في الكنى (١).
٣٣٨٧ - محمَّدُ بنُ إبراهيمَ بنِ أحمدَ بنِ محمَّدِ بنِ محمَّدٍ، الشَّمسُ، والجَمالُ، والمحبُّ، أبو الفتحِ ابنُ البرهانِ ابنِ العَلَّامَةِ الجلالِ، الخُجَنديُّ الأصلِ، المدَنيُّ، الحنفيُّ (٢).
الماضي أبوه وجدُّهُ مع زيادَةٍ في نَسَبِهِ، وبنوهُ: أحمدُ، وإبراهيمُ، وعليٌّ.
وُلدَ في ليلةِ الجمعةِ عاشرِ ربيعٍ الأوَّلِ سنةَ عشرٍ وثمانِ مئةٍ بالمدينةِ، ونشأَ بها فحفظَ القرآنَ، و"أربعي النووي"، و"الكنزَ"، و"أصولَ الشَّاشيِّ"، و"ألفيةَ ابنِ مالكٍ"، وعرضَ على الجمالِ الكَازَرونيِّ وغيرِه، بل قرأ "الأربعين" بتمامها في مجلسٍ واحدٍ على ابنِ الجزريِّ في ربيعٍ الآخرِ سنةَ ثلاثٍ وعشرينَ بالحَرمِ النَّبويِّ، وسمعَ على الجمالِ الكازرونيِّ في سنةِ سبعٍ وثلاثينَ في "البخاري"، واشتغلَ اعلى أبيهِ وعَمِّهِ، وممَّا قرأَهُ على أبيه "البخاريُّ" في سنةِ سبعٍ وأربعين، وحضرَ دروسَ ابنِ الهُمامِ حينَ مجاورتِهِ في المدينةِ، وسمعَ على المحبِّ الأقصرائيِّ "الشِّفا" في رمضانَ سنةَ إحدى وخمسين بالرَّوضةِ، وقبلَ ذلكَ سَمِعَ على الزَّينِ أبي بكرٍ المراغيِّ في سنةِ خمسَ عشرةَ، ثمَّ على ولده الشَّرَفِ أبي الفتحِ في سنةِ أربعٍ وثلاثين "المسلسلَ"، بل قرأ عليه فيها "الشمائلَ النَّبويّةَ" للترمذيِّ، ووصفَه: بالفقيهِ الفاضلِ الأصيل، ووالدَه بالفقيهِ العالمِ، ودخلَ مصرَ غيرَ مرَّةٍ، منها في سنةِ خمسٍ وثلاثينَ، وأخذَ عن شيخِنا بعضَ تصنيفِه "الخصال المكفِّرةَ" وغيرِها.
стр. 2628
وكذا دخلَ حلبَ في التي يليها، وسمعَ بها على حافظِها البرهانِ (١) اليسيرَ مِن شرحِه على "البخاري"، وأجازَ له، والشَّامَ، وجزيرةَ ابنِ عمرَ (٢) وجالَ، ولمَّا قامَ الأمينُ الأقصرائيُّ بتحريكِ طوغانَ الشَّيخِ له سنةَ إحدى وستينَ وثمانِ مئةٍ في إحداثِ إمامٍ للحنفيَّةِ بالمدينةِ، كانَ هو المقرَّرَ في الإمامةِ شِركةً لمحمَّدِ بنِ عليِّ بنِ محمَّدِ بنِ عليٍّ الزَّرنديِّ، ولكنْ لم يباشِرْها إلا صاحبُ التَّرجمةِ، ثمَّ إنَّه استقلَّ بها حتَّى ماتَ، واستمرَّتْ في ذُرِّيَّتِهِ، وقد جمعَ "جزءًا" بليغا، نظمًا ونثرًا في سرقةِ قناديلِ المدينةِ سنةَ ستين وثمان مئةٍ، سماه "عجائبَ القدرةِ فيمَنْ تَهَجَّمَ على قناديلِ الحجرةِ".
ماتَ في ليلةِ الجمعةِ عاشرَ ربيعٍ الأوَّلِ سنةَ سبعينَ وثمان مئةٍ، عن ستينَ سنةً، لاتِّفاقِ ليلتيْ مولدِه ووفاتِه وشهرِهما، ومِن نظمِه:
أملٌ يطولُ وفي آجالِنا قِصرُ … والدَّهرُ يُنْكي، وفي الأيام مُعْتَبرُ
والنَّفسُ في غفلةٍ عمَّا يُرادُ بها … والقلبُ من قَسْوَةٍ كأنَّه حَجَرُ
وقوله:
أُضامُ وأوفى العالمينَ بذمَّةٍ … خَفيرٌ (٣)، وحاشى أنْ يُضامَ له جَارُ
فيا مصطفى يا ابنَ الذَّبيحينِ غارةً … إليكَ منيعَ الجارِ مِن معشر جاروا (٤)
стр. 2629
وقوله:
عَرفتُكِ يا دُنيا فلا تَتَزَيَّني … فلستُ بمغرورِ بعاجِلِكِ الدَّني
أبى اللهُ إلا أَنْ أراكِ خَسيسةً … فإنْ شئتِ تزهو لي وإنْ شئتِ هُوني
سرُوركِ حُزنٌ والعطا تَسلُبِينَه … سريعًا، وهذا إن تأمَّلْتُ يَكفِني
كأنِّي بصفوِ العيش منكِ مُكدَّرٌ … كأنِّي بما زيَّنْتِ مِن زُخرفٍ فَنِي
فَسِلْمُكِ حربٌ واجتماعُكِ فُرقةٌ … وأمنُكِ خوفٌ، بِئْسَ أنتِ لمقتني
ولمَّا كانَ الجلالُ أبو السَّعاداتِ ابنُ ظهيرةَ قاضي مكَّةَ عندَهم بالأمرِ، أنشده قصيدةً طنانةً أولُها:
ظمِئتْ لرؤيتِكَ السَّعيدةِ مكَّةٌ … واهتزَّ مِن شوقٍ إليكَ المنبرُ
واستوحشَ الحَرمُ الشَّريفُ وأهلُه … والبيتُ كادَ مِن الجَوى يتفطَّرُ
والحِجْرُ والحَجَرُ الشَّريفُ وزمزمٌ … وكذا المقامُ معَ الصَّفا مُتكدِّرُ
ومنها:
لكَ في الخروجِ إلى المدينةِ أسوةٌ … فابشرْ فمذ هاجرتَ أنتَ مُظَفَّرُ
٣٣٨٨ - محمَّدُ بنُ إبراهيمَ بنِ أحمدَ، أبو عبدِ اللهِ البُسْتيُّ (١).
الصُّوفيُّ العارفُ، ممَّن قدمَ بغدادَ خبرُه، وحجَّ منها مِرارًا ماشيًا وراكبا، وجاورَ بالحرمينِ مُدَّةً، ولقيهُ بمكَّةَ الدُّبيثيّ، وإنَّه قالَ له: لي أتردَّدُ إلى ها هنا -يعني الحجَّ- خمسينَ سنةً، وأثنى عليه بقوله: صاحبُ رياضةٍ ومجاهدةٍ، وأسفارٍ وتجريد، وله تصنيفٌ
стр. 2630
في الطَّريقةِ، وأظنُّه قُرئَ عليه بعضُ تصانيفِه، ولنا منه إجازةٌ، واستوطنَ آخرَ عمرِه هَمَذان (١)، وسكنَ بَرُوْجِرْد (٢) منها حتَّى ماتَ بها في رمضانَ سنةَ أربعٍ وثمانين وخمس مئةٍ عن نيِّفٍ وثمانين سنةً، فإنَّه ذكرَ لي ما يدلُّ على أنَّ مولدَه سنةَ خمس مئةٍ.
٣٣٨٩ - محمَّدُ بنُ إبراهيمَ بنِ الحارثِ بنِ خالدِ بنِ صخرٍ، أبو عبدِ اللهِ التَّيميُّ، القُرَشيُّ (٣).
تابعيٌّ مِن أهلِ المدينة، كانَ جدُّه الحارثُ مِن المهاجرينَ الأوَّلينَ، وهو ابنُ عمِّ أبي بكرٍ الصِّدِّيق. يروي عن: أسامةَ بن زيدٍ، وأبي سعيدٍ الخُدريِّ، وجابرٍ، وابنِ عمرَ، ورأى أنسًا، وسعدَ بنَ أبي وقَّاصٍ، وغيرَهما، ثمَّ روى عن: علقمةَ بنِ وقَّاصٍ، ومعاذِ بنِ عبد الرَّحمنِ بنِ عثمانَ التَّيميِّ، وعيسى بنِ طَلْحَةَ بنِ عبيدِ الله، وطائفةٍ مِن قدماءِ التَّابعين، كأبي سلمةَ، وعطاءِ بنِ يسارٍ، وأكثرُ روايته عنهم، وروى عنه: ابنُهُ موسى (٤) الآتي، ويحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ، وهشامُ بنُ عروةَ، ومحمَّدُ بنُ عجلانَ، ويزيدُ بنُ عبد الله أبنِ الهادِ، ويحيى بنُ أبي كثير، ومحمَّدُ بنُ عمروٍ، والأوزاعيُّ، وابنُ إسحاقَ، والزُّهريُّ، وعمارةُ بنُ غزيَّةَ، وعبدُ اللهِ بنُ طاووسٍ، وعبيدُ الله بنُ عمرَ،
стр. 2631
وآخرون.
وكانَ أحدَ الفقهاءِ الثِّقاتِ، عريفَ بني تيمٍ.
قالَ: لما قرأتُ القرآنَ وأنا فتى لزمتُ المسجدَ، فكنتُ أصلِّي عندَ طريق آلِ عمرَ بنِ الخطابِ إلى المسجد، وكنتُ أرى ابنَ عمرَ يخرجُ إذا زالتِ الشَّمسُ، فيصلِّي ثنتي عشرةَ ركعةً، ثمَّ يقعُدُ، فجئتُهُ يومًا، فسألَني: مَن أنا؟ فانتسبتُ له، فقالَ: جَدُّكَ مِن مهاجرةِ الحبشة، فأثنى القومُ عليَّ خيرًا فنهاهم. أوردها البخاريُّ في "تاريخه".
على أنَّ ابنَ أبي حاتمٍ قالَ: إنَّ روايتَه عن ابنِ عمرَ وابنِ عباسٍ مرسلةٌ، وإنَّه روى عن أنسٍ، والغِفاريِّ الصحابي.
خرَّجَ له الأئمةُ، وذُكرَ في "التهذيب" (١)، وابن عساكر (٢)، و"ثقاتِ ابنِ حِبَّانَ" (٣) والعِجليِّ (٤)، و"تاريخ البخاريِّ" (٥)، وابنِ أبي حاتم (٦).
وأمُّهُ ابنةُ أبي يحيى بنِ سعدِ العشيرةِ.
قالَ ابنُ مَعِينٍ، وأبو حاتمٍ، والنَّسائيُّ، وابنُ خِراشٍ ويعقوب بن شيبةَ، وكذا قالَ الواقدي، وزاد: كثيرُ الحديث، يكنى أبا عبدِ الله، تُوفي سنةَ عشرين ومئةٍ.
стр. 2632
وقالَ أحمدُ: في حديثهِ شيءٌ، يروي أحاديثَ مناكيرَ، أو منكرةً. ماتَ سنةَ تسعَ عشرةَ ومئةٍ، أو عشرين، وهو أرجحُ، أو التي بعدَها، واقتصرَ عليه ابنُ حِبَّانَ، وفيها أرَّخَهُ خليفةُ (١).
٣٣٩٠ - محمَّدُ بنُ إبراهيمَ بنِ حُرَيْثٍ، الفقيهُ الصَّالحُ، أبو عبد اللهِ العبدريُّ (٢).
روى "الشِّفا" عن عبدِ الله بنِ أحمد القُرشيِّ الإشبيليِّ (٣)، وعنه: أبو عبدِ الله الآقشهريُّ بالمدينةِ، وأظنه المنسوبَ لجدِّهِ الآتي في: محمَّدِ بنِ حُرَيْثٍ.
٣٣٩١ - محمَّدُ بنُ إبراهيمَ بنِ دينارٍ، أبو عبدِ الله المدَنيُّ (٤).
الفقيهُ، صاحبُ مالكٍ، ومولى جُهينةَ، فهو الجهنيُّ.
يروي عن: يزيدَ بنِ أبي عبيدٍ، وموسى بنِ عقبةَ، وابنِ أبي ذِئبٍ، وعبدِ العزيزِ بنِ المطَّلبِ وعِدَّةٍ، وعنه: ابنُ وَهْبٍ ويعقوبُ بنُ محمَّدٍ الزُّهريُّ، وذُؤْيبُ بنُ عمامةَ، وأبو مصعبٍ، وآخرونَ، وكانَ يُفتي في حياةِ مالكٍ، ولذا قالَ ابنُ عبد البَرِّ: كانَ مفتيَ أهلِ المدينة مع مالكٍ، وفي لفظٍ: كانَ مدارُ الفتيا في آخر زمانِ مالك على المغيرةِ بنِ عبد الرَّحمنِ، ومحمَّدٍ هذا. وفي موضعٍ آخرَ: كانَ فقيهًا فاضلًا، له بالعلمِ روايةٌ وعناية.
стр. 2633
وقالَ الدَّارقطنيُّ: ثقةٌ، وقالَ أشهبُ: ما رأيتُ في أصحابِ مالكٍ أفقَهَ منه.
ووثَّقَهُ ابنُ مَعِينٍ، وقالَ أبو حاتمٍ (١): ثقةٌ، مِن فقهاءِ أهلِ المدينةِ نحو مالكٍ، وقالَ البخاريُّ في "تاريخه" (٢): معروفُ الحديثِ، بل خَرَّجَ له في "صحيحه" (٣) حديثًا واحدًا، وذُكِرَ في "التهذيب" (٤)، و"ثقاتِ" ابنِ حِبَّانَ (٥)، ونقلَ البخاريُّ (٦) عن يعقوبَ بنِ محمَّدٍ الزُّهريِّ أنَّه مِن وَلدِ دينارِ بنِ النَّجَارِ الأنصاريِّ، ويقالَ: إنَّه يلقَّبُ بصَنْدَلَ، قالَ القاضي عياضٌ (٧): ماتَ سنةَ اثنتين وثمانين ومئةٍ.
٣٣٩٢ - محمَّدُ بنُ إبراهيمَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ مَعبدِ بن عبَّاسِ، الهاشميُّ، القُرَشيُّ (٨).
عدادُهُ في أهلِ المدينةِ، سَمِعَ منه: إسماعيلُ بنُ أبي أويسٍ، وأخوهُ. يروي عن: حرامِ بنِ عثمانَ، ولم يثبت حديثُ حرامٍ، وكذا يروي عن: أبيه، وعبدِ الله بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ كعبِ بنِ مالكٍ. قالَ أبو حاتمٍ (٩): مجهولٌ، وتبعَه الذَّهبِيُّ في "الميزان" (١٠)،
стр. 2634
ولكن ذكرَه ابنُ حِبَّانَ في رابعة "ثقاته" (١).
٣٣٩٣ - محمَّدُ بنُ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ حُسينٍ، الشَّمسُ ابنُ القَطَّانِ (٢).
ماتَ بالمدينةِ سنةَ إحدى وتسعين وثماني مئة، وقد جازَ الثَّلاثين، وكانَ قد حفظَ "المنهاج"، وبحثَه على الشَّمسِ البُلبيسيِّ، وأخذ عن أبيهِ، وغيرِهِ، ودخلَ مصرَ مع أبيه، والشَّامَ بمفردِه.
٣٣٩٤ - محمَّدُ بنُ إبراهيمَ -أخو الذي قبله- صلاحُ الدِّينِ ابنُ القَطَّانِ (٣).
وُلدَ سنةَ إحدى وسبعين وثماني مئةٍ تقريبًا، وحفظَ "الأربعينَ"، و"المنهاجَ"، و"الجروميَّةَ"، وعرض على الأُبشيطيِّ، والشَّمسِ السَّخاويِّ المالكيِّ، وذكره ابن صالح، وأخذَ في الفقهِ بقراءَتِهِ على البُلبيسيِّ، وسماعًا على السيِّد، وقرأ على الفخرِ عثمانَ الدِّيَمِيِّ بعضَ "البخاريِّ"، وعليَّ "صحيحَ مسلمٍ"، وأخذَ في العربيةِ عن النُّور البحيريِّ، وفيها وِفي الفقهِ عن عبد القادر الذرويِّ، وحضرَ دروسَ عبدِ الحقِّ السُّنباطيِّ، ودخلَ الشَّامَ والقدسَ وغيرَهما، وأخذَ بالمدينةِ عن أبي الفضلِ ابنِ الإمام الدِّمشقيِّ، وغيرِه.
٣٣٩٥ - محمَّدُ بنُ إبراهيمَ بنِ عبدِ الحميدِ بنِ عليٍّ، التِّقيُّ، المُوغانيُّ الأصلِ، المدَنيُّ، الشَّافعيُّ (٤).
стр. 2635
نزيلُ مكَّةَ (١). بقيةُ أكابرِ بلدِه، باركَ اللهُ في حياتِه، ويُعرف بابنِ عبدِ الحميدِ.
اشتغلَ بالعلمِ معَ ذكاءٍ مُفرطٍ، بحيثُ صارَ ذا نباهةٍ في الأدبِ وغيرِه، حتَّى إنَّه لمَّا حصلَ له صممٌ كانَ يُكتب له في الهواء، ثمَّ في يده، وعلى الأرضِ ليلًا ونهارًا، فيدرِكُ جميعَ ما يُرادُ منه، كأنَّما يحدَّثُ وهو يسمع، ولا يفوتُه فهمُ شيءٍ منه (٢) غالبًا، وذلكَ لما عندَه مِن الذَّكاءِ المُفرطِ حيثُ إنَّ كلَّ مَنْ رأى ذلكَ منه يتعَّجبُ.
قالَ شيخُنا في "إنبائه" (٣): وقد حاكاه في ذلكَ صاحبُنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ عليٍّ (٤) الحلبيُّ الأصل، سِبطُ الشَّيخِ أبي أُمامةَ ابنِ النَّقَّاشِ (٥)، يعني: الذي رأيتُه، وكتبتُ عنه مرثيةً له
стр. 2636
في شيخنا وغيرِه، وكانَ أعجوبةً في هذا المعنى.
وقد سمعَ صاحبِ الترجمةِ بالقاهرةِ من البهاء ابن خليلٍ المجلس الأخير من .... الشافعيِّ، ومن محمَّدِ بنِ يوسفَ بنِ عبدِ الكريم بن .... في "نغبة الظمآن من فوائد أبي حيان" بسماعِه منه، ومن جويريةَ بنتِ الهكَّاريِّ، والجمالِ الباجيِّ، وغيرِه.
وبدمشقَ فيما ذَكرَ مِن الصَّلاحِ ابنِ أبي عمرَ، وابنِ أُميلةَ، وأجازَ له الشِّهابُ الحنفيُّ، وسالمُ ابنُ الياقوتِ المؤذِّنُ، وخليلٌ المالكيُّ، وخلقٌ، وحدَّثَ فسمع منه الطلبة، وروى عنه التَّقيُّ ابنُ فهدٍ بالإجازة.
بل قالَ الفاسيُّ في "تاريخه" (١): ترافقْنَا مرَّةً إلى الطَّائفِ فسمعتُ مِن لفظِه بالسّلامة (٢) حديثًا وحكاياتٍ، وكانتْ له مكانةٌ بالمدينةِ النَّبويَّةِ عندَ أميرِها ثابتِ بنِ نُعيرِ بنِ جمَّازِ بنِ شِيحةَ الحسينيُّ، ثمَّ مكَّةَ عندَ صاحبِها الشَّريفِ حسنِ بنِ عجلانَ، وأعيانِ دولتِه، وكتبَ عندَ كلٍّ منهما إلى مصرِ وغيرها سنين، وله بستانٌ بالمدينةِ فيه بئرُ أريسٍ، بلْ كانَ له إلى مكَّةَ تردادٌ كبيرٌ من قبلِ ولايتِه، ودخلَ اليمنَ، فنالَ فيها خيرًا.
ماتَ بمكَّةَ في أوَّلِ يومِ الأحدِ حادي عشري المحرم سنةَ ستَّ عشرةَ وثمانِ مئةٍ، عن سبعين سنةً، أو قريبِها، ودُفنَ بالمعلاةِ، وشيَّعَه خلقٌ، منهم صاحبُ مكَّةَ المشارُ إليه، وشهدَ التَّقيُّ الفاسيُّ الصَّلاةَ عليه، ودفنَه.
стр. 2637
٣٣٩٦ - محمَّدُ بنُ إبراهيمَ بنِ عليِّ بنِ محمَّدِ ابنِ أبي القاسمِ فَرحونِ بنِ محمَّدِ بنِ فَرحونٍ (١).
وهو والدُ إبراهيمَ، ومحمَّدٍ. سمعَا على الزَّين أبي بكرٍ المراغيِّ، وقد رأيتُ خطَّ صاحبِ الترجمةِ، وخطَّ أبيهِ في سنةِ تسعينِ وسبعِ مئةٍ قبلَ ولايةِ أبيه القضاءَ.
وهو ممَّن سمعَ على عمِّ والدِه البدرِ عبدِ اللهِ بنِ محمَّدِ بنِ فرحون، في سنةِ سبعٍ وستين وسبعِ مئةٍ بعضَ "الأنباء المبينة"، ووصفَه كاتبُ الطَّبقةِ بالولدِ النَّجيبِ.
في "طبقاته للمالكية" بأنَّه أخذَ عن أحمدَ بنِ عمرَ (٢) بنِ هلالٍ الرُّبيعيِّ، الإسكندريِّ، وكبر ولده أبو اليمن.
٣٣٩٧ - محمَّدُ بنُ إبراهيمَ بنِ أبي فَضالةَ بنِ ثابتِ بنِ قيسِ بنِ الشَّمَّاسِ الأنصاريُّ.
مِن أهلِ المدينةِ. يروي عن: عبدِ الرَّحمنِ بنِ عثمانَ بنِ الأرقمِ بنِ أبي الأرقمِ المخزوميِّ، عن النَّبيِّ ﷺ في السُّحورِ، مرسلٌ، وسمع منه: إسحاقُ بنُ سليمانَ الرَّازيُّ. ذكرَه ابنُ حِبَّانَ (٣) في "ثقاته"، ومِن قبلِه البخاريُّ (٤)، وأبو حاتم (٥).
٣٣٩٨ - محمَّدُ بنُ إبراهيمَ بنِ محمَّدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ ثوبانَ القُرَشيُّ، العامريُّ (٦).
стр. 2638
مولاهم المدَنيِّ. عن: مسلمِ بنِ أبي مريمَ، مرسلٌ، وعنه: ابنُ المباركِ، قالَه أبو حاتمٍ (١)، وذُكرَ في "التهذيب" (٢).
٣٣٩٩ - محمَّدُ بنُ إبراهيمَ بنِ محمَّدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بن عبيدِ بنِ مشكورٍ.
الماضي جدُّ أبيه. قرأَ "البخاريَّ" بالمدينةِ سنةَ إحدى وثمانينَ وسبعِ مئةٍ.
٣٤٠٠ - محمَّدُ بنُ إبراهيمَ بنِ محمَّدِ ابنِ المرتضى، الجمالُ أبو عبدِ اللهِ الكِنانيُّ، المصريُّ، ثمَّ المدَنيُّ (٣).
والدُ عبدِ اللهِ الماضي. وُلِدَ سنةَ إحدى وعشرينَ وستِّ مئةٍ بالقاهرة، وسمعَ أبا اليُمنِ ابنَ عساكرَ، وأبا عبدِ الله محمَّدَ بنَ النُّعمانِ (٤) وغيرَهما، وحدَّثَ بالصحيحِ عن أوَّلهِما، وكانَ شيخًا صالحا، خيِّرًا فاضلًا، مُقرئًا فصيحًا، ماتَ في صفرَ سنةَ تسعٍ وعشرين وسبعِ مئةٍ بالمدينةِ، ودُفِنَ بالبقيعِ.
ذكرَه القطبُ الحلبيُّ في "تاريخِ مصرِ"، ولقبَّه غيرُه أيضًا شمسَ الدِّينِ، وقالَ: الكِنانيُّ، العسقلانيُّ المَحْتِد (٥)، ثمَّ المصريُّ، المدَنيُّ، رئيسُ المؤذِّنينَ به هو وأبوه. روى عنه: الآقشهريُّ، ووصفَه بصاحبِنا الفاضلِ الشَّيخِ جمالِ الدِّينِ، وأنّه قالَ: وُجدَ مكتوبًا
стр. 2639
في بعضِ جدرانِ الحرم الشَّريفِ في الحريقِ (١):
لم يحترقْ حرَمُ النَّبيِّ لريبةٍ … تُخشى عليه وما به مِن عارِ
لكنَّه أيدي الرَّوافض لامسَتْ … تلكَ الرُّسومَ فطُهِّرَتْ بالنَّارِ
ووصفَه مرَّةً أخرى بصاحبِنا الشَّيخِ الصَّالحِ، العدلِ الرِّئيسِ في الحَرمِ الشَّريفِ بالمدينةِ المشرَّفةِ، شمسِ الدِّينِ، أبي عبدِ اللهِ ابنِ الشَّيخِ الصَّالحِ، الرَّئيسِ بالحرمِ الشَّريفِ المرحومِ أبي إسحاقَ، وساقَ مِن روايتِه عن أبي عبدِ اللهِ ابنِ النُّعمانِ حديثًا.
وقالَ أبو عبدِ اللهِ ابنُ مرزوقٍ فيما قرآتُه بخطِّه: إنَّه سمعَ عليه رفيقًا للجمالِ محمَّدِ بنِ أحمدَ المطريِّ، والطَّواشيِّ المُغيثيِّ "تحفة الزائر" لأبي اليُمنِ ابنِ عساكرَ بقراءةِ العلَمِ البِرزاليِّ، وعلى الأوَّلينِ فقط بقراءةِ الإمامِ نورِ الدِّينِ عليِّ بنِ محمَّدِ بنِ فرحونٍ "الصحيحين"، وله ذِكرٌ في: الجمَالِ المطريِّ.
بل سيأتي في المبهمات (٢) حكايتُه عن رجلٍ حفَّارٍ حادثةٌ.
وذكرَه ابنُ فرحونٍ (٣)، فقالَ: محمَّدُ بنُ إبراهيمَ المِصريُّ، المدَنيُّ، النَّجَّارُ، المؤذِّنُ، أحدُ رؤساءِ المؤذِّنينَ، كانَ مِن أدينِ النَّاسِ وألينِهم عريكةً، وأحسنِهم مخالطةً، لو دعاه أصغرُ النَّاسِ لبيتِه أو نخلِه ذهبَ معه، ولا يزالُ مبتسمًا، ويحبُّ الفقراءَ ويخدمُهم، ويقضي حوائجَهم، كلُّ ذلكَ معَ امتهانِ نفسِه في لباسِه وحركاتِه، وكانَ إذا جلسَ
стр. 2640
مجلسًا عمَرَه بالذِّكرِ والمدحِ، وعلى كلامِه في المنارةِ روحٌ، وقد باشرَ أمانةَ الحكمِ في أيامِ القاضي سراجِ الدِّين.
ونقلَ عنه ابنُ فرحونٍ في "تاريخه" (١) أنَّه قالَ: لو تُركتْ لي منارةُ بابِ السَّلامِ لكفيتُ أهلَ المدينةِ بها. قال: وهو الحقُّ؛ فإنَّ المدينةَ مِن جهةِ الشِّمالِ قليلةُ العَرضِ، وإنَّما امتدادُها وقوَّةُ عمارتِها، وكَثرةُ أبياتِها مِن جهةِ الغَرب.
وقالَ ابنُ صالحٍ: كانَ حسنَ الصَّوتِ، قديمَ الهجرةِ، سافرَ ورأى صالحين وأخيارًا وعلماء، وروى، وتميَّزَ بالوصفِ بالمؤذِّنِ مِن دونِ سائرِهم، وإنَّه ورثَ الأذانَ مِن آبائِه، وكانَ يُنشدُ مدحَ النَّبيِّ ﷺ عقبَ ميعادِه الذي كانَ يقرأه بالرَّوضةِ تفسيرًا، وحديثًا، ورقائق، وانتفعَ النَّاسُ بميعادِه، وكذا كانَ يمدحُ في المنارةِ بصوتٍ حسنٍ بديعٍ مُطربٍ، قويٍّ، غريبٍ، وماتَ عن قريبِ السَّبعينَ.
وقالَ المجدُ (٢): محمَّدُ بنُ إبراهيمَ، المؤذِّنُ، المِصريُّ، النَّجَّارُ، المدَنيُّ الدَّار.
قدِمَ والدُه مِن مصر لما أُنْهي إلى الأبوابِ العالية أنَّه ليسَ بالمدينةِ مَنْ يُوثقُ به في معرفةِ الأوقات وتحريرِها، فإنَّهم أرسلوا لها إذ ذاكَ ثلاثةً مِن المؤذِّنينَ رؤساء، أحدُهم: أحمدُ بنُ خلَفٍ المطريُّ، والدُ الشَّيخِ جمالِ الدِّينِ.
والثَّاني: عزُّ الدِّين المؤذِّنُ.
والثَّالثُ: الشَّيخُ إبراهيم.
стр. 2641
وكانَ أحمدُ وإبراهيمُ في حُسنِ الأداءِ، وطِيبِ الخُلُقِ، وحُسنِ الصَّوتِ، ورِقَّةِ الأنفاسِ فرسينِ، فجاءَ الفقيهُ محمَّدُ بنُ إبراهيمَ على شنشنة (١) والده وخِيمِهِ (٢)، إذا تكلَّمَ على المئذنةِ طرِبَ كلُّ أحدٍ لكلمِه، وكانَ مِن الفقهاء النُّبهاء، وعلى نفسِه وحسِّه روحٌ ونقاء، شارحٌ صدرَه بخدمةِ الفقراءِ وقضاءِ حاجتِهم، طارحٌ للتَّكلُّفِ بسلوكِ سبيلِ المتبذِّلينَ في لباسِهم ومنهاجِهم (٣)، مِن أحسنِ النَّاسِ صُحبةً وعِشرةً، غيرُ مانعٍ مِن أحدٍ لُطفَه وبِرَّه وبِشرَه، لو كلَّمهَ فقيرٌ في حبيرِه الجديدِ لوهَب، ولو دعاهُ صغيرٌ إلى حصيرهِ البعيدِ لذهَب، وكانَ أمينَ الحكمِ في أيامِ سراجِ الدِّينِ القاضي، ففارقَ الدُّنيا وكلُّ أحدٍ عن حُسنِ طريقتِه راضي، وأعقبَ ولدَه أبا عبدِ اللهِ محمَّدًا، وتُوفي سنةَ تسعٍ وعشرين وسبعِ مئة.
- محمَّدُ بنُ إبراهيمَ بنِ مرتضى
- ومحمَّدُ بنُ إبراهيمَ.
غيرُ منسوبٍ. هما الأوَّلُ (٣٤٠٠).
٣٤٠١ - محمَّدُ بنُ إبراهيمَ بنِ مباركِ بنِ مسعودٍ، شمسُ الدِّينِ، الشَّكيليُّ، المدَنيُّ (٤).
ممَّنْ سمعَ على الزَّينِ المراغيِّ في سنةِ اثنتينِ وثمانِ مئةٍ في تاريخه، وكانَ مِن مؤذِّني
стр. 2642
المسجدِ الشَّريفِ، ممَّنْ قرأَ القرآنَ، ودخلَ مصرَ مرافقًا للجمالِ الكازرونيِّ، وغيرِه.
وكانَ يقولُ لبنيهِ -كأنَّه لتحريضهم على عدمِ دخولهِا- بعتُ قُبَّعتي (١) حتَّى أكلتُ به، وأنجبَ الشِّهابَ أحمدَ، وأبا الفتحِ محمَّدًا، وغيرَهما مِن الإناثِ، وماتَ في سنةِ تسعٍ وأربعينَ وثمانِ مئةٍ، عن اثنتينِ وستين سنةً، ورأيتُه فيمَنْ سمعَ هو وابناه في "البخاريِّ" على الجمالِ الكازرونيِّ سنةَ سبعٍ وثلاثينَ.
٣٤٠٢ - محمَّدُ بنُ إبراهيمَ بنِ المطَّلبِ بنِ السَّائبِ بنِ أبي وَداعةَ بنِ ميسرةَ، أبو عبدِ اللهِ السَّهميُّ المدَنيُّ (٢).
خالُ إبراهيمَ بنِ المنذرِ الحِزاميِّ، عن: أبيه، وموسى بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي أُميَّةَ المخزوميِّ، وغيرِهما، وعنه: إبراهيمُ بنُ المنذرِ، وعبدُ الرَّحمنِ بنُ عبدِ الملكِ بنِ شيبةَ، ذكرَه ابنُ حِبَّانَ في "الثِّقات" (٣)، وهو في "التهذيب" (٤).
- محمَّدُ بنُ إبراهيمَ.
يأتي في: ابن أبي حُمَيْدٍ.
٣٤٠٣ - محمَّدُ بنُ إبراهيمَ.
له ذِكرٌ في: أبي الحسن الخرَّازِ.
стр. 2643
٣٤٠٤ - محمَّدُ بنُ أُبَيِّ بنِ كعبِ بنِ معاذٍ الأنصاريُّ (١).
مِن بني عَمروِ بنِ مالكِ بنِ النَّجَّارِ. مِن أهلِ المدينةِ.
وُلدَ في حياةِ النَّبيِّ ﷺ ، وأمُّه أمُّ الطُّفيل. ذكرَه مسلمٌ (٢) في ثالثةِ تابعي المدنيين.
وحدَّثَ عن: أبيه، وعمر، وعنه: الحضرميُّ بنُ لاحقٍ، وبُسْرُ بنُ سعيدٍ، وحديثُه عنه في الصَّرف، وكانَ ثقةً، قليلَ الحديثِ. قالَه ابنُ سعدٍ (٣)، وإنَّه وُلدَ في عهد النَّبيِّ ﷺ ، وكذا ذكرَه أبو بكرٍ الجعابيِّ، وأبو نُعيم (٤) وغيرُهما في الصَّحابة لإدراكه.
وقالَ خليفةُ (٥): في الطَّبقة الأولى مِن أهلِ المدينةِ، كانَ شقيقَ الطُّفيلِ، قُتلَ بالحرَّةِ سنةَ ثلاثٍ وستين. ذُكرَ في "التهذيب" (٦)، وثاني "الإصابة" (٧)، و"تاريخ البخاري" (٨)، وابن أبي حاتم (٩)، وثانيةِ ابنِ حِبَّانَ (١٠).
٣٤٠٥ - محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ أمينِ بنِ معاذِ بنِ سعادِ بنِ إبراهيمَ بنِ يوسفَ
стр. 2644
بنِ الجمال، والأمين والجلال، أبو عبدِ الله، وأبو طيبةَ، الآقشهريُّ، ثمَّ القُونويُّ، الخِلاطيُّ (١) المحتِدِ (٢).
نزيلُ المدينةِ. وُلدَ بآقشهرَ: بلدٍ بقونيةَ (٣) تخمينًا، في سنةِ خمسٍ وستينَ وستِّ مئةٍ، وارتحلَ إلى مصرِ والمغرب، فسمعَ بالأندلسِ مِن أبي جعفرِ ابنِ الزُّبير وغيرِه، وبمصرَ مِن بعضِ شيوخِها، وانقطعَ بالمدينةِ النَّبويّة حتَّى ماتَ في سنةِ تسعٍ وثلاثين وسبعِ مئةٍ، ولقيَه القطبُ الحلبيُّ بها، وترجمَه في تاريخه، وناولَه تصنيفًا له فيمَنْ دُفنَ بأشرفِ البقاعِ سماه "الرَّوضة". وذكرَه شيخُنا في "درره" (٤) بدونِ سعادٍ.
وعندي توقُّفٌ في الجمعِ بينَهما وبينَ معاذٍ، بل أظنُّ الصَّوابَ أحدهما فقط.
قالَ شيخُنا (٥): وجمعَ رحلتَه إلى المشرقِ والمغربِ في عدَّةِ أسفارٍ، قالَ: وجمعَ كتابًا فيه أسماءُ مَنْ دُفنَ بالبقيعِ، وهو المسمَّى "بالرَّوضة"، وحدَّثَ عنه أبو الفضلِ النُّويري، قاضي مكَّةَ.
قلتُ: وروى عنه بالإجازةِ أبو الطَّيِّبُ محمَّدُ بنُ عمرَ بنِ عليِّ بنِ أسعدَ السَّحُوليُّ، المكيُّ.
стр. 2645
وأثبتَ التَّقيُّ الفاسيُّ (١) في نسبِه سعاد، وقالَ فيه: جلالُ الدِّينِ، أبو عبدِ الله، وأبو طيبةَ، وقالَ: إنَّه سمعَ الكثيرَ بالحرمينِ على الصَّفيِّ، والرَّضيِّ، وجماعةٍ تأخَّرَ بعضُهم عنه، وخرَّجَ لبعضهم.
قلتُ: وممَّنْ سمعَ منه بالمدينةِ أبو حفصٍ عمرُ بنُ أحمدَ الخزرجيُّ الصَّندفانيُّ، وأبو الحسنِ عليُّ بنُ أيُّوبَ بنِ منصورٍ المقدسيُّ، تلميذُ النَّوويِّ، وإمامُ الصُّوفيةِ الحسنُ بنُ عليِّ بنِ الحسنِ العراقيُّ (٢)، لقِيَه بالمدينةِ، وقرأ على الشِّهابِ أحمدَ الصَّنعانيِّ اليمانيِّ الشَّافعيِّ نائبِ السِّراج الدَّمنهوريِّ في قضاءِ المدينةِ "المصابيحَ"، وسمعَه بقراءتِه عليه أبو عبدِ اللهِ ابنُ مرزوقٍ، وكذا أخذَ عن الجمالِ أبي عبدِ اللهِ محمَّدِ بنِ أحمدَ الأنصاريِّ المدَنيِّ بها.
وبمكَّةَ: [عن] الرَّضيِّ إبراهيمَ الطَّبريِّ، والفخرِ عثمانَ بنِ محمَّدٍ القسطلانيِّ (٣)، وعبدِ الله بنِ عبدِ الحقِّ المخزوميِّ (٤)، وبالمغربِ ناصرِ الدِّينِ أبي عليٍّ منصورِ بنَ أحمدَ الزَّواويًّ، ثمَّ المَشَداليِّ (٥)، وأبي عبدِ اللهِ محمَّدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ الحكيمِ اللَّخميِّ،
وكتبَ عن الخطيبِ البهاءِ محمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ بنِ عبدِ اللهِ الطَّبريِّ (١) مِن نظمِه. وأجازَ له مِن بغدادَ محمَّدُ بنُ عبدِ المحسنِ ابنِ الدَّواليبيِّ (٢).
قال: وكانَ ذا عنايةٍ كبيرةٍ بهذا الشَّانِ، غيرَ أنَّه لم يكنْ فيه نَجيبًا، لأنَّ له تعاليقَ مشتملةً على أوهامٍ فاحشةٍ، وله مجامعُ كثيرةٌ، وإلمامٌ بالأدبِ، وحظٌّ وافرٌ مِن الخيرِ، وقد حدَّثنا عنه غيرُ واحدٍ مِن شيوخِنا، وجاورَ سنينَ كثيرةً بالحرمينِ وبالمدينةِ ماتَ، وهو في اثني عشر الثَّمانين؛ لأنَّه وُلدَ سنةَ أربعٍ وستين، كما قرأته بخطِّ الذَّهبيِّ، وترجمَه بنزيلِ مكَّةَ، انتهى.
وحينئذٍ فصحَّ قولُ القطب: تخمينًا، وإثباتُ سعادَ ممَّنْ أثبتَه في نسبِه.
وكذا ذكرَه ابنُ خطيبِ النَّاصريةِ في آخرين، وقالَ بعضُهم: إنَّ مولدَه بآقشهر قونيةَ في حادي عشر جُمادى الأولى سنةَ ستٍّ وستينَ وستِّ مئةٍ.
وقالَ ابنُ فرحونٍ (٣): إنَّه كانَ مِن شيوخِ الوقتِ، والأئمةِ الكبارِ في العلمِ والعملِ، ومعرفةِ الحديثِ والرِّجال، ارتحلَ إلى المغربِ في حالِ شبيبتِه، وأدركَ رجالًا مِن أعيانِ المغاربةِ والأندلسيين وعلمائهم، فأخذَ عنهم، واشتغلَ عليهم، وطالتْ إقامتُه
стр. 2648
فيهم، حتَّى كانَ الذي يجتمعُ به لا يشكُّ أنَّه مغربيُّ الأصلِ؛ لملابستِه إيَّاهم، وكانَ قد يسَّرَ اللهُ عليه تدوينَ الحديثِ والعلمِ، فلا تسألُه عن شيءٍ مِن علمِ الحديثِ ورجالِه إلا وجدتَ عندَه منه طَرَفًا جيِّدًا، وحِفظاً حسنًا، صنَّفَ تصانيفَ كثيرةً، واختصرَ مطوَّلاتٍ كثيرةً، وتردَّدَ إلى مكَّةَ والمدينةِ، ثمَّ أقامَ في المدينةِ في آخرِ مدَّتِه، وتزوَّجَ بها يمانيةً، فولدتْ له اثنتين سمَّاهما طابةَ وطيبةَ، وسُرَّ بهما في آخرِ عمرِه، ثمَّ إنَّهما تُوفِّيتا، فحزِنَ لفقدِهما حتَّى كادَ يفنى لفنائهما.
وقالَ المجدُ (١): الشَّيخُ أبو عبدِ الله الآقشهريُّ، ثمَّ الأخلاطيُّ، الشَّيخُ أمينُ الدِّين، ارتحلَ مِن بلادِ الرُّومِ إلى بلادِ المغربِ في شبابِه، وتجرَّدَ لالتماسِ العلمِ وتِطلابِه، وطلبِ الفضلِ والأدبِ مِن أبوابِه، وطافَ في أقطارِ الأندلسِ وجال، ولقيَ مِن أهلِ العلمِ فُحولَ الرِّجال، واقتبسَ مِن أنفاسِهم، وأَنِسَ مِن ناموسِ نبراسِهم، وتعلَّمِ مِن تبيانهم، وتكلَّمَ بلِبانِهم، وتأسَّن (٢) بأَنْسَائهم (٣)، فتحَ اللهُ عليه في خِدمةِ الحديثِ بابًا، سهُلَ عليه مَدخلُه، فعلمُ الحديثِ وتدوينُه محطُّهُ ومَرحَلُهُ، صنَّف فيه تصانيف وجمعَ، وألَّفَ فيه تآليفَ ونفَع، وكانَ متردِّدًا بينَ الحرمين، رافعًا مِن شرفِ جوارِهما عَلَمين، ثمَّ إنَّه اختارَ بالآخرةِ مجاورةَ المدينة، ورزقَه اللهُ بها مِن التَّمنِّياتِ حَليلةً مَدَنِيَّة، فأحبَّت الشَّيخ واختارَت على الدُّنيا جَنابه، وأتتْ منه ببنتينِ، فسمَّاهما طيبةَ وطابة،
стр. 2649
فأحبَّهما غايةَ الحبابة، واسترغدَ بهما العيشَ واستطابَه، ثمَّ إنَّهما تُوفيتا في حياتِه، وسلبتاه ضوءَ إِيَاتِه (١)، وصفاءَ ساعاتِه، وحزنَ لفقدِهما إلى أقصى غاياته. تُوفيَ عامَ تسعةٍ وثلاثينَ وسبعِ مئةٍ، انتهى.
والرَّوضةُ المشارُ إليها هي "الرَّوضةُ الفِردوسيةُ والحظيرةُ القدسية" فيها تعيينُ من دُفنَ بأشرفِ البقاع، وسفحِ البقيعِ مِن المدينةِ وما حولها، مِن السَّابقينَ الأوَّلين، والشُّهدأءِ والصَّالحين، وهي على أبواب خمسة.
الأوَّلُ: في حكمِ الزِّيارة، وكيفيتها، ومعناها، وفيه فصول: الأوَّلُ: في زيارةِ قبرِ رسولِ الله ﷺ ، والثاني: في كيفيةِ الصَّلاةِ والسَّلامِ عليه وعليهم، والثَّالثُ: في زيارةَ أهلِ بيتِه وأولادِه وأقربائِه، والشُّهداء من الصحابة.
الثَّاني: في ذكرِه ﷺ ، وأبنائه، وبناته، وجدَّاتِه، وآبائه، وأزواجه، ومواليه، وأقربائه، مع الخلفاءِ الرَّاشدين.
الثَّالثُ: في ذكرِ الوقائعِ، كأُحُدٍ، والأحزابِ، وقصَّةِ الحَرَّةِ، التي كانت سببًا لوفاة الفضلاءِ بالمدينة النَّبويّة، مِن الصَّحابةِ، ونحوِهم.
البابُ الرَّابعُ: في ذكرِ الصَّحابةِ المشهورين.
البابُ الخامسُ: في ذِكرِ مَن عُرِفَت وفاتُه بالمدينة، مِن غيرِ الصَّحابةِ مِن العلماء والصلحاء.
وقالَ: إنَّ البابَ الثانيَ اشتَملَ على إحدى وخمسينَ نَفْسًا، والرابعَ على مئتينِ
стр. 2650
وأربعينَ صحابِيًّا، وجملةُ مَنْ شَهِدَ الحَرَّةَ مُعَيَّنًا وغيرَهُ ستُّ مِئَةٍ، وفي روايةٍ عن الزُّهرِيِّ أنَّه قال: مِنْ وجوهِ النَّاسِ مِنْ قُريشٍ والأنصارِ والمهاجرينَ، ووجوهِ الموالي سبعُ مئةٍ، ومِمَّنْ لا يُعْرَفُ مِنْ عبدٍ وحُرٍّ وامرأةٍ عَشَرَةُ آلافِ نَفَرٍ، وكانتْ في سنةِ ثلاثٍ وسِتِّينَ لثلاثٍ بقينَ من ذي الحِجَّةِ، وانتهبوا المدينةَ ثلاثةَ أيامٍ، وولدتْ ألفُ امرأةٍ بعدَ الحَرَّةِ من غيرِ زوجٍ (١).
وانتهى مِن تأليفِها في سنةِ ثماني عشرةَ وسبع مئةٍ، وقد حدَّثَ بها في المدينةِ النَّبويَّةِ، ثمَّ قرأها هو عِن لَفْظِهِ بمكَّةَ، في سنةِ ثلاثٍ وثلاثينَ، وقد استوفيناه نظرًا، ومن نَظْمِهِ لما بَلَغَهُ قول الصَرْصَريِّ (٢) في حريقِ المدينةِ:
أتينا أحاديثَ الحجازِ عشيةً … وإذ الزَّخاريفُ التي فيه تحرَقُ
شهِدْتُ بأنَّ اللهَ لا رَبَّ غيرُهُ … وأنَّ الذي قالَ الرسوُل مُصَدَّقُ
روينا صحيحًا أنَّه قالَ بعدَهُ … يُزخرَفُ بيتُ الله ثمَّ يُزَوَّقُ
وأنَّ بيوتَ الله تُرْفَعُ أرضُها … إلى جَنَّةِ المأوى وفيها تُخَلَّقُ
وأنَّ الذي حَقٌّ يدومُ بقاؤُهُ … وأنَّ الذي زُورٌ فبالنِّارِ يُحرَقُ
وكذا منه تخميسُ: يا خيرَ مَنْ دُفِنَتْ بالقاعِ أعظمُهُ
فقال: في سنةِ ثلاثَ عشرةَ وهو بمكَّةَ:
стр. 2651
خيرُ المَزارِ لدينا وهو أعظَمُه … وخيرُ مَنْ سَرَّ عرشَ الربِّ مقدَمُهُ
ناديتُهُ بِمَقُولٍ وهو أقوَمُهُ … يا خيرَ مَنْ دُفِنَتْ بالقاع أعظُمُهُ
وطابَ مِنْ طييهِنَّ القاعُ والأَكَمُ
طوبى لجاركمُ طَابَتْ مَسَاكِنِهُ … جارٌ يُجارُ، وجارُ الرَّبع آمِنُهُ
قولٌ إذا قُلْتُ يشفيني محاسِنُهُ … نفسي الفداءُ لقَبْرٍ أنتَ ساكِنُهُ
فيه العفافُ وفيهِ الجودُ والكَرَمُ
وقد ترجم شيخُنا في "لسانه" (١) لجُبيرِ بنِ الحارثِ، وقالَ: قرأتُ في "رحلة أمين الدِّين محمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ أمينٍ الآقشهريِّ" نزيلِ المدينة النَّبويّةِ، وقد أجازَ لبعض مشايخي، قالَ: أخبرني الأديبُ الفاضلُ محمَّدُ بنُ عليِّ بنِ عبدِ الرزاقِ بنِ حَمَّادٍ الجزوليِّ: أنَّ أباه أخبرَهُ وصافَحَهُ، وساقَ بِسَنَدٍ فيه لُقِيُّ النَّاصرِ أبي العباسِ أحمدَ ابنِ المستضيءِ (٢) في سنة ثلاثٍ وسبعينَ وخمس مئةٍ لجبيرٍ هذا، وأنَّه صحابيٌّ.
قالَ شيخُنا: وحَدَّثَ بهذه القِصَّةِ شيخُنا أبو عبد الله السَّلاوِيُّ، عن عليِّ بنِ حسنِ بنِ حمزَةَ، بِسَنَدٍ له إلى آخره، قلتُ: وهو باطلٌ بالسِّنينَ، وآخرُ الصَّحابةِ أبو الطفيلِ عامرُ بنُ واثلةَ.
٣٤٠٦ - محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ بالغٍ، الشَّمسُ ابنُ الشِّهابِ، المِصريُّ الأصلِ، المدَنيُّ (٣).
стр. 2652
الماضي أبوه، خلَّفَ له أبوه ما لم ينتفع به، وسافرَ إلى البلادِ، ففتحَ اللهُ عليه، وتزوَّجَ، ووُلدَ له الأولادُ، وكانَ مِن أعقلِ النِّاسِ، وأحسنِهم خَلْقًا وخُلُقًا، وأجملِهم صحبةً، قارئًا حسنَ الصَّوتِ. ماتَ سنةَ إحدى وخمسينَ وسبعِ مئةٍ.
٣٤٠٧ - محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ أبي بكرٍ الحَرَّانيُّ.
كانَ شيخًا، حَسَنًا، كثيرَ التِّلاوَةِ والحَجِّ، سَمِعَ الكثيرَ، وحَدَّثَ، وماتَ بالمدينةِ قبلَ أنْ يَصِلَ إلى الحَجِّ في آخرِ سنةِ خمسٍ، أو أوائلَ سنةَ سِتٍّ وسبع مئةٍ، قالَه شيخُنا في "درره" (١).
٣٤٠٨ - محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ الحَسَنِ، أبو عبدِ اللهِ السِّجْزِيُّ، المقرِئُ، ويعرَفُ بجَوبَكَارَ.
روى عن: أبي موسى المدينيِّ، وغيرِهِ، كأبي الفتحِ محمَّدِ بنِ الحَسَنِ الخُوارَزْمِيِّ، ووردَ بغدادَ حاجًّا، فسَمِعَ على الحسينِ الهمذانيِّ الصوفيِّ (٢)، سمع منه: ابنُ أبي الصَّيفِ، وأبو المفاخرِ البيهقيُّ إمامُ الرَّوضةِ الشَّريفةِ، وتلا عليه سليمانُ بنُ خليلٍ العسقلانيُّ (٣) لحفصٍ عن عاصمٍ، وحدّثَ بالحرمينِ، وجاورَ حتَّى ماتَ بمكَّةَ.
وهو معدودٌ في مشيخةِ الحرمِ بها، وفيها ماتَ.
قالَ ابنُ الدَّبيثِيِّ في "ذيله لتاريخِ بغدادَ": أظنُّه أجازَ لنا، وكانَ حيًّا في سنةِ تسعينَ
стр. 2653
وخمس مئةٍ.
قالَ الفاسيُّ في مكَّةَ (١): وجدتُ على حَجَرٍ بالمعلاةِ: هذا قبرُ الشَّيخِ الصَّالحِ الإمامِ فخرِ الدِّينِ محمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ حسينٍ، ويعرَفُ بِجُوبَكَارَ السِّجْزِيُّ، فهو هذا، وتسميةُ جَدِّهِ مخالفةٌ لما سَبَقَ، فاللهُ أعلمُ، وقد ذكرَهُ كلٌّ من الدَّبيثِيِّ وابنِ النَّجارِ في "ذيلهما"، وقالَ ثانيهِما: إنَّه سافرَ البلادَ، وحَجَّ وأقامَ بِمكَّةَ والمدينةِ، مجاورًا إلى حينِ وفاتِهِ، وكانَ من أعيانِ مشايخِ الصُّوفيةِ، وأحدَ عبادِ الله الصالحينَ، حَدَّثَ بشيءٍ يسيرٍ عن الحافظِ أبي موسى المدينيِّ، سَمِعَ منه جماعةٌ مِن الأئمَّةِ، ورَوَوا عنهُ.
٣٤٠٩ - محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ خَلَفِ بنِ عيسى بنِ عسَّاسِ بنِ يوسفَ بدرِ بنِ عليِّ بنِ عُثمانَ، الحافظُ الجمالُ، أبو عبدِ الله الأنصاريُّ، الخَزْرجيُّ، العبَّاديُّ، السَّاعديُّ، المدَنيُّ، الشَّافعيُّ، المؤذِّنُ بالحَرمِ النَّبويِّ، ووالدُ الحافظِ العفيفِ عبدِ الله، ويُعرَفُ بالمطريِّ (٢).
كانَ جدُّهُ خَلَفًا مِن الطُّورِ، فانتقلَ منها إلى المَطَرِيَّةِ، فوُلِدَ له أحمدُ، وانتقلَ إلما المدينةِ ثالثَ ثلاثةٍ لخلوِّها حينئذٍ مِن عارفٍ بالميقاتِ، فعُرفَ بالمَطَرِيِّ، ووُلدَ له صاحبُ الترجمةِ بها، سنةَ ثلاثٍ وسبعينَ وستِّ مئةٍ، كما جَزَمَ به ابنُ فرحونٍ (٣)، وفي سنةِ إحدى وسبعينَ وستِّ مئةٍ، كما جَزَمَ به جماعةٌ، منهم: البدرُ ابنُ فرحونٍ، ثمَّ شيخُنا في "درره" (٤) غير
стр. 2654
مقتصرٍ عليه، بل ذكرَ في آخرِ التَّرجمةِ: أنَّه سنةَ ستٍّ وسبعينَ، وهو الصوابُ، لوجودِهِ كذلك بِخَطِّ وَلَدِهِ، ووصفِهم له في طبقَةٍ تاريخُها سنة ثمانٍ وسبعين بالحضور.
وأُحْضِرَ بها على أبي اليُمنِ ابنِ عساكرَ مصنِّفِ "إتحافِ الزائرِ"، ثمَّ سَمِعَ منه، ومِن غيرِه، كَخَلَفِ بنِ عبدِ العزيز القَبْتوريِّ، سَمِعَ عليه "الشِّفا"، بل قَدِمَ مصرَ مِرارًا، وسمعَ بها مِن الدِّمياطيِّ، ولازمه كثيرًا، والشِّهابَ الأَبَرْقُوهيِّ في آخرين، وحدَّثَ.
وسمعَ عليه "إتحافَ الزائر" محمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ يحيى الخشبيُّ، وعبدُ الله، وعليٌ ابنا محمَّدِ بنِ أبي القاسم بنِ فرحون، وخلفَ والدَهُ في رِئاسةِ المؤذِّنينَ بالمسجِدِ النَّبويِّ، وكانَ مِنْ أحسَنِ الناس صوتًا، ونابَ في الحكمِ والخطابةِ هناك، وكانَ إمامًا عالمًا، مشاركًا في العلوم، عارفًا بأنسابِ العربِ، له يَدٌ في ذلك مع زُهدٍ وعِبادَةٍ، وشعرٍ رائقٍ، وفضائلَ جمَّةٍ. صَنَفَ للمدينةِ "تاريخًا" مفيدًا (١).
وممَّنْ لقِيَه بالمدينةِ وسمَّى جَدَّهُ خلَفًا بالتكبيرِ: أبو عبدِ اللهِ ابنُ مرزوقٍ، وقالَ: قرأتُ عليه الكثيرَ، ووصفَهُ بشيخَنا الإمامِ، جمالِ الدِّينِ. قالَ: وكانَ أحسنَ رجالِ الكمالاتِ في وقتِهِ، وإنَّه سمعَ بقراءةِ العَلَمِ البرزاليِّ عليه، وعلى محمَّدِ بنِ إبراهيمَ المؤذِّنِ، والطَّواشيِّ المغيثيِّ "تحفةَ الزائر"، وعلى الأوَّلَينِ فقط بقراءَةِ الإمامِ نورِ الدِّينِ عليِّ بنِ محمَّدِ بنِ فرحونٍ "الصحيحين".
ماتَ في سابعَ عِشري ربيعٍ الثَّاني، سنةَ إحدى وأربعينِ وسبعِ مئةٍ.
وممَّنْ تَرجَمَهُ: القطبُ الحلبيُّ، ثمَّ شيخُنا، وابنُ صالحٍ، وقالَ: كانَ يُطرَبُ بصوته في
стр. 2655
المئذنَةِ وفي الأسحارِ، قديمُ الهجرةِ، سَمِعَ وروى، وسافرَ ورحلَ، ورأى علماءَ ومشايِخَ وأخيارًا، ودَرَّسَ الحديث بمدرسةِ ابنِ القَلانِسِيِّ، أخذَها بعدَ الشِّهابِ الصَّنْعَانِيِّ.
وكذا ابنُ فرحونٍ، وقال: الشَّيخُ الإمامُ، العلَّامةُ، أقضى القضاةِ، شيخُنا، كانَ إمامًا من أئمَّةِ الحديثِ والتَّاريخِ، والفقهِ، والمشاركةِ في العلومِ، وَلِيَ نيابةَ الحكمِ والخطابةَ والإمامةَ عن القاضي الشَّرَفِ الأُميوطِيِّ، وكانَ ﵀ جمالًا للمنصبِ، مُتخلِّقًا بأخلاقِ كلِّ مَنْ ذكرتُهُ مِنَ الصَّالحين، ليسَ منهم شيخٌ ولا كبيرُ قدرٍ إلا وهو معه في حوائجِهِ، ويساعدُهُ في قليلِهِ وكثيرِهِ، لم نجد بعدَ والدِنا مثلَهُ في الإحسانِ إلينا، والشَّفَقَةِ علينا، وَلِيَ تربِيتَنا وتعلِيمَنَا، والسَّعْي في مصالحِنا كأبينا، وكانَ لكلِّ قادِمٍ إلى المدينةِ كالأهلِ في الإسكانِ والكِسوةِ، والتَّعريفِ، وتربيتهِ عندَ الشيخ والخُدَّام، حَسَنَ المحاضرةِ إذا جلستَ إليه لم تحبَّ مفارقتَهُ، لم يأتِ بعدَهُ مثلُهُ، ولا علمتُ فيمَنْ كانَ بعصرِنا مَنْ له فضلُهُ. كانَ جامِعًا للمحاسِنِ والفضائلِ، صَدْرًا مِنْ صدورِ الأفاضلِ، وقد تخلَّلَ ذكرنا مع مَنْ ذَكَرْنا من الشُّيوخِ العاملين، والأولياءِ الصَّالحين، لم نسمَعْ أحسنَ مِنْ صوتِهِ في المنارَةِ، كان يُفضَّلُ على صاحبِهِ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ إلا أنَّه كانَ لا يبذُلُ عملَه كما كانَ ذاك، فكانَ في عِزَّةِ نفسِهِ، والمحافَظَةِ على مروءَتِهِ في أعلا المقاماتِ، وأسنى التَّنزُّهاتِ.
وقد عَرَضَتْ لي حكايةٌ عنه، فيها تسليكٌ لِمَنْ ذاتُهُ عَلِيَّةٌ، وتعزِيَةٌ لِمَنْ نفسُهُ خَسيسَةٌ رَدِيَّةٌ، وذلكَ أنَّه كانَ في بدايةِ شأنِهِ، وعُنفُوانِ شبابِهِ محُبًّا إلى أترابِه وإخوانه، لا يخرجون إلى زيارةٍ، ولا يجتمعونَ في منتَزَهٍ إلا أخذُوه مَعَهُم، وكانَ قد شَرَكَهُ في المِئذَنَةِ والرِّئاسَةِ بها الشَّيخُ عِزُّ الدِّين المؤذِّنُ، لأنَّ المدينةَ لمّا لم يكنْ فيها مَنْ يُوثَقُ به في
стр. 2656
معرفةِ الأوقاتِ وتحريرِها، بعثوا لها مِن مصرَ ثلاثةَ رؤساءَ، أحدُهم: والدُ صاحبِ التَّرجمة، والثَّاني: إبراهيمُ والدُ محمَّدٍ، والثَّالثُ: عِزّ الدِّينِ، فتُوُفِّي مَنْ عدا الثالثِ، وكانا النِّهايةَ في معرفةِ الوقتِ وحُسْنِ الصوتِ، وبَقِيَ عزُّ الدِّينِ، فطالت مُدَّتُهُ حتَّى أسَّنَّ وعَجَزَ، وكانَ حَسَنَ الهيئةِ، ذا لحيةٍ طويلةٍ ورئاسة مليحةٍ.
واتَّفَقَ أنْ خَرَجَ صاحبُ التَّرجَمَةِ يومًا مع أصحابه، فباتوا قي مسجدِ قُباءَ، وقالَ لعِزِّ الدِّين: قُمْ عَنِّي في نَوبَتِي، فأخلَفَهُ عِزُّ الدِّينِ، فلم يَقُم، وبقيت المئذَنَةُ شاغرةً مِن الرَّئيسِ، فلمَّا جاءَ صاحبُ التَّرجمةِ تكلَّمَ عليه الشَّيخُ عزيزُ الدَّولةِ وأغلظَ، فقالَ له: ما غبتُ حتَّى استنبتُ، ولكن غَرَّني عِزُّ الدِّين، فلم يقبلْ عذرَهُ، وكَثُرَ عليه الكلامُ، فقالَ له الجمالُ: ألكَ عندي غيرُ هذه المئذنةِ؟ الطَّلاقُ الثَّلاثُ يلزمُنِي إنْ أذَّنْتُ فيها حتَّى يموتَ عِزُّ الدِّين وعزيزُ الدَّولة، فتركَه الشَّيخُ، وتركَ الكلامَ معه، وصارَ إذا كانَ الوقتُ يؤذِّنُ على بابِ جبريلَ في الأوقاتِ كلِّها، وأصحابُهُ يَقْتسِمُون عليه الجامِكِيَّةَ (١)، وهي يومئذٍ قليلةٌ، فلما طالَ عُمر عزِّ الدِّين قالَ له النَّاسُ: اعملْ ما عَمِلَهُ غيرُكَ [مِنْ] تركِ الزَّوجةِ بطلقةِ مخالعةٍ، ثمَّ ارجع إلى مئذنَتِكَ، ثمَّ راجعْ زوجَتَك، فقال: لا أفعلُ هذا ولا يُسْمَعُ عنِّي ذلك، ولو كانَ في المئذنةِ ما عسى أنْ يكونَ، ثمَّ إنَّ عزيزَ الدَّولةِ ماتَ، فقيل: إنَّما غضبُكَ مِنْ كلامِهِ وقد ماتَ، فافعلْ ما يفعلُهُ النَّاسُ، فامتنعَ وصبرَ فلما بُنَيِتِ المئذَنَةُ الجديدةُ قيلَ له: إنَّ هذه لم تكنْ موجودةً حينَ يمينِكَ، فاستَقِلَّ بها، فلم يفعلْ، واستمرَّ كذلك حتَّى أرادَ الله تعالى، فجاءَ عِزُّ الدِّينِ
стр. 2657
ليلةً وقد مضى مِن اللَّيلِ نصفُهُ، فدَقَّ بابَ الحرمِ ودخلَ، وقد لحقَه اختلالٌ، فطلعَ المئذنةَ الجديدةَ، تكلَّمَ على عادته، فأنكرَ النَّاسُ قيامَهُ، ثمَّ سكتَ ولم ينزلْ، فطلعوا إليه فوجدُوه ميِّتًا، وذلك في سنة عشرٍ وسبعِ مئةٍ ﵀، وفيها تُوُفِّيَ عزيزُ الدَّولةِ أيضًا، فانحلَّتِ اليمينُ، وطلعَ المئذنةَ في أيامِ الحريريِّ، وكانَ مِن أكبرِ أحبابِهِ، فانظرْ إلى هذه النَّفْسِ الأبيَّةِ والِهمَّةِ العَلَيَّةِ.
وقالَ ابنُ فرحونٍ أيضًا في مقدِّمةِ "تاريخه" (١): حكى لي الشَّيخُ الإمامُ العلامةُ أقضى القضاة جمالُ الدِّينِ هذا: أنَّه كانَ في المدينةِ رجلٌ صالحٌ، عظيمُ القدرِ، مِن أربابِ القلوبِ يقالُ له: الزَّجَّاجُ، وهو مِن جملةِ شيوخِهِ، وشيوخِ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ المؤذِّنِ، وكانا بعدَ موتِ والديهما مؤذِّنَينِ مُتَواخِيينِ في رئاسةِ الأذانِ، يتعاقبونَ في الوقتِ، قالَ الجمالُ: فكنَّا نجيءُ لبابِ المسجد في السَّحَرِ للدُّخولِ لأجلِ الأذان، فنجدُ الشَّيخَ الزَّجَّاجَ قاعدًا على الباب يذكُرُ ويقرَأُ، قال: فأدُقُّ البابَ، فيقولُ لي صاحبُ النَّوبةِ: مَنْ هذا؟ فأقول له: محمَّدٌ، فيفتحُ لي، ثمَّ يجيءُ صاحبي فيفعلُ معه كذلك، ثمَّ كذلكَ لثلاثتِنا، وكانَ اسمُه عبدَ الرَّحمنِ خالَ محمَّدِ بنِ صالحٍ نائبِ الإمامةِ والخطابةِ، قالَ: فخلا الشَّيخُ بي، وقالَ لي: يا محمَّدُ، أنتَ تتصوَّرُ ما أنا وأنتَ فيه في كلِّ ليلةٍ، فقلتُ له: لا علمَ لي، [قال:] صدقتَ لو علمتَ لظهرَ عليك أثرُهُ، ثمَّ قالَ: أحضرْ عقلَكَ، وانظرْ إليَّ كيفَ أبقى بعدَك محجوبًا عن الدُّخولِ، وأنت مأذونٌ لك فيه دوني، فتدخلُ وتجتمع بمحبوبكَ، وذكرَ حكايةً.
стр. 2658
٣٤١٠ - محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ طاهرِ بنِ أحمدَ بنِ محمَّدِ بنِ محمَّدِ بنِ محمَّدِ، الشَّمسُ ابنُ جلالِ الدِّين، المدعوُّ جلالُ ابنُ الزَّينِ ابنِ العلَّامةِ جلالِ الدِّين، الخُجَنديُّ الأصلِ، المدَنيُّ، الحنفيُّ، ويُعرف بابنِ جلالٍ (١).
وُلِدَ في صفرَ سنةَ إحدى وخمسين وثمان مئةٍ بطيبةَ، ونشأ بها، فحَفِظَ القرآنَ وغيرَهُ، وأقبلَ على التَّحصيلِ، فأخذَ ببلدِه عن محمَّدِ بنِ مباركٍ المغربيِّ العربيةَ، ولازمَ أحمدَ بنَ يونسَ المغربيِّ أيضًا فيها، وفي المنطقِ والمعاني والبيانِ والحسابِ، وكذا أخذَ العربيةَ معَ الصَّرفِ عن الشِّهاب الإبشيطيِّ، والفقهَ في الابتداءِ عن عثمانَ الطرابلسيِّ، والأصلينَ عن السيِّدِ السَّمهوديِّ، قرأ عليه "شرح جمع الجوامع" لشيخه المحلِّيِّ، و"شرح العقائد"، وممَّا أخذ عنه في العربيةِ وغيرها، وسمعَ على أبي الفرجِ المراغيِّ، وخالِهِ الشَّمسِ حفيدِ الجلال الخُجنديِّ، كلُّ ذلك بطيبةَ، بل دَخَلَ مكَّةَ غيرَ مَرَّةٍ وأخذَ بها الفَلَكَ والفرائِضَ عن النُّور الزَّمزميِّ (٢)، ولقيَ بها الشَّمْسَ ابنَ أميرِ حاج (٣)، فقرأ عليه غالب "المسايرةِ" لشيخِهِ ابنِ الهُمامِ، وارتحلَ في أثناءِ ذلك وبعدَهُ إلى القاهرَةِ غيرَ مَرَّةٍ، أوَّلها: في سنةِ أربعٍ وسبعينَ، وأخذ عن الأمينِ الأقصرائيِّ، والزَّينِ قاسمٍ الفقهَ وغيرَهُ من الأصلين والعربيةِ وغيرها، وعن التقيِّ الحصنيِّ في عِدَّةِ فنونٍ، بل قرأ عليه "القطبَ"، وعن
стр. 2659
الشَّمسِ الجوجريِّ في الأصولِ، في آخرين كالعلاءِ الحصنيِّ (١) قرأ عليه في "القطبِ مع الحاشية عليهِ للسيِّد"، والزَّينِ زكريا، والسَّمهوديِّ، قرأ على كلٍّ منهما في "التسهيل"، و"نظام ابن الجيبغا" (٢)، ولازمه في أشياءَ، وسمع على الأمينيِّ، والشِّهابِ النَّشاويِّ (٣) والفخر الدِّيَمِيِّ، وغيرهم، وكذا لازمني حتَّى قرأ عليَّ "ألفية الحديث" بحثًا، وغيرها مِن الكتبِ روايةً، حتَّى في مجاورتي الأولى بالمدينةِ، ثمَّ قرأ عليَّ في سنة أربعٍ وتسعين بمكَّةَ قطعةً مِنْ "شرحي على الألفية"، ووقفتُ نسخةً منه هناك تحت نَظَرِه، وتميَّزَ في غالبِ الفنون، وكتبتُ له إجازةً حافلةً، بل أَذِنَ له جَمْعٌ ممن تَقَدَّمَ في الإفتاءِ والتدريسِ، وولي مشيخةَ الزَّماميةِ بمكَّةَ وقتًا، ثمَّ أعرضَ عنها لعدمِ رغبته في الإقامةِ بغيرِ بلده، كما أعرضَ عن دخولِ مصرَ لعدمِ الفائدة فيها، وتقنَّعَ باليسيرِ، وكان شيخُ الخدامِ قانمٌ مِمَّنْ يستفيدُ منه، ثمَّ تزايد اغتباطُ شاهينِ الجماليِّ به، وإقبالُهِ على الاستفادَةِ منه وعيّنه، حتَّى سافر في موسمِ سنة سبعٍ وتسعين إلى الرُّومِ في استخلاص أوقافِ الحرمين، ثمَّ عادَ في موسمِ سنةِ التي تليها، وقد استقرَّ عن ملكها في تدريسِ الحنفيةِ، واتَّفقَ له وما ناله مِن هناك (٤)، سيما وكان قد شرعَ في بناءِ بيتٍ بالمدينةِ، رَكِبَهُ الدَّينُ
стр. 2660
بسببه، وأقرأني سنةَ وفاته بعضَ العجم، و"الحبرت شرح البابية" (١)، ولم يكمله، و"البردةَ" وغيرَ ذلك.
وبالجملةِ فهو فاضلٌ، علامةٌ، ذكيٌّ، بارعٌ، مُتقِنٌ، سريعُ الفَهم والحركة، طارحٌ للتكلُّفِ، كثيرُ الأدب، زائدُ الاغتباطِ بتصانيفي، وليسَ بالمدينةِ حنفيٌّ مثله، دَرَّسَ وأفادَ بالمسجد النَّبويِّ وغيره، في الفقهِ والعربيةِ وغيرِهما، وتأسفْتُ حين مجاورتي الثَّانية بالمدينة على غيبتِهِ عنها، ولمَّا جاءَ تكرَّرَ اجتماعُهُ معي بمكَّةَ، وفارقني في أيامِ الثمان في سنةِ تسعٍ وتسعين راجعًا لبلدِه بعدّ الحجِّ، فماتَ حينَ وصولِه إليها في أواخرِ ذي الحجَّةِ سنةَ تسعٍ، وتركَ أولادًا أربعةً مِن ابنةِ البرهان الششتريِّ، ﵀ وإيانا، ومِن نظمِه:
ركبتُ الخطايا ثمَّ جئتُك تائبًا … وفي توبتي ما قد علمتَ مِنَ النَّقْص
وإني لأرجو العفوَ عما جنيتُهُ … لأنِّي رأيتُ الفَضلَ يشمُل مَنْ يعصى
وقوله:
حملتُ ذنوبًا أثقلَ الظَّهرَ حَملُها … وهذا كتابي للقبائح جامعُ
ووالله ما لي صالحٌ قد عَمِلْتُهُ … ولكنَّنِي في رحمةِ الله طامعُ
وقوله:
إذا ضاقَ صدري أو تَبَلَّدَ خاطري … وأصبَح فكري بالهموم يُوزَّعُ
أُفوِّضُ أمري كلَّهُ لمُدَبِّري … وأسلِمُهُ نفسي فما شاءَ يَصنَعُ
وكتب إليّ بخطه عِدَّةَ قصائدَ، وغيرَها من نظمِهِ.
стр. 2661
٣٤١١ - محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ بنِ محمَّدٍ النَّفطيُّ.
أخو عبدِ الله، وعبدِ الرَّحمنِ، وعبدِ الوهابِ، وعمرَ.
٣٤١٢ - محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ الله، الشِّمسُ القزوينيُّ، ثمَّ المصريُّ، الصُّوفيُّ (١).
سمعَ على المظفَّرِ العطَّارِ (٢) وغيرِهِ، وسَمِعَ منه شيخُنا أحاديثَ بخُليصَ، وقالَ في "إنبائه" (٣): إنَّه كانَ على طريقةِ الشَّيخِ يوسفَ الكورانيِّ العجميِّ، لكنَّه حَسَنُ المعتقَدِ، كثيرُ الإنكارِ على مبتدِعَةِ الصُّوفيةِ، وكانَ كثيرَ الحَجِّ والمجاورةِ بالحرمينِ، ماتَ بمكَّةَ في شعبانَ سنةَ إحدى عشرة وثمان مئةٍ.
٣٤١٣ - محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ سليمانَ (٤)، الشَّمسُ أبو عبدِ الله، القُرشيُّ، الجَعبريُّ، ثمَّ الدِّمشقيُّ، الشَّافعيُّ، ويُعرف بابنِ خطيبِ يَبرُودَ (٥).
وُلدَ سنةَ إحدى وسبع مئةٍ، وسمعَ من الحجَّارِ، وروى بالإجازةِ عن القاضي سليمانَ بنِ حمزةَ وغيره، وأخذ الفقهَ عن البرهانِ ابنِ الفركاحِ (٦)، والمحيوي ابنِ جَهْبَلٍ (٧)،
стр. 2662
والأصولَ عن الشَّمسِ الأصفهانيِّ (١)، وبرعَ فيه وفي العربيةِ مع معرفةٍ بالأدَبِ، وأفتى ودرَّس في أماكنَ ببلادِ مصرَ والشَّام، وولي القضاءَ والخطابةَ بالمدينةِ النَّبويَّةِ، وتفقَّهَ به جماعةٌ، وكانَ مِنْ أعيانِ الشَّافعيَّةِ، ماتَ سنةَ سبعٍ وسبعينَ وسبع مئةٍ، ترجمَه شيخُنا في "درره"، وطوَّله في "الإنباءِ" (٢)، بما يراجع.
وقالَ الفاسيُّ (٣) في مكَّةَ: سَمِعَ على ما ذَكرَ مِن الحجَّاِر، ووزيرةَ "البخاريَّ"، وكانت له يدٌ طولى في الأصولِ، مع معرفةٍ جَيِّدَةٍ بالفقه والأدب، أفتى ودرَّسَ بمشهد الشَّافعيِّ من القرافةِ، وبجامعِ الحاكم بعدَ الشَّمسِ ابنِ اللَّبَّانِ، ثمَّ تركَ ذلكِ للبهاءِ ابن التقيِّ السبكيِّ، وعوَّضه عنه أخوه حسينُ ابنُ التقيِّ (٤) تدريسَ الشَّاميَّةِ البَرَّانِيَّةِ ظاهرَ دمشقَ، فباشرَها سنينَ ثمَّ تركها، وتوجَّهَ للحجازِ في موسمِ سنةِ ستين، وجاورَ بمكَّةَ نحوَ ثلاثِ سنين، كما أخبرني به بعضُ أقربائه، وكانَ جاوَرَ بها قبلي في سنةِ ثلاثٍ وخمسين، ثمَّ توجَّهَ لمصرَ، ثمَّ عاد لمكَّةَ وجاوَرَ بها ثمَّ لمصرَ، ثمَّ بمكَّةَ، وولي قَضَاءَ المدينةِ بعد الحكريِّ سنينَ، ثمَّ عادَ لمصرَ بَعْدَ الحَجِّ من سنة ثمانٍ أو تسعٍ وستينَ،
стр. 2663
وولي بها تدريسَ مدرسةِ أمِّ الأشرَفِ صاحبِ مصرَ سنة سبعين، ثمَّ إلى دمشقَ في سنة إحدى وسبعينَ، وعاد في آخرها إلى تدريسِ الشَّاميَّةِ البَرَّانيَّةِ بعد موت التاج السُّبكيِّ، واستمرَّتْ معه حتَّى ماتَ بعدَ أن سُئِلَ في الرَّغبةِ عنها لمَن فيه أهليةٌ بِعِوَضٍ، فتوقَّفَ تورُّعًا، وماتَ في سادسِ عشرَ شوالٍ، ودُفِنَ ببابِ الصغيرِ.
٣٤١٤ - محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، الجمالُ، أبو الفضلِ ابنُ الشَّاميِّ، الشَّافعيُّ (١).
نزيلُ بالمدينةِ، تفقَّه بالعمادِ إسماعيلَ بنِ خليفةَ الحُسْبَانيِّ بدمشقَ، وأذِنَ له في الإفتاء والتَّدريسِ، وأخذَ عن أبي العبَّاسِ العنَّابي (٢)، والتَّقيِّ ابنِ رافعٍ، وسمعَ مِن ابنِ أُميلةَ، وجُويريةَ، وغيرِهما بدمشقَ ومصرَ وغيرِهما، بل تخرَّجَ مِن المدينةِ بالعفيفِ المطريِّ، وسمعَ منه، واعتنى بهذا الشَّانِ، وكتبَ الطِّباقَ، وكانَ فاضلًا في فنونِه، ذا خطٍّ حسنٍ وحدَّثَ باليسيرِ، وكانَ قد ترافقَ هو وعبد السَّلامِ الكازرونيُّ إلى مكَّةَ، فيقالُ عنهما: دُسَّ عليهما سمٌّ بسببٍ مِن الأسبابِ، فماتا منه، هذا في صفرَ سنةَ تسعٍ وسبعين وسبعِ مئةٍ، ولم يُكملِ الأربعينَ، ودُفنَ بالمعلاةِ، ثمَّ الآخرُ بعدَه بأيامٍ. ترجمَه شيخُنا في "إنبائه" (٣) وأغفلَه مِن "درره".
وترجمَه الوليُّ ابنُ العراقيِّ في "وفياته"، والفاسي (٤) في "تاريخ مكَّةَ"، وقالَ:
стр. 2664
الدِّمشقيُّ الأصلِ، المدَنيُّ المولدِ والدَّارِ، وكناه أبا الفضائل، وأنَّ العمادَ الحسبانيَّ أذنَ له في الإفتاءِ والتَّدريسِ، وكانَ فاضلًا في فنونٍ، ذا خطٍّ حسنٍ.
وقالَ الوليُّ أبو زُرعةَ: الجمالُ ابنُ الشَّاميِّ، اشتغلَ بالحديثِ والفقهِ، والعربيةِ، وبرعَ فيها وسادَ وسعِدَ، ولازمَ ابنَ رافعٍ بدمشقَ، وقدمَ القاهرةَ في أواخرِ عمرِه لأمرٍ حصلَ بينَه وبينَ قاضي المدينةِ، وجاورَ بمكَّةَ، فماتَ بها مسمومًا فيما قيل.
وقد رأيتُ عرضَ أبي اليُمنِ ابنِ المراغيِّ عليه بالمدينةِ سنةَ خمسٍ وسبعينَ وما بعدها حتَّى سنةِ سبعٍ وسبعين، وأخبرَه بروايتِه "للألفيةِ" عن جماعةٍ، منهم: التَّقيُّ ابنُ رافعٍ سماعًا عليه بدمشقَ، أنا (١) بها الشِّهابُ أبو الثَّناءِ محمودُ بنُ سلمانَ بنِ فهدٍ الحلبيُّ (٢)، أنا ناظمُها.
٣٤١٥ - محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ العزيزِ بنِ القاسمِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسمِ بنِ عبدِ الله، قاضي مكَّةَ، وخطيبُها، وعالمُها، الكمالُ أبو الفضلِ الهاشميُّ، العُقيليُّ، النُّويريُّ، المكيُّ، الشَّافعيُّ (٣).
والدُ القاضي محبِّ الدِّينِ الآتي. وُلدَ بمكَّةَ في ليلةِ الأحدِ مُستَهلِّ شعبانَ سنةَ اثنتين وعشرين وسبعِ مئةٍ، وسمعَ بها مِن جدِّه لأمِّه القاضي نجمِ الدِّينِ الطَّبريِّ، وعيسى
стр. 2665
بنِ عبد الله الحِجِّيِّ، وأبي عبدِ اللهِ الوادي آشي، وعيسى ابن الملوك، وآخرين.
وبالمدينةِ مِن: الجمالِ المطريِّ، والزُّبيرِ الأُسوانيِّ.
وبدمشقَ مِن: المِزِّيِّ، والشِّهابِ أحمدَ بنِ عليٍّ الجزريِّ (١)، وتفقَّه بالشَّمسِ ابنِ النَّقيبِ، والتَّقيِّ السُّبكيِّ، والعربية بمكَّةَ عن ابنِ هشامٍ، وأخذ عن الوليِّ المنفلوطيِّ فنونًا من العلم، وانتفعَ به في ذلكَ كلِّه، وبالتَّاجِ المُرَّاكشيِّ حيثُ لقِيَه بدمشقَ، وحصَّلَ مِن العلمِ على أوفرِ نصيبٍ، وصارَ المنظورَ إليه ببلدِه، بل بالحجازِ كلِّه، واشتُهرَ ذِكرُه، وبَعُدَ صِيتُه، وانتهت إليه رئاسةُ الفقهاءِ الشَّافعيةِ بالأقطارِ الحجازيةِ، ويقالَ: إنَّه كانَ يستحضرُ "شرحَ مسلمٍ" للنَّوويِّ، ونابَ في الحكمِ عن خالِه الشِّهابِ الطَّبريِّ، ثمَّ استقلَّ به بعدَ صرفِ التَّقيِّ الحَرازيِّ (٢) حتَّى ماتَ، قُدِّرَ فيه نحوًا مَن ثلاثٍ وعشرين سنةً.
ووليَ معَ ذلكَ خطابةَ الحرمِ، ونظرَه، وحِسبةَ مكَّةَ، وتدريسَ المدارسِ الثَّلاثِ التي لملوك اليمنِ، وهي المنصورية، والمجاهدية، والأفضلية، وكانَ أوَّلَ مَنْ درَّسَ بالأخيرةِ وسكنَها، وإليه نظرُ جميعِها، ووليَ تدريسَ درسِ بشيرٍ الجمدار مشافهةً منه، ودرَّسَ الحديثَ لوزيرِ بغدادَ، والفقهَ للأشرفِ شعبانَ صاحبِ مصرَ، ولم يجتمعْ ذلك لأحدِ قبلَه مِن قُضاةِ مكَّةَ، بل بعضُها لم يكنْ إلا في زمنِه، واستمرَّ على ذلكَ