في مطلوبِهِ، وبذلتُ جُهدِي معه حتى حَصَلَ عَلَى مقصودِهِ، فصَفا قَلبُهُ وأَعَرَضَ عَن جميعِ مَا كَانَ سَمِعَهُ.
واستمَرَّ واستنابَ في فصلِ الخُصُوماتِ الفقيهَ أحمدَ الفاسيَّ المشار إليه، ثم بعد موتِهِ الشِّهابَ أحمدَ التَّادِليَّ، ثم عَزَلَهُ واستنابَ الجمالَ المَطَرِيَّ في الأحكامِ، بل وفي الخَطَابَةِ والإمامَةِ، ومات في سنهِ خمسٍ وأربعينَ وسبعِ مئةٍ بالمدينةِ، يعني في صَفَرِها، ودُفِنَ شَامِيَّ قُبَّةِ سيِّدنا عثمانَ من البقيعِ (١).
وعبَّر المَجْدُ عن أكثرِ هذا مَعَ زياداتٍ أتى فيها بِعِبَارَاتٍ رائِقَةٍ وإشاراتٍ شائِقَةٍ، لا تُسْتكْثَرُ على مثلِهِ في تفنُّنِهِ وفَصَاحتِهِ، ولُغَاتِهِ المُنْفَرِدِ بها عن أهلِ تحقيقِهِ ونقلِهِ (٢).
وقال ابنُ صالحٍ: إنه كان مُعِيدًا بالقاهرة عندَ البدرِ ابنِ جماعَةَ، وأن ولايتَهُ كانت وهو ابنُ ستٍّ وخمسينَ سنة، ولم يَحُجَّ قبل ذلك، واستمَرَّ في القضاءِ سبع عشرة سنةً، وسافرَ في قضائِهِ إلى مصرَ والشَّامِ مَرَّتَينِ، وأشكُّ في الثانيةِ، وكان كثيرَ الفضائِلِ له أبحاثٌ مُطْرِبَةٌ، حَسَنَ العبارة والخُلُقِ، طَلْقَ اللسانِ، فَصِيحَ الكلامِ، عظيمَ التَّواضُعِ، يقولُ لأصغَرِ الطَّلَبَةِ في المحافلِ إذا أشارَ إليه بالسُّؤالِ: لَبَّيْكَ، ويجلِسُ في الدَّرسِ على الحصيرِ إن كان في المدرسةِ، وعلى البَطْحاءِ إن كان في المسجدِ، وكان من خِيارِ وقتِهِ، ويقولُ: إنه ينتمي لِسيِّدنا عثمانَ من جِهة النِّساءِ، ولذا دُفِنَ بالبقيعِ
стр. 3152
خلفَ قُبَّتِهِ، وكان يحكِي عن البدرِ ابنِ جماعَةَ قولَهُ: قَطْعُ الرُّؤوسِ ولا قَطْعُ الدُّرُوسِ، ورَجَعَ من القاهرةِ في سنةِ أربعٍ وأربعينَ وهو مَرِيضٌ، فَبَقِيَ كذلك أَشْهرًا من التي بعدها ومات، واستنابَنِي قبل موتِهِ في الإمامةِ والخطابةِ، بل كُنتُ قبل ذلك أُصَلِّي بالناسِ في غَيبتِه بعضَ الصَّلواتِ، وبيننا موَدَّةٌ كبيرَةٌ.
وذكرَهُ شيخُنا في "دُرَرِهِ" (١) فقال: إنَّه برع في الفقهِ، وسمع من غازي الحلاويِّ "الغيلانياتِ" ومن أبي الحسنِ ابنِ الصَّوَّافِ مَسْمُوعَهُ من "النَّسائيِّ"، ومن القُطْبِ القَسْطَلانِيِّ وغيرهم، ووَلِيَ قَضاءَ بِلْبيس والإِعادَةَ بالنَّاصِرِيَّةِ وغيرِها، والتَّدريسَ بالجامعِ الظَّافِريِّ، ثم لَخَّصَ مما تقدَّمَ ترجمَتَهُ، وأنه وَلِيَ القضاءَ والخطابةَ والإمامةَ بالمدينةِ النبويَّةِ، واشْتَدَّ في تأييدِ السُّنَّةِ، وكان مُهابًا، فَسَطَا على فقهاءِ الإماميَّةِ وسبَّهُم على المنْبَرِ ووبَّخَهُم في المَحَافِل، وكان يحمِلُ على نفسِهِ في اتِّباعِ السُّنَّةِ والجِدِّ في العبادَةِ، ويَحُجُّ على حمارٍ، ولم يكن يدخُلُ المحرابَ بل يُصَلِّي على يَسَارِهِ.
وأَبْطَلَ صَلاةَ نِصْفِ شَعْبانَ بعد أن اعتادُوها (٢) دهرًا، وزينةَ المسجدِ وكثرَةَ الوَقيدِ، فارتفعَ فسادٌ، ومَنَعَ من الهياجِ في المسجد، ونزل مَرَّةً من المنبرِ فَضَربَ رَجُلًا من الإماميَّةِ تنفَّلَ كَهَيْئَةِ الظُّهرِ، ومع ذلك فلم يقدِرْ على رفع حُكَّامِ الإماميَّةِ، وله خُطَبٌ مُدَوَّنَةٌ تُسَمَّى "الجواهرَ السَّنِيَّة"، ولم يَزَلْ على ولايتِهِ حتى ماتَ.
стр. 3153
ذكره ابنُ رافعٍ في "معجمِهِ" وقالَ: إنَّ الذي عُرِفُ بالأُمْيوطيِّ هو جَدُّ أبيه إبراهيمَ. انتهى.
وهو قريبُ شيخِ شُيوخِنا الجمالِ إبراهيمَ بنِ محمَّدِ بنِ عبد الرَّحيمِ بنِ إبراهيمَ بنِ يحيى بنِ أحمدَ الأُمْيوطيِّ والدِ شيخِنا الزين عبد الرحيمِ (١)، يجتمعانِ في إبراهيمَ.
[٣٨٤٤] مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ عُثْمانَ بنِ عبد الغَنِيِّ الشَّرَفُ ابنُ الشَّمْسِ التُّسْتَرِيُّ (٢)، المَدَنِيُّ، الشافعيُّ (٣)
والدُ أحمدَ ومُحَمَّدٍ، وأخو عبد الله والشَّمْسِ مُحَمَّدٍ.
سَمِعَ من أبيهِ "السِّيرَةَ النبويَّةَ" للمحبِّ الطَّبَرِيِّ، ومن أبي الفَرَجِ ابنِ القارِي بعضَ الجزءِ الثالثِ من رواية "ساكِنِي دارَيَّا" لأبي القاسمِ ابنِ عَسَاكِرَ (٤)، وأجازَ له الصَّلاحُ ابنُ أبي عُمَرَ، وابن أُمَيلَةَ، وابنُ الهَبَلِ، والكمالُ بنُ حَبيبٍ، وأخوهُ حُسينٌ، والعِمادُ ابنُ كثيرٍ، وابنُ قَوالِيجَ،
стр. 3154
ومُحَمَّدُ بنُ عُمَرَ ابنُ قاضِي شُهْبَةَ، والأَذْرِعِيُّ، وابنُ المُرَحِّلِ، ومُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ بنِ عَمَّارٍ الحارِثِيُّ، ومُحَمَّدُ بنُ عبد الله العاقُولِيُّ (١)، ومُحَمَّدُ بنُ عبد الله الصَّفَوِيُّ، وغيرُهم، وحدَّثَ.
سَمِعَ منه الفُضَلاءُ، قرأ على التَّقِيِّ ابنِ فَهْدٍ في سنةِ اثنتي عشرةَ وثمانِ مئةٍ، ورأيتُهُ فيمن سَمِعَ على الزَّينِ أبي بكرٍ المراغيِّ، مات ( … ) (٢).
[٣٨٤٥] مُحَمَّدٌ الشَّمْسُ أخوهُ
[٣٨٤٦] مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ أحمدَ المُحِبِّ، الشَّمْسُ الدِّمَشْقِيُّ (٣)
رأيتُ بِخَطِّ الشَّمسِ مُحَمَّدِ بنِ عبد العزيزِ الكازَرُونِيِّ، وهو مِمَّنْ سَمِعَ عليه: أنه جاورَ بالمدينةِ، وقد سَقَطَ من نسخةٍ مُحمَّدٌ ثالثٌ، فهو مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ المُحِبِّ عبد الله، وسيأتي (٣٨٨٩).
стр. 3155
[٣٨٤٧] مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ عبد العزيزِ الشَّرَفُ أبو القاسمِ ابنُ الكَمالِ أبي الفَضْلِ ابنِ قاضي الحَرَمَينِ المُحِبِّ أبي البركاتِ ابنِ القاضي الكمالِ أبي الفَضْلِ، الهاشِمِيُّ، العَقِيليُّ النُّوَيرِيُّ، المَكِيُّ، الشَّافِعِيُّ، الخَطِيبُ الضَّرِيرُ (١)
وُلِدَ في ذي الحِجَّةِ سنة اثنتي عشرة وثماني مئةٍ بمكةَ، وأُمُّهُ أمُّ الحسينِ ابنة القاضي عليِّ بنِ أحمدَ النُّويرِيِّ، ونشأ فَحَفِظَ القرآنَ و"أربعي النَّوويِّ" و"منهاجَهُ" ومعظَمَ "الشاطِبِيَّةِ" و"الألفيَّةِ" و"المنهاجِ الأصِليَّ"، وعرضَ على ابن الجزَريِّ، والعَلَمِ الإِخْنَائيِّ، وسالمٍ المغرَبيِّ قاضي المالكيَّةِ بدمشقَ (٢)، وأبي شَعْرٍ (٣)، والجمالِ الشَّيبيِّ (٤)، وحضر على الزَّينِ أبي بكرٍ المراغِيِّ (٥).
ودخلَ القاهرةَ غير مَرَّةٍ أَوَّلُها: في سنة اثنتين وأربعينَ، فَسَمِعَ بها من شيخِنا وغيرِهِ، وجاوَرَ بالمدينةِ كثيرًا، ومات بعد أن أَضَرَّ في ليلة الخميسِ
стр. 3156
سَلْخَ شعبانَ سنة خمسٍ وسبعينَ وثماني مئة بمكة، ودُفِنَ عند سَلَفِهِ بالمَعْلاةِ، وكان متواضعًا متودِّدًا كثيرَ التلاوة سيَّما بعد ذهابٍ بَصَرِهِ.
[٣٨٤٨] مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ محمُودِ بنِ إبراهيمَ بنِ أحمدَ بنِ رُوزْبَه ناصرُ الدِّينُ أبو الفَرَجِ ابنُ العلَّامَةِ الجمالِ أبي عبد الله ابنِ الصَّفِيِّ ابنِ الشَّمْسِ الكازَرُونِيُّ، ثُمَّ المَدَنِيُّ، الشَّافِعِيُّ (١)
أخو عمرَ الماضي (٣٠٥٧)، ويعرَفُ بأبي الفَرَجِ الكَازَرُونِيِّ.
وُلِدَ في ليلة الثلاثاء سابعَ ربيعٍ الأوَّلِ سنةَ خمس وتسعينَ وسبع مئةٍ بالمدينةِ، وأُحْضِرَ بها في سنةِ ثمانٍ وتسعينَ على أبي إسحاقَ إبراهيمَ بنِ عليِّ ابنِ فَرحُونٍ "الشِّفَاءَ" بِفَواتاتٍ يسيرة، "والمُوَطَّأَ" روايةَ يحيى بنِ يحيى بِقِراءَةِ أبي الفتحِ المراغيِّ، وفي رمضانَ من التي تليها على ابن صِدِّيقٍ "صحيحَ البخاريِّ" بفواتاتٍ يسيرةٍ، وقرأه هو وغيرُهُ على أبيهِ، وكذا سَمِعَ على الزينِ أبي بكر المراغِيِّ "الأربعينَ" لأبي سعدٍ النيسابوريِّ، و"الأربعينَ" التي خَرَّجها شيخُنا له من مرويَّاتِهِ، ومما سمِعَهُ عليه أيضًا في سنة اثنتين وثماني مئة في "تاريخِ المدينةِ"، وسَمِعَ على الرَّضِيِّ المطَرِيِّ والدِ المُحِبِّ، وسليمانَ السَّقَّا، ثم على أبي الفَتْحِ المراغيِّ وغيرِهِ، وأجاز له الزَّينُ العِرَاقِيُّ، ودخل دمشقَ، وحضرَ بها دروس الشِّهاب الغَزِّيِّ، والشَّمْسِ الكَفِيرِيِّ، وابنِ قاضي شُهْبَةَ، وزار القُدْسَ والخَلِيلَ، وكذا دخلَ حَلَبَ فأجازَ له
стр. 3157
حافِظُها البُرهانُ، والقاهِرَةَ غيرَ مَرَّةٍ، فأخَذَ أولا عن الشَّرَفِ ابنِ الكُوَيكِ وأجازَ له، ثم في سنةِ ثلاثٍ وأربعينَ، وسَمِعَ على الزّينِ الزَّرْكَشِيِّ بعضَ "صحيحِ مسلمٍ"، وقرأ في شوالٍ سنة خمس وأربعين على شيخِنا "الخِصَالَ المُكَفِّرَةَ" له.
وكان قد حَفِظَ القرآن وتلا به لِعاصمٍ وأبي عمرٍو على الزَّينِ بنِ عَيَّاشٍ و"الحاويَ" و"المنهاجَ الأصلِيَّ" و"ألفيةَ ابنِ مالك"، وعرضَ على جماعة، وأخذَ الفقهَ عن الزَّينِ المراغِيِّ، وانتفعَ بأبيه فيه وفي غيرِه، وقرأ عليه "البخاريَّ" وغيرَهُ، وكذا أخذ بحثًا عن النَّجْمِ السَّكاكِينِيِّ "الحاويَ" و"التَّلخِيصَ" في المعاني والبيان و"ألفيةَ ابنِ مالك"، وأَذِنَ له سنةَ إحدى وثلاثين في الإفتاءِ والتَّدْرِيسِ، ووَصَفَهُ: بِجَوهَرَةِ العُلَماءِ، ودُرَّةِ الفُضَلاءِ، لِسانِ العَرَبِ، وتُرْجُمانِ الأَدَبِ، الأَفْضَلِ الأَمجَدِ.
وأخذَ أيضًا النَّحوَ والأُصُولَ عن أبي عبد الله الوانُّوغِيِّ، وتَصَدَّى للتدريسِ والرِّوايَةِ، وقرأ عليهِ "البخاريَّ" قريبُهُ مُسَدَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عبد العزيزِ الكَازَرُونِيُّ غيرَ مَرَّةٍ، وكذا قرأه عليهِ ابناهُ الجلالُ أبو السَّعاداتِ وعبد السَّلامِ الأوَّلُ، والشمسُ محمدُ بنُ أبي الفرجِ المراغيُّ، ومُحَمَّدُ بنُ عليِّ بنِ محمدِ ابنِ الخياطِ أَحَدِ رُؤَساءِ المؤذِّنينَ بالمدينة، أجاز لي، وماتَ بعد ابنِهِ أبي السعاداتِ بيسيرٍ في ذي الحجة سنة سبع وسِتِّين، ودُفِنَ عند والده بالبقيع، رحمهما الله.
стр. 3158
[٣٨٤٩] مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ مسعُودٍ، ناصِرُ الدِّينِ أبو الفَرَجِ ابنُ الزَّينِ أبي المَعَالِي، ابنُ الشَّهابِ المَغْرِبيُّ الأَصْلِ، المَدَنِيُّ المالِكِيُّ ابنُ أُخْتِ التَّاجِيِّ عبد الوهَّابِ، ابنِ يَعْقُوبَ المالِكِيِّ والدِ النَّجْمِيِّ مُحَمَّدٍ قاضي المالِكِيَّةِ بالمدينَةِ، ثُمَّ بِمَكَّةَ (١)
ويُعْرَفُ بِالمُزَجِّجِ.
سَمِعَ على مُحَمَّدِ بنِ مُبارَكٍ "الشِّفَاء" في سنة سِتٍّ وستين وثماني مئةٍ، ولازَمَنِي بمكةَ في المجاورَةِ الثَّالِثَةِ، حتى سَمِعَ عليَّ "المُوَطَّأَ" وغيرَهُ روايةً وتَفَهُّمًا، وكانت له بعضُ مشاركةٍ، ويُنَسُبَ لِتَعاني الكِيمياء، مات في ربيعٍ الأوَّلِ سنةَ خمسٍ وتسعينَ بالمدينة، ودُفِنَ بالبقيعِ، ﵀ وعفا عنه، وأَظُنُّ أَوَّلَ من قطنَ المدينةَ مِن آبائِهِ مُحَمَّدَ بنَ مَسْعُودٍ، ووُلِدَ ابنُهُ أحمدُ بها، أَحَدُ مَن سَمِعَ على الزينِ المراغِيِّ وغيرِهِ، ومضى (٢٨٨).
[٣٨٥٠] مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ مُوسَى بنِ أبي بكرِ بنِ أبي العِيدِ، أوحَدُ الدِّينِ وناصِرُ الدِّينِ وشَمْسُ الدِّينِ وخيرُ الدِّينِ -وهو الذي اسْتَقَرَّ- أبو الخيرِ بنُ الشَّمْسِ السَّخَاوِيُّ، ثُمَّ القاهِرِيُّ، ثُمَّ المَدَنِيُّ، قاضيها المالِكِيُّ كأبيهِ الماضي (٢)
ويعرَفُ بِالسَّخَاوِيِّ، وبابْنِ القَصَبِيِّ.
стр. 3159
وُلِدَ في سنة اثنتين وأربعين وثمان مئةٍ بِسَخَا، ونَشَأ في كَنَفِ أبيه، فَحَفِظَ القرآنَ و"العمدَةَ" و"البرهانِيَّةَ" في أصولِ الدين لأبي عمرٍو عثمانَ السَّلالجِيِّ (١)، و"الشاطبِيَّةَ" و"ألفيةَ الحَدِيثِ" و"مختصرَ الشَّيخِ خليلٍ" وكذا "الرِّسالَةَ" و"الرَّحبيَّةَ" في الفرائِضِ و"التنقيحَ" في الأصولِ للقَرَافِيِّ، و"الجَرُّومِيَّةَ" و"ألفيَّةَ ابنِ مالكٍ" و"كفايَةَ المُتَحَفِّظِ" في اللُّغَةِ لأبي إسحاقَ إبراهيمَ الأَجَدابيِّ (٢)، و"عَروضَ ابنِ الحاجِبِ" و"بِديعيَّةَ شَعبانِ الآثَارِيِّ" (٣)، وعرضَهُ أبوهُ على مَنْ دَبَّ ودَرَجَ، حتى على الظَّاهِرِ جُقْمُقَ، وأَنْعَمَ عليه، فكان منهم من الشافعيَّةِ: العَلَمُ البُلْقِينِيُّ، والمَحَلِّيُّ، والمُنَاوِيُّ. ومن الحَنَفِيَّةِ: ابنُ الدَّيرِيِّ، وابنُ الهُمَامِ، والشُّمُنِّيُّ، والأَقْصُرَائِيُّ، وعبد السَّلامِ البغدادِيُّ. ومن المالكيَّةِ: أبو القاسمِ النُّوَيرِيُّ، والوُلَّوِيُّ السُّنْبَاطِيُّ، وأبو الجُودِ البَنَبِيُّ (٤). ومن الحنابلةِ: العِزُّ الكناني، وابنُ الرَّزَّازِ (٥). بل حَضَرَ
стр. 3160
مع والدِهِ بالكامِلِيَّةِ عند شيخِنا، وسَمِعَ على جماعةٍ كثيرينَ: كالرَّشِيدِيِّ، والنَّسَّابَةِ بالكامِلِيَّةِ وغيرِها، وأخذَ عنِّي أشياءَ، وتناولَ مِنِّي "القولَ البَدِيعَ"، وقرأَهُ بالمدينةِ النبويةِ، وتلا للسَّبْعِ على الزَّينِ جَعْفَرَ السَّنْهُورِيِّ، وللنَّصْرِ إلى آخرِ القُرآنِ، وللفاتحةِ إلى ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ على التَّاجِ عبد المَلِكِ الطُّوخِيِّ (١)، والشِّهابِ السَّكَنْدَرِيِّ كُلُّهُم بالقاهِرَةِ، وإلى ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ على الشَّمْسِ مُحَمَّدِ بنِ يوسُفَ الدَّيرُوطِيِّ (٢) بها، وإلى أَوَّلِ الأعرافِ على أبي الحسَنِ ابنِ يَفْتَحُ اللهُ، وقرأ في الفِقْهِ وغيره على المَحْيَوِيِّ ابنِ عبد الوارثِ (٣)، وكذا أخذ عن القَرَافِيِّ ويحيى العَلَمِيِّ والسَّنْهُورِيِّ واللَّقَّانيِّ (٤) في آخرينَ، منهم الشِّهَابُ الأُبَّدِيُّ، وشاركَ الأكابِرَ في الأخذِ عنه وعن كثيرينَ، ولازمَ أحمدَ ابنَ يُونُسَ في كثيرٍ من الفنونِ، وكانت له به مزيدُ اعتناءٍ، بِحيثُ إِنَّه لما تحوَّلَ لمصرَ القديمَةِ، لإقراء بَنِي ابنِ حُرَيزٍ بعدَ سفر والدِهِ لِقَضاءِ المدينةِ، ورأى الشَّيخُ منه التألُّم لكونه بِسَبَبِ ذلك تَشُقُّ عليه مُلازَمَتُهُ، فقال: بل أنا أتحوَّلُ معك لمصر، ثم فعلَ، وكذا الأمينيُّ الأقْصُرَائِيُّ، وكان يبيتُ عنده
стр. 3161
ويُقرؤُهُ في المبيتِ لجانبه شفقَةً وحُنُوًّا، وبالمدينةِ الشِّهابُ الأُبْشِيطِيُّ في الجَبْرِ والمقابَلَةِ والصَّرفِ والعربية والعَروضِ وغيرِها، وسَمِعَ بالمدينة على أبي الفَرَجِ المراغِيِّ، وأخذ عن التَّقِيِّ الحِصْنِيِّ في فنونٍ كالأصلينِ والمنطقِ والعربيةِ والمعاني، بل قرأ على العلاءِ الحِصْنِيِّ غالب "التَّلخِيصِ" وحضر دروسَهُ في غيرِ ذلك، وقبل هذا حَضَرَ دُروسَ العِزِّ عبد السلامِ البغداديِّ، وقرأ في الأصولِ على أبي العبَّاسِ الشَّريشِيِّ الحنفيِّ، ورَأَى ابنَ الهُمامِ قصدَهُ للزِّيارَةِ بالزاويةِ فكانَ كُلٌّ منهما حريصًا على تقبيلِ يَدِ الآخرِ لإِجْلالِ كُلٍّ منهما له، وتميَّزَ في الفضائِلِ، وأَذِنَ له القَرَافِيُّ فمَنْ بعده، وكذا الحسامُ بنُ حُرَيزٍ وأخوهُ وأكثرَ من التَّرَدُّدِ للقاهرَةِ، وزار في بعضِها القُدْسَ والخَليلَ، وكذا دخل الفَيُّومَ، ونابَ في القضاءِ بالقاهرَةِ، وأوقفَنِي على شرحٍ لأماكِنَ من "المختصرِ" (١) أكملَ منه من القضاءِ إلى آخرِ الكتابِ، وقُرِئَ عليه بالمدينةِ، وله نَظْمٌ ونَثْرٌ ومحاسِنُ، مع عَقْلٍ تَامٍّ ودُرْبَةٍ زائِدَةٍ وتَوَاضُعٍ وخِبْرَةٍ وحِرْصٍ.
ولَمَّا زادَ ضَعْفُ أبيه راسل يسأَلُ في استقرارِهِ عِوَضَهُ، وذلك في سنة اثنتين وتسعين فَأُجِيبَ، وكان كَلِمَةَ إجماعٍ في عقلِهِ وسِياسَتِهِ والإصلاحِ بين الأخصامِ بحيثُ لم أَرَ في المدينةِ أَمْتَنَ منه في ذلك، واستَرْوَحَ به شيخُ الخُدَّامِ شاهينُ الجَمَاليُّ مع تَوَجُّهِهِ للإقراءِ والإفادةِ، والمحافَظَة على السُّبُعِ، كلُّ ذلك بِتُؤَدَةٍ وسُكُونٍ، ولمَّا قَدِمَ عليهم زَرُّوقُ المغربيُّ -وهو في الفضائلِ سِيَّما التَّصَوُّفُ مُتَمَيِّزٌ- لازمه في إقرائِهِ لشرحهِ "لَطَائِفِ
стр. 3162
الحِكَمِ" (١) وغيرِه، وهو أَحَدُ القضاةِ المطلوبينَ للقاهرة في سنة سِتٍّ وتسعين، ثم عادوا في التي تَلِيها مجبورِينَ محبورِينَ، كان الله له.
[أقولُ: واستَمَرَّ على جلالَتِهِ وعَظَمَتِهِ في وظيفَتِهِ حتى تعلل بطنه مدةً ومات في يوم الأربعاء تاسعَ عشرَ جمادى الأولى عامَ ثلاثةَ عشرَ وتسعَ مئةٍ، وصُلِّيَ عليه بالروضةِ الشريفةِ، ودُفِنَ بالبقيعِ، ﵀ وإيانا، وولي القضاءَ بعدَهُ ولدُهُ … ] (٢).
[٣٨٥١] مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ، الشَّمْسُ البَسْكَرِيُّ، المغربِيُّ، المالكِيُّ، المُقِرئ (٣)
نَزِيلُ المدينةِ ومستَوطِنُها، وأخو أحمدَ الماضي (٢٥٠)، ويعرَفُ بِالبَسْكَرِيِّ وبابنِ ثايرٍ. وُلِدَ بِبَسْكَرَةَ تقريبًا سنةَ خمسين أو بعدها، ونَشَأ بها فَحَفِظَ القرآنَ، ثم ارتحل قبل استكمالِ العشرينَ إلى نقاوسَ (٤)، فنزل زاويةَ الشيخِ الوليِّ قاسمِ ابنِ مَذْكُورٍ (٥)، وأخذ عنه الطريقَ وجَوَّدَ عنده القرآنَ، وحَفِظَ "الرسالةَ" و"مورِدَ الظَّمآنِ" للخَرَّازيِّ في عِلْمَيِ الرَّسْمِ والضَّبْطِ،
стр. 3163
و"البَرِّيَّ" في التجويدِ (١)، و"الجَرُّوميَّةَ" في العربية، وبعضَ "الألفيةِ"، وتفهيمهما على أخي قاسِمٍ المذكورِ سليمانَ، ودام هناك أربعَ سنينَ، ثم ارتحل، ولَقِيَ بِقَفْصَةَ (٢) عبد الوهابِ الطُّريفنِيَّ (٣)، فتلا عليه واشتغل عنده، وبطرابُلْسَ أبا العبَّاسِ أحمدَ بنِ محمَّدِ الدَّهمانِيِّ (٤) فأخذ عنه في الطريق، ودام عنده أربعَ سنين، وتحوَّلَ لمصرَ، واجتمعَ فيها بأبي المواهبِ ابنِ زغدانَ (٥)، وأخذ عنه في التصوُّفِ، ثم أتى مكة بَحْرًا، ثم إلى المدينةِ فَقَطَنها، وتلا بها للسَّبْعِ إفرادا، وسَبْعًا على الشمسِ الشُّشْتَرِيِّ، ولِوَرْشٍ على الشَّمسِ المسْكِينِ، وتفَهَّمَ عليه "الشاطبيَّةَ" و"الألفِيَّةَ"، وكذا أقرأ بعضَ "الشاطبِيَّةِ" على خيرِ الدِّينِ السَّخاوِيِّ، ولازم والده الشَّمْسَ في الفقهِ والروايةِ، وعاد لمصر في سنةِ أربعٍ وثمانين، فتلا على الإخميميِّ للعَشْرِ، وتفهَّم معه "الشاطبيَّةَ" و"متن القطرِ" لابنِ هشامٍ، و"تصريفَ العِزِّيِّ" وشرحَ "بابِ وقفِ حمزةَ وهِشامٍ" لابنِ أُمِّ قاسِمٍ (٦)، وسورةَ البقرَةِ للسَّبْعِ خاصَّةً على الزين الهيتَمِيِّ والشِّهابِ الصَّيرَفيِّ، وللعشرِ على جَعْفَرِ
стр. 3164
السَّنْهُورِيِّ والنُّوبِيِّ (١)، ثم رجعَ إلى المدينة، ثم بعد سنتينِ لمصرَ، فتلا بها للعَشْرِ على الزَّينيِّ زكريا بعضَ القرآنِ، وقرأ على الدِّيَمِيِّ بعضَ "البُخَارِيِّ"، وسمع عليه أشياءَ.
ثم رجع إلى المدينةِ، وبعد سنة عادَ لمصرَ، وذلك سنة خمس وتسعين، فلازم بها البرهانَ ابنَ أبي شريفٍ، وعبد الحَقِّ السُّنْباطِيَّ، وسليمانَ البَحِيرِيَّ (٢)، وحسنَ الشُّورِيَّ (٣)، والدِّيَمِيَّ؛ مشتغلًا في الفقه والرِّواية والأصول والعربية والقراءات وغيرها، ثم عاد بحرًا إلى المدينة، وأخذ عنِّي قبلَ ذلك وبعدَه بها الكثيرَ درايةً وروايةً، بل دخل دمشقَ في أثناء ذلك، وأخذ بها عن عبد النَّبِيِّ المغرَبِيِّ (٤) في الأصلَينِ، وعكفَ بالمدينة على الاشتغالِ، وشاركَ في الفضائل سِيَّما القراءاتِ والجبرِ، بحيث لم يأنَفْ الأخذَ عمَّنْ يرى فضيلَتَهُ من الوارِدِين، ومنهم شَخْصٌ أعجمِيٌّ قرأ عليه "تلخيص المفتاح"، وأقرأ الطلبة "ألفيةَ النحو" غير مرة وحلَّقَ بأُخرَياتِ المسجِدِ.
стр. 3165
وممَّنْ كان يقرأُ عليه في القراءات قَانِمٌ الفقيهُ شيخُ الخُدَّامِ، ثم شَاهِينُ الجَمَاليُّ، وانتفع بِصُحبَةِ أوَّلِهما، وقد تلا عليه للسَّبعِ إلى ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾، وأجاز له جميعُ المذكورينَ وكتبوا له، وكذا كتبتُ له ( … ) (١)، (وهو والدُ أبي البقاءِ وأبي الطَّيِّبِ) (٢).
[٣٨٥٢] مُحَمَّدٌ البدرُ ابنُ شيخِنا الشَّمْسِ مُحَمَّدِ بنِ إسماعيلَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أحمدَ ابنِ يُوسُفَ العُمَرِيُّ، الونَائِيُّ الأصلِ، القاهريُّ، الشافعيُّ (٣)
سِبْطُ النُّورِ التِّلْوانِيِّ، له سُبْعٌ بها أحدثه في سنة تسعِ مئةٍ، وكان وُلِدَ بالقاهرة في ليلةِ الجمعة ثاني رمضانَ سنةَ تسعٍ وعشرين وثمانِ مئةٍ، ونشأ بها، فَحَفِظَ القرآنَ وصلَّى به التراويحَ في جامعِ الأقمر (٤)، وحضر ختمَهُ شيخُنا، ثم حَفِظَ "الاهتمامَ" (٥) و"التنبيهَ" و"تصحيحَهُ" للإسنويِّ، و"جمعَ الجوامِعِ" و"ألفيَّةَ الحديثِ" و"النحو"، وعرض على غيرِ واحِدٍ كشيخِنا، بل قرأ عليه "ألفيَّةَ الحديثِ"، والقاياتيِّ، والعَلَمِ البُلْقِينِيِّ، والجلالِ المحلِّيِّ، والسَّعدِ ابنِ الدَّيرِيِّ، والبدران العينيِّ وابنِ التِّنَّسِيِّ، وعُبادة (٦)، وابن الهُمَامِ،
стр. 3166
والعِزِّ البغدادِيّ وغيرِهم، واشتغلَ على أبيه، وبعده تَشَاغَلَ بالزِّراعةِ والمعاملات فيها وفي غيرِها، وتموَّلَ جِدًّا وصار مُشارًا إليه بحيث هدده الأشرفُ قايتباي وأخذ منه أكثرَ من عشرَةِ آلافِ دينارٍ، وهو عليُّ الهِمَّةِ، محبٌّ في الإطعامِ.
[٣٨٥٣] محمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إسماعيلَ بنِ يُوسُفَ بنِ عُثْمانَ بنِ عمادٍ (١) الشَّمْسُ ابنُ (٢) العِمادِ الحَلَبِيُّ الأصلِ الحِجَازِيُّ المدنِيُّ المولدِ، المَكِيُّ، ثُمَّ القَاهِرِيُّ، الشَّافِعِيُّ (٣)
الماضي أبوه (٣٤٤٠)، ويعرَفُ بابنِ الحَلَبِيِّ وبابنِ أُخْتِ الغَرْسِ خليلٍ السَّخَاوِيِّ. وُلِدَ سنة تسع وتسعين وسبع مئة بالمدينةِ النبويةِ، ونشأ بمكةَ في كَنَفِ أبيه، فَحَفِظَ القرآنَ، وسمع على ابنِ صِدِّيقٍ "الأمالي والقراءةَ" لابني عَفَّانَ (٤)، وقدمَ القاهرةَ، ووَلِيَ بها نظرَ دارِ الضَّرْبِ وقتًا، وسافر بِحِمْلِ الحرمينِ في بعض السنين، وصَحِبَ الظاهرَ جُقْمُقَ بانْضِمامه لخالِهِ وأثرى، وكان خَيِّرًا دَيِّنًا حَسَنَ الخَطِّ، منجمعًا عن الناس، مُدِيمًا للجماعةِ في سعيدِ السُّعداءِ وشهودِ السُّبْعِ بها غالبًا، وله بُستانٌ فيه مَنَظَرةٌ وأماكِنُ سُفْلِ قنطرة الحاجبِ، ولجماعَةٍ من الفُضَلاءِ إليه بعضُ التَّرَدُّدِ، كالشِّهاب
стр. 3167
التُّوتيِّ (١)، والعَلَمِ سليمانَ الحُوفيِّ (٢)، وربما كان صاحبُ الترجمة يقرأُ عليه وعلى غيرِهِ، اجتمعتُ به في بستانِهِ، وسمِعْتُ منه من نَظْمِ والده شيئًا، بل قرأتُ عليه "الأمالي" المذكورَةَ، ومات في ربيعِ الأول سنة خمسٍ وخمسين وثمانِ مئةٍ، ﵀ وإيانا.
[٣٨٥٤] مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ أبي بكرِ بنِ الحُسينِ بنِ عُمَرَ، أبو الرِّضَا ابنُ الجمال أبي اليُمْنِ ابنِ الزَّينِ العُثْمانِيُّ، المراغِيُّ الأصلِ، المدنيُّ، الشافعيُّ (٣)
أخو حسينٍ الماضي (٩٢٣) وأبوهُما (٣٤٥٤)، سَمِعَ على جَدِّهِ، وقُتِلَ مع أخيهِ وأبيهِما بِدَرْبِ الشَّامِ.
[ ....... ] مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدٍ، الزَّينُ أبو بكرِ بنُ ناصِرِ الدِّينِ أبي الفَرَجِ المراغِيُّ (٤)
ابنُ عَمِّ الذي قبلَهُ، يأتي في "الكنى" (٤٧٨٣).
стр. 3168
[٣٨٥٥] مُحَمَّدٌ الشَّمْسُ والجمالُ أبو عبد الله وأبو نصرٍ الشَّافِعيُّ المُقْعَدُ (١)
أخو الذي قبله. وُلِدَ في صفرٍ سنة أربعٍ وثلاثين وثمانِ مئةٍ بطيبةَ، ونشأ بها، فَحَفِظَ القرآنَ عند أبي بكرٍ المغرِبِيِّ (٢)، وانتفع ببركتِهِ، بحيثُ إنه لم يحتَجْ إلى إعادةٍ، و"المنهاجينِ" الفَرعِيَّ والأصِليَّ، و"الجَرُّوميَّةَ"، و"ألفيةَ ابنِ مالكٍ" و"الشاطبيَّةَ" ونصفَ "ألفيةِ الحديثِ" الأَوَّلَ، وعرضَ على جماعةٍ كالمحبِّ المَطَرِيِّ وفتحِ الدين ابنِ صَالِحٍ والجمالِ ابنِ فَرحُونٍ والشَّمسِ محمَّد بن عبد العزيزِ وأبي الفَرَجِ بنِ الجمالِ الكَازَرُونِيَّينِ في آخَرِينَ منهم، مِمَّنْ لم يجز السَّيِّدُ عليٌّ شيخُ الباسِطِيَّةِ المَدَنِيَّةِ، وأجازَ له باستدعاءِ والدِهِ شيخُنا وجماعَةٌ، وباسْتِدْعاءِ ابنِ فَهْدٍ خَلْقٌ، وجوَّدَ القرآنَ على ابنِ عبد العزيزِ المشارِ إليه، بل تلاه بالسَّبْعِ على السَّيِّدِ إبراهيمَ الطَّبَاطِبِيِّ، وتفقَّهَ بالكازَرُونِيَّينِ، فَسَمِعَ على أَوَّلِهما ما عدا الرُّبْعَ الأوَّلَ من "الحاوي" بَحثًا، في سنة ثمان وأربعين بقراءةِ المُحِبِّ ابنِ أبي السعاداتِ ابنِ ظهيرَةَ، وكذا بَحَثَهُ هُو و"المنهاجَ" عند ثانِيهما، بل قرأ عليه أيضا "البخاريَّ"، بل أُحْضِرَ على والده الجمالِ الكازَرُونِيِّ في أثناء الرابعة، وأثناء الخامسة بعضَ "الصحيحينِ" و"ابنِ ماجَهْ" و"الشِّفَاءَ"، وكذا أخذ الفقهَ أيضًا مع العربيةِ عن أبي الفتحِ ابنِ تَّقِيٍّ، وأصولَ الفقه عن أبي السعاداتِ ابنِ ظهيرَةَ، وسَمِعَ عليه بحثَ "المنهاجِ الأصليِّ"، والأمينيِّ الأقصرائيِّ في سنةِ ثلاثٍ
стр. 3169
وخمسينَ التي جاورَ منها بالمدينةِ نِصْفَها، قرأ عليه من أول "البيضاوِيِّ" إلى العامِّ والخاصِّ، وقرأ عليه "الشِّفَاءَ"، وسَمِعَ عليه "البخاريَّ" بقراءَةِ الشيخِ عليٍّ الدَّيرُوطِيِّ (١) وغيرِهِ، وأصولَ الدِّين عن ابنِ الهُمامِ في سنة سبعٍ وخمسينَ، بل سَمِعَ عليه في فقهِ الحَنَفِيَّةِ كلُّهم بالمدينة، ولازَمَ بها الشِّهابَ الإبْشِيطِيَّ في الفقهِ والعربيةِ والأصلينِ والفرائضِ والحسابِ وغيرها، وانتفع به كثيرًا، وكان يُجِلُّهُ وأباه كثيرًا، ويخضَعُ لهما إلى الغايةِ، ويحكي الشيخُ عنه كراماتٍ، ومِمَّا قرأَهُ عليه "المَنْسَكُ" لابنِ جماعَةٍ في سنة إحدى وستين، بل مرَّةً ثانيةً عليهِ بمشارَكَةِ أبيه، ولَبِسَ الخِرْقَةَ من الصَّدرِ العُكَّاشِيِّ الرُّواسِيِّ (٢)، وقرأ على المُحِبِّ المَطَرِيِّ "البخاريَّ" مرَّتينِ وبعضَ "الشِّفاءِ"، وسَمِعَ عليه غيرَ ذلك، ولازمَ والِدَهُ من سنةِ خمسٍ وأربعين حتى مات بحيث قرأ عليه الكثيرَ جِدًّا، وسَمِعَ على عَمِّهِ الشَّرَفِ أبي الفَتْحِ "الشِّفاءَ" و"صحيحَ مُسْلمٍ" وأشياءَ وما تيسَّرَ له القراءَةُ عليه، وقرأ على التَّقِيِّ ابنِ فهدٍ بِمَكَّةَ يسيرًا من الكُتُبِ الكِبارِ والأجزاءِ القِصار، ومِن ذلك "الكُتُبُ السِّتَّةُ"، وتكرَّرَ أخذُهُ "للصَّحِيحينِ" عنه غير مرةٍ ما بين سماعٍ وقراءةٍ، "فالبخارِيِّ" أكثرَ من ثلاثينَ مَرَّةً، والآخرَ تسعَ مرارٍ، من مسنَدِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ من "مسنَدِ أحمدَ"، في أيام الثمان من ذي الحجة سنة أربع وستين بزيادة دار النَّدْوَةِ، وصار لِكَثْرَةِ ممارَسَتِهِ للسَّماعِ والقراءَةِ بارِعًا في
стр. 3170
أَلْفَاظِ الكُتُبِ الشَّهِيرَةِ، مُجِيدًا لِقِرَاءَتِها فصيحًا بِحيثُ كان ابنُ السَّيِّدِ عفيفِ الدين يُنِّوِهُ به في ذلك، وتَصدَّر بعد أبيه للإسماعِ، فكان يَقرأُ عليه مَن شاء الله من أهلِ بَلدِه والقادمينَ عليها، وهمْ مُتَّفِقونَ على وجَاهَتِه وجَلالتِه وخَيرِه ومَتانةِ عقْلِه، بحيثُ صَارَ مَرْجِعًا في مُهِمَّاتِهمْ وغَيرِهَا من أُمورِ المدينةِ، سِيَّما وآراؤه جَليلةٌ ومقاصدُه حسنةٌ جميلةٌ وتودُّدُه للفقراءِ والغرباءِ مُتزايد، وبذلهُ لما تحت يدِه من الكُتبِ وهو شيءٌ كثيرٌ لطَالِبِهِ من أهلِ البلدِ وغيرِهم منتشرٌ، وله في الحريقِ الواقعِ بِها اليدُ البيضاءُ، بل هِمَّتُه عليَّةٌ وبهجتُه جلِيَّةٌ مع نقصِ حركتِه، فإِنَّهُ من صِغَرِهِ عَرَضَ له عَارضٌ بِحيثُ أُقعِدَ حتى صارَ يمشي أَولًا على عُكَّازينِ، ثُمَّ بأَخَرَةٍ صار يُوضع على تِكَّةٍ لها بَكَرٌ يُسْحَبُ بِها إلى بابِ المسجدِ ويحمِلُهُ مِنْ ثَمَّ حَاملٌ إلى أُسْطَوانَةِ التَّوبةِ من الرَّوضةِ، فيجلِسُ بها أيامَ الجُمَعِ ونَحْوها، وكذا أشهرَ الحديثِ ونحوَ ذلك، وباقي الأيَّامِ في بيتِهِ، ولا يترُكُ مع ذلك الحجَّ في كُلِّ سنةٍ، وقدْ لقِيتُه مِرارًا بمكةَ ثُم بالمدينةِ في مجاورتي بها، وسَمِعَ منِّي أشياءَ معَ الجماعةِ بالرَّوضةِ وغيرها، وعَظُمَ اغْتبَاطُه بي، وهَمَّ بإبطالِ إِسماعِه حينَ إِقامتي، وصار يَحضُّ الناسَ على الأَخذِ عَني، ووَالى فضْلَهُ وتفقُّدَهُ بحيثُ اسْتَحْييتُ مِنه، وأضافني في مكانهمُ الشهيرِ من العوالي واسْتأْنسَ بي كثيرًا، وسمعتُ من لفْظِهِ ما نظَمهُ عمُّه الجمالُ أبو اليُمْنِ محمَّدٌ في آبارِ المدينةِ (١)،
стр. 3171
حدَّث به عن أبيه عنهُ، وأَمرُهُ في جميعِ ما أشرتُ إليهِ يزيدُ على أَبيهِ، ولذَا كثرت ديونُهُ لِكَثْرةِ تَحمُّلِهِ ومُواساتهِ بخلافِ أبيه، وهو المؤنِّسُ للسِّيَّدِ السَّمهوديِّ حتى رَسختْ جِهاتُه بالمدينةِ، وكان يُنوِّهُ به ويرفعُ من جانبِه، وزوَّجهُ (١) أختَه بعد السَّيِّدِ علاءِ الدِّينِ ابنِ السَّيِّدِ عفيفِ الدِّينِ، ولم يزلْ على وَجَاهتِه حتى ماتَ في ضُحى يومِ الأحدِ مُنتصَفَ المُحرَّمِ سنةَ إِحدى وتسعين بعد تمَرُّضِهِ ثلاثةَ أيامٍ أُسكتَ مِنها نحوَ يومينِ، ولم يَخلُف بعده هُناك في مجموعهِ مِثلُه، وحصل الأسفُ على فقدِه، ﵀ وإِيّانا.
[ ....... ] مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الحَارِثِ بنِ مِسْكينٍ
القاضي فخر الدِّينِ الفقيهُ الشافعيُّ، يأتي في مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ محمد بن مُحَمَّدِ بنِ الحَارِثِ (٣٩١١).
[٣٨٥٦] مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الحُسَينِ المَدَنِيُّ
رأيتُ بِخَطِّهِ الجَيِّدِ نسخةَ "المشارقِ" للصَّغانيِّ، فرَّغها في سنةِ تسعينَ وسبع مئةٍ.
[ ........ ] مُحَمَّدُ بن مُحَمَّدِ بنِ رُوزْبَه، التَّقِيُّ الكَازرونِيُّ
يأتي فيمَنْ جَدُّهُ: محمودُ بنُ إبراهيمَ (٣٩٢٢).
стр. 3172
[٣٨٥٧] مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ سِالمِ بنِ عَليِّ بنِ إبراهيمَ الضِّياءُ الحضرَمِيُّ الأصلِ المكيُّ (١)
ويُعرفُ بابنِ سالمٍ.
مِمَّنْ سَمِعَ بالمدينةِ على الزُّبيرِ بنِ عَليٍّ الأُسْوانِيِّ "الشِّفاءَ"، وعلى الجمالِ المطريِّ وخالصٍ البهائِيِّ "الإتحافَ" لأبي اليُمنِ بنِ عَسَاكِرَ، وعلى عَلِيِّ بنِ عمرَ الحَجَّارِ عِدَّةَ أَجْزَاءَ، وكأنَّهُ جاوَرَ بها، وأجاز له عيسى الحَجِّيُّ، والزَّينُ الطبريُّ، والآقْشَهْرِيُّ، وحَدَّثَ بالقاهرةِ وكان استوطنها مُدَّةً، سَمِعَ منه عبد اللطيفِ الفاسِيُّ والكَلْوَتَاتِيُّ، وماتَ بها في شعبانَ سنةَ سبعٍ وثماني مئةٍ، ودُفن بتربةِ الصوفيَّةِ السَّعيديَّةِ، وقد بلغَ الثمانينَ أو جازَها، ذكرَهُ الفَاسِيُّ، وأدخلتُه هنا ظَنًّا.
[٣٨٥٨] مُحمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ سعيدِ بنِ عُمَرَ بنِ عَلِيٍّ الضِّياءُ الهِنْدِيُّ الصَّاغَانِيُّ الحَنَفِيُّ (٢)
نزيلُ المدينةِ ثم مكةَ، ووالدُ القاضِي الشِّهابِ أحمدَ ابنِ الضِّياءِ قاضي الحنفيَّةِ بمكة، كان يَدَّعِي أَنَّهُ من ذُرِّيَّةِ الصَّاغانِيِّ، وأَنَّ الصَّاغَانيَّ من ذُرِّيةِ عُمَرَ بنِ الخطابِ، فهو عُمَرِيٌّ صَاغَانِيٌّ، مِمَّن اشتغلَ في فنونٍ،
стр. 3173
وفَضُلٍ في الفقهِ وأصولِهِ، والعربيَّةِ وأجادَها، مع سماعه بالقاهرةِ من البدرِ الفَارِقِيِّ، والقطبِ ابنِ مُكرَّمٍ، وبالمدينةِ من الجمالِ المَطَرِيِّ وولدِهِ العفيفِ، والعفيفِ الدِّلاصِيِّ، وأبي الحسن عليِّ بنِ عمرَ بنِ حمزةَ الحَجَّارِ، وأقامَ بالمدينةِ عِدَّةَ سنينَ يُدرِّسُ ويُفتِي مع تَعَانِي التِّجارَةِ واشتهارِهِ بكثرَةِ المالِ، بحيثُ كانَ السَّبَبُ في تحوُّلِهِ من المدينة النبويَّةِ أَنَّ أَمِيرَها جَمَّازًا طلبَ منه شيئًا فَامْتَنَعَ، فَسَجَنَهُ، ثُمَّ أَفرجَ عنه، واتَّفَقَ اجْتِماعُهُما بالمسجِدِ، فوَقَعَ من جَمَّازٍ كلامٌ في حَقِّ الشَّيخَينِ، فَكَفَّرَهُ الضِّياءُ، وقام من المجلِسِ فَتَغَيَّبَ وتوصَّلَ إلى يَنْبُعَ واستجارَ بأميرها أبي الغيثِ (١)، فأرسلَهُ إلى مِصرَ فَشَنَّع على جَمَّازٍ حتى أَمَرَ السُّلطانُ بِقَتْلِهِ، فَقُتِلَ، ونَهَبَ آلُهُ دارَ الضِّياءِ، فَتَحَوَّلَ إلى مكة وتَعَصَّبَ له يَلْبُغا، فقرر له درسًا للحنفيةِ في سنة ثلاثٍ وسِتِّينَ فباشَرَهُ.
واستَمَرَّ مُقِيمًا بمكةَ حتى مات في ذي الحجةِ سنةَ ثمانين وسبعِ مئةٍ، وقد جاز الثَّمانينَ، وخَلَّفَ تَرِكَةً كبيرةً، وكان عارفًا بالفقهِ والعربيةِ، شَدِيدً التَّعَصُّبِ للحنفيةِ، كثيرَ الوقيعة في الشافعيَّةِ، غفرَ الله لنا وله، ومِمَّنْ تَرْجَمَهُ بما أثْبَتُّهُ شَيخُنا في "إِنبائِه" (٢)، وبَيَّضَ له في "دُرَرِهِ" (٣).
стр. 3174
[٣٨٥٩] مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ سَهْلِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ سَهْلِ بنِ مَالِكِ بنِ سَهْلِ بنِ مَالِكِ ابنِ أَحْمَدَ بنِ إبراهيمَ بنِ مالكٍ، أبو القاسمِ ابنُ الوزيرِ أبي عبد الله الأَزْدِيُّ الأندلسيُّ، الغَرناطِيُّ، ثُمَّ المَدَنِيُّ، المِصْرِيُّ، المالِكِيُّ (١)
وهو بِلَقَبِهِ أشهرُ.
قال ابنُ فرحون (٢): وُلِدَ في سنة اثنتين وستين وستِّ مئةٍ، كان من بيتِ الوزارر بالأندلس، فلما تُوُفِّي أبوه تَخَلَّى عن القُرْبِ من أهلِ الإمارةِ واشتغلَ بنفسه، ووَرِثَ مالًا كثيرًا، وكان يَقْتَاتُ به ويُنْفِقُ منه، ولا يأكلُ من غيرِهِ ولو عُرِضَ عليه، وصار من أربابِ القُلُوبِ وأصحابِ العوارفِ والمعارفِ والعُكُوفِ على العبادَةِ والخيرِ، وهو الشيخُ العالمُ الوَرِعُ الزاهدُ المُقْرئُ النَّحْوِيُّ المُتَفَنِّنُ المُحَدِّثُ الإمامُ الفَلَكِيُّ، صَحِبتُه فلم أَرَ أحدًا وصلَ إلى مقامِهِ في التَّوَجُّهِ والمحافظةِ على أوراده وصيامِهِ وقيامِهِ، مَعَ أنَّهُ مع ذلك رُحْلةٌ في الفقهِ، له يَدٌ طُولى في علمِ الهيئة، لم يَلْحَقْهُ فيها إلَّا القليلُ، وكان يُقْسِمُ لي بالله أَنَّهُ ما ازدادَ بعلمِها في الله إلَّا يَقينًا، وله مقاماتٌ لا يَصِلُ إليها (٣) من أهلِ المجاهَدَةِ إلَّا من سَبقَتْ له العنايةُ الأزليَّةُ والمواهبُ العَلِيَّةُ، نزل مَعِي بِمِنىً وكان لا يترُكُ قيام الليلِ في سَفَرٍ ولا حَضَرٍ، فقام فى تلك الليلهَ بمنى على عادَتِهِ، فَلَمَّا أصبحَ طلبْتُ منه "مناسكَ الحَجِّ"
стр. 3175
لابنِ مَسْدِيٍّ (١)، لكونه يُبيِّنُ فيه المذاهِبَ كُلَّها، وكان لا يترُكُها إذا حَجَّ، وهي نسخةٌ عظيمةٌ بِخَطِّ أخي عليٍّ في مجلَّدٍ كبيرٍ لِأَكْشِفَ عن مسألَةٍ، فقال لي: والله سُرِقَت البَارِحَةَ هي والبُرْنُسُ والسَّيفُ، قلتُ له: وكيفَ هذا، قالَ: جاءَ السَّارِقُ من وراء المحارةِ وأنا في الصلاة أَنْظُرُ إليه فَهَمَّت نَفْسِي بِأَخْذِهِ أو الصِّياحِ عليه، فآثَرْتُ صلاتي، وقُلْتُ: دَعْهُ، فما أنا فيه خيرٌ مِمَّا يَفُوتُنِي منه، فَانْظُر إلى هذا المقامِ العظيمِ.
وأخبرَنِي أَنَّهُ اغتسل في منزلةٍ من منازلِ الحاجِّ بِاللَّيلِ فحلَّ حزامَهُ وكان فيه مالٌ عظيمٌ هو جُلُّ ما يَمْلِكُهُ، قال: فاشْتَغَلْتُ ونَسِيتُ حَتَّى رَحَلْتُ، ثُمَّ تَذَكَّرْتُ بعد مرحلةٍ، فحصلَ لي من الأَسَفِ والحُزْنِ على ذلك المالِ الحلالِ أمرٌ عظيمٌ، فما كان إلَّا قليلًا وإذا بِمُسْتَفْتٍ عن لُقَطَةٍ، فَقُلْتُ: في أيِّ شيءٍ هي؟، فقالَ: في حِزَامٍ، فَقُلْتُ له: هاتِها، فَهِي لي بِأَمَارَةِ كذا وكذا.
ماتَ بمصرَ سنة ثلاثين وسبعِ مئة، ورثاهُ أبو حَيَّانَ وغيرُهُ، وتَبِعَهُ المجدُ باختصارٍ (٢)، فقال -بعد تصديرِ ترجمتِهِ بشيءٍ مما تَقَدَّمَ من أوصافِهِ-: إنَّهُ وَرِثَ من أبيهِ مالًا جزيلًا، فأعرَضَ عن الكُلِّ واسْتَصْحَبَ من أَصْلِ مالِهِ جملةً صالحةً، وكان يَقْتَاتُ منه ولا يأكُلُ من غيرِهِ أبدًا، ولا يُضِيفُ من
стр. 3176
الخَلْقِ أَحَدًا، وهو مُكِبٌّ على محافظةِ الوقتِ والتزامِهِ والمواظبةِ على صيامِهِ وقيامِهِ، ولُزومِ طريقِ الانقطاعِ، والانعزالِ عن الخلقِ وتركِ الاجتماعِ، خَصَّهُ الله بِمَواهِبَ عَلِيَّةٍ، وأَظهرَ عليهِ آثارَ العنايةِ الأزليَّةِ.
واقتصرا من نَسَبِهِ على مُحَمَّدِ بنِ محمَّدِ بنِ سهلِ بنِ مالِكِ بنِ سَهْلٍ، وما أَثْبَتْنَاهُ من الزِّيادَةِ بآخرِهِ وأَثْنائهِ وقعَ كذلكَ عند شيخِنا في "دُررهِ" (١)، ويتأيَّدُ بِحكايتِه في تَرْجَمَتِهِ أنَّ جَدَّهُ مُحَمَّدَ بنَ سهلٍ ماتَ سنةَ ثمانٍ وستينَ وخمس مئةٍ، وقال: ماتَ أبوهُ، وكانَ رئيسَ غرناطةَ سنةَ سبعين وهو صغيرٌ، فأخذَ عن أبوَي جعفرِ ابنِ الزُّبيرِ وابنِ الطَبَّاعِ والبهاءِ ابنِ النَّحاسِ والشَّرَفِ الدِّمياطيِّ وابنِ دقيقِ العيدِ وغيرِهم، واشتغلَ كثيرًا، ومالَ إلى مذهبِ الظَّاهِرِ، وحَجَّ في سنةِ سبعٍ وثمانينَ وستِّ مئةٍ، ثم قَدِم دمشقَ سنة عشرينَ، وقرأ على الحجَّارِ "صحيح البخاريِّ"، ثمّ حَجَّ وجاوَرَ، وكان قرأَ بالسبع في صِغَرِهِ على ابنِ أبي الأحوصِ (٢) وأبي جعفرِ ابنِ الزُّبيرِ، وبَرَعَ في معرفةِ الاصطِرْلابِ، وكان وافِرَ الجلالةِ بِبَلَدِهِ، ويُلَقَّبُ بِالوزيرِ، ويَرْجِعُونَ إلى رأيهِ مَعَ وَرَعٍ وفضائلَ.
قال الذهبيُّ (٣): كان شيخًا وَقورًا لا يَتَعَمَّمُ بل كان يَتَطَيْلَسُ على طاقيةٍ، وقال القُطْبُ الحَلَبِيُّ: كان فاضِلًا عارفًا، له دِينٌ مَتِينٌ، ووَرَعٌ وزُهْدٌ
стр. 3177
بحيثُ لا يَقْبلُ لأحدٍ شيئًا، ويُكثِرُ التَّصَدُّقَ مما يأتيهِ من أملاكهِ بالمغربِ لكن سِرًّا، ولهُ في ذلك أَخْبارٌ، ووَصَفهُ ابنُ الخَطِيب بِالرِّياسةِ ومجالَسَةِ السُّلطانِ وملازمةِ التِّلاوةِ وتَفَقُّدِ أهلِ الخيرِ، وذَكَرَ أَنَّهُ كان فِيمَن تمالأَ على السُّلطانِ في سنةِ ثلاثَ عشرةَ، فلمَّا كانت النُّصْرَةُ له فَرُّوا وتَرَكُوا أموالهم، ثُمَّ لَطَفَ الله بأبي القاسِمِ فعادَ إلى وظيفَتِهِ، واستمَرَّ إلى أن بدَا لهُ، فَرَحَلَ إلى المشرقِ في سنة إحدى وعشرين وسبع مئة، وماتَ بمصرَ في رُجُوعهِ من الحجِّ في ثاني عشر المحرم سنة ثلاثينَ، وكان ذا فُنُونٍ، وله شِعرٌ، فمنه:
يا صاحبيَّ اعذُراني (١) في الهَوَى وسَلا … هل كُنْتُ مِمَّنْ رَأَى مَحْبُوبَهُ فَسَلا؟
أَبِيتُ والشَّوقُ يُبكِينِي (٢) ويُحْرِقُنِي … كَأَنَّنِي الشَّمْعُ لما فَارَقَ العَسَلا
[٣٨٦٠] مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ صَالِحِ بنِ إسماعيلَ، الشَّمسُ ابنُ الشَّمسِ، أو التَّقِيُّ الكِنَانِيُّ، المَدَنِيُّ، الشَّافِعِيُّ (٣)
سبطُ البدرِ عبد الله بنِ مُحَمَّدِ بنِ فَرحون (٢٠٨٥)، وأخو ناصرِ الدِّينِ عبد الرَّحمنِ (٢٣٣٦)، ووالد عبد الوهَّابِ (٢٥٧٠) الماضِيَينِ، ويُعْرَفُ كأبيه بمابنِ صالح، وُلِدَ سنةَ سبعينَ وسبعِ مئةٍ بالمدينةِ، ونشأ بها، فَحَفِظَ القُرآنَ، وكُتُبًا في فُنُونٍ، وتلا بالسَّبْعِ أو بعضِها على والدِهِ، وأَذِن له في الإِقْرَاءِ،
стр. 3178
وسَمِعَ على البدرِ ابنِ الخَشَّابِ قاضي المدينةِ وغيرِهِ، وقرأ في "البخاريِّ" على الشَّرَفِ أبي بكر في سنةِ خمسٍ وتسعين وسبع مئة، وأجازَ له جماعةٌ، وناب (١) عن أخيهِ في الحُكْمِ والخَطابةِ والإمامةِ بالمدينةِ، روى عنهُ ابنُهُ، وكان ذا نَباهةٍ في الفقهِ وغيرِه معَ خيرٍ وديانةٍ، قَدِمَ مكةَ غيرَ مَرَّةٍ للحَجِّ والعمرةِ، منها في المحرمِ سنةَ أربعَ عشرةَ، فَأَدركه أجلُهُ بها بعد قضاءِ نُسُكِهِ في أوَّلِ صفرِها ودُفِنَ بالمعلاةِ، وهو في الفاسيِّ (٢)، وله ولدٌ آخرُ اسْمُهُ الشرفُ مُحَمَّدٌ، ذو وَلَدَينِ في الأحياءِ: عبد السلامِ وبَرَكاتٍ.
[٣٨٦١] مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عبد الرَّحمنِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ خليفٍ (٣) أبو السِّيادَةِ، -ويسمَّى أيضًا: عبد الله- ابنُ القاضي الرَّضي أبي حامدٍ ابنِ العلَّامَةِ التَّقِيِّ، الأَنصارِيُّ، الخزرجِيُّ، المَطَرِيُّ، المَدَنِيُّ، الشَّافِعِيُّ
وباقي نَسَبِهِ في أبيه (٣٦٦٦)، وُلِدَ في يوم الأربعاءِ العشرين من ربيع الأول سنةَ ستٍّ وسبعينَ وسبع مئة كما قرأتُهُ بِخَطِّ أبيه، قالَ: ثُمَّ تُوُفِّي فى يومه.
[٣٨٦٢] محمدٌ المُحِبُّ (٤)
ورُبَّما لُقِّبَ بالعفيفِ وبالشَّمْسِ، أبو المعالي، أخو الذي قبلَهُ، وسِبْطُ الزينِ أبي بكرٍ المراغيِّ، ويعرَفُ بِالمَطَرِيِّ.
стр. 3179
وُلِدَ في رمضانَ سنةَ ثمانينَ وسبعِ مئةٍ بِطيبةَ، ونشأَ بها، فحَفِظَ القرآن و"العمدةَ" و"أربعي النَّووِيِّ" و"المنهاجَ" الفرعِيَّ والأصِليَّ، و"الجُمَلَ" للزجَّاجيِّ، وأكثرَ من نِصْفِ "التَّلخيصِ"، وعرضَ وتفقَّهَ بأبيهِ وجَدِّهِ لأُمِّهِ، والجمالِ ابنِ ظهيرةَ، والشمسِ البوصيريِّ، وأخذَ النحوَ عن أبيه، ويحيى التلمسانيِّ، والشمس المُعِيدِ المكيِّ، وبه انتفعَ، وسمِعَ ببلدِهِ من جَدَّيهِ، والجمالِ الأُميوطيِّ، والبرهانِ ابنِ فرحون، وعبد الواحد بن عمرَ بنِ عَيَّاذٍ، والعَلَمِ سليمان السَّقا، ويوسفِ ابنِ البَنَّا، ومحمدِ بنِ محمدِ بنِ محمدٍ الخَشَبِيِّ، والقاضي عليٍّ النويريِّ، والزينِ العراقِيِّ، والهيثميِّ في آخرينَ، منهم والدُهُ، سَمِعَ عليه بالحرمين، ومما سَمِعَهُ على الأميوطيِّ "جامعَ الترمذي" و"جزءَ ابن فارس" و"جزءَ الغضائريِّ" و"ثلاثيات البخاريِّ" وغيرها، وعلى الثلاثةِ بعده "الشِّفاءَ" وعلى اللَّذَينِ بعده "السنن الصغرى" للنَّسائِيِّ بفوت وغير ذلك، وعلى الزين العراقيِّ "جزءَهُ في قَصِّ الشَاربِ"، وأُحضِرَ في أواخِرِ سنةِ ثلاثٍ وثمانين على سعدِ الدينِ سعدِ الله الإسفرايينيِّ بقراءةِ أبيه بعضَ "سننِ أبي داود"، وسمعَ بمكةَ ابنَ صدِّيقٍ، والجمالَ ابن ظهيرةَ، والزَّينَ الطَّبريِّ وطائفةً، وحَجَّ أزيدَ من ثلاثينَ مرَّةً، ودخل القاهرةَ بعدَ سنةِ عشرٍ فَسَمِعَ بها على الجمالِ الحنبليِّ جملةً من "مسندِ أحمدَ"، وعلى الشَّرَفِ ابن الكُوَيكِ أكثرَ "صحيحِ مسلمٍ" بقراءَةِ شيخِنا، وزارَ بيتَ المقدسِ والخليلَ، وأجاز له التنوخيُّ، وابنُ الذهبيِّ، وابن العلائيِّ، وابن أبي المجدِ، والحلاويُّ، والسويداويُّ، والحرستانيُّ، والبلقينيُّ، وابنُ الملقِّنِ، والكمال الدميريُّ وآخرونَ، وخرَّج له صاحبنا
стр. 3180
النجمُ ابنُ فهدٍ مشيخةً، وحدَّث بالكثر، وأكثر عنه الحُجَّاجُ ونحوهم، ومِمَّن أخذَ منه التقيُّ ابنُ فهدٍ، وابنُهُ النَّجْمُ، والكمالُ إمامُ الكامليةِ، والشمسُ الزعيفرينيُّ، والزينُ عبد الرؤوفِ بنُ عليٍّ القرشيُّ اليمنيُّ، وأبو عبد الله محمدُ ابن أبي بكر المغربيُّ الماحوزيُّ المصموديُّ (١)، وحسينٌ الفتحيُّ، وابنُ الشيخةِ، قرأ عليه "البخاريَّ" وغيرَهُ بالمدينةِ، وأكثرَ عنه الفتحيُّ، وقرأَ البدرُ البغدادي قاضي الحنابلة "الشفاءَ" في الروضةِ النبويَّةِ بحضرته، وسمعه الفضلاء وغيرهم في آخرينَ من أصحابنا كالشهابِ البيجوريِّ، قرأ عليه "البخاريَّ" حين كان مجاورًا بالمدينة، وكتبَ عنه البقاعيُّ ما كتبه من نظمهِ على الاستدعاءِ وهو قوله:
أَجَزْتُ لَكُمْ ما قَد رَويْتُ إجابَةً … لِرَغْبَتِكُم لَفْظًا على شَرْطِ أَهْلِهِ
لِتَروُوا الَّذِي أَرْوِي سَماعًا وغيرَهُ … وما صَحَّ لي إِذنُ الشُّيُوخ بِحَمْلِهِ
ولا بُدَّ مِن تَصْحِيح لَفْظٍ وضَبْطِهِ … صَوَابًا كما قَدْ أَلْزَمُونَا بِمِثْلِهِ
إلى المَطَرِي أُعْزى سُماءِي محمَّدٌ … أبو حامدٍ أَصْلي نُمِيتُ لِفَضْلِهِ
نُسِبْنا إلى الأَنْصَارِ فَاذْكُرْ شِعَارَهُم … وقَيسُ بنُ سعدٍ قد سَعِدْنا بأَصلِهِ
ووصفَهُ بِالثَّقَةِ الأمينِ، وأجاز لي، وكان إمامًا عالمًا مُدَرِّسًا ناظمًا، نابَ في القضاءِ والخطابةِ والإمامةِ والرياسةِ عن والدِهِ ثُمَّ تلقى الرياسةَ عنه، ولذا كان يَكْتُبُ: مُؤَذِّنُ الحرمِ الشريفِ النبويِّ، وكذا نابَ عن جَدِّهِ لأُمِّه، وأوردتُ في "المعجمِ" و"الوفياتِ" وغيرهما من نظمِهِ، ماتَ في ليلةِ السبتِ رابعَ عشري شعبان سنةَ ستٍّ وخمسينَ بطيبةَ، ودُفِن بالبقيعِ بعدَ
стр. 3181
الصلاةِ عليه بالروضةِ، ولم يخلُفْ بعدَهُ بها مثلُهُ ﵀ وإيانا، وله ابنٌ يقالُ له: أبو الفضلِ، أجاز له شيخُنا في استدعاءٍ.
[٣٨٦٣] مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عبد الرَّحمنِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ عَلِيِّ ابنِ عبد الرَّحمنِ بنِ سَعيدٍ، السَّيِّدُ العلامة أبو عبد الله الحَسَنِيُّ الإِدْرِيسِيُّ، الفاسِيُّ الأصلِ، المكيُّ (١)
والدُ أبي الخير محمَّدٍ الآتي (٣٨٩٧)، أظنُّهُ ممَّن جاورَ بالمدينةَ مدةً، ففي كلام ابنِ فرحون أنَّهُ من شيوخِه (٢)، وكذا أَخذَ عنه المحدِّثُ العِزُّ يوسفُ ابن الحسنِ الزرنديُّ، ومات قبلَه، وأبو محمَّدٍ عبد الله بنُ عمرانَ البسكريُّ وأبو محمَّدٍ عبد الله بنُ محمدٍ المرجانيُّ، ماتَ بالقاهرةِ في صفرَ سنةَ تسعَ عشرة وسبع مئة، ودُفِنَ بالقرافةِ عند تلميذِهِ الشيخ أبىِ محمدٍ عبد الله بنِ محمدِ بنِ أبىِ جمرةَ، وله من الأولادِ سوى أبي الخيرِ أبو المكارمِ أحمدُ وأمُّ الهدى فاطمةُ، أمُّهما شريفةُ ابنة محمدِ بن كاملِ بنِ يعسوبَ الحَسَنِيِّ، وأبو الحسن عليٌّ، وأبو الطاهر محمَّدٌ، أمُّهما ابنةٌ لسالمِ بن عليِّ بن إبراهيمَ اليمنيِّ الحضرميِّ، وأمُّ الحسن فاطمةُ ( … ) (٣).
стр. 3182
[٣٨٦٤] مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عبد الرَّحمنِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أبي بكرٍ أبو الحَرَمِ ابنُ الجمالِ الصُّبَيبيُّ، المدنيُّ، الشافعيُّ (١)
أخو أحمدَ الماضي (٢٦١) وأبوهُما (٣٦٧١)، وجَدُّ الشيخ محمَّدٍ بن فتحِ الدينِ ابنِ تَقِيٍّ لأُمِّهِ، قرأ "البخاريَّ" بالروضةِ على أبيه في سنة ستٍّ وثماني مئةٍ، وعلى الجمال الكازروني في سنةِ إحدى عشرة وبه انتفع، وكان صهرُهُ أبو الفتح ابن تقيٍّ يُرَجِّحُهُ على أخيه، ووُصِفَ بالفقيهِ الفاضلِ، وله نظمٌ رأيتُ منه "تخميسَ البردةِ" ومات ( … ) (٢).
[٣٨٦٥] مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عبد الرَّحمنِ بنِ محمَّدِ بنِ صالحِ بنِ إسماعيلَ الزَّكِيُّ ابنُ فتحِ الدين أبي الفَتْحِ ابنِ ناصِرِ الدِّينِ أبي التُّقى الكِنَانِيُّ، المصْرِيُّ الأصل، المَدَنِيُّ، الشافِعِيُّ (٣)
الماضي أبوه (٣٦٧٢) وجده (٢٣٣٦) وأبوه (٣٥٧٠)، ويُعرف كَسَلَفِهِ بابنِ صالحٍ. وُلدَ في رمضان سنةَ ستٍّ وثلاثينَ وثماني مئة بطيبةَ، ونشأ فحَفِظَ القرآنَ و"الشاطبيةَ" و"المنهاجَ" و"جمعَ الجوامع" وعَرَضَها على جماعة،
стр. 3183
واشتغلَ قليلًا، وقرأَ على المناويِّ وغيره، واستقرَّ بعد أبيه في الخطابةِ والإمامةِ بالمسجدِ النبويِّ مع النظر عليه، وجُمعَ له معها القضاءُ حين سَفَرِ أخيه الصلاحيِّ لليمن سنة ثمانين، وبعد عمِّه الوُلَّوِيِّ محمَّدٍ الوظائِفَ كُلَّها، وكان قَدِم القاهرةَ في سنةِ خمسٍ وسبعينَ، وسافر منها إلى الرُّومِ، بل دخل القاهرةَ والرُّومَ قبلُ أيضًا، وكان وجيهًا عظيمَ الهِمَّةِ متودِّدًا للغرباء، اُغتيلَ في ليلةِ السبتِ ثالثَ عشري ذي الحجة سنة اثنتينِ وثمانين عندَ بابِ المسجِدِ النَّبوِيِّ على يد بعض العَيَاشى (١) بمعاونةِ جماعة منهم، لكونه حَكَمَ في الدَّارِ المأخوذةِ منهم، وفازَ بالشهادةِ، ولم يلبثْ أن مات قاتلُهُ بعد مصيرِهِ عبرةً لخُرَّاجٍ طَلعَ على قلْبِه، بل ماتَ قَبْلَه بعضُ من عاونَهُ في القتل، وعَمِيَ آخَرُ كان مِن رُؤُوسِهِم، وصاروا إلى أسوأ حالٍ، ﵀ وعفا عنه.
[٣٨٦٦] مُحَمَّدٌ صلاحُ الدِّينِ ابنُ صالحٍ (٢)
أخو الذي قبله، وُلِدَ في سادسِ عشري رمضان سنةَ إحدى وأربعين وثماني مئة بالمدينةِ، ونشأَ بها فحَفِظَ القرآنَ وكتبًا، واشتغل وتلا فيها
стр. 3184
بالقراءاتِ على السَّيِّدِ الطَّباطِبِيِّ والشمسِ الشُّشتَرِيِّ، وفي اليمنِ على الفقيهِ محمَّدٍ المعروف بِبُدَيرٍ (١) -تصغير بدر- بلْ ولَقِيَ باليمن فقيهَهُ عمر الفَتَى سنة إحدى وثمانين، فأخذ عنه كثيرًا من تصانيفه أو سائرَها، وكذا من تصنيفِ شيخهِ ابن المقرئِ "الرَّوضَ"، مع "التمشيةِ" (٢) عليه، ولازم الشهاب الإبشيطيَّ في الفقه وأصولِهِ والفرائضِ والعربيةِ، وأخذ في الفقه العربية عن التاج أحمد الخفريِّ الشيرازيِّ (٣) أحد جماعة ابن الجزريِّ حين قدومه المدينةَ ونزولهِ عنده، وفيهما والأصولَ عن أبي الفتح ابن إسماعيلَ حين مجاورتِه عندهم، بل استجازَ له والده شيخَهُ ابنَ الهمامِ، وقال له وقد سأله على سبيل الإيناس له -وهو بحديقة الحَسَنِيَّةِ قِبْليَّ مسجِدِ قباءَ (٤) - عن نخلةٍ حمراءَ ما اسْمها، فقال له: حِلِيَّةٌ، قال: فائتني بشيءٍ من ثَمَرها حتى أُفِيدَكَ بفائدةٍ في اسمها، فبادر وأحضرَ له قُفَّةً صغيرةً، فابتهج وقالَ: إنَّما اسمها حُليَوِيةٌ، فقُلِبَتِ الواوُ ياءً ثم أُدغمت الياءُ في أختِها (٥)، وقرأ اليسيرَ من "شرحِ الورقاتِ" على مؤلِّفِهِ الكمالِ إمامِ الكاملية (٦)، وبمكةَ وغيرِها عن
стр. 3185
الشمس الجوجريِّ، بل حضرَ بالقاهرةِ في سنة إحدى وستين جملةً من دروس العلم البلقينيِّ والمناويِّ والمحليِّ، ومما أخذه عنه في شرحه على "المنهاجِ" مع النَّجْمَيِّ ابنِ حَجِّي ويحيى الدِّماطيِّ، وكذا سمع بها على السَّيِّدِ النَّسَّابةِ مصاحبًا للشمس ابن القَصبِيِّ المستقِرِّ في قضاءِ المالكيةِ بالمدينةِ، بعد وتكرر دخوله للقاهرة بعدها، وقرأ في بعض قَدْمَاتِه على الفخرِ الدِّيَمِيِّ، وكان في ثلاثةٍ منها مطلوبًا، وتحصَّلَ له تمام الجبرِ (١) والفضلِ، بحيث خطب مسؤولًا بجامعِ الأزهر وأَمَّ بالملك مسؤولًا في صلاةِ المغرب، وكذا دخل الشام ولقي فيها حميد الدين الفرغانيَّ (٢) وحضر عنده، وبيتَ المقدِسِ وسمع فيهِ على التقيِّ أبي بكرٍ القلقشنديَّ، وسمع بمكةَ على أبي الفتح، وبالمدينةِ على أخيه أبي الفرج المراغِيَّينِ، وقرأ على والده القاضي فتح الدين "الشِّفاءَ" و"الشمائلَ"، وأجازَ له الخمسةُ الأوَّلُونَ بالإقراءِ، زاد الخامسُ: وبالإفتاءِ، بل حضر عنده في دروسِهِ، وخطبَ ببيتِ المقدس والخليل، وأمَّ بالأقصى، واستقلَّ بقضاءِ المدينةِ بعد استعفاء عَمِّهِ الوُلَّوِيِّ محمدٍ، وكذا بالنظرِ على المسجدِ النبويِّ الحرامِ عِوَضًا عن أخيه الزكيِّ الماضي وشاركَ بَقِيَّةَ إِخوته وولدَهُ في الخطابةِ والإمامة، ولكن تَوَكَّدَ أخوهُ البرهانيُّ في الإمامة ( … ) (٣)، هذا يستخلفُ فيها من غيرُهُ أولى منه ويخطبُ هو جمعةً
стр. 3186
والبرهانُ أخرى، وكذا تعطَّلت مُباشَرَةُ ( … ) (١) الناصريُّ ابن أخيه الزكيُّ بما يطولُ شرحُهُ، وقرَّرَهُ الأمير خيرُ بك من جديدٍ في تدريس الشافعية من دروسه بعدَ الشمسيِّ ابن الخطيبِ الرَّيِّسِ، وجلسَ بالمسجدِ للإقراء والروايةِ، ولما كُنتُ بالمدينةِ سمعَ مني أشياءَ، بل رام القراءة عليَّ في المجاورةِ الأولى فما تَهَيَّأَ، وكذا قرأَ على السَّيِّدِ السمهوديِّ حين قدومه المدينة، ثم باينه مرَّةً بعد أخرى، وسمعتُ خطابتَه وصليتُ خلفَه وحَمِدتُ عقله (٢) تودُّدَهُ واحتمالَه وتواضعَه حسبما شاهدتُه، وإن رأيتُ من يخالِفُني، وحُسْنَ أدائِه في المحراب وصوتَهُ الطَّرِيَّ، وربما يكون في مَرَّةٍ أطيبَ منه في أخرى، وإن كان أخوهُ أخْطَبَ، وقد تقارضا وما تهيأ لي التوفيقُ بينهما وذلك من قبله أشدَّ.
[أقول: واستمرَّ متوليًا لوظائفهِ مع مباشرةٍ ( … )] (٣).
[٣٨٦٧] مُحَمَّدٌ المجدُ ابنُ صالحٍ (٤)
أخو الأوَّليْنِ قبلَهُ. وُلِدَ سنةَ إِحدى وخمسينَ وثماني مئة بالمدينةِ، وحَفِظَ القرآنَ و"أربعي النوويِّ" و"منهاجَه" و"ألفيةَ النحوِ"، وعرضَ على أَبويْ الفرج الكازرونيِّ والمراغيّ، وجوَّدَ القرآنَ على ابن شرف الدين الششتريِّ،
стр. 3187
وشاركَ بعدَ اغتيالِ أخيه الزكيِّ إِخْوَته وولده في الخطابةِ والإمامةِ، وباشرَ ذلك فأَجاد، وقرأَ على شقيقه صلاح الدين "البخاريَّ"، وقدمَ القاهرةَ والشامَ، وجالَ وتكرَّرَ دخولُه الرُّومَ، وفي آخرِ قَدْماتِه لها قَطنَها مدةً، ورُزِقَ بها أولادًا من مستولدةٍ تجدَّدت له هناك، ويقالُ إنّه أَمَّ هناكَ وخَطَبَ، ثمّ عادَ وسمعَ مني بالمدينةِ في المجاورةِ الأولى، وكان بالشامِ حين كوني بطيبةَ في المجاورةِ الثانية سنةَ ثمانٍ وتسعين، فلم يلبثْ أن رجعَ في موسمها، واستمَرَّ إلى أن رأيتُه بها في مجاورتي سنةَ اثنتينِ وتسعينَ، وصليتُ خلفَه في أيامِ نوبتِهِ، ولا بأس بصوته.
[أقول: وبعد … ] (١).
[٣٨٦٨] محمَّدٌ الشَّمْسُ ابنُ صالحٍ (٢)
أخو الثلاثةِ قبلَه، شاركَ إِخوته وولَدَ أَخيه أيضًا بعد اغتيالِ أخيه، ولم يباشرْ ذلك، ودخل الشامَ ومصرَ والرُّومَ واليمنَ وغيرَها، وكان ذكيًا شهمًا كريمًا ساكنًا متوجِّهًا لمحاكاةِ العربِ بحملِ السلاحِ وركوبِ الخيلِ.
صاهرَه الفاضلُ مسعودٌ المغربيُّ على ابنتِه مُباركةَ، فَحمِدَ مُصاهرَتَهُ وأَكثرَ من الثناءِ عليه عندي، ومات عندَ قُدومِه من بلادِ الشرقِ بتحريكِ فَتْقٍ كان به، لكونه ساقَ فَرسَه خَلفَ أرنبٍ فاسترخى حتى نزل في كيسِه
стр. 3188
بحيثُ صرَّح بإدراكهِ نُزول أمعائِه لأُنْثَييهِ، وما تمَّ يومَه حتى ماتَ في صفرَ سنةَ إِحدى وتسعينَ بطيبةَ عنْ بضعٍ وأربعينَ سنة، وترك أبا القاسم رجلًا له أولاد، منهم أبو السعود.
[٣٨٦٩] مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عبد السلامِ بنِ مُحَمَّدِ بن رُوزْبَه، فتحُ الدِّينِ أبو الفَتْحِ ابنُ التَّقِيِّ الكَازَرُونيُّ، المدنيُّ، الشافعيُّ (١)
والدُ الشمس محمَّدٍ الآتي (٣٨٩٩)، ويعرفُ بابنِ تَقِيٍّ لَقبِ أَبيهِ، وُلِدَ في سنةِ ثلاثَ عشرة وثماني مئةَ بطيبةَ، ونشأَ بها فحَفِظَ القرآنَ وكُتبًا، وأخذَ عن قريبهِ الجمالِ الكازرونيِّ في الفقهِ والعربيةِ وغيرِهما، حتى قرأَ عليه "البخاريَّ"، وعن أبي السعادات ابن ظهيرةَ "المنهاجَ الأصليَّ" بحثًا، ووصَفه بالعلامةِ، وأثنى عليه، وأنه تشرَّفَ بحضوره واستضَاء بنُورِه، وحضرَ وهو في الثالثةِ على الزين أبي بكر المراغيَّ بعضَ "الصحيحِ"، ثم سمعَ على ولديه أبي الفتح وأبي الفرج، بل قرأَ على أَوَّلهِما "البخاريَّ" في آخرين، وأجازَ له الشَّرفُ ابنُ المقرئِ، ودخلَ القاهرةَ غيرَ مرةٍ، وأخذَ بها عن شيْخِنا، ومنْ ذلكَ في سنةِ خمسينَ بعضَ "لسانِ الميزان"، وعن المناويِّ وجماعةٍ، وبرعَ في الفقهِ والعربيةِ وغيرِهما، وتصدَّى للإقراءِ فانتفعَ به الطلبةُ، واختَصَّ بالشهابِ الإبشيطيِّ، بل قرأَ عليه كثيرًا، ماتَ في سادسِ عشري رمضانَ سنةَ سبعٍ وسبعينَ بعدَ أنْ أصابه فالجٌ من أوَّلِ السنة، ﵀ وإيانا.
стр. 3189
[٣٨٧٠] مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عبد الله بنِ إبراهيمَ، الشَّمْسُ ابنُ الشَّمْسِ المَسْوفِيُّ الأصلِ، المدنيُّ المالِكِيُّ (١)
الماضي أبوه، وُلِدَ في أوَّلِ ذي القعدة سنةَ تسعٍ وخمسينَ وثماني مئة بالمدينةِ، وحَفِظَ بها القرآنَ و"الرسالةَ الفَرْعِيَّةَ" و"الجَرُّوميةَ" و"ألفيةَ ابن مالك" وغيرَها، وعرضَ واشتغلَ يسيرًا، وفَضُلَ ونَظَمَ، وسافرَ إلى الشامِ وحَلَبٍ وماردينَ إلى الرُّها (٢)، ثمَّ رجعَ وماتَ بها في جمادى الأولى سنةَ خمسٍ وثمانينَ في حياةِ أبيه عوَّضهما الله الجنةَ، ومِنْ نَظْمِهِ مما كَتبه لي أبوهُ بِخَطِّهِ وأنشدَهُ بِحَضْرَتي مبالغًا فيما كتَبَهُ في الوصفِ، حيثُ قالَ امتثالًا لمسئلةِ سَيِّدِنا وشيخِنا شيخِ الإسلام والمسلمين … إلى آخرِ ما كتَبَ من الأوصافِ:
بِجَاهِ النَّبِيِّ المصطفى أَتَوَسَّل … إلى الله فِيما أَبْتَغِي وأُؤَمِّلُ (٣)
وأَقْصِدُ بَابَ الهاشِمِيِّ مُحَمَّدٍ … وفي كُلِّ حاجَاتي عليهِ أُعَوِّلُ
حَلَلْتُ حِمَى مَنْ لا يُضَامُ نَزِيلُهُ … فَعَنْهُ مَدَى مَا دُمْتُ لا أَتَحَوَّلُ
إذا مَسَّني ضَيْمٌ أُنَوِّهُ بِاسْمِهِ … فَيَدْفَعُ ذاكَ الضَّيْمَ عَنِّي ويَنْقُلُ
أقولُ: حَبيبي يا مُحَمَّدُ سَيِّدي … مَلاذِي عِياذِي مَنْ بِهِ أَتَوَصَّلُ
عَسَى نَفْحَةٌ يا سيِّدَ الخَلْقِ أَهْتَدِي … بها مِن ضَلالي إِنَّنِي مُتَعَطِّلُ
стр. 3190
فَخُذْ بِيَدِي وامْنُنْ عَلَيَّ تَفَضُّلًا … فَأَنْتَ حَلِيمٌ ماجِدٌ مُتَفَضِّلُ
غِيَاثٌ لملْهُوفٍ أَمَانٌ لخِائِفٍ … وجُودُك مَبْذُولٌ لمَنْ جَاءَ يَسْألُ
نَزِيلُكَ في أَمْنٍ وعِزٍّ ومَنْعَةٍ … عليهِ مَدَى أَيَّامِهِ السَّعْدُ مُقْبِلُ
فَذَاكَ حَبِيبُ الله أمِّي ووَالِدِي … وأَهلي ونَفْسِي -ثُمَّ مَاليَ مُجْمِلُ
إذا كُنْتَ لي يا مُنْيَةَ القَلْبِ شَافِعًا … فَخَوفِي بِأَمْنٍ في القِيامَةِ يُبْدَلُ
ألا يا إِمَامَ الأَنْبِياءِ جَمِيعِهم … أَغث مُذنبًا جَانٍ أَتَى مُتَطَفِّلُ
عليهِ ذُنوبٌ لا يُطِيقُ لحمْلِها … وقَدْ جَاءَ باكٍ خاضِعٌ مُتَذِلِّلُ
عسَى الله يَمْحُوها بِجَاهِكَ سَيّدِي … ويُلْهِمُنِي التَّوفِيقَ كي لا أُبَدِّلُ
عصيتُ وها قد جئتُ لله تائبًا … عسى توبتي من فضلِ مولايَ تُقْبَلُ
إلهِيَ عَامِلْني بما أنتَ أهلُهُ … وسامحْنِ في قَولي وما كنتُ أَفْعَلُ
بِكَ أحْسَنْتُ ظَنّي يا مُغيثُ فَنَجِّنِي … وهَبْ لي يا مولايَ في الخُلْدِ مَنْزِلُ
وصَلِّ على الهادي الحبيبِ مُحَمَّدٍ … وسَلِّم مَدَى الأيَّام ما ناحَ بُلْبُلُ
صلاةً تَعُمُّ الآلَ والصَّحْبَ كُلَّهُم … تَفُوقُ على كُلِّ الصَّلاةِ وتَفْضُلُ
وإتمامُ قَولي كالَّذِي قُلتُ أَوَّلًا … بجاهِ النَّبِيِّ المُصطَفَى أَتَوسَّلُ
[٣٨٧١] محمدُ بنُ محمَّدِ بنِ عبد الله بنِ أبي القَاسِمِ فَرحونِ بنِ محمدِ بنِ فرحُونٍ ناصرُ الدِّين ومحبُّ الدِّين أبو البركاتِ ابن المُحِبِّ أبي عبد الله بن البدرِ أبي محمَّدٍ اليعمريُّ الأصلِ، المدنيُّ، قاضيها المالكيُّ (١)
أخو البدرِ عبد الله الماضي (٢٠٨٥)، ويعرَفُ كَسَلَفِهِ بابنِ فَرحونٍ. وُلِدَ بالمدينةِ ونَشَأَ بها، وسَمِعَ على أهلها، ومنهم بِأَخَرةٍ الزينُ أبو بكر المراغيُّ، وأجازَ له في سنةِ أربعٍ وسبعينَ فما بعدها الصَّلاحُ ابنُ أبي عُمَرَ،