَ ابنُ مرزوقٍ بقراءته أيضًا على العَلَمِ القاسمِ البِرزاليِّ حين قدومِه المدينةَ أجزاءً. وُصِفَ -في إجازةٍ لولدِه من ابنِ جابرٍ الأندلسيِّ فيما كتبَه رفيقُه أبو جعفرٍ الرُّعَيْنِيُّ عنه:- بالشَّيخِ العالمِ العَلَمِ، الإمامِ الأديبِ البارعِ اللغويِّ، مجموعِ الفضائل. وذكرَه أخوهُ البدرُ، فكنَّاه أبا القاسم، وجعلَ سنةَ مولدِه سنةَ ثمانٍ، وقالَ (٢): كانَ على كنيتِه واسمِه من العلوِّ والدِّين، معَ ما حوى من عِلمي الفقهِ والأصولِ،

стр. 2284

والعربيةِ والحديثِ، واللُّغةِ والمعاني، والبيانِ والآدابِ، والمشاركةِ العظيمةِ في سائرِ العلومِ، قد بلغَ في العلومِ الأدبيَّةِ النِّهايةَ. إنْ قلتَ: لم يكنْ في زمانِه بالمدينةِ والحجازِ مَنْ بَرَعَ براعتَهُ ولا سادَ سِيادَتَهُ، فشهادةُ حَقٍّ، عَلِمَها كلُّ الخَلق، ممَّن جلَّ ودقَّ. كانَ يُلقي درسَ الفقهِ في "مختصر ابن الحاجب" فيحضرُه الشَّيخانِ حسنٌ الحاحائيُّ، وعبدُ السَّلامِ بنُ غَلّابٍ (١) الماضي ذِكرُهما، وهما مِن الفقهِ بمكانٍ لم يلحقْهما في عِلْمهما وعَمَلِهما مثلُهما، فكانا يدقِّقَان البحثَ المتين معه، فيظهرُ عليهما بذهنٍ ثاقبٍ، وحفظٍ متين. وله تواليفُ مفيدةٌ في العربيةِ، والحديثِ، واللُّغةِ، والتَّصوُّف، و"ديوانٌ" كبيرٌ في مدحِ النَّبيِّ ﷺ ، ومدحِ غيره، و"تذكرةٍ" في مجلداتٍ مشتملةٍ على فوائدَ وغرائبَ. وكانَ السِّراجُ الدَّمنهوريُّ يقولُ للطَّلبةِ: إذا حضرَ الفقيهُ نورُ الدِّين، فأَحضروا معكم الدَّواةَ والورقَ حتى تُقيِّدوا مِن فوائدِه، ومِن أشعارِه واستشهاداتِه، فكانَ كذلك، وناهيكَ بهذا مِن السِّراجِ. وكانَ له ميعادُ وعظٍ، يقرؤُهُ في كلِّ جمعةٍ بعدَ الصَّلاةِ على كرسيٍّ عالٍ بالرَّوضةِ بصوتٍ حسنٍ، وأداءٍ حسنٍ، بحيث لا يَمَلُّ السَّامعُ مِن قراءته، بل يتلذَّذُ بإطالته، ووعظُه مِن كلامِ ابنِ الجوزيِّ في "التبصرة" (٢)، فكانَ بعضُ النَّاسِ يقول: عاشَ

стр. 2285

ابنُ الجوزيّ للنَّاس. وكانَ هو أوَّلَ مَن اتَّعظ بغيرِه، وانتفعَ بوعظِه، فإنَّه صارَ يلازمُ الصِّيامَ ويسرُدُه، ويقومُ مِن اللَّيلِ أكثرَه، ورقَّتْ نفسه، ودرَّتْ دمعتُهُ، كأنَّه عَلِمَ بقُرْبِ الأجل، فبادرَ للعمل، حتَّى كانَ يقولُ: والله نَدِمتُ على ما أفنيتُ فيه عمري مِن الاشتغالِ بعلمِ الأدبِ، يا ليتَه كانَ في الكتابِ والسُّنَّةِ. قالَ (١): وكانَ يرى لي (٢) فوقَ ما يرى الولدُ الوالدَ في التَّعظيمِ والحياءِ والإكرام، وأمَّا الغيرةُ عليَّ والانتصارُ لي واهتمامُهُ بحالي وما يعرِضُ لي من عَدُوٍّ يشنَأُني، فلا يوصَفُ قدرُهُ، فلله دَرُّه، وبلَّ بالرَّحمةِ قبرَهُ. وأرَّخَهُ الحُسَينيُّ (٣) في "ذيل العبر" (٤) [في] رجبٍ، وكأنَّه ببلوغِ الخبر، فقد اتفق أخوه وأبوه على جمادى الثَّانية، وهو أمسُّ (٥). ووصفَه الحسينيُّ بالمحدِّثِ المفيدِ الزاهدِ، وتبعه في توريخه برجبٍ الزَّينُ العراقيُّ في "وفياته"، وقالَ: كانَ أحدَ فضلاءِ المدينةِ، قرأَ الحديثَ، وكتبَ الطِّباقَ، وسمعَ على الرضيِّ الطَّبريِّ في آخرين، وحدَّثَ.

стр. 2286

وقالَ المجدُ (١): سبقَ الأقرانَ في علومِ العربيةِ، والفنونِ الأدبيةِ، وبَذَّ (٢) كلَّ مجتهدٍ في العلمِ مُعَاني، وسبقَهم في اللُّغةِ والنَّحوِ، والبيانِ والمعاني، معَ ما حوى مِن علم الفقهِ والأصول، وروى مِن السُّنن وأحاديثِ الرَّسول، فصنَّفَ وأفادَ، وألَّفَ وأجادَ. ووضعَ في الحديثِ والتَّصوُّف واللُّغةِ جملةً من الكتبِ الجيادِ، وله "ديوان شِعر" أكثرُه في مدحِ سيِّدِ المُرسلين صلى الله وسلم عليه، وعلى آله وصحبِه الأكرمين. كانَ يحضرُ درسَهُ أكابرُ الفقهاءِ المالكية، فَيُثنون على درسِه بالثَّناء الجميلِ، وكلٌّ منهم إلى معاودتِهِ وحضور درسِهِ يرغبُ ويميلُ. وله ميعادُ وعظٍ بعد صلاةِ الجمعةِ، يقعُدُ في الرَّوضة الشَّريفةِ على كرسيٍّ عالٍ، ويعظُ بأداءٍ غريبٍ، وصوتٍ مُطربٍ لا يهتدي إلى سامعه المَلالُ، وإنْ أطنبَ وأطالَ، بل كلَّما زاد إطنابًا، زاد إطرابًا، وكلَّما أكثرَ إغرابًا، ازدادَ الحاضرون إعرابًا، حسُنَ حالُه، وكَلِفَ به كلُّ قلبٍ وأحبَّه، وأصبحَ كلُّ نفسٍ تَهوى وعظه صَبَّةً، حتَّى كأنَّه سلبَ ابنَ الجوزيِّ لُبَّه. وكانَ ﵀ أوَّلَ من اتَّعظ بمقالهِ، فصارَ يجتهدُ في إسراعِ مِرْقَالِهِ (٣)، يسردُ الصِّيامَ، ويقومُ اللَّيلَ والنَّاسُ نيامٌ، ويتحسَّرُ على ما أذهبَه في علمِ الأدبِ مِن

стр. 2287

الأيام، ويقولُ: يا ليتَه صَرَفَ العُمْرَ أجمعَ في الكتابِ والسُّنَّة وأخبارِ الصَّحابةِ الكرامِ (١). ورأيتُ بخطِّه "الاكتفاء" للكلاعيِّ فَرَغَهُ في شوَّالٍ سنةَ تسعٍ وثلاثين. ومِن نظمِه الذي جعلَه مفتتحًا لقصيدةِ أيدمر (٢) بنِ عبد الله الصاحبيِّ المحيويِّ التركيِّ في الخلفاءِ الأربعةِ: شرفُ الرَّسولِ ومدحُهُ لا ينفَدُ … ولو انَّ كلَّ الخَلقِ فيهم مسعدُ الوهمُ قصَّرعن بلوغِ صِفاتهِ … وكذا اللِّسانُ وإنْ علا فمُقَيَّدُ واللهِ لا يُحصي فضائِلَهُ امرؤٌ … ولو انَّهُ أبدًا لأحمدَ يَحْمَدُ كلُّ الوُجودِ إذا تحقَّقَ (٣) ناطِقٌ … بأنَّ خيرَ العالمينَ مُحمَّدُ يا رحمةً للعالمينَ عظيمةً … فيها على جبريلَ كانَ لكَ اليَدُ وأوَّلها: كلٌّ مِن الخلفاءِ غيرُ مُحَلَّئٍ (٤) … عن مَوردِ الشَّرَفِ الذي لا يُورَدُ وختمها بأبياتٍ، أوَّلُها:

стр. 2288

يا أيُّها الخلفاءُ حُبُّكمُ لنا … دِينٌ، وعَقْدُ وَلائِكمْ مُسْتَحْصَدُ إنِّي لأرجوكمْ لِنَفْعِ عاجلٍ … ولآجلٍ يومَ القيامة يُسْعِدُ (١) فعليكمُ منِّي السَّلامُ ورحمةٌ … ما اهتَزَّ غصنٌ ناعِمٌ يَتَأَوَّدُ ٢٨٧٠ - عليُّ بنُ مُحمَّدِ بنِ مُحمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ مُحمَّدٍ، النُّورُ أبو الحسنِ ابنُ الشَّيخِ ناصرِ الدِّين أبي الفَرجِ ابنِ الجمالِ، الكَازَرُونيُّ، المدَنيُّ، الشَّافعيُّ (٢). أخو عبدِ السَّلام الماضي، وذاكَ أكبرُ. وُلدَ في سنةِ خمسٍ وستين وثماني مئة، أو التي قبلَها، ونشأَ فحفظَ القرآنَ وكُتُبًا، واشتغلَ عند السيِّدِ السَّمهوديِّ، والشَّمس البُلبِيسيِّ وغيرِهما، وسمعَ على أبي الفَرجِ المراغيِّ، وغيرِه. ولازمَني في المجاورةِ الأولى بطيبةَ في إسماعِ أشياءَ درايةً وروايةً، بل قرأَ عليَّ "المقاصدَ الحسنة" مِن نسخةٍ كتبَها بخطِّه، وكذا كتبَه لغيرِه، وممَّا سمعَه مني: "القولُ البديع"، وعليَّ: "مسندُ الشَّافعيِّ"، وهو يَقِظٌ متمَيِّزٌ، حَسَنُ التقييد، جيِّدُ الكتابة، مع تُؤَدَةٍ وعَقْلٍ. وصفتُهُ في إجازةٍ -بعدَ أنْ قلتُ: إنّي جمعتُ له ما سمعه منِّي وعَلَيَّ، وقرأه بالقلم، وشفعتُ ما ضبطَه من نفسِه لذلك ليصيرَ به كالعَلَم- بالشَّيخِ الفاضلِ الكامل،

стр. 2289

الأوحد المسدَّدِ، الأصيلِ النَّبيلِ، المشتغلِ المحصِّلِ، البارعِ الفارعِ، كنزِ المدرِّسينَ، حِرزِ المُوسَّمِين، بقيَّةِ السَّلفِ الصالحينَ، والعلماءِ المعتمدينَ، فائقِ أقرانِهِ، وسابقِ المقصِّرِ ببيانهِ، ومجيدِ المسطِّرِ ببنانِهِ. وبعد مفارقتي له صارَ يُكاتبني، حتَّى ماتَ في يومِ الخميس رابعِ شعبانَ سنةَ اثنتين وتسعين، عوَّضَه اللهُ الجنَّةَ. ٢٨٧١ - عليُّ بنُ مُحمَّدِ بنِ مُحمَّدِ بنِ مُحمَّدٍ تقيِّ ابنِ عبدِ السَّلامِ ابنِ الشَّيخ رُوزَبةَ، النُّورُ ابنُ الشَّمسِ ابنِ فتحِ الدِّين أبي الفتح، الكَازَرُونيُّ، المدَنيُّ، الشَّافعيُّ (١). أخو أحمدَ ومُحمَّدٍ (٢) المقبول، وهم أسباطُ فاطمةَ (٣) ابنةِ أبي اليُمنِ المراغيِّ، ويُلقَّبُ هذا بالمذكورِ، ويُعرفُ كسلَفِه بابنِ تَقِيٍّ. ممَّن سمعَ على جدَّتِهِ فاطمةَ، وماتَ عن بضعَ عشرةَ سنةً [سنةَ] اثنتين وثمانين وثماني مئةٍ. ٢٨٧٢ - عليُّ بنُ مُحمَّدِ بنِ مُحمَّدِ بنِ يحيى بنِ سالمٍ، النُّورُ أبو الحسنِ الخَشَبِيُّ، المدَنيُّ، الشَّافعيُّ (٤).

стр. 2290

أخو غانمٍ الآتي، وعبدِ السَّلام الماضي. (قال أبو حامد المطريُّ: تُوُفِّيَ صاحبُنا ورفيقُنا في الطَّلبِ الفقيهُ الفاضلُ الصَّالحُ الزَّينُ -وأشار إليه- في سَحَرِ ليلةِ الاثنين ثالثَ عِشري جُمادى الأولى سنةَ خمس وسبعين وسبعِ مئةٍ بذات الجَنْبِ، شهيدًا مبطونًا، ودُفنَ مِن الغدِ بالبقيعِ، وكانَ من عبادِ الله الصَّالحين) (١). ٢٨٧٣ - عليُّ بنُ مُحمَّدِ بنِ مُحمَّدِ بن يحيى بن سالمٍ، الخَشَبِيُّ، المدنيُّ (٢). وُلِدَ في جمادى الآخرةِ سنةَ إحدى وثمانين وسبعِ مئةٍ. ورأيتُ عليَّ بن محُمَّدٍ الخشبيَّ قرأ في "البخاري" في سنةِ سبعٍ وتسعين [على] المُحمَّدين: ابنِ عبدِ الله البَهْنَسِيِّ (٣)، وابنِ أبي البقاء السُّبكيِّ (٤)، وابنِ إسحاق الأَبَرْقُوهِيِّ (٥)، وابنِ أبي بكرٍ البَكْريِّ (٦)، وسعدِ بنِ يوسفَ النَّوويِّ (٧)، وغيرهم.

стр. 2291

أجازَ للتقيِّ ابنِ فهدٍ وبنيه، وماتَ بالقاهرةِ في طاعونِ سنةِ ثلاثٍ وثلاثين وثماني مئةٍ. ويحرَّرُ مع الذي قبلَه (١). ٢٨٧٤ - عليُّ بنُ مُحمَّدِ بنِ موسى بنِ منصورٍ، نورُ الدِّين أبو الحسنِ المحلِّيُّ، المدَنيُّ، الشَّافعيُّ (٢). سِبط الزُّبير الأُسْوانيِّ، ووالد أحمدَ الماضيينِ. وُلِدَ في جُمادى الأولى سنةَ أربعٍ وخمسين وسبعِ مئةٍ بمصرَ فيما وُجِدَ بخطِّه، ونشأ بالمدينةِ، فسمعَ بها على سعدِ الله الإسفرايينيِّ: "الشفا"، و"الأربعين" للنووي، وعِدَّةً مِن تصانيفِه. وعلى الشَّمس الشُّشْتَريِّ: "الشفا"، و"السِّيرة" للمحبِّ الطبريِّ. وعلى مُحمَّدِ بنِ صالحِ بنِ إسماعيلِ الكنانيِّ جدِّ بيت ابن صالح: "المجالسَ المكيَّةَ" للمَيَانشِيِّ، وغيرِهما. وعلى الزَّينِ أبي بكرِ بنِ الحسينِ المراغيِّ في سنةِ تسعٍ وسبعين: "تاريخَ المدينة" له. وعلى الجمالِ الأُميوطيِّ: "صحيحَ مسلم" بفوتٍ، و"الترمذيَّ"، و"بُلدانياتِ

стр. 2292

السِّلَفِيِّ"، و"مجلسَ البطاقة"، و"معجمَ المنذريِّ" (١). وعلى البهاءِ ابن التقيِّ السُّبْكِيِّ (٢): "شفاءَ السِّقام" (٣) لأبيه، خلا مِن البابِ السَّادسِ إلى الفصل الخامس. وبمكةَ على الكمالِ ابن حبيبٍ: "مسندَ الطيالسي"، و"معجمَ ابن قانع"، و"أسبابَ النزول" للواحديِّ (٤)، و"مسند الشَّافعيِّ" خلا مِن أوَّلِه إلى كتابِ الجمعة، كما كتبه بخطِّه، و"سننَ ابن ماجهْ"، وغيرَها. وعلى الجمالِ ابنِ عبدِ المعطي: بعضَ "صحيحِ ابن حِبَّانَ"، والتاسع والعاشر من "الثَّقَفِيَّاتِ"، و"مشيخةَ القاضي أبي بكر الأنصاري" (٥)، وغيرَها. وعلى القاضي أبي الفضلِ النُّوَيرِيِّ: "الاكتفاءَ" للكلَاعيِّ. وعلى الأمينِ ابنِ الشَّمَّاع "الشِّفا".

стр. 2293

ودخلَ القاهرةَ، فسمعَ بها على البهاءِ ابنِ خليلٍ: "اختلافَ الحديث" للشافعيِّ، و"السفينةَ الجرائديةَ"، والثاني من "أمالي المَحامليِّ"، و"فضلَ الرَّمْيِ" للقَرَّاب (١)، و"جزءَ هلالٍ الحفَّارِ" (٢)، و"المئةَ الشُرَيْحِيَّةَ" (٣)، و"جزء المُخَرِّمِيِّ" (٤)، و"المَرْوَزِيِّ" (٥)، و"جزء القزَّازِ" (٦)، و"المجالسَ المكيةَ" للميانشيِّ، و"مسلسلاتِ ابن أبي عُصرونٍ" (٧)، و"جزءَ مُحمَّد بنِ عاصمٍ" (٨)، و"جزءَ مُحمَّدِ بنِ

стр. 2294

يعقوبَ الأصمِّ" (١)، و"نسخةَ وكيعٍ"، وغيرَها. [و] (٢) مِن الحراويِّ (٣): قطعةً من "المعجم الأوسط" للطبرانيِّ، و"فضلَ الخيل" (٤) للدِّمياطيِّ، وغيرَهما. ومِن أبي الفرجِ ابنِ القارئِ: بعضَ "الدارميِّ"، و"جزءَ ابنِ الطّلَّاية" (٥)، وثاني "سعدان"، و"الصمتَ" لابن أبي الدنيا، وغيرَها. ومِن الجمالِ عبدِ الله الباجيِّ (٦): بعض "البخاريِّ"، وقطعةً من "المعجم الكبير" للطبرانيِّ، و"جزءَ عليِّ (٧) بنِ حربٍ"، وتاسعَ "الثقفيات"، وأولَ "مشيخةِ ابن

стр. 2295

النَّعَّال"، وغيرها. ومِن الشَّمسِ ابنِ الخشَّابِ: بعضَ "البخاريِّ"، و"مجلسَ البطاقة". ومن الشِّهابِ أحمدَ بنِ الحسنِ الرَّهاويِّ (١): "المئة الشريحية"، و"مشيخةَ إبراهيمَ بن خليلٍ" (٢)، و"جزءَ طلحة"، و"فضل الصلاة على النبي ﷺ " لإسماعيلَ القاضي (٣)، وغيرها. ومن جُويرية الهَكَّارِيِّةَ: بعضَ "مسند الحُمَيْدِيِّ"، وبعض "الدارميِّ"، وغيرِهما. ومن خليل بن طُرُنْطاي (٤): "الصحيحين"، ومن التقيِّ البغداديِّ: بعضَ "البخاريِّ". ومن العراقيِّ، والهيثمَيِّ، والحلاويِّ، والتقيِّ ابنِ حاتم، ومُحمَّدِ بنِ أحمدَ بن صفيٍّ الغزوليِّ (٥)، وأبي البقاء السُبْكِيِّ، وعبدِ الله بنِ عَليِّ بنِ المعينِ (٦)، ومُحمَّدِ بن

стр. 2296

حَسَبِ الله بنِ خَليلٍ (١)، والشَّرفِ ابن الكُوَيْكِ في آخرين. وقرأ على البدرِ الزَّرْكَشيِّ (٢) في مجالسَ آخرُها: ثاني شوَّالٍ سنةَ ثلاثٍ وثمانين وسبعِ مئةٍ، مُصنَّفَهُ "الإجابةَ لإيرادِ ما استدركته عائشةُ على الصحابةِ". ووصفَه: بالشَّيخِ الإمامِ الفاضلِ، المحصِّل الأصيلِ، الرَّحَّال، أبي الحسن. وأجازَ له: الشِّهابُ الأَذْرَعِيُّ، وابنُ كثير، وابنُ الهَبَل، وابنُ أُمَيْلةَ، والصَّلاحُ ابن أبي عمر، وحسينُ بنُ حبيبٍ (٣)، ومُحمَّدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ الباقي (٤)، ومُحمَّدُ بن عبد الله الصَّفَويُّ، ومُحمَّدُ بنُ عمرَ ابنِ قاضي شُهْبَةَ، وغيرُهم، يجمعهم "مشيخته" لصاحبِنا النَّجمِ ابن فهدٍ، وقالَ: إنَّه لم يخلِّفْ ببلد الحجازِ أسندَ منه. وحدَّثَ، سمعَ منه الأئمةُ، وممَّن سمعَ منه: أبو الفتحِ المراغيُّ، والتقيُّ ابنُ فهدٍ، وأولادُهُ. ورأيتُ بخطِّهَ أشياءَ مِن مجاميعَ وغيرِها. وماتَ في ثالثِ شوَّالٍ سنةَ ثمانٍ وثلاثين وثماني مئةٍ بالمدينةِ النَّبويةِ، وصُلِّيَ عليه

стр. 2297

بالرَّوضةِ، ودُفنَ بالبقيعِ. ﵀. وهو في "إنباء" (١) شيخنا باختصارٍ. ٢٨٧٥ - عليُّ بنُ مُحمَّدِ بنِ يحيى، البَعْدانيُّ (٢)، اليمانيُّ (٣). نزيلُ مكَّةَ، ومَنْ زادَتْ إقامتُه بها على أربعينَ سنةً. أجازَ له في سنةِ ثماني مئةٍ: إبراهيمُ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ الهادي (٤)، والأحمدون: ابنُ آقبرص، وابنُ عليِّ بنِ عبد الحقِّ (٥)، وابنُ مُحمَّدِ بنِ عبدِ الغالبِ المَاكِسيْنيُّ، والعُمَرَان: ابنُ مُحمَّدِ البَالِسيُّ (٦)، وابنُ مُحمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ عبدِ الهادي (٧)، والمحبُّ ابنُ منيعٍ (٨)، وآخرون.

стр. 2298

وكانَ صالحًا مُجمَعًا على محبَّتِهِ، لمزيد تودُّدِهِ وإنصافِه، وإيناسِه وسخائِه، معَ كثرةِ العبادةِ مِن الصِّيامِ والقيامِ والتلاوةِ، ومداومةِ الاعتمارِ في الأشهرِ الثلاثةِ كلَّ يوم مرَّتين، ونهايةِ الورعِ والاحتمالِ، ومزيدِ إكرامِهِ لأهلِ الحرمين، بحيثُ يكون يومُ دخولِه لهم كالعيد. وأوَّلُ زيارتِه كانتْ صُحبةَ الشَّيخ عمرَ العرابي مِن طريقِ الماشي، وما كانَ قُوتُهما إلا ورقَ الشَّجر، وكانَ كثيرَ الإحسان إلى الشَّيخِ عمرَ، بل هو السَّببُ في نُقلتِه مِن اليمنِ إلى مكَّةَ، وصُحبتُهما مِن حينِ الشُّبوبيةِ، وندبَه الشَّيخُ عمرُ لشراءِ رباطٍ التُمِسَ منه ففعلَ، وصارَ مشتهرًا به. إلى غيرِ ذلكَ ممَّا قامَ به من الفتوحات، كعمارةِ ما انهدمَ مِن مسجدِ الخَيف، وبناءِ بئرٍ في طريقِ الماشي كانت انهدمت. ولم يزلْ في ارتقاءٍ بحيثُ تزايدَ اعتقادُ ملوكِ اليمنِ وشرفاءِ صنعاءَ ومكَّةَ، بل أمراء مصرَ، وصاحبِ المغرب أبي فارس (١)، بحيثُ كانَ يرسلُ له كلَّ عامٍ مبلغًا للبَيْمَارِسْتَان (٢). وكانَ صاحبُ مكَّةَ الشريفُ حسنُ بنُ عجلانَ زائدَ الإجلالِ له ويقولُ: ما رأيتُ في المشايخِ أعرفَ بأحوالِ الطوائف على اختلافِ طبقاتِهم [منه] (٣). ماتَ في شوَّالٍ سنةَ إحدى وثلاثين وثماني مئةٍ بمكَّةَ، ودُفنَ

стр. 2299

بالشُّبَيْكَةِ (١)، بوصيةٍ منه. ٢٨٧٦ - عليُّ بنُ مُحمَّدٍ، أبو الحسن، الحجَّارُ (٢). الفرَّاشُ الوقَّادُ بالحرَمِ النَّبويُ. أخذ عنه: أبو عبدِ الله مُحمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ مُحمَّدِ بنِ مُحمَّدِ بنِ مرزوقٍ. ذكرَه في "مشيخته"، فقال: معمَّرٌ صالحٌ، سمعَ من غازي الحلاويِّ "الغيلانيات". ٢٨٧٧ - عليُّ بنُ مُحمَّدٍ الخشبيُّ. مضى فيمَن جدُّه مُحمَّدُ بنُ يحيى بنِ سالمٍ. ٢٨٧٨ - عليُّ بن مُحمَّدٍ القطَّانُ. أظنُّه مِن البيتِ الشَّهيرِ بالمدينةِ، فقد رأيتُه فيمَنْ سمعَ سنةَ تسعٍ وتسعين وسبعِ مئةٍ مِن "الموطأ" على البرهانِ ابنِ فَرحونٍ. ٢٨٧٩ - عليُّ بنُ مردوايجَ بنِ اسفهسلارَ، أبو الحسنِ الطَّبريُّ. كانَ حسنَ السِّيرةِ والهَدْي، له وقوفٌ على الأخلاقِ والآدابِ الجميلةِ، وتخلُّقٌ بها، ورافقَ الإمامَ مُحمَّدَ بنَ أبي سعدٍ الوزَّانَ (٣) مدَّةً، ولازمَه سفرًا وحضرًا. وحجَّ كثيرًا، وجاوَرَ بمكةَ والمدينةِ، وسمعَ الحديثَ بقزوين والرَّيِّ وغيرِهما.

стр. 2300

وسُمِعَ منه في آخرِ عمرِه. وكانت قد مرَّتْ عليه رياضاتٌ ومجاهداتٌ، وانفتحَ عليه في خلالها الكلمات الدَّقيقةُ، ثمَّ ذهبَتْ عنه. ذكرَه الرَّافعيُّ هكذا في "تاريخ قزوين" (١). ٢٨٨٠ - عليُّ بنُ مُسيعيدٍ، أبو سعدٍ. ذكرَه ابنُ صالحٍ فيمَنْ رآهُ مِن الشُّرفاءِ الشُّعوبِ عندَ المدرسةِ الشِّهابية. - عليُّ بنُ مشكورٍ. هو ابنُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ مشكورٍ، مضى (٢٨٤٠)، ذكرَه ابنُ فرحونٍ (٢) مجرَّدًا. ٢٨٨١ - عليُّ بنُ مطرِّفٍ، نورُ الدِّين، شيخ العُمَرِيِّين (٣). كانَ يجلسُ وعن يمينِه ويسارِه أكابرُ العُمَرَيِّينَ وشيوخُهم. قُتِلَ شهيدًا مخنوقًا في سنةِ ثمان وعشرين وسبعِ مئةٍ بالمدينةِ، في قصَّةٍ طويلةٍ، ودُفنَ بالبقيعِ. ذكرَه ابنُ فرحونٍ (٤)، وقالَ: إنَّه كانَ بالمدينةِ جماعةٌ مِن العُمريينَ ينتسبون لعمرَ بن الخطَّاب، ومنهم جماعةٌ كثيرونَ، لهم شَوكةٌ وحُرمةٌ، وكلمةٌ نافذةٌ، وهم أهلُ حِشمةٍ وخيلٍ، وعبيدٍ وأتباعٍ، وأملاكٍ عظيمةٍ بالمدينة، وكانوا نصرةً لأهل السُّنَّةِ،

стр. 2301

مختلطين بالمجاورين والخُدَّام، حسنةَ زمانهم، وزينةَ وقتِهم، وكانَ الجمالُ المطريُّ بهم خصيصًا. وله ذكرٌ في أحمد التَّادليِّ (١) .. ٢٨٨٢ - عليُّ بنُ مَعبدٍ المِصريُّ، ثمَّ المدَنيُّ، ويُعرف بالقدسيِّ، المؤذِّنُ. خالُ مُحمَّدِ بنِ يوسفَ المصريِّ الآتي (٢)، وجدُّ أولادِه لأمِّهم. قالَ ابنُ فَرحونٍ (٣): كانَ ملازمًا لوظيفتي الأذان والإقامة، شتاءً وصيفًا، لا يغيبُ لا في الموسمِ ولا في غيرِه؛ وإنْ غابَ النَّاس، بل كانَ لا يُفارقُ ذكرَ الإقامة مدَّةَ حياتهِ، فإنْ حضرَ أصحابُ النَّوبةِ وإلا قامَ عنهم، ويبيتُ ليلةَ نوبتِه بالمدرسةِ الشِّهابيةِ، وفي أيَّامِ الصَّيفِ لا يخرجُ معَ عيالِه إلى نخلِهم، بل يُقيمُ هو في المدينةِ رغبةً في الجماعةِ. كلُّ ذلكَ معَ حُسن الخُلقِ، والدِّيانةِ والصِّيانةِ، وقلَّةِ الكلامِ في أعراضِ النَّاس، وهو في ذلكَ في الذِّروَةِ العليا والمقامِ الأسنى، ورُزقَ أولادًا ذكورًا وإناثًا، مباركين مؤدَّبين، ولكنَّه لم يكن مُهتبلًا (٤) بحالهم، ولا يهمُّهُ أمرُهم، بل هو مشتغلٌ بنفسِه وبالقيامِ بوظائفِه، مع التقشُّفِ في ملبسِه، وحاله كلِّهِ. وكانَ قدومُهُ المدينةَ سنة إحدى وعشرين وسبعِ مئةٍ، ورغَّبَهُ ابنُ أخته مُحمَّدُ بنُ

стр. 2302

يوسفَ في الإقامة بها، وزَّينَ له ذلك، فأقامَ معه، وسعى له في الأذانِ، فَأُذِنَ له فكانَ يؤذِّنُ احتسابًا، ثمَّ شَغَرتْ وظيفة ابن الحسينيِّ، فتولَّى مكانَه. وكانَ صاحبُ الترجمة قديمَ الهجرةِ في المدينةِ، مِن قدماءِ المجاورين، صحبَ جماعةً من الصَّالحين الأخيار، وخدمَهم ونالَ مِن بركاتِهم، وكانَ يحكي مِن أخبارِهم وأحوالهم، ما يَتَأسَّى به وينتفِعُ به مَن اختلَّ عليه حالُهُ وصدِئَ من الغفلة قلبُهُ. ماتَ في سنةَ اثنتين (١) وستين وسبعِ مئةٍ، وقد قاربَ الثَّمانين. ٢٨٨٣ - عليُّ بن مُعَلَّى القُرشيُّ، العُمَريُّ (٢). ولدُ أحمدُ الماضي، كانَ حسنَ الهيئةِ، ذا شيبةٍ. قالَه ابنُ صالحٍ. ٢٨٨٤ - عليُّ بنُ مُقَدَّمِ بنِ فَرجٍ، أبو الحسنِ المدَنيُّ. سمعَ عليه العفيفُ المطريُّ "جزءَ الذَّهبيِّ" في سنة سبعٍ وعشرين وسبعِ مئةٍ بدار الحديثِ النُّوريةِ (٣) من دمشقَ. ٢٨٨٥ - عليُّ بنُ موسى بنِ جعفرِ بنِ مُحمَّدِ بنِ عليِّ بنِ الحسينِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، أبو الحسنِ الهاشميُّ، الرِّضَا (٤).

стр. 2303

روى عن: أبيه وعمومته: إسماعيلَ، وعبدِ الله، وإسحاقَ، وعليٍّ بني جعفرٍ، وعبيد الله بن أرطأةَ بنِ المنذرِ، وعبدِ الرَّحمن بنِ أبي المَوالي. وعنه: ابنُه مُحمَّدٌ، وآدمُ بنُ أبي إياس، ونصرُ بنُ عليٍّ الجَهضميُّ، ومُحمَّدُ بنُ رافعٍ القشيريُّ، وأبو عثمانَ المازنيُّ النَّحويُّ، وأبو الصَّلْتِ عبدُ السلامِ بنُ صالحٍ الهرويُّ، والمأمونُ ابنُ الرَّشيدِ، وآخرون. عقدَ له المأمونُ وليَ عهدٍ، ولبسَ النَّاسُ الخضرةَ قي أيامه، وسُئِلَ: يُكِلِّفُ اللهُ العبادَ ما لا يطيقون؟ قالَ: هو أعدلُ من ذلك. قالَ: يستطيعون أن يفعلوا ما يريدون؟ قالَ: هم أعجزُ من ذلك. وقالَ الحاكمُ في "تاريخ نيسابور": أشخصَهُ المأمونُ مِن المدينةِ إلى البصرةِ، ثمَّ إلى الأهواز، ثمَّ إلى فارس، ثمَّ إلى نيسابورَ، إلى أنْ أخرجَه إليه إلى مَروَ، وكانَ ما كانَ مِن قصَّةِ استخلافِه، إلى أن قالَ: وكانَ يُفتي في مسجدِ النَّبيِّ ﷺ وهو ابنُ نيِّفٍ وعشرين سنة، واستُشهد بسدَّ آبادَ مِن طوسَ (١)، لتسعٍ بقينَ مِن رمضانَ سنةَ ثلاثٍ ومائتين عن تسعٍ وأربعين سنةً وستةِ أشهرٍ، وقيل: في صفر. وحُكِيَ أنَّ إمام الأئمةِ أبا بكرِ ابنَ خزيمةَ، وعديلَه أبا عليٍّ الثقفيَّ في جماعةٍ من المشايخ توجَّهوا لزيارةِ قبرِه بطوس، فكانَ مِن تعظيم ابنِ خزيمةَ لتلكَ البقعةِ وتواضعِهِ لها وتضرُّعِهِ عندها ما تحيَّرنا منه (٢).

стр. 2304

وقالَ أبو سعدِ ابنُ السَّمعانيِّ (١): قالَ ابنُ حِبَّانَ (٢): يروي عن أبيه العجائب، كأنَّه كانَ يخطئ ويَهِمُ، وماتَ في آخرِ يومٍ مِن صفرَ، وقد سُمَّ في ماءِ الرُّمَّان وسُقِيَ. وأورد له ابن حِبَّانَ عدَّةَ آحاديثَ من نسخةٍ مفردةٍ. وقالَ النَّباتيُّ (٣): حقٌّ لمن يروي مثلَها أن يُترَكَ ويحذَرَ. ثمَّ قالَ السَّمعانيُّ: والخللُ فيها مِن رواتها، فإنَّه ما روى عنه إلا متروكٌ (٤). وكانَ الرِّضَا من أهلِ العلمِ والفضلِ، مع شرفِ النَّسَبِ. وهو في "التهذيب" (٥). ٢٨٨٦ - عليُّ بنُ ميمونٍ العُجيليُّ (٦)، الفرَّاشُ. والدُ يوسف. كانَ ولدُه على طريقتِه، وسلامةِ باطنِه، وقلَّةِ شرِّهِ. قالَه ابنُ فرحون (٧).

стр. 2305

٢٨٨٧ - عليُّ بنُ ميمونٍ المدَنيُّ (١). عن: القاسمِ بن مُحمَّدٍ، روى أحاديثَ موضوعةً. قاله في "الميزان" (٢). ٢٨٨٨ - عليُّ بنُ أبي النَّضرِ، الوزيرُ لِوُدَيٍّ (٣). قالَ ابنُ صالحٍ: كانَ أخي في القراءةِ على أبي عبدِ الله القصريِّ، وحذَّره هو وغيرُه من طَلَبَتِهِ عن الولاياتِ، فكأنَّه كانَ إشارةً لدخوله فيها، وكانَ بعدَ دخوله يندَمُ. ٢٨٨٩ - عليُّ بن وُدَيِّ بنِ جَمَّازٍ (٤). قُتِلَ في معركةٍ سنةَ تسعٍ وعشرين وسبع مئةٍ. ٢٨٩٠ - عليُّ بنُ يحيى بنِ خَلّادِ بنِ رَافعٍ، أبو الحسنِ الأنصاريُّ، الزُّرَقيُّ، المدنيُّ (٥). مِن أهلِها. يروي عن: أبيه، وعمِّ أبيه رفاعةَ بنِ رافعٍ، وعنه: ابنُه يحيى، وابنُ إسحاق، وابنُ عجلانَ، وسليمانُ بنُ بلالٍ، وإسماعيلُ بنُ جعفرٍ، ومُحمَّدُ بنُ عمرِو بنِ علقمةَ، وداودُ بنُ قيسٍ الفرَّاءُ، ونعيمٌ المُجْمِرُ، وهو أكبرُ منه.

стр. 2306

وثَّقَه ابنُ مَعينٍ (١)، والنَّسائيُّ، وابنُ البرقيِّ، والدَّارقطنيُّ، وابنُ حِبَّانَ في "ثقاته" (٢) وقالَ: ماتَ سنةَ تسعٍ وعشرين ومئة، وهو في "التهذيب" (٣). ٢٨٩١ - عليُّ بنُ النُّعمانِ بنِ مُحمَّدِ بنِ منصورِ بنِ أحمدَ بنِ حَيُّونَ، أبو الحسن ابنُ أبي حنيفة، المغربيُّ، القيروانيُّ، الإسماعيليُّ (٤). نزيلُ القاهرةِ، وقاضي الحرمين وغيرِهما، مِن الإمامية، سيأتي ذِكرُه في أخيه مُحمَّد. وأنَّه ولي الدِّيارَ المصريةَ، والشَّاميةَ، والحرمين، وغيرَهما، حتَّى ماتَ في رجبٍ سنةَ أربعٍ وسبعين وثلاثِ مئةٍ، ودُفنَ في دارِه بالحمراء (٥)، وهو في "رفع الإصر" (٦). ومولدُه في ربيعٍ الأوَّلِ سنةَ تسعٍ وعشرين وثلاثِ مئةٍ بالمغرب، وكانَ مفتيًا في عدَّةِ علومٍ، منها: علمُ القضاء -والقيامُ به بوَقارٍ وسَكينة- وعلمُ الفقه، والعربيةِ، والأدبيةِ، والشِّعر، وأيَّامِ الناس. [كان] شاعرًا مجيدًا في الطبقة العليا. ومِن نظمه (٧):

стр. 2307

ربَّ خَودٍ (١) عرفتُ في عَرَفَاتي … سلبتْنِي بحُسنِها حَسَناتي حَرَّمَتْ حين أَحْرَمَتْ نومَ عيني … واستباحَتْ حشايَ باللَّحَظَاتِ وأفاضتْ مع الحجيجِ ففاضَتْ … مِن دموعي سوابقُ العَبَراتِ ولقد أضرمتْ على القلبِ جَمرًا … مُحرِقًا إذ مشَتْ إلى الجَمَراتِ لم أنلْ من مِنى مُنى النَّفس حتى … خِفْتُ بالخَيْف أنْ تكونَ وفاتي أشركَ العزيزُ العبيديُّ بينه وبين أبي طاهر مُحمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ عبد الله الذُّهْليِّ (٢) قاضي مصرَ في الحكم، فلمَّا تعطَّلَ سفرُ أبي طاهرٍ، فوَّض له المعزُّ القضاءَ مستقلًا في صفرَ سنةَ ستٍّ وستين وثلاثِ مئةٍ. وكانَ في سجِّله القضاءُ بالدِّيارِ المصرية والشَّامية، والحرمين والمغرب، وجميعِ مملكة العزِّ، والخطابةُ والإمامةُ، والعيارُ في الذَّهب والفضَّة، والموازين والمكاييل، واستمرَّ على أحكامه، وافرَ الحُرمةِ عندَ العزيز حتَّى ماتَ، وصلَّى عليه العزيزُ. وأقامَتْ مصرُ ثمانيةَ عشر يومًا بدون قاضٍ، لأنَّ أخاه مُحمَّدَ بنَ نعمان (٣) كانَ مريضًا.

стр. 2308

٢٨٩٢ - عليُّ بنُ المحيويِّ يحيى ابنِ الشَّمسِ مُحمَّدِ ابنِ تقيٍّ الكازرونيُّ، المدَنيُّ. أخو أحمدَ الماضي، والآتي أبوهما (١)، له ذِكرٌ فيهما. ٢٨٩٣ - عليُّ بنُ يحيى، نورُ الدِّين (٢). صاحبُ الرِّباطِ الشَّهير، والسِّقايةِ التي على بابِ السَّلام، وله عليها من النَّخلِ أوقافٌ، وكانَ يتحبَّبُ إلى المجاورين والخُدَّام، فيخدمهم، ويقضي حوائجَهم. وحكى لي الجمالُ المطريُّ: أنَّ الشُّرفاءَ لمَّا اقتسموا المدينةَ في زعمِهم لينهبوها، وأرجفوا بالنَّاسِ، وأشاعوا أنَّهم يُغلقونَ أبوابَ الحرمِ بعدَ صلاةِ الصُّبحِ على النَّاسِ، ويُعقِبُونهم على بيوتهم، فينتهبُونها، وأنَّهم يقتلون [مَنْ] (٣) بالحرمِ مِن النَّاس، فاستعدَّ المجاورون (٤) والخُدَّامُ لذلك، فقامَ صاحبُ الترجمةِ يومًا بعدَ صلاةِ الصُّبحِ، وصاحَ بأعلى صوتِه: أيُّها النَّاسُ، الفتنةُ خامدةٌ، لعنَ الله مُثيرَها. كرَّرَ ذلك مِرارًا، واستمرَّ يسكِّنُ الفتنة، وساعدَه أشياخٌ مثلُه في حلمِه وعقلِه حتَّى سكنت. وكانَ وزيرًا للأمير منصورٍ (٥) لا يخرجُ عن رأيِه، وربَّما استخلفَه على المدينةِ لوُثوقٍ بعقله، وحُسنِ رأيه وسياستِهِ للأمور. ماتَ في سنةِ سبعٍ وعشرين وسبعِ

стр. 2309

مئةٍ. قالَه ابنُ فَرحونٍ (١). ٢٨٩٤ - عليُّ بنُ يوسفَ بنِ إبراهيمَ البَنَّا. شهدَ في سنةِ إحدى وثمانين وسبعِ مئةٍ. ٢٨٩٥ - عليُّ بنُ يوسفَ بنِ الحسنِ بنِ مُحمَّدِ بنِ محمودِ بنِ الحسنِ أبي عبد الله، القاضي نورُ الدِّين، أبو الحسن ابنُ العِّزِّ أبي المظفَّر (٢)، الأنصاريُّ، الزَّرنديُّ، الحنفيُّ (٣). أخو محُمَّدٍ، وأحمدَ. وُلدَ بالمدينةِ في شهورِ سنةِ ثلاثٍ وسبعِ مئةٍ. وقالَ شيخُنا في "درره" (٤): إنَّه وُلدَ سنةَ عشرٍ أو قبلَها، وقيَّدَه بعضُهم سنةَ ثمان. وسمعَ بها من: أبي عبدِ الله ابنِ حُرَيثٍ، وأبي عبد الله مُحمَّدِ بنِ عليِّ بنِ يحيى الغرناطيِّ، والزُّبيرِ بنِ عليِّ الأسوانيِّ، وأبي عبدِ الله الوادي آشيِّ، وممَّا سمعَه عليه "الموطأ"، والجمالِ مُحمَّدِ بن أحمدَ المطريِّ، وكافورٍ الخضريِّ، سمعَ عليهما في سنةِ ثلاث عشرة وسبعِ مئةٍ "تاريخ المدينة" لابنِ النَّجَّار، وإسماعيلَ التَّفْلِيسِيِّ (٥)، وابنِ شاهدِ الجيش.

стр. 2310

وكانَ قد حفظَ ربعَ "الوجيز" في الفقهِ على مذهبِ الشَّافعيِّ، ثمَّ تحوَّل حنفيًا، وتفقَّهَ على مذهبِ الحنفيةِ، ونظرَ في الآدابِ، وشاركَ في الفضائلِ، وطلبَ الحديثَ. وسمعَ بدمشقَ، والقاهرةِ، وبغدادَ، ودخل خُوارَزْمَ، وغيرها، وشاركَ في الفضائل. ورأيتُه صحَّحَ نسخةً "بالبخاريِّ" في سنةِ ثمان وستين وسبعِ مئة، ونقَّحَ حواشيها. ووَلِيَ قضاءَ الحنفية، والتَّدريسَ بها، والحِسبةَ في سنة ستٍّ وستين أيَّامَ النَّاصرِ حسن بنِ النَّاصرِ مُحمَّدِ بنِ المنصور، وامتدحَه بقصيدةٍ أوَّلُها: سَلا مَنْ سَلاني والفؤادُ له سَكَنْ … عسى يقرِنُ الحَسَنِيْ إلى وجهه الحَسَنْ وكانَ سيفًا لأهل السُّنَّة، قامعًا البدعة، وهو أوَّلُ قضاةِ الحنفيةِ بالمدينة. قالَ ابنُ حبيبٍ: حدَّث بحلبَ "بالشِّفا" عن الزُّبير. وله مقامةٌ بديعة في المفاخرة بين مكةَ والمدينةِ. قُرِئَتْ عليه بحلبَ في رجبٍ سنةَ وفاتِهِ. قلتُ: وسماها "المرورَ بين العَلَمَينِ في مفاخَرَةِ الحرمين" (١)، قرَّظها الأكابرُ من أئمة الأدبِ والعلماءِ، وهم: البرهانُ القيراطيُّ (٢)، والشرفُ ابن قاضي الجبلِ (٣)،

стр. 2311

والشهابُ ابن أبي حَجَلة (١)، والشهابُ أبو جعفرٍ الرُّعَيْنيُّ، والإمامُ شيخُ القرَّاء أسعدُ (٢) بنُ مُحمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ مُحمَّدِ بن محمودِ ابن الحاجِّ مُحمَّدٍ الشيرازيُّ الملقب جلالٌ، والبدرُ الحسنُ بنُ عمرَ بنِ حبيبٍ، والشرفُ الحسينُ (٣) بنُ سليمانَ ابنِ الرَّيَّانِ الطائيُّ، والشِّهابُ الحسينُ (٤) بنُ مُحمَّدِ بنِ الحسينِ بنِ مُحمَّدِ بنِ الحسينِ، أبو الرَّكبِ الموسويُّ الحسينيُّ، والبهاءُ عبدُ الله (٥) بنُ عبد الرحمنِ بنِ عقيلٍ النَّحويُّ، والسِّراجان: الهنديُّ، والبُلْقِيِنيُّ، وأبو عبد الله مُحمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ عليِّ بنِ جابرٍ الأندلسيُّ، والشمسُ أبو الفضائلِ مُحمَّدُ بنُ عليِّ بن مُحمَّدٍ الإربليُّ ابنُ الخطيب، والجمالُ مُحمَّدُ بنُ مُحمَّدِ بن مُحمَّدِ بن نُباتَةَ، والمجدُ اللغويُّ، وناصرُ الدِّين مُحمَّدُ ابنُ الشَّرفِ يعقوبَ، صاحبُ ديوان الإنشاء، والشَّمسُ الكِرمانيُّ (٦) الشَّارحُ، والشَّمسُ ابنُ الصائغِ الحنفيُّ (٧)، وأودعتُ تقاريظَهم في "تاريخي الكبير".

стр. 2312

وماتَ بالمدينةِ في سابعِ أو ثامنِ ذي الحَّجةِ سنةَ اثنتين وسبعين وسبعِ مئة، وجزمَ بعضُهم بيومِ الأحدِ ثامنِ ذي الحجَّة بالمدينةِ، ودُفنَ بالبقيعِ. بل أرَّخه أبو حامد ابنُ المطريِّ، وغيرُه، في ظهرِ يومِ الجمعةِ سادسِ ذي الحجةِ. ووصفَه بالشَّيخِ الإمامِ العلَّامةِ، المحدِّثِ، قاضي قضاةِ الحنفية. وهو ممَّن ذكرَه شيخُنا في "دُرره" (١) ببعضِ ما تقدَّم، والوليُّ العراقيُّ في "وفياته"، وغيرُهما. وقالَ التَّقيُّ الكرمانيُّ فيما قرأتُه بخطِّه: قدمَ علينا سنةَ نيفٍ وسبعين، فأقامَ سنةً، وسمعْنا عليه -: يعني في سنةِ اثنتين وسبعين سنةَ وفاتِهِ بقراءة أسعدَبنِ مُحمَّدٍ الحنفيِّ- الحديثَ، وكانَ يحضر مجلسَ والدي، ثمَّ رجعَ إلى المدينةِ، ولم يزلْ مقيمًا بها حتَّى ماتَ، وأظنُّه جازَ السَّبعين، وكانَ شيخَ الحديثِ واللُّغةِ، وأنجبَ أولادًا وُلُّوا قضاءَ الحنفية بالمدينة. انتهى. وسمعَها منه الكمالُ أبو البركاتِ مُحمَّدُ بنُ أبي السُّعودِ مُحمَّدِ بنِ حسينِ بنِ ظهيرةَ، وخالُهُ الخطيبُ الكمالُ أبو الفضلِ مُحمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ ظهيرةَ، وغيرُهما. وقرأها عليه: الشَّمسُ مُحمَّدُ بنُ الصائغِ البخاريُّ بمصرَ، وأسعدُ بنُ مُحمَّدٍ الحنفيُّ ببغدادَ، وسمعَ عليه بقراءاته التَّقيُّ الكرمانيُّ. وممن أخذ عنه: الجلالُ الخُجَنْديُّ، سمع عليه: "مسند الطيالسيِّ"، وبعض

стр. 2313

"الصحيحين"، و"الترمذي"، و"ابن ماجه"، ومن لفظه جميع "مكارم الأخلاق" للطبراني، و"مفاخرة الحرمين" له، وقال: إنَّه أدرك المشايخ بالحجازِ، وممرَ، والشَّامِ، والعراقِ، وخراسانَ، وخُوارَزْمَ. وزوَّجَه الشَّيخُ ابنتَهُ عائشةَ، واستولدها. وكذا سمع عليه الجمالُ الكَازَرُونيُّ: المجلس الأخير من "ابن ماجه" في سنة إحدى وسبعين بروايته له عن العفيف مُحمَّدٍ أبي عبد الله مُحمَّدِ بنِ عبدِ المحسن ابن الدواليبيِّ (١)، إجازة عن عجيبةَ الباقداريةِ (٢)، عن أبي زرعة. وروى عنه بالإجازة أبو الحسن ابنُ سلامةَ. ومِن نظمِه البديعِ قصيدةٌ طويلةٌ يتشوَّقُ فيها إلى المدينةِ حينَ خرجَ إلى اليمنِ، أوَّلُها (٣): هبَّ إذا هبَّ شَمالٌ وصَبا … مِنْ كَراهُ الصَبُّ شوقًا وصَبَا (٤) صَبَّ دمعًا فَرَجَا في صَبِّه … فَرَجًا فازدادَ منه وَصَبا (٥)

стр. 2314

شاقَه ذكرى ليالٍ سَلَفَتْ … بلذيذِ العيش أيَّامَ الصِّبا يا رعَى اللهُ لُيَيْلاتٍ مضَتْ … مَعَ مَنْ نهوى ودهرًا أَخْصَبَا حينَ لا نخشى مِن الواشي وقد … غَفِلَتْ عنا عيونُ الرُّقَبا مَنْ لِمَنْ قد بانَ عنه إلْفُهُ … وعن الأحبابِ رَغْمًا غُيِّبَا شرَّقَتْ (١) أحبابُهُ إذ غَرَّبا … أين مَنْ شَرَّقَ مِمَّنْ غَرَّبا مِن أبياته ممَّا كتبه في مُحمَّد بنِ عثمانَ بنِ خضرٍ، إمَّا من "التاريخ الكبير" أو غيره. وقالَ ابنُ فرحونٍ (٢): إنَّه حازَ من العلومِ ما لم يحزه أخواه، وانفردَ اليومَ باللُّغة، والحديثِ ورجالهِ، ووَلِيَ الحكم والحِسْبَةَ بدون سعيٍ ولا طلب، بل ساقَهما اللهُ إليه، لما علمَ مِن حاجةِ الخلق إليه، فقامَ بهما أحسنَ قيامٍ، ونرجو له مِن الله الزِّيادةَ والتَّمام، فإنَّه سيفٌ لأهل السُّنَّةِ، دامغٌ للبدعةِ، وقُرِئ مرسوماه بَالوظيفتين في يومٍ واحدٍ على دُكَّةِ المؤذِّنينَ بعدَ صلاةِ الجُمعةِ، وذاكَ أوَّلَ سنةِ سبعٍ وستين. وله التَّصانيفُ الحسنةُ، والدُّروسُ المفيدةُ. متَّعَ اللهُ المسلمين ببقائِه. وطوَّل المجدُ ترجمته، فقالَ (٣): كانَ مِن أفاضلِ الدَّهر، وأماثلِ العصر،

стр. 2315

وأوحدِ (١) الزَّمان، وفريدِ الأقران، الرَّاقي مراقي الأعلامِ، بالبَنان (٢) واللِّسان والأقلام، مع القريحةِ الوقَّادةِ، والبصيرة النَّقَّادةِ، والسَّريرة التي بها سادَ القادَةَ، وقادَ السَّادَةَ. تفقَّهَ على مذهبِ الإمامِ أبي حنيفةَ، وحوى مِن فنونِ العلمِ كلَّ نخبةٍ طريفةٍ، وألقى بالآخرِ شَرَاشِره (٣) على علومِ الأحاديثِ الشريفةِ، وفَرَعَ بها من فنون (٤) المعالي كل قُنَّةٍ (٥) مُنيفةٍ، معَ نظمٍ يخترَع في ارتجاله الأفكار، وتُفتَرَعُ (٦) في حِجاله (٧) الأبكارُ، ويطلُعُ في غِياضِهِ (٨) الأنوارُ، ويُبتدَعُ في رياضِهِ الأزهارُ، ويفسُرُ (٩) فضلُه بالفضائل حال، ونجمُه في أُفقِ المعالي عالِ، ومصنفاتٍ تروقُ الطالبين إتقانًا، ومؤلفاتٍ تشوق المستفيدين إيقانًا، ودروسٍ أحيتْ علمَ النُّعمان (١٠) بعد ما دَرَسَ، وفوائدَ سقى
следующие страницы →