← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1050

التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة - ط مركز دراسات المدينة

السخاوي

Полный текст (4 406 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وبعد ذلك سكنَ، ولزمَ الاشتغالَ حتى برعَ في الفقهَ وأصولِه، والعربيةِ، والفرائضِ، والحسابِ، والعَروضِ، والمنطقِ، وغيرها. وتنزَّلَ في صوفيةِ الحنابلةِ بالمؤيّديّة (١) أوَّلَ ما فُتحت، لشدَّةِ فاقتِه، وحفظَ "مختصر الخِرَقِي" (٢)، وصار يحضرُ عندَ مدرِّسها العزِّ البغدادي (٣)، فمَن بعده مع أقرانِه فقهَ الشافعية. وقد تصدَّى للإقراءِ، فانتفعَ به جماعةٌ، وممَّن أخذ عنه: ابنُ أسدٍ (٤)، ويحيى البكري (٥)، والجَوْجَري، وآخرون طبقةً بعدَ طبقة، وصنَّف "ناسخ القرآن ومنسوخه"، و "شرحَ الرَّحبية"، و "المنهاج"، و "ابنَ الحاجب" الأصليين، و "تصريفَ ابن مالك"، و "لاميته"، و "الجُملَ" للخونجي، و "إيساغوجي"، و "الخزرجية"، و "لسانَ الأدب" لابن جماعةٌ، وخطبة "المنهاج الفرعي"، وله "الحاشية الجلية السنية على حل تراكيب ألفاظ الياسمينية" في الجبر والمقابلة، لخَّصه من "شرحها" لابن الهائم، و "التُّحفة في العربية" في مجلد، و "نظم مختصر أبي شجاع"، و "النَّاسخ والمنسوخ" للبارِزِي، بل له "منظومةٌ في المنطق"، وأفرادًا مثلَّثة،

стр. 352

و "رَوي الصادي وعُجالة الغادي"، إلى غيرِ ذلك. وعُرفَ بالزُّهدِ والعبادة، ومزيدِ التَّقشُّف والإيثار، والانعزال والإقبالِ على وظائفِ الخير، وكونِه مع فقرِه جدًا بحيثُ إنَّه لم يكن في بيتِه شيء يفرِشُه لا حصيرٌ ولا غيرُه، بل ينامُ على بابٍ هناك، كان يتصدَّقُ من خُبزه بالمؤيَّدية، إلى أنْ كانَ في موسمِ سنةِ سبعٍ وخمسين، فحجَّ وزار النَّبيَّ ﷺ بالمدينة الشريفة، وانقطع عنده بها، فاتَّصل، وعظُمَ انتفاعُ أهلِها به في العِلم والإيثار، وحفظوا من كراماتِه وبديعِ إشاراتِه ما يفوقُ الوصف، وكان بينهم كلمةَ إجماع، وبالغَ هو في إكرامِهم، وفي وصفِهم بخطِّه فيما يكتبُه لهم، كأنَّه يترجَّى اتِّصافَهم بذلك، وصارَ في غالبِ السنين يحجُّ منها، بل جاورَ بمكَّةَ في سنةِ إحدى وسبعين، وكنتُ (١) هناك، فكثر اجتماعي به، واستثناسي بمحادثته، وأقبلَ ولله الحمدُ عَلَيَّ بِكُلِّيّتِه، وسمعتُ من فوائده ومواعظه، وكنتُ أبتهج برؤييه وسماعِ دعواتِه، وكان على قدَمٍ عظيمٍ من الاشتغالِ بوظائفِ العبادة، صلاةً وطوافًا، ومشاهدةً وتلاوةً، وإيثارًا وتقنُّعًا، وتحرُّزًا في لفظه، بل وغالبِ أحوالِه مُنعزلًا عن أهلِها البتة، وربَّما جلسَ في بعضِ مجالسِ الحديثِ بأطرافِ الحلقة، وحاولَه جماعةٌ في الإقراءِ فما وافقَ، بل امتنعَ من التَّحديثِ أدباً مع أبي الفرج المراغي فيما قيل، والظَّاهرُ أنَّه للأدبِ مع النَّبيِّ ﷺ ، ولا زالَ في ترقٍّ من الخير، وأخبارُه تَرِدُ علينا بما يدلُّ على ولايتِه حتى مات، بعد أنْ تركَ شهودَ الجماعةِ والجمعة. ممَّا أخبرني الثِّقةُ أنَّه سمعَه وهو بمفرده في خلوتِه يقولُ: يا عدوَّ الله، تتقدَّمُ للمحرابِ، أو نحوِ هذا، ممَّا ظهرَ أنَّه سببُ تخلُّفِه عن شهودِ ذلك. بل حُكي لَي: أنَّه لمَّا

стр. 353

قُتل الزَّكوي (١)، قال: إنَّه لم يُقتل حتى أفتى الأربعةُ بقتله، وأخوه انحسرَ منه. وما رأيتُ أحدًا من المدنيين إلا ويحكي من كراماتِه ما لم يحكه الآخر، وممَّا حكاه لي السيِّدُ السَّمهوديُّ قال: بلغني أنَّه سُرِقَتْ له دراهمُ من خلوتِه، وأنَّه يُذكر أنَّ بعضَ الجنِّ أخذها، فكنتُ أحبُّ سؤالَه عن ذلك -ووقعَ ذلك في خاطري وأنا في الصَّلاة- فلمَّا سلَّمتُ سألتُه، وقلتُ له: سمعتُ عنكم من الجنِّ؟ فقال: نعم، هو من الذين يقولون لك بطولِ الصَّلاةِ: أوَّلَ ما تُسَلِّمُ سلهُ. ومنه: أنَّه كانَ يُفرِّقُ ما يَرِدُ عليه من الفتوحات، ولم يدفعْ لي في طولِ مُدَّتِه من حين صُحبتي له إلى سنةِ خمسٍ وسبعين، فلمَّا رجحتُ فيها من الحجِّ، وكانت والدتي معي قَلَّ المصروفُ بعدَ ما كنتُ مَكفِيَّ المؤنةَ قبلُ، فزرتُ، واستمددْتُ من النَّبيِّ ﷺ (٢)، ثمَّ توجَّهتُ إلى الشَّيخِ برِباطِ الأصبهانيِّ للسَّلامِ عليه، فوجدتُ البابَ مُقفلًا، وامتنعتُ من طرقِه تأدُّبًا، وقلتُ: ببركتِه يتيسَّرُ مَن يفتح، فما تمَّ هذا الخاطرُ إلا وقد فَتحَ -هو- البابَ وليسَ على رأسِه عِمامةٌ، ثمَّ قال: ادخل يا أستاذُ، وكانَ دائمًا يخاطبُني بذلك، فدخلتُ وقبّلتُ يده، ثمَّ رجعَ معي وأعطاني خمسةَ عشرَ دينارًا، ودعا لي بدعواتٍ مناسبةٍ في أمرِ الرِّزقِ، ثمَّ في أثناءِ السَّنةِ احتجتُ لشراءِ خادمةٍ تُؤنسُ الوالدةَ وتخدمُها، فَعُرِضَت عَليَّ خادمةٌ، واحتجتُ في ثمنِها لعشرةِ دنانيرَ، فعزمتُ في سرِّي على اقتراضِها، ثمَّ جئتُ للدَّرسِ عندَ الشَّيخ على العادة، فلّمَا انصرفتُ وانصرفَ الجماعةُ

стр. 354

أعطاني صرَّةً فيها عشرةٌ بدون زيادةٍ، وقال: إنْ صلحتْ ادفعْها في ثمنِها، وإلا انتفعْ بها، فاتَّفقَ أنَّ بائعَها ندمَ، وسألَ الإقالةَ، ففعلتُ، وانتفعتُ بالثَّمن. ومن ذلك أنني أضمرتُ في نفسي تيسيرَ قراءتي على الشَّيخِ في خلوتِه منفردًا، حتى لا يزاحمُني مَن يُغيِّر في الفهم، ونحو ذلك، فما رأيتُ أسرعَ من وقوعِ ذلك، ولمَّا تنبَّه بعضُهم لذلك وصارَ يحضرُ منعَه، وصار يقفلُ البابَ، بل إنْ طرقَه طارقٌ لذلك يصرِّحُ بمنعه. وكان إذا التُمِسَ منه الدُّعاءُ لمريضٍ يجيبهم تارةً بالدُّعاءِ للسَّائل وللمريض، وتارةً للسَّائلِ من غيرِ تعرُّضٍ للمريض، فَقَلَّ أن يعيشَ المريضُ في الثَّاني، والتمسَ مني الشَّرواني وقد زاره في رجوعِه لمصرَ أن يدعوَ له، ففعلتُ ذلك بعدَ رجوعِ الشَّيخِ، فقال لي: يا أستاذُ، والله ما سافرَ إلا وهو في التَّرسيم، فكانَ كذلك، ماتَ بعد أيامٍ من وصولِه لمصر. بل اتَّفقَ أنَّ الأمين الإقصرائيَّ الفريدَ في مجموعِه عِلمًا وخيرًا، لمَّا حجَّ ومعه ابنُه (١)، وابتدأ بالزِّيارة النَّبويةِ، ثمَّ توجَّهَ لمكَّة، وما انفصلَ الابنُ عنها إلا وهو متوعِّك، فلمَّا عدتُ مع الرَّكبِ أعلمتُ شيخَنا بذلك، فقال: اللَّهمَّ أرحْ منه، والله إنَّه ما يصلُ لمصرَ إلا وهو مفتَّت، فكان كذلك، ما وصلَ إلى الينبع إلا ميتًا، ثم بعدُ نُقَل لمصر، فلم يصلْ إلا مُفتتًا. مع أنَّ شيخَنا ما سمعتُه يدعو على أحد. ومنه أنَّه أُشيعَ بمجيءِ الأشرفِ قايتبَاي للحجِّ في سنةِ وفاةِ الشَّيخِ، فقال الشَّيخُ: إنَّه لا يجيءُ فيها، ولكن في التي بعدَها، وتكون سنةً خضراءَ، فكان كذلك، حِسًّا ومعنىً؛ فإنه تصدق بمالٍ كثيرٍ، وبعث إلى السَّيد بمئةٍ.

стр. 355

وماتَ الشَّيخُ بعدَ أن توعَّكَ قليلا بالحُمَّى بعدَ عمرِ يومِ الجُمعة، تاسعِ رمضان، سنة ثلاثٍ وثمانين وثمان مئة، وصُلِّيَ عليه صبحَ يومِ السَّبتِ بالرَّوضة، ثمَّ دُفِنَ بالبقيع، بالقُربِ من قبرِ الإمامِ مالكٍ ﵀، وكانَ له مشها حافل جدًا، وتأسَّفَ النَّاسُ خصوصاً أهلَ المدينةِ على فقدِه، وقبرُه ظاهر يزار، ﵀ وإيَّانا، ونفعَنا ببركاتِه، وممَّا سمعتُه من نظمه: المنجياتُ السَّبْعُ منها الواقِعَةْ … وقبلها يَس تلكَ الجامِعَةْ والخمسُ: الانشراحُ والدُّخَانُ … والمُلْكُ والبُروجُ والإنْسَانُ وقد وافقَهُ في اسمِه واسمِ أبيه ونسبته آخرُ، ترجمَه شيخُنا في سنةِ خمسٍ وثلاثين وثمان مئة من "إنبائه" (١). ١٦٤ - أحمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ محمَّدِ بنِ نُبَيْهِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، أبو حُذَافةِ، السَّهْميُّ القُرشيُّ المَدَنيُّ. نزيلُ بغدادَ، ومحمَّدٌ في نسبِه لا بدَّ منْهُ وإن وقع في "الرُّواة عن مَالِك" للخَطيب، و "الضُّعفاء" لابن حِبَّانَ (٢) بدونه. حدَّثَ عن: مالكٍ، وعبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي الزِّنَادِ، ومسلمِ بنِ خالدٍ الزَّنجيّ، والدَّرَاوَرْدِيِّ، وحاتمِ بنِ إسماعيلَ، وأهلِ المدينة، وهو آخرُ من حدَّث عن المذكورين.

стр. 356

روى عنه: ابنُ ماجه، وابنُ صاعدٍ، وعبدُ الوهَّابِ بنُ أبي عصمةَ، وإسماعيلُ بنُ العبَّاسِ الورَّاقُ، والمَحَامليُّ، وابنُ مَخْلَد، وآخرون. قال المحامليُّ: سمعتُ أبي يقول: سألتُ أبا مصعبٍ عنه؟ فقال: كان يحضرُ معنا العَرْضَ على مالكٍ. وقال الدَّارقطنيّ: هو قويُّ السَّماعِ منه (١)، وقال البَرقانيُّ (٢): كان الدَّارقطنيُّ حَسَن الرَّأي فيه، وأمرَني أن أخرِّجَ حديثَه في الصَّحيح. ولكن قالَ الخَطيبُ: إنَّه قرأَ بخطِّ الدَّارقطنيِّ أنَّه ضَعيفُ الحديثِ، وكان مُغَفَّلًا، روى "الموطأ" عن مالكٍ مُسْتَقيمًا، فأُدخلتْ عليه أحاديثُ عن مالكٍ في غيرِ "الموطَّأ" فقبِلَها، لا يحتجُّ به. قالَ الخَطيبُ: ولم يكن مِمَّن يَتَعَمَّدُ الباطل. مات في يومِ عيدِ الفطرِ سنةَ تسعٍ وخمسين ومئتين (٣)، ولعلَّه عاشَ مئةَ سنة، وهو من رجال "التَّهذيب" (٤). ١٦٥ - أحمدُ بنُ إسماعيلَ الجَبَرْتيُّ، ثمَّ المدَنيُّ. أخو محمَّدٍ، شَهِدَ في مَحضرٍ بعدَ السِّتينِ وثمان مئة، ثمَّ قتلَه زُبيريٌّ (٥). ١٦٦ - أحمدُ بنُ بالغٍ، الشَّيخُ شهابُ الدِّينِ المِصريُّ، ثمَّ المدَنيُّ. والدُ محمَّدٍ الآتي.

стр. 357

قال ابنُ فرحونٍ (١): كانَ من إخوانِنا وأصهارِنا، مِن أكرمِ النَّاسِ، وأحسنِهم خُلقًا، وأبذلهِم لما في يده، وأحبِّهم في الاجتماعِ بالأصحابِ ولو غرِمَ عليه (٢) المئين من المالِ، ساعياً في دُنياه بتعفُّفٍ ودِين، راضيًا بما قُدِّرَ وقُسِمَ له، قائمًا بخدمةِ الشَّريفةِ زينبَ زوجةِ الأميرِ منصورٍ، بحيثُ يذهبُ في وسطِ السَّنةِ إلى العراقِ لقبضِ حَوالةٍ كانت لها، وفي غضونِ ذلك يتسبَّبُ لنفسِه، ويتقنَّعُ بما يفتحُ اللهُ عليه، ويجلسُ مجاورًا في سكونٍ لا يتكلَّم إلا بخير، ولا يسعى إلا فيه، فإذا قَلَّ ما بيدِه سافرَ ويسلِّمُهُ الله، ولقد مررتُ عليه يومًا في الموسمِ وهو جالسٌ في وسطِ الحرَمِ ينظرُ النَّاسَ، فقلتُ له: مِثلُكَ يجلسُ في هذا الوقتِ ولا يسعى في مصالحِه، والموسمُ تُغتَنمُ أيامه! فقال: والله مالي فيه حاجة، ولا معي ما أُتعبُ نفسي فيه، فأجلسُ لأتفرَّجَ على سَعي النَّاسِ فيما لا يُفيدهم، قلتُ له: وما ذاك؟ قال: أنظرُ إلى بعضِ النَّاسِ يدخلُ من هذا البابِ بجدٍّ واجتهادٍ حتى أقولَ: إنه في شغلٍ عظيم، فإذا وصلَ إلى البابِ الآخرِ رجعَ على عَقِبه، ثمَّ يذهبُ إلى البابِ الآخر، ثمَّ يرجع، ولمَّا رأيتُ ذلك سألتُه، فقلتُ له: ما خبرُك؟ فقال: مالي هناكَ شيء أطلبُه، غيرَ أنَّ نفسي لا تدَعُني أستقرُّ. قال ابنُ فرحونٍ (٣): وكانت تحتَه خالتي: الشَّريفةُ مباركةُ بنتُ عبدِ الواحدِ الحسيني، فقلتُ له يومًا: يا شهابَ الدِّين، لِمَ لا تشتري لأولادِكَ دارًا، أو نخلًا يكونُ لهم سِترًا من بعدِكَ؟ فقال لي: تعلمُ أني أتحقَّقُ أنَّها تتزوَّجُ بعدي، وكذا ابنتي، وأمَّا

стр. 358

ولدي فلَهُ اللهُ، فإنْ كانَ شقيًّا فلا ينفعُه ما أتركُه، وإنْ كانَ سعيدًا فلا يضرُّه أنْ لا أتركَ شيئًا، ثمَّ إنَّه اشترى لهم دارًا ونخلًا، فكان الأمرُ مِن بعدِه كما قال سواءً، تزوَّجتْ امرأتَه، ثمَّ تزوَّجت ابنتُه بأخي عليٍّ، فسعِدَت معه، وولدتْ منه أولادَه النُّجباء، وأمَّا ابنُه محمَّدٌ، فلم ينتفعْ بما وَرِثَه، وكانَ الشِّهابُ من الشُّيوخِ العارفين؛ الذين في كلامِهم عظة للمتَّعظين، مات سنة تسعةَ عشرَ وسبع مئة. ذكره المجدُ، فقال (١): مِن قدماءِ المجاورين، المشهورِ بالعِفَّةِ والدِّين، والتَّوكُّلِ واليقين، وسلوكِ طريقِ العارفين، وبذلِ الوعظِ والنُّصحٍ للمتَّعظين، والغرامِ بالتئامِ الإخوانِ ولو غَرِمَ فيه المئين، والاقتناعِ بما يفتحُ اللهُ تعالى عليه، وتسوقُه يدُ القِسمةِ والتقدير إليه. قيل له: لمَ لا تشتري لأولادِك نخلًا ودارًا، يكونُ لأولادِك وأهلِك منزلًا [وَ] وِجَارًا (٢)؟ فقال: أمَّا زوجتي فما أشكُّ أنَّها تتزوَّجُ بعدي، وأمَّا السَّعيدُ مِن ولدي فلا يضرُّه أنْ [لا] أتركَ له شيئا مِن عندي، وأمَّا الشَّقيُ منهم فلا ينتفعُ بالموروث مني بَعْدَ بُعْدِي، وعلى ذلكَ جرتِ الحال، وصدقَ الشَّيخُ فيما قال. تزوَّجتْ صاحبته (٣) بعدَه، وولدُه السَّعيدُ لاقى سَعدَه، والآخرُ قعدَ به الدَّهرُ شَرَّ قعدة (٤)، وصدقَ فيه الزَّمان وَعْدَه. وسيأتي محمَّدُ بنُ بالغٍ في المحمَّدين.

стр. 359

- أحمدُ بنُ أبي بكرٍ، واسمُه: القاسمُ بنُ الحارثِ بنِ زُرَارَةَ بنِ مُصْعَبِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ، أبو مُصْعبٍ الزُّهرِيُّ القُرشيُّ. مِن أهلِ المدينة (١). يأتي في: أحمد بن القاسم. (٢٣١). ١٦٧ - أحمدُ بنُ أبي بكرِ بنِ الحسينِ بنِ عمرَ، أبو النَّصرِ، ابنُ الزَّينِ المُراغيِّ الأصل، المدَنيُّ (٢). أخو المحمدينِ الآتي ذِكرُهم، وهو فيما أظنُّ أصغرُ من شيخِنا أبي الفتحِ محمَّدٍ منهم، سمع معَه على العلَمِ سليمانَ بنِ أحمدَ السَّقَّا، ووالدهما (٣)، وعلى البرهانِ ابن فرحون في سنة ثمان وتسعين "الموطأ"، بقراءةِ أخيه أبي الفتح، وكذا سمع على الزَّين العراقيِّ والهيثميِّ، والتَّقيِّ ابنِ حاتمٍ، ووالدِه (٤) الزَّينِ في العشرِ الأوسطِ من ذي الحِجَّةِ سنةَ إحدى وتسعين وسبعِ مئةٍ برَابغٍ، من منازلِ الحجاز بينَ مكَّةَ والمدينةِ، من لفظِ أوَّلهِم المسلسلَ، بسماعِهم له على المَيدُومِيّ (٥)، وما علمتُ من أمرِه شيئًا. ١٦٨ - أحمدُ بنُ أبي بكرِ بنِ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ، القاضي محيي الدِّينِ، أبو جعفرٍ، الطَّبريُّ المكيُّ، الشَّافعيُّ (٦). وُلد في ظهرِ الخميسِ، العشرين من جُمادى الثاني، سنةَ ثلاثٍ وسبعين

стр. 360

وخمس مئةٍ بمكَّةَ، وتفقَّهَ فيها بابنِ أبي الصَّيفِ، وسمعَ عليه "كتابَه في الطاعون"، وغيرِ ذلك، كـ "السُّباعيات" لعبدِ المنعمِ الفُرَاوِيّ (١). وكذا سمعَ مِن زاهرِ بنِ رستم (٢): "خماسيات ابنِ النَّقُّور" (٣)، و "جزءًا" من حديثِ عليِّ بنِ محمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ بِشْرَان (٤)، ومن يونسَ الهاشميِّ (٥): الأوَّلَ من "الصَّلاةِ " لأبي محمَّدٍ الإبراهيميِّ، و "وصيةَ عليَّ بنِ أبي طالبٍ" (٦)، ومن أبي بكرِ بنِ حرزِ الله القَفْصي (٧): "مسلسل العيدين" للخطيب، ومن محمَّدِ بنِ إبراهيمَ الجبرتيِّ: "جزءًا "

стр. 361

من فوائدِ أبي القاسم الحُرْفي (١)، وغيرِه، ومن أبي نصرٍ أحمدَ بنِ محمَّدِ بنِ المؤيَّدِ التَّبريزيِّ: "حديثَ ذي النُّون"، ومن محمَّدِ بنِ أبي المَعالي بنِ مَوْهُوب ابنِ البَنَّاء (٢): المجلسَ الخامسَ والعشرين من "أمالي ابن ناصرٍ"، ومن أبي الحسنِ عبدِ اللَّطيفِ بنِ إسماعيلَ بنِ أحمدِ الصوفيِّ (٣): خامسَ "الحربيات"، ومن أبي المظفَّرِ ابنِ علوانِ، وغيرِهم، ودَرَّسَ، وأفتى، وكتبَ بخطِّه كُتباً علمية، وولِيَ قضاءَ مكَّةَ نيابةً، فيما يغلبُ على الظنِّ، وكان قاضيًا في صفرَ سنةَ أربعَ عشرةَ وستِّ مئةٍ، وفيها ماتَ في يومَ الثَّلاثاء، رابعَ ربيعٍ الثَّاني، كذا وجدَه الفاسيُّ على حجر قبرِه في المعلاة، بخطِّ عبدِ الرِّحمنِ بنِ أبي حَرميٍّ، وترجمَه بتراجمَ منها: القاضي الإمامُ، العالمُ الزَّاهدُ، المدرِّسُ بالحرّمِ الشَّريف، محيي السُّنَّة، ناصرُ الشَّرع، شرفَ القُضاة، قاضي الحرمين الشَّريفين، والمُفتي بهما. انتهى ما ذكره الفاسي، ولأجل وصفه بقاضي الحرمين أثبتُّه هنا. ١٦٩ - أحمدُ بنُ أبي بكرِ بنِ محمَّدِ بنِ عليٍّ، الشِّهابُ، المسوفيُّ، الودانيُّ الأصل (٤). ومسوفُ من بادية المغرب الأقصى، المدَنيُّ المولد، والمقيمُ بها، وربَّما أقامَ بمكَّةَ،

стр. 362

ويُعرفُ بينَ أهلِها بابنِ خديجةَ المسوفية، والقادمُ إلى المدينةِ من بلادِهم أبوه، وسمِعَ الشِّهابُ مني بالمدينة، وتعلَّم في أوقافِ المساسفة، وقدِمَ القاهرةَ غيرَ مرَّةٍ، وكانَ ممَّن ينتمي لقاضي الحنابلةِ بالحرمين المحيويِّ الفاسيِّ (١) وقتًا. ١٧٠ - أحدُ بنُ جلالٍ، الشِّهابُ الخطلانيُّ، العَجَميُّ، الحنفيُّ. ممَّن وُلدَ بالمدينة، ونشأ بها، واشتغل فيها وفي غيرها، كالقاهرةِ ودمشقَ، وذُكِرَ بالفضيلةِ والعَجلةِ، وسمعَ بالمدينةِ على أبي الفرجِ المراغيِّ، وتزوَّجَ بابنةِ عبدِ الله بنِ صالحٍ، واستولدَها ابنَه جلالًا، وأخرى زُوِّجت في غيبتِه بغيرِ إذنِه، فارتحل لمَصرَ للشَّكوى على قُضاتِها، وحُملوا إلى القاهرةِ، كما ذكرناه في حوادث سنة ستٍّ وتسعين (٢)، ولم يلبثْ أنْ ماتَ في التي تليها بالطَّاعونِ بها، ولم يُكملِ الخمسين، ﵀. ١٧١ - أحمدُ بنُ حسنِ بنِ عجلانَ (٣). ولدُ صاحبِ الحجازِ، وصلَ أيَّامَ أبيه من مكَّةَ إلى المدينةِ في عسكرٍ، حينَ اقتحامِ الحاصلِ (٤) وغيرِه بها، لكفِّ المفسدين، وطُمأنينة القاطنين، ذلكَ في سنةِ إحدى

стр. 363

عشرة وثمان مئة (١). ١٧٢ - أحمدُ بنُ حسنِ بنِ عليِّ بنِ عبدِ الله، الشِّهابُ، النَّشويُّ، الفلويُّ، القاهريُّ، الحنفيُّ (٢). اشتغلَ وتميّزَ في الكتابةِ، وشاركَ في الجُملةِ مع لُطفٍ وحُسنِ عِشرةٍ، ولمَّا كنتُ بالمدينةِ النَّبوية -وكان قاطنًا بها، صُحبةَ شيخِ الخُدَّامِ بها قانم- قرأ عليَّ "الشِّفا"، ولازمِني في أشياءَ، وكتبتُ له إجازةً أودعتُها في "التاريخ"، ثمَّ بعدَ موتَه (٣) قدمَ القاهرةَ في أوَّلِ سنةِ إحدى وتسعين، ثمَّ عادَ إليها صحبةَ شاهين، ولكنَّه لم يكن معه كذلك، ودام بعدَه بها، وربَّما توجَّه لمكَّةَ، واستقرَّ كاتب المحبر الأشرفي بالمدينة، وقرأ "البخاريَّ" على قاضي الحنابلةِ بالحرمين الشَّريفِ المحيوي، وكذا قرأ على الشَّمسِ المُراغي، ويعْمَ الرَّجُل تودُّدًا. [أقول (٤): وقد سكنَ المدينةَ، واشتر ى بها دارًا، ورُزِقَ أولادًا، وماتَ بها في حدودِ العشرين وتسعِ مئة، ولما جاورْنا بها في سنةِ تسعٍ وتسعِ مئةٍ كان يُكثرُ الاجتماعَ بوالدي، ويقولُ: إنَّه قريبُه من جهةِ محمله الحنفية، ولم أرَ شيخًا ذكرَه، فيلحرَّرْ أمرُه]. ١٧٣ - أحمدُ بنُ الحسنِ بنِ يوسفَ بنِ محمَّدِ بنِ أحمدَ، النَّاصرُ لدينِ الله، أبو العبَّاس، [ابنُ] المُستضيءِ بأمرِ الله أبي محمَّدٍ، ابنِ المُستنجِدِ بأمرِ اللهِ أبي المظفَّرِ، ابنِ المُقتفي لأمرِ الله أبي عبدِ اللهِ، ابنِ المستظهِرِ باللهِ، الهاشميُّ العباسيُّ (٥).

стр. 364

أحدثَ قُبَّةً في المسجدِ النَّبويِّ لحفظِ ذخائرِ الحرم، التي أهمُّها المصحفُ العثماني، وكانت عمارتُها في سنةِ ستٍّ وسبعين وخمسِ مئةٍ. ١٧٤ - أحمدُ بنُ الحسينِ بنِ محمَّدِ بنِ الحسنِ بنِ عيسى بنِ محمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ مسلمٍ، الشِّهابُ ابنُ البدرِ المكيُّ الأصل، الشَّافعيُّ (١). نزيلُ طيبةَ، وشقيقُ عليٍّ، وسِبطُ أبي الخيرِ ابنِ عبدِ القويِّ (٢)، ويُعرف كأبيه: بابنِ العُلَيف، بضمِّ أوَّلِه، تصغيرُ عَلَف، وُلِدَ في سنةِ إحدى وخمسين وثمان مئة بمكَّةَ، ونشأَ فحفظَ القرآن، وجوَّدَه على عمر البخاريَّ، و "أربعي النووي"، و "مِنهاجه"، و "الألفية"، وعرض على أحمدَ بنِ يونسَ، والزَّينِ الأُمْيُوطِيِّ (٣)، والمحبِّ المطريِّ، وغيرِهم، وسمعَ على أبي الفتحِ المُراغيِّ، والأُميوطيِّ (٤)، والتَّقيِّ ابنِ فهدٍ، وأبي الفضلِ المرجانيِّ (٥)، والعُلَميِّ (٦)، والنَّشاويِّ (٧)، والأمينيِّ الإقصرائيِّ، وأبي ذرٍّ

стр. 365

الحلبيِّ (١)، والتَّاجِ ابنِ زُهرةَ (٢)، والقطبِ الخيضريِّ (٣)، في آخرين بمكَّةَ والقاهرةِ، وغيرِهما، واشتغلَ بالعربيةِ، وعلومِ الأدبِ، كالعَروضِ، والمعاني والبيانِ، وغيرِها على غيرِ واحدٍ، وأكثرَ من مطالعة دواوينِ القدماءِ فمَن دونَهم، بحيثُ التحقَ نظمُه بالاكابرِ، وممَّنْ أخذَ عنه في العربية: القاضي عبدُ القادرِ (٤)، والنُّورُ الفاكهيّ (٥)، وفي الفقهِ وغيرِه: الشَّمسُ الجَوجريُّ، وكان حينَ مجاورته عندَهم يُصحِّحُ عليه في "المنهاج"، والكمالُ إمامُ الكَامِلِيَّة (٦)، ولازمَ تقسيمَه، والبرهاني ابنُ ظهيرة، وابنُ خطيبِ السُّقَيْفَة (٧)، وذلك بمكَّةَ والقاهرةِ، ودمشقَ وحلبَ، وطرابلسَ، وغيرَها، وهو ممَّن أخذَ عني بالقاهرةِ والحرمين، وكذا عن السيِّدِ السَّمهوديِّ بالمدينة:

стр. 366

العَروضَ، وغيرَه، وتكسَّبَ بالنِّساخةِ، بل وشهدَ في عمارةِ [مدرسةِ] (١) السُّلطانِ بمكَّة، ثمَّ لمَّا وقعَ الحريقُ بالمدينة أشارَ البرهاني ابنُ ظهيرةَ لسُنْقُر الجماليِّ الشَّاذليِّ على عمارةِ الحرمين، بمصاحبتِه؛ ليكون كاتباً على عمارةِ الحرَمِ النَّبويِّ، مع عقلٍ وتُؤَدَةٍ، وحُسنِ عِشرة، وتميُّزٍ، وخطٍّ جيِّدٍ، وبراعةٍ في الحساب، وترقَّى في النَّظم، بحيثُ قرَّض (٢) له بعضَ ذلك السَّيِّد السَّمهوديُّ، فأبلغَ، وابتنى بالمدينةِ دارًا، وتزوَّجَ من أهلِها، بعدَ مفارقتِه أمَّ ولدِه أختِ الفخريِ العينيِّ (٣)، زوجِ أختِه، ولم يسلمْ معَ ذلكَ مِن مُعانِدٍ، بحيثُ كادَ أن يُفارقَ المدينةَ، وقد رثى كُلًّا مِن [ابنِ] (٤) أبي اليُمنِ (٥)، والنَّجمِ ابنِ فهدٍ، بل امتدحَني بما أوردتُه معَ غيرِه من نظمِه في محلٍّ آخرَ. [أقول (٦): وبعدَ المؤلِّفِ باعَ دارَه بالمدينةِ، لدَينٍ عليه، وتردَّدَ لمكَّةَ، وتزوَّجَ بها، ورُزِقَ فيها ببنين، وامتدحَ السَّيدَ بركاتٍ الحسنيَّ (٧)، واقتصرَ على مدحِه، فأنعمَ عليه

стр. 367

لبلاغتِه وحسنِ نظمِه، وألَّفَ له (١): "المنظوم في مناقب السلطان بايزيد ملك الروم"، وقرَّره في خمسين دينارًا مرتَّبةً، و "الشِّهاب الهاوي على قلال الكاوي"، و "المنتقد اللوذعي على المجتهد المدعي"، كلاهما ردًا على الحافظِ السُّيوطي، انتصارًا لشيخه السَّخاويِّ، هذا مع عقلِه، وقلَّةِ حرَكتِه، وكثرةِ محاسنِه، وقد أُصيبَ في آخرِ عمرِه، وتوالت عليه الأسقامُ، ثمَّ ماتَ في ضُحى يومِ الثَّلاثاءِ، ثامنِ ذي الحِجَّةِ، عامَ ستٍّ وعشرين وتسعِ مئةٍ، بمكَّةَ المشرَّفة، وجهِّز في ظُهرِ تاريِخه، ودُفِنَ بالمعلاة، بالقرب من الشَّيخِ عليٍّ السولي، نفعَ الله به، ورحمَه وإيَّانا، وخلَّفَ ولدَه أبا الفضلِ بالمدينةِ، وبنتين بمكَّةِ]. ١٧٥ - أحمدُ بنُ خلَفِ بنِ عيسى بنِ عشاش بنِ يوسفَ بنِ بدرِ بنِ عليٍّ، الأنصاريُّ الخزْرَجيُّ، العَباديُّ، السَّاعديُّ، المطريُّ. نسبةً للمطرية (٢)؛ لكونِ مولدِه بها، ثمَّ المدنيُّ، والدُ الحافظِ الجمالِ أبي عبدِ الله محمَّدٍ الآتي، تحوَّلَ من المطريةِ إلى المدينةِ ثالثَ ثلاثةٍ (٣)، لخلوِّها حينئذٍ من عارفٍ بالميقَاتِ، فقطنَها، وصارَ رئيسَ المؤذِّنينَ بها، كما سيأتي في ولده. ١٧٦ - أحمدُ بنُ زُرارةَ المدَنيُّ (٤).

стр. 368

عن: مالكٍ، يحتملُ أنْ يكونَ: أحمدَ بنَ نصرِ بنِ زُرَارَةَ، نُسبَ لجدِّه، بل قالَ الخطيبُ في "الرُّواةِ عن مالك": إنْ لم يكنْ أبا مصعبٍ، يعني أحمدَ بنَ أببَ بكرِ بنِ الحارثِ، فلا أعرفُه. وقال الذَّهبيُّ في "الميزان" (١): أحمد بن زُرَارَة المدَنيُّ، لا يُعرفُ، وخبرُه باطلٌ، لكن السَّندُ إليه مُظلِمٌ. - أحمدُ بنُ أبي السُّعودِ. في: ابنِ إسماعيلَ بنِ إبراهيمِ بنِ موسى. (١٦٢). ١٧٧ - أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ أبي بكرِ ابن التَّقيِّ محمَّدِ بنِ عليِّ بنِ صالحٍ، بوَّابُ السَّيِّدِ حمزةَ. والآتي أخوه محمدٌّ، وذلكَ أكبرُ، ممَّن سافرَ لمصرَ في أوائلِ سنةِ اثنتين وتسعِ مئةٍ (٢). ١٧٨ - أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ محمَّدِ بنِ مسعودٍ الجَريريُّ - بفتحِ الجيمِ، وبمهملتين، نسبة لقريةٍ مِن قُرى القيروانِ، تُنسَبُ لشخصٍ يُقال له: ابنُ جريرٍ -المراديُّ، المالَقيُّ، المالكيُّ (٣). وُلدَ سنةَ عشرٍ وثمان مئةٍ بالقرية المذكورة، وقرأ بها القرآن لنافعٍ، ثمَّ انتقل إلى القيروانِ، فأخذَ الفقهَ عن عمرَ المسراتيِّ (٤)، ثمَّ إلى تونسَ، فأخذَه عن: أبوي القاسمِ بن أحمد

стр. 369

البُرْزُلِيّ (١)، ولازمَه أربعةً وعشرين سنةً، فأكثرَ، حتى كان انتفاعُه به، وابنِ عبدُوسٍ (٢)، وعمرَ بنِ محمَّدٍ القِلْشَانيِّ (٣) -بكسرِ القاف، وسكونِ اللّاَم، ثمَّ معجمةٍ، ثمَّ نون- وعنه أخذَ الأصلين، والعربيةَ، والمعانيَ، والبيانَ، والمنطقَ، ومحمَّدٍ الطبُلْبيِّ (٤) -بموحَّدتين: الأولى مضمومةٌ، بينهما لامٌ ساكنة- ومحمَّدِ بنِ مَرزوقٍ (٥)، وأبي القاسم العُقباني (٦)، والعربيةَ أيضًا عن: حسنٍ العلوينيِّ (٧)، وأحمدَ الشَّمَّاع (٨)، والفرائضَ والحسابَ عن: يوسفَ البُرُلّسيِّ (٩)، وسمع على: البُرْزُلِيّ، وابنِ مرزوقٍ، والعُقبانيِّ، والشَّمَّاع، في آخرين، ثمَّ قصد التَّجرُّدَ،

стр. 370

والشَّمَّاع، في آخرين، ثمَّ قصد التَّجرُّدَ، وظهرَ له أنَّ النِّية في الاشتغالِ والإشغالِ فاسدةٌ. فارتحلَ للحجِّ في سنةِ أربعٍ وأربعين، وسافرَ في البحرِ في أواخرِ ربيعٍ الآخرِ منها، في مركبٍ لبعضِ الفِرَنجِ، فخرجَ عليهم مركبٌ للجَنَويين (١)، فأُصيبَ مركبُهم منه، فقصدوا رُودُسَ (٢)، وأقاموا بها نحوَ عشرين يومًا، حتى أصلحوها، ثمَّ قدِمَ القاهرةَ، وسافرَ منها في البحرِ أيضًا لمكَّةَ، فقَدِمَها في رمضانَ منها فحجَّ، وزارَ صُحبةَ الرَّكْبِ، وقطنَ المدينةَ، وصاهرَ قاضيَها فتحَ الدِّينِ ابنَ صالحٍ، وبقيَ على طريقِ السِّياحةِ مد، ثمَّ سئلَ في الاشتغال فامتنعَ، ثمَّ استخارَ الله، فانشرحَ له صدرُه، وتصدَّى لإقراءِ الفِقهِ والعربيةِ، وكانَ محمَّدُ بنُ نافعٍ (٣) الآتي وغيرُه يمتنعون من الإقراءِ معه، وربَّما حضرَ بعضُهم عندَه مع الصَّلاحِ والعبادة، حتى إنني رأيتُ أهلَ المدينةِ فيه كلمةَ إجماعٍ. ومع ذلك فقد قال البقاعيُّ: إنه لقيه في جمادي الثاني، سنة تسمع وأربعين بقباء، وكتب عنهُ مِن نظمِه: يا سيِّدي يا رَسُولَ اللهِ يا سَنَدي … يا عُمدَتي يا رَجَائي مُنْتَهى أمَلي (٤) أنتَ الوجيهُ الذي تُرجى شَفاعتُه … كنْ لي شَفيًا غدًا يا خاتَمَ الرُّسُلِ وبحثَ فيما زعمَ معه، وقال: إنَّه رآه شديدَ الإعجابِ بنفسِه، معَ إظهارِ الصَّلاحِ، والمبالغةِ في التَّبُّرءِ من الدُّنيا، وبالغَ في الحطِّ عليه، ووصفَهُ بالعُجبِ والكِبْرِ والحسدِ،

стр. 371

قال: وأهلُ المدينةِ مفتنون به، ثمَّ هجاهُ بقوله: وثعبانٌ بَدَا في زِيِّ حَبْلٍ … لأجعلَهُ جَرِيرًا للبعيرِ يُخادع كالجَريريْ كلَّ غِرٍّ … قلتُ لحاكَ ربِّي مِن جَريري وهو والدُ زوجةِ البدرِ حسنِ بنِ زينِ الدِّين، الآتي، ماتَ في صبيحةِ الخميسِ، الثَّلاثين من رمضانَ، سنةَ تسعٍ وأربعين، وقد رأيتُ إجازته في عَرضِ عبدِ السَّلامِ الأوَّلِ ابنِ الشَّيخِ ناصرِ الدِّينِ الكازَرُونيِّ، ﵀ وإيَّانا. ١٧٩ - أحمدُ بنُ سليمانَ بنِ أحمدَ، الشِّهابُ، المِصريُّ، المالكيُّ، ويُعرف بالتَّرَوْجِيِّ (١). أقامَ بالإسكندريةِ مدَّةً، ثمَّ جالَ في البلاد، ودخلَ العراقَ والهندَ، وعظُمَ أمرُه ببَنْجَالةَ من الهندِ، وحصلَ له فيها دُنيا، ثمَّ ذهبتْ منه، وتحوَّلَ [إلى] الحجازِ، وأقامَ بالحرمينِ مدَّةَ سنين، وماتَ بمكَّةَ في شوَّالٍ سنة اثنتي عشرةَ وثمانِ مئةٍ، عن نحوِ السِّتين. ذكرَه الفاسيُّ في "مكة"، وقال: كانتْ له نباهة في العِلمِ، ويُذاكرُ بأشياءَ حسنةٍ من الحكاياتِ والشِّعر، وينطوي على خيرٍ، وبلغني أنه وقفَ عدَّةَ كتبٍ برِباط الخَوْزي (٢) محلِّ سكنِه مِن مكَّةَ، وفيه توفِّي. ١٨٠ - أحمدُ بنُ سليمانَ بنِ عبدِ الله، الشِّهابُ، أبو العباسِ الصَّقِيليُّ (٣) -بفتحِ المهملة وكسرِ القافِ، بعدها تحتانية ساكنةَ- نسبةً لصَقِيلٍ من الجيزية (٤)، ثمَّ الحسينيُّ،

стр. 372

لسُكناه بالقربِ من جامعِ آلِ مالكٍ من الحسينيةِ، الشَّافعيُّ. أخذ عن الشَّمسِ ابنِ اللبَّان (١)، وغيرِه، ودَرَّسَ وأفاد، وكان فاضلًا خيِّرًا صالحًا، محبًّا في العزلة، والتَّخلُّقِ بأخلاقِ السَّلَف، وَلِيَ خطابةَ المدينةِ وإمامتَها وقتًا، ورجعَ فماتَ بجامعِ الحاكمِ في ثامنَ شهرِ ربيعٍ الآخر من سنتِه، وهي سنةُ ثمان وسبعين وسبعِ مئةٍ، ولم يكنْ يجتمعُ بالنَّاسِ إلا لحظة، ولا يخلو من مواعظِه الحِسانِ النَّافعة، وله نظمٌ، فمنه: يا غَفْلةً شاملةً للقومِ … كأنَّما يَرونَها في النَّومِ ميتُ غدٍ يحملُ ميتَ اليومِ ذكره شيخُنا في "الدُّرر" و "الإنباء" (٢). ١٨١ - أحمدُ بنُ طاهرِ بنِ أحمدَ بنِ محمَّدِ بنِ محمَّدٍ (٣)، جلالُ الدِّينِ (٤)، ابنُ الشَّيخِ شرفِ الدِّينِ، ابنِ العلّاَمةِ جلالٍ، الخُجَنْديُّ، المدَنيُّ، الحنفيُّ. أخو محمَّدٍ المدعوِّ غياثا، ووالدُ الشَّمسِ محمَّدٍ، الآتيين، وُلدَ في يومِ الاثنين حادي عشرَ المحرَّمِ سنةَ أربعٍ وثمانِ مئةٍ، بالمدينة، ونشأَ بها، فحفظَ القرآنَ و "عمدةَ الأحكام"، وعرضَها على بعضِ الشُّيوخ، وسمعَ على الزَّينِ أبي بكرٍ المُراغيِّ، وغيرِه، واشتغلَ يسيرًا عندَ أبيهِ وعمِّه، واعتنى بالأسفارِ في قضاءِ حوائجِ إخوانِه ونحوِهم، ثمَّ توجَّهَ إلى الحجِّ، وركبَ البحرَ فانقطعَ خبره، ويقال: إنه ماتَ قُبيل الثَّمانين وثمان

стр. 373

مئة في نواحي سمرقندَ، ﵀. ١٨٢ - أحمدُ بنُ عادلِ بنِ مسعودٍ، الشَّريفُ الفقيهُ، شِهابُ الدِّينِ الحسينيُّ، المدَنيُّ الحنفيُّ (١). ممَّن سمعَ على نورِ الدِّين المَحلِّي سبطِ الزُّبير (٢) في "الاكتفا" للكَلَاعِي (٣)، سنة عشرين وثمان مئةٍ، ثمَّ رأيتُه شهِدَ في مكتوبٍ سنةَ أربعٍ وعشرين، وأظنُّ أنَّ جماعةَ بني عادل المدنيين، الآخذِ بعضُهم عني، لهم انتسابٌ إلى هذا. ١٨٣ - أحمدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ إبراهيمَ بنِ عميرٍ المدَنيُّ. والدُ عبدِ الرَّحمنِ الغائبِ الآن بمصرَ، بلغني أنَّه توفي بالمدينةِ بعدَ صلاتِه عصرَ يومِ الجمعة، وعقِبَ مطرٍ، ممَّا يشهدُ لرحمته. ١٨٤ - أحمدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ أحمدَ، الشِّهابُ النِّفطيُّ، المدَنيُّ. نزيلُ مكَّة، والمتوفَّى بالطُّورِ في توجُّهِه لمصرَ، ووالدُ عبدِ الرَّحمنِ المقيمِ بمكَّةَ الآن. ١٨٥ - أحمدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عبدِ اللهِ، الشِّهابُ، أبو العبَّاسِ الشَّاميُّ، ثمَّ المدَنيُّ، الشَّافعيُّ (٤). والدُ الإمامين: الجمالِ محمَّدٍ، والفخرِ أبي بكرٍ، سمعَ بمصرَ والشَّامِ، وكانَ يذكرُ أنه سمعَ من الحجَّار، واشتغلَ بالعربيةِ والفقه، ثمَّ تحوَّلَ بالمدينة، فأقامَ بها، حتى

стр. 374

ماتَ في مستهلِّ ربيعٍ الأوَّلِ سنةَ إحدى وسبعين وسبعِ مئةٍ، ودُفِنَ بالبقيع. ذكره الوليُّ العراقيُّ في "وفياته" (١)، وكذا أرَّخَه أبو حامدٍ ابنُ المطريِّ، لكنْ في ثالثِ الشَّهر، ووصفَهُ بالشَّيخِ الصَّالحِ العالمِ، قال: وخلَّفَ ولدينِ نجيبين، ووُجِدَ عليه دَين، أوفاه الله عنه. قلتُ: ولم يسمِّ جدَّه. ١٨٦ - أحمدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عليِّ بنِ الحسينِ ابنِ العزِّ، الشَّيبانيُّ، الطَّبريُّ، قاضي الحرمينِ الشَّريفين. كما تُرجِمَ به على حجرِ قبرِه من المعلاة، وأنَّ وفاتَه في جُمادى الأولى سنة سبعٍ وخمسين وخمس مئةٍ. ذكره الفاسيُّ (٢). ١٨٧ - أحمدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ محمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ خَلَفِ بنِ عيسى بنِ عشاسِ بنِ بدرِ بنِ عليِّ بنِ يوسفَ بنِ عثمانَ، الجَمالُ، أبو البركاتِ، ابنُ التَّقيِّ أبي الحَرم (٣)، ابنِ الحافظِ الجمالِ أبي عبدِ اللهِ، الأنصاريُّ، الخزرَجيُّ، المطريُّ، الأصل، المدَنيُّ، الشَّافعيُّ (٤). وُلدَ -كما قرأتُه بخطِّ أخيه أبي حامدٍ، نقلًا عن خطِّ أبيهما- بعدَ غروبِ الشَّمسِ، يومِ الخميسِ، لثمانٍ خلونَ مِن شعبانَ، سنةَ ستين وسبعِ مئةِ، وسمعَ من: العزِّ ابنِ

стр. 375

جَمَاعَة جزءًا من حديثه، يُعرف "بجزئه الكبير"، و "البردة"، و "الشقراطسية"، والمجلس الأخير من "الشفا"، وغيرها، ومن الأمينِ ابن الشَّمَّاعِ (١) غالب "جامع الأصول" لابن الأثير، وتناول منه باقيه، ومن حمزةَ بنِ عليِّ بنِ محمَّدٍ الحسينيِّ (٢) مُنتقى من الأول من "فوائد حَاجِب الطوسي" (٣)، وغيره، ومن عبدِ الرَّحمنِ بنِ يعقوبَ الكالديني بعضَ "العوارف" (٤)، ودخلَ القاهرةَ، وإسكندريةَ، فسمعَ بإسكندرية من حسنِ بنِ عليِّ بنِ إسماعيلَ العمريِّ (٥) "مسلسلات الورَّاق"، و "جزء الإجازة" لمنصورِ بنِ سليم (٦)، و "جزءًا فيه سوق الجنة". وأجاز له في سنةِ إحدى وستين فما بعدها: أبو الحرَم القَلَانِسِيّ (٧)، ومُظفَّرُ الدِّينِ العطَّارُ (٨)، وناصرُ الدِّينِ

стр. 376

التُّونسيُّ (١)، وعليُّ بنُ أحمدَ ابنِ الرَّحْبِيِّ (٢)، وأحمدُ بنُ عبدِ الأحدِ ابنِ أبي الفتحِ الحرَّانيُّ (٣)، وأحمدُ بنُ محمَّدٍ العسقلانيُّ (٤)، وعبدُ الرَّحمنِ ابنُ القارئ (٥)، والقيراطيُّ (٦)، والكمالُ ابنُ حَبيبٍ (٧)، وأخوه حسينٌ (٨)، وابنُ الهَبَلِ (٩)، وابنُ أُمَيْلَةَ (١٠)، والصَّلاحُ ابنُ أبي عمرَ (١١)، وخلقٌ، وعُنِيَ بالعلم، وحدَّث، سمع منه: التَّقيُّ ابنُ فهدٍ، وروى عنه،

стр. 377

هو وأبو الفتحِ ابنُ صالحٍ، وآخرون، وكان فقيهًا صوفيًا، عارفًا بعلمِ الصُّوفيةِ، وعلمِ الحديثِ، والعربيةِ، وأصولِ الدِّينِ، غوَّاصَ الفِكرِ على الدَّقائقِ واستنباطِ الفوائدِ، ويُذاكرُ بأشياءَ حسنةٍ، ويُنسب إلى مُعاناةِ الكيمياءِ، وقد تزهَّدَ، ودخلَ اليمنَ، وأقامَ بها نحوًا من عشرةِ أعوامٍ، وأقامَ في مدينةِ حَيْسٍ (١) عند القاضي ابنِ العزَّافِ (٢) حتى مات، وكانت وفاتُه في أوَّلِ ذي الحجَّةِ، سنةَ اثنتين وعشرين وثمان مئةٍ، ودُفِنَ هناك، ﵀، وممَّنْ ترجمه شيخُنا في "إنبائه" (٣). ١٨٨ - أحمدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، أبو العبَّاسِ، التَّادليُّ (٤)، الفاسيُّ، المغربيُّ، المالكيُّ (٥). نزيلُ المدينةِ، كانَ فقيهًا فاضلًا، متفنِّنًا إمامًا في أصولِ الفقه، مُشاركًا في الأدبِ والعربية والحديثِ، مُستحضرًا للفقه، له شرح على "الرِّسالة" لابنِ أبي زيد (٦)، بَيَّضَ منه نصفَه في ثلاثةِ أسفارٍ كبارٍ، وباقيه في سِفرٍ واحدٍ من المسوَّدة، وكذا شرح "عُمْدَة

стр. 378

الأحكام" شرحًا حسنًا (١)، وعلَّق على "التنقيح" للقَرَافي (٢) تقييدًا مُفيدًا (٣)، وتحوَّلَ إلى المدينةِ فقطنَها، ونابَ في قضائِها، وكان صدرًا في العلماء، ذا عِفَّةٍ ودينٍ وصيانةٍ. ذكرَه ابنُ فرحونٍ في طبقاتِ المالكية (٤)، وماتَ بها سنةَ إحدى وأربعين وسبعِ مئةٍ. وذكرَه عمُّه العفيفُ عبدُ الله في "تاريخ المدينة" (٥)، فقال: أحمدُ، أبو العبَّاسِ المغربيُّ، الفقيهُ العالمُ، الفاضلُ الأصوليُّ الفروعيُّ، استنابَه الشَّرفُ الأُمْيُوطي في فصلِ الخصوماتِ بعد أحمدَ الفاسي، الآتي، وكان ورِعًا عفيفًا، ديِّنًا فاضلًا في مذهبه، إمامًا في الأصول، شرحَ "الرِّسالة" لابنِ أبي زيدٍ شرحًا حَفِيلًا مُمتعًا، و "عمدةَ الأحكام" - فكانَ مِن أحسنِ ما وُضعَ عليها -، و "تنقيحَ القَرَافيِّ" في أصول الفقه، ولم يوضع عليه فيما رأينا أحسنَ منه، وكلُّ تواليفِه مفيدةٌ، وتولَّى ورش غشان (٦)، فلم يتناولِ من الحديقةِ (٧) التي تُفرَّقُ اليومَ على الجماعةِ شيئًا تورُّعًا، بل كانَ يصرفُ نصيبَه إلى الفقيهِ محمَّدٍ التَّلمسانيِّ، لكونِه من طلبةِ المدرسةِ الشِّهابية، ثمَّ نقمَ عليه مستنيبُه

стр. 379

أشياءَ، منها دخولُه في قضيةِ ابَن مطرِّفٍ في العِهْن (١)، فإنَّه أثبتُ له محضرًا مُشتملًا على أنَّ بيعَ علي للعِهْن كان، وهو في الحبسِ قَهرًا وغَصبًا، وأنَّ البيعَ باطل، فلمَّا أثبتَ التَّادليُّ المحضرَ لنافعِ بنِ عليِّ بنِ مطرفٍ، توجَّهَ إلى رباط الفخرِ، وأخذَ جميعَ ما فيه من التَّمرِ، فغضبِ القاضي، ولم يخرجْ لصلاةِ الظُّهرِ، بل ولم يأتِ يومَ الجمعةِ إلا بكَلَفةٍ، بعدَ تدخُّلٍ من مانعٍ المذكور، وذلك في سنةِ سبعٍ وثلاثين وسبعِ مئةٍ، فعزلَه، واستنابَ الجمالَ المطريَّ. وكذا ذكرَهُ المجدُ في "تاريخها" (٢)، فقال: كان إمامًا عالمًا بارعًا، وفقيهًا فاضلًا فارعًا، تبحَّر في الأصولِ والفروع، وجمعَ بينَ المعقولِ والمشروع، والمفهومِ والمسموع، مع الورعِ المتين، والدِّينِ المكين، وسلوكِ منهاجِ العلماءِ المتَّقين، شرحَ "رسالةَ ابنِ أبي زيدٍ" شرحًا بديعًا ممتعًا جامعًا، وشرحَ "عمدةَ الأحكام" شرحًا على سائرِ شروحِه فارعًا، ووضعَ على "تنقيح القرافيِّ" كتابًا ما عرفْنا أحسنَ منه وضعًا، وأمكنَ منه واضعًا، على أنَّ تآليفه كلَّها نجومٌ لوامع، وتصانيفَه جميعَها بدورٌ سواطع، وللغرائبِ جوامع، ومع ذلكِ نقمَ عليه القاضي شرفُ الدِّين، لكونِه أثبتَ محضرًا لنافعِ بنِ مطرِّف يشتملُ على أنَّ العِهْن قد باعَه صاحبُه في الحبسِ مقهورًا، مغصوبًا مستضامًا، فغضبَ القاضي غضبًا لم يغضبْ مثلَه، وتركَ الصَّلاةِ بالنَّاسِ أيامًا، ولم يحضرْ يومَ الجمعةِ إلا بعدَ لَأْيٍ (٣)، وعزلَ التَّادليَّ عن نيابتِه، واستنابَ عِوضَه الشَّيخَ جمالَ الدِّينِ

стр. 380

المطريَّ، وكان كناقلِ اللَّيثِ إلى غابتِه، ونازلِ (١) الغيثِ من سحابتِه (٢). ووصفَهُ ابنُ صالحٍ: بالفقيه الفاضل، وسيأتي عبدُ الوهَّابِ بنُ محمَّدٍ التَّادليُّ، وأبوه، وما تحقَّقْتُ أهو مِن ذُرِّيةِ هذا، أو غيرِه. - أحمدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ الشَّاميُّ. فيمَنْ جدُّه عبدُ الله. (١٨٥). ١٨٩ - أحمدُ بنُ عبدِ العزيزِ بنِ عبدِ الواحدِ بنِ عمرَ بنِ عيَّادٍ، شهابُ الدِّينِ، الأنصاريُّ، المقريُّ الأصل، المدَنيُّ (٣). أخو محمَّدٍ وعمرَ الآتيين، سمع معَ أخيه ما ذُكِر فيه، ورأيتُه شهِدَ في مكتوبٍ سنةَ أربعٍ وعشرين وثمان مئةٍ، ومات ﵀. ١٩٠ - أحمدُ بنُ عبدِ العزيزِ بنِ القاسمِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، المعروفُ بالشَّهيدِ النَّاطقِ، ابنِ القاسمِ بنِ عبدِ الله بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسمِ بنِ عقيلِ بنِ محمَّدٍ الأكبرِ ابنِ عبدِ الله الأحولِ بنِ محمَّدِ بنِ عًقيلِ بنِ أبي طالبِ بنِ هاشمٍ، الشِّهابُ، الهاشميُّ، العَقِيليُّ -بالفتح- الجُزُوليُّ، النُّويريُّ، المكيُّ، المالكيُّ (٤). هكذا كَتبَ هذا النَّسبَ الخطيبُ أبو الفضلِ محمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ محمَّدِ بنِ أحمدَ، هذا فيحرَّر. أحدُ أجدادِ التَّقيِّ الفاسيِّ لأمِّه، قدمَ مكَّةَ مِرارًا قبلَ السَّبعِ مئةٍ وبعدَها، ثمَّ استوطنَها بعد العشرين وسبعِ مئةٍ، وسمعَ على الفخرِ

стр. 381

التَّوْزَرِيِّ (١)، والصَّفيِّ (٢)، والرَّضيِّ (٣)، الطَّبريينِ، وتأهَّلَ بها بكماليةَ (٤) ابنةِ قاضيها النَّجمِ محمَّدِ ابنِ الجمالِ محمَّدِ بنِ المحبِّ الطبريِّ (٥)، فولدتْ له القاضيين: أبا الفضلِ محمَّدًا، وعليًّا، وغيرَهما، وولِيَ تدريسَ المنصورية (٦) بمكَّةَ، ثمَّ انتقلَ إلى المدينةِ النَّبويةِ بعد وفاةِ صهرهِ، فأقامَ بها حتَّى ماتَ. قال ابنُ فرحونٍ (٧): إنَّه كانَ لي من الإخوانِ في الله، العلماءِ الرِّبانيين، أصحابِ الأحوالِ والمكاشفاتِ (٨)، وهو الشَّيخُ الصَّالحُ، العالم العاملُ، شِهابُ الدِّينِ، كانَ له تردادٌ كثيرٌ إلى الحجازِ، يتكرَّرُ كلَّ سنةٍ مع الرَّجَبية (٩) إلى مكَّةَ في البحرِ أو البَرِّ، فلمَّا أقمتُ بمكَّةَ سنةَ ثماني عشرة وسبعِ مئةٍ صادفتُ مجيئَه إليها، وأنا بها، فصحبتُه،

стр. 382

فوجدتُه من رجالِ الآخرة، ومن بيتِ العلمِ والعملِ والمُكاشفة، فقال لي: أريدُ المدينةَ في هذه السَّنةِ، وقد عزمتُ على طريقِ الماشي فاعمل على الصُّحبةِ، فقلتُ له: يا سيِّدي أنا لي عن أهلي مدَّةً طويلةً أكسبَتني قوَّةَ شوقٍ ووَجْدٍ، وإن سافرتَ معي في طريقِ الماشي تعبتَ معي؛ لأنِّي أجِدُّ في المشي، وأنت لا تقدرُ على ذلك، فعذرَني، وتأخَّر، فلمَّا جاءَ الموسمُ جاءني، ودخلَ منزلي، فاستبشرتُ ببركةِ دخولِه، وحصلَ به أنسٌ كبيرٌ، ووعدَني بخيرٍ كثيرٍ، ثم تكرَّرَ إلى مكَّةَ بعدَ ذلكَ سنين، إلى عامِ ثلاثٍ وعشرين، ثمَّ بلغني أنَّه لمَّا جاءَ مع الرَّجَبية تزوَّجَ ابنةَ القاضي نجمِ الدِّينِ الطَّبريِّ قاضي مكَّةَ، وإمامِ أئمتِها وكبيرِها؛ أبي اليُمنِ محمَّدِ بنِ محمَّدٍ الطَّبريِّ الشَّافعيِّ، وكان غرضُهم من تزويجِه أن تحلَّ للشَّيخِ خليلٍ المالكيِّ، إمامِ المقامِ المالكيِّ، لأنَّه كان حنثَ فيها، ولم يُطلَعْ على ذلك، ولا ذَكروه له لمِا كان عليه من الخيرِ والورعِ والدِّين، فلمَّا حصلَ معهم قاموا بحقِّه، وخدموه، وسعوا في رضاه، من غيرِ أنْ يُشعروه أنَّ لهم غرضاً غيرَ بَركتِه وخدمتِه، فلمَّا رأى ذلك منهم اغتبطَ بهم، وأنسَ ببنتِهم، ووجدَ منهم الشَّفقةَ العظيمة، فأقامَ بمكَّةَ، وتركَ الرُّجوعَ إلى بلدِه، فرُزِقَ منها أئمةَ مكَّةَ اليوم، وقضاتَها وخطباءَها وعلماءَها: الكمالَ أبا الفضلِ الشَّافعيَّ (١)، والنُّورَ المالكيَّ (٢)، فتقدَّما على أقرانِهما، ورَأسَا، فَوَلِيَ الكمالُ قضاءَ مكةَ وخطابةِ الحرمِ ونظرَه، والنُّورُ مقامَ الفقيهِ خليلٍ، بعدَ ابنِ عمِّه عمرَ من إمامةِ المقامِ وإمامةِ الحجِّ.

стр. 383

وكان مِن حالِ أبيهما -صاحبِ الترجمة- أنَّه صحبَ زوجتَه إلى أنْ تُوفي والدُها النَّجمُ، سنةَ ثلاثين، عن اثنتين وسبعين سنة، وهو معَهم على ما يحبُّ من العِزَّة والإكرام، وتركِ المساءلةِ عمَّا يجبُ عليه من النَّفقةِ والإدام، والكِسوةِ وما جرتَ به العادةُ معَ الأزواج، وبعدَ موتَ والدِها لم يرَ منهم ذلك الوجهَ الذي كان يعهدُه، فجاءَ مع زوجتِه إلى المدينةَ زائرًا، وأرادَ الإقامةَ بها ليُذلّهَا ويُهذِّبَها بالغُربةِ، والبُعدِ عن أهلها، فامتنعَ أهلُها، وشدَّدوا في رجوعِها معهم، فقال على طريقِ التَّغليظِ عليهم، والتَّشديدِ في إقامةِ العذر-: أنا قد حلفتُ بالطَّلاقِ الثَّلاثِ أنْ لا يكونَ لها معكم سفر في هذا الوقتِ، ولم تكنْ له نيةٌ، وإنَّما أرادَ التَّهويلَ عليهم، فعزمُوا عليه، والتزموا له الرُّجوعَ إلى ما كانَ عليه، فسافرَ معهم، وقيَّدُوا عليه يمينَه، وأخذوه بظاهرِ لفظه، فطلَّقوها منه، فاشتدَّ عليه الأمرُ، وعظُمَ عليه ما وقعَ فيه، ولم يجدْ مَن يساعدُه على ما نواه، إذ أسرَّته النِّيةُ، فلمَّا رأى أنَّها بليةٌ لا يمكنُ زوالهُا، رجعَ إلى المدينة، وأقامَ بها، فكانَ يُصلي إلى جنبي الصَّلواتِ، فأرى منه منَ التَّوجُّعِ والالتهابِ والشَّوق ما لم أرهُ من أحدٍ، فكنتُ أعذرُه في الباطن، وأُهوِّنُ عليه الأمرَ في الظَّاهر، فيقول: وَيْلٌ للشَّجيْ مِنَ الخَلِّيّ (١)، ثمَّ إنَّه لم يجدْ ما يَغيظُهم به إلا أخذَ ولديه، فأخذَهم بالشَّرع، فأقاما معه -وهما صغيران- فتعبَ وتعبَا، فسهَّلَ اللهُ مَن اختلسَهما منه، وحملَهما إلى مكَّةَ لأمِّهما وخالهِما القاضي شهابِ الدِّينِ، فربُّوهما أحسنَ تربية، فجاءَ منهما ما تقدَّم، ولمَّا علمَ الفقيهُ خليلٌ أنَّ في فراقِها له شبهةً تورَّعَ من زواجِهَا وتَرَكَهَا، فلم تزلْ كذلك حتى ماتَ صاحبُ الترجمة بالمدينةِ، فحينئذٍ تزوَّجِها، وماتت عندَه، ﵏.

стр. 384

وكانَ من بيتِ الكراماتِ والمكاشفاتِ (١)، لهم حكايات مُغرِبات، ومقاماتٌ مشيَّدات، جلستُ إليه يومًا بعد أنْ صلَّيتُ ركعتين، وكان قد أظلَّنا مجيءُ الحاجِّ، فكانتْ صلاتي كلُّها وسوسةً بما يجيءُ به الحاجُّ، وما يكونُ في وظائفي وما يجيءُ منها، وغيرِ ذلك، فقالَ عقبَ فراغي: يا فقيهُ، ما أقلَّ أدبَ العبدِ مع ربِّه، اللهُ تعالى خلَقَهُ وأوجدَهُ، وتكفَّلَ برزقِه، وجعلَ الرِّزقَ يجري مع الحاجةِ لا يتعدَّاهَا، ولم يُردْ منه إلا الإخلاصَ والتَّوكلَ والعِبادةَ، وقد جرَّبَ العبدُ وعدَه تعالى، فوجدَهُ صحيحًا لا يختلُّ معه، ورِزْقُهُ يأتيه كلَّ حينٍ، وكلَّ يومٍ وكلَّ ساعة، حسبما يقدِّرُه اللهُ تعالى، ثمَّ إنَّه سبحانَهُ أمرَ بصلاةٍ وزكاةٍ وصيامٍ، ووقَّتَ لكلٍ من ذلكَ وقتًا، وأمرَهُ [أن] لا يتعدَّاه بتقديمٍ ولا تأخير، ففعلَ العبدُ ذلك، وقدَّرَ له رِزقاً، ووَقَّتَهُ عندَه بوقتٍ معلوم، [ثمَّ] (٢) إنَّ العبدَ يُسيءُ إلى ربِّه بأنْ يتَّهِمَه فيما وعدَهُ، فيقول: يا ترى يجيئني شيءٌ في هذه السَّنةِ، أم لا؟ وإنْ جاءَ، فهل (٣) يجيءُ كاملًا؟ أو ينقطعُ بعضُه؟ ومِن هذهِ الأشياءِ التي هي إلى الشِّركِ أقربُ، أليس هذا من قلَّةِ الأدب؟ فعلمتُ أنَّه إنَّما أرادني بهذا الكلامَ، فاستغفرتُ الله، ورجعتُ، فنلتُ بذلك خيرًا كثيرًا، إلى غيرِ هذا من الكراماتِ التي يطولُ ذِكرُها. ولمَّا كانَ في سنةِ سبعٍ وثلاثين، قدمتْ قافلةُ مكَّةَ، ومعهم القاضي شهابُ الدِّينِ ومُطلَّقتُه، -أخته- وولداه، فطلعَ بها الشِّهابُ -صاحبُ الترجمة- إلى الأميرِ وُدَيِّ بنِ

стр. 385

جمَّازٍ، صاحبِ المدينة، وكلَّمهُ في شأنِ زوجتِه وأولادِه، وأخذَ خطَّه بأنْ يعقدَ لهم مجلسًا شرعيًا، وكان ذلكَ في أوَّلِ نهارِ الأربعاءِ، خامسِ المحرَّمِ منها، فلم يلبثْ أنْ مرضَ في آخرِ النَّهار، واستمرَّ حتى ماتَ بعدَ عصرِ يومِ الأحدِ، سادس عشره، ودُفِنَ بعدَ المغرب في البقيعِ، بالقُربِ من الإمامِ مالكٍ مما يلي الطَّريق، ﵀. وقال ابنُ صالحٍ: الشَّيخُ شهابُ الدِّينِ النُّويريُّ، أبو قاضي مكَّةَ، ويكنى أبا الفضلِ، جاورَ بمكَّةَ، وصاهرَ قاضيَها النَّجمَ، فزوَّجَه ابنتَه، وأولدَها الذُّكورَ والإناث، ثمَّ انتقل إلى المدينة، فتزوَّج بها خديجةَ ابنةَ العفيفِ ابنِ مزروعٍ (١)، وماتِ فيها (٢)، ودُفِنَ بالبقيعِ تُجاهَ قُبَّةِ إمامِه مالكٍ، وكان كثيرَ الذِّكرِ والعبادةِ على طريق الصَالحين. وذكرَه شيخُنا في "الدُّرر" (٣)، ملخِصًا لترجمته ممَّا تقدَّم، وسبقَهم المنذريُّ، فقال في "التكملة" (٤): إنه تفقَّه مالكيًا، وصحبَ جماعةً من الصَّالحين، وانتفعَ به جماعةٌ، وكان موصوفاً بالصَّلاحِ والخيرِ والإيثار، محبًّا للفقراءِ، مكرِمًا لهم، ينقطعُ إلى ما يفضي براحتِهم، مبالغًا في ذلك. وفي "تاريخِ الشِّهابِ أحمدَ بنِ عبدِ الوهَّابِ النُّوَيْريِّ" (٥)، ما رواه عن أبيهِ، عن

стр. 386

جدِّه- وكان خادمًا للشَّهيدِ النَّاطق الرَّضيِّ أبي القاسم، جدِّ أبي صاحب الترجمة-: أنَّ رجلين ادَّعيا عندَه في بقرةٍ، وكان مع أحدِهما محَضرُ تملُّكِها فيه شهودٌ، فأدَّوا فيه عنده، فسألَه مَن بيدِه المَحضرُ الحكمَ به، وتسليمَ البقرةِ إليه، فقال له: كيفَ أُسلِّمُها لك، وهي (١) تقولُ: إنَّها لِخَصْمِكَ، وتُخبرُ أنَّ المَحضرَ زُور، فاعترفَ بذلك، وأظهرَ التَّوبةَ، وسلَّمَها لخصمِه، ولمَّا اتَّصلتْ هذه الحكايةُ بقاضي الدِّيارِ المِصرية: العمادِ عبدِ الرَّحمنِ ابنِ السُّكريِّ عزلَه عن نيابتِه، وكتبَ إليه: أنه كان ينبغي لك أنْ تعملَ في القضيةِ بظاهرِ الشَّرعِ، وتُسلِّمَ البقرةَ لمَن أثبتَها، فلمَّا بلغَه ذلكَ، قال لمَن حضرَه: اشهدوا عليَّ أنني قد عزلتُه وذرِّيتَه مِن بعدِه، فكانَ كذلك (٢) ١٩١ - أحمدُ بنُ عبدِ العزيزِ، الشِّهابُ، الهلاليُّ، المدَنيُّ، السَقَّاءُ، والدُ المسنِدُ الشَّهيرُ سليمانُ. وصفَه الرَّضيُّ أبو حامدٍ المطريُّ بالشَّيخِ المقدسيِّ، وقال ابنُ فرحونٍ (٣): كان من قدماءِ المجاورين، وذوي العقلِ والرَّأي، وأوَّل ما دخلَ المدينةَ كان يتسبَّبُ بسقيِ الماءِ من العين، ثمَّ أغناه اللهُ، فعاشَ بعقلِه بينَ النَّاس، ورأسَ حتى صارَ وزيرًا للأشرافِ، وكانَ أمينًا حافظًا، متواضعًا لا يستنكفُ عن عملٍ يعودُ نفعُه على نفِسِه وعيالِه، وربَّما خرجَ إلى البَرِّ، فيأتي على دوابِّه بما يحتاجُ إليه من حشيشٍ وحَطَبٍ وغيرِ ذلك، وخلَّفَ ذريةً صالحةً ذكورًا وإناثًا، منهم سليمانُ الآتي.

стр. 387

١٩٢ - أحمدُ بنُ عبدِ العزيزِ. أخو إبراهيمَ، وأبي الفَرَجِ، لهم ذكر في أبي عبدِ الله ابنِ البهاءِ الهنديِّ. ١٩٣ - أحمدُ بنُ عبدِ الغني بنِ أحمدَ بنِ عبدِ الله الكنانيُّ، المصريُّ الأصل، المدَنيُّ، الحنفيُّ. والدُ عبدِ الغني الآتي، أحدُ رؤساءِ المدينةِ، باشرَ الرِّياسةَ عن أبيهِ، المنتقِلةَ له عن آبائِه، كما ذُكرَ هناك، تزوَّجَ بها -أمَّ كُلثومٍ ابنةَ عفيفِ الدِّين القسنطينيِّ- سبطه عمير، واستولدها عدَّةً، ومات. في "الطالع السعيد" (١) بأنَّه بنى على الضَّريحِ النَّبويِّ قُبَّةً، بقصدِ الخيرِ والبركةِ، ولكن دافعَ بعضُهم بأنَّه أساءَ الأدبَ بعلوِّ النَّجَّارين فوقَ القبرِ الشَّريفِ في سنةِ خمسين، ولم يلبثْ أن حصلَ بينَه وبينَ بعضِ الولاةِ كلالم، فوردَ مرسومٌ بضربِهِ، وخرِبتْ دارَه، وأَخَذَ رُخامَها وخزائنَها عمَّالى للمنصوري قلاوون، وكان المرافعُ يقول: إنَّ ذلك مجازاةٌ له إلى آخرِ المقالة. ١٩٤ - أحمدُ بنُ عبدِ الكافي، الشَّريفُ الحسنيُّ، الطَّباطبيُّ. والدُ إبراهيمَ الماضي، وأخو عمرَ الآتي، سمعَ بعضَ "الموطَّأ" سنةَ تسعٍ وتسعين وسبعِ مئةٍ على البرهانِ ابنِ فرحونٍ، بالمدينةِ.

стр. 388

١٩٥ - أحمدُ بنُ عبدِ القويِّ، الكمالُ، ابنُ البرهانِ الرَّبعيُّ، ناظرُ قُوص (١). ترجمَه الكمالُ الأُدْفُوي (٢). ١٩٦ - أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ أحمدَ، الشِّهابُ، أبو العبَّاسِ، ابنُ الجمالِ العقيليُّ، الزَّيلعيُّ، اليمانيُّ، الحنفيُّ (٣). كتبتُ له على استدعاءٍ بالإجازة، ووصفتُه بأوصافَ، منها: القائمُ بخِدمةِ الحرَمِ النَّبويِّ، والهائمُ في كلِّ مَهْمَهٍ بالطَّريقِ المستوي. ١٩٧ - أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ أحمدَ، الشِّهابُ، الحبيشيُّ (٤). نسبةً لقبيلةٍ باليَمن، اليَمانيُّ الأصل، المدَنيُّ، شيخُ الفرَّاشين والمدَّاحين بها، تلقَّى الأولى عن محمَّدِ بنِ عُميرٍ، المتلقِّي لها عن محمَّدِ بنِ ضرغامٍ، وُلِدَ تقريبًا سنةَ ثلاثين بالمدينة، ونشأ بها، فحفظَ القرآنَ، والرُّبعَ من "المنهاجِ"، وسمعَ الحديثَ على أبي الفَرَجِ المراغيِّ فمَن بعدَه، وكذا سمع عليَّ في المجاورتين، ولم يخرجْ من المدينةِ إلا للحجِّ، وقد سمعتُ مدحَه. وكان يصحبُ أبا الفرجِ المراغيَّ، وفي خدمتِه، ولذا كانَ ولدُه الشَّيخُ محمَّدٌ يميلُ إليه، والنَّاسُ يُثنون عليه، ماتَ في سنةِ تسعِ مئةٍ.

стр. 389

١٩٨ - أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ إسحاقَ، أبو الحسنِ الخِرَقيُّ (١). ترجمتُه في "التاريخ الكَبير"، وإنَّ ابنَ العديم قال (٢): إنَّ المتِّقي للّه ولّاَه قضاء مصرَ والشَّاماتِ جميعَها والحرمين، ولكنَّ الظَّاهرَ أنَّه على سبيلِ الإجلالِ معَ احتمالِ غيرِه، وماتَ بالشَّامِ بعدَ سنةِ أربعٍ وثلاثين وثلثِ مئةٍ. ١٩٩ - أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ القادرِ، الشِّهابُ، ابنُ البدرِ ابنِ الزَّينِ، القُرَشيُّ، العُمريُّ، ويُعرف بالحجَّارَ. رأيتُه باعَ دارًا في سنةِ أربعٍ وعشرين وثمان مئةٍ. ٢٠٠ - أحمدُ بنُ عبدِ الله (٣)، الشِّهابُ، ابنُ الفخرِ الشَّريفيُّ، المصريُّ (٤). نزيلُ مكَّةَ، وفرَّاشُ حرمَها، وُلدَ في رمضانَ سنةَ ثلاثٍ وسبعين وستِّ مئةٍ بقُوص، وسمعَ من نمرٍ المَنبجيِّ (٥)، وَصَحِبَهُ، وناصرِ الدِّينِ ابنِ الشَّيخِ إبراهيمَ الجعبريِّ (٦)،

стр. 390

وأخيه الشِّهابِ أحمدَ (١)، وأدركَ الشَّيخَ أحمدَ الملثَّمِ (٢)، وحصلَ له مند تربيةٌ وملاحظةٌ، ولبِسَ الخِرقةَ الصوفية من محمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ أبي الحجَّاجِ الأقصريُّ (٣) سنةَ ثمان وثمانين وستِّ مئةٍ، وسمعَ بإخميم (٤) في سنةِ ثلاثٍ وثمانين من الكمالِ عليِّ بنِ أحمدَ بنِ جعفرِ بنِ عبدِ الظَّاهرِ الإخميميِّ (٥)، وبالنَّاصريةِ (٦) من القاهرةِ على الحجَّارِ "الصحيحَ"، بل سمعَه عليه بدمشقَ ثلاثَ عشرةَ مرَّةً، وجاورَ بالمدينةِ خمسَ سنين متواليةً، أوَّلهُا سنةَ ثلاثٍ وعشرين وسبعِ مئةٍ، وسمعَ بها من الجَمال المطريِّ "الصحيح" أيضًا غيرَ مرَّةٍ، ثمَّ قدمَ مكَّةَ فسمعَه بها من الحجِّي (٧) مرَّتين، إحداهما بقراءةِ التَّقيِّ الحَرازيِّ (٨)،
следующие страницы →