Полный текст (324 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
بها من رفعه إياها، وتشريفه لها، ما لم تبلغه امرأة قبلها ولا بعدها.
ثم إن كردية قالت لكسرى: «يا سيدي، أخرج بنا إلى الميدان لألعب، بين يديك، بالكرة والصولجان» . فخرج معها إلى الميدان، وخرجت امرأته شيرين، وخواص نسائه، ودعا بخيل، فأسرجت، وركبت وركب هو، وجعلت تلاعبه بالصوالج، وتناولت السيف، وركضت في الميدان، ولعبت بالسيف لعباً معجباً، ثم أخذت الرمح فلعبت به. فقالت شيرين: «أيها الملك! ما يؤمنك من هذه الشيطانة» ؟ قال: «هيهات! إنها أعرف بحقنا، وأشد حباً لنا من أن نخافها على أنفسنا» .
فلما نزلت، قال كسرى: «لنا في كل ربع من أرباع مملكتنا قائدٌ في اثني ألف رجل؛ وفي قصري أثنا عشرة آلاف امرأة، وقد جعلتك قائداً عليهن» . قالت: «يا سيدي، ما للنساء والفروسية؛ وإنما علينا أن نتزين لك، ونتطيب ونسرك بأنفسنا؛ وأردت، بما كان مني، سرورك وتسليه همومك» . فأمر كسرى بحمل طعامه وشرابه إلى منزلها، وبقي عندها أسبوعاً، لم يخرج إلى الناس، ولم يأذن لأحدٍ بالدخول عليه، ثم خرج من عندها إلى منزل شيرين، فأتاه صياد بسمكة عظيمة، فأعجب بها، وأمر له بأربعة آلاف درهم. فقالت له شرين: «أمرت لصياد بأربعة آلاف درهم، فإن أمرت بها لرجل من الوجوه» ، قال: «إنما أمر لي بمثل ما أمر للصياد» .
فقال: «كيف أصنع، وقد أمرت له» ؟ قالت: «إذا أتاك، فقل له:
أخبرني عن السمكة، أذكرٌ هي أم أنثى؟ فإن قال: «أنثى» ، فقل: لا تقع عيني عليك حتى تأتيني بالذكر. وإن قال: «ذكر» ، فقل مثل ذلك.
فلما غدا الصياد على الملك، قال له: «أخبرني عن السمكة، أذكرٌ هي أم أنثى» ؟ قال: «بل أنثى» . قال: فاتني بذكرها» فقال: عمر الله الملك؟ إنها كانت بكراً لم تتزوج بعد» . قال الملك: «زه، زه» وأمر بأربعة آلاف درهم؛ وأمر أن يكتب في يكتب في ديوان الحكمة: «إن الغدر ومطاوعة النساء يورثان الغرم» .
وقال: وكان الموبذان إذا دخل على كسرى، قال: «عشت، أيها
стр. 212
الملك، بسعادة الجدّ، ورزقت على أعدائك الظفر، وأعطيت الخير، وجنبت طاعة النساء» . فغاظ ذلك شيرين، وكانت أجمل نساء عصرها، وأتمهن عقلاً، فقالت لكسرى: «أيها الملك! إن هذا الموبذان قد طعن في السن، ولست مستغنياً عن رأيه ومشورته. وقد رأيت لحاجتك إليه أن أهب له «مسكدانة» ، جاريتي؛ وقد عرفت عقلها وجمالها، فإن رأيت أن تسأله قبولها، فافعل» .
فكلم كسرى الموبذان في ذلك، فهش للجارية لمعرفته بجمالها وفضلها، فقال: «قد قبلتها أيها الملك، لا يثارها إياي بأفضل جواريها» .
فقالت شيرين لمسكدانة: «إني أريد أن تأتي هذا الشيخ، فتبدي له محاسنك، وتجيدي خدمته، فإذا هش لمضاجعتك، فامتنعي عليه حتى توكفيه وتركبيه، وتعلميني الوقت الذي يتهيأ لك ذلك حتى لا يعود أن يزيد في تحية الملك: «ووقيت طاعة النساء» فقالت مسكدانة: «أفعل يا سيدتي» .
ثم انطلقت إلى الشيخ، فصارت عنده في داره التي يحتلها من قصر الملك؛ فجعلت تخدمه، وتبره، وتظهر له الكرامة، وهي مع ذلك تبرز له محاسنها، وتشف له عن صدرها ونحرها، وتبدي له ساقيها وفخذيها، فارتاح الموبذان إليها، وشرح صدره لمضاجعتها، فجععلت تمتنع عليه، فيزداد في ذلك حرصاً. فلما ألح عليها، قالت له: «أيها القاضي! ما أنا بمجيبتك إلى ما سألت، حتى أو كفك وأركبك؛ فإن أجبتني إلى ذلك، صرت طوع يدك فيما تريد وتدعو إليه من مسرتك» .
فامتنع عليها أياماً، وبقيت تتزين له بزينتها، وتكشف له عن محاسنها، حتى عيل صبره، فقال لها: «أفعلي ما أجببت» . فهيأت له برذعة صغيرة، وإكافاً صغيراً، وحزاماً وثفراً، وأقامته عرياناً على أربع، ووضعت على ظهره البرذعة، والأكاف، وجعلت الثفر تحت خصيتيه، وهي قائمة، وركبته وهي تقول: «خر خر» .
وأرسلت إلى سيدتها شيرين تعلمها بذلك، فقالت شيرين للملك:
стр. 213
«أصعد بنا إلى ظهر بيت الموبذان، للننظر من الروزنة ما يكون بينه وبين الجارية» . فصعدا. ونظرا، فإذا هي قد ركبته فوق الأكاف، فناداه كسرى:
«ويحك! أي شيء هذا» ؟ فرفع الموبذان رأسه، ونظر إلى الروزنة، ورأى الملك فقال: «هو ما كنت أقول لك في اجتناب طاعة النساء» . فضحك كسرى وقال: «قبحك الله من شيخ، وقبح مستشيرك بعد هذا» .
стр. 214
حديث الزباء
ومنهن الزباء «١» ، واسمها هند، وملكت الشام بعد عمها المنصور، وكان جذيمة الأبرش قتل عمها، فبعث إليها جذيمة يخطبها، فأظهرت البشر والسرور لرسوله، وكتبت إليه بالقدوم عليها لتزوجه نفسها، فاستشار نصحاءه، فقالوا: «أيها الملك، إن تزوجت بها، جمعت ملك الشام، وملك الجزيرة إلى ملكك» . فاستخلف ابن أخيه عمرو بن عدي، وسار في ألف فارس من خاصته؛ فلما انتهى إلى مكان يسمى «بقة» ، وهو حد مملكتها ومملكته، نزل في ذلك المكان، واستشار أصحابه أيضاً في المصير إليها بالانصراف، فزينوا له الإلمام بها وقالوا: «إنك، إن انصرفت من ههنا، أنزله الناس منك على جبنٍ ووهن» .
فدنا منه مولى يقال له قصير بن سعد، فقال له: «أيها الملك، لا تقبل مشورة هؤلاء؛ وانصرف إلى مملكتك حتى يتبين لك أمرها، فإنها امرأة موتورة، ومن شأن النساء الغدر» .
فلم يحفل بقوله، ومضى حتى اقتحم مملكتها، فقال قصير: «ببقةٍ صرم الأمر» ، ثم أرسلها مثلاً. فلما بلغ المرأة قدومه عليها، أمرت جنودها، فاستقبلوا الملك؛ فقال قصير: «أيها الملك! إني رأيت جنودها لم يترجلوا لك، كما يترجل للملوك، ولست آمن عليك، فاركب
стр. 215
«العصا» ، وانج بنفسك» (والعصا كانت فرساً لجذيمة، لا يشق غبارها) ؛ فلم يعبأ جذيمة بقوله؛ وسار حتى دخل المدينة، وأمرت هند الزباء بأصحابه أن ينزلوا فأنزلوا، وأخذت منهم أسلحتهم ودوابهم؛ وأذنت لجذيمة، فدخل عليها، وهي في قصر لها، ولم يكن معها في قصرها إلا الجواري، فأومأت إليهن أن يأخذنه؛ واجتمعن عليه ليكتفنه، فامتنع عليهن، فلم يزلن يضربنه بالأعمدة حتى أثخنه وكتفنه. ثم دعت بنطع، فأجلسته فيه، وكشفت عن عورتها؛ فنظر جذيمة، فإذا لها شعرة وافية. فقالت: «كيف ترى عروسك؟
أشوار عروس أم ما ترى؟ «أرى بظرا ناتئاً، ونبتاً فاشياً، ولا أعلم ما وراء ذلك» ؟ قالت: «أما إنه ليس من عدم المواسي أو لقلة الأواسي، ولكنه شمةٌ من أناسي» .
ثم أمرت به، فقطعت عروقه، فجعلت دماؤه تشخب في النطع، فقالت: «لا يحزنك ما ترى. فإنه دم هراقه أهله» ، فأرسلتها مثلاً.
واحتال «قصير» للعصا حتى وصل إليها وركبها، ثم دفعها، فجعلت تهوي به كأنها الريح. وكان المكان الذي قصد فيه جذيمة مشرفاً على الطريق، فنظر جذيمة إليه وقد دفع الفرس، فقال: «لله حزم على رأس العصا» ، فلم تزل دماؤه تشخب حت مات. ثم أمرت بأصحابه، فقتلوا بأجمعهم.
وكان عمرو بن عدي يركب كل يوم من الحيرة، فياتي طريق الشام، يتجسس عن خبره وحاله، فلم يبلغه أحد خبره. فبينا هو ذات يوم في ذلك، إذ نظر إلى فرس مقبل على الطريق، فلما دنا منه، عرف الفرس، وقال:
«يا خير ما جاءت به العصا» ، فذهبت مثلاً. فلما دنا منه قصير، قال له: «ما وراءك» ؟ قال: «قتل خالك وجنوده جميعاً، فاطلب بثأرك» . قال:
«وكيف لي بها، وهي أمنع من عقاب الجو» ؟ فذهبت مثلاً. ثم إن قصيراً أمر بأنف نفسه فجدع، ثم ركب وسار نحو الزباء، فاستأذن علهيا، فقيل لها: «إن مولى لجذيمة وقرهمانه وأكرم الناس عليه قد أتاك مجدوعاً» .
فأذنت له، فدخل عليها.
стр. 216
قالت: «من صنع بك هذا» ؟ قال: «أيتها الملكة! هذا فعل عمرو بن عدي، اتهمني وتجنى علي الذنوب، وزعم إني أشرت على خاله بالمصير إليك، حتى فعل بي ما ترين، ولم آمنه أن يقتلني، فخرجت هارباً إليك، وقد أتيتك لأكون معك، وفي خدمتك؛ ولي جداء وعندي غناء» .
قالت: «نعم أقم، فعندي لك ما تحب» ، وولته نفقتها، فخف لها، ورأت منه الرشاقة، فيما أسندته إليه، فأقام عندها حولاً، ثم قال لها:
«أيتها الملكة! إنه لي بالعراق مالاً كثيراً، فإذا أذنت لي في الخروج لحمله، فافعلي» . فدفعت إليه مالاً كثيراً، وأمرته أن يشتري له ثيابا من الخز والوشي ولآليء وياقوتاً ومسكاً وعنبراً وألنجوجاً. فانطلق حتى أتى عمراً فأخبره، فأخذ منه ضعفي مالها، وانصرف نحوها، فاسترخصت ما جاء به، وردته الثانية والثالثة، فكان يأخذ في كل مرة مثل أضعاف مالها، فيشتري لها جميع ما تريد، فتسترخصه.
ووقع قصير بقلبها، فاستخلفته، ثم بعثته في الدفعة الرابعة بمال عظيم، وأمرته أن يشتري أثاثاً ومتاعاً وفرشاً وآنية، فانطلق إلى عمرو، فقال: «قد قضيت ما علي، وبقي ما عليك» ، فقال: «وما الذي تريد» ؟ قال «أخرج معي في ألفي فارس من خدمك، وكونوا في أجواف الجواليق، على كل بعير رجلان» . فانتخب عمرو ألفي فارس من أصحابه، فخرج، وخرجوا معه في الجواليق، كل رجل بسيف، وكان يسير النهار، فإذا أمسى الليل، فتح الجواليق ليخرجوا ويطعموا ويشربوا ويقضوا حوائجهم، حتى إذا كان بينه وبين مدينتها مقدار ميل، تقدم «قصير» حتى دخل عليها، وقال: «أيتها الملكة! اصعدي على القصر لتنظري ما أتيتك به» ، فصعدت فنظرت إلى ثقل الأحمال على الجمال، فقالت:
ما للجمال مشيها وئيدا ... أجندلاً يحملن أم حديدا
أم صرفاناً بارداً شديدا «١»
стр. 217
فأجابها قصير سراً:
«بل الرجال جثما قعودا»
فقال: «لما عليها من المتاع الثقيل النفيس» . فأمرت بالأحمال، فأدخلت قصرها، وكان وقت المساء، فقالت: «إذا كان غداً نظرنا إلى ما أتيتنا به» .
فلما جن عليهم الليل، فتحوا الجواليق، وخرجوا، فقتلوا جميع من في القصر. وكان لها سربٌ قد أعدته للفزع والهرب، إن حل بها روع، تخرج إلى الصحراء؛ وقد كان قصير عرف ذلك المكان، ووصفه لعمرو، فبادر عمرو إلى السرب، فاستقبلته الزباء، فولت هاربة نحو السرب، فاستقبلها بالسيف، فمصت فصّها، وكان مسموما، وقالت: «بيدي لا بيدك يا عمرو، ولا بيدي العبد» ، فقال عمرو: «يده ويدي سواء، وفي كليهما شفاء» ، وضربها بسيفه حتى قتلها؛ وأقبل قصير حتى وقف عليها، فجعل يدخل سيفه في فرجها ويقول:
ولو رأوني وسيفي يوم أدخله ... في جوف زباء ماتوا كلهم فرحا
وغنم عمرو وأصحابه من مدينتها أموالاً جليلة، وانصرفوا إلى الحيرة، فكان الملك، بعد خاله جذيمة، وعمرو هذا هو جد النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي.
ومنهن صاحبة الجعد بن الحسين أبي صخر بن الجعد، وكان جعد قد طعن في السن، وكان يكنى أبا الصموت، وكانت له وليدة سوداء، فقالت: «يا أبا الصموت! زعم بنوك أن يقتلوني إذا أنت مت» ، قال: «ولم ذاك» ؟ قالت: «ما لي إليهم ذنب غير حبك، فأعتقني» ، فأعتقها، فبقيت يسيراً، ثم قالت: «يا أبا الصموت! هذا عرابة من أهل عدن يخطبني» ! قال: «ما كان هذا ظني بك» ، قالت: «إنما أريد ما له لك» ، فقال: «ائتيني به» ، فجاءت به، فزوجها منه، فولدت منه، وقربته من مال جعد، وكانت تأتي الجعد، فتخضب رأسه، ثم قطعته، فقال الجعد:
стр. 218
أبلغ لديك بني عمرٍ مغلغلةً ... عوفاً وعمراً، فما قولي بمردود
بأن بيتي أمسى فوق داهيةٍ ... سوداء قد وعدتني شر موعود
تعطى عرابة بالكفين مختضباً ... من الخلوق، وتعطيني على العود
أمسى عرابة ذا مالٍ وذا ولدٍ ... من مال جعدٍ، وجعدٌ غير محمود
ومنهن امرأة مروان بن الحكم، وكانت أم خالد بن يزيد بن معاوية، وهي ابنة هشام بن عتبة، فأراد مروان الخروج إلى مصر، فقال لخالد:
«أعرني سلاحك» ، فأعاره، فلما رجع، قال له خالد: «رد علي سلاحي» ، فأبى عليه. وكان مروان فحّاشا، فقال له: «يابن الربوخ الرطبة» ، فجاء خالد إلى أمه، فقال: «هذا ما صنعت بي. سبني على رؤوس الملأ، وقال لي كيت وكيت، قالت: «اسكت، فإني أكفيك أمره» . فجاء مروان، فرقد عندها، فأمرت جواريها، فطرحن عليه الشوادكين (يعني الملاحف) ، ثم غططنه حتى قتلنه، وخرجن يصحن:
«وا أمير المؤمنيناه» !! فدعا عبد الله بامرأة أبيه ليقتلها، فقالت: «إن الذي يبقى عليك من العار أعظم من قتل أبيك» ؛ قال: «وما ذاك» ؟ قالت:
«يقول الناس: إن أباك قتلته امرأة» فأمسك عنها.
стр. 219
محاسن مكر النساء
ذكروا أن الحجاج بن يوسف أرق، ذات ليلة، فبعث إلى ابن القرية، فقال: (أرقت، فحدثني حديثاً يقصر على طول ليلي، ولكن من مكر النساء وفعالهن) . فقال: أصلح الله الأمير! ذكروا أن رجلاً يقال له عمرو بن عامر من أهل البصرة، كان معروفاً بالنسك والسخاء. وكانت له زوجة يقال لها جميلة، وله صديق من النساك. فاستودعه عمرو ألف دينار، وقال: إن حدثت بي حادثة، ورأيت أهلي محتاجين، فأعطهم هذا المال. فعاش ما عاش، ثم دعي فأجاب، فمكثت جميلة بعده حيناً، ثم ساءت حالها، وأمرت خادمتها يوما ببيع خاتمها لغداء يوم أو عشاء ليلة. فبينا الخادمة تعرض الخاتم على البيع، إذ لقيها الناسك صديق عمرو، فقال: فلانة؟ قالت:
نعم. قال حاجتك؟ فأخبرته بسوء الحال، وما اضطرت إليه مولاتها من بيع خاتمها، فهملت عيناه دموعاً، ثم قال إن لعمرو قبلي ألف دينار، فأعلمي بذلك صاحبتك. فأقبلت الجارية ضاحكة مستبشرة، وهي تقول: رزق حلال عاجل من كد مولاي الكريم الفاضل. فلما سمعت مولاتها ذلك، سألتها عن القصة، فأخبرتها، فخرت ساجدة، وحمدت ربها، وبعثت بالجارية إلى الناسك، فأقبل الناسك ومعه المال، فلما دخل الدار، كره أن يدفع المال إلى أحد سواها؛ فخرجت، فلما نظر إلى جمالها وكمالها، أخذت مجامع قلبه، وفارقه النهى، وذهب عنه الحياء، وأنشأ يقول:
قد سلبت الجسم والقلب معاً ... وبريت العظم مما تلحظين
стр. 220
فارددي قلب عميدٍ واقبلي ... صلة الضعفين مما ترتجين «١»
فأطرقت جميلة لقوله طويلاً، ثم قالت: ويحك، ألست المعروف بالنسك المنسوب إلى الورع؟ قال: بلى. ولكن نور وجهك سل جسمي، فتداركيني بكلمة تقيمين بها أودي. فهذا مقام اللائذ بك! قالت: أيها المرائي المخادع! أخرج عني مذموماً مدحوراً. فخرج عنها، وقد هام قلبه، وأضحت جميلة تعمل الحيلة في استخراج حقها، فأتت الملك ترفع إليه ظلامتها، فلم تصل إليه، فأتت الحاجب، فشكت إليه، فأعجب بها إعجاباً شديداً، وقالت: إن لوجهك صورة أدفعها عن هذا، ولا يجمل بمثلك الخصومة فهل لك في ضعفي مالك في ستر ورفق؟
فقالت: سوءة لامرأة حرة تميل إلى ريبة. فانصرفت إلى صاحب الشرطة، فأنهت ظلامتها إليه، فأعجب بها وقال: إن حجتك على الناسك لا تقبل إلا بشاهدين عدلين، وأنا مشترٍ خصومتك، إن أنت نزلت عند مسرتي. فانصرفت عنه إلى القاضي، فشكت إليه، فأخذت بقلبه، وكاد القاضي يجن إعجاباً بها، وقال: يا قرة العين! إنه لا يزهد في أمثالك، فهل لك في مواصلتي وغناء الدهر؟ فانصرفت، وباتت تحتال في استخراج حقها، فبعثت الجارية إلى نجار، فعمل لها تابوتاً بثلاثة أبواب، كل منها مفرد؛ ثم بعثت الجارية إلى الحاجب أن يأتيها إذا أصبح، وإلى صاحب الشرطة أن يأتيها ضحوة، وإلى القاضي أن يأتيها إذا تعالى النهار، وإلى الناسك أن يأتيها إذا انتصف النهار.
فأتاها الحاجب، فأقبلت عليه تحدثه، فما فرغت من حديثها حتى قالت لها الجارية: صاحب الشرطة بالباب، فقالت للحاجب: ليس في البيت ملجأ إلا هذا التابوت، فأدخل أي بيت شئت منه. فدخل الحاجب بيتاً من التابوت فأقفلت عليه. ودخل صاحب الشرطة، فأقبلت جميلة عليه تضاحكه وتلاطفه، فما كان بأسرع من أن قالت الجارية: القاضي بالباب؛ فقال
стр. 221
صاحب الشرطة: أين اختبيء؟ فقالت: لا ملجأ إلا هذا التابوت، وفيه بيتان، فادخل أيهما شئت، فدخل، فأقفلت عليه، فلما دخل القاضي، قالت: مرحباً وأهلاً، وأقبلت عليه بالترحيب والتلطيف. فبينا هي كذلك، إذ قالت الجارية: الناسك بالباب، فقال القاضي: ماذا ترين في ردّه؟ فقالت ما لي إلى رده سبيل. قال: فكيف الحيلة؟ قالت:
إني مدخلتك هذا التابوت، ومخاصمته، فاشهد لي بما تسمع، واحكم بيني وبينه بالحق. قال نعم، فدخل البيت الثالث، فأقفلت عليه.
ودخل الناسك، فقالت له: «مرحباً بالزائر الجاني، كيف بدا لك في زيارتنا» ؟ قال: «شوقاً إلى رؤيتك، وحنيناً إلى قربك» . قالت:
«فالمال، ما تقول فيه: أشهد الله على نفسك برده، اتبع رأيك.. قال:
«اللهم إنني أشهدك الله لجميلة عندي ألف دينار وديعة زوجها» . فلما سمعت ذلك هتفت بجاريتها، وخرجت مبادرة نحو باب الملك، فأنهت ظلامتها إليه، فأرسل الملك إلى الحاجب، وصاحب الشرطة، والقاضي، فلم يقدر على واحد منهم؛ فقعد لها، وسألها البينة، فقالت: «يشهد تابوت عندي فضحك الملك وقال: «يحتمل ذلك لجمالك» . فبعث بالعجلة فوضع التابوت فيها، وحمل إلى بين يدي الملك، فقامت وضربت بيدها التابوت وقالت: «أعطي الله عهداً لتنطقن بالحق، وتشهدن بما سمعت، أو لأضر منك ناراً، فإذا ثلاثة أصوات من جوف التابوت تشهد على إقرار الناسك لجميلة بألف دينار. فكبر ذلك على الملك، فقالت جميلة: «لم أجد في المملكة قوماً أوفى ولا أقوم بالحق من هؤلاء الثلاثة فأشهدتهم على غريمي» ، ثم فتحت التابوت وأخرجت ثلاثة النفر، وسألها الملك عن قصتها فأخبرته، وأخذت حقها من الناسك، فقال الحجاج: «لله درها ما أحسن ما احتالت لاستخراج حقها» .
قال: وكان يعقوب بن يحيى المدائني، ويحيى الكاتب، كاتب سهل بن رستم، يتحدثان إلى مهدية، جارية سليمان بن الساحر، فقال يعقوب يوماً ليحيى: «أنا أشتهي أن أرى بطن مهدية» ، فقال يحيى: «ما تجعل لي إن
стр. 222
أنا احتلت لك بحيلة حتى تراه» ؟ قال: «ما شئت» قال: «برذونك هذا» قال: «نعم» . قال: فتوثق منه، وأتى مهدية فقال لها: «كان لي برذون موافق فاره فنفق، وأنت لو شئت لحملتني على برذون فاره» ، قالت: «أنا أفعل وأشتريه لك بما بلغ الثمن» ، قال: «أنت قادرة عليه بغير الثمن» ، قالت: «كيف ذلك» ؟ فأخبرها بالقصة فقالت: «قد حملك الله على البرذون، وأربحك النظر إلى بطن حسن، فإذا كان غداً فتعال أنت ويعقوب فاجلسا، فإن سليمان يعبث بوصيفته فلانة كثيراً، فإذا فعل ذلك وجئت أنا، فقل: «أنت يا مهدية لو علمت ما صنع فلان لقتلته» ، قال: «نعم» ، فلما جاءت مهدية، قال لها: «إن أمر سليمان مع وصيفته أشنع مما تقدرينه» ، فوثبت مستشيطة غضبا وقالت: «مثلك يابن الساحر يفعل هذا مرة بعد أخرى» ، وشقت جيبها إلى أن جاوزت أسفل البطن وهي قائمة، فنظر إلى بطنها فتأملناها ساعة وهي تشتم ابن الساحر، فقام إليها يترضاها ويسكنها، ويعقوب يقول «وابرذوناه» فأخذه منه يحيى.
وعن المساور قال: كان عندنا بالأهواز رجل متأهل، وكانت له أرض بالبصرة، وكان في السنة يأتيها مرة أو مرتين، فتزوج بها امرأة ليس لها إلا عم في الدار؛ وكان يكثر الانحدار بعد ذلك إلى البصرة، فأنكرت الأهوازية حاله فدست من يعرف خبره، ثم احتالت وبعثت من أورد خطاً لعم المرأة البصرية، وسألت من كتب كتاباً من عم البصرية إلى زوجها على خطه بأن ابنة أخيه توفيت، ويسأله القدوم لأخذ ما خلفت، ودست الكتاب مع إنسان شبيه بالملاح. فلما أتى بالكتاب خرج إليه فدفع الكتاب، ولم يشك أن امرأته البصرية ماتت، فقال لامرأته: «اجعلي لي سفرة» ، قالت:
«ولم» ؟ قال: «أريد الخروج إلى البصرة» ، قالت: «وكم هذه البصرة؟
قد رابني أمرك، وما أشك أن هنالك لك امرأة» ، فأنكر ذلك، فقالت: «إن كنت صادقاً فاحلف بطلاق كل امرأة لك غيري» ، فقال في نفسه: «تلك قد ماتت، وليس علي أن أحلف بطلاقها فأرضي هذه» ، فحلف لها بطلاق كل امرأة له سوى الأهوازية، فقالت الأهوازية: «يا جارية هات السفرة، فقد أغناه الله عن الخروج» ، قال: «وما ذلك» ؟ قالت: «قد طلقت الفاسقة» ، وقصت عليه القصة، فعرف مكرها، وأقام.
стр. 223
مساويء مكر النساء
وذكروا أن لقمان بن عاد «١» صاحب لبد، خرج يجول في قبائل العرب، فنزل بحي من العماليق، فبينا هو كذلك إذ ظعن القوم، فظعن معهم، فسمع بامرأة تقول لزوجها: «فلان لو حملت سفطي هذا حتى تجاوز به الثنية، فإن فيه من متاع النساء ما لابد لهن منه، ولعل البعير يقع فيتكسر» وذلك من لقمان بمنظر ومسمع، فقال: «أفعل» . فاحتمله على عاتقه، فلما انحدر، وجد بللاً في صدره فشمه، فإذا هو ريح بول قد جاء من السفط الذي على رأسه ففتح السفط فإذا هو بغلام قد خرج منه يعدو، فلما نظر لقمان قال: يا إحدى بنات طبق» ، - وبنات الطبق أن أن تأتي الحية السلحفاة، فتلتوي عليها، فتبيض بيضة واحدة، فتخرج منها حية شبراً أو نحوه، لا تضرب شيئاً إلا أهلكته- فتبعه لقمان حتى لحقه، فجاء به يحمله، واجتمع الناس إليه، وقالوا: «يا لقمان أحكم فيما ترى» فقال:
«ردوا الغلام في السفط يكون له مثوى حتى يرى ويعلم أن العقاب فيما أتى وتحمله المرأة بفعلها، حملوها ما حملت زوجها، ثم شدوا عليها، فإن ذلك جزاء مثلها» . فعمدوا إلى الغلام، فشدوه في السفط، ثم شدوه في عنق المرأة، ثم تركوهما حتى ماتا.
ثم فارقهم لقمان، فأتى قبيلة أخرى فنزل بهم، فبينا هو كذلك، إذ
стр. 224
بصر بامرأة قد قامت عن بنات لها، فسألت إحداهن: (أين تذهبين) ؟
قالت: إلى الخلاء، ثم خرجت إلى بيوت الحي فعارضها رجل فمضيا جميعاً، ولقمان ينظر، فوقع الرجل عليها، وقضى حاجته منها، فقالت المرأة: هل لك أن أتماوت على أهلي، فإنما هو ثلاثة أيام أكون في رجمي، ثم تجيء: فتستخرجني فنتمتع، فقال الرجل افعلي؛ وكان اسمه الخلي، وزوج المرأة اسمه الشجي فقال لقمان: ويل للشجي من الخلي فذهبت مثلاً، فلم تلبث المرأة إلا أياما حتى تماوتت على أهلها، وكان الميت منهم إذا مات تجعل فوقه الحجارة ولم تكن إذ ذاك قبور، فلما كان اليوم الثالث، جاءها خليلها فأخرجها، وانطلق بها إلى منزله، وتحول الحي من ذلك المكان، وخافت المرأة أن تعرف فجزت شعرها، وتركت لنفسها جمة، فبينا هم كذلك، إذ خرج بنات المرأة فإذا هن بامرأة جالسة ذات جمة، فقالت الصغرى: (أمي والله) ، قالت الوسطى: (صدقت والله) ، قالت المرأة: كذبتما ما أنا لكما بأم، قالت الكبرى:
صدقت! والله لقد دفنا أمنا غير ذات جمة، ما كان لأمنا إلا لمة قالت الصغرى: هبك أنكرت أعلاها، أما تعرفين أخراها فتعلقت به، فقالت:
صغراهن مراهن، فذهبت مثلاً. واجتمع الناس، وجاء زوج المرأة، فارتفعوا إلى لقمان فقالوا: أحكم بيننا، فقال لقمان: عند جهينة الخبر اليقين فذهبت مثلاً.
وكان يلقب بجهينة، فقال لقمان للمرأة: أخبرك أم تخبريني؟
قالت: بل قل، قال: إنك قلت لهذا إني متماوتة على أهلي، فإذا دفنوني في رجمي، جئت فاستخرجتني، وأتنكر لهم فلا يعرفونني، فنتنعم ما بقينا، فاعترفت المرأة فقيل للقمان: أحكم بيننا، قال: ارجموها كما رجمت نفسها، فحفر لها حفرة وألقوها، فيها ورجموها، وكانت أول مرجومة في العرب، ثم إن زوجها تعلق بالخلي فقال: يا لقمان هذا فراق بيني وبين أهلي، فقال لقمان: لكل ذكر أنثى، ولكل أول آخر، فرق بينك وبين أنثاك، ونفرق بين ذكره وبين أنثييه، فقطع ذكره، فمات.
стр. 225
محاسن الغيرة والحجاب
روي أنه إذا أغير الرجل في أهله، أو في بعض مناكحه، أو مملوكته فلم يغر، بعث الله، جل اسمه، إليه طيراً يقال له: (القرقفنة) حتى يسقط على عارضة بابه، ثم يمهله أربعين صباحاً يهتف به: (إن الله غيور يحب كل غيور) ، فإن هو تغير وأنكر ذلك، وإلا طار حتى يسقط على رأسه، فيخفق بجناحيه على عينيه، ثم يطير عنه، فينزع الله منه روح الإيمان، وتسميه الملائكة: الديوث.
وقال النبي ﷺ : باعدوا بين أنفاس الرجال والنساء فإن كانت المعاينة واللقاء كان الداء الذي لا دواء له. وروي أن امرأة ذات عقل ورأي حملت من فاجر، فقيل لها في ذلك، فقالت: قرب الوساد وطول السهاد، تريد قرب مضجعه منها وطول مسارته إياها. وقال ﷺ : النساء حبائل الشيطان، وقال سعيد بن مسلم: «لأن يرى حرمتي آلف رجل على حال تكشف وهي لا تراهم، أحب إلي من أن ترى حرمتي رجلاً مواجهة» وقيل لعقيل بن علفة: ألا تزوج بناتك؟ فقال: أجيعهن فلا يأشرن، وأعريهن فلا يظهرن، فوافق إحدى كلمتيه قول النبي ﷺ : الصوم وجاء السيئة، والأخرى قول عمر بن الخطاب، ﵁: استعينوا عليهن بالعري. وغاية أموال الرجال وكسبهم وهمهم وما يملكون، إنما هو مصروف إلى النساء، فلو لم يكن إلا ما يعد لهن من الطيب والحلى، والكساء والفرش والآنية، كان في ذلك ما كفى، ولو لم يكن إلا الاهتمام بالحفظ والحراسة وخوف العار من خيانتهن، والجناية عليهن، لكان في ذلك المئونة العظيمة، والمشقة الشديدة، غير أن أولى الأشياء بالرجال حفظهن
стр. 226
وحراستهن، فليس شيء لهن أصلح من مباعدتهن عن الرجال، وقمعهن بالعري والجوع، ومن حق الملوك أن لا يرفع أحد من خاصتها وبطانتها، رأسه إلى حرمة لها، صغرت أم كبرت، فكم من قيل وطيء هامة عظيم، وبطنه حتى بدت أمعاؤه؟ وكم من شريف وعزيز قوم، قد مزقته السباع ونهشته؟ وكم من جارية كريمة على قومها عزيزة في أهلها، وقد أكلها حيتان البحر وطير الماء؟ وكم من جمجمة كانت تصان، وتعل بالمسك والبان قد ألقيت بالعراء، وغيبت جثتها في الثرى، بسبب الرم والخدم والغلمان، ولم يأت الشيطان أحداً قط من باب حتى يراه بحيث أن من يهوى مستقيم اللحم والأعضاء، هو أبلغ من مكيدته، وأخرى أن يرى فيه أمنية من هذا الباب إذ كان من ألطف مكايده، وأدق وساوسه، وأجل تزايينه.
وقيل لابنة الخس «١» : لم زنيت بعبدك ولم تزن بحر؟ قالت: طول السهاد وقرب الوساد. وقيل: لو أن أقبح الناس وجهاً، وأنتنهم رائحة، وأظهرهم فقرا، وأسقطهم نفساً، وأوضعهم حسباً قال لامرأة تمكن من كلامها، ومكنته من سمعها: والله يا مولاتي قد اسهرت ليلي، وأرقت عيني، وشغلتني عن مهم أمري، فما أعقل أهلاً ولا ولداً، ولو كانت أبرع الناس جمالاً، وأكملهم كمالاً، وأملحهم ملاحة، وإن كانت عينه تدمع بذلك، ثم كانت تكون مثل أم الدرداء، أو معاذة العدوية، أو رابعة القيسية لمالت إليه وأحبته. ومنها قال عمر بن الخطاب ﵁: اضربوهن بالعري، فإن النساء يخرجن إلى الأعراس، ويقمن في المناحات، ويظهرن في الأعياد، ومتى كثر خروجهن لم يعد بد أن يرين من هو شكلهن، ولو كان بعلهن أتم حسناً، وأحسن وجهاً، والذي رأت أنقص حسنا، ولكان ما لا تملكه أظرف عندها مما تملكه، ولكان ما لم تملكه أو تستكثر منه أشد لها اشتغالاً واجتذاباً. قال الشاعر:
стр. 227
وللعين ملهى بالنساء ولم يقد ... هوى النفس شيء كإقتياد الطّرائف
وكانت الأكاسرة إذا امتحنت الخاصة من أصحابها، وخف الواحد عنهم على قلب الملك، وكان الرجل عالماً بالحكمة، موضعاً للأمانة في الدماء والفروج والأموال على ظاهره، فيأمره أن يتحول إلى منزله، وأن تفرغ إليه حجرة، وأن لا يتحول إليه بامرأة ولا جارية، ولا حرمة، ويقول له: أريد بك الأنس في ليلي ونهاري، وإن كان معك بعض حرمك قطعك عني فاجعل منصرفك إلى منزلك في كل خمس ليال، فإذا تحول الرجل أنس به، وخلا معه، وكان آخر من ينصرف من عنده، فيتركه على هذه الحالة أشهراً.
امتحن أبرويز رجلاً من خاصته بهذه المحنة، ثم دس إليه جارية من بعض جواريه، ووجه معها إليه بألطاف وهدايا، وأمرها أن لا تقعد عنده في أول مرة، فأتته بألطاف الملك، وقامت بين يديه، ولم تلبث أن انصرفت حتى إذا كانت المرة الثانية، أمرها أن تقعد هنيهة، وأن تبدي عن محانسها حتى يتأملها ففعلت، ولا حظها الرجل وتأملها، وجعل الرجل يحد النظر إليها، ويسر بمحادثتها، ومن شأن النفس أن تطلب بعد ذلك الغرض من هذه المطايبة، فلما أبدى ما عنده، قالت: أخاف أن يعثر علينا ولكن دعني حتى أدبر في هذا ما يتم به الأمر بيننا، ثم انصرفت فأخبرت الملك بذلك، وبكل شيء جرى بينهما، فلما كانت المرة الثالثة أمرها أن تطيل القعود عنده، وأن تحدثه، وإن أرادها على الزيادة في المحادثة أجابته إليه ففعلت، ووجه إليه أخرى من خواص جواريه، وثقافتهن بألطافه وهداياه، فلما جاءت قال لها: ما فعلت فلانة؟ قالت: اعتلت فار بدّ لون الرجل، ثم لم تطل القعود عنده كما فعلت الأولى، ثم عاودته فقعدت أكثر من المقدار الأول، وأبدت بعض محاسنها، حتى تأملها، وعاودته في المرة الثالثة، وأطالت القعود والمضاحكة والمهازلة، فدعاها إلى ما في تركيب النفس من الشهوة، فقالت: أنا من الملك على خطى يسيرة، ومعه في دار واحدة، ولكن الملك يمضي بعد ثلاثٍ إلى بستانه الذي بموضع كذا، فيقيم هناك، فإن أرادك على الذهاب معه، فأظهر أنك عليل وتمارض، فإن خيرك بين
стр. 228
الانصراف إلى نسائك أو المقام هنا، فاختر المقام، وأخبره أنك لا تقدر على الحركة، فإن أجابك إلى ذلك، جئت من أول الليل، فأكون معك إلى آخره.
فسكن الرقيع إلى قولها، وانصرفت الجارية، فأخبرت الملك بكل ما دار بينهما؛ فلما كان الوقت الذي وعدته أن يخرج الملك فيه، دعاه الملك فقال للرسول: «أخبره أني عليل» ، فلما جاءه الرسول وأخبره، تبسم وقال:
«هذا أول الشر» . فوجه إليه محفة يحمل فيها، فأتاه وهو معصب، فلما بصر به، قال: «والمحفة الشر الثاني» ، فتبين العصابة فقال: «والعصابة الشر الثالث» . فلما دنا من الملك، سجد، فقال له: «متى حدثت بك هذه العلة» ؟ قال: «هذه الليلة» . قال: «فأي الأمرين أحب إليك:
الانصراف إلى نسائك لتمريضك، أم المقام هنا لوقت رجوعي» ؟ قال:
«المقام ههنا، أيها الملك، أوفق لقلة الحركة» . فتبسم أبرويز وقال:
«حركتك ههنا، إن تركت، أكثر من حركتك في منزلك» . ثم أمر له بعصا الزناة التي كان يوسم بها من زنى، فأيقن الرجل بالشر، وأمر أن يكتب ما كان من أمره حرفاً حرفاً، فيقرأ على الناس إذا حضروا، وأن ينفى إلى أقصى مملكته، وتجعل العصا في رأس رمح يكون معه حيث كان، ليحذر من يعرفه منه.
فلما خرج الرجل من المدائن، متوجهاً به نحو فارس، أخذ مدية كانت مع بعض الموكلين به، فجب بها ذكره، وقال: «من أطاع عضواً صغيراً من أعضائه أفسد عليه جميع أعضائه» ، فمات من ساعته.
وفيما يذكر عن أنوشروان أنه اتهم رجلاً من خاصته في بعض حرمه، فلم يدر كيف يقتله؟ لا هو وجد أمراً ظاهراً يحكم بمثله الحاكم فيسفك به دمه، ولا قدر على كشف ذنبه لما في ذلك من الهوان على الملك والمملكة، ولا وجد عذراً لنفسه في قتله غيلة، إذ لم يكن في شرائع دينهم، ووارثة سلفهم، فدعا الرجل بعد جنايته بسنة في خلوة، فقال:
«قد حزبني أمر من أسرار ملك الروم، وبي حاجة إلى علمها. وما أجدني
стр. 229
أسكن إلى سكوني إليك، إذ حللت من قلبي المحل الذي أنت به، وقد رأيت أن تحمل لي مالاً إلى هناك للتجارة، وتدخل بلاد الروم فتقيم بها، فإذا بعت ما معك، حملت مما في بلادهم من تجاراتهم، وأقبلت إلي، وفي خلال ذلك تصغي إلى أخبارهم، وتطلع إلي ما بنا الحاجة إلى معرفته من أمورهم وأسرارهم» . فقال: «أفعل أيها الملك، وأرجو أن أبلغ في ذلك محبة الملك ورضاه» .
فأمر له بمال، وتجهز الرجل وخرج بتجارته، فأقام في بلاد الروم حتى باع واشترى، وفهم من كلامهم ولغاتهم ما عرف به مخاطباتهم، وبعض أسرار ملكهم.
وانصرف إلى أنوشروان بذلك، فأراه الإيثار به، وزاد في بره، ورده إلى بلادهم، وأمره بالمقام والتربص بتجارته، ففعل حت عرف، واستفاض ذكره، فلم تزل تلك حاله ست سنين، حتى إذا كانت السنة السابعة أمر الملك أن تصور صورة الرجل في جام من جاماته التي يشرب فيها، وتجعل صورته بإزاء صورة أنوشروان، ويجعل مخاطبا لأنوشروان، ومشيراً عليه وإليه، ويدني رأسه من رأس الملك في تلك الصورة، كأنه يساره، ثم وهب ذلك الجام لبعض خدمه، وقال: «إن الملوك يرغبون في مثل هذا الجام، فإذا أردت بيعه فادفعه إلى فلان إذا خرج نحو بلاد الروم بتجارته وقل له، يبيعه من الملك نفسه فإنه ينفعك، فإن لم يمكنه بيعه من الملك، باعه من وزيره أو بعض خاصته» .
فجاء غلام الملك بالجام، وقد وضع الرجل رجله في الركاب، فسأله أن يبيع جامه من الملك، وأن يتخذ عنده بذلك يداً. وكان الملك يعز ذلك الغلام، وكان من خاصة غلمانه، وصاحب شرابه، فأجابه إلى ذلك، وأمر بدفع الجام إلى صاحب خزانته، وقال: «احفظه، فإذا صرت إلى باب الملك فليكن مما أعرضه عليه» .
فلما صار إلى باب الملك، دفع صاحب الخزانة إليه الجام، فعرضه على الملك فيما عرض عليه، فلما وقع الجام في يد الملك، نظر إليه،
стр. 230
ونظر إلى صورة أنوشروان فيه، وإلى صورة الرجل وتركيبه عضوا عضوا، وجارحة وجارحة، فقال للرجل: «أخبرني هل يصور مع صورة الملك رجل خسيس» ؟ قال: «لا» ، قال: «فهل في دار الملك اثنان يتشابهان في صورة واحدة حتى يكون هذا كأنه ذاك في الصورة وكلاهما نديماً الملك» ؟ قال: «لا أعرفه» ، قال له: «قم قائماً» ، فقام، فوجد صورته في الجام، فقال له: «أدبر» ، فأدبر، فتأمل صورته في الجام فوجدهما بحكاية واحدة، فضحك، ولم يجسر الرجل أن يسأله عن سبب ضحكه، إجلالاً له وإعظاماً، فقال ملك الروم: «الشاة أعقل من الإنسان إذ كانت تخفي مديتها وتدفنها، وإنما أهديت إلينا مديتك بيدك» . فقال للرجل:
«تعديت» ؟ قال: «لا» ، قال: «قربوا له طعاماً» ، قال: «أيها الملك أنا عبد، والعبد لا يأكل بحضرة الملك» ، قال الملك: «أنت عبد ما دمت عند ملك الروم، مطلعاً على أموره، متتبعاً لأسراره، وملك إذا قدمت بلاد فارس، ونديم ملكها. أطعموه» ، فأطعم وسقى الخمر حتى إذا ثمل، قال: «من سير ملوكنا أن لا نقتل الجاسوس إلا في أعلى موضع نقدر عليه، ولا نقتله جائعاً، ولا عطشاناً.
فأمر به، فأصعد إلى سطح كان يشرف منه على كل من كان في المدينة إذا صعد، فضربت عنقه هناك، وألقيت جثته من ذلك السطح، ونصب رأسه للناس؛ فلما بلغ ذلك كسرى، أمر صاحب الجرس أن يضرب بأجراس الذهب، ويمر على دور نساء الملك وجواريه، ويقول: «كل نفس ذائقة الموت، كل أحد إذا وجب عليه القتل ففي الأرض يقتل، إلا من تعرض لحرمة الملك، فإنه يقتل في السماء» ، فلم يدر أحد من أهل المملكة ما أراد به حتى مات.
ومثله من أخبار العرب: ذكروا أنه كان لطسم وجديس ملك يقال له «عمليق» «١» ظلوم غشوم، وكانت لا تزف جارية إلى زوجها إلّا بدأوه بها،
стр. 231
فافترعها، وردها إلى بعلها، ثم إن رجلاً من جديس تزوج غفيرة بنت غفار، عظيم جديس ورئيسها، فلما أرادوا أن يهدوها إليه، بدأوا بها عمليق فأدخلوها عليه والقيان معها يتغنين ويضربن بالدفوف ويقلن:
ابدي بعمليق ومعه فاركبي ... وبادري الصبح بأمرٍ معجب
فسوف تلقين الذي لم تطلبي ... ولم يكن من دونه من مذهب
فجعلت تقول وهي تزف:
ما أحدٌ أذل من جديس ... أهكذا يفعل بالعروس
يرضى بهذا يا لقومي حر ... من بعد ما أهدى وسيق المهر
لأن يلاقي المرء موت نفسه ... خيرٌ له من فعل ذا بعرسه
فلما دخلت عليه افترعها، ثم خلى سبيلها، فخرجت ووقفت على أخيها الأسود بن غفار، وهو قاعد في نادي قومه، وقد رفعت ثوبها عن عورتها وأنشأت تقول:
أيصلح ما يؤتى إلى فتياتكم ... وأنتم رجالٌ كثرةً عدد الرمل
وترضون هذا يا لقومي لأختكم ... عشية زفت في النساء إلى البعل
فإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه ... فكونوا نساءً في المنازل والحجل
ودونكم طيب النساء وإنما ... خلقتم جميعاً للتزين والكحل
فلو أننا كنا رجالاً وكنتم ... نساءً لكنا لا نقيم على ذحل «١»
فقبحاً لبعلٍ ليس فيه حميةٌ ... ويختال يمشي بيننا مشية الفحل
فموتوا كراما أو أصيبوا عدوكم ... بداهيةٍ توري ضراماً من الجزل
وإلا فخلوا داركم وترحلوا ... إلى بلدٍ قفرٍ خلاءٍ من الأهل
ولا تخرجوا للحرب يا قوم إنها ... تقوم بأقوامٍ شدادٍ على رجل
فيهلك فيها كل وغدٍ مواكلٍ ... ويسلم فيها ذو الطعان وذو القتل
стр. 232
فلما سمعت جديس شعرها، أنفت أنفاً شديداً، وأخذتهم الحمية، فتآمروا بينهم وعزموا على اغتيال الملك، وجنوده فقالوا: «إن نحن بادهناهم بالحرب لم نقو عليهم لكثرة جندهم وأنصارهم» ، فاتفقوا على ذلك، ثم إن الأسود أتى الملك فقال: «إني أحب أن تجعل غداءك عندي أنت وجنودك» ، فقال عمليق: «إن عدد القوم كثير، وأحسب أن البيوت لا تسعهم» ، فقال الأسود: «فنخرج لهم الطعام إلى بطن الوادي» ، فقال لقومه: «إذا اشتغل القوم بالأكل فسلوا سيوفكم، واعملوا على أن تحملو حملة رجل واحد واقتلوهم عن آخرهم» ، وهيأ الأسود ما احتاج إليه من الطعام، وجاء الملك، فلما أكب القوم على الأكل، بادرت جديس إلى سيوفهم، ثم حملت على الملك وعلى جنوده والأسود يرتجز ويقول:
يا صبحةً يا صبحة العروس ... حتى تمشت بدمٍ جميس
يا طسم ما لقيت من جديس ... هلكت يا طسم فهيسي هيسي
فقتلوه وجنوده جميعاً.
ومثله الفطيون «١» ملك تهامة والحجاز، فإنه سلك مسلك عمليق في ملك طسم وجديس في أمر الناس، فأمر أن لا تزف من اليهود في مملكته امرأة إلّا بدأوه بها، فلبث على ذلك عدة أحوال حتى زوجت امرأة من اليهود من ابن عم لها، وكانت ذات جمال رائع، وكانت أخت مالك بن عجلان من الرضاعة، فلما أراد أن يهدوها إلى زوجها، خرجت إلى نادي الأوس والخزرج، رافعة ثوبها إلى سرتها، فقام إليها مالك بن العجلان فقال:
«ويحك وما دهاك» ؟ فقالت: «وما يكون من الداهية أعظم من أن ينطلق بي إلى غير بعلي بعد ساعة» ؟ فأنف من ذلك أنفاً شديداً، فدعا ببزة امرأة فلبسها، فلما انطلقوا بالمرأة إلى الفطيون صار كواحدة من نسائها اللواتي ينطلقن بها متشبها بامرأة، وقد أعد سكيناً في خفه، فلما دخلت المرأة على
стр. 233
الفطيون، مال مالك إلى خزانة في ذلك البيت، فدخلها، فلما خرج النساء ودخلت المرأة قام إليها ليفترعها، فخرج إليه مالك بالسكين فوجأه فقتله، ثم قال لليهود: «دونكم جنوده فاقتلوهم» . فاجتمعت عليهم فقتلوهم عن آخرهم.
ومنه أخبار وأمثال: ذكروا أن أول من قال العجب كل العجب بين جمادى ورجب عاصم بن المقشعر الضبي، وذلك أن الخنيفس بن خشرم كان أغير أهل زمانه وأشجعهم، وكان لعاصم أخ يقال له عبيدة، عزيز في قومه، فهوي امرأة كانت تأتي الخنيفس، فبلغ الخنيفس ذلك، فتواعده عبيدة وركب الخنيفس فرسه وأخذ رمحه وانطلق يتربص عبيدة، حتى وقف على ممره فأقبل عبيدة وقد قضى من المرأة وطراً، وهو يقول:
ألا إن الخنيفس فاعلموه ... كما سماه والده لعين
بهيم اللون محتقرٌ ضئيلٌ ... لئيماتٌ خلائقه ضنين
أيوعدني الخنيفس من بعيدٍ ... ولما يلق مأبضه الوتين
لهوت بجارتيه وحاد عني ... ويزعم أنه أنفٌ شفون
فعارضه الخنيفس وهو يقول:
أيا أبن المقشعر لقيت ليثاً ... له في جوف أيكته عرين
تقول له صددت حذار حينٍ ... وأنك نشو أبطالٍ مبين
وأنك قد لهوت بجارتينا ... فهاك عبيد لاقاك القرين
ستعلم أينا أحمى ذماراً ... إذا قصرت شمالك واليمين
لهوت بها لقد أبدلت قبراً ... وباكيةً عليك لها رنين
فقال عبيدة: «أذكرك الله وحرمة خشرم» ، فقال: «والله لأقتلنك» ، فقتله، فلما بلغ أخاه عاصماً، خرج إليه، ولبس أطماراً، وركب فرسه، وكان في آخر يوم من جمادى، فأقبل يبادر دخول رجب، لأنهم كانوا لا يقتلون في رجب أحداً، فانطلق حتى وقف بباب خنيفس ليلا، وقال:
стр. 234
«أجب المرهوق» ، قال: «وما ذاك» ؟ قال: «العجب كل العجب بين جمادى ورجب، وإني رجل من ضبة غصب أخ لي امرأة فخرج يستنقذها، فقتل، وقد عجزت عن قاتله» ، فخرج الخنيفس مغضباً، وأخذ رمحه، وركب معه، فلما نحا به عن قومه، دنا منه، فقنعه بالسيف، فأبان رأسه.
ويقال أن أول من قال: «سبق السيف العذل» ضمضم ابن عمرو اللخمي، كان يهوى امرأة فطلبها بكل حيلة، فأبت عليه، وطلبها عزيز بن عبيد بن ضمضمة، فأتته وتأبت على ضمضم، وكان ضمضم من أشد قومه بأساً، فاغتاظ لذلك ليلة، وهو متقلد سيفه حتى صار بمكان يراهما إذا اجتمعا ولا يريانه، فلما نام الناس، وطال هدو ضمضم إذ العزيز قد أقبل على فرسه، وهو يقول:
أمام توليني وتأبى بنفسها ... على ضمضم تعساً ورغماً لضمضم
وضمضم يسمع، فنزل وربط فرسه، ومشى إلى ناحية خبائها، فصدح صدوح الهام، وكان آية ما بينهما، فخرجت إليه، فعانقها وضمضم ينظر ثم واقعها، فلما رآها مشى إليهما بالسيف وهو يقول:
ستعلم أني لست أعشق مبغضاً ... فكان بنا عنها وعنك عزاء
وقتله، فعلم القوم بضمضم فأخذوه. فلما أصبح، أبرز إلى النادي ليقتل، فجعلوا يلومونه على قتله ابن عمه فقال: «سبق السيف العذل» .
ويقال أن أول من قال: «خير قليل وفضحت نفسي» فائرة امرأة مرة الأسدي، وكانت من أكمل النساء في زمانها، وكان زوجها غاب عنها أعواماً، فهويت عبداً له حبشياً يرعى إبلها، فأمرته أن يحضر مضجعها، وكان زوجها منصرفاً قد نزل تلك الليلة منها على مسيرة يوم، فبينا هو يطعم ومعه أصحابه، إذ نعق غراب، فأخبره أن امرأته لم تعهر قط، ولا تعهر إلا تلك الليلة، فركب فرسه ومر مسرعاً، وهو يرجو إن هو منعها تلك الليلة أمنها فيما بقي، فانتهى إليها حين قام العبد عنها، وندمت وهي تقول: «خير قليل وفضحت نفسي» ، فسمعها زوجها وهو يرعد لما به من الغيظ، فقالت له:
стр. 235
«ما يرعدك» ، فقال يعلمها أنه قد علم: «خير قليل وفضحت نفسي» ، فشهقت شهقة خرت ميتة، فقتل زوجها العبد، وجعل يقول:
لعمرك ما تعتادني منك لوعةٌ ... ولا أنا من وجدٍ بذكراك أسهد
قيل: وكانت هند بنت عتبة تحت الفاكه بن المغيرة المخزومي، وكان الفاكه من فتيان قريش، وكان له بيت ضيافة يغشاه الناس من غير إذن، فخلا ذلك البيت يوماً، فضجع الفاكه، وهند فيه، فخرج الفاكه لبعض حوائجه، وأقبل رجل ممن كان يغشى ذلك البيت فولجه، فلما رأى المرأة ولى هارباً، فرآه الفاكه وهو خارج من البيت، فأقبل إلى هند فضربها برجله، وقال:
«من هذا الرجل الذي خرج من عندك» ؟ قالت: «ما رأيت أحداً ولا انتبهت حتى نبهتني» فقال لها: «الحقي بأهلك» ، فتكلم الناس فيها، فقال لها أبوها: «يا بنية إن الناس قد أكثروا فيك فاصدقيني، فإن كان الرجل في قوله صادقاً، سببت له من يقتله فتنقطع عنك القالة، وإن كان كاذباً حاكمته إلى بعض كهان اليمن» ، فحلفت له بما يحلفون به في الجاهلية إنه لكاذب، فقال عتبة للفاكه: «يا هذا إنك قد رميت ابنتي بأمر عظيم فحاكمني إلى بعض كهان اليمن» ، فخرج عتبة في جماعة من بني عبد مناف، وخرج فاكه في جماعة من بني مخزوم. وأخرجوا معهم هنداً ونسوة معها، فلما شارفوا البلاد قالوا: «غداً نرد على الكاهن» فتغير لون هند، فقال لها أبوها: «إني أرى ما بك، فهلا كان هذا قبل خروجنا» ، قالت: لا والله يا أبتاه ما ذلك لمكروه، ولكن سنأتي بشرا يخطىء ويصيب فلا نأمن أن يسومني مما يكون فيه سبة على باقي عمري» ، قال: «إني سوف أختبره قبل أن ينظر في أمرك، فأخذ حبة من حنطة، فأدخلها في إحليل فرسه، وأوكى عليها بسير، فلما دخلوا على الكاهن قال له عتبة: «ما كان مني في طريقي» ؟ قال:
«ثمرة في كمرة» ، قال: «احتاج إلى أبين من هذا» ، قال: «حبة في إحليل مهر» ، قال: «صدقت، فما بال هؤلاء النسوة» ؟ فجعل يدنو من إحداهن فيضرب بمنكبها، حتى أتى إلى هند فضرب بمنكبها، وقال:
«انهضي غير رسحاء، ولا فاحشة، ولتلدين ملكاً يقال له معاوية» ، فوثب
стр. 236
إليها الفاكه، فأخذ بيدها، فنزعت يدها من يده، وقالت: «إليك عني! والله لأجهدن أن يكون ذلك من غيرك» . فتزوجها أبو سفيان بن حرب فجاءت بمعاوية.
قيل: وكان عمر بن الخطاب ﵁ يعس بنفسه، فسمع امرأة تقول:
ألا سبيل خمرٍ فأشربها ... أم هل سبيلٌ إلى نصر بن حجاج
إلى فتى ماجد الأخلاق ذي كرمٍ ... سهل المحيا كريمٍ غير ملجاج
فقال عمر: «أما ما دام عمر إماماً فلا» ، فلما أصبح قال: «علي بنصر بن الحجاج» ، فأتي به، فإذا هو رجل جميل، فقال: «اخرج من المدينة» قال: «ولم وما ذنبي» ؟ قال: «اخرج فو الله ما تساكنني» ، فخرج حتى أتى البصرة وكتب إلى عمر ﵁:
لعمري لئن سيرتني وحرمتني ... ولم آت اثما إنّ ذا لحرام
وما لي ذنبٌ غير ظنٍ ظننته ... وبعض تصاديق الظنون إثام
وإن غنت الذلفاء يوماً بمنيةٍ ... فبعض أماني النساء غرام «١»
فظن بي الظن الذي لو أتيته ... لما كان لي في الصالحين مقام
ويمنعها مما تمنت حفيظتي ... وآباء صدقٍ سالفون كرام
ويمنعها مما تمنت صلاتها ... وبيتٌ لها في قومها وصيام
فهذان حالانا فهل أنت مرجعي ... فقد جب مني غاربٌ وسنام
قال: فرده عمر بعد ذلك لما وصف من عفته. ويروى أيضاً أن عمر بن الخطاب، ﵁، كان يعس بالمدينة ذات ليلة، إذا سمع امرأة تهتف وتقول:
تطاول هذا الليل واسود جانبه ... وأرقني إذ لا خليل ألاعبه
стр. 237
فو الله لولا الله لا رب غيره ... لزعزع من هذا السرير جوانبه
ولكن ربي والحياء يكفني ... وأكرم بعلي إن توطأ مراكبه
قال: فرجع عمر إلى منزله، فسأل عن المرأة، فإذا زوجها غائب، فسأل ابنته حفصة: «كم تصبر المرأة عن الرجل» ؟ فسكتت، واستحيت، وأطرقت فقال: «أربعة أشهر، خمسة أشهر، ستة أشهر» ؟ فرفعت طرفها تعلم أنها لا تصبر أكثر من ستة أشهر، فكتب إلى صاحب الجيش أن يقفل من الغزو الرجل إذا أتت ستة أشهر إلى أهاليهم.
وغزا من الأنصار وله جار يهودي، فأتى امرأته، واستلقى ذات ليلة على ظهره، وأنشأ يقول:
وأشعث غره الإسلام مني ... خلوت بعرسه ليل التمام
أبيت على ترائبها ويضحي ... على جرداء لاحقة الحزام
فسمع ذلك جار له، فضربه بالسيف حتى قطعه، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب ﵁ فقال: «أنشد الله رجلاً كان عنده من هذا علم إلا قام» . فقام الرجل فحدثه، فقال: «أحسنت أحسنت» ، وتمام الأبيات:
كأن مجامع الزبلات منها ... فئامٌ قد جمعن إلى فئام
ومنه أخبار العرب، قيل: لما خرج امرؤ القيس بن حجر إلى قيصر ملك الروم ليسأله النصرة على بني أسد لقتلهم أباه حجر بن الحارث راسل بنت قيصر، وأراد أن يختدعها عن نفسها، وبلغ ذلك قيصر، وأراد أن يقتله، فتذمم من ذلك، وأمر بقميص فغمس في السم، وقال لامريء القيس: «البس هذا القميص فإني أحببت أن أوثرك به على نفسي لحسنه وبهائه» ، فعمل السم، في جسمه، وكثرت فيه القروح، فمات منها، فسمي ذا القروح، وقد كان قيل لقيصر قبل ذلك أنه هجاه فعندها يقول:
ظلمت له نفسي بأن جئت راغباً ... إليه وقد سيرت فيه القوافيا
فإن أك مظلوماً فقدماً ظلمته ... وبالصاع يجزي مثل ما قد جزاينا
стр. 238
قيل: «وكان النابغة يشبب بالمتجردة امرأة النعمان بن المنذر» ، وكانت أكمل أهل عصرها جمالاً، فبلغ ذلك النعمان، فهم بقتل النابغة فهرب منه، وسار حتى أتى الشام، والملك بها جبلة بن الأيهم الغساني، فنزل عليه وأقام عنده، وكتب إلى النعمان:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبةً ... وليس وراء الله للمرء مذهب
لئن كنت قد بلغت عني خيانة ... لمبلغك الواشي أغش وأكذب
قيل: وكانت امرأة شداد أبي عنترة ذكرت له أن عنترة أرادها عن نفسها، فأخذه أبوه فضربه ضرب التلف، فقامت المرأة فألقت نفسها عليه لما رأت ما به من الجراحات، وبكته، وكان اسمها سمية، فقال عنترة:
أمن سمية دمع العين مذروف ... لو كان ذا منك قبل اليوم معروف
كأنها يوم صدت ما تكلمنا ... ظبيٌ بعسفان ساجي العين مطروف
قامت تجللني لما هوى قبلي ... كأنها صنمٌ يعتاد معكوف
المال مالكم والعبد عبدكم ... فهل عذابك عني اليوم مصروف
قيل: ولما أنشد عبد الحسحاس عمر بن الخطاب، ﵁، قصيدته التي يقول فيها:
توسدني كفاً وتمضي بمعصمٍ ... علي وتنحو رجلها من ورائيا
فما زال بردي طيباً من ثيابها ... إلى الحول حتى أنهج البرد باليا
وهبت لنا ريح الشمال بقوةٍ ... ولا برد إلا درعها وردائيا
أميل بها ميل الرديف وأتقي ... بها الريح والشفان من عن شماليا
رأت قتباً رثاً وأخلاق شملةٍ ... وأسود مما يلبس الناس عاريا
تجمعن شتى من ثلاثٍ وأربع ... وواحدةٍ حتى كملن ثمانيا
سليمى وسلمى والرباب وتربها ... وأروى وريا والمنى وقطاميا
وأقبلن من أقصى البلاد يعدنني ... ألا إنما بعض العوائد دائيا
стр. 239
قال عمر ﵁: «أنت مقتول» ، فلما قال:
ولقد تحدر من كريمة معشرٍ ... عرقٌ على متن الفراش وطيب
وجدوه شارباً ثملاً، فعرضوا عليه نسوة حتى مرت به التي يطلبونها، فأهوى إليها، فقتلوه.
حكى عن سليمان بن عبد الملك أنه كان في بعض أسفاره، فسمر معه قوم، فلما تفرقوا عنه، دعا بوضوء، فجاءت به جارية، فبينا هي تصب الماء على يده، إذ استمدها، وأشار إليها مرتين أو ثلاثاً فلم تصب عليه، فأنكر ذلك، ورفع رأسه، فإذا هي مصغية بسمعها، مائلة بجسدها إلى صوت غناء من ناحية العسكر، فأمرها فتنحت، فسمع الصوت فإذا رجل يغني، فأنصت له حتى فهم ما غنى، فدعا بجارية غيرها فتوضأ، فلما أصبح، أذن الناس، فأجرى ذكر الغناء، فلم يزل يخوض فيه حتى ظن القوم أنه يشتهيه؛ فأفاضوا فيه وذكروا ما جاء في الغناء، والتسهيل لمن سمعه، وذكروا من كان يسمعه من سروات الناس، فقال: «هل بقي أحد يسمع منه» ؟ فقال رجل من القوم: «عندي رجلان من أهل الأبلة محكمان» ، قال: «فأين منزلك من العسكر» ؟ فأومأ إلى ناحية الغناء، فقال سليمان: «ابعث إليهما» ، ففعل، فوجد الرسول أحدهما وأقبل به، وكان اسمه سمير، فسأله عن الغناء، وكيف هو فيه، قال: «محكم» ، قال: «متى عهدك به» ؟
قال: «البارحة» ، قال: «وفي أي النواحي كنت» ؟ فذكر الناحية التي سمع منها الصوت قال: «وما اسم صاحبك» ؟ قال: «سنان» .
قال: فأقبل سليمان على القوم فقال: «هدر الفحل فضبعت الناقة، ونب التيس فشكرت الشاة، وهدل الحمام فزافت الحمامة، وغنى الرجل فطربت المرأة» ، ثم أمر به فخصي، وسأل عن الغناء أين أصله؟ قالوا:
«بالمدينة وهم المخنثون» ، فكتب إلى عامله أن أخص من قبلك من المخنثين.
وحدث الأصمعي أن الشعر الذي سمعه سليمان يتغنى به هو:
стр. 240
محجوبة سمعت صوتي فأرّقها ... من آخر اليّل لما بلها السحر
تدني على الخد منها من معصفرةٍ ... والحلي باد على لباتها خصر
في ليلة البدر ما يدري مضاجعها ... أوجهها عنده أبهى أم القمر
لم يمنع الصوت أبوابٌ ولا حرسٌ ... فدمعها لطروق اللحن ينحدر
لو تستطيع مشت نحوي على قدمٍ ... تكاد من رقةٍ للمشي تنفطر
ثم دخل سليمان مضرب الخدم، فوجد جارية على هذه الصفة، قاعدة تبكي، فوجه إلى سنان فأحضره، ووجهت الجارية رسولاً إلى سنان يحذره، وجعلت للرسول عشرة آلاف درهم إن سبق رسول سليمان، فلما حضر أنشأ يقول:
استبقني إلى الصباح أعتذر ... إن لساني بالشراب منكسر
فأرسل المعروف في قومٍ نكر
فأمر به فخصي، وكان بعد ذلك يمسى الخصي.
وعن علي بن يقطين، قال: كنت عند موسى الهادي، ذات ليلة، مع جماعة من أصحابه، إذ أتاه خادم فساره بشيء، فنهض سريعاً فقال: «لا تبرحوا» ؛ فمضى فأبطأ، ثم جاء وهو يتنفس ساعة، حتى استراح ومعه خادم يحمل طبقاً مغطى بمنديل، فقام بين يده، فأقبل يرعد، وعجبنا من ذلك، ثم جلس، وقال للخادم: «ضع ما معك» فوضع الطبق، وقال: «ارفع المنديل» فرفعه فإذا على الطبق رأسا جاريتين لم أر، والله، أحسن من وجهيهما قط، ولا من شعورهما، فإذا على رأسيهما الجوهر منظوم على الشعر، وإذا رائحة طيبة تفوح فأعظمنا ذلك، فقال: «أتدرون ما شأنهما» ؟
قلنا: «لا» قال: «بلغني إنهما تحابا، فوكلت هذا الخادم بهما لينهي إلي أخبارهما، فجاءني وأخبرني إنهما قد اجتمعا، فجئت فوجدتهما كذلك في لحاف، فقتلتهما» ثم قال: «يا غلام! ارفع» ورجع في حديثه، كأنه لم يصنع شيئاً.
وحدثنا إبراهيم بن إسماعيل عن ابن القداح، قال: كانت للربيع جارية
стр. 241
يقال لها «أمة العزيز» ، فأهداها للمهدي، فلما رأى حسنها وجمالها وهيئتها قال: «هذه لموسى أصلح» ، فوهبها له، فكانت أحب الخلق إليه، وولدت له بنيه الأكابر. ثم إن بعض أعداء الربيع قال لموسى إنه سمع الربيع يقول:
«ما وضعت بيني وبين الأرض مثل أمة العزيز» فغار موسى، فدعا الربيع، فتغدى معه، وناوله كأساً فيه شراب؛ فقال الربيع: «فعلمت أن نفسي فيها وإني أن رددته من يدي ضرب عنقي، فشربتها وانصرفت» ، فجمع ولده وقال: «إني ميت» ، فقال الفضل ابنه: «ولم تقول ذلك، جعلت فداك» ؟
قال: «إن موسى سقاني شربة فأنا أجد عملها في بدني» ، ثم أوصى بماله ومات في يومه.
قيل: وطرب الرشيد إلى الغناء متنكراً، ومعه خادمه مسرور، حتى انتهى إلى باب إسحق بن إبراهيم الموصلي «١» ، فقال: «يا مسرور! اقرع الباب» ، فخرج إسحق، فلما رأى الرشيد انكب على رجله، فقبلها، ثم قال: «إن رأى أمير المؤمنين أن يدخل منزل عبده» ، فنزل الرشيد. فدخل فرأى أثر الدعوة، فقال: «يا إسحق إني أرى موضع الشرب من كان عندك» ؟ قال: «ما كان عندي يا أمير المؤمنين سوى جاريتي كنت أطارحهما» ، قال: «فهما حاضرتان» ؟ قال: «نعم» ، قال:
«فأحضرهما» ، فدعا الجاريتين، فخرجتا، مع إحداهما عود، حتى جلستا، فأمر الرشيد صاحبة العود أن تغني فغنت:
بني الحب على الجور فلو ... أنصف المعشوق فيه لسمج
ليس يستحسن في وصف الهوى ... عاشقٌ يكثر تأليف الحجج
فقليل الحب صرفاً خالصاً ... هو خيرٌ من كثيرٍ قد مزج
فقال الرشيد: «يا إسحق لمن الشعر والغناء فيه» ؟ قال: «لا علم لي
стр. 242
به يا أمير المؤمنين» ، فنكس رأسه ساعة، ينكث في الأرض، ثم رفع رأسه، وأخذ العود من حجر هذه فوضعه في حجر الأخرى، ثم قال لها:
«غني» ، فغنت:
إن يمس حبلك بعد طول تواصلٍ ... خلقاً، وأصبح بيتكم مهجوراً
فلقد أراني والجديد إلى بلىً ... زمنا بوصلك راضياً مسروراً
كنت الهوى وأعز من وطيء الحصى ... عندي وكنت بذاك منك جديراً
فقال: «يا إسحق لمن الشعر والغناء فيه» ؟ قال: «لا علم لي يا سيدي» ، فرد المسألة على الجارية، فقالت: «لستي» ، قال: «ومن ستك» ؟ قالت: «علية، أخت أمير المؤمنين» ، فنكس رأسه ساعة، ثم وثب وقال لمسرور خادمه: «امض بنا إلى منزل علية» ، فلما وقف بالباب، قال: «استأذن يا مسرور» ، فخرجت جارية، فلما رأت الخليفة، رجعت تبادر تعلم ستها، فخرجت تستقبله وتفديه فقال: «يا علية هل عندك ما نأكل» ؟ قالت: «نعم يا سيدي» ، قال: «وما نشرب» ؟ قالت:
«نعم» ، فدخل وجلس، فقدمت إليه الطعام، فأكل حاراً، وبارداً، ورطباً، ويابساً، ثم رفع الطعام، ووضع الشراب والطيب وأنواع الرياحين، ودعت جواريها وكان عندها ثلاثون جارية يغنين، فألبستهن أنواع الثياب، وصفتهن في الإيوان، وتناول الرشيد الشراب، فأمر الجواري أن يغنين، ثم سقى أخته حتى أخذ الشراب منها، واحمرت وجنتاها، وفترت أجفانها، وكانت من أجمل النساء. فضرب الرشيد إلى حجر بعض الجواري في أخذ العود وقال: يا علية بحياتي غني:
بني الحب على الجور فلو
فعلمت إنها داهية، فبكت، فصاح الرشيد، فخرج الجواري وبقي هو وهي، فدفعها وأخذ وسادة فجعلها على وجهها، وجلس عليها فاضطربت اضطرابا شديداً، ثم بردت فنحى الوسادة عنها، وقد قضت نحبها، فخرج وقال للخادم: «إذا كان غداً فادخل وعزني» ، وركب متوجهاً إلى قصره، فلما كان الغد، عزاه مسرور فبكى، فقال:
стр. 243
قبرٌ عزيزٌ علينا ... لو أن من فيه يفدى
أسكنت قرة عيني ... ومهجة النفس لحدا
ما إن أرى لي عليها ... من التوجع بدا
ومنه ما حكي عن البهائم: قال شيخ من بني قشير: كنا في نتاج، فامتنع فرس من حجرة، فشددنا عينه، فنزا عليها، فلما فرغ فتحنا العصلة فرأى الحجرة وكانت أمه، فعمد إلى ذكره بأسنانه فقطعه.
ومنه في خفة الغيرة، قال سليمان بن داود الهاشمي لابنه: «لا تكثر الغيرة على أهلك فترمى بالشر من أجلك، وإن كانت برئية، ولا تكثر الضحك، فيستخفك فؤاد الرجل الحليم، وعليك بخشية الله، فإنها غلبت كل شيء» .
وقال عبد الله بن جعفر لابنته: «إياك والغيرة، فإنها مفتاح الطلاق، وإياك وكثرة العتب، فإنه يورث البغضاء، وعليك بالكحل فإنه أزين الزينة، وأطيب الطيب الماء» .
قيل: وكان كسرى أبرويز يتعشق امرأة رجل كان من مرازبته، يقال له البارجان، وكانت تأتيه سراً، فبلغ زوجها ذلك فأمسك عن امرأته، واجتنبها، ودخل إلى كسرى ذات يوم، فقال كسرى: «بلغني أن لك عين ماء عذبة، وأنك قد اجتنبتها فلا تقربها» ، ففطن، فقال له: «أيها الملك بلغني أن الأسد ينتاب تلك العين، فاجتنبها خوفاً منه» ، فأعجب كسرى بمقالته وأمر أن يتخذ له تاج لا قيمة له، ثم دخل كسرى دار نسائه فقاسمهن نصف حليهن، فاجتمع من الجوهر ما لا يحصى فبعث به إلى امرأة البارجان بالقادسية، ووقع ذلك الجوهر إلى السائب بن الأقرع، وكان على المقسم، فباعه وجعل للمسلمين بكتاب عمر بن الخطاب ﵁.
وقال بعضهم: «كنت أغار على امرأتي فأشرفت علي يوماً وأنا مع جارية لي، فلقيت منها أذى حتى حلفت أن أبيع الجارية، فخرجت أريد شراء حوائج لي ومعي الجارية، فأتيت دكان خلّال أشري الخل، فوجدته خالياً
стр. 244
فقلت له: «يا هذا تأذن لي في ملامسة جاريتي هذه في دكانك فإني أريد بيعها» .
قال: «نعم! جعلت فداك ادخل حيث شئت» ، فأصبت منه الجارية، فلما خرجت إذا الخلال قد كمن ناحية وهو في قميص قد أنعظ «١» فقال:
«فرغت» ، قلت: «نعم» ، قال: «بسم الله، أتأذن لي جعلت فداك» ، قلت: «ويلك ما تريد» ! قال: «أقضي وطري منها» ، قلت: «يابن الفاعلة حرمتي» ، قال: «لا يضرك شيئاً، فإني أسرع» ، ثم وثب كأنه السبع، فضاربته حتى تخلصت الجارية بعد كل جهد.
قال: ودخل رجل من بني زهرة من أهل المدينة على قينة، فسمع غناءها عند مولاها، فخرج مولاها في حاجة ثم رجع، فإذا جاريته على بطن الزهري، فقامت مذعورة، فقعدت تبكي، فقال: «ما يبكيك» ؟ قالت:
«لأنك لا تقبل لأجله عذراً» ، قال: «يا زانية لو رأيتك على قفاك لقلت:
صريع مغلوب، ولو رأيتك على وجهك لقلت: وعاء مكبوب، إنما رأيتك فارساً مصلوباً» .
وحكي عن ثمامة إنه قال للمهدي: إن النساء شققن شقاً، وإن هشيمة نقبت نقباً» ، وكانت هشيمة امرأة ثمامة، فسأله المهدي أن ينزل عنها ففعل، وأقام المهدي حتى انقضت عدتها ثم تزوجها، وبنى بها ثم طلقها، وخرج إلى بيت المقدس، فلما انقضت عدتها راجعها زوجها.
وقال أبو طاهر أنشدني بعض الشعراء يهجو بني القعقاع:
بني القعقاع أكرمكم لئيمٌ ... وأعظم مجدكم ركبٌ حليق
وأنتم في نسائكم اتساعٌ ... وفي أخلاقكم نكدٌ وضيق
وعن عبد الله بن ياسين قال: كان في المهدي غزل، وشدة حب للخلوة بالنساء، فبلغه عن ابنة لأبي عبيد الله كاتبه، جمال، فقال
стр. 245
للخيزران «١» : «استزيريها» ، فزارتها، وجاءت إليها، فقالت لها: «هل لك في الحمام» ؟ قالت: «نعم» ، فلما دخلت الحمام، وافاها المهدي، فبرزت له، ولم تستتر عنه، فقال لها المهدي: «إنا وليك فزوجيني نفسك» ، فقالت «أنا أمتك» ، فتزوجها ونال منها، فلما انصرفت أخبرت أخوتها بما كان، فقالوا: «أمسكي عنه» ، فلما كان بعد مدة، قالوا لها:
«استزيري الخيزران» ، فاستزارتها، فلما صارت إليها قالت: «هل لك في الحمام» ؟ قالت: «نعم» ، فلما دخلتا معاً ما شعرت الخيزران إلا ببني أبي عبيد الله قد عمدوا عليها فاستترت عنهم، فقالوا: «لو أردنا أن نفعل كما فعلتم بحرمتنا لفعلنا، ولكنا لا نستحل» ، فقالت لهم: «والله لو رمتم ذلك لأمرت الخدم بقتلكم» ، فانصرفوا، فلما رجعت الخيزران، أخبرت المهدي بذلك، فكان السبب في قتل المهدي محمد بن أبي عبيد على الزندقة.
وبلغه أيضاً عن عونة بنت أبي عون، جمال وهيئة، فقال للخيزران:
«استزيريها» فاستزارتها، فقالت لها الخيزران: «هل لك في الحمام» ؟
قالت: «نعم» ، فلما دخلتا ما شعرت إلا بالمهدي قد وافاها، فاستترت بالخيزران وقالت: والله لئن دنوت مني لأضربن بالكرنيب وجهك» ، فقال:
«ويلك إنما أردت أن أتزوجك» ، قالت: «لا سبيل إلى ذلك» ، فانصرف عنها، فأخبرت أباها، فقال: «لا حسنت في فعلك» .
стр. 246
محاسن القيادة
قال الحسن الجرجاني: حدثني سهم بن عبد الحميد الحنفي قال:
خرجت من الكوفة أريد بغداد، فلما نزلت، بسط غلماننا وهيأوا غداءنا، فإذا نحن برجل حسن الوجه والهيئة، على برذون فاره، فصحت بالغلمان فأخذوا دابته، فدعوت بالغداء، فبسط يده غير محتشم، وما أكرمته بشيء إلا قبله، وكنا كذلك إذ جاء غلمانه بثقل كثير، وهيئة جميلة، فتناسبنا فإذا هو طريح بن إسماعيل الثقفي، فارتحلنا في قافلة منا لا يدرك طرفاها، فقال طريح:
«ما حاجتنا إلى هذا الزحام، وليست بنا إليهم وحشة، ولا علينا خوف، فإذا خلونا بالخانات والطرق كان أروح لأبداننا» ، قلت: «ذلك إليك» ، فنزلنا من الغد الخان، وتغدينا وإلى جانبنا نهر ظليل بالشجر، فقال: «هل لك أن تستنقع فيه» ؟ فمررنا إليه، فلما نزع ثيابه إذا بين جنبيه آثار ضرب كثير، فوقع في نفسي منه شر، فنظر إلي ففطن وتبسم، وقال: «قد رأينا ذعرك بما ترى، وحديث ذلك يجري إذا سرنا بالعشية» فلما سرنا قلت له:
«الحديث» قال: «نعم، قدمت من عند الوليد بن يزيد بالغناء واليسار، وكتب إلى يوسف بن عمر، فلما أتيته ملأ يدي خيراً، فخرجت مبادرا إلى الطائف، فلما امتد بي الطريق وليس يصحبني فيه أحد، عن لي إعرابي على قعود له، فحدث أحسن الحديث، وروى الشعر، فإذا هو راوية، فأنشد فإذا هو شاعر، فقلت: «من أين أقبلت» ؟ قال: «لا أدري» ، قلت: «وما القصة» ؟ قال: «أنا عاشق لامرأة قد أفسدت علي عيشي، وقد حذرني أهلها، وجفاني لها أهلي، وإنما أستريح بأن أنحدر إلى الطريق مع منحدر، وأصعد مع مصعد» ، قلت: «فأين هي» ؟ قال: «تنزل غداً بازائها» ،
стр. 247
فلما نزلنا أراني طريقاً عن يسار الطريق، فقال: «ترى ذلك الطريق» ؟
فقلت: «أراه» ، قال: «فترى الخيم التي هناك» ؟ قلت: «نعم» ! قال:
«فإنها في الخيمة الحمراء» ، فأدركتني أريحية الحدث، فقلت: «والله إني آتيها برسالتك» ، فمضيت حتى انتهيت إلى الخيم، فإذا امرأة ظريفة جميلة كأنها مهرة عربية، فذكرته لها، فزفرت زفرة كادت تنتقض أضلاعها، وقالت: «أو حي هو» ! قلت: «نعم، تركته في رحلي وراء هذا الطريق» ! قالت: «بأبي أنت وأمي، أرى لك وجهاً حسناً يدل على الخير، فهل لك في أمر» ؟ قلت: «فقير إليه» ! قالت: «البس ثيابي، فأقم مكاني، ودعني حتى آتيه وذلك عند مغيربان الشمس، فإنك إذا أظلم الليل أتاك زوجي» ، فقال لك: «يا فاجرة، ويا هنة ابنة الهنة» ، فيوسعك شتماً فأوسعه صمتاً. ثم يقول في آخر كلامه: «اقمعي سقاءك، يا عدوة الله، فضع القمع في هذا السقاء، وإياك وهذا السقاء الآخر فإنه واه» ! قلت:
«نعم» ، فأجبتها إلى ما سألت، فجاء الزوج على ما وصفت، وقال:
«اقمعي سقاءك» فحيرني الله إن تركت الصحيح، وقمعت الواهي، فما شعر إلا باللبن يتسبب بين رجليه، فعدا إلى كسر الخيمة، وحل متاعه، وتناول رشاء من قد مدبوغ ثم ثناه باثنتين، فجعل لا يتقي رأساً ولا وجهاً ولا رجلاً، حتى خشيت أن يبدو له وجهي، فتكون الأخرى، فألزمت وجهي الأرض، فعمل بظهري ما ترى، فلما تغيب عني، جاءت المرأة باكية، فرأت ما بي من الشر، واعتذرت وأخذت ثيابي وانصرفت» .
قال وحدث بهذا الحديث محمد بن صالح بن عبد الله ابن الحسن بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه «بسر من رأى» ، سنة أربعين ومائتين، وكان حمل من البادية إلى المتوكل فأطلقه، وكان إعرابياً فصيحاً، فعجب منه، وكان حسن الوجه نجيباً، قلما رأيت في الفتيان مثله، قال: كان منا فتى يقال له الأشتر بن عبد الله، وكان سيد بني هلال، وأحسنهم وجهاً، وأسخاهم كفاً، وكان معجباً بجارية يقال لها «جيداء» ، بارعة الجمال، فلما اشتهر أمرهما، وظهر خبرهما، وقع الشر بين أهل بيتيهما، حتى قتل بينهما
стр. 248
القتلى، فافترقوا فريقين، فلما طال على الأشتر البلاء، جاءني يوما وقال:
«هل فيك خير» ؟ قلت: «عندي ما أحببت» ، قال: «تساعدني على زيارة جيداء» قلت: «بالحب والكرامة» ، فانهض إذا شئت» .
قال: فركبنا وسرنا يوماً وليلة والغداة حتى المساء، فنظرنا إلى أدني سرب لهم، فأنخنا رواحلنا في شعب وقعدنا هنا، وقال: «يا نمير، اذهب وأنشد واذكر لمن يلقاك إنك طالب ضالة، ولا تعرض بذكرى بشفة ولا لسان، إلى أن تلقى جاريتها فلانة، راعية الضأن، فتقرئها مني السلام، وتسألها عن الخبر، وتعلمها بمكاني» .
قال: فخرجت لا أتعدى ما أمرني به، حتى لقيت الجارية، فأبلغتها الرسالة، وأعلمتها بمكانة وسألتها عن الخبر، فقالت: «هي مشدد عليها، محتفظ بها، وعلى ذلك فموعد كما عند الشجرات اللواتي عند أعقاب البيوت، مع صلاة العشاء» ، فانصرفت فأخبرته، ثم قدنا رواحلنا حتى أتينا الموعد في الوقت الذي وعدتنا فيه، فلم نلبث إلا قليلاً حتى إذا جيداء تمشي، فدنت منا، فوثب إليها الأشتر، فتصافحا وسلم عليها، ووثبت مولياً عنهما فقالا: «أقسمنا عليك إلا رجعت، فو الله ما بيننا من ريبة ولا قبيح نخلو به دونك» ، فانصرفت إليهما، وجلست معهما، فقال الأشتر: «ما فيك حيلة يا جيداء فنتزود منك الليلة» ؟ قالت: «لا، والله، ما إلى ذلك سبيل إلا أن أرجع إلى الذي تعلم من البلاء والشر» ! فقال: «لا بد من ذلك ولو وقعت السماء على الأرض» ، قالت: «فهل بصاحبك خير» ؟ قلت:
«بلى، وهل الخير إلا عندي؟ فاسألي ما بدا لك، فإني منته إليه، ولو كان في ذلك كله ذهاب نفسي» ، فألبستني ثيابها، وأخذت ثيابي ثم قالت:
«اذهب إلى خبائي فادخل في ستري، فإن زوجي يأتيك مع العتمة، فيطلب منك القدح ليحلب فيه، فلا تأخذه منه حتى يطيل عليك نكدك، ثم خذه أو ذره حتى يضعه ثم يستبد بردائه، ولست تراه حتى يصبح» ، فذهبت ففعلت ما أمرتني به حتى جاء بالقدح فيه اللبن فأطلت نكدي عليه، ثم أهويت لآخذه فاختلفت يدي ويده، وانكفأ القدح، فانفق منه اللبن، فقال: «إن هذا
стр. 249
الطماح مفرط» ، وضرب يده إل جانب الخباء فاستخرج سوطاً، فضربني مقدار ثلاثين سوطاً حتى جاءت أمه وأخواته فانتزعوني منه، ولا والله ما فعلوا ذلك حتى زايلتني روحي، وهممت أن أوجره بالسكين، فلما خرجوا عني وهو معهم، قعدت كما كتب الله، فما لبثت إن جاءت أم جيداء، فحدثتني وهي تحسبني ابنتها فألقيتها بالسكوت، وتغطيت بثوبي دونها، فقالت: «يا بنية اتقي الله، ولا تتعرضي للمكروه من زوجك، فذلك أولى بك» ، ثم خرجت من عندي فقالت: «سأرسل إليك أختك تؤنسك وتبيت الليلة عندك، فلم ألبث أن جاءت الجارية تبكي، وتدعو على من ضربني، وأنا لا أكلمها ثم اضطجعت إلى جانبي فلما استمكنت منها، شددت يدي على فمها، وقلت: «يا هذه تلك أختك مع الأشتر، وقد قطع ظهري بسببها، وأنت أولى من ستر عليها فاختاري لنفسك ولها فو الله لئن تكلمت لتكونن فضيحة شاملة» ثم رفعت يدي عن فيها، فاهتزت مثل القصبة من الروع، وباتت معي ونلت منها الشهوة التامة، ورافقتني أصلح رفيق رافقته، ولم أذق شيئاً إلذ مما ذقت منها قط، فلم نزل نتحدث وتضحك مني ومما بليت به، حتى برق النور، وجاءت جيداء فلما رأتنا ارتاعت وقالت: «من هذا عندك» ؟
قلت: «أختك» ، قالت: «وما، السبب» ؟ قلت: «هي تخبرك فإنها عالمة به» وأخذت ثيابي، وأتيت صاحبي فأخبرته بما أصابني، وكشفت له عن ظهري، فإذا فيه ما الله به عليم» ، فقال: «لقد عظمت منتك عندي، ووجب شكرك، وخاطرت بنفسك، فلا حرمني الله مكافأتك» .
وعن رجل من بني عامر أنه خرج وهو غلام ما بقل «١» وجهه، وكان ذا جمال وهيئة، صاحب غزل، فهجم على قوم يتحملون، وقد شدوا أثقالهم وبرزوا، وإذا امرأة جميلة قد تخلفت على جمل لها لإصلاح شأنها، قال:
فوقفت عليها، فإذا هي أحسن خلق الله وجهاً، وأغزله وأملحه، فتلاقينا كلاماً غير كثير، فقالت: «أسألك شيئاً فهل لك به علم» ؟ قلت:
«سلي» ، قالت «أيهما أحسن جردة الرجل أم المرأة» ، قلت: «الرجل» ،
стр. 250
قالت: «بل المرأة، فإن أحببت أن تعلم ذلك علمته» ، قلت: «وكيف أعلمه» ؟ قالت: «أتجرد لك من ثيابي وأرميها عني ثم أمشي حتى أبلغ الأكمة، ثم أقبل حتى آتيك فتعطيني عهد الله وميثاقه لتفعلن كما فعلت» ، فقلت: «لك عهد الله إن فعلت لأفعلنه» ، قال: «فألقت ثيابها عن أحسن ما نظرت إليه قط، بياضاً ونظافة وحسناً، فلما انتهت إلي قالت: «الوفاء» ، قلت: «الوفاء، ونعمة عيني» ، فخلعت ثيابي وأنا كأبهى الفتيان وأهيأهم حتى مضيت بعد الغاية، فلما انتصف بي المدى سمعت خرخرة جملي، فإذا هي قد جالت على ظهره لابسة ثيابي، متنكبة قوسي، قد لزمت المحجة، فناديتها فلم تعرج علي، ولبست ثيابها وتخمرت بخمارها، وركبت بعييرها وزجرته، فانبعث بي أثر الحي وأخذت شق الوحشي، حتى ما أراها وجعلت أكف عن الجمل، إذ خشيت أن الحق الظعن حتى رأوني من بعيد، وجعلوا ينادون: «ويحك أقبلي» ! وأنا صامت لا أتكلم ولا أتقدم، فلما طال عليهم أمري، بعثوا بجارية لهم مولدة، فأقبلت تعدو حتى أتتني ونشطت خطام «١» الجمل من يدي، وأنا متبرقع أحسن الناس وجهاً وعيناً. فنظرت الجارية في وجهي ساعة، ثم قالت: «لقد أمسيت حديدة الطرف» ، وقادت الجمل حتى أتت الحي، فقالت أم الجارية: «يا بنية لقد استحيت من الناس مما دعوتك العشية» ، ثم تأملت ونظرت وسائر النساء. وقالت إحداهن: «والله إنه لرجل فطن» ، وأنزلتني العجوز وأدخلتني الستر؛ وقالت: «من أنت لا أفلحت» ؟ قلت: «بل ابنتك لا أفلحت، ولا أنجحت» ، وقصصت عليها قصتها، فقالت: نشدتك الله ألا أعرتني نفسك هزيعاً من الليل فإنا كنا على أن نبني بابنتي صاحبة الجمل الليلة وما في الحي رجل غير زوجها، وهو إنسان فيه لوثة ولا بد من أن أدخلك عليه فإنك غلام أمرد، فلا ينكرك ولا أراه أقوى منك إن اعتركتما فلك عندي يد بيضاء» .
وأقبلت وأخت لابنتها وخالتها فألبسنني ثوب العروس وطينني، ثم دلفن
следующие страницы →