والبرهانُ أخرى، وكذا تعطَّلت مُباشَرَةُ ( … ) (١) الناصريُّ ابن أخيه الزكيُّ بما يطولُ شرحُهُ، وقرَّرَهُ الأمير خيرُ بك من جديدٍ في تدريس الشافعية من دروسه بعدَ الشمسيِّ ابن الخطيبِ الرَّيِّسِ، وجلسَ بالمسجدِ للإقراء والروايةِ، ولما كُنتُ بالمدينةِ سمعَ مني أشياءَ، بل رام القراءة عليَّ في المجاورةِ الأولى فما تَهَيَّأَ، وكذا قرأَ على السَّيِّدِ السمهوديِّ حين قدومه المدينة، ثم باينه مرَّةً بعد أخرى، وسمعتُ خطابتَه وصليتُ خلفَه وحَمِدتُ عقله (٢) تودُّدَهُ واحتمالَه وتواضعَه حسبما شاهدتُه، وإن رأيتُ من يخالِفُني، وحُسْنَ أدائِه في المحراب وصوتَهُ الطَّرِيَّ، وربما يكون في مَرَّةٍ أطيبَ منه في أخرى، وإن كان أخوهُ أخْطَبَ، وقد تقارضا وما تهيأ لي التوفيقُ بينهما وذلك من قبله أشدَّ.
[أقول: واستمرَّ متوليًا لوظائفهِ مع مباشرةٍ ( … )] (٣).
[٣٨٦٧] مُحَمَّدٌ المجدُ ابنُ صالحٍ (٤)
أخو الأوَّليْنِ قبلَهُ. وُلِدَ سنةَ إِحدى وخمسينَ وثماني مئة بالمدينةِ، وحَفِظَ القرآنَ و"أربعي النوويِّ" و"منهاجَه" و"ألفيةَ النحوِ"، وعرضَ على أَبويْ الفرج الكازرونيِّ والمراغيّ، وجوَّدَ القرآنَ على ابن شرف الدين الششتريِّ،
стр. 3187
وشاركَ بعدَ اغتيالِ أخيه الزكيِّ إِخْوَته وولده في الخطابةِ والإمامةِ، وباشرَ ذلك فأَجاد، وقرأَ على شقيقه صلاح الدين "البخاريَّ"، وقدمَ القاهرةَ والشامَ، وجالَ وتكرَّرَ دخولُه الرُّومَ، وفي آخرِ قَدْماتِه لها قَطنَها مدةً، ورُزِقَ بها أولادًا من مستولدةٍ تجدَّدت له هناك، ويقالُ إنّه أَمَّ هناكَ وخَطَبَ، ثمّ عادَ وسمعَ مني بالمدينةِ في المجاورةِ الأولى، وكان بالشامِ حين كوني بطيبةَ في المجاورةِ الثانية سنةَ ثمانٍ وتسعين، فلم يلبثْ أن رجعَ في موسمها، واستمَرَّ إلى أن رأيتُه بها في مجاورتي سنةَ اثنتينِ وتسعينَ، وصليتُ خلفَه في أيامِ نوبتِهِ، ولا بأس بصوته.
[أقول: وبعد … ] (١).
[٣٨٦٨] محمَّدٌ الشَّمْسُ ابنُ صالحٍ (٢)
أخو الثلاثةِ قبلَه، شاركَ إِخوته وولَدَ أَخيه أيضًا بعد اغتيالِ أخيه، ولم يباشرْ ذلك، ودخل الشامَ ومصرَ والرُّومَ واليمنَ وغيرَها، وكان ذكيًا شهمًا كريمًا ساكنًا متوجِّهًا لمحاكاةِ العربِ بحملِ السلاحِ وركوبِ الخيلِ.
صاهرَه الفاضلُ مسعودٌ المغربيُّ على ابنتِه مُباركةَ، فَحمِدَ مُصاهرَتَهُ وأَكثرَ من الثناءِ عليه عندي، ومات عندَ قُدومِه من بلادِ الشرقِ بتحريكِ فَتْقٍ كان به، لكونه ساقَ فَرسَه خَلفَ أرنبٍ فاسترخى حتى نزل في كيسِه
стр. 3188
بحيثُ صرَّح بإدراكهِ نُزول أمعائِه لأُنْثَييهِ، وما تمَّ يومَه حتى ماتَ في صفرَ سنةَ إِحدى وتسعينَ بطيبةَ عنْ بضعٍ وأربعينَ سنة، وترك أبا القاسم رجلًا له أولاد، منهم أبو السعود.
[٣٨٦٩] مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عبد السلامِ بنِ مُحَمَّدِ بن رُوزْبَه، فتحُ الدِّينِ أبو الفَتْحِ ابنُ التَّقِيِّ الكَازَرُونيُّ، المدنيُّ، الشافعيُّ (١)
والدُ الشمس محمَّدٍ الآتي (٣٨٩٩)، ويعرفُ بابنِ تَقِيٍّ لَقبِ أَبيهِ، وُلِدَ في سنةِ ثلاثَ عشرة وثماني مئةَ بطيبةَ، ونشأَ بها فحَفِظَ القرآنَ وكُتبًا، وأخذَ عن قريبهِ الجمالِ الكازرونيِّ في الفقهِ والعربيةِ وغيرِهما، حتى قرأَ عليه "البخاريَّ"، وعن أبي السعادات ابن ظهيرةَ "المنهاجَ الأصليَّ" بحثًا، ووصَفه بالعلامةِ، وأثنى عليه، وأنه تشرَّفَ بحضوره واستضَاء بنُورِه، وحضرَ وهو في الثالثةِ على الزين أبي بكر المراغيَّ بعضَ "الصحيحِ"، ثم سمعَ على ولديه أبي الفتح وأبي الفرج، بل قرأَ على أَوَّلهِما "البخاريَّ" في آخرين، وأجازَ له الشَّرفُ ابنُ المقرئِ، ودخلَ القاهرةَ غيرَ مرةٍ، وأخذَ بها عن شيْخِنا، ومنْ ذلكَ في سنةِ خمسينَ بعضَ "لسانِ الميزان"، وعن المناويِّ وجماعةٍ، وبرعَ في الفقهِ والعربيةِ وغيرِهما، وتصدَّى للإقراءِ فانتفعَ به الطلبةُ، واختَصَّ بالشهابِ الإبشيطيِّ، بل قرأَ عليه كثيرًا، ماتَ في سادسِ عشري رمضانَ سنةَ سبعٍ وسبعينَ بعدَ أنْ أصابه فالجٌ من أوَّلِ السنة، ﵀ وإيانا.
стр. 3189
[٣٨٧٠] مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عبد الله بنِ إبراهيمَ، الشَّمْسُ ابنُ الشَّمْسِ المَسْوفِيُّ الأصلِ، المدنيُّ المالِكِيُّ (١)
الماضي أبوه، وُلِدَ في أوَّلِ ذي القعدة سنةَ تسعٍ وخمسينَ وثماني مئة بالمدينةِ، وحَفِظَ بها القرآنَ و"الرسالةَ الفَرْعِيَّةَ" و"الجَرُّوميةَ" و"ألفيةَ ابن مالك" وغيرَها، وعرضَ واشتغلَ يسيرًا، وفَضُلَ ونَظَمَ، وسافرَ إلى الشامِ وحَلَبٍ وماردينَ إلى الرُّها (٢)، ثمَّ رجعَ وماتَ بها في جمادى الأولى سنةَ خمسٍ وثمانينَ في حياةِ أبيه عوَّضهما الله الجنةَ، ومِنْ نَظْمِهِ مما كَتبه لي أبوهُ بِخَطِّهِ وأنشدَهُ بِحَضْرَتي مبالغًا فيما كتَبَهُ في الوصفِ، حيثُ قالَ امتثالًا لمسئلةِ سَيِّدِنا وشيخِنا شيخِ الإسلام والمسلمين … إلى آخرِ ما كتَبَ من الأوصافِ:
بِجَاهِ النَّبِيِّ المصطفى أَتَوَسَّل … إلى الله فِيما أَبْتَغِي وأُؤَمِّلُ (٣)
وأَقْصِدُ بَابَ الهاشِمِيِّ مُحَمَّدٍ … وفي كُلِّ حاجَاتي عليهِ أُعَوِّلُ
حَلَلْتُ حِمَى مَنْ لا يُضَامُ نَزِيلُهُ … فَعَنْهُ مَدَى مَا دُمْتُ لا أَتَحَوَّلُ
إذا مَسَّني ضَيْمٌ أُنَوِّهُ بِاسْمِهِ … فَيَدْفَعُ ذاكَ الضَّيْمَ عَنِّي ويَنْقُلُ
أقولُ: حَبيبي يا مُحَمَّدُ سَيِّدي … مَلاذِي عِياذِي مَنْ بِهِ أَتَوَصَّلُ
عَسَى نَفْحَةٌ يا سيِّدَ الخَلْقِ أَهْتَدِي … بها مِن ضَلالي إِنَّنِي مُتَعَطِّلُ
стр. 3190
فَخُذْ بِيَدِي وامْنُنْ عَلَيَّ تَفَضُّلًا … فَأَنْتَ حَلِيمٌ ماجِدٌ مُتَفَضِّلُ
غِيَاثٌ لملْهُوفٍ أَمَانٌ لخِائِفٍ … وجُودُك مَبْذُولٌ لمَنْ جَاءَ يَسْألُ
نَزِيلُكَ في أَمْنٍ وعِزٍّ ومَنْعَةٍ … عليهِ مَدَى أَيَّامِهِ السَّعْدُ مُقْبِلُ
فَذَاكَ حَبِيبُ الله أمِّي ووَالِدِي … وأَهلي ونَفْسِي -ثُمَّ مَاليَ مُجْمِلُ
إذا كُنْتَ لي يا مُنْيَةَ القَلْبِ شَافِعًا … فَخَوفِي بِأَمْنٍ في القِيامَةِ يُبْدَلُ
ألا يا إِمَامَ الأَنْبِياءِ جَمِيعِهم … أَغث مُذنبًا جَانٍ أَتَى مُتَطَفِّلُ
عليهِ ذُنوبٌ لا يُطِيقُ لحمْلِها … وقَدْ جَاءَ باكٍ خاضِعٌ مُتَذِلِّلُ
عسَى الله يَمْحُوها بِجَاهِكَ سَيّدِي … ويُلْهِمُنِي التَّوفِيقَ كي لا أُبَدِّلُ
عصيتُ وها قد جئتُ لله تائبًا … عسى توبتي من فضلِ مولايَ تُقْبَلُ
إلهِيَ عَامِلْني بما أنتَ أهلُهُ … وسامحْنِ في قَولي وما كنتُ أَفْعَلُ
بِكَ أحْسَنْتُ ظَنّي يا مُغيثُ فَنَجِّنِي … وهَبْ لي يا مولايَ في الخُلْدِ مَنْزِلُ
وصَلِّ على الهادي الحبيبِ مُحَمَّدٍ … وسَلِّم مَدَى الأيَّام ما ناحَ بُلْبُلُ
صلاةً تَعُمُّ الآلَ والصَّحْبَ كُلَّهُم … تَفُوقُ على كُلِّ الصَّلاةِ وتَفْضُلُ
وإتمامُ قَولي كالَّذِي قُلتُ أَوَّلًا … بجاهِ النَّبِيِّ المُصطَفَى أَتَوسَّلُ
[٣٨٧١] محمدُ بنُ محمَّدِ بنِ عبد الله بنِ أبي القَاسِمِ فَرحونِ بنِ محمدِ بنِ فرحُونٍ ناصرُ الدِّين ومحبُّ الدِّين أبو البركاتِ ابن المُحِبِّ أبي عبد الله بن البدرِ أبي محمَّدٍ اليعمريُّ الأصلِ، المدنيُّ، قاضيها المالكيُّ (١)
أخو البدرِ عبد الله الماضي (٢٠٨٥)، ويعرَفُ كَسَلَفِهِ بابنِ فَرحونٍ. وُلِدَ بالمدينةِ ونَشَأَ بها، وسَمِعَ على أهلها، ومنهم بِأَخَرةٍ الزينُ أبو بكر المراغيُّ، وأجازَ له في سنةِ أربعٍ وسبعينَ فما بعدها الصَّلاحُ ابنُ أبي عُمَرَ،
стр. 3191
وابن أُمَيلةَ، وابن الهبلِ، ومحمدُ بنُ الحسنِ بن عمارٍ، والأذرِعيُّ، والكمالُ بنُ حبيبٍ، وأخوه حسينٌ، والشمسُ ابن قاضي شهبةَ، ومحمَّدُ ابنُ عبد الله بن عبد الباقي وآخرونَ، ووَلِيَ قضاءَ المدينةِ بعد قريبهِ أبي اليُمنِ محمَّدِ ابن البرهانِ ابن فرحون، وكذا بعد عزلِ قريبهِ الآخرِ أبي القاسم بن أبي العباسِ، ولم يتحاشَ عن النيابةِ عنه بعد تلبُّسِهِ بالقضاءِ الأكبرِ، وكان عالمًا فاضلًا بشوشًا حَسَنَ المحاضَرَةِ، أجازَ للتَّقِيِّ ابن فهدٍ ووَلَدَيهِ وكذا لأبي الفَرَجِ المراغيِّ حينَ عرضَ عليه، ومات وهو على القضاءِ في المحرَّمِ سنةَ اثنتين وعشرينَ وثماني مئةٍ بالمدينةِ، ودُفِنَ بالبقيعِ، واستَقَرَّ بعدَهُ أخُوه، أرَّخَهُ شيخُنا في "إنبائِهِ" (١)، وقال الفاسيُّ في "ذيلِ النُّبلاءِ": كان له قليلُ اشتغالٍ وتحصيلٍ.
[٣٨٧٢] محمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ عبد الله الشَّمسُ البعدانيُّ العوفيُّ، المدنيُّ، الشافعيُّ (٢)
ابنُ أختِ التاجِ عبد الوهابِ بنِ محمَّدِ بنِ صالحٍ (٢٥٧٠)، ووالدُ المحمَّدَينِ (٣٩٠٢)(٣٩٠٣) وعبد الوهابِ (٢٥٧١) المذكورِين في محالِهِم، وأَحَدُ فَرَّاشِي المسجدِ النَّبَويِّ، ويعرَفُ بالعَوفيِّ لكونِ والِدِه تزوَّجَ فيهم، ويقالُ له أيضًا: ابنُ المسكينِ، وهو بها أشهَرُ. وُلِدَ في سنة ثلاثٍ أو أربعٍ وثلاثينَ وثماني مئةٍ بالمدينةِ، وحَفِظَ القُرآنَ و"أربعي النوويِّ" و"الشاطبيَّةَ"
стр. 3192
و"المنهاجَ الأصليَّ والفرعيَّ" و"جمعَ الجوامعِ" و"ألفيَّةَ النحوِ" و"التَّهذيبِ في المنطقِ" للتفتازانيِّ (١)، وعَرَضَ على جماعةٍ، وأخذ الفقهَ وغيرَهُ عن أبي الفرَجِ الكازرونيِّ، وقرأ على أبي الفتحِ المراغيِّ بِمَكَّةَ شرحَهُ على "المنهاجِ"، ولازم الشهابَ الإبْشِيطيِّ في الأصلينِ والعروضِ، فقرأ عليه بحثًا "جمعَ الجوامعِ" و"المنهاجَ الأصليَّ" و"شفاءَ الغليلِ في علمِ الخليلِ" (٢)، بل قرأ عليه "المنهاجَ الفرعيَّ"، وأخذ أصولَ الفقهِ أيضًا عن الكمالِ إمامِ الكامليَّةِ، والعربيةَ والصَّرفَ عن السَّيِّدِ عليٍّ العَجَمِيِّ شيخِ الباسطيَّةِ المدنيَّةِ، والمنطقَ وغيرَهُ عن أبي يزيدَ (٣)، ولازمَ أحمدَ بنَ يونُسَ المغربيَّ في فنونٍ، وتلا بالسَّبعِ على عليٍّ الدَّيرُوطِيِّ وابنِ الشرفِ الشُّشْتَرِيِّ، وقرأ على السَّيِّدِ الطَّباطِبِيِّ ولَبِسَ منه الخِرقَةَ، وسَمِعَ على المُحِبِّ المطرِيِّ وأبي الفتحِ وأبي الفَرَجِ المراغِيَّينِ، وأبي الفتحِ ابن صالحٍ بل سمِعَ في "البخاريِّ" على الجمالِ الكازرونيِّ في سنة سبعٍ وثلاثينَ "البخاريَّ" وغيرَهُ على خاله التاجِ في سنة سِتِّينَ وغيرِها، ومن شيوخِهِ أيضًا: ابنُ الهُمامِ، وبَرَعَ في العربيَّةِ والفرائِضِ والحسابِ، وشاركَ في الفقهِ وغيرهِ، وأَذِنَ له في الإقراءِ وتصدَّى للإقراءِ بالمسجِدِ، ومِمَّنْ قَرَأَ عليه ابنُهُ، والشَّمْسُ ابنُ زينِ الدِّينِ ابنِ القطَّانِ، وكان قائمًا بِوَظِيفَةِ الفِرَاشَةِ في المسجدِ النَّبَوِيِّ، وكذا في مسجِدِ قُبَاءَ مع بَوَابتِهِ والأذانِ
стр. 3193
فيه وتَكَسُّبِهِ بالشهادَةِ وتميُّزِهِ فيها، وجَمَعَ في كُلٍّ من ختمِ "الصَّحِيحَينِ" و"الشِّفاءِ" و"المنهاجِ" وغيرِها أشياءَ غيرَ مُهِمَّةٍ، وكذا له نَظْمٌ غيرُ طائلٍ، فمنه مما هو أوَّلُ قصيدَةٍ:
اللهَ أَحْمَدُ في بَدْءٍ ومُخْتَتَمِ … على جوارِ مَلاذِ العُرْبِ والعَجَمِ
نُمْسِي ونُصْبِحُ نَسْعَى حولَ حجرته … والبِرُّ يَشْمَلُنا مِن ساكنِ الحَرَمِ
ورَوضُ جَنَّاتِ عَدنٍ قد أَبِيحَ لنا … ما بينَ مِنْبَرِهِ والقبرِ ذي الكَرَمِ
وكان خَيِّرًا، ماتَ بالمدينةِ في الحريقِ الشهيرِ شهيدًا في رمضانَ سنة سِتٍّ وثمانينَ، احتبَسَ الدُّخانُ في جوفِهِ فمكثَ أياما يسيرةً، ثُمَّ ماتَ، ﵀ وإيانا.
[٣٨٧٣] محمَّدُ بن محمَّدِ بن عبد الوَهَّابِ بنِ عليِّ بنِ يوسفَ الشَّمسُ ابنُ فتحِ الدِّينِ أبي الفتحِ الأنصارِيُّ، الزَّرَنْدِيُّ، المَدَنِيُّ، الحَنَفِيُّ (١)
أحَدُ الإِخوَةِ الخَمْسَةِ وأوَّلُهُم موتًا، ماتَ في أوَّلِ سنةِ ثلاثٍ وأربعينَ وثماني مئةٍ بالمدينةِ عن بِضعٍ وثلاثينَ سنةٍ، ولم يُعْقِبْ، بل لم يَتَزَوَّجْ.
[٣٨٧٤] محمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ عَرَفَةَ أبو عبد الله التُّونِسِيُّ
أحَدُ أعيانِ أهلِها، ووالدُ العلَّامَةِ الوَرِعِ الزَّاهِدِ الشهيرِ أبي عبد الله مُحَمَّدٍ.
стр. 3194
قال ابنُ فرحون (١): إنه كانَ من أصحابِنا الكبارِ الذين لهم وَرَعٌ ودِينٌ وصَلابَةٌ وتَفَنُّنٌ، وهو الشيخُ العارفُ المتعبد الوَرِعُ الزاهِدُ، كان من أصحابِ الوالدِ، ومِمَّنْ لم أَرَ أَحَدًا مِثْلَهُ في الاجتهادِ وتحرِّيهِ في العبادَةِ ومواظَبَتِهِ على الحَجِّ والزيارَةِ، لم يَزَلْ يَتَكَرَّرُ إلى المدينةِ من بَلَدِهِ رجاءَ أن تكونَ وفاتهُ بِأَحَدِ الحرَمَينِ، فكانَ كذلك، ماتَ بالمدينةِ في حدُودِ سنةِ ثمانٍ وأربَعِينَ وسبعِ مئةٍ، قال: وابنُهُ اليومَ في تُونُسَ عليهِ مدارُ الفُتيا والاشتغالِ في علومِ الكتابِ والسُّنَّةِ.
[ ...... ] مُحَمَّدُ بنُ محمَّدِ بن عليِّ بنِ إبراهيمَ بن حُريثٍ
يأتي بعد يسيرٍ بدونِ إبراهيمَ (٣٨٧٦).
[٣٨٧٥] محمَّدُ بنُ محمَّدِ بن عليِّ بنِ أحمدَ بنِ أبي بكر بن إسماعيلَ بنِ أحمَدَ ابنِ عليِّ ابنِ إبراهيمَ، الشَّمسُ المُجَاهِدِيُّ الأيُّوبِيُّ (٢)
لكونِهِ من ذُرِّيَّةِ الصَّلاحِ يوسُفَ ابنِ أَيُّوبَ، ورُبَّما كَتَبَ: الصَّلاحِيُّ الأيوبيُّ الحَمَويُّ ثُمَّ الحَلَبِيُّ، الشَّافِعِيُّ الصُّوفيُّ، ويعرَفُ بابنِ الشَّمَّاعِ. وُلِدَ في مُسْتَهَلِّ سنة إحدى وتسعينَ وسبعِ مئةٍ بحماةَ، وانتقَلَ منها وهو صغيرٌ
стр. 3195
معَ أبيه لمصرَ، فأقامَ بها، وحَفِظَ القُرآنَ و"التنبيهَ" والرُّبعَ الأَوَّلَ من "المُهَذَّبِ" كالنَّوَوَيِّ (١)، وحَضَرَ دُرُوسَ السِّراجِ البُلقِينِيِّ مع صِغَرِهِ، وتفقَّهَ بالبيجُورِيِّ والوليِّ العراقِيِّ، وأخذَ منطقَ "المختصرِ" (٢) وغيره عن العِزِّ ابنِ جماعَةَ، ولازَمَ البِساطيَّ في كثيرٍ من الفنونِ، ولَقِيَ بحماةَ الجمالَ ابنَ خطيبِ المنصوريَّةِ (٣) فأخذَ عنه أيضًا الفقهَ، وكذا الأصولَ والعربيَّةَ وأحدَهما أيضًا عن العلاءِ ابنِ المُعلّى (٤).
وصحب البرهانَ السِّلماسيَّ الشهيرَ بابنِ البقّالِ بالقاهرةِ (٥)، وأخذ عنه طريقَ القَومِ، وذلك في رمضانَ سنةَ ثلاثٍ وثماني مئةٍ، وقال له: إنه أخذ بتبريزَ في سنة ثلاثٍ وأربعين وسبعِ مئةٍ عن الجمالِ عبد الله العجميِّ (٦) شيخِ الشهابِ ابن الناصحِ (٧) الذي قيلَ إنه عُمِّرَ مئةً وخمسةً وثمانين (٨)
стр. 3196
سنة، وأنّ أوَّلَ شيءٍ دخل جوفَه ريقُ الشَّيخِ عبد القادرِ الكيلانيِّ (١) حيث حنَّكهُ وألبسه لمّا أتت به أُمُّه إليه، مما هو بعيدٌ عن الصِّحَّةِ حسبما بيَّنتُهُ في محلِّهِ، وكذا صَحِبَ صاحبُ الترجمةِ الزَّينِ الخوَّافيَّ وغيرَه من شيوخ الوقتِ، واجتمع بالعلاءِ البُخارِيِّ والتقيِّ الحِصنِيِّ يسيرًا، ولَبِسَ الخِرقَةَ وتلقَّن الذِّكر من سعد الدِّين الصُّوفيِّ (٢) بلباسه لها من طريقِ ابن العربِيِّ، وسمع الحديثَ فيما ذكر على الوليِّ العراقيِّ والعِزِّ ابن جماعةَ وابنِ خلدونٍ، واستوطن حلبَ من سنةِ ثلاثين مُتَصَدِّيًا لتربية المريدين وإرشادِ القاصدين، حتى أخذ عنه جماعةٌ وصارت له فيها وجاهةٌ وجلالةٌ، ورسائلُ مقبولةٌ، ووسائِلُ محمولةٌ، وكنت مِمَّن لقيتُهُ بها فكتبتُ عنه من نظمِهِ قولَهُ:
صرفتُ عن الكثرات وجهَ تَوَجُّهي … إلى وحدِهِ الوجهِ الكريمِ المُمَجَّدِ
فما خابَ مصروفٌ إلى الحَقِّ وجهُهُ … وقد خابَ مَن أضحى مِن الخَلقِ يجتدي
وقولَهُ:
لو كنتُ أعلَمُ أنَّ وصلَكَ مُمكِنٌ … بِتَلافِ روحي أو ذهابِ وُجُودي
لمَحَوتُ سطري من صحيفَةِ عالمي … وهجَرتُ كوني في وِصالِ شُهُودي
وكذا أخذ عنه التَّاجُ ابنُ زهرَةَ الطَّرابُلسِيُّ (٣)، وأنشدني عنه قولَهُ في
стр. 3197
الوظائِفِ السَّبعَةِ التي ذكرها الغزاليُّ، ولم يُخلِها من كتبه الكلامِيَّةِ والصُّوفِيَّةِ:
تقديسُ إيمانٍ وعجزٌ فافهم … واسكت مُكِفًّا ثُمَّ أمسِك سَلِّم
وكان إمامًا علّامةً، فصيحًا طَلقَ اللِّسانِ، رائِقَ النَّظمِ والنَّثرِ، بديعَ الذَّكاءِ، حَسَنَ الأخلاقِ والمُعاشَرَةِ والشَّكالَةِ والبِزَّةِ، مُمتِعَ المُحاضَرَةِ، سريعَ الجوابِ، مُجيدًا لما يتكلَّمُ فيه، مُثريًا ذا مالٍ طائلٍ، مُنعَزِلًا عن الناس بِبيتِهِ، الذي أنَشأَهُ بِحَلَبَ، وهو من محاسِنِ بيوتِها، مُتَعفِّفًا عن وظائِفِ الفُقَهاءِ وما أشبهها، مُستغنيًا بأوصافِ المتاجِرِ، ذا يدٍ طولى في عِلمِ الكلامِ والفَلَكِ والحَرفِ والتَّصوُّفِ، ولكنه يُنسَبُ لمقالَةِ ابن العَرَبي، ولذا كان البلاطُنسِيُّ يَقَعُ فيه، مع أنِّي رأيتُ بِخَطِّهِ ما يَدُلُّ على التَّبَرِّي من ذلك، هذا مع أنَّه أورد بِسَنَدهِ بِلِباسِ الخِرقَةِ في إجازَةٍ كتبها للسَّيِّد العلاءِ ابنِ السَّيِّدِ عفيفٍ الدِّينِ من طريقِهِ، وقال ما نَصُّهُ: ومولانا الشَّيخُ محيي الدِّين المُشارِ إليه، لَبِسها مرارًا بحيثِ روينا عنه أنَّه لَبِسَ الخِرقَةَ، وتلقَّنَ الذِّكرَ، وتأدَّبَ بنحوٍ من سبعِ مئةِ شيخٍ من مشايخ الطريقَةِ وأئمَّةِ الحقيقةِ، وساق طَرَفًا من ذلك، فاللهُ أعلَمُ بحقيقةِ أمرِهِ. وقد حَجَّ غير مَرَّة، وجاور بِمَكَّةً بعد الثلاثينَ، ودخلَ الهندَ وساحَ، ورابطَ ببعضِ الثُّغورِ وقتًا. وشَرَحَ قطعةً من "الحاوي الصغير"، ومن "الإرشادِ" للقاضي أبي بكرٍ الباقلانيِّ في الأُصُولِ (١)، وشرحِ "البُرهانِيَّةِ" في أصولِ الدِّينِ.
стр. 3198
وأعرَبَ جميعَ "ألفيَّةِ ابنِ مالكٍ"، لأجلِ وَلَدِهِ أبي الطاهرِ، وعَمِلَ كتابًا في مُصطَلَحِ الصُّوفِيَّةِ سمَّاهُ "منشَأَ الأغاليطِ".
وأفرَدَ رِحلَتَهُ في مُجَلَّدٍ، وعقيدَتَهُ بالتَّأليفِ، وتبَرَّأَ فيها من كُلِّ ما يُخالِفُ السُّنَّةَ والجماعَةَ، ولم يزل على جلالَتِهِ إلى أن وَقَعَ بِحَلَبَ فَنَاءٌ عظيمٌ، تُوُفِّيَ فيه غالِبُ من عندَه من وَلَدٍ وأهلٍ وخَدَمٍ، فَأَسِفَ وتوجَّهَ إلى مكةَ بِنِيَّةِ المُجاوَرَةِ بها صُحبَةَ الرَّكبِ الحَلَبي.
ولَقِيَهُ العلاءُ ابنُ العفيفِ المُشارُ إليهِ بالشَّامِ وهو مُتوَعِّكٌ، فقال له: قد كنتُ عزمتُ على المُجاوَرَةِ بِمَكَّةَ، والآن وقع في خاطري مزيدُ الرَّغبَةِ في المجاورةِ بالمدينةِ النبويَّةِ، فكان ذلك، فإنَّهُ استمَرَّ في توعُّكِهِ إلى يومِ دُخولِهِ لها، وذلك في يوم الثلاثاءِ (١) العشرين من ذي القعدةِ سنةَ ثلاثٍ وسِتِّين، فمات ودُفِنَ بالبقيعِ بعد الصَّلاةِ عليه بالرَّوضَةِ النبوِيَّةِ ﵀ وعفا عنه.
ورثاه زوجُ ابنتهِ الفاضلُ الأوحدُ جلالُ الدِّينِ ابنُ النَّصيبي (٢) بقصيدةٍ مطلَعُها:
أخفاك يا شمس العلوم كسوفُ … من بعدِ فَقدِكِ ناظري مكفوفُ
стр. 3199
[٣٨٧٦] محمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ عليِّ بنِ حريثٍ، الإمامُ العلّامةُ أبو عبد الله القُرَشِيُّ، العبدرِيُّ، البَلَنسِيُّ، ثُمَّ السَّبتِيُّ (١)
إمامُ جامِعِها وخطيبِها. وُلِدَ بها في ربيعٍ الأوَّلِ سنة إحدى وأربعين وسِتِّ مِئَةٍ، ونشأ بها وحَصَّلَ، وصار خطيبَها ( … ) (٢).
[٣٨٧٧] محمَّدُ بنُ محمَّدِ بن عليِّ بن سُليمانَ بنِ وَهبانَ الشمسُ ابنُ الشَّمسِ المَدَنِيُّ المالِكِيُّ (٣)
وُلِدَ في شوالٍ سنة سبعٍ وخمسين بالمدينةِ، ومات أبوهُ وهو طِفلٌ، فكفلته أُمُّهُ، وهي من ذُرِّيَّةِ أبي العبَّاسِ التَّادِليِّ مع جدِّه لأبيهِ، وحَفِظَ القرآنَ و"الرِّسالَةَ" و"المُختَصَرَ" كلاهما في فُروعِهم، و"ألفيَّة النَّحو"، وقرأ على موسى الحاجِبي ويحيى الهوَّاريِّ وأحمدَ بنِ يونُسَ ومحمَّدٍ العربي (٤)
стр. 3200
المغاربةِ قدموا عليهم المدينةَ، وقاضيها الشَّمسِ السّخاوِيِّ وابنه في الفقهِ، وعلى ثالِثِهم في العربيةِ، ودخل القاهِرَةَ وحضر بها عند السَّنهورِيِّ، والشّامَ وحَلَبَ وغيرَها، وزار بيتَ المقدِسِ، وكتب على "المُختصرَ" (١) مجلَّداتٍ، وبيدِه نِصفُ شهادةٍ بالحَرَمِ، ولا بأس بِضَبطِهِ.
[أقولُ: وبعده رُزِقَ أولادًا وماتَ عنهم في … ] (٢).
[٣٨٧٨] محمَّدُ بنُ محمَّدِ بن عليِّ بنِ محمَّدِ بنِ محمَّدٍ، الشَّمسُ الحَمَلِيُّ، ثم البلبيسيُّ، القاهِرِيُّ، الشافعِيُّ (٣)
ويعرَفُ كَسَلَفِهِ بابنِ العمادِ. وهو لقبُ جَدِّ والده، من بيتٍ لهم جلالةٌ ووجاهةٌ ببلدهم، وجدُّه ممن سَمِعَ على التَّاجِ ابنِ النُّعمانِ والجمالِ الأُميوطِيِّ بِمكَّةَ، وُلِدَ في صفرَ سنةَ خمسٍ وعشرين وثماني مِئَةٍ بِبُلبيسَ ونشأ بها فَحَفِظَ القُرآنَ وكُتُبًا، عرض بعضَها على عالمِ بَلَدِهِ الشَّمسِ البيشيِّ (٤) وغيرِه، وخطبَ بجامعِهِ أشهُرًا ثم ترك.
وصَحِبَ الشيخَ الغَمرِيَّ وتلقَّنَ منه، بل لَقِي ابن رسلانَ، وقرأ عليه وتهَذَّب بِهَديِهِ وعادت عليه بَرَكتُهُ، وسمع على شيخِنا واستفتاهُ، ثم على
стр. 3201
آخرينَ، وأخذ عن الشِّهابِ الزَّواوِيِّ (١) وآخرين في الفقهِ وغيرِهِ، وعن الزَّينِ خالدٍ المنوفيِّ (٢) في العربيةِ، وكذا قرأ فيها على صاحبه أبي العَزمِ الحلاوِيِّ، ولازم الكمالَ إمامَ الكامليَّةِ فلم ينفَكَّ عنه إلا نادرًا، واغتبط كُلٌّ منهما بالآخرِ وسافرَ معه لمكَّةَ والمدينةِ وبيتِ المقدِسِ والخليلِ والمحلَّةِ وغيرِها، وتكرَّرت مُجاورَتُهُ بِمَكَّةَ وزيارتُه، وسمع هناك على أبي الفتحِ المراغيِّ والتَّقِيِّ ابنِ فهدٍ، وتكسَّبَ بالنَّساخَةِ، وكتب بِخَطِّهِ الصَّحيحِ النَّيِّرِ "الخادِمَ" (٣) نحو مَرَّتَينِ، و"الدَّميرِيَّ" (٤) و"البُخارِيَّ" و"الشِّفاءَ" وأتقَنَ تصحيحَهما، وقيَّد عليهما من الحواشي النافِعَةِ ما لا يُستكثَرُ على فضيلَتِهِ، وقرأ "البُخارِيَّ" لأولادِه على الشاوي (٥)، وكذا قرأ عليَّ "الشِّفاءَ"، ولازم كتابةَ "الأمالي" عنِّي مُدَّةً طويلةً، بل كتب عِدَّةً من تصانيفي وقرأ بعضها، واختصر "تفسيرَ البيضاويِّ" مع زياداتٍ فأحسنَ، ومرَّ عليه في المدينةِ النبويَّةِ هو والسَّيِّدُ السَّمهودِيُّ؛ لكونه لمزيد خيرِهِ وهَضمِه لِنَفسِهِ لا يطمَئِنُّ
стр. 3202
لما يعلمُهُ، ووقَفَهُ بالمدينةِ، وحَصَّلهُ غيرُ واحِدٍ، وكان أحدَ الخُدَّامِ بها، وأقام بها مُدَّةً سوى تردُّدِهِ، وكذا كتب على "المنهاجِ" إلى الزكاةِ وغيرَ ذلك، وامتدحَ النبي ﷺ بقصيدةٍ سمعتُها مع غيرها منه، أوَّلُها:
إِنِّي شُغِفتُ بمبعوثٍ إلى الأُمَم … مُحَمَّدٍ خيرِ خلقِ الله كُلِّهِم
وكان فاضلًا جَيِّدَ الفهمِ والإدراكِ، بديعَ التَّصَوُّرِ صحيحَ العقيدةِ، تامَّ العقلِ خبيرًا بالأمورِ، زائدَ الوَرَعِ والزُّهدِ والقناعَةِ، متينَ التَّحرِّي والعِفَّةِ، شريفَ النَّفسِ، حَسَنَ العِشرَةِ، نَيِّرَ الهيئةِ، عِليَّ الهِمَّةِ، كثيرَ التَّفضُّلِ على أحبابه والتَّودُّدِ إليهم والسَّعيِ فيما يُمكِنُهُ من مصالحِهم ووُصولِ البِرِّ إليهم، بحيثُ جرت على يديهِ لأهلِ الحَرَمَينِ وغيرِهما صدقاتٌ جَمَّةٌ، وله في الإحسانِ إلى المطلوبين المظلومين بسببِ الكنيسةِ من القُدسِ والتَّرسيمِ عليهم اليَدُ البيضاءُ في كثيرٍ من مصروفِهم في التَّرسيمِ والإنفاقِ، بل أخفى بعضهم عنده حتى جهَّزَهُ لمكة وصار يأمُرُ مَرَّةً بتفَقُّدِهِ، ومات هناك، كثيرَ الصومِ والتَّهجُّدِ والاشتغالِ بوظائِفِ العبادَةٍ والرَّغبَةِ في الانفرادِ، وهو في بديعِ أوصافِهِ كَلِمَةُ إجماعِ، ولم يزل منذ عرفناه في ازديادٍ من الخيرِ إلى أن ماتَ بعد مجاورته مُدَّة كنتُ في سنةٍ منها بمكَّةَ، وزار في أثنائِها المدينةَ النبوِيَّةَ، ثم عاد لمكة فاستمرَّ حتى رجع مرغومًا؛ لأجلِ زوجته أُمِّ ولدٍ له لكونها أكثرت من مُناكدَتِهِ بسبَبِ إلمامِهِ بِبعضِ جواريه وأتت منه بِوَلَدٍ، مع أنَّهُ كان يُخبِرُني بأنه لم يَزِد على وطئِهِ، وكونَها غيرَ تامَّةٍ، فتوجّهَ بها بِنِيَّةِ إبقائِها عند أهلها ورجوعِهِ لمكَّةَ، فقُدِّرت وفاتُهُ بعد وصولِهِ القاهِرَةَ بقليل في ثاني عشر ربيعٍ الأوَّلِ سنة سبعٍ وثمانين، وصُلِّيَ عليه في مشهدٍ حافلٍ
стр. 3203
جدًّا، ثم دُفِنَ بجوارِ أبيه من تُربةِ سعيدِ السُّعداءِ قريبًا من الحنبليِّ، وكَثُرَ الثناءُ عليه والتأسُّفُ على فقده، ﵀ وإيّانا ونفعنا ببركاته.
[٣٨٧٩] مُحمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ عليِّ بنِ يوسُفَ البهاءُ أبو البقاءِ ابنِ المُحِبِّ الأنصاريُّ الزَّرندِيُّ، المدنِيُّ، قاضيها الشافِعِيُّ (١)
أخو عُمَرَ الماضي (٣٠٦٣)، وهذا الأكبرُ. قال شيخُنا في "إنبائه" (٢): وَلِيَ قضاءَ المدينةِ وإمامَتها وخطابَتها في سنةِ تسعٍ وثماني مئةٍ -يعني عِوضًا عن ناصر الدّين عبد الرحمنِ بنِ محمدِ بن صالحٍ في جُمادى الأولى منها، ثم عُزِلَ- يعني بعد زيادةٍ على نصفِ سنةٍ باشر فيها بِنَكَدٍ، فدخل دمشقَ ثم الرُّومَ فانقطع خبرُهُ، ثم قَدِمَ ومات بالقاهِرَةِ في الطاعون سنة اثنتينِ وعشرينَ.
قلتُ: وكان صرفُهُ بالزَّينِ أبي بكرٍ المراغيِّ في مُنتَصَفِ ذي الحِجَّةِ، وهو ابن عَمِّ حسنٍ ويوسفَ ابني فتحِ الدِّين محمَّدٍ، وكان قد سَمِعَ على الجمالِ الأُميوطِيِّ والزينِ المراغيِّ والعَلَمِ ابنِ السَّقّا، وتفقَّهَ بالجمالِ الكازِرونيِّ وتزوَّجَ ابنتَهُ (٣) واستولَدها أولادًا، وقرأ عليه يوسفُ بنُ محمَّدٍ الزرنديُّ في "البخاريِّ" وغيرِه بالروضةِ.
стр. 3204
وقال الفاسيُّ في "ذيلِ النُّبلاءِ": حَفِظَ "التَّمييزَ" للبارِزِيِّ (١) وغيرِه، واشتغلَ بالفقهِ وغيره قليلًا، ووَلِيَ قضاءَ المدينةِ وإمامَتها وخطابَتها على عادةِ من تقدَّمَهُ من قُضاةِ المدينةِ فِى أوائلِ سنةِ تسعٍ وثماني مئةٍ بعد صرفِ ناصرِ الدينِ ابنِ عبد الرحمنِ بنِ صالحٍ، فلما قدم الرَّكبُ المصرِيُّ فيها صُرِفَ، ثم قَبَضَ عليه أميرُ الحاجِّ لما نُسِبَ إليه من تزويرِ مرسومِ ولايته، وقيل: إنَّ جميعَ مُباشراته كانت وهو معزولٌ، ومضى به إلى مصرَ محتفظًا به، ثم أُطلِقَ بالقاهرة، ومضى إلى الرومِ ودمشقَ والمدينةِ وغيرها، ثم عاد لمصرَ، فقدمها في سنةِ اثنتين وعشرين ساعيًا لصهره الجمالِ محمَّدِ بنِ الصفيِّ أحمدَ الكازرونيِّ في القضاءِ والمضافِ إليه، فمات قبل أن يَتِمَّ قصدُهُ، مات في سنة اثنتينِ وعشرين وثماني مئةٍ.
[٣٨٨٠] محمَّدُ بنُ محمَّدِ بن عليٍّ، الشَّرَفُ أبو عبد الله، الحلبي، الشافِعيُّ (٢)
الواعِظُ، ويعرفُ بابنِ المدنيِّ. ويقالُ: إن أصلَه حجازِيٌّ، أثنى عليه منصورُ (٣) بن سليمٍ فقال: كان حَسَنَ الوعظِ كثيرَ الحِفظِ.
له شِعرٌ حَسَنٌ، أنشد القطبُ الحلبي منه:
стр. 3205
صدرتَ فما إلى وصلٍ وصولُ … ولَحَّ الشوقُ إذ لَجَّ العذولُ
تُحدِّثُني وسمعِي عند غيري … فما أدري وحَقِّكَ ما تقولُ
ومن عَجَبِ العجائبِ أنَّ قلبي … يهيمُ لقاتلي وأنا القتيلُ
إذا أمَّلتُ منه الوصلَ قال الـ … ــــتَّذلُّلُ: ما إلى هذا سبيلُ
وما حُبُّ الملاحِ سوى عذارٍ … فكفُّوا العَذلَ عنِّي لا تُطيلُ
فهذي حالتي وهُمُ نزولُ … فكيف بهم إذا جَدَّ الرَّحيلُ
ذكرَهُ ابن خطيبِ النّاصرِيَّةِ (١) ولم يُؤرِّخ وفاته.
[٣٨٨١] محمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ عليٍّ
ورأيتُ بِخَطِّه: علاءٌ الصَّلاحِيُّ، المدعوُّ بشمسٍ الخوارَزمِيُّ الحنفِيُّ، نزيلُ المدينةِ، سبقت له حكايةٌ في عبد الله بنِ الزُّبيرِ (١٨٩٠).
قرأ "البُخارِيَّ" على الأمينِ مُحَمَّدِ بنِ إبراهيمَ بنِ عبد الرحمنِ بن إبراهيمَ ابنِ الشَّمَّاعِ الدِّمَشقِيِّ الشافِعيِّ بمنزلِهِ مبركِ الناقةِ (٢) في سنة إحدى وثمانين وسبع مئةٍ بسماعهِ له على الحَجَّارِ.
стр. 3206
[٣٨٨٢] مُحمَّدُ بن محمَّدِ بن عُمَرَ بنِ عَنَقَةَ -بِفَتَحاتٍ- الشَّمسُ أبو جعفرٍ البَسكَرِيُّ -بفتح أوله وثالثه بينهما مهملةٌ ساكنةٌ- المدنيُّ المولدِ والدارِ (١)
وربما حُذِفَ عُمَرُ من نَسَبِهِ.
ولد سنةَ بِضعٍ وأربعين وسبعِ مئةٍ بالمدينةِ، وسمع الكثيرَ بنفسه بدمشقَ ومصرَ وغيرهما، فحمل عن بقايا من أصحابِ الفخرِ ابن البخاريِّ والتقيِّ الواسطيِّ وغيرهما، وكذا سَمِعَ قديمًا من الجمالِ ابنِ نباتةَ، ثم حمل عن ابنِ رافعٍ وابنِ كثير، وقرأ بالمدينةِ النبويةِ على الشمس الشُّشتَرِيِّ جُزءَ "سفيانَ بنِ عيينةَ"، و"السِّيرَةَ النَّبويَّةَ" للمُحِبِّ الطَّبرِيِّ، و"الشِّفاءَ"، وبعضَهُ على يحيى بن موسى القُسنطِينيِّ، وكذا قرأ على الجمالَينِ الأُميوطِيِّ ويوسُفَ ابنِ البنّا، وصاهره على ابنتهِ، والزَّينِ المراغيِّ، قرأ عليه في سنةِ سِتٍّ وسبعين "تاريخَهُ للمدينة"، وسمع "المُوطَّأَ" على البرهانِ ابنِ فرحونٍ، وأجاز له القلانسيُّ وغيره، وكتب عن الجمالِ أبي الرَّبيعِ سُليمانَ بن داودَ المصريِّ (٢) بِحَلَبَ في منتصفِ ربيعٍ الأوَّلِ سنةَ خمسٍ وسبعين وسبعِ مئةٍ ما أنشده يوم ماتَ التَّقِيُّ عبد الرحمن ابنُ الجمالِ محمَّدِ بن أحمدَ المطريُّ مما أسلفتُهُ في ترجمته (٢٣٣٠).
стр. 3207
قال شيخُنا في "إنبائه" (١): إنه كان يسكُنُ المدينةَ ويطوفُ البلادَ وحصَّلَ الأجزاءَ وتَعِبَ كثيرًا ولم يُنجِب، سمعت منه يسيرًا، وكان مُتودِّدًا.
وقال في "معجمه" (٢): إنه تفقَّهَ (٣) قليلًا، وكان شديدَ الحرصِ على تحصيلِ الأجزاءِ وتكثيرِ الشُّيوخِ والمسموعِ من غيرِ عَمَلٍ في الفَنِّ، سمعتُ من لفظه ترجمةَ عبد السلامِ من "مشيخةِ الفخرِ" بسماعهِ من ابن أُميلَةَ عنه، وحدَّثني من لفظِهِ بأحاديثَ خرَّجتُ بعضها في تخاريجي، وخرَّجتُ عنه في "المتبايناتِ" (٤) حديثًا.
وأنشدني: قال أنشدنا ابنُ نباتة لنفسهِ:
سافرتُ للساحلِ مُستبضِعًا … ذِكرا وأجرًا حَسَنَ الجُملَةِ
فيا له من متجرٍ كاسدٍ … ما نَفِقَت فيه سوى بغلتي
رجعَ من إسكندريَّة إلى مصرَ فمات بالساحلِ في جمادى الآخرة سنة أربع وثماني مئة غريبًا، ﵀ وإيانا.
[٣٨٨٣] محمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ فرحون بنِ محمَّدِ بنِ فرحون
والدُ محمَّدٍ الآتي (٣٩٠٨)، وأخو البدرِ عبد الله الماضي (٢٠٨٥).
стр. 3208
وُلِدَ في ليلة السَّبتِ سلخَ شوّالَ سنة سبعِ مئةٍ، قال فيه أخوهُ البدرُ (١): كان على طريقةِ والِدِه مِنَ العُزْلَةِ، ومحبَّةِ الوَحدَةِ والخَلوةِ، وقِلَّةِ الخُلطَةِ، وكان بي حَفِيًّا وفي دينِه قَوِيًّا، صَبَرَ على مجاهدةِ النَّفسِ في العبادةِ، حتى صارتْ له سَجِيَّةً وعادةً.
ومِن عِظَمِ شَفَقَتِه عليَّ أنه كان يَجْلِسُ دائمًا على طريقِي إلى الصَفِّ الأوَّلِ، فلا يَمُرُّ يومٌ حتى يَقِفَ معي ويسألَني عن حالي ويدعوَ لي بقلبٍ صافٍ، وودٍّ وافٍ، ومتى فَقَدَنِي في وقتِ صلاةٍ، وَقَفَ على بيتِي وسَأَلَ عن حالِي.
وخَلَفَهُ وَلَدُهُ مُحَمَّدٌ، فسَلكَ طريقتَهُ، وزاد بصُحْبَةِ المشايخِ والفقراءِ والأخذِ عنهم، له اشتغالٌ في الفِقهِ والنَّحوِ واللُّغَةِ، ومَعَ ذَلِكَ تَرَاهُ كَأَنَّهُ أحدُ التُّرابيةِ (٢).
ماتَ صاحِبُ التّرجمة في جمادى الأولى سنةَ خمسٍ وخمسينَ وسبعِ مئةٍ، وهو في "الدُّرَرِ" (٣) لشيخِنا، ولكن ما رأيتُهُ في النُّسخَةِ التىِ بِخَطِّي في مَكَّةَ، وقد أَرَّخَهُ الحسينيُّ في "ذيلِ العِبَرِ" (٤) ووصفَهُ بالقاضي، وكذا أرَّخَهُ العراقيُّ وقال فيه: القاضي شمسُ الدِّين، نابَ في الحُكمِ بالمدينةِ، وكان أحدَ الفُضَلاءِ، وانتُقِدَ بأن الذي ناب في الحُكمِ هو القاضي سديدُ الدِّين عبد الله؛ أخو صاحبِ الترجمةِ لا صاحبُ التَّرجمةِ.
стр. 3209
[ ......... ] محمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ عَنَقَةَ
مضى قريبًا فيمن جَدُّه عُمَرُ بن عَنَقَةَ (٣٨٨٢).
[٣٨٨٤] محمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ القاضي، الخزرَجِيُّ الزَّمورِيُّ، ثم المدنيُّ (١)
عرض عليه أبو السعاداتِ ابن أبي الفَرَجِ الكازرونيُّ سنة ثلاثٍ وثلاثين.
[٣٨٨٥] محمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ، الشمسُ ابنُ العِزِّ البُلبيسيُّ، ثم القاهِرِيُّ، الأزهرِيُّ، الشافعيُّ (٢)
نزيلُ طيبةَ وأحدُ مُدرِّسيها، والمؤذِّنُ أبوه ببلده، ويعرَفُ فيها بعزِّ الدّين الصُّعلوكِ، وكان يذكرُ قرابةً بينه وبين الفخرِ عثمانَ المخزوميِّ البُلبيسيِّ إمامِ الأزهرِ (٣)، ويعرَفُ صاحبُ الترجمةِ بالشمس البُلبيسيِّ.
стр. 3210
وُلِدَ في سنة اثنتين وأربعين وثماني مئةٍ تقريبًا ببُلبيسَ، وتحوَّل منها بعد بلوغه وقد قرأ القرآنَ عند البرهانِ الفاقوسيِّ (١)، فنزل جامعَ الأزهرِ وحفظ به "المنهاجَ" الفرعيَّ والأصليَّ، و"ألفيةَ النحو"، ونصفَ "الشاطبيةِ" وغيرَها، وأخذ عن السِّراجِ العبّاديِّ والفخرِ المقسيِّ (٢) وابنِ الفالاتيِّ (٣)، وقليلًا عن البكريِّ والعجلونيِّ، والعربيةَ عن إبراهيمَ الحلبي أبي الصُّغَيِّرِ (٤) والتقيِّ والعلاءِ الحُصنِيَّينِ، وعنهما أخذ أيضا في الأصلَينِ والصَّرفِ والمعاني، وكذا أخذ "المنهاجَ الأصليَّ" إلَّا اليسيرَ عن الكمالِ إمامِ الكامليَّةِ، وحضر عليه كثيرًا من تقاسيمه الفقهيَّةِ و"جمعَ الجوامعِ"، بل قرأ عليه فِى القُطبيةِ (٥) "أربعي النَّوويِّ" وأكثرَ "شرحَيهٍ" عليها وعلى "العمدةِ" وغيرَ ذلك، والفرائضَ والحسابَ عن الشهابِ السِّجِّينيِّ، والسَّيِّدِ عليٍّ تلميذِ ابن المجديِّ (٦)، وقرأ على الدِّيَمِيِّ "البخاريَّ" وغيرَه، وسمع على السَّيِّدِ النَّسّابةِ وغيره بالكامليَّةِ، وعلى الشاويِّ والملتوتيِّ وآخرين، بل
стр. 3211
لازم الخطيبَ أبا الفضلِ النُّويريِّ في سماعِ مجالسِه الحديثيَّةِ رفيقًا للخطيبِ الوزيريِّ وغيرِه، وحصل له بعده عارضٌ أُقعِدَ بسببِه، وكانت سلامتُه منه فضيلةً، وسافر لمكةَ في سنة ثمانٍ وسبعين فحَجَّ وجاور وفارقها، ثم قَدِمها بعد سنةٍ أيضًا، ثم عاد ثم رجع إليها في سنهِ خمسٍ وثمانين وقطنها إلى التي تليها، وكان في طولِ إقامته بها يحضُرُ دروسَ البُرهانيِّ ابن ظهيرةَ، بل قرأ على النَّجمِ ابن فهدٍ في "البخاريِّ"، ثم توجَّهَ إلى المدينةِ النبويَّةِ فقطنها ورسخت قدمُه بها، وتصدَّى للإقراءِ، فأخذ عنه الفُضلاءُ، بل قرأ عليه المقبولُ ابن تقيٍّ "البخاريَّ" وكذا الشمسُ زقزُقَ مع "صحيحِ مسلمٍ" وتقنَّعَ باليسيرِ وسلوكِ التَّقشُّفِ والرياضةِ بالنسبة لما كان فيه أوّلًا من زعارةِ الخُلُق (١) على عادةِ كثيرين، وصار يحُجُّ منها كُلَّ سنةٍ، بل ربما يأتي لمكةَ قُبيل الموسمِ، وهو ممَّن سَمِعَ مني في مجاورتي الأولى بالمدينةِ، ثم في الثانيةِ، وكان مُصاحبًا لنا في الرُّجوعِ إلى مكة في شوالٍ سنة ثمان وتسعين، وكتبت له في إجازتِه: الشيخيُّ الإماميُّ، العالميُّ العلّاميُّ، المفتيّ، مفتي المسلمين، مرشدُ الطالبين، مُربي المريدين، قدوةُ المستفيدين، نزيلُ بلدِ المصطفى، وعديلُ أولي الجلالةِ والاصطفا، من مُنِح السعادةَ بالإقامةِ بطيبةَ، وسمح بالتجارةِ للعبادةِ المزيلةِ لكلِّ كربةٍ، وأعرض عن زهرةِ الدنيا الدَّنِيّةِ، ونهض لما يترجَّى معه الغنيمةُ الأبديَّةُ، بالتَّمَلِّي بهذه المعاهدِ، والتَّسَلِّي بها عن سائرِ المشاهدِ، إذ كُلُّ الصَّيدِ في جوفِ الفَرا، وجميعُ الخيراتِ في أُمِّ القُرى، صلّى الله على ساكنِها وسلَّمَ، وأعلى بناءَهُ على سائرِ
стр. 3212
الخلقِ من عَلَّمَ وتعَلَّم، مِن الأنبياءِ والمرسلين، فضلًا عن الأولياءِ والملائكةِ المقرَّبين، عليهم الصلاةُ والسلامُ أجمعين، إلى يومِ الدِّين، نفع اللهُ تعالى به، ودفع به وعنه كُلَّ أمرٍ مشتبهٍ … إلى آخر ما كتبتُ.
[٣٨٨٦] مُحمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ محمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ عثمانَ ابن عبد الغنيِّ، الشمسُ بنُ الشَّرفِ بنُ الشمسِ الشُّشتَرِيُّ، المدنيُّ، المقرئُ، الشافعيُّ (١)
سبطُ ناصر الدِّينِ عبد الرحمن بنِ محمَّدِ بنِ صالحٍ (٢٣٣٦) وأخو أحمدَ (٢٨٠) الماضِيَينِ، ممَّن أخذ بالمدينةِ القراءاتِ عن محمَّدِ بن محمَّدٍ الكيلانيِّ وعن غيرِه، وسمع بها في سنةِ خمسٍ وأربعين على زينبَ ابنةِ اليافعِيِّ، ودخل القاهرةَ بُعَيدَ الأربعينَ، فنزل عند الغَمرِيِّ بجامعه بِطَرَفِ سوقِ أميرِ الجيوشِ وناله منه الخيرُ الجزيلُ، ويقالُ: إنه أخذ عن شيخِنا حينئذٍ، ورجع فتصدَّى للإقراءِ وانتفعَ به أهل المدينةِ وغيرُها طبقةً بعد أخرى، وممَّن أخذ عنه السَّيِّدُ المحيويُّ قاضي الحنابِلَةِ بالحرمَينِ، والشهابُ ابن خبطَةَ، وناب في الخطابةِ والإمامةِ عن خاله وبنيه، ورُبَّما صلَّى في زمن الفترةِ، بل قيل: إنَّهما عُرِضَتا عليه استقلالًا فأبى، وكان خَيِّرًا صالحًا، مات في جمادى الأولى سنة خمسٍ وثمانين وثماني مئة عن نحو السبعين، وهو خاتمةُ شيوخِ القُرَّاءِ بالمدينةِ، ﵀ وإيانا.
стр. 3213
[٣٨٨٧] محمَّدُ بنُ محمَّدِ بن محمَّدِ بن أحمدَ بن محمَّدِ بن محمودِ بن إبراهيمَ ابن أحمدَ بن روزبةَ، الجلالُ والمجدُ أبو السعاداتِ ابنُ ناصر الدِّين أبي الفرجِ ابن الجمالِ، الكازرونيُّ، المدنيُّ، الشافعيُّ (١)
الماضي أبوه (٣٨٤٨) وجدُّهُ (٣٤٠٥)، وُلِدَ في سابعِ المحرَّمِ سنة تسعَ عشرةَ وثماني مئةٍ بالمدينة ونشأ بها، فحَفِظَ القُرآنَ و"العُمدَةَ" وغيرها، وعرض في سنة ثلاثٍ وثلاثين على النَّجمِ السَّكاكينيِّ، وأجازه في آخرين، وأخذ عن أبيه وجدِّه، ومما قرأ عليه "البخاريَّ" مرارًا، وبحث على أبي السَّعاداتِ ابنِ ظهيرةَ حين مُجاوَرَته سنة تسعٍ وأربعين بطيبةَ "المنهاجَ الأصليَّ" وسمعَ على أبي الفتحِ المراغيِّ أشياءَ منها: الأوَّلُ من "مُسلسَلاتِ العلائيِّ".
وارتحل إلى القاهرةِ مع أبيهِ وصهرِهِ أبي الفرجِ المراغيِّ بعد الأربعينَ، فأخذ عن شيخِنا بقراءته وقراءَةِ غيره أشياءَ، وكتب عليه من أماليه جُملةً، فمما قرأه "الجواب الجليل عن حكمِ بلدِ الخليلِ" و"الأربعين المتباينات" كلاهما من تصنيفِه، وممّا سمعه عليه "الزُّهد" لابنِ المباركِ، و"اختلاف الحديثِ" للشافعيِّ إلَّا اليسيرَ منه، وبعض "النَّسائيِّ" و"الجُمُعة" للنَّسائِيِّ، والكثير من "البخاريِّ" ومن "المُوطَّأ"، ومن تصانيفِه "الخِصال المُكفِّرَةُ" ومن مُقَدِّمَةِ "شرحهِ للبخاريِّ" ومن "تغليقِ التعليقِ"، وكذا قرأ على العِزِّ ابنِ الفُراتِ "تُساعيَّاتِ ابنِ جماعةَ"
стр. 3214
الأربعينَ في سنة خمسٍ وأربعين، وسمعها معه أبو حامدٍ القُدسِيُّ (١)، وأحمدُ ابنُ الشِّهابِ الشُّوايطِيُّ.
وفي رمضان من التي تليها على الزَّينِ الزَّركَشِيِّ قطعةً من أوَّلِ "الشِّفاءِ"، ومن أوَّلِ الجهادِ من "مُسلمٍ" وبقراءةِ غيرِه منه عليه قطعةً من أوَّلِ الأطعمةِ ومن الإيمانِ، وأجاز له وصَحَّحَ بخطِّه وكان أصيلًا فاضلًا، أنجبَ أولادًا.
مات قبل أبيه بيسيرٍ في ربيع الثاني سنةَ سبعٍ وستِّين سنةَ النّهبِ الثاني من آل منصورٍ للمدينةِ، ﵀ وإيانا.
[٣٨٨٨] محمَّدٌ الشمسُ (٢)
أخو الذي قبلَه، وعبد السلامِ الأوَّلِ والثاني، وعليٍّ في آخرين.
وُلِدَ سنةَ اثنتين وستِّين وثماني مئةٍ أو التي قبلَها بالمدينةِ، ونشأ بها، فسَمِعَ على أبي الفَرَجِ المراغيِّ، ثم مِنِّي أشياءَ، واشتغلَ في "المنهاجِ" وغيرِه، وكتب بِخَطِّهِ أشياءَ.
стр. 3215
[٣٨٨٩] مُحَمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ محمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ موسى بنِ أبي بكرِ ابنِ أبي العيدِ، المُحِبُّ ابنُ قاضي المالكيَّةِ بِطَيبَةَ، خيرُ الدّين ابنُ الشمسِ السَّخاوِيِّ ابنُ القَصَبي (١)
الماضي أبوه (٣٨٥٠) وجَدُّهُ (٣٤١٤).
وُلِدَ في آخر سنة سِتٍّ وستين بالمدينةِ، وأمُّهُ زينبُ ابنةُ شيخِ الفرّاشين بها أحمدَ بنِ عبد الوهابِ ابنِ كرباجه، ونشأ فحَفِظَ القرآنَ وكُتبًا، كـ "الرِّسالةِ" و"المختصرِ" و"التنقيحِ" و"الشاطبيةِ" و"ألفيةِ ابنِ مالكٍ"، وعرض عليَّ بالقاهرة في جملةِ خَلقٍ حتى على الأشرفِ قايتباي اقتفاءً لأبيه في عَرضِه، كما تقدَّمَ على الظّاهرِ جُقمقَ، واشتغلَ على أبيه وجَدِّهِ والسَّيِّدِ السمهوديِّ في آخرين بالقاهِرَةِ والمدينةِ، بل حضر عند السَّنهوريِّ وفَهِمَ، ولازمني درايةً وروايةً، وزوَّجَهُ أبوه ابنةَ أبي الفضلِ ابن المُحبِّ المطريِّ، وحمدتُ سكونَه وعقلَه وأدبَه مع صِغَرِ سِنِّهِ، ولا زال في ازديادٍ بحيثُ إنه قرأ عَلَيَّ في سنة ثمان وتسعين بالروضةِ شرحي على "تقريبِ النوويِّ"، فكان في الفهمِ بمكانٍ، وكذا قرأ عَلَيَّ غيرَه من تصانيفي، وسَمِعَ أشياءَ، ولم ينفَكَّ عن والده في تلاوَةِ السُّبعِ صباحًا ومساءً، ومداومة المباحثةِ والمرور على الفقهِ والحديثِ على طريقةٍ حَسَنَةٍ جِدًّا، وهو بالمدينةِ فَردٌ بين أقرانه، وسَعدٌ لآبائه وخِلّانهِ، وقد كتبتُ له يوم سَفَري إجازةً نَصُّها: وبعدُ … (٢).
стр. 3216
ثم لازمني بالروضةِ في سنة اثنتين وتسعِ مئةٍ في شرحي "لألفيةِ العراقيِّ" وسمع من لفظي مُؤلَّفِي في "المولد النبوي" (١) تُجاهَ الحضرَةِ الشَّريفَةِ في ليلةِ ثاني عشرَ ربيعٍ الأوَّلِ منها، زاده اللهُ توفيقًا.
[أقولُ: ولي قضاءَ المدينةِ بعد وفاةِ أبيه في سنة ٩١٣، واستمَرَّ مُتولِّيا لها إلى أن ماتَ في سنة ٩١٧ وتولى بعده القضاءَ ولدُهُ أبو الفضل، وماتَ في سنته، وتولَّى بعده أخوهُ (٢) الشمسُ محمَّدٌ سنة ٩١٨] (٣).
[٣٨٩٠] محمَّدُ بنُ محمَّدِ بن محمَّد بنِ أبي بكرِ بنِ الحسينِ، الزينُ أبو بكرِ ابنُ الشَّمسِ أبي نصرِ ابنُ ناصر الدين أبي الفرج ابنُ الزَّينِ العثمانيُّ، المراغِيُّ، المدنِيُّ، الشافعِيُّ (٤)
الماضي أبوه (٣٨٥٤) وجَدُّه (٣٤٦٤)، وُلِدَ في رجب سنة خمسٍ وستين وثماني مئةٍ بالمدينةِ ونشأ بها، فحَفِظَ القُرآنَ و"أربعي النَّوويِّ" و"منهاجَهُ"، وقرأ على أبيهِ "البخاريَّ" و"الشِّفا" وغيرهما، بل سَمِعَ على جَدِّه أشياءَ، وعلى ابنةِ عَمِّ أبيه فاطمةَ ابنةِ أبي اليُمنِ وغيرهما، ولَقِيَني بِمَكَّةَ فسَمِعَ مِنِّي، ثُمَّ قرأ عَلَيَّ في حياةِ أبيه حين مجاورتي الأولى بالمدينةِ "الشِّفاءَ" وأكثر عَنِّي، وكذا قرأ عليَّ بمكةَ بعدُ في سنةِ أربعِ
стр. 3217
وتسعينَ أشياءَ من تصانيفي، بل بالمدينةِ في سنةِ ثمانٍ وتسعين شرحي "للألفيَّةِ الحديثيَّةِ" بحثًا وأشياءَ، وكذا قرأ على قاضي الحنابِلَةِ بالحَرَمَينِ الشريفينِ المحيويِّ بالمدينةِ وبمكَّةَ أشياءَ، واغتبطَ بملازَمَتِهِ، ورُبَّما قرأَ على السَّيِّدِ السَّمهودِيِّ في التقسيمِ وغيرِهِ، وحضر دُروسَ الشَّرفِ عبد الحَقِّ السُّنباطِيِّ في العربيةِ ثم على ابنِ قُريبَةَ المحلِّيِّ في آخرين، وفهم وتميَّزَ وخلفَ والِدَهُ في القراءَةِ بالروضةِ النبويَّةِ، وكذا قرأ بمدرسةِ المَلِكِ، وصاهرَ القاضيَ المالكيَّ بالمدينةِ على ابنتِه أختِ الذي قبله، وله منها أولادٌ، وهو فاضلٌ ذكيٌّ فَهِمٌ مُتودِّدٌ ظريفٌ منوَّرُ الهيئةِ زائدُ الحشمةِ والتأنُّقِ، له مَيلٌ إلى الإطعامِ مع زائدِ صفاءٍ ونغمةٍ طريَّةٍ ومحاسنَ وجمالٍ في أقربائِه وأحبّائِه وعيالِه، ولذا حُسِدَ.
ومما سمعه منِّي "المسلسلَ" و"حديثَ زُهيرٍ" و"القولَ البديعَ" وعليَّ "الجمعةَ" للنَّسائيِّ، و"مسلسلاتِ ابن شاذانَ" و"الشمائلَ" وبعضُها من لفظي، و"الخصالَ المكفِّرَةَ" لشيخِنا، وقطعةً من أوَّلِ "جزءِ الأنصاريِّ"، ونحو نصفِ "المُوطّأ" وأربعةَ أحاديثَ من آخرِ "مسندِ الشافعيِّ"، ودروسًا من "الألفيَّةِ" ومن شرحِها لي وللناظم، ومن "شرح العمدةِ" لابنِ دقيقِ العيدِ، وأماكنَ من "البخاريِّ"، ومنها البابُ الأخيرُ، وبعضَ "دلائلِ النبوَّةِ" للبيهقيِّ، و"المشارقَ" للصَّغانيِّ، و"الاكتفاءَ" للكَلاعِيِّ، و"موجباتِ الرحمةِ" لابنِ الرَّدَّادِ، و"الترغيبِ" و"مسلمٍ" و"أبي داودَ" و"الترمذيِّ" و"النسائيِّ" و"ابنِ ماجه" و"مسندِ أحمدَ" و"شرحِ معاني الآثارِ" للطَّحاوِيِّ، و"المصابيحِ" "والمشكاةِ" و"الأذكارِ" و"الرياضِ" و"الرسالةِ" و"العوارفِ"
стр. 3218
و"الإحياءِ"، ووصفتُه في المرَّةِ الأولى: بالشيخِ الفاضلِ، الأوحدِ الكاملِ، الرّائقِ لفظًا وأدبًا، والفائِقٍ أصلًا وحَسَبا، نُخبةِ الأماثلِ، ذي الرُّتبةِ العَلِيَّةِ في أفضلِ القُرُباتِ والوسائلِ، جمالِ المدرِّسين، بهجةِ النَّاظرين، بَرَكَةِ المحصِّلين، ملجأِ الوافدين، البارعِ الفارعِ، الأصيلِ النبيلِ، ذي الفَهمِ الحسنِ، والسَّهمِ الوافرِ عند أهلِ السُّننِ. ووالدَه: بسيِّدنا ومولانا، وأوحَدِنا وأولانا، الشيخيِّ الإماميِّ، الحبريِّ الهُماميِّ، العالميِّ العامليِّ، المحدِّثيِّ المسنديِّ المفيديِّ، بركةِ الطُّلابِ، ونخبةِ أولي السقطِ والانتخابِ، من انعقد الإجماعُ على صلاحه، واعتمد مَن يروم الانتفاعَ تكريرَ غُدُوِّهِ إليه ورواحهِ، بقيَّةِ السَّلَفِ، وعُمدَةِ الخَلَفِ. وجدَّهُ: بسيِّدِنا وشيخِنا، الشيخِ الإمامِ، العلّامةِ الهُمامِ، مفتي المسلمين، صدرِ المدرسين، قُدوَهِ أهلِ ناحيته وقطرهِ، وبقيَّةِ الكرامِ المُعتمدين في شأنه ومصرِه. وجَدَّ أبيه: بشيخِ شيوخِنا الإمامِ، شيخِ الإسلامِ، فريدِ عصرِه بالاتِّفاقِ، في سائرِ الآفاقِ، وقلتُ: نَسَبٌ. البيتَ (١)، والبيتانِ: إذا طابَ أصلُ المرء طابت فروعُه (٢). ثم قلتُ: رزقهُ اللهُ بَرَكَةَ ما تَعِبَ في تحصيلِه، ووهبه نشرَ ما كُلِّفَ بتأصيلِه، وصيَّرَه كأسلافِه إمامًا يُقتدى به، وعلمًا يُهتدى بالاتِّصالِ بِسببه، بحيثُ يكونُ المرجوعُ في قطرِه الشَّريفِ إليه، والمعوَّلُ بِحُسنِ نَظَرِه
стр. 3219
المُنيفِ عليه، ويُنشِدُه من يراهُ من الأفاضِلِ قولَ القائلِ: بأبِهِ اقتدى .. البيتَ (١)، فأسلافُهُ رُؤوسُ النّاسِ في كُلِّ خيرٍ، وقادَتُهم حيثُ يتوجَّهون إلى الخيراتِ بسائرِ طُرُق السَّيرِ، وقلتُ عن قراءتِهِ: قراءَةٌ جَيِّدَةٌ حَسَنَةٌ، دلَّت على يَقظَتِهِ وبراعتهِ، وآذنت بِفَهمِهِ ووجاهَتِهِ، وقد كتبتُ له يوم سَفَري أيضًا إجازةً كان منها: ( … ) (٢).
[٣٨٩١] محمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ محمَّدٍ، الكمالُ أبو الفضلِ ابنُ الزَّينِ أبي بكرِ ابنِ ناصرِ الدِّينِ أبي الفَرَجِ العثمانيُّ، المراغيُّ، المدنيُّ، الشافعيُّ (٣)
ابنُ عمِّ الذي هو قبلَهُ بل هو أخوه لأُمِّهِ، ووالِدُ عبد الحفيظِ الماضي (٢١٨٤)، وهو بِكُنيَتِهِ ولَقَبِهِ أشهَرُ، وُلِدَ سنةَ سبعٍ وخمسينَ وثماني مئة قبل موتِ أبيه بيسيرٍ، وقدم القاهرةَ في ربيعٍ الأوَّلِ سنةَ إحدى وتسعين بعد موتِ عَمِّه وزوجِ أُمِّهِ الشمسِ محمَّدٍ، فاجتمعَ بي، وسمع مني "المُسلسَلَ" بِشَرطِهِ، وحضرَ بعضَ الدُّروسِ ومات بالرُّوم في سادسِ جمادى الثاني سنة أربعٍ وتسعين، وكان له مشهدٌ عظيمٌ، ودُفِنَ بِتُربَةِ محمود شاه من بُرصا، ﵀ وعوَّضه الجَنَّةَ.
стр. 3220
[٣٨٩٢] مُحمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ محمَّدِ بنِ الحَسَنِ بنِ محمَّدِ ابنِ عبد الله بن أبي عُمَرَ محمدٍ، ناصرُ الدينِ الجعفريُّ، القاهريُّ الشافعيُّ الموقِّعُ (١)
ويعرَفُ بناصر الدين الجعفريِّ. وُلِدَ في العشرِ الأوَّلِ من ربيعِ الأوَّلِ سنة أربعٍ وتسعين وسبعِ مئةٍ بالجعفريَّةِ (٢)، وحَفِظَ القرآنَ و"العمدةَ" و"التنبيهَ" و"المنهاجَ الأصليَّ" و"ألفيةَ ابنِ مالكٍ"، وعرض على الوليِّ العراقيِّ وابنِ النَّقَّاشِ وغيرِهما ممَّن أجاز له، وجوَّدَ القُرآنَ على الزَّينِ أبي بكرٍ الدُّموهيِّ (٣)، بل قرأ عليه لابن كثيرٍ وأبي عمروٍ، ولنافعٍ على شيخِ الظاهرِيَّةِ القديمةِ، وللفاتحةِ على الزَّينِ ابنِ عيّاشٍ بمكةَ، وتفقَّهَ بالوليِّ العراقيِّ، وسمع عليه بقراءَةِ المُناوِيِّ المجلسَ الأوَّلَ من "أماليه"، وأثبت له المُملي ذلك بِخَطِّهِ، ووصفَهُ بالفاضلِ، وكذا تفقَّهَ بالبيجوريِّ، وحضرَ اليسيرَ عند الجلالِ البُلقِينيِّ، وأخذ الفرائضَ عن الشمسِ الغَرَّافيِّ، وأذن له في سنة سبعَ عشرةَ، وناب في القضاءِ بالبلادِ قديمًا عن العلَمِ البُلقِينِيِّ، ثم بالقاهرة في سنة سبعٍ وخمسين، وكتب التوقيعَ دهرًا، وصنف للشُّهودِ
стр. 3221
وِراقَةً، بل شرح "الرَّحبيةَ" و"الجعبِرَّيةَ" (١) في الفرائضِ، وزعم أنَّ شيخنا قَرَّضَ له ثانيَهما.
وحَجَّ مرارًا أوَّلُها في سنة تسعٍ وثلاثين، توجَّهَ صُحبَةَ الرَّكبَ الرَّجَبي، ونابَ في قضاءِ جُدَّةَ إذ ذاك، وكان الكريميُّ ابنُ كاتبِ المناخاتِ (٢) ناظِرَها حينئذٍ.
وجاور بالمدينةِ النبويَّةِ ثلاثةَ أعوامٍ صُحبَةَ الوُلَّوِيِّ ابنِ قاسمٍ، وصار يَحُجُّ منها كُلَّ سنةٍ، وقرأ وهو بها على الجمالِ الكازرونيِّ أشياءَ كالصَّحيحَينِ.
وكان بارعًا في الفرائِضِ والتَّوثيقِ، مُتكَسِّبًا منه غالِبَ عُمرِهِ، لا يَمَلُّ من الكتابِ فيه، ولا يشاحِحُ رفاقه في القيامِ عنهم بذلك، وكونه قانعًا منهم ومن أصحابِ الأشغالِ غالبًا مع سلامةِ الفطرَةِ وغَلَبَةِ الغفلَةِ، ومزيدِ التَّواضُعِ والتَّقشُّفِ، وامتهانِهِ لنفسِهِ والرّغبَةِ في الفائِدَةِ، بحيثُ إنه أكثرَ من التَّرَدُّدِ إليَّ، وكتبَ عَنِّي أشياءَ، وربّما قيل: إنه لم يكن مُتحرِّيًا.
مات بعد أن شاخَ وهَرِمَ وعُمِّرَ في يوم الجمعةِ سلخَ ذي الحجةِ سنةَ سبعٍ وثمانين، ودفِن من الغَدِ بتربة السَّنقورِيَّةِ، ﵀ وعفا عنه.
стр. 3222
[٣٨٩٣] مُحمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ محمَّدِ بنِ حُسينِ بن عليِّ بن أحمدَ ابن عطيَّةَ بن ظهيرَةَ، الجلالُ أبو السعاداتِ ابنُ الكمالِ أبي البركاتِ ابنِ الجمالِ أبي السُّعودِ، القُرشِيُّ المخزومِيُّ، المكيُّ، الشافعيُّ (١)
ويعرَفُ كسَلَفِهِ بابن ظهيرَةَ. أقامَ بالمدينةِ النبويةِ من موسمِ سنة سبعٍ إلى موسمِ التي تليها، ونفعَ أهلَها في الفقهِ وأصولِه وغيرهما، وقرئ عليه "البخاريُّ" وغيرُه، ومدحه من أهلِها الشمسُ ابن البُرهانِ الخُجَندِيُّ، ولقيه البِقاعِيُّ هناك فما سَلِمَ صاحِبُ الترجمةِ من أذاهُ لكونه لم يتمكَّن حيئنذٍ من برِّهِ مع أنه لم يكن من أهل هذا القبيل، وُلِدَ في سَلخِ ربيعٍ الأوَّلِ سنةَ خمسٍ وتسعين وسبعِ مئة ( … ) (٢).
[ ........ ] محمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ محمَّدِ بن رُوزَبَه
يأتي فيمن جَدُّه: محمَّدُ بنُ محمودِ بنِ إبراهيمَ (٣٩١٦).
[٣٨٩٤] محمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ محمدِ بنِ صالحِ بن إسماعيلَ الشَّرفُ ابنُ الشَّمسِ ابنِ التَّقيِّ ابنِ صالحٍ
الماضي أخوه عبد الوهابِ (٢٥٧٠)، وهو والدُ عبد السلام وأبي البركاتِ، لم يشتهر إلَّا بِلَقَبِه.
стр. 3223
[ ....... ] محمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ محمَّدِ بنِ عبد الرحمنِ بنِ صالحٍ
يأتي قريبًا فيمن جَدُّهُ: محمَّدُ بن عبد الرحمنِ بنِ محمَّدِ بنِ محمَّدِ ابنِ صالحٍ (٢٨٩٨).
[٣٨٩٥] محمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ محمَّدِ بنِ عبد الرحمنِ بنِ محمَّدِ ابنِ أحمدَ بنِ خلَيفِ بنِ عيسى، أبو الفتحِ ابن المُحِبِّ ابنُ الرَّضِيِّ أبي حامدٍ، المَطَرِيُّ، المدنيُّ، الشافعيُّ (١)
الماضي أبوهُ (٣٨٦١) وجدُّهُ (٣٦٦٦)، سمع من أبيهِ في "الموطأ" وغيرِه.
[٣٨٩٦] محمَّدٌ الكمالُ أبو الفضلِ المطرِيُّ (٢)
أخو الذي قبله، وشقيقُ أُمِّ كُلثومٍ التي تزوَّجَ بها القاضي شمسُ الدِّينِ السَّخاوِيُّ المالِكِيُّ، أمُّهُما خديجةُ ابنةُ القاضي عليٍّ الزرندِيِّ، سمع من أبيه جُلَّ "مسنَدِ الشافعيِّ"، ومن التَّقِيِّ ابنِ فهدٍ وغيرِهما، بل قرأَ على أبي الفرَجِ المراغيِّ، وأخذ عن الشِّهابِ الإبشِيطيِّ الفقهَ والعربيةَ وغيرها، وتلقَّى عن أبيه الأذانَ، مات في رُجوعِهِ من الحَجِّ عند مَفرَجِ ليلةِ الحادي والعشرينَ من ذي الحِجَّةِ سنة سِتٍّ وستين، فجيء به إلى المدينةِ ودُفِنَ
стр. 3224
بالبقيعِ، ولم يبلغ الأربعينَ، وهو خاتمَةُ الذُّكورِ من بيت المطريِّ، ﵀، وأعقَبَ ابنَتَهُ خديجةَ التي تزوَّجَ بها بعدُ المُحِبُّ ابن القاضي خيرِ الدِّينِ المالكي.
[٣٨٩٧] محمَّدُ بنُ أبي عبد الله مُحَمَّدِ بنِ محمَّدِ بنِ عبد الرحمنِ بنِ محمَّدِ ابنِ أحمدَ بنِ عليِّ بنِ عبد الرحمنِ، الإمامُ المُحِبُّ، أبو الخيرِ ابنُ أبي عبد الله الحَسَنِيُّ، الفاسيُّ، المكيُّ، المالكيُّ (١)
أمُّه شريفةُ ابنةُ محمَّدِ بن كاملٍ الحَسَنِيُّ، وُلِدَ في يوم الجمعةِ ثاني عشري رَجَبٍ سنة ثمانٍ وتسعين وسِتِّ مئةٍ بمكَّةَ، وسمع بها باعتناءِ أبيه من يحيى الطَّبَرِيِّ "أربعي المحمَّدِين" للجِيَّانيِّ، و"جُزءَ ابن عرفةَ" وغيرَهما، وعلى الظَّهيرِ ابنِ مَنَعَةَ "جُزءَ ابنَ نُجَيدٍ"، وعلى الفخرِ التَّوزَرِيِّ الكُتُبَ السِّتَّةَ و"المُوطَّأَ" روايةَ يحيى بنِ يحيى، و"المِئَةَ الفُراوِيَّةَ" وجُزءًا فيه المسلسلُ بالأوليَّةِ وغيرَه من تخريجِ السَّمرقندِيِّ، والحديثَ المسلسلَ بِـ: جَرَّبتُهُ فوجدتُهُ حَقًّا، وعلى الصَّفيِّ والرَّضيِّ الطَّبِريَّينِ "صحيحَ البخاريِّ" و"ابنَ حِبَّانَ" وغيرهما، وعلى الرَّضِيِّ وحدَهُ "تاريخَ الأزرقيِّ" و"عوالي الفُراوِيِّ" ومن العفيفِ الدِّلاصِيِّ وجبريلَ بنِ عُمَرَ الكردِيِّ "وصايا العلماءِ" لابن زَبرٍ، ومن القاضي نجمِ الدِّين الطَّبرِيِّ "المجلسَ السادسَ بعدَ الأربعِ مئةٍ في فضلِ رَجَبٍ" لابنِ عساكِرَ، ومن ولدهِ "ارتقاءَ الرُّتبَةِ"، ومن عائِشَةَ وفاطِمَةَ ابنتي القُطبِ القسطلَّانيِّ "سُداسيّاتِ الرَّازِيِّ" ولبس
стр. 3225
منهما خِرقَةَ التَّصوُّفِ وغيرَ ذلكَ عليهم وعلى غيرِهم من شُيوخِ مَكَّةَ والقادمين إليها، منهم الصَّدرُ أبو الفداءِ إسماعيلُ بنُ يوسُفَ بنِ مكتومٍ سمعَ عليه "جُزءَ أبي الجَهمِ" و"مشيخَتَهُ" تخريجَ الفخرِ البعليِّ في أيامِ منى سنةَ إحدى عشرةَ.
وسَمِعَ بالمدينةِ على والده أيضا، والمحدِّثِ العِزِّ يوسُفَ بنِ الحَسَنِ الزَّرندِيِّ "عوارِفَ المعارِفِ" للسُّهرَوَردِيِّ، وعلى غيرِهما، ورحل به أبوه إلى مصرَ، فسمع بها على أبي هريرةَ ابن القارئِ "مسند الدارميِّ" و"جُزءَ أبي الجهمِ"، وعلى ابنِ أبي الفتوحِ القُرَشِيِّ "الموطأَ" ليحيى بنِ يحيى، وعلى محمَّدِ بن عبد الحميدِ القُرشِيِّ "صحيحَ مسلمٍ"، وغيرَ ذلك عليهم وعلى غيرهم بمصرَ وإسكندريَّةَ.
ثم طلب بنفسه فسمع بدمشقَ سنةَ ثمانٍ وعشرين من الحجَّارِ مسموعَهُ من الكتبِ والأجزاءِ خلا "مسنَدَ الدارميِّ" وغيرَ ذلك، وعلى النَّجمِ العسقلانيِّ "الموطأَ" لأبي مصعبٍ، وعلى أيّوبَ الكحّالِ بعضَ "النسائيِّ" في آخرين كثيرين.
وأجازَ له في سنة عشرٍ وسبع مئةٍ البدرُ ابنُ جماعةَ ومحمَّدُ بنُ الحسنِ الرَّصَدِيُّ (١)، والوانيُّ، والخُتنِيُّ، وعليُّ بنُ جابرٍ الهاشميُّ، ومسعودُ ابنُ أحمد الحارثِيُّ، وعبد الغفارِ بن محمَّدٍ السَّعدِيُّ (٢)، وأحمدُ بنُ عليِّ