٣٤١١ - محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ بنِ محمَّدٍ النَّفطيُّ.
أخو عبدِ الله، وعبدِ الرَّحمنِ، وعبدِ الوهابِ، وعمرَ.
٣٤١٢ - محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ الله، الشِّمسُ القزوينيُّ، ثمَّ المصريُّ، الصُّوفيُّ (١).
سمعَ على المظفَّرِ العطَّارِ (٢) وغيرِهِ، وسَمِعَ منه شيخُنا أحاديثَ بخُليصَ، وقالَ في "إنبائه" (٣): إنَّه كانَ على طريقةِ الشَّيخِ يوسفَ الكورانيِّ العجميِّ، لكنَّه حَسَنُ المعتقَدِ، كثيرُ الإنكارِ على مبتدِعَةِ الصُّوفيةِ، وكانَ كثيرَ الحَجِّ والمجاورةِ بالحرمينِ، ماتَ بمكَّةَ في شعبانَ سنةَ إحدى عشرة وثمان مئةٍ.
٣٤١٣ - محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ سليمانَ (٤)، الشَّمسُ أبو عبدِ الله، القُرشيُّ، الجَعبريُّ، ثمَّ الدِّمشقيُّ، الشَّافعيُّ، ويُعرف بابنِ خطيبِ يَبرُودَ (٥).
وُلدَ سنةَ إحدى وسبع مئةٍ، وسمعَ من الحجَّارِ، وروى بالإجازةِ عن القاضي سليمانَ بنِ حمزةَ وغيره، وأخذ الفقهَ عن البرهانِ ابنِ الفركاحِ (٦)، والمحيوي ابنِ جَهْبَلٍ (٧)،
стр. 2662
والأصولَ عن الشَّمسِ الأصفهانيِّ (١)، وبرعَ فيه وفي العربيةِ مع معرفةٍ بالأدَبِ، وأفتى ودرَّس في أماكنَ ببلادِ مصرَ والشَّام، وولي القضاءَ والخطابةَ بالمدينةِ النَّبويَّةِ، وتفقَّهَ به جماعةٌ، وكانَ مِنْ أعيانِ الشَّافعيَّةِ، ماتَ سنةَ سبعٍ وسبعينَ وسبع مئةٍ، ترجمَه شيخُنا في "درره"، وطوَّله في "الإنباءِ" (٢)، بما يراجع.
وقالَ الفاسيُّ (٣) في مكَّةَ: سَمِعَ على ما ذَكرَ مِن الحجَّاِر، ووزيرةَ "البخاريَّ"، وكانت له يدٌ طولى في الأصولِ، مع معرفةٍ جَيِّدَةٍ بالفقه والأدب، أفتى ودرَّسَ بمشهد الشَّافعيِّ من القرافةِ، وبجامعِ الحاكم بعدَ الشَّمسِ ابنِ اللَّبَّانِ، ثمَّ تركَ ذلكِ للبهاءِ ابن التقيِّ السبكيِّ، وعوَّضه عنه أخوه حسينُ ابنُ التقيِّ (٤) تدريسَ الشَّاميَّةِ البَرَّانِيَّةِ ظاهرَ دمشقَ، فباشرَها سنينَ ثمَّ تركها، وتوجَّهَ للحجازِ في موسمِ سنةِ ستين، وجاورَ بمكَّةَ نحوَ ثلاثِ سنين، كما أخبرني به بعضُ أقربائه، وكانَ جاوَرَ بها قبلي في سنةِ ثلاثٍ وخمسين، ثمَّ توجَّهَ لمصرَ، ثمَّ عاد لمكَّةَ وجاوَرَ بها ثمَّ لمصرَ، ثمَّ بمكَّةَ، وولي قَضَاءَ المدينةِ بعد الحكريِّ سنينَ، ثمَّ عادَ لمصرَ بَعْدَ الحَجِّ من سنة ثمانٍ أو تسعٍ وستينَ،
стр. 2663
وولي بها تدريسَ مدرسةِ أمِّ الأشرَفِ صاحبِ مصرَ سنة سبعين، ثمَّ إلى دمشقَ في سنة إحدى وسبعينَ، وعاد في آخرها إلى تدريسِ الشَّاميَّةِ البَرَّانيَّةِ بعد موت التاج السُّبكيِّ، واستمرَّتْ معه حتَّى ماتَ بعدَ أن سُئِلَ في الرَّغبةِ عنها لمَن فيه أهليةٌ بِعِوَضٍ، فتوقَّفَ تورُّعًا، وماتَ في سادسِ عشرَ شوالٍ، ودُفِنَ ببابِ الصغيرِ.
٣٤١٤ - محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، الجمالُ، أبو الفضلِ ابنُ الشَّاميِّ، الشَّافعيُّ (١).
نزيلُ بالمدينةِ، تفقَّه بالعمادِ إسماعيلَ بنِ خليفةَ الحُسْبَانيِّ بدمشقَ، وأذِنَ له في الإفتاء والتَّدريسِ، وأخذَ عن أبي العبَّاسِ العنَّابي (٢)، والتَّقيِّ ابنِ رافعٍ، وسمعَ مِن ابنِ أُميلةَ، وجُويريةَ، وغيرِهما بدمشقَ ومصرَ وغيرِهما، بل تخرَّجَ مِن المدينةِ بالعفيفِ المطريِّ، وسمعَ منه، واعتنى بهذا الشَّانِ، وكتبَ الطِّباقَ، وكانَ فاضلًا في فنونِه، ذا خطٍّ حسنٍ وحدَّثَ باليسيرِ، وكانَ قد ترافقَ هو وعبد السَّلامِ الكازرونيُّ إلى مكَّةَ، فيقالُ عنهما: دُسَّ عليهما سمٌّ بسببٍ مِن الأسبابِ، فماتا منه، هذا في صفرَ سنةَ تسعٍ وسبعين وسبعِ مئةٍ، ولم يُكملِ الأربعينَ، ودُفنَ بالمعلاةِ، ثمَّ الآخرُ بعدَه بأيامٍ. ترجمَه شيخُنا في "إنبائه" (٣) وأغفلَه مِن "درره".
وترجمَه الوليُّ ابنُ العراقيِّ في "وفياته"، والفاسي (٤) في "تاريخ مكَّةَ"، وقالَ:
стр. 2664
الدِّمشقيُّ الأصلِ، المدَنيُّ المولدِ والدَّارِ، وكناه أبا الفضائل، وأنَّ العمادَ الحسبانيَّ أذنَ له في الإفتاءِ والتَّدريسِ، وكانَ فاضلًا في فنونٍ، ذا خطٍّ حسنٍ.
وقالَ الوليُّ أبو زُرعةَ: الجمالُ ابنُ الشَّاميِّ، اشتغلَ بالحديثِ والفقهِ، والعربيةِ، وبرعَ فيها وسادَ وسعِدَ، ولازمَ ابنَ رافعٍ بدمشقَ، وقدمَ القاهرةَ في أواخرِ عمرِه لأمرٍ حصلَ بينَه وبينَ قاضي المدينةِ، وجاورَ بمكَّةَ، فماتَ بها مسمومًا فيما قيل.
وقد رأيتُ عرضَ أبي اليُمنِ ابنِ المراغيِّ عليه بالمدينةِ سنةَ خمسٍ وسبعينَ وما بعدها حتَّى سنةِ سبعٍ وسبعين، وأخبرَه بروايتِه "للألفيةِ" عن جماعةٍ، منهم: التَّقيُّ ابنُ رافعٍ سماعًا عليه بدمشقَ، أنا (١) بها الشِّهابُ أبو الثَّناءِ محمودُ بنُ سلمانَ بنِ فهدٍ الحلبيُّ (٢)، أنا ناظمُها.
٣٤١٥ - محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ العزيزِ بنِ القاسمِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسمِ بنِ عبدِ الله، قاضي مكَّةَ، وخطيبُها، وعالمُها، الكمالُ أبو الفضلِ الهاشميُّ، العُقيليُّ، النُّويريُّ، المكيُّ، الشَّافعيُّ (٣).
والدُ القاضي محبِّ الدِّينِ الآتي. وُلدَ بمكَّةَ في ليلةِ الأحدِ مُستَهلِّ شعبانَ سنةَ اثنتين وعشرين وسبعِ مئةٍ، وسمعَ بها مِن جدِّه لأمِّه القاضي نجمِ الدِّينِ الطَّبريِّ، وعيسى
стр. 2665
بنِ عبد الله الحِجِّيِّ، وأبي عبدِ اللهِ الوادي آشي، وعيسى ابن الملوك، وآخرين.
وبالمدينةِ مِن: الجمالِ المطريِّ، والزُّبيرِ الأُسوانيِّ.
وبدمشقَ مِن: المِزِّيِّ، والشِّهابِ أحمدَ بنِ عليٍّ الجزريِّ (١)، وتفقَّه بالشَّمسِ ابنِ النَّقيبِ، والتَّقيِّ السُّبكيِّ، والعربية بمكَّةَ عن ابنِ هشامٍ، وأخذ عن الوليِّ المنفلوطيِّ فنونًا من العلم، وانتفعَ به في ذلكَ كلِّه، وبالتَّاجِ المُرَّاكشيِّ حيثُ لقِيَه بدمشقَ، وحصَّلَ مِن العلمِ على أوفرِ نصيبٍ، وصارَ المنظورَ إليه ببلدِه، بل بالحجازِ كلِّه، واشتُهرَ ذِكرُه، وبَعُدَ صِيتُه، وانتهت إليه رئاسةُ الفقهاءِ الشَّافعيةِ بالأقطارِ الحجازيةِ، ويقالَ: إنَّه كانَ يستحضرُ "شرحَ مسلمٍ" للنَّوويِّ، ونابَ في الحكمِ عن خالِه الشِّهابِ الطَّبريِّ، ثمَّ استقلَّ به بعدَ صرفِ التَّقيِّ الحَرازيِّ (٢) حتَّى ماتَ، قُدِّرَ فيه نحوًا مَن ثلاثٍ وعشرين سنةً.
ووليَ معَ ذلكَ خطابةَ الحرمِ، ونظرَه، وحِسبةَ مكَّةَ، وتدريسَ المدارسِ الثَّلاثِ التي لملوك اليمنِ، وهي المنصورية، والمجاهدية، والأفضلية، وكانَ أوَّلَ مَنْ درَّسَ بالأخيرةِ وسكنَها، وإليه نظرُ جميعِها، ووليَ تدريسَ درسِ بشيرٍ الجمدار مشافهةً منه، ودرَّسَ الحديثَ لوزيرِ بغدادَ، والفقهَ للأشرفِ شعبانَ صاحبِ مصرَ، ولم يجتمعْ ذلك لأحدِ قبلَه مِن قُضاةِ مكَّةَ، بل بعضُها لم يكنْ إلا في زمنِه، واستمرَّ على ذلكَ
стр. 2666
كلِّه حتَّى ماتَ. نعمْ، صُرفَ عن المدارسِ قبيلَ وفاتِه، ولكنْ لم يصلِ الخبرُ به إلا بعدَ موتِه، ممَّا كانَ عَظُمَ بسببِه منعُه الزَّكيَّ الخروبي مِن تحصيبِ المسجدِ الحرامِ، وقولِه له: إنَّه لا يكونُ إلا مِن مالِ صاحبِ مصرَ، إلى غيرِه مِن معارضاتِه له.
وكان أوَّلُ ما سُعي له في خطابةِ مكَّةَ كُتبَ له محضرٌ؛ ليقفَ عليه أربابُ الحَلِّ والعقد، فيعرفون به أهليته، كتبَ فيه شمسُ الدِّين (١) ابنُ النقيب، والإسنويُّ، والبهاءُ السُّبكيُّ، وهو المحرِّكُ لهذا، بحيثُ كانَ سببًا لدخولِه في الوظائفِ كلِّها.
وحدَّثَ بكثيرٍ مِن مسموعاتِه.
روى عنه: الجمالُ ابنُ ظهيرةَ، وبه تفقَّه، وكانَ يُطريه ويُثني عليه، وكذا درَّسَ وأفتى، وناظرَ، وانتفعَ النَّاسُ به دهرًا، وكانَ ذا يدٍ طولى في فنونٍ مِن العلمِ مع الذَّكاءِ المُفرطِ والفصاحةِ، والإجادةِ في التَّدريسِ والإفتاءِ والخطبة، ووفورِ العقلِ، والجلالةِ عندَ الخاصَّةِ والعامَّةِ، معَ كثرةِ التَّواضعِ معَ الفقراءِ والصَّالحين، وإكرامِهم، حتَّى عادت بركةُ ذلكَ كلِّه عليه، وعلى أولاده، وكثرةِ المروءةِ، والمكارمِ، والبِرِّ بأهلِه وأقاربِه، وزارَ الطَّائفَ والمدينةَ غيرَ مرَّةٍ، وكانَ يقومُ بكثيرٍ مِن الكُلفِ عن رفقائه، واَخرُ قدماتِه المدينةَ في موسمِ سنةِ ثمانين، فجاورَ بها إلى أثناءِ التي تليها، وخطبَ في بعضِ هذه الأيامِ بها، وأمَّ النَّاسَ نيابةً عن ولدِه القاضي محبِّ الدِّين قاضيها وخطيبِها وإمامِها حينئذٍ.
стр. 2667
وطَوَّلَ سِبطُه التَّقيُّ الفاسيُّ (١) ترجمته، وأنَّه لم يتيسَّرْ اجتماعُ ما تقدَّمَ لأحدٍ قبلَه.
قالَ شيخُنا (٢): سمعتُ خُطبتَه مرارًا، لكنْ لم أسمعْ عليه شيئًا، وكذا قالَ في "معجمه" (٣): رأيتُه وسمعتُ خُطبتَه مِرارًا، وذلكَ في سنةِ خمسٍ وثمانين، وكانَ يسردُ فيها عدَّةَ أحاديثَ، وما أدري هل أجازَ لي أم لا، فإنَّني أظنُّ أنَّه حضرَ ختمَ "الصَّحيحِ" في رمضانَ، وأجازَ للسَّامَعِينَ، وكنتُ منهم، وماتَ في رجبٍ. يعني: يومَ الثَّلاثاءِ ثالثَ عشرةَ مِن السَّنةِ التي بعدَها.
قلتُ: وذلكَ بقُربِ مكَّةَ في رجوعِه من الطَّائفِ، ودُفنَ بالمَعلاةِ.
٣٤١٦ - محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ العزيزِ الجَبَرتيُّ الأصل، الحجازيُّ، المدَنيُّ، الشَّهيرُ بجدّه.
وَلِيَ نظرَ الحرمِ النَّبويّ، وكانَ مشكورَ السِّيرةِ، ماتَ سنةَ خمسٍ وستينَ وسبعِ مئةٍ، ذكرَه شيخُنا في "درره" (٤)، والوليُّ ابنُ العراقيِّ في "وفياته".
٣٤١٧ - محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ اللَّطيفِ بنِ محمَّدِ بنِ يوسفَ الأنصاريُّ، الزَّرنديُّ (٥)، المدَنيُّ (٦).
стр. 2668
أخو عبدِ اللهِ الماضي، سمعَ على الزَّينِ المراغيِّ، ومِن ذلكَ في سنةِ اثنتين وثمانِ مئةٍ في تاريخه للمدينةِ.
٣٤١٨ - محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ اللَّطيفِ، الجمالُ، أبو عبدِ اللهِ التَّكريتيُّ الأصلِ، الدِّمشقيُّ، التَّاجرُ، الكارميُّ، نزيلُ مصرَ، ويُعرفُ بالرّنديِّ (١).
كانتْ له مكارمُ، وفيه مروءةٌ، وكانَ يحكي أنَّه توجَّهَ للحجِّ، فحصلَ له في الطَّريقِ خِلطٌ أقعده، بحيثُ لم يكنْ يستطيعُ الحركةَ، بل صارَ يُحملُ في محَفَّة (٢)، فلمَّا دخلَ مكَّةَ تحلَّلَ الخلطُ قليلًا، ثمَّ خفَّ في السَّعي، ثمَّ في التَّوجُّهِ إلى عرفةَ، ثمَّ في الوقوفِ بها، ثمَّ بمِنى، ولم يبقَ منه شيءٌ، فلمَّا عادَ مِن مكَّةَ عادَ له ذلك، فلمَّا وصلَ المدينةَ النَّبويّة وسلَّمَ على النَّبيِّ ﷺ ، استغاثَ به (٣) وتشفَّع، وهمَّ بالقيامِ، فقامَ وخرجَ، كأنْ لم يكنْ به وجعٌ قطُّ، ماتَ في ذي القعدةِ سنةَ ثلاثٍ وعشرين وسبعِ مئةٍ، ذكرَه القطبُ
стр. 2669
الحلبيُّ، ثمَّ شيخُنا (١) باختصارِ، وذكرتُه ليتُأسَّى به في التَّوسُّلِ بالمصطفى ﷺ (٢).
٣٤١٩ - محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ الواحدِ بنِ محمَّدِ ابنِ الشَّيخِ عبدِ السَّلامِ، الشَّمسُ، أبو عبدِ اللهِ ابنُ أبي العبَّاسٍ القليبيُّ (٣).
مِن بيتِ مشيخةٍ وجلالةٍ، كتبَ عنه شيخُنا أبو النّعيم العُقبيُّ، في سنةِ تسعٍ وثمان مئةٍ بحضرةِ الشَّيخِ يوسفَ الصَّفيِّ وجماعةٍ ما أنشده، مِن نظمِه تُجاهَ النَّبيِّ ﷺ ، بالحُجرةِ الشَّريفةِ:
يا خِيرَة الله مِنْ كل الأنام وَمَنْ … لَهُ على الرُسل والأملاكِ مقدارُ
روحي الفداءُ لأرض قد ثوَيتَ بها … بطيب مثواكَ طابَ الكونُ والدارُ
إنّي ظلومٌ لنفسي في اتباع هوى … وقد تَعَاظَمني ذنبٌ وأوزارُ
في أبياتٍ، وذكرتُه هنا مع إخلالِ الشَّرطِ فيه.
٣٤٢٠ - محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ عثمانَ بنِ عبدِ الغني، الشَّمسُ، أبو عبدِ الله الشُّشْتَريُّ (٤) -ويقالَ له: التُّسْتَريُّ أيضًا- الأصلِ، المدَنيُّ.
وُلدَ في ثاني عشرَ ربيعٍ الأوَّلِ سنةَ عشرٍ وسبعِ مئةٍ بالمدينةِ النَّبويّة، وسمعَ من
стр. 2670
الأديبِ أبي محمَّدٍ عبدِ اللهِ بنِ عمرانَ البَسكريِّ قصيدتَه الشَّهيرةَ التي أوَّلهُا:
دارُ الحبيبِ أحقُّ أنْ تهواها
ومن أبي زكريا يحيى بنِ زكريا الحورانيِّ (١) السِّيرةَ المسمَّاةَ "الخلاصة" للمحبِّ الطَّبريِّ، خلا المجلسَ الثَّانيَ، ولم يُعيَّنْ، ومِن أبي عبدِ اللهِ محمَّدِ بنِ محمَّدِ بنِ محمَّدِ بنِ عليِّ بنِ إبراهيمَ بنِ حُرَيْثٍ القُرشيِّ العبدريِّ "الشفا"، إلا المجلسَ الخامسَ، ولم يُعيَّنْ أيضًا، وهو خاتمةُ أصحابِه، ومِن الجمالِ المطريِّ الحافظِ، وغيرِه.
وأجازَ له الوانيُّ، والدَّبوسيُّ، وعبدُ الرَّحمنِ بنُ مخلوفٍ، وعمرُ العتبيُّ، وزينبُ ابنةُ شكرَ (٢)، وجماعةٌ، كالرَّضيِّ الطَّبريِّ، فإنَّه حدَّثَ بالخلاصةِ المشارِ إليها عن ذاك سماعًا، كما عيِّن، وعن الرَّضيِّ إجازةً كلاهما عن المؤلِّفِ سماعًا لأوَّلهِما، وقراءةً للآخر، سمعَها عليه الزَّينُ أبو بكرٍ المراغيُّ، وقرأ عليه "الشِّفا" محمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ عمرَ البَسكريُّ المدَنيُّ في آخرينَ بالحرمينِ، وغيرُهما مِن الأعيانِ، كالجمالِ الكازرونيِّ، والبرهانِ الحلبيِّ الحافظِ، وشيخِنا أبي عبدِ اللهِ ابن المصري (٣)، وكانَ صالحًا، خيِّرًا.
стр. 2671
ترجمَه شيخُنا في "درره" (١)، و"إنبائه" (٢) معًا، وماتَ بعدَ العشاءِ مِن ليلةِ النِّصفِ مِن شعبانَ سنةَ خمسٍ وثمانين وسبعِ مئةٍ بالمدينةِ النَّبويّة، ودُفنَ بالبقيعِ بجانبِ السَّيِّدِ إبراهيمَ ابنِ النَّبيِّ ﷺ ، ﵀ وإيانا.
وقالَ ابنُ فَرحونٍ (٣): الشَّمسُ محمَّدُ بنُ أحمدَ الشُّشتريُّ، الماضي أبوه. صحبَ مع أبيه أبا بكرٍ الشِّيرازيَّ، وقامَا بخدمتِه، فاكتسبا مِن آدابه، وتخلَّقا بأخلاقِه، وكانَ على خيرٍ وعِفَّةٍ، وصلاحٍ، واشتغالٍ بالعلمِ وسماعِ الحديث، سافرَ وارتحل، وله بالمدينةِ آثارٌ حسنةٌ، ومعالمُ مُستحسنة، ومِن ذلكَ: رِباطٌ بالقربِ مِن المسجدِ الشَّريفِ، هو عشُّ الصَّالحين. نفعَ اللهُ به. انتهى، وأظنُّه هذا.
٣٤٢١ - محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ عثمانَ بنِ عمرَ، الشَّمسُ، أبو عبدِ اللهِ التُّونسيُّ، المالكيُّ، نزيلُ الحرمينِ، ويعرف بالوَانُّوغيِّ (٤).
وُلدَ في سنةِ تسعٍ وخمسين وسبعِ مئةٍ بتونسَ، قيل: ظنًّا، ونشأَ بها، وسمعَ مِن مُسندِها أبي الحسنِ بنِ أبي العبَّاسِ البطرنيِّ (٥) خاتمةِ أصحابِ أبي جعفرِ ابنِ الزُّبيرِ، ومِن عالمِها أبي عبدِ اللهِ ابنِ عرفةَ، وعنه أخذَ الفقهَ، والتَّفسيرَ، والأصلينِ، والمنطقِ، بل سمعَ
стр. 2672
عليه أكثرَ تآليفِه في الفقه، وأخذَ عن أبي العبَّاسِ القصَّارِ (١) عدَّةَ كتبٍ في النَّحوِ، وعن غيرِه النَّحوَ أيضًا، وقدمَ القاهرةَ، فأخذَ عن القاضي وليِّ الدِّينِ ابنِ خَلدونٍ الأصلينِ، والمنطقَ، وعلومَ الحسابِ والهندسة، في آخرين.
ثمَّ حجَّ سنةَ ثمانِ مئةٍ، وزارَ النَّبيَّ ﷺ ، وعادَ إلى مصرَ، ثمَّ رجعَ إليها قبيلَ رمضانَ، سنةَ إحدى، فجاورَ، وحجَّ فيها، وسارَ إلى المدينةِ، وتوجَّهَ منها إلى مصرَ بعدَ الحاجِّ بمدَّةٍ، في سنةِ اثنتينِ، ثمَّ رجع إلى مكَّةَ، فحجَّ، ومضى إلى المدينةِ أيضًا، فاستوطنَها، وصارَ يتردَّدُ إلى مكَّةَ في كثيرٍ مِن السِّنين، ثمَّ قدِمَها بأهلِه في سنةِ خمسَ عشرةَ، فجاورَ بها نحوَ أربعةِ أشهرٍ قبلَ الموسم، وقَبِلَ فيها ما يقبلُه الحجازيون مِن القُنوعِ (٢) لضيقِ حالِه، ومضى بعدَ الحجِّ إلى المدينةِ، وتركَ أهلَه، وصارَ يتردَّدُ مِن المدينةِ إليها مما يعرضُ له مِن الجوعِ، إلى أنْ أدركَه الأجلُ بمكَّةَ، وكانَ له بالعلمِ أتمُّ عنايةٍ، وبرعَ في فنونٍ منها: التَّفسيرُ، والأصلانِ، والمنطقُ، والعربيةُ، والفرائضُ، والحسابُ، والجبر والمقابلة.
وأمَّا الفقهُ فمعرفتُه دونَها فيها، وكانَ إذا رأى شيئًا وعاهُ وقرَّره، وإنْ لم تكنْ له به عنايةٌ لشدَّةِ ذكائِه، وسرعةِ فهمِه، وله تأليفٌ على "قواعدِ العزِّ ابنِ عبدِ السَّلامِ"، ذكرَ أنَّه زادَ عليه فيما أصَّله فوائدَ كثيرة، وزادَ (٣) عليه كثيرًا ممَّا قاله، وكذا له أسئلةٌ عشرون في
стр. 2673
فنونٍ من العلمِ تشهدُ بفضلِه، بعث بها مِن المدينةِ يتعرَّفُ أجوبةَ علماءِ الدِّيارِ المصريةِ عنها، فتصدَّى للجوابِ عنها الجلالُ ابنُ البُلقينيِّ، وردَّ عليه كثيرًا ممَّا قالَه، ووصلَ إليه ذلك، فردَّ عليه ما ذكرَه، وكذا له أيضًا فتاوى كثيرةٌ مفرَّقةٌ، لم يتشدَّدْ في كثيرٍ منها لمخالفتِه فيه المنقولَ ومقتضى القواعد، وعليه في بعضها تناقضٌ ظاهرٌ؛ لاختلافِ جوابِه في الواقعةِ الواحدةِ، ممَّا يُقالُ: إنَّه كانَ يقصدُ به مراعاةَ خواطرِ السَّائلينَ، بحيثُ عِيبَ به.
بل عِيبَ أيضًا بكثرةِ إطالةِ لسانِه، بالوقيعةِ في أعيانِ العلماءِ مِن المتقدِّمينَ، بل كانَ لا يُثبت لشيخِه ابنِ عرفةَ في أكثرِ الفنونِ لشيء يعرفُه، ويَعيبُ تواليفه.
ويتعرَّضُ للتقي السُّبكيِّ، ومَنْ هو أعلى كالنَّوويِّ، بل لكثرةِ عُجبِه بنفسِه كانَ يَرى أنَّه لو لقيَ مالكًا وغيرَه مِن الأئمةِ لحاجَّهم، ويقولُ: إنَّه له الإفتاءُ بالشَّيءِ وضدِّه، ولا يُسألُ عن ذلكَ؛ لزعمهِ البلوغَ لرُتبةِ الاجتهاد، ولم يكنْ لأهلِ عصرِه بكبيرِ فضلٍ معترفًا، ولا كانَ في البحثِ مُنصفًا، لحرصِه على ترويجِ حجَّتِه، وإعلاءِ رتبته، وسارعَ لدعوى اتَّفاقِ مذهبِه، بل لدعوى الإجماعِ ممِّا لا يخلو في كلِّه مِن النِّزاعِ.
ولو أعرضَ عن جميعِ هذهِ الأمورِ، وعن إدخالِ نفسِه فيما للنَّاسِ مِن الشُّرورِ، وكذا عمَّا يُنسبُ إليه مِن اتِّباعِ الهوى في الفتنِ، لكانَ الثَّناءُ عليه أكثرَ وأجملَ، ولكنْ لعلَّ بخدمتِه للعلمِ يُكفَّرُ عنه كلُّ ذلكَ.
وكانَ حافظًا للنُّكتِ المستظرفة، والأشعارِ البديعةِ اللَّطيفةِ، ويُنشدُها بصوتٍ حسنٍ، ونغمةٍ مُطربة، كلُّ ذلكَ معَ المروءةِ ولُطفِ العِشرة، وقد حوى كتبًا كثيرةً، ونالَ دنيا واسعةً بالنِّسبةِ إلى مثلِه بعدَ ضِيقِ معيشةٍ، فأذهبَها بتسليفِها بالحرمين لمَنْ لا يتيسَّرُ منه
стр. 2674
كبيرُ خلاصٍ لفقرِه. هذا مع معرفتِه لحاله، ولكنَّ الحاصلَ له على ذلكَ التزامُهم له بالرِّبحِ الكثيرِ الذي لا يحصلُ له منه إلا اليسيرُ، ثمَّ يتَّفقُ له في المطالبةِ بما لا يليقُ بأهلِ العلمِ، مِن كثرةِ التَّردُّدِ لبابِه، وإعراضِ بعضِهم عنه في حالِ طلبِه، واللهُ تعالى يغفرُ لنا وله. وقد حدَّثَ، ودرَّسَ بالحرمينِ الشَّريفينِ في النَّحوِ، والأصولِ، والتَّفسيرِ، وغيرِها.
وممَّنْ أخذَ عنه بالمدينةِ: الشَّمسُ محمَّدُ [بنُ] عبد العزيزِ الكازرونيُّ، وبمكَّة: الجلالُ أبو السَّعاداتِ ابنُ ظَهيرةَ، وعرضَ عليه في سنةِ تسعٍ وثمانِ مئةٍ الحسين حفيدُ أبو اليُمنِ المراغيِّ، وأجازَ للتَّقيِّ ابنِ فهدٍ وغيرِه ممَّنْ أخذنا عنهم، وانتفعَ به فضلاءُ العصر، وأفتى بهما كثيرًا، واشتُهرَ ذِكرُه، وكانَ حسنَ الإيرادِ للدَّرسِ، والكتابةِ على كثيرٍ مِن الفتاوى، وعلى كثيرٍ مِن الكلامِ، ماتَ بعدَ علَّةٍ طويلةٍ في سحرِ يومِ الجمعةِ، تاسعَ عشرَ ربيعٍ الثَّاني سنةَ تسعَ عشرةَ وثمان مئةٍ بمكَّةَ، وصلّي عليه عندَ بابِ الكعبةِ، ودُفنَ ضُحىً بالمَعلاةِ قريبًا مِن قبرِ الشَّيخِ أبي الحسن الشولي (١)، ﵀ وإيَّانا.
وممَّنْ ترجمَه شيخُنا في "إنبائه" (٢)، والفاسيُّ في "تاريخه" (٣)، وطوَّلَ، وهو ممَّنْ أخذَ عنه، وله أجوبةٌ عن مسائلَ عندَ صاحبِنا النَّجمِ ابنِ فهدٍ، وترجمتُه في معجم أبيه، وغيره رحمَهما اللهُ وإيَّانا.
стр. 2675
وقد أخبرني غيرُ واحدٍ، كالتَّقيِّ السِّكندريِّ عنه-، عن الإمام أبي عبدِ الله ابنِ عرفةَ قاضي الجماعةِ، وأبو عبدِ اللهِ محمَّدُ بنُ عبدِ السَّلامِ الهوَّاريُّ (١)، وقرأتُ بعلَوٍّ على أبي إسحاقَ البيضاوي، نا (٢) أبو إسحاق الفقيه، أنا أبو عبدِ اللهِ ابنُ جابرٍ قالا: أنا أبو محمَّدِ ابنُ هارون.
٣٤٢٢ - محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ عليِّ بنِ جابرٍ، الشَّمسُ، أبو عبدِ الله، الهواريُّ نسبًا، الأندلسيُّ مولدًا ومنشأً، المالكيُّ، الضَّريرُ (٣).
وُلدَ -كما سيأتي- في سنةِ ثمان وسبعِ مئة بالمريَّة (٤).
قَالَ ابنُ فرحونٍ (٥): صاحبُنا، وأخونا في اللهِ، الشَّيخُ، الإمامُ، العلَّامة، وحيدُ دهرِه، وفريدُ عصرِه، لسانُ الأدبِ، حجَّةُ العربِ، مجمعُ شتاتِ الفضائل، صاحبُ القصيدةِ الغرَّاءِ الطَّويلةِ المشملةِ على علمِ البديعِ، التي أوَّلُها:
بطيبَةَ انزلْ ويَمِّمْ سيِّدَ الأمم (٦) … وانْشُرْ لَهُ المدحَ وانثُرْ أطيبَ الكلم
стр. 2676
وقد قرأهَا علينا رفيقُه وأخوه في الله، الشَّيخُ الإمامُ، العالمُ العاملُ، رُحلةُ زمانِه، ونادرةُ إخوانِه، أبو جعفرٍ أحمدُ بنُ يوسفَ بنِ مالكٍ الرُّعينيُّ الغرناطيُّ، بحضرتِه في الرَّوضةِ النَّبويّة سنةَ ستٍّ وستين وسبعِ مئةٍ، وكانا قد سألاني أنْ يسمعا عليَّ "صحيح البخاري" فأجبتُهما لذلكَ اغتنامًا لمجالستِهما، واقتباسًا مِن فوائدهما، فكانَ أبو جعفرٍ هو القارئَ، وإذا فرغَ مِن المجلسِ أنشدَ بيتًا مِن "ديوانِ" رفيقِه، وهو ديوانٌ عظيمٌ في مجلدين، لتيسيرِ اللهِ تعالى النَّظمَ عليه، بحيثُ ذَكرَ عنه أنَّه قال: أقدرُ أنظمُ في اليومِ الواحدِ بلا كلفةٍ ثلاث مئةِ بيتٍ، بل كانت تُقترحُ عليه وهو على السِّماط (١) الأشياءُ، فيُملي فيها على الكاتب الأبياتَ المتعددِّةَ، بلا تكلُّفٍ، كلُّ هذا مع البلاغةِ والفصاحةِ، ودقَّةِ المعنى، وغالبُ تصانيفِه منظومةٌ، وكذا لرفيقِه أبي جعفرٍ نظمٌ حسنٌ بديعٌ.
وقد سبقتْ لهما مجاورةٌ بالمدينةِ أيضًا سنةَ ستٍّ وخمسين، وانتفعَ الطَّلبةُ بهما في هاتين المجاورتين، وقُرئَ عليهما كتبٌ متعدِّدةٌ في العربيةِ، والأصلينِ، واللُّغة، والعَروضِ، والبديعِ، وغيرِها، وسُمِعَ عليهما الحديثُ، وفي المجاورةِ الأولى شَرَحَ صاحبُ التَّرجمةِ "ألفيةَ ابنِ مالكٍ" شرحَه المفيدَ، الذي عمَّ به النَّفعُ، واشتُهر اشتهارًا عظيمًا، ولهما معًا تصانيفُ كثيرةٌ، وأوضاعُ مفيدةٌ، ولو رُمنا ذكرَها، ووصفَ محاسنِها، لخرجنَا عن
стр. 2677
المقصود، وكذا قُرئ عليَّ بحضرتِهما تأليفي "العدَّةُ في إعرابِ العمدةِ"، قراءةَ بحثٍ وتفهُّمٍ، وحصلَ بذلكَ خيرٌ كثيرٌ، فإنِّي وضعتُه على مثالٍ لم أُسبقْ إليه، وحَبَرْتُه على منوالٍ لم يُنسج عليه، فصوَّبا -والحمدُ للهِ- ما وضعتُ، وشَكرا إليَّ ما صنعتُ، جزاهما اللهُ خيرًا، وكانَ القارئُ التَّاجَ عبدَ الواحدِ بنَ عمرَ بنَ عيَّاذٍ الماضي وأخوه.
هذان الشيخان واتِّحادُهما، واتِّفاقُهما في الأخلاقِ، والأقوالِ، والأفعال، لم أرَ مثلهما، ولم أسمعْ بذلكَ، لا يملكُ أحدُهما دونَ أخيه شيئًا، ولا يتخصَّصُ عنه بشيءٍ مِن أمورِ الدُّنيا، قلَّ أو جلَّ، ولا يلبسُ أحدُهما غيرَ ملبسِ الآخرِ، لكلِّ واحدٍ منهما مثلُ ما لصاحبِه.
إنْ فصَّلا ثيابًا فمِن نوعٍ واحدٍ، ولونٍ واحدٍ، وكذا في العمائمِ، والفُوَط، والدَّلوق (١)، وثيابِ التَّجمُّلِ، وثيابِ المهنةِ، ولباسِ الشِّتاءِ والصَّيفِ، وكذا الفرشُ والأوطية (٢)، والأنطاع (٣) والوسائدُ، والنِّعالُ وغيرها، وإذا لبِسا لبِسا لونًا واحدًا، بياضًا كانَ أو غيرَه، لا يمكنُ أنْ يُغيِّرَ أحدُهما لباسَه دونَ الآخر، ويأكلان جميعا، ويرقدانِ جميعًا في بيتٍ واحدٍ، وأعرضَا معًا عن التَّزوُّجِ والتَّسرِّي، رغبةً في دوامِ الصُّحبةِ، وخوفًا مِن أسبابِ الفُرقة، وكانَ معهما مملوكٌ لهما يخدمُهما.
وكانَ صاحبُ التَّرجمةِ ضريرًا، بسببِ جُدَريٍّ عرضَ له في صغرِه، بعدَ
стр. 2678
دخولِه المكتبَ في أواخرِ السَّنةِ الخامسةِ مِن عمرِه، فكانَ يعتمدُ على رفيقِه في خروجِهما إلى المسجدِ ورجوعِهما، وفي بلادِهما كانا كذلكَ لا يفترقان أصلا، ولا يعتمدُ على مملوكِه إلا في النَّادرِ إذا حصلَ لرفيقِه عذرٌ عظيمٌ، وإذا دخلَ الإنسانُ بينَهما لم يفرِّقْ بينَ مجلسيهما إلا بالكُتبِ لقربِهما، من أبي جعفرٍ لتساوي القراءتين (١)، وجميع ما ينطق بهما من الأغطية والأوطية.
ومِن أعجبِ الأشياءِ أنَّهما يمرضانِ جميعا، ويصحَّانِ جميعًا، كما شاهدتُه منهما في المجاورةِ الثَّانية، مرضَ أبو جعفرٍ في يومٍ، وأبو عبدِ اللهِ في اليومِ الثَّاني، وتمادَى بينهما المرضُ مدَّةً طويلةً، وكانَ المرضُ واحدًا، وكذا كانَ مولدُهما في سنةٍ واحدةٍ، وهي ثمان وسبعُ مئةٍ، فصاحبُ الترجمةِ بالمَرِيَّة، والآخرُ بغرناطة، ثمَّ اجتمعَا في شبوبيتِهما في مجالسِ العلمِ، فأَلِفَ أحدُهما الآخرَ، فاصطحبَا، ولم يفترقا، لا فرَّقَ اللهُ بينهما بسوءٍ، ثمَّ ارتحلا مِن بلادِ الأندلسِ، ودخلا غالبَ بلادِ المغربِ، ورويا الحديث، وأخذا العلمَ عن الشُّيوخِ، ولهما "تأليفٌ" فيمَنْ اجتمعَا به في رحلتِهما، ثمَّ قدِما المشرقَ بعلمٍ كثيرٍ، وكانَا في سنةِ إحدى وأربعينَ مقيمينِ بدمشقَ، في دارِ الحديثِ، واجتمعَ بهما أخي عليٌّ في تلكَ السَّنةِ بها، ثمَّ ارتحلا إلى حلبَ، فأوطناها إلى الآن، ورتَّبَ لهما السُّلطانُ في البيرةِ (٢) مِن أعمالهِا ما يكفيهما، واشتُهرَ ذِكرُهما وفضلُهما، وخدمَهما رؤساءُ البلادِ، وسَراةُ النَّاسِ، ومدحَهما الأدباءُ وكتَّابُ الإنشاء، وتَخرَّجَ بهما الطَّلبةُ، وهما اليومَ في تلكَ البلادِ
٣٤٢٥ - محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ عليِّ بنِ محمَّدِ بنِ الحسنِ بنِ عبدِ الله بنِ أحمدَ بنِ ميمونِ بنِ راشدٍ، القطبُ أبو بكرِ ابنُ أبي العبَّاسِ القيسيُّ، القسطَلانيُّ، المصريُّ المولدِ، المكِّيُّ، الشَّافعيُّ (١).
وُلِدَ في ذي الحِجَّةِ سنةَ أربعَ عشرةَ وستِّ مئةٍ بمصرَ، وحُملَ في موسمِ سنةِ تسعَ عشرةَ إلى مكَّةَ، فنشأَ بها، وسمعَ بها مِن أبي الحسنِ ابنِ البنَّا (٢) "جامع الترمذي"، وأبي طالبٍ عبدِ المحسن (٣) بنِ أبي العَمِيْد الخَفيفيِّ إمامِ المقامِ بها "أربعي النَّواويِّ"، والشِّهابِ السُّهْرَوَرديِّ "عوارف المعارف" له، ولبسَ منه الخرقةَ (٤)، ثمَّ طلبَ بنفسِه، فقرأَ، وسمعَ مِن جماعةٍ، وأجازَ له الحافظُ أبو الفتوحِ (٥) ابنُ الحصريِّ (٦)، إمامُ الحنابلةِ بها.
وارتحلَ، فسمعَ بدمشقَ مِن إسماعيلَ بنِ أحمدَ العراقيِّ (٧)، وأحمدَ بنِ المُفَرِّجِ بنِ
стр. 2684
مسلمةَ (١) وغيرِهما، وببغدادَ في سنةِ خمسين مِن إبراهيمَ بنِ أبي بكرٍ الزُّعبيِّ (٢)، و أبي السَّعاداتِ عبدِ الله بنِ عمرَ البَنْدَنيجيِّ (٣)، وفضلِ اللّهِ بنِ عبدِ الرَّزاقِ الجيليِّ (٤)، وموهوبِ بنِ أحمدَ الَجُواليقيِّ (٥)، ويحيى بنِ قُميرةَ (٦) وغيرِهم، وبالكوفةِ، ومَنْبِجَ، وحَرَّانَ، وحمصَ، والمعرَّةِ، ودُنَيْسِرَ، والقدسِ، ومصرَ، والمدينةِ، واليمنِ، وعُنيَ بهذا الشَّأنِ، فكانَ فيه مِن ذوي الحفظِ والإتقان.
وقرأَ -على ما ذكرَ- الفقهَ، والتَّفسير، والخلافَ، وأنواعَ العلومِ على النَّجمِ
стр. 2685
بشيرِ بنِ حامدٍ التَّبريزيِّ (١) شيخِ الحَرمِ، وسمعَ عليه "تفسيرَه"، ودرَّسَ بمدرسةِ دارِ زُبيدةَ بالحرمِ بحضرةِ والدِه، وأفتى في سنةِ ثلاثٍ وثلاثين وستِّ مئةٍ فما بعدها كثيرًا، وعُيِّنَ لقضاءِ مكَّةَ في سنةِ خمسٍ وستين فتوفَّق، وحدَّثَ بكثيرٍ مِن مسموعاتِه، وبعضِ تواليفه، وألَّفَ شيئًا يتعلَّقُ بتاريخِ اليَمنِ، وكأنَّه المسمَّى "فواضل الزَّمن في فضائلِ اليمن"، ومختصرًا في علمِ الحديثِ سمَّاه "المنهج المبهج عند الاستماع"، و"المبهمات"، و"ارتفاع الرُّتبة في اللِّباس والصُّحبة"، ومجلسًا في فضلِ رمضانَ، وآخرَ في فضلِ ذي القَعدةِ، و"منسكًا"، وعقيدةً سمَّاها "لسان البيان عن اعتقاد الجنان"، واختصرها، و"حمل الإيجاز في الإعجاز بنار الحجاز"، و"منهاج النبراس في فضائل بني العباس"، و"رسالة الحَمالة وجَلالة الدلالة على إقامة العدالة" جزءٌ، و"تأنيس النّضارة على إقامة الوزارة"، و"النُّصح مِن موارد التَّآلُف في الاقتداء بالموافق والمخالف"، و"الكلام على مسألة تفضيل الأشياء للعزِّ ابنِ عبد السلام"، و"الوِردُ الزائد في بِرِّ الوالد"، وكأنَّه غير "ودِّ الزائد في ورد الوالد"، وغير ذلك.
وحدَّثَ قديمًا في سنةِ تسعٍ وأربعينَ إلى أنْ ماتَ، فسمعَ منه الأكابرُ، كالمَعِينِ الدِّمشقيِّ (٢)، والزَّينِ النَّابلسيِّ (٣)، ورفيقِه الدِّمياطيِّ، والقطبِ الحلبي، وذكرَه في
стр. 2686
"تاريخ مصرَ"، وقال: كانَ إمامًا، عالمًا، محدِّثًا، حافظًا، مِفَنًّا، ثِقةً، حُجَّةً، حسنَ الأخلاقِ، سَخِيًّا، عفيفًا، مُكرِمًا للواردينَ عليه، حسنَ الاستماعِ لما يُقرأ عليه، كثيرَ السَّعيِ في الحوائجِ.
وأكثرَ مِن الثَّناء [عليه] ابنُ سيِّدِ الناس، وقالَ في "أجوبته": وأمَّا السُّؤالُ عن أحفظِ مَنْ لقيتُ، فكانَ في التَّقديمِ، وأولاهم بالتَّعظيمِ، الشَّيخُ الإمامُ، قُدوةُ النَّاسكين، عُمدةُ السَّالكين، قطبُ الدِّينِ، بقيَّةُ العاملين، في آخرين سمعوا منه مِن الأعيانِ، وأثنَوا عليه كثيرًا جِدًّا، وهو جديرٌ بذلك.
فقد نقلَ التَّقيُّ الفاسيُّ (١) عن جدِّ أبيه الشَّريفِ أبي عبدِ الله القاسيِّ أحدِ تلامذةِ القطبِ: أنَّ القطبَ حكى له: أنَّه كانَ يقرأ على أبي عبدِ الله (٢) محمَّدِ بنِ عمرِ بنِ يوسفَ القرطبيِّ (٣) بالمدينةِ النَّبويّة، وساقَ ما سيأتي في القرطبيِّ، وأنَّه سمعَه يقولُ: عاهدتُ الله أنْ لا أردَّ سائلًا، وفضائلُه كثيرةٌ، وترجمتُه محتملِةٌ للبسط، وممَّا قيلَ في مدحِه (٤):
اسْتَوْحَشَتْ مكَّةُ من قُطبِها … واستأنستْ مصرُ به والدِّيارْ
стр. 2687
شيخُ شيوخِ الحرمِ المقتدَى … برأيهِ عندَ الأمورِ الكِبارْ
فيا له قطبٌ مدارُ العُلا … عليه، والقطبُ عليه المدارْ
ماتَ في المحرَّمِ سنةَ ستٍّ وثمانينَ وستِّ مئةٍ بمنزلِه، مِن دارِ الحديثِ الكامليةِ، وكانَ طُلبَ مِن مكَّةَ بعدَ موتِ أخيهِ التَّاجِ لمشيختِها، فوليها حتَّى ماتَ، ودُفن بالقرافةِ، وشهدَ جنازتَه خلقٌ، وضجُّوا عليه بالبكاءِ، وله نظمٌ كثيرٌ، فمنه (١):
إذا طابَ أصلُ المرءِ طابتْ فُروعُه … ومِنْ عَجبٍ (٢) جاءتْ يدُ الشَّوكِ بالوَردِ
وقد يخبُثُ الفرعُ الذي طابَ أصلُه … ليظهرَ صنعُ الله في العكسِ والطَّردِ
وقوله:
علمُ الحديثِ مفيدٌ كلَّ مكرُمةٍ … فادأبْ فديتُكَ يا ذا الجِدِّ والأدبِ
واعكُفْ على الدَّرسِ ليلًا إنْ أردتَ عُلًا … فالعلمُ يُعلي دَنِيَّ الأصلِ في الرُّتَبِ
وقوله (٣):
حقيقٌ على المشتاقِ تعفيرُ خدِّهِ … ببابِ الذي يهواهُ في السِّرِّ والجهرِ
وإيثارُ ما يختارُ في السُّخطِ والرِّضى … وإيثارُ ما يرضيهِ في النَّفعِ والضُّرِّ
وقوله:
إذا كانَ أُنسِي في التزامِي لخلوَتِي … وقلبيَ عنْ كلِّ البَرِّيةِ خَالي
стр. 2688
فما ضرَّنِي مَنْ كانَ لي الدَّهرَ قاليًا … ولا سرَّني مَنْ كان فيَّ مُوالِي
وقوله:
ستأتي مِن الرَّبِّ الرَّحيمِ لطائفٌ … تُوسِّعُ ما قد ضاقَ في السِّرِّ والجهرِ
فكنْ واثقًا بالله وارضَ نَوالَه … تنلْ ما تشا مِن مالكِ الخلقِ والأمر (١)
وقوله:
كنْ قانعًا برغيف … عن رؤية النَّاسِ طُرَّا
واطرحْ همومَك (٢) وافرحْ … واشرحْ لفقرِكَ صدرا
أنبأني (٣) بذلكِ كلِّه -، وسائرِ ما لَه مِن نظمٍ وتأليفٍ في ضمنِ إجازته- أبو عبدِ الله التَّدمُريُّ (٤)، عن الصَّدرِ الميدوميِّ (٥) عنه، وهو خاتمةُ أصحابِه بالسَّماعِ، وأمَّا آخرُهم بالإجازةِ فالشِّهابُ أحمدُ بنُ عليِّ بنِ يوسفَ الحنفيُّ (٦)، إمامُ الحنفيةِ بمكَّةَ. وأثبتُّه في هذا الدِّيوانِ؛ لكونِه أقامَ بالمدينةِ عندَ شيخِه القُرطبيِّ سنةً، بل أُجوِّزُ أكثرَ. ﵀، ونفعَنا به.
стр. 2689
٣٤٢٦ - محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ عليِّ بنِ أبي عبدِ الله محمَّدِ بنِ محمَّدِ بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ محمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ عليِّ بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ سعيدِ بنِ عبدِ الملكِ بنِ سعيدِ بنِ أحمدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ عبدِ اللهِ بنِ عليِّ بنِ محمودِ بنِ ميمونِ بنِ إبراهيمَ بنِ عليِّ بنِ عبدِ الله بنِ إدريسَ بنِ إدريسَ بنِ الحسنِ بنِ الحسنِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ. الحافظُ التَّقيُّ، أَبو الطَّيِّبِ ابنُ الشِّهابِ أبي العبَّاسِ ابنِ النُّورِ أبي الحسنِ الحسينيُّ، الفاسيُّ (١) المكيُّ ( … ) (٢) سِبطُ الكمالِ أبي الفضلِ محمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ عبدِ العزيزِ النُّويريِّ، المكيِّ، قاضيها، وخطيبِها، وعالِمها الماضي.
وُلِدَ في ليلةِ الجمعةِ العشرينَ مِن ربيعٍ الأوَّلِ، سنةَ خمسٍ وسبعينَ وسبعِ مئةٍ بمكَّةَ، وانتقلَ منها في سنةِ تسعٍ وسبعين، أو التي تليها مع أمِّه وأخيه عبدِ اللَّطيفِ إلى المدينةِ النَّبويَّةِ، فأقاموا بها إلى شوَّالٍ سنةَ ثمانٍ وثمانين، وسمعَ بها في سنةِ ثلاثٍ وثمانين مِن أمِّ الحسنِ فاطمةَ ابنةِ الشِّهاب أحمدَ بنِ قاسمٍ الحرازيِّ (٣) "الثقفيات"، وحفظَ بها القرآنَ، و"أربعي النَّواوي"، و"الرِّسالة"، وعرضَها في سنةِ ثمان وثمانين، ثمَّ انتقل هو وأمُّه منها في شوَّالهِا إلى مكَّةَ، فحفظَ بها "العمدة"، وعرضَها في سنةِ تسعٍ وثمانين، وفيها صلَّى التَّراويحَ على العادةِ بمقامِ الحنابلة، و"مختصر ابن الحاجب" الفرعيَّ، وعرضَه في سنةِ اثنتين وتسعين، و"ألفيةَ ابن
стр. 2690
مالك"، وعرضَها في التي بعدَها، وجانبًا مِن "مختصر ابن الحاجب" الأصلي، وأقبلَ على السَّماعِ، فسمعَ مِن ابنِ صِدِّيقٍ، والقاضي عليٍّ النُّويريِّ، والشِّهابِ ابنِ النَّاصحِ المصري (١).
ثمَّ زارَ المدينةَ في سنةِ ستٍّ وتسعين، فسمعَ بها من القاضي البرهانِ ابنِ فَرحونٍ "تاريخها" للمطريِّ، ومِن عبدِ القادرِ الحجَّارِ (٢) عدَّةَ آجزاءٍ، ومِن غيرِهما، ورحلَ إلى القاهرةِ مِرارًا، أوَّلُها: في موسمِ سنةِ سبعٍ وتسعين، فأكثرَ بها سماعًا، وقرأ على التَّنوخيِّ، وابن الشِّحنةِ، ومريمَ ابنةِ الأذرعيِّ، والبُلقينيِّ، وابنِ المُلقِّنِ، والعراقيِّ، والهيثميِّ، والحَلاويِّ، والسُّويداويِّ، وخلقٍ.
وسافرَ منها إلى دمشقَ في التي تليها، فقرأَ -بها وبصالحيتِها، وغيرِها مِن غوطتِها- الكثيرَ من الكتبِ والأجزاءِ على جماعةٍ كثيرين، كأبي هريرةَ ابنِ الذَّهبيِّ، وابنِ أبي المجدِ، وخديجةَ ابنةِ إبراهيمَ بنِ سلطان (٣).
وزارَ بيتَ المقدسِ، وسمعَ به أبا الخيرِ ابنَ العلائيِّ وغيرَه بغزَّةَ، وسمعَ من أحمدَ بنِ محمَّدِ بنِ عثمانَ الخليليِّ (٤)، وبالرَّملةِ ونابلسَ، وغيرِهما.
стр. 2691
وعادَ إلى القاهرةِ في سنةِ اثنتين وثمان مئةٍ، فسمعَ بها مِن جماعةٍ.
ودخلَ فيها إسكندريةَ، ولم يسمعْ بها، بل دخلَ فيها الشَّامَ أيضًا، ورافقَه شيخُنا في هذه الخَطرةِ، وسمعَ شيخُنا منه في بعضِ البلادِ.
ودخلَ بلادَ اليمنِ غير مرَّةٍ، أوَّلهُا في سنةِ ستٍّ وثمان مئةٍ، فسمعَ بها مِن أصيلِ الدِّينِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ حيدرٍ الدّهقليِّ (١) وغيرِه، وأجازَ له أبو بكرِ ابنُ المحبِّ، والتَّاجُ أحمدُ بنُ محمَّدِ بنِ عبدِ الله بنِ محبوبٍ (٢)، والزَّينُ عبدُ الرَّحمنِ ابنُ الأستاذِ الحلبيُّ (٣)، والبرهانُ القيراطيُّ.
وبلغَ شيوخُه سماعًا وإجازةً نحوَ خمسِ مئةٍ، شرعَ في جمعِهم في "معجمٍ الجمالُ ابنُ موسى الحافظِ المراكشيِّ" (٤)، فماتَ قبلَ إكمالِه.
стр. 2692
وأكثرَ من السَّماعِ والشُّيوخِ، وتفقَّهَ بابنِ عمِّ أبيه الشَّريفِ عبد الرَّحمنِ الفاسيِّ (١)، وأبي عبدِ الله الوَانُّوغيِّ، وخلفٍ النِّحريريِّ، وبَهرامَ (٢)، وأذِنوا له في الإفتاءِ والتَّدريسِ.
وأخذَ أصولَ الفقهِ على الوانُّوغيِّ، وخلفٍ، وفتحِ الدِّينِ صدقةَ التِّزمنتي المصريِّ (٣)، والأبناسيِّ، والشَّمسِ القليوبي (٤)، وعنه وعن غيرِه أخذَ النَّحوَ، والحديثَ عن الجمالِ ابنِ ظهيرةَ، والزَّينِ العراقيِّ، والشِّهابِ ابنِ حِجِّي، وأذِنوا له في التَّدريسِ والإعادةِ.
ولازمَ الجمالَ كثيرًا، وتمهَّرَ به في الحديثِ ومتعلَّقاتِه، وكذا أخذَ عن رفيقِه شيخِنا، وانتفعَ به كثيرًا، ووَلِيَ قضاءَ مكَّةَ في شوَّالٍ سنةَ سبعٍ وثمانِ مئةٍ مِن قِبَلِ النَّاصرِ فَرَجٍ، فكانَ أوَّلَ مالكيٍّ وُلِّيَ بمكَّةَ استقلالا، ورتَّبَ له على ذلكَ معلومًا،
стр. 2693
وقُرئ توقيعُه بالمسجدِ الحرامِ في أوائلِ ذي الحجَّةِ منها بحضرةِ أميرِ الحاجِّ المصريِّ كزل العجميِّ (١) وغيرِه، مِن أعيانِ الحجَّاجِ والمكيِّينَ، ثمَّ في سنةِ أربعَ عشرةَ درَّسَ المالكيةَ بالمدرسةِ البنغالية بمكَّةَ، ثمَّ صُرفَ عنها، ثمَّ عن القضاءِ غيرَ مرَّةٍ، آخرُها بالكمالِ أبي البركات محمَّدِ بنِ محمَّدِ ابنِ الزَّينِ القسطلانيِّ، المكيِّ (٢) في أواخرِ سنةِ ثمان وعشرين، لما ذُكرَ عنه مِن العمى، فإنَّه كانَ في الأصلِ أعشى، ثمَّ ضعُفَ نظرُه جِدًّا، فقدِمَ القاهرةَ في أوائلِ التي تليها، فأفتاه فضلاءُ مذهبِه بمقتضى مذهبِهم في كونِ العَمى لا يقدحُ إذا طرأَ على القاضي المتأهِّلِ، بل أفتى آخرون منهم بأنَّه لا يمنعُ ابتداءً فضلًا عن طُرُوِّه.
واستنابَه قاضيها البساطيُّ، وحكمَ بالصَّالحيةِ منها، ثمَّ أُنهي أمرُه إلى السُّلطانِ، ووُصفَ بما يستحقُّه، فأُعيدَ، ورجعَ إلى مكَّةَ، فلم يلبثْ أنْ سعى عليه المذكورُ، حتَّى عُزلَ ثانيًا في أوائلِ سنةَ ثلاثين، فامتنعَ محبُّوه مِن السَّعي له، بل استمرَّ معزولًا حتَّى ماتَ.
وكانَ رحمَه [الله] قد اعتفى بأخبارِ مكَّةَ، فأحيا معالمَها، وأوضحَ مجاهلَها، وجدَّدَ مآثرَها، وترجمَ أعيانَها، وكتبَ لها تاريخًا على نَمَطِ "تاريخ الأزرقيِّ"،
стр. 2694
مُقتصرا … (١) فيه على المقاصدِ المهمَّةِ، مع ضمِّ زوائدَ نفيسةٍ ممَّا عُدِّدَ بعده، وسمَّاه "تحفة الكرام بأخبار البلد (٢) [الحرام] "، ورتَّبه على أربعةٍ وعشرين بابًا، وأهدى منه نسَخًا إلى ديارِ مصرَ، والمغربِ، واليمنِ، والهندِ، ثمَّ إنَّه استطالَ البابَ الأخيرَ، فقسَّمه أبوابًا بلغتْ أربعين، وزادَ فيه أشياءَ كثيرةً مفيدة، تكونُ نحوَ مقدارِه أوَّلًا، بحيثُ لم يخلُ بابٌ مِن أبوابِه مِن زيادةٍ مفيدة، وأصلحَ في كثيرٍ منه مواضعَ كثيرةً، ظهرَ له أنَّ غيرَها أصوبُ منها، وقدَّمَ وأَخَّرَ، فجاءَ كتابًا حافلًا في مجلَّدٍ، سَمّاه "شفاء الغرام بأخبار البلد"، ثمَّ اختصرَه مرَّةً بعدَ أخرى إلى ستةٍ، بل عملَ "العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين" مشتملًا على تراجمَ معَ غيرها، ثمَّ اختصَره مرَّةً بعد أخرى، إلى غيرِهما مِن التآليف، كالذّيول على (٣) "الأعلام النبلاء" للذهبي، و"التقييد" لابن نقطة، و"كالمقنع من أخبار الملوك والخلفاء" و"ولاة مكَّةَ الشرفاء" في كبيرٍ وصغير، و"كالأخرويات" مسوَّدَة، و"جزء في الأذكار والدعوات" و"منسكٌ على مذهب الإمام الشَّافعيِّ ومالك"، واختصر "حياة الحيوان"، وخَرَّجَ لجماعة من شيوخه، بل عمل "المتباينات الأربعين"، و"الفهرست"، كلاهما لنفسه، وحصل الانتفاعُ بما حصَّله النَّجمُ ابنُ فهدٍ منها. وضَيَّقَ في اشتراطِه في وقفها أنْ لا تُعارَ لمكِّيٍّ.
стр. 2695
وقد حَدَّثَ بالحرمين، والقاهرةِ، ودمشقَ، وبلادِ اليمنِ، وكانَ إمامًا، علاَّمةً، فقيهًا، حافظًا، مُفوَّهًا، فصيحًا، له يدٌ طولى في الحديثِ، والتَّاريخِ، والفقه، لم يمتنعْ بعدَ العمى مِن الاشتغالِ بالتَّصنيفِ، ممَّا يدلُّ بوفورِ باعهِ في الجملة؛ وإنِ افتقرَ ذلكَ لتحقيقٍ وتهذيبٍ.
وقد حدَّثنا عنه غيرُ واحدٍ مِن شيوخِنا وأصحابِنا، وهو كما قدَّمتُ ممَّنْ أخذَ عن شيخِنا، وتلمذَ له، وأكثرَ مِن الاستمدادِ منه، والرِّوايةِ، والنَّقل عنه في تصانيفِه، وغيرِها.
وسمعَ منه شيخُنا أيضًا في الرِّحلة. ماتَ في شوَّالٍ سنةَ اثنتين وثلاثين وثمان مئةٍ بمكَّةَ، ودُفنَ بالمَعلاةِ بقربِ الشَّيخِ عليِّ بنِ أبي الكرمِ الشّوليِّ، وكانَ الجمعُ في جنازتِه وافرًا، وكثُرَ الأسفُ عليه، ولم يخلِّفْ بعدَه بالحجازِ في مجموعِه مثلَه، و ترجمتُه محتملةٌ للبسطِ، وقد بلغَ بها في "تاريخه" بمكَّةَ كرَّاسة، ﵀ وإيَّانا.
٣٤٢٧ - محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ عليِّ بنِ محمَّدِ بنِ موسى المحلِّيُّ الأصلِ، المدَنيُّ (١).
حفيدُ النُّورِ، سِبطُ الزُّبيرِ، الماضي أبوه وجدُّه، ممَّن سمعَ على جدِّه محمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ عليٍّ اليحصبيِّ، السَّلاويِّ (٢) الأصلِ، المدَنيِّ المولدِ، المالكيِّ.
رأيتُ بخطِّه "منسك ابنِ فرحون"، كتبَه في سنةِ إحدى وثلاثينَ وثمان مئةٍ، ووقفَه بالمدينةِ سنةَ سبعٍ وأربعين، وقد مضى أبوه.
стр. 2696
٣٤٢٨ - محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ عمرَ المؤذِّنُ.
سمعَ في سنةِ سبعَ عشرةَ وثمان مئةٍ على الجمالِ الكازرونيِّ في "البخاريِّ".
٣٤٢٩ - محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ أبي الفتحِ ابنِ أبي غالبٍ، أبو أحمدَ ابنُ القطيعيِّ، ويُعرف بالمُسَدِّي (١).
وُلِدَ سنةَ ستين وخمس مئةٍ ببابِ البصرةِ، وروى عن: أبي شاكرٍ السَّقلاطوني (٢). سمعَ منه الطَّلبةُ، وحجَّ في سنةِ سبعٍ وعشرينَ وستِّ مئةٍ، وسقطَ بينَ الحرمينِ عن الجَمَلِ، فاندقَّتْ فخذه، فأقامَ بالمدينةِ حتَّى ماتَ في أوائلِ التي تليها. ذكرَه ابنُ النَّجَّارِ، ثمَّ الذَّهبيُّ (٣).
٣٤٣٠ - محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ قاسمٍ المدَنيُّ.
أخو عبد العزيزِ، والد أبي الفرج.
٣٤٣١ - محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ ابنِ جلالٍ، الشَّمسُ الخُجَنديُّ الأصلِ، المدَنيُّ، الحنفي (٤).
стр. 2697
الماضي أبوه وجدُّه، وجدُّ أبيه. وُلِدَ في أواخرِ ذي الحجَّةِ سنةَ ثلاث وسبعين (١) وثمان مئةٍ بالمدينةِ، ونشأَ بها في كنفِ أبويه، وماتَ أبوه وهو في السَّابعةِ، فكفلته أمُّه، وهي ابنةُ أخت فتحِ الدِّينِ ابنِ صالحٍ.
وحفظ "القرآن"، و"الأربعين"، و"الكنز"، وغالب "ألفية النحو".
وبحث "الكنز" سماعًا وقراءةً عندَ ابنِ عمِّه الشَّمسِ ابنِ جلالٍ، وعنه أخذ في "الهداية"، والفرائضِ، والحسابِ، وقرأ عليه "منسكه"،
وعلى عمِّه البرهانِ جميعَ "الكنز"، وكذا على المجدِ الزَّرنديِّ (٢) غيرَ مرَّؤ، وعلى خيرِ الدِّينِ المالكيِّ (٣) النَّحوَ وغيرَه، وعلى الشَّمسِ البُلبيسيِّ النَّحو، و"النزهة" لابن الهائم، وكذا قرأ في النَّحو على أبي الفضلِ ابنِ الإمامِ، وقاضي الحنفيةِ النُّورِ الزَّرنديِّ، وعثمان (٤)، والرُّكن الإيجي (٥)، والشمس البسكري، وأبي الطيب النُّقَاوسي (٦).
стр. 2698
وقرأ على السَّيِّدِ السَّمهوديِّ مجالسَ من مؤلَّفه المختصرِ في معالمِ المدينةِ.
وسافرَ لمصرَ سنةَ تسعٍ وتسعين، فقرأ على الدِّيَميِّ في "البخاريِّ"، ولازمَه في غيرِ ذلك، وعلى النُّور المحلِّي في "ابن عقيل"، وعلى عبدِ البَرِّ ابنِ الشِّحنةِ في "الكنز"، وسمعَ عليه غيرَ ذلكَ، وعلى الجمالِ الصالحي (١) شرحَ قاضي الشَّافعية زكريا لـ "الشذور"، بل حضرَ عندَ القاضي نفسِه، وعلى خالدٍ النَّحويِّ (٢) في النَّحوِ وغيرِه، وحضرَ وسمعَ على التَّقيِّ ابنِ الأوجاقي (٣) في "البخاري" ببيتِ حاجبِ الحجَّابِ تنبك قَرا (٤) وبقراءته، ثمَّ لقِيَه بالمدينةِ في ذي الحجَّةِ سنةَ إحدى وتسعِ مئةٍ، فسمعَ مِن لفظه "المسلسل"، وحضرَ بالقاهرةِ عندَ ابن الدهانة (٥)، في آخرينَ، ولازمَني في مجاورتين، وممَّا حملَه عنِّي "شرح التقريب".
وهو حسنُ الفهمِ، واستقرَّ في إمامةِ الحنفيةِ بعدَ عمِّه البرهانِ، وكانَ ينوبُ عنه في حياتِه، ورأيتُ معَه استدعاءَ إجازةٍ فيه جماعةٌ، منهم: الخطيبُ ابنُ أبي
стр. 2699
عمر (١) وعبد الخالق (٢) العقيبة. قيل: وعبدُ الغنيِّ ابنُ البساطيِّ (٣)، وآخرين ممَّن أصغرُ منهم.
٣٤٣٢ - محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ محمَّدِ بنَ إبراهيمَ ابنِ الجلالِ الخُجَنديُّ (٤)
[أخو] الذي قبله من أبيه. وشقيق عليٍّ الماضي (٥). [وابن أخي إبراهيم بن محمَّد. ذكرَه المؤلِّفُ في "ضوئه"، وقالَ: وُلدَ في سنةِ أربعٍ وسبعين وثمانِ مئةٍ بمكَّةَ … (٦) المدنيُّ الأصل، المكيُّ، الحنفي [واشتغل بـ] "الكنز"، وسمع مني بمكَّةَ في المجاورةِ الثَّالثةِ، بل قرأ في التي تليها قطعةً مِن "سنن أبي داود"، ولازمَني في أشياء، وفي غضونِ المدَّتينِ دخلَ القاهرةَ، واختصَّ بالزَّينيِّ عبدِ الغنيِّ ابنِ الجيعانِ (٧)، وبعضِ مَنْ يلوذُ به، ثمَّ سافرَ إلى الدابول، فأحسنَ إليه صاحبُها، ودخلَ عدَنَ، ودامَ بها مدَّةً، وهو الآنَ -سنةَ تسعٍ وتسعين- غائبٌ في الهند] (٨).
стр. 2700
٣٤٣٣ - محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ محمَّدِ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ العزيزِ بنِ القاسمِ بنِ عبد الرَّحمنِ الشَّهيدِ النَّاطقِ ابنِ القاسمِ بنِ عبدِ الله، قاضي مكَّةَ، وخطيبها، العزُّ، أبو المفاخر ابنُ قاضي الحرمينِ وخطيبِهما المحبِّ أبي البركاتِ ابنِ قاضي مكَّةَ وخطيبِها الكمالِ أبي الفضلِ، القُرشيُّ، الهاشميُّ، العَقيليُّ، النُّويريُّ، المكيُّ، الشَّافعيُّ (١).
وُلدَ في سحرِ ليلةِ الاثنين حادي عشرَ رمضانَ سنةَ خمسٍ وسبعين وسبعِ مئةٍ بالمدينةِ النَّبويّةِ، وأمُّه قنديلُ الحبشيةُ فتاةُ أبيه، ونشأَ بها في كنفِ أبيه، وهو حينئذٍ قاضيها، وسمعَ بها الحديثَ -فيما أظنُّ- مِن أمِّ الحسنِ ابنةِ أحمدَ بنِ قاسمٍ الحَرازيِّ، ثمَّ انتقلَ معه إلى مكَّةَ لما وَليَ قضاءَها، وسمعَ "البخاري" على ابن صِدِّيقٍ، وأجازَ له في سنةِ ستٍّ وسبعين مِن دمشقَ ابنُ أُميلةَ، والصَّلاحُ ابنُ أبي عمرَ، والبدرُ ابنُ الهَبَلِ، وغيرُهم.
وحفظَ "التنبيه"، وأكثر "الحاوي"، وكانَ يُذاكرُ به، وتفقَّهَ مدَّةً طويلةً بالجمالِ ابنِ ظهيرةَ، وقليلا بالأبناسيِّ، قرأ عليه في سنةِ إحدى وثمانِ مئةٍ في "الحاوي"، وأجازه بالإفتاءِ والتَّدريسِ، ونابَ عن والدِه في الخطابة، والقضاءِ، والتَّدريسِ بدرسِ بشير (٢)، ثمَّ انتقلَ بها مع باقي وظائفِ أبيه بعدَه، إلى أنْ صُرفَ