← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1050

التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة - ط مركز دراسات المدينة

السخاوي

Полный текст (4 406 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أشهرًا، وصامَ رمضان بها، ثمَّ عادَ في شوَّال إلى مكَّةَ، وبقي فيها إلى سنة ٩٩. ثمَّ رجع إلى المدينة، وأقام بها حتَّى توفي فيها (١). ﵀. * * * _________ (١) الضوء اللامع ٨/ ٧، ٨، ١٤.

стр. 37

٧ - تلاميذه: ذاعت شهرة الإمام السَّخاوي في نواحي البلاد، فرحل إليه الطلاب للأخذ عنه، وبلغ طلابه إلى عددًا كثيرًا جدًا، ولم يقتصر الأمر على التلاميذ بل أخذ عنه أقرانه -أيضا- وقد صنَّفَ السَّخاوي معجم الآخذين عنه من الطلبة ونحوهم (١) وقال: كلُّ ذلك مع ملازمة الناس له في منزله للقراءة دراية ورواية في تصانيفه وغيرها، بحيث خُتم عليه ما يفوق الوصف من ذلك، وأخذ عنه من الخلائق من لا يحصى كثرة أفردهم بالجمع (٢). وأفرد السَّخاوي الباب الثامن من ترجمته لنفسه "للآخذين عنه من الفضلاء، فمن دونهم بل الأئمة المعتمدين" وبلغ عددهم عنده ١٤٨٨ آخذًا، وهذا عدد كثير يبين منزلة الحافظ السَّخاوي. والناظر فيهم يجد أنهم من بلاد مختلفة، ومن مذاهب مختلفة، وسأكتفي بالترجمة لأبرزهم على حروف المعجم: ١ - أحمدُ (٣) بنُ محمَّدِ بنِ أبي بكرِ بنِ عبدِ الملكِ القسطلانيُّ الأصل، المصريُّ، الشَّافعيُّ. أبو العباس وُلِدَ في ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمان مئة بمصر، نشأ بها فحفظ القرآن، وتلا بالسبع على السراج عمر بن قاسم الأنصاري وعلى غيره، وقد _________ (١) "إرشاد الغاوي" ل ٧٩/ أ. (٢) "الضوء اللامع" ٨/ ١٥. (٣) ترجمته في "الضوء اللامع" ٢/ ١٠٣، "الشذرات" ٨/ ١٢١.

стр. 38

قرأ الحديث على الحافظ السَّخاوي، وكان ممن لازمه كثيرًا رواية ودراية (١)، فقرأ عليه قطعة كبيرة من شرحه على "الهداية الجزرية"، وسمع مواضع من شرحه على "الألفية"، وكتبه بتمامه غير مرة، ثمَّ قرأ منه بمكة أكثر من ثلثه، وسمع على غيره الكثير. قال السَّخاويُّ: وهو كثير الأسقام، قانعٌ متعفِّفٌ، جيِّدُ القراءة للقرآن والحديث، والخطابة، شجيُّ الصوت بها، مُشاركٌ في الفضائل (٢). قال العيدروسي: صنَّفَ التصانيف المقبولة التي سارت بها الرُّكبان في حياته، ومن أَجَلِّها شَرْحُه على "صحيح البخاري مزجًا في عشرة أسفار … وكان إمامًا حافظًا متقنعًا جليل القدر حسن التقرير والتحرير (٣) … ا هـ. ومن مصنَّفَاته: "تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري"، و"المواهب اللدنية في المنح المحمَّدية"، وغيرها. تُوفّيَ في السابع من محرم سنة ثلاث وعشرين وتسع مئة بالقاهرة. ٢ - أحمدُ (٤) بنُ محمَّدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ محمَّدِ بنِ رجبٍ، الشِّهابُ الطُّوخيُّ، ثمَّ القاهريُّ، الشافعيُّ، يُعرف بابن رجبٍ. وُلِدَ سنة سبع وأربعين وثمان مئة بطوخ بني مزيد، ونشأ بها فقرأ القرآن، _________ (١) "إرشاد الغاوي" ل ١٨٨/ أ. (٢) "الضوء اللامع" ٢/ ١٠٤. (٣) "النور السافر": ١٥٧. (٤) ترجمته في "الضوء اللامع" ٢/ ١٢١.

стр. 39

و"المنهاج" و "التنقيح"، و"ألفيتي" الحديث والنحو، و"المُلحة" وغيرها، وعرض على الشمني والأقصرائي وجماعة. قال السَّخاوي: ممن لازمني دراية ورواية سفرًا وحضرًا في تصانيفي وغيرها، وأكثر جدًا، وكتب من تصانيفي جملةً، وكان فائقًا (١). وقال: قرأ عليّ "شرحي للألفية" مرة بعد أخرى، وكذا حمل عني "شرح المؤلف" بقراءته وقراءة غيره، وأكثر عني رواية كالكتب الستة ودراية وأملى، وكتب بخطه من تصانيفي أشياء، ومدحني بعدة قصائد، وأدمنَ الاشتغالَ في الفِقه والحديث، والأصلين والعربية، والصرف والمنطق، والمعاني والبيان، والفرائض والحساب، والقراءات والتصوف، وغيرها، وبرع وأشير إليه بالفضيلة التامة، و"نظم جمع الجوامع"، و"الورقات لإمام الحرمين"، و"النخبة"، و"المنهاج"، وغيرها. تُوفّيَ بمكة في ربيع الثاني سنة ثلاث وتسعين ودفن بمقبرة المَعْلاة بمكة. ٣ - أحمدُ (٢) بن محمَّد بن محمَّد بن عبد السلام بن موسى، أبو الخير، المنوفيُّ الأصل، القاهريُّ، الشافعيُّ، المعروفُ بابنِ عبدِ السلامِ. وُلِدَ رابع عشر ربيع الأول سنة سبع وأربعين وثمان مئة، نشأ في كنف أبيه فحفظ القرآن و"العمدة"، و"المنهاج"، و"ألفية ابن مالك"، وعرض على المحلي، والمناوي، والأقصرائي، وغيرهم. _________ (١) "إرشاد الغاوي" ل ١٨٨/ ب. (٢) ترجمته في "الضوء اللامع" ٢/ ١٨١، "الأعلام" ١/ ٢٣٢.

стр. 40

قال السَّخاوي: ممن لازمني رواية ودراية (١)، وأخذ عني جملة، وقد أخذ عني علم الحديث … وولع بالنظم، فأتى منه بقصائد وغيرها، مع نثرٍ جيِّدٍ، وخطٍّ حسنٍ واستحضار لكثير من فروع الفقه ومن "شرح مسلم" وغيرها، ومشاركة في كثير من الفضائل، وسلامة فطرته ومحاسنه (٢). صنَّفَ عدة مصنَّفَات منها: "البدر الطالع" مختصر "الضوء اللامع" لشيخه السَّخاوي، و"الفيض المديد في أخبار النبيل السعيد"، و"الجواهر المضية في شرح الآجرومية، "شرح مختصر أبي شجاع في الفقه، وغيرها. تُوفّيَ سنة سبع وعشرين وتسع مئة. ٤ - أحمدُ (٣) بن محمَّد -صحصاح- بن محمَّد بن علي بن عمر بن عثمان، الشهابُ أبو العباس الأبشيهيُّ، الفيوميُّ الأصل، الشَّافعيُ. وُلِدَ بعد الخمسين تقريبًا، واشتغل قليلًا عند العبادي، والشهابِ ابنِ شعبان، والشمس البلبيسي، وغيرهم. قال السَّخاوي: وزاحم بذكائه وفطنته وسافر ودخل الشام وبيت المقدس، وحجَّ وجاور مرارًا بل وسافر في أثناء سنة أربع وتسعين من مكة إلى الهند، ولقيني بالقاهرة فأخذ عني شيئًا، ثمَّ بمكة في السنة المذكورة والتي قبلها، فحمل عني الكثير بقراءته، وقراءة غيره دراية ورواية من تصانيفي وغيرها، وكتب أشياء من تصانيفي، وانتقى _________ (١) "إرشاد الغاوي" ل ١٨٩/ ب. (٢) "الضوء اللامع" ٢/ ١٨٢. (٣) ترجمته في "الضوء اللامع" ٢/ ١٨٧.

стр. 41

كلًا من "المقاصد الحسنة "وارتياح الأكباد" وعنده أنه اختصرهما، ومما قرأه عليّ قطعةً من أول "شرحي لتقريب النووي بحثًا ومدحني كثيرًا … وكتبت له بمسموعاته ومقروءاته علي ثبتًا، بل قَرّظتُ له بعض مجاميعه، ا هـ. ٥ - جارُ اللّه (١) بنُ عبد العزيز بن عمر بن محمَّد بن فهدٍ الهاشميُّ، المكيُّ، أبو الفضل. المشهور بجار الله بن فهد واسمه محمَّدٌ، لكن غلبَ عليه الأوَّلُ. وُلِدَ ليلة السبت العشرين من شهر رجب سنة إحدى وتسعين وثمان مئة بمكة، ونشأ بها في كنف والديه. قال السَّخاويُ: حضر عليّ وهو في الرابعة في مجاورتي الرابعة من لفظي، وبقراءة أبيه وغيره أشياء، ثمَّ سمع عليَّ بعد ذلك أشياء. قال العيدروسي: خَرَّج الأسانيد والمشيخات لجماعة من مشايخه وغيرهم، واستوفى ما عند مشايخ بلده من السماع، ورحل إلى مصر والشام وحلب وبيت المقدس واليمن وأخذ بها وفي غيرها من البلدان -نحو السبعين- على جماعة من المسندين، وأجازه خلق كثيرون جمعهم في مجلد حافل … اهـ. وصنَّفَ عدة مصنَّفَاتٍ منها: "تاريخ في معرفة وفيات المترجمين" في "الضوء اللامع"من الأحياء، و"معجم الشيوخ"، و"تحفة اللطائف في فضائل ابن عباس ووج والطائف"، و"التحفة اللطيفة في بناء المسجد الحرام والكعبة الشريفة" وغيرها. _________ (١) ترجمته في "الضوء اللامع" ٣/ ٥٢، "النور السافر": ٢١٧.

стр. 42

تُوفّيَ سنة أربع وخمسين وتسع مئة. ٦ - عبد الباسط (١) بن خليل بن شاهين الشيخيُّ الأصل، الملَطيُّ، ثمَّ القاهريُّ، الحنفيُّ، نزيل الشيخونية. وُلِدَ في رجب سنة أربع وأربعين وثمان مئة بملطية، نشأ بملطية وحلب ودمشق، فقرأ في دمشق القرآن، ثمَّ حفظ "منظومة النسفي والكنز وغيرها، وحضر دروس قوام الدين والنعماني وغيرهما، وقدم القاهرة فأخذ عن علمائها. قال السَّخاوي: ممن لازمني للاستفادة وحضر عندي بالصرغتمشية (٢)، ا هـ. صنَّفَ عددًا من التصانيف، كـ (الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم"، و"ذيل على تاريخ الذهبي سماه "نيل الأمل في ذيل الدول"، و"غاية السول في سيرة الرسول"، وغيرها. تُوفّيَ سنة عشرين وتسع مئة. ٧ - عبد الرحمن (٣) بن علي بن محمَّد بن عمر بن محمَّد بن عمر بن علي بن يوسف الشيبانيُّ، الزَّبيديُّ، الشَّافعيُّ، المعروفُ بابنِ الدَّيْبَعِ. وُلِدَ في الرابع من محرم سنة ست وستين وثمان مئةٍ بمدينة زَبِيْد، نشأ بها فحفظ القرآن، وتلا بالسبع على خاله العلامة أبي النجا محمَّد الطبيب، واشتغل في علم _________ (١) ترجمته في "الضوء اللامع" ٤/ ٢٧، "الأعلام" ٣/ ٢٧٠. (٢) "إرشاد الغاوي" ل ١٩٥/ أ. (٣) ترجمته في "تحفة المستفيد في تاريخ زبيد" له: ٢٢٧، "الضوء اللامع" ٤/ ١٠٤، "الشذرات" ٨/ ٢٥٥، "البدر الطالع" ١/ ٣٣٥.

стр. 43

الحساب والجبر والمقابلة والهندسة والفرائض والفقه والعربية على خاله -أيضًا-، وأخذ عن غيره من علماء زبيد وغيرهم، والتقى الحافظ السَّخاوي بمكة بعد الحجَّ حيث يقول عن ذلك: ثمَّ رجعت إلى مكة المشرفة في المحرم سنة سبع وتسعين فَمَنَّ اللّه علي بلقاء الشيخ الإمام حافظ العصر مسند الدنيا فريد الوقت شمس الدين أبي الخير محمَّد بن عبد الرحمن السَّخاوي المصري الشافعي فيها، فصحبته وانتفعت به وأخذت عليه في علم الحديث النبوي وسمعت عليه كثيرًا من "صحيحَي البخاري ومسلم"، ومن كتاب "مشكاة المصابيح" للإمام التبريزي وجملة من "ألفية الحديث للحافظ العراقي ومن "شرحها له المسمى بـ "فتح المغيث" شرح ألفية الحديث، وقرأت عليه كتاب "بلوغ المرام من أدلة الأحكام" للحافظ ابن حجَر، وبعضًا من كتاب "رياض الصالحين للنووي، و"ثلاثيات البخاري، وما لا يحصى من الأجزاء والمسلسلات، وكان يُجلني ويشير إليّ ويعظمني ويقدِّمني على سائر الطلبة ويؤثرني، وأحسن إليَّ كثيرًا. جزاه اللّه عني خيرَ الجزاء (١). قال السَّخاويُّ عنه: لقيني في أوَّلِ سنةِ سبعٍ وتسعين، فقرأ عليَّ "بلوغ المرام" وغيره … وهو فاضل يقظ راغب في التحصيل والاستفادة نفع الله به (٢)، ا هـ. قال الشوكانيُّ: برع لا سيما في فنِّ الحديث، واشتُهرَ ذِكره، وبَعُدَ صيته (٣)، اهـ. صنَّفَ عدة مصنّفات منها: "تيسير الوصول إلى جامع الأصول" في الحديث، _________ (١) تحفة المستفيد": ٢٣٠ - ٢٣١. (٢) الضوء ٤/ ١٠٥. (٣) "البدر الطالع" ١/ ٣٣٦.

стр. 44

واختصر كتاب شيخه السَّخاوي "المقاصد الحسنة" في مصنَّفَ سماه: "تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث"، و"قرة العيون بأخبار اليمن الميمون"، و"بغية المستفيد في أخبار زَبيد"، وغيرها. تُوفّيَ يومَ الجمعةِ السادس والعشرين من شهرِ رجب سنةَ أربعٍ وأربعين وتسعِ مئةٍ. ٨ - عبدُ العزيزِ (١) بنُ عمرَ بنِ محمَّدِ بنِ محمَّدِ بنِ أبي الخيرِ محمَّد، أبو فارسٍ، وأبو الخير، الهاشميُّ، المكيُّ، الشَّافعيُّ، المعروفُ بابنِ فهدٍ. وُلِدَ ليلةَ السبت السادس عشرَ من شوَّالٍ سنةَ خمسين وثمان مئةٍ بمكَّةَ، ونشأ بها فحفظَ القرآن، و"الأربعين"، و"النخبة" لابن حجَر، وفي النحو "الألفية" و"الأجرومية" وغيرها، فلما ترعرع طلب بنفسه، وارتحل إلى كثير من البلاد، ومنها القاهرة حيث سمع من الحافظ السَّخاوي ثمَّ عاد إلى بلده، ثمَّ رجع سنة خمس وسبعين، فسمع منه وقرأ عليه وحضر الإملاء عنده، ثمَّ عاد سنة أربع وثمانين، فدخل القاهرة، ولازم السَّخاوي في السماع والقراءة فكان مما قرأه عليه قطعة كبيرة من أول "فتح المغيث"، و"شرح النخبة لشيخه، وحضر مجالس الإملاء، ثمَّ ارتحل بعد ذلك إلى مكة، ولما جاورَ السَّخاويُّ سنةَ ستٍّ وثمانين، والتي تليها أكثرَ ابنُ فهدٍ من ملازمته، وسمعَ عليه الكثير مِن مصنَّفَاته. قال السَّخاويُّ: سمع عليَّ أشياء كبيرة (٢)، اهـ. _________ (١) ترجمته في "الضوء اللامع" ٤/ ٢٢٤، "الشذرات" ٨/ ١٠٠. (٢) "إرشاد الغاوي" ل ١٩٨/ أ.

стр. 45

وقال: برعَ في الحديثِ طلبًا وضبطًا، وكتب الطباق، بل كتبَ بخطِّه جملةً من الكتب والأجزاء وتولَّع بالتَّخريجِ والكشف، والتاريخ، وأَذنتُ له في التدريس والإفادة والتحديث، وليس بعد أبيه ببلاد الحجَّاز من يدانيه في الحديث، مع المشاركة في الفضائل (١). وصنَّفَ "معجمًا" لشيوخه، و"فهرسًا" لمروياته، و"جزءًا في المسلسل بالأولية"، وكتابًا في "المسلسلات"، ورتَّب "طبقات القرَّاء" للذهبي، وغير ذلك. تُوفّيَ يوم الاثنين السادس مِن ذي الحجَّة سنةَ إحدى وعشرين وتسعِ مئةٍ. ٩ - مُعَمر (٢) بنُ يحيى بنِ محمَّدِ بنِ عبدِ القويِّ، أبو اليَسَر المكيُّ، المالكيُّ. وُلدَ في الرابع عشر من ذي القعدةِ سنةَ ثمانٍ وأربعين وثمان مئةٍ بمكَّةَ، ونشأ بها، فحفظ القرآن، والأربعين"، والألفية"، والمُلحة"، ولازم المحيوي عبد القادر قاضي مكة، والشهاب أحمد بن يونس المغربي في الفقه وغيره، ورحل إلى القاهرة، ولازمَ الشَّمسَ الجوجريّ، وانتفع به، وأخذ عن غيره، وأخذ علم الحديث عن السَّخاوي، وأكثر من ملازمته بالقاهرة والحرمين وقرأ عليه الكثير، قال السَّخاويُّ: ممن لازمَني بالحرمين والقاهرة درايةً وروايةً قراءة وسماعًا إملاءً وغيره، قرأ عليَّ الجواهر"، وقطعة صالحة من القول البديع" (٣). _________ (١) "الضوء اللامع" ٤/ ٢٢٦. (٢) ترجمته في "الضوء اللامع" ١٠/ ١٦٢، "الأعلام" ٧/ ٢٧٣. (٣) "إرشاد الغاوي" ل ٢٢٦/ أ.

стр. 46

وقال: ومحاسنُه جمةٌ، وقَلَّ بمكَّةَ في مجموعه مثله، وكنتُ عندَه بمكان (١). صنَّفَ شرحًا على "القطر" لابن هشام، ونظم الخصال الموجبة" من كتاب السَّخاوي، وصنَّفَ "شرحًا" في فقه المالكية وغيرها. تُوفّيَ يومَ الأحدِ مُستهلَّ صفَر سنةَ سبعٍ وتسعين وتسعِ مئةٍ. ١٠ - أبو بكر (٢) بنُ محمَّدِ بنِ أبي بكرِ بنِ نصرِ بنِ عمرَ، شرف، الحيثيُّ الأصل، الحلبيُّ، الشَّافعيُّ، البسطاميُّ، المعروفُ بابنِ الحيشيِّ. وُلِدَ في مستهلِّ جُمادى الأولى سنةَ ثمانٍ وأربعين وثمانِ مئةٍ بحلبَ. أخذ عن جملةٍ من أهل العلم، فسمع على أبي ذر ابنِ البرهان الحلبيِّ، وتدرَّب به، والشمس محمَّد البابي، وأبي عبد الله ابن القيِّم، في آخرين. قال السَّخاويُّ: زار بيت المقدس، ولقيني بمكَّةَ في سنتي ستٍّ وثمَانين، والتي بعدها، فلازمَني حتَّى حملَ عني أشياءَ مِن مروياتي ومصنَّفَاتي، وكتب بخطِّه منها جُملةً، واغتبط بذلك، وكتبتُ له إجازة … (٣). وقد لازم الإمامَ السَّخاوي وسمعَ منه الكثير مِن كتبه، فكان منها: "البلدانيات"، و"الجواهر المكللة في الأخبار المسلسلة"، و"المنهل الروي في ترجمة النووي"، و"فتح المعين بتخريج الأربعين"، و"الابتهاج بأذكار المسافر الحاج"، و"عمدة القاري في _________ (١) "الضوء اللامع" ١٠/ ١٦٣. (٢) ترجمته في "الضوء اللامع" ١١/ ٧٥، "الشذرات" ٨/ ١٦٩، وقد وضع هنا على أنه كنيته ويحتمل أن كنيته اسمه فمحله أول الحروف. (٣) وعندي صورتها في ١٢ ف.

стр. 47

ختم البخاري"، و"بذل المجهود في ختم أبي داود"، وغيرها من مصنَّفَاته، ومصنَّفَات غيره، كالكتب الستة و"مسند أحمد"، و"الشافعي"، وغيرهما (١). وقد أثنى عليه السَّخاويُّ في أول إجازته له بقوله: العالمُ البارعُ الخاشع، مُرشد الطَّالبين، ومَرْفه المريدين، بقيَّةُ المشايخ، وثقةُ أولى النَّصائح، المحروس المأنوس، ذو البيتِ الرَّفيع في الإرشاد، والنَّسب المنيع عن الانتقاد، والسِّماط والبساط، والذِّكر والفِكر، والزَّوايا والخبايا، والآساد والإسناد، شرفُ الدِّينِ أبو بكر … (٢). وقد تُوفّيَ في رجبٍ سنةَ ثلاثين وتسعِ مئةٍ. * * * _________ (١) انظر "إجازة الحيشي" ل ١/ ب ول ٢/ أ. (٢) "الإجازة" ل ١/ أ.

стр. 48

٨ - وفاته: تُوفّيَ الحافظَ السَّخاويُّ بالمدينةِ، ودُفِنَ بالبقيعِ، وقد ذكرَ هذا أكثرُ مَن ترجمَ له -وهو الصَّحيحُ- كابنِ إياسٍ في "بدائع الزُّهور" (١) والعيدروسي في "النُّور السَّافر" (٢) ونقلَه الشَّوكانيُّ عن ابنِ فهدٍ في "البدر الطَّالع" (٣) والكِتانيُّ في "فهرس الفهارس" (٤) وغيرُهم. وكانت وفاتُه سنةَ اثنتين وتسعِ مئةٍ، وأوردَ هذا التَّاريخَ كلُّ مَنْ ترجمَ له ممَّن وقفتُ عليه، كالسُّيوطيِّ في "نَظم العِقيان" (٥) والعيدروسي في "النُّور السَّافر" (٦) وابن العماد في "الشَّذرات" (٧) والشوكاني في "البدر الطالع" (٨) والكتاني في "فهرس الفهارس" (٩). ووقَّتَ بعضُ المؤرِّخينَ وفاتَه باليومِ والشَّهرِ، حيثُ ذكرَ أنَّه تُوفّيَ في شهرِ شعبانَ _________ (١) "البدائع": ٦١٦. (٢) النور: ١٨. (٣) "البدر" ٢/ ٨٨. (٤) "الفهرس" ٢/ ٩٨٩. (٥) النظم: ١٥٢. (٦) النور: ١٨. (٧) "الشذرات" ٨/ ١٧. (٨) "البدر" ٢/ ٨٨. (٩) "الفهرس" ٢/ ٩٨٩.

стр. 49

في الثَّامنِ والعشرين (١) منه، أو في السَّادس عشر (٢)، يومَ الأحدِ (٣). * * * _________ (١) ذكره العيدروسي في "النور السافر": ١٨ وابن العماد في "الشذرات" ٨/ ١٧. (٢) ذكره الأسدي في "ذيل طبقات الشافعية" ل ٩١/ أ. (٣) ذكره الشوكاني في "البدر الطالع" ٢/ ١٨٤ وابن العماد في "الشذرات" ٨/ ٧٧.

стр. 50

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلّى اللهُ على سيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلهِ وصحبِه وسلَّمَ. الحمدُ لله الذي شَرَّفَ الحَالَّ (١) في الحال والاستقبال، بمَن إليها هاجر وبها حلّ، سِيَّما أَنْ كان الذي أرشدَ لكلِّ خيرٍ ودلَّ، وصرفَ عنها تلك الظُّلْمَةَ والمِحال (٢)، فنَارتْ أركانُها وجهاتُها المنخفضةُ والعَوَال، حتى أضاءَ بها كلُّ شيءٍ عَظُمَ أو قَلَّ، حسبما شُوهدَ من الأماكن النَّابية (٣) ممَّا المقامُ فيه أعلى وأَجَلّ، وعرَّف مَنْ نُوِّرَتْ بصيرتُه بركتَها الموازيةَ للغنائمِ والعَطايا الزَّائدِ بها الاحتفال، وللسَّرايا القادمِ أهلُها بالبشارة ببلوغِ الآمال، في الحِلِّ والارتحال، فأكْرَموها عن سُلوكِ ما لا يرضى أَنْ غَلِطَ الواحدُ منهم أو زلَّ، وعَظَّموها بربطِ قلوبِهم عن المناكير والمُعضِلاتِ التي لا تُحْتَمَلُ، سِيَّما ومن المعلوم أنَّ الأماكنَ الشَّريفةَ مرتفعةٌ عن تلك المِحَنِ والأوحالِ، مُمتنعةٌ من إقرارِ الخُبْثِ بها، وصُرِفَ المُجانبُ فيها للعدلِ والاعتدالِ، إذِ القاذوراتُ للمُبتَلَى بها،

стр. 51

أو عليها أَقْبَلَ، بالأماكنِ الدَّنيئةِ الخسيسةِ غيرُ مضاعَفةٍ، كهي (١) فيها (٢) عند جماعةٍ ممن اعتدلَ، والكلُّ سائرون مع القدرةِ الإلهيةِ، التي لا محَيدَ عنها ولا انتقال. فسبحانَه له الحمدُ على كلِّ حالٍ، ومنه الاسترشادُ والاهتداءُ لطُرقِ السَّعدِ وتَجَنُّبِ الوَبال، وبنعمتِه تَتِمُّ الصالحاتُ، وبِرحمتهِ تنمو الرَّابحاتُ؛ وإنْ كانتْ قليلةَ العملِ. والصَّلاةُ والسَّلامُ على سَيِّدِ الخلقِ وأشرفِ مُرسَلٍ، وعلى آلِهِ وصحبهِ وتابعيهم المندفعِ الكربِ عَن سائرِ مَنْ به ثُمَّ بهم بِبَركته (٣) توسَّل (٤)، وبعدُ؛

стр. 52

فلمَّا كانَ من المعلومِ، المُقَرَّرِ عند أُولي العقولِ الصَّحيحةِ، وثاقِبِ الفُهُومِ، أنه عند ذِكْرِ الصَّالحين تنزلُ الرَّحمةُ (١)، وبتتبُّعِ اَثارهِم يَندفعُ كلُّ بلاءٍ ويقْمةٍ (٢)، وأنَّ الثَّناءَ على المُدْرَجِ فيهم في الأمواتِ، رحمة للأحياءِ من أهلِ المودَّاتِ، والاشتغالَ بنشرِ أخبارِ الأخيار -ولو بتواريخهم- من علاماتِ سعاداتِ الدَّارينِ لأولي العرفانِ والاختيارِ، بل يُرجَى إسعافُهم للمقَصِّر الذَّاكِرِ لهم بالشَّفاعةِ، وإتحافُهم من المولى بمرافقةِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعة، إلى غيرِ هذا مما يُرغَّبُ فيه، ويُحَبَّبُ للتوجُّهِ إليه كلُّ وجيه. توجَّهْتُ لبيانِ أحوالِ أهلِ طَيْبَةَ المشارِ إليها، والمخصوصةِ بِالمزيد من الفضائلِ المُنَبَّهِ عليها؛ لأحوزَ بركةَ المرتفعِ منهم، وأفوزَ بتنزُّلِ الرَّحمةِ حيث ذكرْتُهم، ولم أنصرفْ عنهم، خصوصًا ومَنْ أحَبَّ شيئًا أكثرَ من ذِكْرِه، والمرءُ مع حبيبه (٣) في حَشْرِه، ونعيمه ونَشْرِه، وإنْ لم يلحقْه في عملِه، ولا رافقه في سلوكه وسُبُلِه. وألحقتُ بهم مَنْ تَخَلَّفَ عن طريقتِهم، ولم يَتَعرَّفْ ما أنعمَ اللّهُ به عليه، ولا تَبِعهم في توفيقهم، بحيث يُحْمَلُ ما نُقِلَ مما هو في أوائلِ "تاريخِ ابنِ عساكر" (٤) عن عمرِو بنِ

стр. 53

العاصِ -الحامدِ الشَّاكر- حين سُئلَ عنَ وصْفِ أهلِ المدينةِ؟ فقالَ: (أَطلبُ النَّاسِ لفتنةٍ، وأعجزُهم عنها)، على مَنْ لَعلّه مِنْ هؤلاء، ممن فارقَ الوقار والسكينة. على أنَّ الحجَّاجَ بنَ يوسفَ الثقفيَّ (١) سأل أبا سليمانَ أيوبَ بنَ زيدِ بنِ القِرِّيةِ (٢) عن أهل الحجاز؟ فأجابه بذلك بدون انحجاز، وقال عن المدينة: رَسَخَ العلم بها، وظهرَ منها، مما هو كذلك مع الضَّوء والبهاء، وعن أهلِ مكةَ: رجالهُا علماءُ جُفاةٌ، ونساؤُها كُساةٌ عُراةٌ. بل لم أَقتصرْ على هؤلاء، حيثُ ذكرتُ مَنْ قَطَنها من الغُرباءِ ولو سَنَةً، بشرط أن يكون دَرَّسَ فيها، أو حدَّث، أو أفتَى بالطريقة المَرْضِية، والسُّنَّةِ الواضحةِ الحسنة؛ لِيكونَ الآخذُ عنهم أو مَنْ كانوا في طريقه بشأنِهم على بصيرة، ولا يفتقر إلى المسألةِ عنهم، والكشفِ الذي قد لا يظْفَرُ معه بتلك الذَّخيرة. وقد ذكر الشَّمسُ ابنُ صالحٍ (٣)، القائمُ بنشرِ العلم مع الإرشادِ بالخطب والمواعظ وبذْلِ النصائح: التَّقِيَّ محمَّد بنَ أبي بكرِ بنِ عيسى بنِ بدرانَ الإِخنائي (٤) مع عدمِ

стр. 54

إقامةِ حديقةٍ -ولو إحياءً- أو بستانٍ، أو أنشأَ بها للمعروف مكانًا. ولم ألتزم في المُعمَّرين فَمَنْ بعدهم، كونَهم سكنوها، فضلًا عن أنهم من أهلها، بل ذكرتُ منهم من لم يَطأْ لحَزْنِها (١) وسهلِها، أو وَطِئَها خَدَمُهُ بزائدِ العزم والهِمَّة، كالجلالِ أبي الفوارسِ شاه شُجاعٍ (٢)، والجوادِ الجَمالِ الأصبهانيِّ (٣)، الرَّبانيُّ بلا نزاع، والسُّلطان السَّعيد النُّورِ الشهيد (٤)، وأضرابِهم ممَّن شُغِفَ بإسداءِ الإحسان إلى قاطني تربتها، وعُرف بإسبالِ ذيلِ الامتنان إلى واطئي رَحْبَتِها (٥)، اقتداءً بالمجدِ (٦) صاحبِ هذه العبارة (٧)، وارتداءً بلباسِ مَنْ شَمِلَه السَّعدُ بما تضمَّنته الإشارة، ورجاءَ أنْ يكونَ كتابي -بذلك- مشتملًا على الخصوص والعموم، وأن يصيرَ كالبدرِ في التَّمام، والبحرِ في الطُّموم (٨).

стр. 55

وكذا تَبِعتُ التقيَّ الفاسيّ، الحافظَ (١) لما غيرُه له ناسي، في ذكرِ جماعةٍ من الأمراء والملوك، ممَّن نصَّ فيهم على إِمْرة الحرمين، ولولم يكن له بواحدٍ منهما سلوك، ولكن بدون استيعابٍ لانتشارهم في الذِّكْرِ والخطاب، والإطابة بهم للكتاب، بل ذكرتُ جمعًا ممن وُصِفَ بمفتي الحرمين، أو قاضيهما أو شيخهما، مع ما يطرق به من الاحتمال، وتجويزِ ارتكابِ المجازِ في مجرَّد الوصف بذلك، لفحول الرِّجال. وكان ممَّا حَدَاني على هذا الجمعِ الذي تَقَرُّ به العينُ، ويُصغي إليه صحيحُ السَّمع: أنني لم أجدْ فيه مُصَنَّفًا يشفي الغليل، وينفي الجهل باتِّضاحِ المقال والتَّعليل، مع مَسيسِ الحاجة إليه، والتَّنفيس به عن المكروب، حيثُ لم يجدْ في ذلك ما يعتمد عليه. هذا؛ وقد أفردوا أهلَ كثيرٍ من البلدان: كبغدادَ والشامِ ومصرَ وأصبهانَ إلى غيرها، ممَّا يطول بذكره هذا البيان، مع كون هذه أحقَّ بالتنويه، وأصدقَ في الوجاهة والتوجيه. نعم اشتملت: "الروضة الفِرْدَوسيَّةُ" المشتملةُ على ما نحن بصدده، وغيرِه من المهمَّات العَلية، لأبي عبدِ اللّهِ الآقشهري (٢) الثقةِ الرَّحال، غيرِ المُزْدَرِي على كثيرٍ من التراجم لأهلها والأعاجمِ، و "تاريخ البدرِ أبي محمدٍ عبدِ اللّه بنِ محمدِ بنِ فَرْحُون" (٣) المُقَدَّم في الفضائل والفنون، على عددٍ كان الفكر بسببهم واجَمًا (٤)، وتعليقِ الشَّمسِ:

стр. 56

محمدِ ابن التَّقي صالحٍ، على كثيرٍ ممنْ لم يُفصحْ في أكثرهم بما تَتِمُّ به المصالح. وكذا عقَدَ المجدُ الفيروزآباديُّ اللُّغويُّ، السَّائرُ في الاعتناء باللّغة السَّير القوي، في كتابه: "المغانم المطابة في معالم طابة" (١)، الفائقِ حُسنًا وانتخابًا، لجماعةٍ أدركهم أو أدركهم شيوخه من أهلها بابًا، استمدَّ فيه من ابن فرحون، عبَّر فيها عن مقاصده بلفظٍ بالدُّرِّ مشحون، ولم يستوعبْ ما هنالك، وزادَ هو دونَ عشرةِ أنفس، رَقَمْتُ عليهم زايًا تنبيهًا للسالك، وعلى ما اشتركا فيه كافًا (٢) للعدل في العِزِّ والإنصاف، ومجموعُ ما اشتملتْ عليه هذه التَّصانيف قُلٌّ من كُثْرٍ، مع ارتفاعِ أربابها عن درجة التقصير والنُّكر. وقد طالعتُ من الكتبِ الكبار، والمشيخاتِ والمعاجم الجليلاتِ المقدار، والتَّواريخِ المستقيمةِ عند الاعتبار، ما أرجو سردَ جميعِه بآخره، ليكونَ ذلك من جُملةِ مفاخره، وما تيسَّرَ لي الوقوفُ على كتاب "الإعلام بمن دخلَ المدينةَ مِن الأعلام" للعفيف عبدِ اللّه بنِ محمَّد بنِ أحمدَ بنِ خلفٍ المطَريِّ (٣) لأستفيدَ منه ما لعلَّه يوافق اختياري ونظري، وأتيتُ بما اشتملَ عليه هذا الكتاب، على حروف المعجم تسهيلًا للكشف للاستفادةِ منه والانتخاب، مراعيًا في ذلك التَّرتيب في الآباءِ والأجداد وبقيَّةِ الأنساب، ثمَّ أُرْدِفُ الأسماءَ بالكُنى، وبالأنسابِ ونحوِها مما يقرِّب المراجعة لمَنِ به اعتنى (٤)، ثمَّ بالنِّسا اقتداءً بمَن اقتفى الأئمةَ وائتسى.

стр. 57

كلُّ هذا بعدَ الابتداء بسيرةٍ نبويَّةٍ مُختصرة، نافعةٍ مُفيدةٍ مُعتبرة، إذ الشَّرفُ للمذكورين، بل ولجميعِ المتقدِّمين والمتأخِّرين سِيَّما المؤلفِ المسكين، المُزلْزَلِ في التمكين، إنما هو بالإضافة لجَنابه الرفيع، والتَّطفُّل بالتَّحرُّز في حَرَمِه المنيع، حقَّقَ اللّه له ولهم ذلك، ووفَّق لما مشى فيه من هذه المسالك. ثمَّ أُردِفُها بإشارةٍ مختصرةٍ جدًّا تشتمل على ما اشتمل عليه المسجد الشّريف الفائق في الفخر إحصاءا وعددًا من الحُجرةِ والرَّوضة الشريفتين، والكِسْوة والسَّواري المعتمدتين، والأبوابِ والمنائر ونحوها، مما تيسَّرت الإحاطةُ به سماعًا ومشاهدةً، أو بهما، لدفع المشتبه، والتَّعرُّض لذرعه، وما زِيدَ مِنْ أروقته ووُسْعه، إلى غيرها من أحكام حَرَمه، وتعظيمِ جهاته، والتحذير من عدمه، وأماكنَ ممَّا يُزار من المساجد والآبار، وغير ذلك ممَّا وقع عليه الاختيار. سِيَّمَا مَنْ عُرِفَ من أهل البقيع، وما اتَّفق من الحوادث الصَّادرة من ذوي الجهالة والتَّبديع. وما بجوانبهِ من المدارس، والرُّبُط، والمَطَاهر، وأماكنِ المرضى التي للذُّنوب تحطّ (١)، ومَنْ باشره من الأئمة، والخطباءِ، والقُضاة، والنُّظَّار، والمحتسبين، والرُّؤساء بدون اشتباهٍ، والفرَّاشين، والخُدَّام، وما يفوق الوصف ممَّا يُرجى الانتفاعُ به لمَن دام، ممَّا تتشوَّفُ

стр. 58

النَّفسُ إليه، حسبما تقف عليه. مُستمِدًّا في الكبير (١) خاصةً من أبي عُذرَتِه (٢)، ورَبيِّ بَجدته (٣)، وأسدِ نَجْدته (٤)، الباحثِ عن جُمَله وتفصيله، والباعثِ لنفسه الزَّكيةِ في تحقيقِه وتحصيله، بحيثُ قَصُرَت الهِممُ عن اللَّحاقِ به، واستبصَرتْ فعلمتْ عجزَها عن أسبابِه وسَبَبه، مع التَّحقيقِ، والفحصِ والتَّدقيق، والجمعِ بين المختلف بالتَّوفيق، والتَّوهين والتَّعيين، بالتّمريض والتَّبيين، وكنتُ أوَّلَ مَنْ نوَّه بمصنِّفِه في ذلك، وقرَّضَه (٥) بما لا يَشتبهُ للسَّالك، وكيف لا وهو عالِمُ المدينة حِسًّا ومعنى، والقائمُ بالإرشادِ للعلومِ النَّقليةِ والعقليةِ بالحسنى، بل هو أعلمُ مَنْ علمتُه الآن من الآل، الجديرُ بإحياءِ معاهدِ جَدِّه سيِّدِ الخلائقِ ممَّن مضى وآل، ولذا حدَّد مكتومَها، وجدَّد رسومَها، وأراحَ مَنْ بعده واستراح من لم يجتهد جهده. وهو: صاحبُنا وحبيبُنا السَّيِّدُ العلّاَمة نورُ الدِّين الحسنيُّ السَّمهوديُّ ثمَّ المدنيُّ الشَّافعيُّ (٦) باركَ اللّهُ في حياتِه، وتداركَ باللُّطف سائرَ مُهمَّاتِه.

стр. 59

وكان الشُّروعُ في تبييضه، والرُّجوعُ لتهذيبه وتنهيضه، حين كوني بطيبةَ الشَّريفة، وقُرَّةُ عيني بلَحْظِ تلك العَرَصَات (١) المُنيفة. وكتبَ إليَّ العزُّ ابنُ فهدٍ (٢) يُحرِّضُ عليه، ويُمَرِّضُ مَنْ لم يلتفتْ إليه، بل نظمَ الفاضلُ اللُّواتي (٣)، والحبيبُ المواتي، قصيدةً في التَّنويهِ به، والتَّوجُّهِ لسببِه، نفعَ اللّه بهما، ودفع كلَّ مكروهٍ عنهما، وجعل هذا التَّأليفَ خالصًا لوجهِه الكريم، مُوجبًا لفضلِه العميم، وصلَّى اللّه على سيِّدِنا محمَّدٍ وسلَّمَ وشرَّفَ وكَرَّم، وسمَّيْتُه: التُّحفةَ اللَّطيفةَ في تاريخ المدينةِ الشّريفةِ وهذا حينُ الشُّروع، فيما قدَّمتُه على هذا المجموع، مِن نبذةٍ يَحسنُ إيرادُها، ويتعيَّنُ إفرادَها، بل تعلمُّهَا أمرٌ مفترض، وتَفهُّمُها لا يُهمله إلا مَنْ في قلبِه مرَض. في ذكرِ سيِّدِ البَشَر، وسيِّدِ الخلقِ ممَّنْ مضى وغَبر، الأكملِ خَلْقًا وخُلقَا، والأفضلِ في الرُّقيِّ والارتقاء، صاحبِ المقامِ المحمود (٤)، واللِّواءِ المعقود (٥)، والحوضِ والكوثرِ

стр. 60

المورود (١)، والمعجزاتِ الباهرات، والتَّميزاتِ بالخصائصِ المتكاثرات، من الشَّفاعةِ العامَّة (٢)، والجماعةِ القائمة، إلى قيامِ السَّاعة، بالحُجَّةِ التَّامَّة (٣)، وانشقاق القَمر (٤)، ونبعِ الماءِ ما بين أصابعِه ممَّا تواتر واشتهر (٥)، والبركةِ في الشَّراب والطَّعام (٦)، وتكليمِ

стр. 61

الذِّراعِ المسمومِ له من بعضِ اللِّئام (١)، وإحياءِ الموتى (٢)، وإسماعِ الصمِّ (٣)، والاطِّلاع على الغيب فيما يخصُّ ويَعُمُّ (٤)، وإعلامِه بمصارعِ صناديدِ قريش، ببدرٍ (٥) الذي كان فيه الهَنَا للمسلمين وطِيبُ العيش، وردِّه عينَ قتادةَ وقد سقطتْ (٦)، ورؤيته المشارقَ والمغاربَ لمَّا زُويت الأرضُ التي هبَطت (٧)، وإخباره بأنَّ مُلكَ أمَّتِه سيبلغ ما زُويَ منها، فكان كما أخبرَ ول عنها، الرَّحمةُ الشَّاملة، والنِّعمةُ الكاملة، خاتمُ الأنبياء والمرسلين، والسَّابقُ في خلقِ الأصفياءِ أجمعين. المصطفى بالمحبَّةِ والخُلَّةِ، والقُربِ والدُّنوِّ الذي رقَّاه به المولى وفضَّله، والمعراج، وصلاته بالأنبياءِ التَّامِّ به لهم

стр. 62

الابتهاج، والبشارةُ والنِّذارة، والهداية ومزيد الوقاية، ومغفرةُ ما تقدَّم له وتأخَّر، والقسَمُ باسمهِ الأزهر، وإجابةُ دعوته (١)، ولواءُ الحمد، وصلاةُ اللّه وملائكته المرتقى بهما لنهاية السَّعد (٢). صلى اللّه عليه وعلى آله أجمعين صلاةً وسلامًا إلى يوم الدِّين. مناقبُه ومحاسنُه ملأتِ الوجودَ شُهرة، فلو اجتمعَ الخلقُ على إحصائها كان وصفُهم مِن بحرِها قطرة. فهو محمَّدٌ وأحمدُ (٣) بنُ عبدِ اللّه بنِ عبد المُطَّلبِ (٤) بنِ هاشمِ (٥) بنِ عبد مَنافٍ (٦) بنِ قُصيِّ (٧) بنِ كِلابِ بنِ مُرَّةَ بنِ كعَبِ بنِ لُؤيِّ بنِ غالبِ بنِ فِهرِ (٨) بنِ مالكِ بنِ النَّضرِ بنِ

стр. 63

كِنانةَ بنِ خُزيمةَ بنِ مُدركةَ (١) بنِ إلياسَ بنِ مُضرَ بنِ نزارِ بنِ مَعدِّ بنِ عدنان. هذا هو النَّسبُ المتَّفقُ عليه (٢)، ومن هنا اختلف النَّسَّابون بما لا نُضيفه إليه، أبو القاسم (٣)، وأبو إبراهيم (٤)، وأبو الأرامل (٥)، ابنُ الذَّبيح، ابنِ شيبةِ الحمدِ القرشيُّ الهاشميُّ، المُطَّلبيُّ، المكِّيُّ ثمَّ المدَنيُّ. حملتْ به أمُّه أجملُ نساءِ زمانِها وأكمل، ومَنْ أبوها مِن أشرفِ قريشٍ فيما عليه اشتمل: آمنةُ ابنةُ وهبِ بنِ عبدِ منافِ (٦) بنِ زُهرَة بنِ كِلابٍ، المُجتمِعِ فيه نسب أبويه (٧)، والمرتفعِ كلٌّ منهم بالإضافةِ إليه، بشِعْب أبي طالب من مكَّة، وبقي في بطنِها تسعةَ أشهر، ماتَ أبوه في أثنائِها بالمدينةِ عند أخوالِ أبيه بني عديِّ ابن النَّجَّارِ عن خمسٍ وعشرين، أو ثلاثين سنة (٨)، وضعَتْه وهو البِكرُ لكلٍّ منهما في يوم الاثنين عند

стр. 64

فجرِه، لاثنتي عشرةَ ليلةً مضتْ من ربيعٍ الأوَّلِ عامَ الفيل (١)، بشرقيِّ جوفِ مكَّةَ في شِعب بني هاشم (٢)، بالدَّارِ التي كانت تسكنُ فيها مع أبيه، وهي بسُوقِ اللَّيلِ معروفة (٣)، مختونًا مسرورًا (٤)، مختومًا بختامِ النُّبوَّة محبورًا. وقيل لها وهي بين النَّائمةِ واليقظانةِ: إنَّكِ حملتِ بسيِّد هذه الأمَّة، بل رأته حينَ وضعتْه سقطَ منها نورٌ أضاءتْ له قصورُ الشَّام الشَّهير لمن أَمَّه، وقالتْ: واللّهِ ما رأيتُ من حَملٍ قطُّ كان أخفَّ ولا أيسرَ منه، إلى غيرِ ذلك ممَّا تشرَّفتْ بنقلِه عنه، وأَنَّهُ وقعَ حينَ ولدتْه وقرَّت عينُها إليه بالانتماء، واضعًا يديه بالأرضِ (٥) مُشيرًا بالسَّبابة كالمُسبِّحِ بها إلى السَّماء، وليلةَ ميلادِه انشقَّ إيوانُ كِسرى حتى سمعَ صوتُه، وسقطتْ منه أربعَ عشرةَ شُرفةً.

стр. 65

وخمَدتْ نارُ فارسَ ولم تخمدْ قبلُ بألفِ عام، وغاضتْ بُحيرةُ سَاوةَ (١). وأرضعتْهُ ثُويبةُ (٢) -التي أعتقها عمُّه أبو لهب حين بشَّرته به- قليلًا، وكانت تقولُ: ما رأيتُه يبكي جوعًا ولا عطشًا قطُّ، بل كان يغدو إذا أصبح، فيشربُ من ماءِ زمزم لثَربةً، وربَّما عرضنا عليه الغذاء، فيقول: أنا شبعان. ثمَّ حَليمةُ ابنةُ أبي ذُؤيبٍ السَّعدية، وحملته معها لبني سعدِ بنِ بكرٍ رهطِها، ورأتْ من يُمنِه وبركتِه، وإنصافِه وصِلَتِه، ذهابًا وإيابًا وإقامة، منامًا ويقظة، ما انتشر، ثمَّ رجعت به إلى أمِّه بعد شقِّ جبريلَ ﵇ صدرَه الشّريف، ومَلْئه حكمة وإيمانًا وهوابنُ خمسٍ فأزيدُ تخوُّفًا عليه (٣)، فدام معها في كفالة جدِّه (٤) ولم يلبث أن ماتت في رجوعها وهو معها من المدينة إذ خرجت به وهو ابنُ ستِّ سنين (٥)، وكانت معهما أمُّ

стр. 66

أيمنَ برَكَةُ الحبشيةُ (١) مولاته ﷺ (٢)، التي ورِثها من أبيه، وهي دايته (٣) وحاضنته معها ثمَّ بعد موتها (٤) فحملته لجدِّه فكفَلَه حتى ماتَ ودُفن بالحجُون (٥)، والنَّبيُّ ﷺ ابنُ ثمان سنين (٦)، وفي غُضونِ كَفالته له أبطأ عليه مرَّةً فجزعَ عليه، وارتجز وهو طائفٌ بالبيتِ المعظَّم بقوله: يا ربِّ رُدَّ راكبي محمَّدا … رُدَّهُ ربِّ واصطنعْ عندي يدا (٧) فلم يلبثْ أن جاء فاعتنقه، وقال: يا بنيَّ لقد جزعتُ عليك جزعًا لم أجزعه على شيء قطُّ، واللّه لا بعثتُكَ في حاجةٍ أبدًا (٨). فكفَله بعد موتِ جدِّه بوصيةٍ منه ابنه أبو طالبٍ، وهو شقيقُ عبد اللّه، فكان أيضًا يحبُّه حبًّا شديدًا لا يحبُّ مثلَه أحدًا مِن ولدهِ، بحيث لا ينام إلا إلى جانبه، وكانَ يجلسُ على وسادتِه المختصَّة به، ويتَّكئُ بل ويستلقي عليها، ويقال له، فيُسَرُّ ويقولُ:

стр. 67

إنَّ ابن أخي هذا ليُحسُّ من نفسِه بنعيم، ويخصُّه دونَ بنيه بالطَّعام، سِيَّما وكان إذا أكلَ معهم شبعوا، وإن لم يأكلْ معهم لم يشبعوا، ولذا كانَ إذا أرادوا الأكلَ أخَّرَهم حتى يجيء، وإذا جاءَ فأكلَ معهم فضَلَ من طعامِهم، فيقول له [عمُّه] (١): إنَّكَ لمبارك، وكانَ الصِّبيان يُصبحون عُمشًا رُمصًا (٢)، ويصبحُ هو دَهينًا كحيلًا (٣) ( … ) (٤) أعظم نشأة وأشرفها، وشبَّ يكلؤه اللّه تعالى، ويحوطه ويحفظُه من أقذار الجاهلية، من كلِّ عيبٍ فلم يُعظِّمْ لها صنمًا قطُّ، ولم يحضرْ مشهدًا من مشاهدِهم مع طلبهم منه لذلك، فيمتنع ويعصمه اللّه منه، ولقد قال ﷺ : "ما هممتُ بشيءٍ مما كانَ أهلُ الجاهلية يهمُّون به إلا مرَّتين عصمَني اللّه فيهما، وكلَّما دنوتُ من صنمٍ لهم يصيحُ بي رجلٌ: امضِ وراءَك، فما قَربتُ منه" (٥)، حتى كان أفضلَ رجالِ قومِه مروءةً، وأحسنَهم خُلقًا وجِوارًا، وأكرمَهم حَسَبًا، وأعظمَهم حِلمًا، وأصوبَهم حديثًا، وأبعدَهم من كُلِّ خُلق دَنيٍّ حتى لا يُسمَّى في قومه إلا الأمين (٦)، لما شاهدوه من أمانته وصدقِه، وطهارته وصفاتِه العلِّية التي لم يَشْرَكْه أحدٌ من خلق اللّه فيها.

стр. 68

واستصحبَه عمُّه وهو ابنُ اثنتي عشرةَ سنةً إلى الشَّام، فلمَّا جاء بُصرَى ورأى منه بَحِيرا الرَّاهبُ ما دلَّ عليه أنَّه النبيُّ المرسَل خاتمُ الأنبياء، أمره بالرُّجوعِ به إلى بلادِه ففعل (١)، وبعد عشرين سنةً من مولدِه أو دونها حضرَ مع عمومتِه حربَ الفِجَار (٢)، ورمى فيه بأسهم (٣)، وحلفَ الفُضُول (٤) الذي عقدتْه قريشٌ على نصر كلِّ مظلومٍ بمكَّة (٥). وكان ﷺ يرعى غنمَ أهلِه بأجيادَ على قراريطَ (٦)، ثمَّ مضى للشَّام أيضًا مع ميسرةَ فتى خديجةَ ابنةِ خويلدِ بنِ أسدٍ في تجارة لها، فرأى ممَّا خصَّه اللّه به ما يسترشدُ به

стр. 69

المُتنبِّه، فلمَّا عاد حدَّثها به، وكانت امرأةً حازمةً لبيبةً شريفة، فرغبت في تزويجه بها، فتزوَّجها وهو ابنُ خمسٍ وعشرين سنة، وهي ابنةُ أربعين (١)، فكانت له وزيرَ صِدْقٍ، وعبيرةَ مِسْكٍ. ثمَّ بعد مضيِّ عشرِ سنين أخذت قريشٌ في بناءِ الكعبةِ لأمرٍ اقتضاه، فاختلفت قبائلُها فيمَن يضعُ الحجرَ الأسود، فاختاروه، فأشار ببسطِ رداء على الأرض، ووضعِه عليه، وترفعُ كلُّ قبيلةٍ طرفًا منه، ففعلوا ذلك، فلمَّا انتهوا به إلى محلِّه أخذَه الأمينُ المكينُ بيده الميمونة، فوضعَه، وذلك يوم الاثنين (٢). ولمَّا انتهى ﷺ لأربعين سنة (٣) جاءه جبريل ﵇ في يومِ الاثنين ثامنِ شهرِ ربيعٍ الأوَّلِ وهو بغارِ حِراء؛ إذ كان يخلو به فيتعبَّد فيه، فأقرأه أوَّلَ سورةِ العلق، فرجعَ بها ﷺ يرجُف فؤادُه.

стр. 70

ودخل على خديجةَ فزمَّلُوه حتى ذهب عنه الرَّوع، ثمَّ أعلمها بالخبر، وقال لها: "لقد خشيتُ على نفسي"، فقالت له: أبشرْ، كلّاَ، واللّه ما يُخزيك اللّهُ أبدًا؟ إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتحملُ الكَلَّ (١)، وتَكسِبُ المعدوم، وتَقْرِي الضَّيَف، وتُعِينُ على نوائبِ الحقِّ، ثمَّ ذهبت به إلى ابن عمِّها ورقَةَ بنِ نوفلِ بنِ أسدٍ، فأعلمه بما أعلمها به، فقال له: هذا هو النَّاموسُ (٢) الذي أنزله اللّه تعالى على موسى ﵇، وآمن هو وخديجة به. وقال: إنْ يُدْرِكْني يومُكَ أنصرْكَ نصرًا مؤزَّرًا. ثم لم يَنشَب (٣) ورقةُ أن تُوفي (٤). وفتَر الوحي (٥)، فلمَّا كان بعد أشهرٍ أنزل اللّه عليه ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ (٦) وحَمِيَ الوحيُ وتتابع (٧). وبعد أَنْ أقرأه جبريلُ ﵇ العَلَقَ، ضربَ برجلِهِ الأرض، فنبعت عينُ ماءٍ فتوضَّأ منها، ثمَّ أمرَ النبيَّ ﷺ فتوضَّأ كذلك، ثمَّ قام وصلَّى بالنَّبيِّ ﷺ ، ثمَّ انصرف،

стр. 71

وأتى النبيُّ ﷺ خديجةَ، فعلَّمها ذلك، وصلَّى بها (١)، وكان الفرضُ إذ ذاك ركعتين بالغَداة، وركعتين بالعشي، إلى أن كانت ليلةُ المعراج (٢). وأقام ﷺ بمكة بعد البَعثة ثلاث سنين يدعو اللّه مُستخفيًا، فكان المسلمون يجتمعون بدار الأرقم (٣) أو بالشِّعاب للصِّلاة (٤). ثمَّ نزل عليه في السنة الرابعة (٥) ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٦)، وقوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٧) فأعلنَ حينئذٍ الدُّعاءَ لأهلِ الإسلام (٨) وكفَّارُ قريشٍ غيرُ منكرين لما يقول، بحيث كان إذا مرَّ بهم في مجالسهم يشيرون إليه: إنَّ غلام بني عبد المطَّلب ليُكَلَّمُ مِن السَّماء، إلى أَنْ عابَ آلهتهم، وذكر آباءهم، الذين ماتوا على الكفر، فانتصبوا لعداوته وعداوة مَنْ آمن به، يُعذِّبون مَنْ لا مَنعَة عنده أشدَّ العذاب، ويُؤذون

стр. 72

مَنْ لا يقدرون على عذابه (١)، وآمن به -مع مَنْ قدَّمناهما- عليّ، وزيدُ بنُ حارثة، وأبو بكر ثمَّ بدعائِه (٢) عثمانُ، والزُّبير، وعبدُ الرَّحمنِ بنُ عوفٍ، وسعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ، وطلحةُ بنُ عبيد الله. واشتدَّ الأمرُ، وتنابذ القوم، ونادى بعضهم بعضًا، وتآمرتْ قريشٌ على مَنْ أسلم منهم يُعذِّبونهم، ويفتنونهم عن دينهم. وحَدَبَ (٣) عليه عمُّه أبو طالب، ومنعَ اللّهُ عن رسوله به وببني هاشم -غيرَ أبي لهب- وبني المطلب، وكذَّبه مَنْ عداهم، وآذوه ورمَوْه بالسِّحر، والشِّعر، والكَهانة، والجنون (٤)، وأغروا به سفهاءَهم، حتى إنَّ شقيًا منهم أخذَ يومًا بجمعِ ردائِه، فقام أبو بكر دونه -وهو يبكي- ويقول: أتقتلون رجلًا أن يقولَ ربي اللّه (٥)؟. إلى أَنْ أسلمَ في سنةِ ستٍّ عمُّه حمزةُ (٦) أعزُّ فتىً في قريش، وأشدُّه شكيمة (٧)، فعزَّ به رسول اللّه ﷺ ، وكفَّتْ عنه قريشٌ قليلا (٨)، بل وكذا تأيَّدَ الإسلامُ بإسلامِ عمرَ بنِ

стр. 73

الخطَّاب، إجابةً لدعوةِ النبيِّ ﷺ أنَّ اللّه يؤيِّدُه به (١)، وكان لا يُرامُ ما وراءَ ظهرِه، فامتنع بهما حتى قال الأعداءُ له: إنْ كنتَ تطلبُ مالًا جمعنا لك ما تكونُ به أكثرَ مالًا، أوالشَّرفَ؛ فنحن نُشرِّفك علينا، أو المُلكَ؛ ملَّكْنَاك عليها، وإن كان الذي يأتيك رَئِيًّا (٢) قد غَلب عليك؛ بذلنا أموالنا في طلبِ الطبِّ لك حتى تبرأ منه، أو نُعذرَ فيك، فقال لهم: "ما بي ما تقولون، ولكنَّ اللّه بعثني رسولًا، وأنزل عليَّ كتابًا، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلَّغتكم رسالاتِ ربي ونصحتُ لكم، فإنْ تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظُّكم في الدُّنيا والآخرة، وإن تردُّوا عليَّ أصبرْ لأمرِ اللّه حتى يحكمَ اللّهُ بيني وبينكم" (٣). وأيَّدَه اللّه سبحانه بمعجزةِ القرآن، وبانشقاقِ القمر بالعِيَان، وكفاه أمرَ المُستهزئين مع تماديهم على العِناد ودفعِ اليقين، ولو اختار لدُمِّرُوا وما عُمِّروا، ولكنَّه ﷺ كان يترجَّى هدايتهم، ويتوخَّى إجابتَهم، ويأبى اللّه إلا ما أراده، وأُذِنَ للنَّبِيِّ ﷺ بعد أن عُذِّبَ بلالٌ، بحيث اشتراه أبو بكر، وأعتقَه (٤)، وقُتِلَتْ سُميَّة أمُّ عمَّاِر ابنِ ياسِرِ،

стр. 74

بحيث كانت أوَّلَ قتيلٍ في الإسلام (١)، وضَربَ سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ رجلًا من المشركين -ممَّن آذاه هو ومَنْ كان يُصلِّي معه بشِعْبٍ من شِعاب مكَّة، وعابَ صنيعَهم- بِلَحْي (٢) بعيرٍ فشجَّه، فكانَ أوَّلَ دمٍ أُهريق في الإسلام (٣) - إلى غيرِ هذا من شديدِ الأذى لأصحابه -في الهجرة إلى الحبشة عند ملكِها أصحمةَ النَّجاشيِّ (٤)، فهاجروا، وذلك في رجبٍ سنةَ خمسٍ، فكانتْ أوَّلَ هجرةٍ في الإسلام (٥)، فلمَّا علمتْ قريشٌ باستقرارهم فيها، وأمنِهم عنده، أرسلوا إليه عمرَوَ بنَ العاص وعبدَ اللّه بنَ أبي ربيعة ليردَّهم إلى قومهم، فأبى ورجعا خائبين (٦)؛ مع كونه لم يكن حينئذٍ مسلمًا،

стр. 75

إنما أسلم في سنة تسعٍ قُبيلَ موته (١)، وصلىَّ عليه النَّبيُّ ﷺ (٢). ولم يلبث أن رجعَ المهاجرون، حين قيل لهم: إنَّ أهل مكَّة أسلموا، فلم يجدوا لذلك صِحَّةً، فكان بعضُهم في الجِوار، وبعضُهم مخُتفيًا، وبعضُهم لم يدخل مكَّة (٣). ثمَّ هاجر المسلمون الثانية (٤) إلى الحبشة، وأقاموا عند النَّجاشي على أحسن حال، وهم زيادةٌ على مئةٍ مِن الرِّجال والنِّساء، وفشَا الإسلامُ في القبائل، واجتمع قريشٌ، وائتمروا أن يكتبوا كتابًا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطَّلبِ: أن لا يَنْكِحوا إليهم ولا يُنكِحوهم، ولا يبيعوا منهم شيئًا، ولا يبتاعوا منهم. وكتبوه في صحيفةٍ، وعلَّقوها في جوف الكعبة هلال المحرَّمِ سنَةَ سبع، فانحاز الهاشميون -غيرَ أبي لهب- والمُطَّلبيون إلى أبي طالب، ودخلوا معه في شِعْبِه، فأقاموا على ذلك سنين حتى جَهِدوا، وكان لا يصل إليهم شيءٌ إلا سِرًّا، إلى أن أعلمَ اللّه رسولَه ﷺ : "أنَّ الأَرَضَةَ أكلت ما كانَ فيها من جَورٍ وَظلمٍ، ولم يبقَ منها إلا ذكرُ اللّه سبحانه" فوجد ذلك كذلك وشَلَّت يد كاتبها، ففرَّج اللّه عنهم، وخرجوا من شِعبهم، وذلك في سنة
следующие страницы →