Полный текст (324 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
محاسن القيادة
قال الحسن الجرجاني: حدثني سهم بن عبد الحميد الحنفي قال:
خرجت من الكوفة أريد بغداد، فلما نزلت، بسط غلماننا وهيأوا غداءنا، فإذا نحن برجل حسن الوجه والهيئة، على برذون فاره، فصحت بالغلمان فأخذوا دابته، فدعوت بالغداء، فبسط يده غير محتشم، وما أكرمته بشيء إلا قبله، وكنا كذلك إذ جاء غلمانه بثقل كثير، وهيئة جميلة، فتناسبنا فإذا هو طريح بن إسماعيل الثقفي، فارتحلنا في قافلة منا لا يدرك طرفاها، فقال طريح:
«ما حاجتنا إلى هذا الزحام، وليست بنا إليهم وحشة، ولا علينا خوف، فإذا خلونا بالخانات والطرق كان أروح لأبداننا» ، قلت: «ذلك إليك» ، فنزلنا من الغد الخان، وتغدينا وإلى جانبنا نهر ظليل بالشجر، فقال: «هل لك أن تستنقع فيه» ؟ فمررنا إليه، فلما نزع ثيابه إذا بين جنبيه آثار ضرب كثير، فوقع في نفسي منه شر، فنظر إلي ففطن وتبسم، وقال: «قد رأينا ذعرك بما ترى، وحديث ذلك يجري إذا سرنا بالعشية» فلما سرنا قلت له:
«الحديث» قال: «نعم، قدمت من عند الوليد بن يزيد بالغناء واليسار، وكتب إلى يوسف بن عمر، فلما أتيته ملأ يدي خيراً، فخرجت مبادرا إلى الطائف، فلما امتد بي الطريق وليس يصحبني فيه أحد، عن لي إعرابي على قعود له، فحدث أحسن الحديث، وروى الشعر، فإذا هو راوية، فأنشد فإذا هو شاعر، فقلت: «من أين أقبلت» ؟ قال: «لا أدري» ، قلت: «وما القصة» ؟ قال: «أنا عاشق لامرأة قد أفسدت علي عيشي، وقد حذرني أهلها، وجفاني لها أهلي، وإنما أستريح بأن أنحدر إلى الطريق مع منحدر، وأصعد مع مصعد» ، قلت: «فأين هي» ؟ قال: «تنزل غداً بازائها» ،
стр. 247
فلما نزلنا أراني طريقاً عن يسار الطريق، فقال: «ترى ذلك الطريق» ؟
فقلت: «أراه» ، قال: «فترى الخيم التي هناك» ؟ قلت: «نعم» ! قال:
«فإنها في الخيمة الحمراء» ، فأدركتني أريحية الحدث، فقلت: «والله إني آتيها برسالتك» ، فمضيت حتى انتهيت إلى الخيم، فإذا امرأة ظريفة جميلة كأنها مهرة عربية، فذكرته لها، فزفرت زفرة كادت تنتقض أضلاعها، وقالت: «أو حي هو» ! قلت: «نعم، تركته في رحلي وراء هذا الطريق» ! قالت: «بأبي أنت وأمي، أرى لك وجهاً حسناً يدل على الخير، فهل لك في أمر» ؟ قلت: «فقير إليه» ! قالت: «البس ثيابي، فأقم مكاني، ودعني حتى آتيه وذلك عند مغيربان الشمس، فإنك إذا أظلم الليل أتاك زوجي» ، فقال لك: «يا فاجرة، ويا هنة ابنة الهنة» ، فيوسعك شتماً فأوسعه صمتاً. ثم يقول في آخر كلامه: «اقمعي سقاءك، يا عدوة الله، فضع القمع في هذا السقاء، وإياك وهذا السقاء الآخر فإنه واه» ! قلت:
«نعم» ، فأجبتها إلى ما سألت، فجاء الزوج على ما وصفت، وقال:
«اقمعي سقاءك» فحيرني الله إن تركت الصحيح، وقمعت الواهي، فما شعر إلا باللبن يتسبب بين رجليه، فعدا إلى كسر الخيمة، وحل متاعه، وتناول رشاء من قد مدبوغ ثم ثناه باثنتين، فجعل لا يتقي رأساً ولا وجهاً ولا رجلاً، حتى خشيت أن يبدو له وجهي، فتكون الأخرى، فألزمت وجهي الأرض، فعمل بظهري ما ترى، فلما تغيب عني، جاءت المرأة باكية، فرأت ما بي من الشر، واعتذرت وأخذت ثيابي وانصرفت» .
قال وحدث بهذا الحديث محمد بن صالح بن عبد الله ابن الحسن بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه «بسر من رأى» ، سنة أربعين ومائتين، وكان حمل من البادية إلى المتوكل فأطلقه، وكان إعرابياً فصيحاً، فعجب منه، وكان حسن الوجه نجيباً، قلما رأيت في الفتيان مثله، قال: كان منا فتى يقال له الأشتر بن عبد الله، وكان سيد بني هلال، وأحسنهم وجهاً، وأسخاهم كفاً، وكان معجباً بجارية يقال لها «جيداء» ، بارعة الجمال، فلما اشتهر أمرهما، وظهر خبرهما، وقع الشر بين أهل بيتيهما، حتى قتل بينهما
стр. 248
القتلى، فافترقوا فريقين، فلما طال على الأشتر البلاء، جاءني يوما وقال:
«هل فيك خير» ؟ قلت: «عندي ما أحببت» ، قال: «تساعدني على زيارة جيداء» قلت: «بالحب والكرامة» ، فانهض إذا شئت» .
قال: فركبنا وسرنا يوماً وليلة والغداة حتى المساء، فنظرنا إلى أدني سرب لهم، فأنخنا رواحلنا في شعب وقعدنا هنا، وقال: «يا نمير، اذهب وأنشد واذكر لمن يلقاك إنك طالب ضالة، ولا تعرض بذكرى بشفة ولا لسان، إلى أن تلقى جاريتها فلانة، راعية الضأن، فتقرئها مني السلام، وتسألها عن الخبر، وتعلمها بمكاني» .
قال: فخرجت لا أتعدى ما أمرني به، حتى لقيت الجارية، فأبلغتها الرسالة، وأعلمتها بمكانة وسألتها عن الخبر، فقالت: «هي مشدد عليها، محتفظ بها، وعلى ذلك فموعد كما عند الشجرات اللواتي عند أعقاب البيوت، مع صلاة العشاء» ، فانصرفت فأخبرته، ثم قدنا رواحلنا حتى أتينا الموعد في الوقت الذي وعدتنا فيه، فلم نلبث إلا قليلاً حتى إذا جيداء تمشي، فدنت منا، فوثب إليها الأشتر، فتصافحا وسلم عليها، ووثبت مولياً عنهما فقالا: «أقسمنا عليك إلا رجعت، فو الله ما بيننا من ريبة ولا قبيح نخلو به دونك» ، فانصرفت إليهما، وجلست معهما، فقال الأشتر: «ما فيك حيلة يا جيداء فنتزود منك الليلة» ؟ قالت: «لا، والله، ما إلى ذلك سبيل إلا أن أرجع إلى الذي تعلم من البلاء والشر» ! فقال: «لا بد من ذلك ولو وقعت السماء على الأرض» ، قالت: «فهل بصاحبك خير» ؟ قلت:
«بلى، وهل الخير إلا عندي؟ فاسألي ما بدا لك، فإني منته إليه، ولو كان في ذلك كله ذهاب نفسي» ، فألبستني ثيابها، وأخذت ثيابي ثم قالت:
«اذهب إلى خبائي فادخل في ستري، فإن زوجي يأتيك مع العتمة، فيطلب منك القدح ليحلب فيه، فلا تأخذه منه حتى يطيل عليك نكدك، ثم خذه أو ذره حتى يضعه ثم يستبد بردائه، ولست تراه حتى يصبح» ، فذهبت ففعلت ما أمرتني به حتى جاء بالقدح فيه اللبن فأطلت نكدي عليه، ثم أهويت لآخذه فاختلفت يدي ويده، وانكفأ القدح، فانفق منه اللبن، فقال: «إن هذا
стр. 249
الطماح مفرط» ، وضرب يده إل جانب الخباء فاستخرج سوطاً، فضربني مقدار ثلاثين سوطاً حتى جاءت أمه وأخواته فانتزعوني منه، ولا والله ما فعلوا ذلك حتى زايلتني روحي، وهممت أن أوجره بالسكين، فلما خرجوا عني وهو معهم، قعدت كما كتب الله، فما لبثت إن جاءت أم جيداء، فحدثتني وهي تحسبني ابنتها فألقيتها بالسكوت، وتغطيت بثوبي دونها، فقالت: «يا بنية اتقي الله، ولا تتعرضي للمكروه من زوجك، فذلك أولى بك» ، ثم خرجت من عندي فقالت: «سأرسل إليك أختك تؤنسك وتبيت الليلة عندك، فلم ألبث أن جاءت الجارية تبكي، وتدعو على من ضربني، وأنا لا أكلمها ثم اضطجعت إلى جانبي فلما استمكنت منها، شددت يدي على فمها، وقلت: «يا هذه تلك أختك مع الأشتر، وقد قطع ظهري بسببها، وأنت أولى من ستر عليها فاختاري لنفسك ولها فو الله لئن تكلمت لتكونن فضيحة شاملة» ثم رفعت يدي عن فيها، فاهتزت مثل القصبة من الروع، وباتت معي ونلت منها الشهوة التامة، ورافقتني أصلح رفيق رافقته، ولم أذق شيئاً إلذ مما ذقت منها قط، فلم نزل نتحدث وتضحك مني ومما بليت به، حتى برق النور، وجاءت جيداء فلما رأتنا ارتاعت وقالت: «من هذا عندك» ؟
قلت: «أختك» ، قالت: «وما، السبب» ؟ قلت: «هي تخبرك فإنها عالمة به» وأخذت ثيابي، وأتيت صاحبي فأخبرته بما أصابني، وكشفت له عن ظهري، فإذا فيه ما الله به عليم» ، فقال: «لقد عظمت منتك عندي، ووجب شكرك، وخاطرت بنفسك، فلا حرمني الله مكافأتك» .
وعن رجل من بني عامر أنه خرج وهو غلام ما بقل «١» وجهه، وكان ذا جمال وهيئة، صاحب غزل، فهجم على قوم يتحملون، وقد شدوا أثقالهم وبرزوا، وإذا امرأة جميلة قد تخلفت على جمل لها لإصلاح شأنها، قال:
فوقفت عليها، فإذا هي أحسن خلق الله وجهاً، وأغزله وأملحه، فتلاقينا كلاماً غير كثير، فقالت: «أسألك شيئاً فهل لك به علم» ؟ قلت:
«سلي» ، قالت «أيهما أحسن جردة الرجل أم المرأة» ، قلت: «الرجل» ،
стр. 250
قالت: «بل المرأة، فإن أحببت أن تعلم ذلك علمته» ، قلت: «وكيف أعلمه» ؟ قالت: «أتجرد لك من ثيابي وأرميها عني ثم أمشي حتى أبلغ الأكمة، ثم أقبل حتى آتيك فتعطيني عهد الله وميثاقه لتفعلن كما فعلت» ، فقلت: «لك عهد الله إن فعلت لأفعلنه» ، قال: «فألقت ثيابها عن أحسن ما نظرت إليه قط، بياضاً ونظافة وحسناً، فلما انتهت إلي قالت: «الوفاء» ، قلت: «الوفاء، ونعمة عيني» ، فخلعت ثيابي وأنا كأبهى الفتيان وأهيأهم حتى مضيت بعد الغاية، فلما انتصف بي المدى سمعت خرخرة جملي، فإذا هي قد جالت على ظهره لابسة ثيابي، متنكبة قوسي، قد لزمت المحجة، فناديتها فلم تعرج علي، ولبست ثيابها وتخمرت بخمارها، وركبت بعييرها وزجرته، فانبعث بي أثر الحي وأخذت شق الوحشي، حتى ما أراها وجعلت أكف عن الجمل، إذ خشيت أن الحق الظعن حتى رأوني من بعيد، وجعلوا ينادون: «ويحك أقبلي» ! وأنا صامت لا أتكلم ولا أتقدم، فلما طال عليهم أمري، بعثوا بجارية لهم مولدة، فأقبلت تعدو حتى أتتني ونشطت خطام «١» الجمل من يدي، وأنا متبرقع أحسن الناس وجهاً وعيناً. فنظرت الجارية في وجهي ساعة، ثم قالت: «لقد أمسيت حديدة الطرف» ، وقادت الجمل حتى أتت الحي، فقالت أم الجارية: «يا بنية لقد استحيت من الناس مما دعوتك العشية» ، ثم تأملت ونظرت وسائر النساء. وقالت إحداهن: «والله إنه لرجل فطن» ، وأنزلتني العجوز وأدخلتني الستر؛ وقالت: «من أنت لا أفلحت» ؟ قلت: «بل ابنتك لا أفلحت، ولا أنجحت» ، وقصصت عليها قصتها، فقالت: نشدتك الله ألا أعرتني نفسك هزيعاً من الليل فإنا كنا على أن نبني بابنتي صاحبة الجمل الليلة وما في الحي رجل غير زوجها، وهو إنسان فيه لوثة ولا بد من أن أدخلك عليه فإنك غلام أمرد، فلا ينكرك ولا أراه أقوى منك إن اعتركتما فلك عندي يد بيضاء» .
وأقبلت وأخت لابنتها وخالتها فألبسنني ثوب العروس وطينني، ثم دلفن
стр. 251
بي نحو الرجل، بعيد العتمة، وقالت أمها: «أنا لك الفداء، تجلد ساعة بالامتناع، فإنه منصرف عنك. وستأتيك الكافرة» . فأدخلتني على مثل الأسد إلا أن به لوثة كما قالت فاعتركنا حتى أعيا، وكف عني، وطال بي الليل حت سمعت خرخرة جملي، فلم ألبث إلا هنيهة حتى جاءت أمها وخالتها وهي معهما، فجعلتها مكاني، وفتشت عن سرها فإذا هي قد ظلت مع إنسان كانت تهواه. وأتيت ثيابي، فنهضت مبادرا لا ألوي على شيء حذراً مما لقيت.
قال: وملك النعمان بن المنذر أربعين سنة، فلم تر منه سقطة غير هذه، وهو أنه ركب يوماً فبصر بجارية قد خرجت من الكنيسة، فأعجبته لجمالها، فدعا بعدي بن زيد، وكان نديمه ووزيره، فقال له: «يا عدي! لقد رأيت جارية لئن لم أظفر بها أنه الموت، ولا بد من أن أتلطف أو تتلطف لي حتى تجمع بيني وبينها» ، قال: «ومن هي» ؟ قال: «سألت عنها فقيل: هي امرأة حكم بن عمرو رجل من أشراف الحيرة» . قال: «فهل أعلمت أحداً» ! قال: «لا» ، قال: «فاكتمه فإذا أصبحت، فجدد الحكم كرامة وبراً» .
فلما أذن للناس بدأ به فأجلسه معه على سريره وكساه، فاستعظم الناس ذلك، فلما أصبح بدأ أيضأ بالأذن له وجمله فأنكر الناس ذلك. فقالوا: «ما هذا إلا لأمر» . فصنع به ذلك أياماً؛ ثم قال له عدي: «أيها الملك، عندك عشر نسوة، فطلق إحداهن، ثم قل له فليتزوجها» ففعل، فلما دخل عليه، قال: «يا حكم ما كانت نفسي تسمح بهذا لولد فتزوج فلانة، فقد طلقتها» ، فخرج حكم إلى عدي فقال: «يا أبا عويمر، ما صنع الملك بأحد ما صنع بي، وما أدري بما أكافيه» . قال له عدي: «طلق امرأتك كما طلق لك امرأته» ، ففعل وحظي بها عدي عنده، وعلم حكم أنه قد مكر به في امرأته. وفيه يقول الشاعر:
ما في البرية من أنثى تعادلها ... إلا الذي أخذ النعمان من حكم
وحدث الفضل بن العباس عن الزبير بن بكار، عن محمد بن بشير
стр. 252
الخارجي قال: «قدم علينا رجلان من أهل المدينة يصيدان ومعهما نسوة، والفساطيط مضروبة. وكان سليمان بن عبد الله الأسلمي وابن أخ له مقيمين بناحية الروحاء. فأرسل النسوة إلى سليمان وابن أخيه: «أما لكما حاجة في الحديث» ؟ فرد الرسول: «إن يكن لنا فيه حاجة، فكيف لنا بذلك مع أزواجكن» ؟ فقلن: «إنما خرج أزواجنا للصيد وقد بلغنا إن لكما صاحباً يعرف من طلب الصيد ما لا يعرفه غيره فلو طرح لهم شيئاً من ذكره لا سرعوا إليه، وتخلفتم وتحدثتم ما شئتم» ، يعنين به محمداً بن بشير، فمضى إليه سليمان وابن أخيه فقال: «يا أبا محمد! أرسل إلينا النسوة بكذا وكذا، وسألنني أن أخرجك إلى الصيد، فقلت: «لا والله لا أفعل ولا أتعب ولا أنصب وأنتم تتلهون وتتحدثون أنا لذا أشد حباً، وأكثر صبابة وشوقاً فأرسلا إلى النسوة بمقالتي، فأرسلن إليّ رسولا وعاهدنني لئن أخرجتهم ليحتلن لي حتى أخلو معهن ليلة حتى الصبح» ، فصرت إليهم، وذكرت لهم الصيد فخرجوا معي، فما زلت أحدثهم بالصدق حتى أخذت في الكذب مما يضارع الصدق حتى أفنيته، فأقمت معهم ثلاثة أيام ولياليها، ثم انصرفوا من غير أن اصطدنا شيئاً، فقلت في ذلك:
إني انطلقت معي قومٌ ذوو حسبٍ ... ما في خلائقهم زهوٌ ولا حمق
إني لأعجب منهم كيف أخدعهم ... أم كيف آفك قوماً ما بهم رهق «١»
أظلّ في الأرض ألهيهم وأخبرهم ... أخبار قومٍ وما كانوا ولا خلقوا
ولو صدقت لقلت القوم قد دخلوا ... حين انطلقنا وإني ساعة انطلقوا
فلو أجاهد ما جاهدت دونكم ... في المشركين لأدركت الأولى سبقوا
إن كنت أبداً جاري من حلائلكم ... والدهر ذو عنفٍ أيامه طرق
فإن كل جديدٍ عائدٌ خلقاً ... فلن يعود جديداً ذلك الخلق
قال: فظفر أصحابي بالحديث والمغازلة، وأنا بالجهد والخيبة مع أتم القيادة «٢» والتعب وكذب المحادثة. وحدثنا وهب بن سليمان عن عمه الحسن
стр. 253
بن وهب قال: خرج محمد بن عبد الملك الزيات من عند الواثق ومزيد بن محمد بن أبي الفرج الهاروني وكيل عبد الله بن طاهر، فإذا بجارية حسناء في منظرة لها، فلما بصرت به ورأت موكبه، وكان جميلا طريفا، أو مأت إليه السلام وأو مأت بيدها إلى صدرها، فأعجب بها فلما صار إلى منزله، دخلت إليه، فرأيته بخلاف ما عهدت، وكان لا يكتمني شيئا فقلت: «ما لي أراك مدلهاً يا أبا الحسن» ؟ قال: «رأيت شيئاً أنا فيه مفكر» ، ثم أنشأ يقول:
وابأبي مخضبٌ ... أومى إلينا بيده
أومى بها يخبرني ... راحته في كبده
أن الضنى في جسدي ... يخبرني عن جسده
فليس للحاسد إلا ... خصلةٌ من حسده
ثم شرح لي القصة، ثم انصرفت من عنده، ووافيت مولى الجارية، فسألته أن يبيعها، فقال: «اشتريتها للأمير عبد الله بن طاهر، وليس إلى بيعها من سبيل» ، فلم أزل به حتى اشتريتها بخمسين ألف درهم، ووجهت بها إليه، وكتبت إليه:
هذا محبك مطويٌ على كمده ... عبرى مدامعه تجري على جسده
له يدٌ تسأل الرحمن راحتها ... مما به، ويدٌ أخرى على كبده
فقبلها، وحسن موقعها عنده، فولاني خراج ديار ربيعة، فأصبت فيها [ألف] آلف درهم.
قال السجستاني «١» : أرق الرشيد ذات ليلة، فوجه إلى عبد الملك الأصمعي، وإلى الحسين الخليع، فأحضر هما، وشكا إليهما مدافعة نومه، وشدة أرقه، وقال لهما: «عللاني بأحاديثكما، وابدأ أنت يا حسين» .
قال: «نعم يا أمير المؤمنين! خرجت في بعض السنين منحدرا إلى البصرة،
стр. 254
وممتدحاً لآل سليمان، فقصدت محمد بن سليمان بقصيدتي، فقبلها وأمرني بالمقام، فخرجت ذات يوم إلى المربد، وجعلت المهالبة طريقي، فأصابني حر وعطش، فدنوت من باب دار كبير لأستسقي، فإذا أنا بجارية أحسن ما يكون كأنها قضيب يتثنى، وسناء العينين، زجاء الحاجبين، مهفهفة الخصر، حاسرة الرأس، مفتوحة الجرب؟؟؟؟، عليها قميص لاذجلناري، ورداء عدني، قد علت شدة بياض بدنها حمرة قميصها، تتلألأ من تحت القميص بثديين كرمانتين، وبطن كطي القباطي، وعكن مثل القراطيس، لهما جمة جعدة، بالمسك محشوة، وهي، يا أمير المؤمنين متقلدة خرزاً من ذهب، والجوهر يزهو بين ترائبها، وعلى صحن جبينها طرة كالسبج، وحاجبان مقرونان، وعينان كحلاوان، وخدان أسيلان، وأنف أقنى، تحته ثغر كاللؤلؤ وأسنان كالدر، وقد غلب جربانها سواد السمك والغالية ودابر العود الهندي، على لبتها عبق الخلوق وهي والهة حيرى، واقفة في الدهليز، وجائية تخطر في مشيتها، قد خالط صرير نعلها أصوات خلخالها كأنها تخطر على أكباد محبيها، فهي كما قال الأفوه الأودي:
ليس منه ما يقال لها ... كملت لو أن ذا كملا
كل جزءٍ من محاسنها ... كائنٌ من حسنها مثلا
لو تمنت في براعتها ... لم نجد في حسنها بدلا
فهبتها، والله، يا أمير المؤمنين، ثم دنوت منها لأسلم عليها، فإذا الدار والدهليز والشارع قد عبقت بالمسك. فسلمت عليها، فردت السلام بلسان منكسر، وقلب حزين محرقٍ، فقلت لها: «يا سيدتي! إني شيخ غريب أصابني عطش، فأمري لي بشربةٍ من ماءٍ، تؤجري» . قالت: «إليك عني، يا شيخ، فإني مشغولة عن سقي الماء وادخار الأجر» ! فقلت لها: «يا سيدتي، لأية علة» ؟ قالت: «لأني عاشقة من لا ينصفني، وأريد من لا يريدني، ومع ذلك فإني ممتحنة برقباء فوق رقباء» . قلت لها: «يا سيدتي، هل على بسيط الأرض من تريدينه ولا يريدك» ؟ قالت: «إنه لعمري على ذلك الفضل الذي ركب الله فيه من الجمال والدلال» . قلت لها: «يا
стр. 255
سيدتي، فما وقوفك في الدهليز» ؟ قالت: «هو طريقه، وهذا أوان اجتيازه» . قلت لها: «يا سيدتي، هل اجتمعتما في خلوة في وقت من الأوقات، أم حب مستحدث» ! فتنفست الصعداء، وأرخت دموعها على خديها كطل على ورد، وأنشأت تقول:
وكنا كغصني بانةٍ وسط وردةٍ ... نشم جنى اللذات في عيشةٍ رغد
فأفرد هذا الغصن من ذاك قاطعٌ ... فيا من رأى فرداً يحن إلى فرد
قلت لها: «يا هذه، ما بلغ من عشقك هذا الفتى» ؟ قالت: «أرى الشمس على حائطهم أحسن منها على حائط غيرهم؛ وربما أراه بغتة، فأبهت وتهرب الروح عن جسدي، وأبقى الأسبوع والأسبوعين بغير عقل» ؛ قلت لها: «عزيز علي، وأنت على ما بك من الضنى وشغل القلب بالهوى، وانحلال الجسم وضعف القوى، ما أرى من صفاء اللون، ورقة البشر، فكيف لو لم يكن بك من الهوى شيء، أراك كنت مفتنة في أرض البصرة» .
قالت: «كنت، والله، يا شيخ، قبل محبتي لهذا الغلام، تحفه الدلال والجمال والكمال، ولقد فتنت جميع ملوك البصرة، وفتنني هذا الغلام» .
فقلت: «يا هذه، ما الذي فرق بينكما» قالت: «نوائب الدهر، وأوابد الحدثان، ولحديثي وحديثه شأنٌ من الشان، وأنبيك أمري:
إني كنت أفصدت، في بعض أيام النيروز، فأمرت، فزين لي وله مجلس بأنواع الفرش، وأواني الذهب؛ ونضدنا الرياحين والشقائق والمنثور وأنواع البهار، وكنت دعوت لحبيبي عدة من متظرفات البصرة، فيهن من الجواري، جارية «شهران» ، وكان شراؤها عليه من مدينة عمان ثمانمائة ألف درهم؛ وكانت الجارية ولعت بي، وكانت أول من أجابت الدعوة، وجاءتني منهن؛ فلما حصلت عندي، رمت بنفسها علي، تقطعني عضاً وقرصاً. ثم خلونا نتمزز القهوة إلى أن يدرك طعامنا، ويجتمع من دعونا، فتارة هي فوقي، وتارةً أنا فوقها، فحلمها السكر على أن ضربت يدها على تكتي فحلتها، ونزعت هي سراويلها، وصارت بين فخذي كمصير الرجال من النساء. فبينا نحن كذلك، إذ دخل علي حبيبي، وقد التزق قرطي
стр. 256
بخلخالي؛ فلما نظر إلينا، اشمأز لذلك، وصدف عني وعنها صدوف المهرة العربية إذا سمعت صلاصل اللجم، وعض على أنامله، وولى خارجاً.
فأنا، يا شيخ، منذ ثلاث سنين، اسل سخيمته، وأستعطفه فلا ينظر إلي بعين، ولا يكتب إلى بحرف، ولا يكلم لي رسولاً.
قلت لها: «يا هذه، أفمن العرب هو أم من العجم» ؟ قالت: «هو من جلة ملوك البصرة» . قلت: «من أولاد نيابها أو من أولاد تجارها» .
قالت: «من عظيم ملوكها» . قلت لها: «أشيخ هو أم شاب» ؟ فنظرت إلي شزراً وقالت: «إنك لأحمق. أقول: هو مثل القمر ليلة البدر، أمرد أجرد، وطرة رقعاء كحنك الغراب، تعلوه شقرة في بياض، عطر لباس، ضارب بالسيف، طاعن بالرمح، لاعب بالنرد والشطرنج، ضارب بالعود والطنبور، يغني وينقر على أعدل وزن، لا يعيبه شيء إلا انحرافه عني، لا نقصاً لي منه بل حقداً لما رآني عليه» . قلت: «يا هذه، وكيف صبرك عنه» ؟ فأنشأت تقول:
أما النهار، فمستهامٌ والهٌ ... وجفون عيني ساجفاتٌ تدمع
والليل، قد أرعى النجوم مفكراً ... حتى الصباح، ومقلتي لا تهجع
كيف اصطباري عن غزالٍ شادن ... في لحظ عينيه سهامٌ تصدع
وجهٌ يضيء، وحاجبان تقوسا ... وكأن جبهته سراجٌ يلمع
وبياض وجهٍ قد أشيب بحمرة ... في وجنتيه كأنه مستجمع
والقد منه كالقضيب إذا زها ... والغصن في قنوائه يترعرع
تمت خلائقه، وأكمل حسنه ... كمثال بدرٍ، بعد عشرٍ، أربع
قلت لها: «يا سيدتي، ما اسمه، وأين يكون» ؟ قالت: «تصنع به ماذا» ؟ قلت: «أجهد في لقائه، وأتعرف الفضل بينكما في الحال» ، قالت: «على شريطة» قلت: «وما هي» ؟ قالت: «تلقانا إذا لقيته، وتحمل لنا إليه رقعة» . قلت: «لا أكره ذاك» . قالت: «هو ضمرة بن المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة، يكنى بأبي شجاع، وقصره في المربد
стр. 257
الأعلى، وهو أشهر من أن يخفى» . ثم صاحت في الدار: «يا جواري، دواةً وقرطاساً» ! وشمرت عن ساعدين كأنهما طومارا فضة، ثم حملت القلم وكتبت:
«بسم الله الرحمن الرحيم، سيدي: تركي الدعاء في صدر رقعتي، ينبيء عن تقصيري، ودعائي، إن دعوت، يكون هجنة. فلولا أن بلوغ المجهود يخرج عن حد التقصير، لما كان لما تكلفته خادمتك من كتب هذه الرقعة معنى، مع إياسها منك، وعلمها بتركك الجواب.
سيدي، فجد بنظرة، وقت اجتيازك في الشارع إلى الدهليز، تحي بها أنفساً ميتةً أسرى؛ واخطط بخط يدك، بسطها الله بكل فضيلة، رقعة فأجعلها عوضاً من تلك الخلوات التي كانت بيننا في الليالي الخاليات التي أنا ذاكرتها.
سيدي، ألست لك محبة، وبك مدنفة؟ فإن رجعت، مولاي، إلى الأشبه بك، وأنقذتني من عوارض التلف، كنت لك خادمة، ولك شاكرة» .
فلما فرغت من الكتاب، يا أمير المؤمنين، ناولتني إياه، فقلت لها:
«يا سيدتي، قد وجب حقك علي، ولزمتك حرمتي لطول وقوفي عليك.
وكنت قد سألت شربة ماء» . قالت: «استغفر الله، ما فهمنا عنك» . ثم صاحت في الدار: «أخرجن إلينا شراباً من ماء وغير ماء» . فما كان إلا أن أقبل ثلاثون وصيفة، بأيديهن الطاسات والجامات والأقداح، مملؤة ماء وثلجاً وفقاعاً وشراباً، فشربت الماء ثم قلت: «يا سيدتي، مع قدرتك على هذا من استواء الحال، وكثرة الخدم والعبيد والجواري، فلم لا تأمرين إحدى الجواري أن تقف مراعية للغلام، حتى إذا مر أعلمتك، فتخرجين إليه» ؟ قالت: «لا تغلط يا شيخ» ، فتمثلت:
عبالة عنق الليث من أجل أنه ... إذا رام أمراً قام فيه بنفسه
ثم انصرفت عنها، يا أمير المؤمنين؛ فلما أصبحت غدوت على محمد بن سليمان فوجدت مجلسه محتفلاً بالملوك وأبناء الملوك، ورأيت غلاماً قد
стр. 258
زان المجلس، وفاق من فيه حسناً وجمالاً، قد رفعه الأمير فوقه، فسألت عنه، فقيل: «ضمرة بن المغيرة» ، فقلت في نفسي: «بالحقيقة حل بالمسكينة ما حل، هو، والله، قاتلها فيما أرى» . ثم قمت فقصدت المربد، ووقفت على باب داره، فإذا هو قد ورد في موكب جليل، فوثبت إليه، وبالغت في الدعاء والثناء؛ ثم دنوت منه، وفاوضته في الذي بيني وبينها، وناولته الرقعة، فلما قرأها ضحك، ثم قال: «يا شيخ قد استبدلنا بها، فهل لك في أن تنظر إلى البديل» ؟ قلت: «نعم» . فصاح في الدار:
«يا جواري، أخرجن إلينا لذيذاً» . فما كان إلا أن طلعت جارية وضيئة الكمين، ناهدة الثديين، تمشي مشية مستوحل، ترتج من دقة خصرها على كبر عجزها ذات فخذين وعجيزتين تختطفان الأنفس اختطافاً، على رأسها بطيخة من الكافور، مكتوب علي جبينها:
آه «١» من الحب آه ... ما أقتل الحب وأضناه
ودون ذلك مكتوب:
عيارةٌ قياسةٌ في الخطى ... رخيمة الدل، صيودٌ للرجال
وقد كتبت بالغالية على عصابتها ثلاث أسطر، وهي:
إذا غضبت رأيت الناس قتلى ... وإن رضيت فأرواحٌ تعود
لها في عينها لحظات سحرٍ، ... تميت بها، وتحيي من تريد
وتسبي العالمين بمقلتيها ... فكل العالمين لها عبيد!!
فناولها الرقعة، وقال: «اقرئي وأجيبي صاحبتك» . فلما قرأت الرقعة، اصفرت، وعرقت، ومزقتها، وضربت بها في وجه الغلام، وغابت في الستر. فقال لي: «أما أنت، يا شيخ، فاستغفر الله مما مشيت فيه» .
قلت: «بل أنت استغفر الله من هجرانك إياها، وتركك إتيانها. والله ما أرى لها في البشر نظيراً» . قال: «لا أفعل، ولو أنها في حسن يوسف وكمال حواء» .
стр. 259
فخرجت، يا أمير المؤمنين، وأنا أجر ذيلي حتى وردت عليها؛ فاستأذنت ودخلت، فبدأت بي، فقالت: «ما وراء الشيخ» ؟ قلت:
«البؤس واليأس» . قالت: «لا عليك. فأين الله والقدر» ؟ ثم أمرت لي بخمسمائة دينار، وعشرة أثواب، وخرجت من عندها وأنا ممتدح لآل سليمان. فلم يكن لي، والله، إلا معرفة خبرها في العام الذي عدت فيه إلى البصرة، فوردت عليها، فوجدت على بابها أمراً، ونهياً، وأسباباً لا تكون إلا على باب الخلفاء.
فاستأذنت، فدخلت، فإذا فوق رأسها ثلاثون رجلاً من شيوخ وشبان وخدم، وقوف بسيوفهم، فلما نظرت إلي، عرفتني، ووثبت إلي، وقبلت رأسي، وقالت: «يا شيخ! الحمد لله الذي جعل العبيد بالصبر ملوكاً، وجعل الملوك بالتيه عبيداً، إن الذين تراهم وقوفاً، أصحاب «ضمرة» ، يسلون سخيمتي، ويسألونني الرجوع له، والله، لا نظرت إليه في وجه، ولو أنه في حسن يوسف وكمال حواء» . فسجدت، يا أمير المؤمينين شماتة بضمرة، وتقرباً إلى الجارية. فقال بعض حجاب ضمرة: مهلاً يا شيخ، فمن طاب محضره، طاب مولده» . ثم انصرفوا.
فناولتني خريطة «١» فيها أوراق، فقالت: «هذا أول ما ورد علينا منه، فإذا ثوب خزّ أبيض يقق، مكتوب فيه بماء الذهب: «بسم الله الرحمن الرحيم. لولا تغاضي عليك، أدام الله حياتك، لو صفت شطراً من غدرك، ولبسطت سوط عتبي عليك، وحكمت سيف ظلامتي فيك، إذ كنت الجانية على نفسك، والمظهرة لسوء العهد وقلة الوفاء، المؤثرة علينا غيرنا، فخالفت هواي، وفرشت نفسك لها، على حالتي جد وهزل، وصحو وسكر، والمستعان الله على ما كان من سوء اختيارك. وقد ضمنت رقعتي هذه، أبيات شعر، أنت المتفضلة بالنظر إليها، وهي:
قطع قلبي فراقكم قطعا ... وكدت أقضي بينكم جزعا
стр. 260
ما تكحل العين بالرقاد ولا ... ينام جنبي في الليل مضطجعا
لا عيش لي مذ نأت ولا وجدت ... عيناي في الأرض قط متسعا
قلت لها: «أفلا تحدثينني كيف سليت عنه، وابتلى» ؟ قالت:
«كيف لا أحدثك» ؟ افتصدت «تفاحة» ، جارية محمد بن سليمان، فدعينا إلى خورنق لمحمد بن سليمان، فلما طعمنا، دعت لنا بالشراب، فبينا نحن كذلك، إذا بحراقة سلطانية قد وردت، وفيها عدة من أبناء الملوك، وفيهم هذا العيار، ولا علم لي بمكانه، وكنت حملت العود وغنيت:
أبلى فؤادي وشفني الأرق ... والدمع من مقلتي يستبق
من حب ظبيٍ أغن ذي دعجٍ ... وقلبه للشفاء منطبق
فلما وجبت العتمة انصرفنا، وأبطأت الجارية، وأتاني هؤلاء القوم من عنده يسلون سخيمتي، ويستعطفونني عليه.
ثم انصرفت عنها، يا أمير المؤمنين، ودخلت الحمام من ساعتي، فما كان إلّا أن دخلت، حتى أتاني غلامي، فقال: «جماعة من جلة الناس قد طرقوا دارك يطلبونك» . فلبست ثيابي، وخرجت مسرعاً، فإذا بضمرة قد كبس داري في عدة من الرؤساء، فقال: «والله لا برحنا، حتى تنفق علينا الخمسمائة دينار التي أخذتها من الجارية، سيدتي» . قلت: «أي والله، بالسمع والطاعة» .
ثم جذبني إلى نفسه، فلم يزل يناظرني في أمرها حتى أقبل المساء، ثم انصرف إلى رحله. فلما كان من الغد، وردت له رقعة مع خادم، وكيس فيه الف دينار، واستزارني، فقبلت ذلك، وصرت معه إليه. فلما نظر إلي، تنحى عن مقعده، وأقعدني، ثم قال: «هذا قد أعددته، للنيروز، لسيدتي هدية، وأنت أولى من تجشم مع الخادم إليها» . قلت: «السمع والطاعة» . ثم صاح في الدار: «هاتوا الهدية» . فإذا مائة تخت من ثياب، وصندوق من ذهب مقفل عليه، فقال لي: «في التخت والصندوق مبلغ ثلاثين ألف دينار، وأنت أولى من تفضل بالإيصال» .
стр. 261
فصرنا إليها، واستأذنا، فلما مثلنا بين يديها، أنكرتني وقالت: «من الشيخ» ؟ قلت: «الخليع، شاعر العراق؛ ومعي هدية عبدك ضمرة» .
فصاحت في الدار: «تملك» ! فإذا جارية كأنها الظبية المنفلتة من الشبكة، قالت لها: «خذي هذه الهدايا، وفرقيها على جواري الدار» ، ثم قالت:
«أيطمع الخنوص أن يجتمع معي، بعد قبولي الهدية، في ثلاثين سنة» ؟
قلت لها: «العفو عند المقدرة يعدل عتق رقبة» ، قالت: «ففي خمس عشرة سنة» ؟ قلت لها: «أنقصيها، أولى بك» . قالت: «ففي ثلاث سنين» ، قلت لها: «حطة أخرى، وقد اجتمعنا» ، قالت: «لا، والله، لا آكل ولا أشرب حتى آتيه» .
وأمرت أن يسرج؛ وبادرت إلى باب ضمرة مبشراً، فما وصلت أو سمعت صلاصل اللجم، فإذا هي قد سبقتني في جواريها وخدمها.
فدخلت، فإذا هما يتعانقان ويتعاتبان، فقلت: يا سيدتي، ما أنتما إلى شيء أحوج منكما إلى خلوة. قالا: هو ذاك! فانصرفت عنهما، ثم بكرت عليهما، فإذا هي في المرقد الأول جالسة، عليها جبّة وشيء مطير، وهي تعصر الماء عن ذوائبها، وتصلح قرونها، فاستحيتني وقالت: لا تفكرن في ريبة، فو الله ما صلينا البارحة، حتى بعثت إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى القاضي، فزوجت نفسي سيدي، ولكن صر إليه في المرقد الثاني.
فصعدت إليه، فلما نظر إلي، وثب إلي، وقبل بين عيني وقال: يا شيخ، قد جمع الله بيني وبين سيدتي بك. ثم دعا بدواة وقرطاس، وكتب إلى ابن نوح الصير في ثلاثة آلاف دينار؛ فرجعت إليها، فقالت: بماذا برك سيدي؟ فأقرأتها الرقعة، فقالت: نعجل إليك مثلها، فدعت بمال وطيار ووزنت ثلاثة آلاف دينار، ودعت بعشرة أثواب من ثياب مصر، وقالت: هذه وظيفتك علينا كل عام، فخرجت من عندي، وأخذت مرفوعي من آل سليمان، وانصرفت إلى العراق.
وكان الرشيد متكئاً، فاستوى جالساً وقال: أوه يا حسين، لولا أن ضمرة سبقني إليها، لكان لي ولها شأن من الشأن.
стр. 262
أخبار الشعراء
ومنه مع الشعراء، قال: (استأذنت بنت لعبد الملك بن مروان في الحج فأذن لها، وكتب إلى الحجاج يأمره بالتقدم إلى عمر بن أبي ربيعة أن لا يذكرها في شعره، فلما بلغ عمر مقدمها، لم يكن له همة إلا أن يتهيأ بأجمل ما يقدر عليه من الحلل والثياب. وضربت لها قبة في المسجد الحرام، فكانت تكون فيها نهاراً، فإذا أمست، تحولت إلى منزلها لتنظر إليه وتجلس بازاء القبة، وقد خبر عمر بشأنها، فإذا أرادت الطواف، أمرت جواريها فيسترنها بالمطاريف، فكانت تتطلع إلى عمر كثيراً، وكانت تسأل من دخل عليها عنه، رجاء أن يكون قد قال شيئاً، فلم يفعل، حتى قضت الحج، ورحلت، ونزلت من مكة على أميال، فأقبل راكب من مكة، فسألته: من أين أقبلت؟ قال: من مكة، قالت: عليك وعليّ قرية أنت منها، لعنة الله. قال: ولم يا ابنة عبد الملك؟ قالت: قدمنا مكة فأقمنا أشهراً، فما استطاع الفاسق عمر بن أبي ربيعة أن يزودنا من شعره أبياتاً، كنا نلهو بها في سفرنا هذا. قال: فلعله قد فعل، قالت:
فاذهب إليه واسأله، ولك في كل بيت يأتني به منه عشرة دنانير.
فأقبل الرجل، وأتى عمر بن أبي ربيعة، فأخبره الخبر، فقال له: قد فعلت، ولكن أحب أن تكتم علي. قال: أفعل، ثم أنشده
راع الفؤاد تفرق الأحباب ... يوم الرحيل فهاج لي أطرابي
فظللت مكتئباً أكفكف عبرةً ... سحاً يفيض كوابل الأسراب
لما تنادوا للرحيل وقربوا ... بزل الجمال لطيةٍ وذهاب
كاد الأسى يقضي عليك صبابةً ... والوجه منك لبين إلفك كابي
стр. 263
قالت سعيدة، والدموع ذوارفٌ ... منها على الخدين والجلباب
ليت المغيريّ الذي لم نجزه ... فيما أطال تصيدي وطلابي
كانت تردّ لنا المنى أيّامنا ... إذا لا نلام على هوى وتصابي
أيام نكتم ودنا ونوده ... سراً، مخافة منطق المغتاب
أخبرت ما قالت، فبت كأنما ... يرمى الحشا ينوافذ النشاب
فبعثت جاريتي وقلت لها: اذهبي ... قولي لها في خفيةٍ وقراب
أسعيد، ما ماء الفرات وطيبه ... مني على ظمأ وطيب شراب
بألذ منك، وإن نأيت وقلما ... ترعى النساء أمانة الغياب
إن تبذلي لي نائلاً أشفي به ... سقم الفؤاد، فقد أطلت عذابي
وعصيت فيك أقاربي، فتقطعت ... بيني وبينهم عرى الأسباب
فبقيت كالمهريق فضله مائه ... في حر هاجرةٍ للمع سراب
ثم أتى إليها بالأبيات، فأعجبت بها، وأمرت جواريها بحفظها؛ ثم وفت له بما وعدت، وسلمت إليه في كل بيت عشرة دنانير» .
وقال: أخبرنا محمد بن خلف، قال: أخبرني أبوبكر العامري، قال: حدثني موسى بن أفلح، مولى فاطمة بنت الوليد بن عبد شمس بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، قال: حدثني بلال، مولى ابن أبي عتيق، قال: «قام الحارث بن عبد الله بن عباس بن أبي ربيعة من الحج، فأتاه ابن أبي عتيق، فقال: «كيف تركت أبا الخطاب» ؟ فقال: هجرت الثريا عمر، فقال:
من رسولي إلى الثريا، فإني ... ضقت ذرعاً بهجرها، والكتاب
سلبتني مجاجة المسك عقلي ... فسلوها بما يحل اغتصابي
أبرزوها مثل المهاة، تهادى ... بين خمس كواعبٍ أتراب
وهي ممكورةٌ، تحير منها ... في أديم الخدّين ماء الشباب
وتكنّفنها كواعب بيضٌ ... واضحات الخدود والأقراب
стр. 264
في سخاب من القرنفل والدر ... نفيسٍ، واهاً له من سخاب
قلت لما ضربن بالسجف دوني ... ليس هذا لودنا بثواب
فتبدت، حتى إذا جن قلبي ... حال دوني ولائدٌ بالثياب
حين شب القتول والعنق منها ... حسن لونٍ يرف كالزرياب
ذكرتني ببهجة الشمس لما ... طلعت في دجنةٍ وسحاب
دميةٌ عند راهبٍ وقسيسٍ ... صوروها في مذبح المحراب
فارجحنت في حسن خلقٍ عميمٍ ... تتهادى في مشيها كالحباب
ثم قالوا: تحبها؟ قلت، بهراً ... عدد الرمل، والحصى، والتراب
وقال لغلامه: «انطلق بكتابي هذا إلى ابن أبي عتيق بالمدينة، فادفعه إليه، فأقبل الغلام بالكتاب، حتى دفعه إليه» . فلما قرأه، قال: «والله أنا رسوله إليها» . فسار، حيث قدم مكة لا يعلم به أهله؛ فأتى منزله، فوجده غائبا، فانطلق غلام إلى عمر، فقال: «إن رجلاً قدم وهو يطلبك، من شأنه وهيئته كذا» ، قال: «ويحك، ذاك ابن أبي عتيق، اذهب إليه فقل له: إن مولاي يأتيك الآن» .
وكان عمر على فرسخين، بل على رأس ثلاثة أميال من مكة، فأتاه الغلام فأخبره، فقال: «اسرج لي أنت برذون عمر، فإن دابتي قد تعبت وكلت» . فاسرجه له، فركب وأتى الحمى، فصهل البرذون، وسمعت الثريا صهيله، فقالت لجواريها: «هذا هو بذرون الخبيث عمر» . ثم دعت ببغلةٍ لها، فوضعت عليها رحلها، فخرجت، فإذا هي بابن عتيق، فقالت:
«مرحباً بعمي. ما جاء بك يا عم» قال: «أنت والفاسق جئتما بي» قالت:
«أما والله لو بغيرك تحمل علينا، ما أجبناه؛ ولكن ليس لك مدفع أمر ربنا نحوه» ؛ فأقبل حتى انتهى إلى عمر، فخرج عمر إليه، وقبل يده، ثم قال: «انزل، جعلني الله فداك» . فقال: «ماء مكة حرام علي حتى أخرج منها» . ثم دعا ببغلته فركبها، وانصرف إلى المدينة، وخلا عمر بالثريا» .
وحدث الزبير بن بكار عن أبي محرم عن إبراهيم بن قدامة، قال: قال عمر بن أبي ربيعة: «ألا أحدثك حديثاً حلواً» ؟ قال: قلت: «نعم» قال:
стр. 265
«بينا أنا جالسٌ، إذ جاءني خالد الخريت «١» ، فقال: يا أبا الخطاب! هل لك في هند وصواحبها، فقد خرجن إلى نزهة» ؟ قلت: «وكيف لي بذلك» ؟ قال: «تلبس لبسة أعرابي، وتعتم عمامة، وتركب مركبة كأنك ناشدٌ ضالةً» .
قال: ففعلت وجئت، حتى وقفت عليهن أنشد ضالتي، فقلن:
«انزل» ، فنزلت، وقعدت أحادثهن وأغازلهن؛ فلما رمت النهوض، قالت لي هند: «اجلس، لا جلست أنت. ألا ترى أنك وقفت علينا غريباً؛ ونحن، والله، وقفنا على غربتك. نحن بعثنا خالدا وخدعناه وأطعمناه في أنفسنا، حتى جاء بك» . فقال خالد: «صدقن والله خدعنني وخدعنك» .
فجلست وتحدثنا، فأنشدتهن فقالت هند: يا سيدي، لقد رأيتني منذ أيام، وقد أصبحت عند أهلي، فأدخلت رأسي في حبيبي، ونظرت إلى هني، فإذا هو ملء الكف ومنية المتمني فناديت: (يا عمراه، يا عمراه) ! قال عمر: فقلت: يا لبيك، يا لبيك، يا لبيك، ثلاثاً، ومددت في الثالثة صوتي، فضحكت؛ وحادثتهن ساعة، ثم ودعتهن وانصرفت، فذلك قولي:
عرفت مصيف الحي والمتربعا ... ببطن حليّات دوارس بلقعا
إلى السفح من وادي المغمس بدلت ... معالمه وبلاً، ونكباء زعزعا
لهندٍ وأتراب لهند إذ الهوى ... جميع، وإذا لم نخش أن يتصدعا
وإذ نحن مثل الماء كان مزاجه ... إذا صفق الساقي الرحيق المتشعشعا
وإذ لا نطيع الكاشحين ولا نرى ... لواش لدينا يطلب الصرم مطمعا
وقال عمر: ما رأيت يوماً غابت عواذله، وحضرت عواذره، بأحسن من يومنا، ولا صبوة كصبوتنا، ولا قيادة كقيادة خالد، ولا أملح؛ ولقد وصفت ذلك في شعر، فقلت في تمام ما تقدم:
أتاني رسولٌ من ثلاث حرائرٍ ... ورابعةً يزكو لها الحسن أجمعا
فقلت لمطريهن في الحسن إنما ... ضررت، فهل تسطيع نفعاً فتنفعا
стр. 266
لئن كان ما حدّثت حقاً لما أرى ... كمثل الألى أطريت في الناس أربعا
وهيّجت قلباً كان قد ودع الصبا ... وأشياعه، فاشفع عسى أن تشفعا
فقال: تعال انظر فقلت: فكيف لي ... أخاف مقاماً أن يشيع ويشنعا
فقال: اكتفل، ثم التثم وأت باغياً ... فسلم ولا تكثر بأن تتورعا
فإني سأخفي العين عنك ولا ترى ... مخافة أن يفشو الحديث فيسمعا
فأقبلت أهوي مثل ما قال صاحبي ... لموعده أزجي قعوداً موقعا
فلما توافقنا، وسلمت، أشرقت ... وجوهٌ زهاها الحسن أن تتقنعا
تبالهن بالعرفان لما عرفنني ... فقلن امرؤٌ باغٍ أضل وأوضعا
فلما تنازعن الأحاديث قلن لي: ... أخفت علينا أن نغر ونخدعا
فما جئتنا إلا على وفق موعد ... على ملاء منا خرجنا له معا
رأينا خلاء من عيونٍ ومجلساً ... دميث الثرى سهل المحلة ممرعا
وقلن: كريمٌ نال وصل كرائمٍ ... وحقٌ له في اليوم أن يتمتعا
وفيهن هندٌ تكمل الهم والمنى ... وإخداع عيني كلما رمت مهجعا
قال: ولما أنشد عمر بن أبي ربيعة، ابن أبي عتيق، قصيدته التي فيها يقول:
فأتتها طبةٌ عالمةٌ ... تخلط الجد مراراً باللعب
ترفع الصوت إذا لانت لها ... وتراخي عند سورات الغضب
قال ابن أبي عتيق: امرأتي طالقٌ إن لم يكن الناس في طلب مثل هذه، منذ قتل عثمان، يجعلونها خليفة، فلم يقدروا عليها، وأنت تريدها قواده. قال: ولما هجا كثيرٌ بني ضمرة، فقال:
ويحشر نور المسلمين أمامهم ... ويحشر في أستاه ضمرة نورها
اشتدت بنو ضمرة عليه وعلى عزة، وأرادوا قتله، ووضعوا له العيون، فمكث شهراً لا يصل إليها، فالتقى جميل وكثير، فشكى أحدهما إلى صاحبه ما يلقى، فقال جميل: أنا رسولك إلى عزة، فأخبرني بما كان بينكما.
стр. 267
قال: آخر ما لقيتها بالطلحة، مع أتراب لها.
قال: فأتاهم جميل، وهو ينشد ذوداً له، ففطنت عزة، فقالت: تحت الطلحة التمس ذوداً هناك. فانصرف جميل، فأخبر كثيراً؛ فلما كان في بعض الليل، أتيا الطلحة، وأقبلت عزة وصاحبة لها، فتحدثا ملياً، وجعل كثير يرى عزة تنظر إلى جميل، وكان جميلاً، وكثير دميماً، فغضب كثير، وغار عليها، وقال لجميل: انطلق بنا قبل أن يصبح علينا الصبح فانطلق، فعند ذلك يقول:
رأيت ابنة الشبلي عزة أصبحت كمحتطب ما يلق بالليل يحطب «١»
وكانت تمنينا، وتزعم أننا ... كبيض الأنوق في الصّفا المتغيّب
ثم قال كثير لجميل: متى عهدك ببثينة؟ قال: في أول الصف بوادي الدم، ومعها جواريها يغسلن ثياباً. فخرج كثير حتى أناخ بهم، وهو يقول:
وقلت لها يا عز أرسل صاحبي ... على بعد دارٍ، والرسول موكل
بأن تجعلي بيني وبينك موعداً ... وأن تأمريني بالذي فيه أفعل
أما تذكرين العهد يوم لقيتكم ... بأسفل وادي الدم، والثّوب يغسل
فعلمت بثينة ما أراد، فصاحت: اخسأ، اخسأ، فقال عمها: ما دهاك، يا بثينة؟ قالت: إن كلباً يأتينا من وراء هذا التل، فيأكل ما يجد، ثم يرجع.
فرجع كثير، وقال لجميل: قد وعدتك التل، فدونك. فخرج جميل وكثير حتى انتهيا إلى الدومات، وقد جاءت بثينة، فلم تزل معه حتى برق الصبح، وكان كثير يقول: «ما رأيت مجلساً قط أحسن منه» .
قال عمر بن شبة عن إسحق بن إبراهيم الموصلي: حدثني شيخ من خزاعة، قال: ذكرنا ذا الرمة، وعندنا عصمة بن مالك الفزاري، وهو يومئذ
стр. 268
ابن عشرين ومائة سنة، فقال: إياي فاسألوا عنه. كان من أظرف الناس، خفيف العارضين، آدم حلو المضحك، إذا أنشد اختصر، وأتاني يوماً فقال: «إن مية منقرية، وإن بني منقر أخبث حي، وأعلمه بأثر، فهل عندك من ناقة نزورها عليها» ؟ فقلت: «إي والله، عندي اثنتان» ، قال: فسرنا، فخرجنا حتى أشرفنا على الحي وهم خلوف، فعرف النساء ذا الرمة، فعدلن بنا إلى بيت مي، وأنخنا عندها، فقلن لذي الرمة: «أنشدنا يا أبا الحارث» ، فقال: «أنشدهن» ، فأنشدتهن قوله:
نظرت إلى أظعان مي كأنها ... ذرى النخل أو أثلٌ تميد ذوائبه
فأشعلت النيران والصدر كاتمٌ ... بمغرورقٍ تمت عليه سواكبه
بكى وامقٌ جاء الفراق ولم تجل ... جوائلها أسراره؟ ومعاتبه
فقالت ظريفة منهن: «ابكي اليوم» ، فمررت فيها حتى انتهيت إلى قوله:
إذا سرحت من حب مي سوارحٌ ... على القلب، آبته جميعاً عوازبه
فقالت الظريفة: «قتلته، قتلك الله» ! فقالت: «ما أصحه، وهنيئاً له» . فتنفس ذو الرمة تنفساً كادت حرارته تساقط لحمي، ثم مررت فيها حتى انتهيت إلى قوله:
وقد حلفت بالله مية، ما الذي ... أقول لها إلا الذي أنا كاذبه
إذاً، فرماني الله من حيث لا أرى ... ولا زال في أرضي عدوٌ أحاربه
فالتفتت مي إلى ذي الرمة، فقالت: «ويحك! خف عواقب الله» ، ثم أنشدت إلى أن انتهيت إلى قوله:
إذا نازعتك القول مية، أو بدا ... لك الوجه منها، أونضا الدرع سالبه
فيا لك من خد أسيلٍ ومنطقٍ ... رخيمٍ، ومن خلقٍ يعلل جاذبه
فقالت تلك الظريفة: «أما القول، فقد نازعتك، والوجه فقد بدا لك. فمن لنا بأن ينضو الدرع سالبه؟ فقالت لها مي: «قاتلك الله! ما أنكر
стр. 269
ما تجيئين به اليوم» . فتحادثنا ساعة، ثم قالت تلك الظريفة: «ما أحوج هذين إلى الخلوة، فنهضت وسائر النساء، فصرت إلى بيت قريب منهما حيث أراهما، فما ارتبت بشيء، ولا رأيت أمراً كرهته، فلبث ساعة، ثم أتاني، ومعه قارورة وثلاث قلائد، فقال: «هذا طيب زودتناه مي، وقلائد أتحفتك بها ابنة الجودي» .
فكنا نختلف إليها حتى انقضى المربع، ودعانا الصيف، فرحلوا قبلنا، وأتاني ذو الرمة فقال: «قد ظعنت مي، فلم يبق إلا الديار، والنظر إلى الآثار، فاخرج بنا إلى دارها، فخرجت معه، حتى إذا وقفنا عليها، أنشأ يقول:
ألا فاسلمي يا دار مي على البلى ... ولا زال منهلاً بجرعائك القطر
حتى أتى على آخرها، ثم انهملت عيناه بصبره. فقلت له: «ما هذا» ؟ فقال: «إني لجليد، وإن كان مني ما ترى» . فما رأيت أحداً أحسن شوقاً وصبابة وعزاء منه.
وعن سليمان، رواية أبي نواس، قال: كنت مع أبي نواس أسير حتى انتهينا إلى درب القراطيس، فخرج من الدرب شيخ نصراني، وخلفه غلامٌ كأنه غصن بانٍ يتثنى كأحسن ما رأيت، فقال: «يا سليمان، أما ترى الدرة خلف البصرة» ؟ ثم قال: «هل لك أن تأخذ مني رقعة فتوصلها إليه» ؟
قلت: «بلى» . فكتبها، ودفعها إلي، فأوصلتها إليه، فإذا أملح غلام وأخفه روحاً، فقال: «من صاحب الرقعة» ؟ قلت: «أبو نواس» ، قال:
«أين هو» ؟ قلت: «على باب درب القراطيس» . قال: «فليقف مكانه حتى أروح» ، وكان في الرقعة:
تمر فأستحييك أن أتكلما ... ويثنيك زهو الحسن عن أن تسلما
ويهتز في ثوبيك كل عشيةٍ ... قضيبٌ من الريحان أضحى منعما!
فحسبك أن الجسم قد شفه الهوى ... وأن جفوني فيك قد ذرفت دما
أليس عجيباً عند كل موحدٍ ... غزالٌ مسيحي يعذّب مسلما
стр. 270
فلولا دخول النار بعد تنصرٍ ... عبدت مكان الله عيسى بن مريما
وحدثنا الجماز، قال: كنت يوماً على باب عدي الدراع، فمر بي أبو نواس شبيهاً بالمجنون، فإذا خلفه غلام كأنه مهر عربي، فقلت له:
«مالك» ؟ فقال:
إن الرزية لا رزية مثلها ... عوز المكان وقد تهيا المركب
فعدلت به وبالغلام، فأقاما سائر يومهما. قال: «وكان عبيد الله بن يحيى يتعشق غلاماً من دار المتوكل، يقال له (رشيق) ، فلا يصل إليه حتى طال ذلك عليه، وكان أبو الأخطل يخلفه في المركب، وينبسط إليه، فقال له أبو عبيد الله يوماً: «يا أبا الأخطل من لي برشيق» ؟ فقال: «الصفر الصفار، والبيض الصحاح» . وجعل عبيد الله يلقى رشيقاً في الدار، فيخلو به ويساره، ويعطيه مائة دينار في كل لقية، إلى أن علم رشيق بما في نفس عبيد الله، وكان يتعذر عليهما الإجتماع لقضاء الوطر واللذة، فركب أمير المؤمنين يوماً، ومعه أبو الأخطل، فطلب عبيد الله، وتعمد أبو الأخطل رشيقاً، فرده إليه؛ فلما ظفر به في منزله خالياً، قضى حاجته منه، وركب يريد أمير المؤمنين مسرعاً، فوصل إلى الموكب، وقد تصبب عرقاً، فقال أبو الأخطل:
لا خير عندي في الخلي ... ل، ينام عن سهر الخليل
قولوا لأكفر من رأي ... ت لكلّ معروف جليل
هل تشكرنّ لي الغدا ... ة تلطفي لك في الرسول
إذ نحن في صيد الجبا ... ل، وأنت في صيد السهول
ما قيل فيه من الشعر:
وتمشيت في الجميل فأسرعت ... وإن كنت لست تأتي جميلا
إن من مد للقيادة رجلاً ... لحريٌ بأن يكون نبيلا
وقال آخر:
стр. 271
لهواه لإتلاف ... وملاه لاختلاف
ليس يقرا من كتاب ... الله إلا لإيلاف
وقال آخر:
إن الرقاشي من تكرمه ... بلغه الله منتهى هممه
يبلغ من بره ورأفته ... حملان أضيافه على حرمه
ومن محاسن ذلك، حدثنا علي بن الحسين بن علي بن عثمان بن علي بن الحسن، قال: كانت «ضمير» جارية مولدة لميمونة بنت الحسن بن علي بن زيد؛ فأدبتها، وعلمتها الغناء فبرعت فيه؛ وكانت من أحسن الناس وجهاً وبدناً، وأبرعهم غناء وضرباً، فأعطيت بها مولاتها عشرة آلاف دينار؛ فلما أرادت أن تبيعها، وأحضر المال، بكت وقالت: «يا سيدتي، ربيتني واتخذتني ولداً، ثم تريدين بيعي، فأتغرب عنك ولا أرى وجهك» ، قالت:
«أشهد الله ومن حضر أنك حرة لوجه الله» ! فلما ماتت ميمونة، خطبها آل أبي طالب وغيرهم، فغلب عليها جعفر بن حسن بن حسين، فتزوجها وأحبها حباً شديداً، فقدم بها البصرة، فقال علي بن الحسين، وكان يجالسها ويسمع غناءها؛ فأردت الخروج إلى الرضي بخراسان، فودعت جعفراً وخرجت، فأقمت بالأهواز أياماً أتهيأ للخروج على طريق فارس، فورد علي كتاب جعفر أنه قد وقع بينه وبين «ضمير» شر، وإنها قد أغلظت له حتى تناولها ضرباً، وأنها على مفارقته، وسألني القدوم لأصلح بينهما، فقال علي بن الحسين: وكانت لي حاجة بالرضي، وكنت أرجو لذلك في وجهي منه ومن المأمون الغنى؛ فلما قرأت كتابه، لم أعط صبراً حتى انصرفت راجعاً إلى البصرة، فجئت إلى جعفر، فأوقعت به شتماً وعذلاً، ثم أرسلت إليها: أقسمت عليك بحقي ألا رجعت؛ فخرجت مرهاء، شعثة، وسخة الثياب، حتى جلست بينهما، فأقبل جعفر يعطيني من نفسها لها كل ما أريد وهي ساكتة، ثم قلت: «يا جارية، هاتي العود» ؛ فأخذته، فأصلحت منه حتى تغنت وهي تبكي، ودموعها تكف:
стр. 272
أرتجي خالقي وأعلم حقاً ... أنه ما يشاء ربي كفاني
لا تلمني، وارفق خليلي بشأني ... إنه ما عناك يوماً عناني
قال علي بن الحسين: فو الله ما رأيت أحسن منها، ولا أرق من غنائها بهذا الصوت، فما برحت حتى اصطلحا، وألهتني، والله، عن الغنى؛ فأقمت بالبصرة.
وعن الكلبي «١» ، قال: بينا عمر بن أبي ربيعة يطوف بالبيت في حال نسكه، فإذا هو بشاب قد دنا من شابة ظاهرة الجمال؛ فألقى إليها كلاماً، فقال له عمر: «يا عدو الله، في بلد الله الحرام، وعند بيته تصنع هذا» ؟
فقال: «يا عماه، إنها ابنة عمي، وأحب الناس إلي، وإني عندها لكذلك، وما كان بيني وبينها من سوء قط أكثر مما رأيت» . قال: «ومن أنت» ؟
قال: «أنا فلان بن فلان» ، قال: «أفلا تتزوجها» ؟ قال: «أبى علي أبوها» ، قال: «ولم» ؟ قال: «يقول ليس لك مال» ، فقال: «انصرف، والقني» ، فلقيه بعد ذلك، فدعا ببغلته فركبها، ثم أتى عم الفتى في منزله، فخرج إليه فرحاً بمجيئه، ورحب وقرب، فقال: «ما حاجتك، يا أبا الخطاب» ؟ قال: لم أرك منذ أيام فاشتقت إليك، قال: «فانزل» ، فأنزله وألطفه، فقال له عمر في بعض حديثه: «إني رأيت ابن أخيك، فأعجبني تحركه، وما رأيت من جماله وشبابه» ، قال له: «أجل! ما يغيب عنك أفضل مما رأيت» ، قال: «فهل لك من ولد» ؟ قال: «لا، إلا فلانة» . قال: «فما يمنعك أن تزوجه إياها» ؟ قال: «إنه لا مال له» قال:
«فإن لم يكن له مال، فلك مال» ، قال: فإني أضن به عنه، قال:
لكني لا أضن به عنه، فزوجه واحتكم، قال: مائة دينار، قال:
نعم. فدفعها عنه، وتزوجها الفتى، وانصرف عمر إلى منزله، فقامت إليه جارية من جواريه، فأخذت رداءه، وألقى نفسه على فراشها وجعل يتقلب؛ فأتته بطعام، فلم يتعرض له، فقالت: أظنك، والله، قد وجدت
стр. 273
بعض ما كان يعرض لك من حكم النساء، فلا تكتمها) ، فقال: هاتي الدواة، فكتب:
تقول وليدتي لما رأتني ... طربت، وكنت قد أقصرت حينا
أراك اليوم قد أحدثت شوقاً ... وهاج لك الهوى داء دفينا
وكنت زعمت أنك ذو عزاء ... إذا ما شئت فارقت القرينا
بعيشك هل أتاك لها رسولٌ ... يسرك أم لقيت لها خدينا
فقلت شكا إلي أخٌ محبٌ ... كبعض زماننا إذ تعلمينا
وذو القلب المصاب ولو تعزى ... مشوقٌ حين يلقى العاشقينا
فقص علي ما يلقى بهندٍ ... وأشبه ذاك ما كنا لقينا
فكم من خلةٍ أعرضت عنها ... وكنت بودها دهراً ضنينا
أردت فراقها، فصبرت عنها ... ولو جن الفؤاد بها جنونا
قال: وقال عمر بن أبي ربيعة: بينا أنا خارج محرماً، إذ أتتني جارية كأنها دمية في صفاء اللجين، في ثوب قصب كقضيب على كثيب، فسلمت علي، وقالت: أنت عمر بن أبي ربيعة، فتى قريش وشاعرها؟ قلت: أنا، والله، ذاك. قالت: فهل لك أن أريك أحسن الناس وجهاً؟ قلت: ومن لي بذلك؟ قالت: أنا والله بذلك، على شريطة، قلت: وما هي؟ قالت:
أعصبك وأربط عينيك وأقودك ليلاً، قلت: لك ذاك.
قال: فاستخرجت معجراً من قصب عجرتني به، وقادتني حتى أتت مضرباً، فلما توسطته، فتحت العجارة عن عيني، فإذا أنا بمضرب ديباج أبيض مزرر بحمرة مفروش بوشي كوفي، وفي المضرب ستارة مضروبة من الديباج الأحمر، عليها تماثيل ذهب، ومن ورائها وجه لم أحسب أن الشمس وقعت على مثله حسنا وجمالاً، فقامت كالخجلة، وقعدت قبالتي، وسلمت عليّ، فخيّل بي أن الشمس تطلع من جبينها، وتغرب في شقائق خدها، قالت: أنت عمر ابن أبي ربيعة، فتى قريش وشاعرها؟ قلت: أنا ذلك، يا منتهى الجمال، قالت: أنت القائل:
стр. 274
بينما ينعتنني، أبصرنني ... دون قيد الميل، يعدو بي الأغر
قالت الكبرى: أتعرفن الفتى؟ ... قالت الوسطى: نعم، هذا عمر
قالت الصغرى، وقد تيمتها: ... قد عرفناه، وهل يخفى القمر؟
قلت: أنا، والله، قائلها يا سيدتي، قالت: ومن هؤلاء؟ قلت:
يا سيدتي، ما هو عن قصد مني، ولا في جارية بعينها، ولكني رجل شاعر أحب الغزل وأقول في النساء قالت: يا عدو الله، يا فاضح الحرائر. أنت قد فشا شعرك بالحجاز، وأنشده الخليفة والأمراء، ولم يكن في جارية بعينها؟
يا جواري، أخرجنه. فخرجت الوصائف، فأخرجنني، ودفعنني إلى الجارية، فعجرتني، وقادتني إلى مضربي، فبت بليلة كانت أطول من سنة، فلما أصبحت بقيت هائماً لا أعقل ما أصنع، فما زلت أرقب الوقت؛ فلما كان وقت المساء، جاءتني الجارية، وسلمت علي، وقالت: يا عمر هل رأيت ذلك الوجه! قلت: أي والله. قالت: فتحب أن أريكه ثانية؟ قلت:
إذا تكرمت، فتكونين أعظم الناس علي منه، فقالت: على الشريطة؛ فاستخرجت المعجر، وعجرتني وقادتني، فلما توسطت المضرب، فتحت العصابة، عن وجهي، فإذا أنا بمضرب ديباج أحمر مدثر ببياض مفروش بفرش ارمني، فقعدت على نمرقة «١» من تلك النمارق، فإذا أنا بالشمس الضاحية قد أقبلت من وراء الستر تتمايل من غير سكر، فقعدت كالخجلة، فسلمت علي، وقالت: أنت عمر بن أبي ربيعة، فتى قريش وشاعرها؟
قلت: أنا ذاك، قالت: أنت القائل:
وناهدة الثديين قلت لها: اتكي ... على الرمل في ديمومةٍ لم توسد
فقالت: على اسم الله أمرك طاعةٌ ... وإن كنت قد كلفت ما لم أعود
فما زلت في ليلٍ طويلٍ ملثماً ... لذيذ رضاب المسك كالمتشهد
فلما دنا الإصباح قالت فضحتني، ... فقم غير مطرودٍ، وإن شئت فازدد
فما ازددت منها، واتشحت بمرطها ... وقلت لعيني: اسفحا الدمع من غد
فقامت تعفى بالرداء مكانها ... وتطلب شذراً من جمان مبدد
стр. 275
قلت: أنا قائلها. قالت: فمن الناهدة الثديين؟ قلت: يا سيدتي، قد سبق في الليلة الأولى؛ والله، ما هو مني قصد، ولا في جارية بعينها، ولكني رجل شاعر أحب الغزل وأقول في النساء. قالت: يا عدو الله، أنت قد فشا شعرك بالحجاز، ورواه الخليفة، وتزعم أنه لم يكن في جارية بعينها؟ يا جواري، ادفعنه» . فوثبت الجواري، فأخرجنني ودفعنني إلى الجارية، فعجرتني، وقادتني إلى مضربي، فبت في ليلة كانت أطول من الليلة الأولى. فلما أصبحت، أمرت بخلوق، فضرب لي، وبقيت ارقب الوقت هائما؛ فلما كان وقت المساء، جاءتني الجارية، فسلمت علي وقالت: «يا عمر! هل رأيت ذلك الوجه» ؟ قلت: «أي والله» ، قالت:
«أفتحب أن أريكه الثالثة» ؟ قلت: «إذن تكونين أعظم الناس علي منة» .
قالت: «على الشريطة» ؟ قلت: «نعم» . فاستخرجت المعجر، وعجرتني به، وقادتني حتى أتت بي المضرب، فلما توسطته، فتحت العصابة عن عيني، فإذا أنا في مضرب ديباج أخضر مدثر بحمرة، مفروش بخز أحمر، وإذا أنا بالشمس الضاحية قد أقبلت من وراء الستر كحور الجنان، فسلمت علي وقالت: «أنت عمر بن أبي ربيعة، فتى قريش، وشاعرها» ؟ قلت:
«أنا ذاك» ! قالت: أنت القائل:
نعب الغراب ببين ذات الدملج ... ليت الغراب ببينها لم يشحج «١»
ما زلت أتبعهم وأتبع عيسهم ... حتى دفعت إلى ربيبة هودج
قالت: وعيش أخي، وحرمة والدي ... لأنبهن الحي إن لم تخرج
فلثمت فاها آخذاً بقرونها ... شرب النزيف ببرد ماء الحشرج
فتناولت كفي لتعرف مسها ... بمخضب الأطراف غير مشنج
قلت: «أنا قائلها» ، قالت: «يا عدو الله، أنت الذي فضحتها ونفسك، وجهي من وجهك حرام، إن عدت إلي. يا جواري أخرجنه» ! فوثب إلي الوصائف، وأخرجنني، ودفعنني إلى الجارية، فعجرتني
стр. 276
وقادتني، وقد كنت عند خروجي من مضربي ضربت يدي بالخلوق، وأسدلت عليها ردائي؛ فلما صرت إلى باب مضربها، أخرجت يدي، ووضعتها على جانب المضرب وضعاً بيناً، فلما أصبحت، صحت بغلماني وعبيدي، ولي ألف عبد: «من أتاني بخبر المضرب الذي ضرب فيه بكذا وكذا، فهو حر لوجه الله» . فلما كان في وقت المساء، أتتني وليدة سوداء، فقالت: «قد عرفت المضرب، وهو لرملة أخت عبد الملك بن مروان» .
فأعتقتها، وأمرت لها بمائتي دينار، وأمرت بمضربي، فقلع، وضرب بحذاء مضربها، وكتب بالخبر إلى عبد الملك بن مروان، فكتب إليها بالرحيل؛ فركبت هودجها، وركبت فرسي، فزاحمتها في بعض الطريق، فأشرفت علي من هودجها، فقالت: «إليك عني، أيها الرجل» ! قلت: «خاتم أو قميص أذكرك به» . فقالت لبعض جواريها: «ألقي إليه قميصاً من قمصي» .
فأخذته وأنا أقول:
فلا وأبيك ما صوت الغواني ... ولا شرب التي هي كالفصوص
أردت برحلتي وأريد خطاً ... ولا أكل الدجاج، ولا الخبيص
قميصٌ ما يفارقني حياتي ... أنيسٌ في المقام وفي الشخوص
وجعلت أنزل بنزولها، وأركب بركوبها، حتى كنا من الشام على ثلاث مراحل؛ فاستقبلها عبد الملك في خاصته، فدخل إليها ثم قال: «يا رملة، ألم أنهك أن تطوفي بالبيت إلا ليلاً، يحفك الجواري، ويحف الجواري الخدم، ويحف الخدم الوكلاء لئلا يراك عمر بن أبي ربيعة» ؟
قالت: «والله، وحياة أمير المؤمنين ما رآني ساعة قط» ، فخرج من عندها، فبصر بمضربي، فقال: «لمن المضرب» ؟ قيل: «لعمر بن أبي ربيعة» .
قال: «علي به» . فأتيته بلا رداء، ولا حذاء، فدخلت عليه وسلمت عليه؛ قال: «يا عمر، ما حملك على الخروج من الحجاز من غير إذني» ؟ قلت:
«شوقاً إليك، يا أمير المؤمنين، وصبابة إلى رؤيتك» . فأطرق ملياً، ينكت في الأرض بيده، ثم رفع رأسه فقال: «يا عمر، هل لك في واحدة» ؟
قلت: «وما هي، يا أمير المؤمنين» ؟ قال: «رملة أزوجكها» ، قلت: «يا
стр. 277
أمير المؤمنين، وإن هذا لكائن» ، قال: «أي، ورب السماء» ، ثم قال:
«قد زوجتك، فادخل عليها من غير أن تعلم» ، فدخلت عليها، فقالت:
«من أنت؟ هبلتك أمك» . فقلت: «يا سيدتي، أنا المعذب في الثلاث» ، فارتحلت وأنا عديلها، فأنشأت أقول:
لعمري، لقد نلت الذي كنت أرتجي ... وأصبحت لا أخشى الذي كنت أحذر
فليس كمثلي اليوم كسرى وهرمزٌ ... ولا الملك النعمان مثلي، وقيصر
فلم أزل معها بأحسن عيشة وغبطة.
стр. 278
أحاديث الجنس
الدبيب «١» : قال الأصمعي: «أخبرني رجل من بني أسد أنه خرج في طلب إبل قد ضلت؛ فبينا هو يسير في بلاء وتعب، وقد أمسى في عشية باردة، إذ رفعت له أعلام، قال: فقصدت بيتاً منها، فإذا أنا بامرأة جميلة ذات جزالة، فسلمت فردت علي السلام، ثم قالت: أدخل، فدخلت، فبسطت لي، ومهدت، وإذا في حرجها صبي أطيب ما يكون من الولدان.
فبينا هي تقبّله، إذا أقبل رجل أمام الإبل، دميم المنظر، ضئيل الجسم، كأنه بعرةٌ دمامةً واحتقاراً، فلما بصر به الصبي، هش إليه وعدا في تلقائه، فاحتمله وجعل يقبله ويفديه، فقلت في نفسي: أظنه عبداً لها. فجاءني ووقف بباب الخيمة وسلم، فرددت ﵇؛ فقال: «من ضيفكم هذا» ؟ فأخبرته، فجلس إلى جانبها، وجعل يداعبها، فطفقت أنظر إليها تارةً، وإليه أخرى، أتعجب من اختلافهما، كأنها الشمس حسناً، وكأنه القرد قبحا، ففطن لنظري، وقال: «يا أخا بن أسدٍ، أترى عجباً» ؟ قال:
«تقول أحسن الناس وجهاً، وأقبح الناس وجهاً، فليت شعري كيف جمع بينهما؟ أخبرك كيف كان ذلك» ؟! قلت: «ما أحوجني إلى ذلك» ! قال: «كنت سابع أخوتي كلهم، لو رأيتني معهم ظننتني عبداً لهم وكان أبي وأخوتي كلهم أصحاب إبل وخيل، وكنت من
стр. 279
بينهم مطروحاً لكل عمل دنيء، للعبودية تارة، ولرعي الإبل أخرى؛ فبينا أنا ذات يوم تعب مكتئب، إذا ضل لنا بعير، فتوجه أخوتي كلهم في بغائه، فلم يقدروا عليه، فأتوا أبي وقالوا: «ابعث فلاناً ينشد لنا هذا البعير» ، فدعاني أبي وقال: «أخرج فانشد هذا البعير» . فقلت: «والله ما أنصفتني ولا بنوك. أما إذا الإبل درت ألبانها، وطارت ركوبها، فأنتم جماعة أهل البيت أربابها، وإذا ندت ضلالها فأنا باغيها» . فقال: «قم، يا لكع، فإني أراه آخر يومك» .
فغدوت مقهوراً، خلق «١» الثياب، حتى أتيت بلاداً لا أنيس بها، فطفقت يومي ذلك أجول في القفر، فلما أمسيت، رفعت لي أبيات، فقصدت أعظم بيت منها، فإذا امرأة جميلة مخيلة للسؤدد والجزالة، فبدأتني بالتحية وقالت: «انزل عن الفرس، وأرح نفسك» . فأتتني بعشاء، فتعشيت، وأقبلت هذه تسخر مني وتقول: «ما رأيت كالعشية أطيب ريحاً منك، ولا أنظف ثوباً، ولا أجمل وجهاً» .
فقلت: «يا هذه دعيني وما أنا فيه، فإني عنك في شغل شاغل» ، فأبت علي وقالت: «هل لك أن تلج على السجف إذا نام الناس» ؟
فأغراني- والله- الشيطان؛ فلما شبعت من القرى، وجاء أبوها وأخوتها، فضجعوا أمام الخيمة، قمت ووكزته برجلي. قالت: «ومن أنت» ؟ قلت:
«الضيف» . قالت: «لا حياك الله، أخرج، عليك لعنة الله» ؛ فعلمت أني لست في شيء من أمرها؛ فوليت راجعاً، فواثبني كلب كأنه السبع لا يطاق، فأراد أكلي، فأنشب أنيابه في مدرعة صوف كانت علي، وجعل يمزقني، فردني القهقرى، وتعذر علي الخلاص، فأهويت أنا والكلب من قبل عقبي في بئر أحسن الله إليّ أنه لا ماء فيه؛ فلما سمعت المرأة الواغية، أتت بحبلٍ فأدلته، وقالت: «إرتق، لعنك الله؛ فو الله لولا أنه يقتص أثري غداً، لوددت أنها قبرك» .
стр. 280
فاعتنقت الحبل، فلما كدت أن أتناول يدها، قضي أن تهور ما تحت قدميها، فإذا أنا، وهي، والكلب في قرارة البئر؛ بئر أيما بئر؟ إنما هي حفرة لا طي لها، ولا مرقاة، كأشد بلية بنا عضاً: الكلب ينبح من ناحية، وهي تدعي بالويل والثبور من ناحية، وأنا منقبع قد برد جلدي على القتل من ناحية.
فلما أصبحت أمها، فقدتها، فلما لم ترها، أتت أباها، فقالت: «يا شيخ، أتعلم أن ابنتك ليس لها أثر يحس» ؟ وكأن ابوها عالماً بالآثار، فلما وقف على شفير البئر، ولى راجعاً، فقال لولده: «يا بني! أتعلمون أن أختكم وضيفكم وكلبكم في البئر» ؟ فبادروا كالسباع، فمن بين آخذٍ حجراً، وآخذٍ سيفاً أو عصاً، وهم يومئذ يريدون أن يجعلوا البئر قبري وقبرها؛ فلما وقفوا على شفير البئر، قال أبوهم: «إن قتلتم هذا الرجل، طولبتم بدمه، وإن تركتموه افتضحتم. وقد رأيت أن أزوجها إياه، فو الله ما يقدح لها في نسب ولا في حسب» . ثم قال لي: «أفيك خير» ؟ فلما شممت روح الحياة، وثاب إلي عقلي، قلت: «وهل الخير كله إلا في؟ فهات أحتكم» . فقال: «مائة بكرة وبكرة، وجارية وعبد» ، فقلت: «لك ذلك، وإن شئت فازدد» .
فأخرجت أولاً، والكلب ثانياً، وأخرجت ثالثاً، فأتيت أبي، فقال:
«لا أفلحت، فأين البعير» ؟ قلت: «أربع عليك، أيها الشيخ، فإنه كان من القصة كيت وكيت» قال: «أفعل، والله، ولا أخذلك» . فدعا بالإبل، فعد منها مائة بكرة وبكرة، وسقناها مع جارية وعبد وأخذت منه هذه غرة نفسها.
قال: «والله كذلك، وجعلت تصدف عن حديث زوجها صدوف المهرة العربية سمعت لجامها، وربما قالت: «لا أطاب الله خبرك» .
وضده، قال: وقيل لخراش الأعرابي: حدثنا ببعض هناتك. قال خرجت في بغاء ذود لي، فدفعت في عشية شاتية إلى أخبية كثيرة، فضافوا وحيوا ورحبوا، فلما أدرت النوم، أقاموا فتاة لهم من موضع مبيتها،
стр. 281
وجعلوني مكانها لئلاً أتأذى بالغنم.
وإني لمضطجع، إذا أنا بيد إنسان يجامشني، ويريد في الظلمة مؤاتاتي؛ فقعدت، فإذا أنا برجل يمد يده، ومعه علبة فيها أرنب مشوية، فأخذتها وجعلتها في شيء كان معي. ثم مد يده ثانياً، فناولته يدي، فأقتبضني على غرمول كمثل الوتد، فلم أنفر منه، ولم أره وحشة؛ وجررت ما عندي، وتناولت يده، فأقبضته على مثل ما أقبضني عليه، ففطن، ورمى بملحفة خز كانت عليه، ووثب مذعوراً، فنفرت الإبل، وهاجت الغنم، وكدت أغشى لما بي من الضحك، وأخفيت ما بي وكتمته.
فلما أصبحت، ركبت راحلتي، ومعي الملحفة والأرنب. امتد الضحى، إذا أنا بإبل فأخذت نحوها، فإذا شابٌ حسن الهيئة؛ فسلمت عليه، فرد السلام ثم قال: «إن كان معك ما نأكل مصب من هذا الوطب» .
فأخرجت العلبة، فلما رآها عرفها، وقال:
«إنك هو» ؟ قلت: «وما هو» ؟ قال: «صاحب البارحة» ؟ قلت:
«نعم، إن كنت إياه» قال: «الحمد لله الذي أتى بك، لو لم تأت لظننت أني أوسوس وذلك أني لصاحبة الستر عاشق؛ وتعلم ما فعلت وما فعلت البارحة، ولا تطيّق حتى ابتلاني الله بك البارحة، وجعلت أقول حين أقبضتني عليه: أتراها تحولت رجلاً؟ وإني لفي شك من أمري حتى أتاني الله بك» . فأكلت أنا وهو، الأرنب، وشربنا من اللبن، وصرنا أصدقاء.
قال الأصمعي: أتى خالد بن عبد الله أعرابي، فأضافه وأحسن إليه وبذل له صحن الدار؛ فلما كان في بعض الليل، اشرف عليه يتعاهد منه ما كان يتعاهد من ضيفه، فإذا هو قد دب على جارية، وهو على بطنها، فأعرض عنه؛ فما لبث الإعرابي أن فرغ وقام يمسح فيشلته، فضربته عقرب، فصاح واستغاث، وأشرف خالد عليه وهو يقول:
وداري إذا نام سكانها ... تقيم الحدود بها العقرب
إذا غفل الناس عن دينهم ... فإن عقاربنا تغضب!!
стр. 282
قال: وكان أعرابي ضيفاً لقومٍ، فنظر إلى جارية جميلة، فدب إليها، فإذا عجوز في صحن الدار تصلي، فعاد إلى فراشه، ثم عاودها فنبح الكلب، ثم عاد إليها، فإذا القمر قد طلع، فأنشأ يقول:
لم يخلق الله خلقاً كنت أكرهه ... إلا العجوز وعين الكلب والقمر
هذا يصيح وهذا يستضاء به ... وهذه شيخةٌ قوامة السحر
وقال: وشرب سعيد بن حميد البصري عند راشد، فدب على غلامه، فكتب إليه سعيد:
ما سمعنا من قبلها بأديبٍ ... بارع الظرف، ماجدٍ، قمقام «١»
ضل عنه، وهو المهذب علماً ... فتكات الكؤوس بالأحلام
أين ما جاء من حديث رسول ال ... له مولاي سيد الأحكام
ما على مثقلٍ من النوم، والسك ... ران عيبٌ فيما أتى من أثام
ثم أين الذي به حكم المأ ... مون في الظرف منه، والإسلام
أيما ماجد أراد سروراً ... باجتماعٍ من معشر الندام،
فعليه طي البساط بما قد ... سنة السكر من قبيحٍ وذام
حلت بيني وبين عقلي بأرطا ... لك، والمترعات من كل جام
ثم وكلت في العسوف رشيقاً ... فسقاني بظرفه والمدام،
ثم باكرتني بعتبك واللو ... م، لقد حدت عن سبيل الكرام
وتغضبت أنني قدت عمراً ... ثم ثنيت، بعده، بغرام
هل رأيت الإله يأخذ مجنو ... ناً بسكرٍ، أو حالما في منام
لن تراني معاشراً لك ما عش ... ت، ولو دمت عائشاً ألف عام
أو ترى تائا، وتستغفر الل ... هـ، لما كان من شنيع الكلام
стр. 283
فأجابه راشد، فقال:
يا أبا جعفرٍ، سليل المعالي ... ونجيب الأخوال والأعمام
إن يكن قد أتاك عني مزح ... لم يكن عن حقيقةٍ في الكلام
أو أكن فيه كالذي كان يغدو ... بملامٍ عليك في اللوام
إنني عالمٌ بأنك لم تأ ... ت قبيحاً ولا ارتكاب الأثام
هو ذنب المدام لا ذنب خلٍ ... لم يزل حافظاً لعهد الذّمام
ثم ذنب العيون يابن حميدٍ ... فله الذنب بعد إست غرام
قعدا في طريق أيرك حتى ... عرضاه للظن والإتهام
فتغمد أخاك بالصفح فالصف ... ح دليلٌ على سجايا الكرام
إنّني تائب واستغفر الّ ... هـ لما كان من شنيع الكلام
ما قيل في ذلك من الشعر:
فما أعينٌ عشر على ساق نرجسٍ ... تضاحك عين الشمس بالمقل الصفر
بأحسن ممن زارني بعد هجعةٍ ... يميس هوينا في الظلام على ذعر
قال: ودب رجل على قينةٍ في مجلس، فغنت:
ماذا يشوش طرتي ... يا قوم في وقت السحر
ماذا يعالج تكتي ... ويلاه عذبني السهر
وقال علي بن حمزة:
متورد الخدين من خجل ... متخاذل الأعضاء من كسل
خاض الدجى، والشوق يحمله ... وأتاك يمشي غير منتعل
ما راعني إلا تدافعه ... كالغصن بين الصدر والكفل
وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
قالت، وأبثثتها سري وبحت به: ... «قد كنت عندي تحب السّتر، فاستتر
стр. 284
ألست تبصر من حولي؟» فقلت لها: ... «غطى هواك، وما ألقى، على بصري
الباه: حكي عن عالج، جارية مكشوح، أنها حدثت مولاتها أنها كانت تغتسل كل يوم. فسألتها عن ذلك، فقالت: «يا هذه! إنه يجب على المرأة ما يجب على الرجل بعد احتلامه» . قالت: «أو تحتلمين» ؟ قالت:
«إنه لا تأتي علي ليلة لا أجامع فيها إلا وأحتلم» . قالت: «فكيف يكون ذلك» ؟ قالت: «أرى كأن رجلاً يجامعني. ولقد رأيت ليلة كأني مررت بد كان أبي مالك الطحان وبغل له واقف قد أدلى، ورماني تحته، وأولجه، فاحتلمت؛ ثم انتبهت، وأنا أجد معكة في مراق بطني، ولذة في سويداء قلبي. وكان هذا البغل إذا أدلى، حك الأرض برأس أيره، وضرب به في بطنه، فترى الغبار يتطاير عن يمينه وشماله» .
قال: وكانت مهدية بنت جبير التغلبية تقول: «ما في بطن الرجل بضعة أحب إلى المرأة من بضعة تناط بعقد الحالبين، ومنفرج الرجلين» .
حدثني جهمٌ قال. قلت لامرأة من كلب: «ما أحب الأشياء من الرجال إلى النساء» ؟ قالت: «ما يكثر الأعداد، ويزيد في الأولاد، حربة في غلاف تناط بحقوي رجل جاف، إذا غامس أوهى، وإذا جامع أنجى» .
قال: وقال أبو ثمامة لامرأة من زبيد، وهي تبكي عند قبر من الميت:
لم تبكين؟ قالت: كان يجمع بين حاجبي والساق، ويهزني هز الصارم الأعناق، والله لولا ما ذكرته لك، ما استهلت بالدموع عيناي، وقد كذبتك امرأة تبكي على زوجها لغير ما أعلمتك» . قال: وركب الرشيد حماراً مصرياً، وطاف على جواريه، فقالت له واحدة: «يا مولاي، ما أكثر ما تركب هذا الحمار» ! قال: «لأنه يسب طيغور» ، قالت: «فمن يسب طيغور يركب» ؟ قال: نعم. قالت: «ففي حر أم طيغور» . قال: فنزل ووقعها. وأنشد في مثله:
نظرت إليها حين مرت كأنها ... على ظهر عادي فتاةٌ من الجن
ولي نظرٌ لو كان يحبل، ناظرٌ ... بنظرته أنثى، لقد حبلت مني
стр. 285
العنين «١» : قال بعضهم: تزوج العجاج امرأة يقال لها الدهناء بنت مسحل، فلم يقدر عليها، فشكت ذلك إلى أهلها، فسألوه فراقها، فأبى، وقال لأبيها، «تطلب لابنتك الباه» ؟ قال: «نعم، عسى أن ترزق ولداً، فإن مات كان فرطاً، وإن عاش كان قرة عين» . فقدموه إلى السلطان، فأجله شهراً ثم قال:
قد ظنّت الدّهنا وظنّ مسحل ... الأمير بالقضاء يعجل
عن كسلاتي والحصان يكسل ... عن السفاد وهو طرفٌ هيكل
ثم أقبل على امرأته، فضمها إلى صدره، فقالت:
تنح لن تملكني بضم ... ولا بتقبيل ولا بشم
إلّا بزعزاع يسلّي همّي ... يقط منه فتحي في كمي
يطير منه حزني وغمي
(وروى) ابن أبي الدنيا أن إعرابياً أخبره أن امرأة منهم زفت إلى رجل، فعجز عنها، فتذاكر الحي أمر الضعفاء من الأزواج عن الباه، وامرأة الأعرابي تسمع. فتكلمت بكلام ليس في الأرض أعف منه، ولا أدل على عجز الرجل عن النساء، فقالت متمثلة:
تبيت المطايا حائداتٍ عن الهدى ... إذا ما المطايا لم تجد من يقيمها
قال الرقاشي: حدثني أبو عبيدة، قال: سمعت ناساً من الحجاز يقولون: تزوج رجل منا امرأة، فعجز عنها، إلا أنه إذا لامسها، ابتأر فيها، فقضي أن حملت، وما مكثت إلا أن رأس ولدها، فجلس في المجلس، فقال له قائل: «لقد جئت من بلل قليل» ، قال: «جئت من بلل لو أصاب مغيض أمك لكان كما قال الشاعر:
следующие страницы →