← Адаб

Адаб · id 10512

روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار

الأماسي

Полный текст (440 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فيثاغورس: الدنيا دول، مرّة لك ومرة عليك. ابن الرومي رحمة الله عليه: لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد وإلّا فما يبكيه منها، وإنها ... لأوسع ممّا كان فيه وأرغد «١» ؟ عيسى ﵇: الدنيا قنطرة، فاعبروها ولا تعمروها. نوح ﵇: وجدت الدنيا كدار له «٢» بابان، دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر. قيل: دخلنا كارهين لها فلما ... ألفناها خرجنا مكرهينا وما حبّ البلاد بنا ولكن ... أمرّ العيش فرقة من هوينا قيل: لو رضي الناس بأرزاقهم رضاهم بأوطانهم، لما شكا أحد فقره. كتب داود الطائيّ إلى صديق له: اجعل الدنيا كيوم صمته عن شهوتك، واجعل فطرك الموت. بعض أهل الحقيقة: إن أردت السلامة سلّم على الدنيا، وإن أردت الكرامة كبّر على الآخرة. المنصور لمّا حضرته الوفاة: بعنا الآخرة بنومة. أعرابيّ: كيف تفرح بعمر تقطعه الساعات، وسلامة بدن معرّض للآفات؟ قيل: تظلّ تفرح بالأيام تقطعها ... وكلّ يوم مضى يدني من الأجل قيل لأعرابيّ: انظر إلى الهلال، فقال: ما أصنع به؟ محلّ دين، ومقرّب حين. أنشد ابن الأعرابيّ:

стр. 142

ما سبعة كلّهم إخوان ... ليسوا يموتون وهم شبّان لم يرهم في موضع إنسان هي أيام الجمعة. قال رجل: تطاول الليل لا تسري كواكبه ... أم حار حتّى رأيت النّجم حيرانا؟ فأجابه الآخر: ما طال ليل ولا حارت كواكبه ... ليل المحبّ طويل كيفما كانا الجنيد: دخلت يوما على السريّ «١» ، وهو قاعد يقرأ هذا البيت ويبكي: لا في النهار ولا في الليل لي فرج ... فلا أبالي أطال الليل أم قصرا؟ قيل: إن الليل والنهار خزانتان ما أودعتهما أدّتا، وإنهما يعملان فيك فاعمل فيهما. قيل لراهب: متى عيدكم؟ قال: كلّ يوم لا أعصي الله فيه عيد. أبو السّمط في المتوكل: بدولة جعفر حسن الزمان ... لنا في كلّ يوم مهرجان جعلت هديتي لك فيه وشيا ... وخير الوشي ما نسج اللسان احتضر عابد فقال: ما تأسّفي على دار الأحزان والغموم والخطايا والذنوب، وإنما تأسّفي على ليلة نمتها، ويوم أفطرته، وساعة غفلت فيها عن ذكر الله تعالى. ذهب الجمهور إلى أن القعود في صفر أولى من الحركة. عن النبيّ ﷺ : «من بشّرني بخروج صفر أبشّره بالجنّة» . أسقلتينوس «٢» : من عرف

стр. 143

الأيام لم يغفل عن الاستعداد. وعنه: كم من دهر ذممتموه فلمّا صرتم إلى غيره مدحتموه. سئل ابن عباس عن النيروز: لم اتخذوه عيدا؟ فقال: لأنه أول السنة المستأنفة، وآخر السنة المنقطعة، وكانوا يستحبّون أن يقدموا فيه على ملوكهم بالطّرف والهدايا، فاتّخذه الأعاجم سنّة وهو أوّل يوم من فروردين ماه «١» . قيل: كان الرسم في زمن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن يوم البطالة يوم السبت، ولا يقرأ في يوم السبت. ثم في زمن الخصّاف «٢» كان متردّدا بين الاثنين والثلاثاء. أنس ﵁: «سئل رسول الله ﷺ عن الأيام فقال: يوم السبت يوم مكر وخديعة، لأنّ قريشا مكرت فيه في دار الندوة، ويوم الأحد يوم غرس وعمارة، لأن الله تعالى ابتدأ فيه خلق الدنيا، ويوم الاثنين يوم سفر وتجارة، لأن شعيبا ﵇ سافر فيه واتّجر فربح، ويوم الثلاثاء يوم دم، لأن حوّاء حاضت فيه، وأراق ابن آدم دم أخيه فيه، ويوم الأربعاء يوم نحس مستمرّ، لأن الله تعالى أغرق فيه فرعون وأهلك عادا وثمود، ويوم الخميس يوم قضاء الحوائج والدخول على السلاطين، لأنّ إبراهيم ﵇ دخل فيه على الملك فأكرمه وقضى حوائجه وأهدى له (هاجر) ، ويوم الجمعة يوم خطبة ونكاح، لأنّ الأنكحة كانت تعقد فيه» . وفي الحديث: «نعوذ بالله من شرّ يوم الأحد، وإيّاكم والشخوص في يوم الأحد، فإنّ له حدّا كحدّ السيف» . والأربعاء عندهم مشؤوم، والذي لا

стр. 144

يدور «١» أشأم. وعن ابن عباس يرفعه: «آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمرّ» . قيل: لقاؤك للمبكّر فأل سوء ... ووجهك أربعاء لا يدور قيل: يحمد فيه الاستحمام. عن النبي ﷺ : «ما من شيء بدىء يوم الأربعاء إلا وقد تمّ» . كان صاحب «الهداية» يتوقف في ابتداء الأمور على الأربعاء ويروي هذا الحديث ويقول: كان هكذا يفعل أبي ويرويه عن شيخه أحمد ابن عبد الرشيد. عن النبيّ ﷺ : «من احتجم يوم الخميس فحمّ مات في ذلك المرض» . عن ابن مسعود ﵁: من قلّم أظفاره يوم الجمعة أخرج الله منه داء وأدخل فيه شفاء. الأصمعيّ دخلت على الرشيد يوم الجمعة وهو يقلم أظفاره فقال: قلم الأظفار يوم الجمعة من السنّة، وبلغني أنه ينفي الفقر. فقلت: يا أمير المؤمنين وأنت تخشى الفقر؟ فقال: وهل أحد أخشى من الفقر منّي؟. عليّ ﵁، رفعه: «من صام يوم الجمعة صبرا واحتسابا أعطي عشرة أيام غرّ زهر لا تشاكلهنّ أيام الدنيا» . «من سالت من عينه قطرة يوم الجمعة قبل الرواح أوحى الله إلى ملك الشّمال: اطو صحيفة عبدي فلا تكتب عليه خطيئة إلى مثلها من الجمعة الأخرى» . العلّامة: استغنم تنفّس الأجل، وإمكان العمل، واقطع ذكر المعاذير والعلل، فإنك في أجل محدود، وعمر غير ممدود. عن النبي ﷺ : «ألا أدلّكم على ساعة من ساعات الجنة، الظلّ فيها ممدود، والرزق فيها مقسوم، والرحمة فيها مبسوطة، والدعاء فيها مستجاب؟

стр. 145

قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس» . عليّ ﵁: «مرّ النبيّ ﷺ بعائشة ﵂ قبل طلوع الشمس، وهي نائمة، فحرّكها برجله وقال: قومي لتشاهدي رزق ربك ولا تكوني من الغافلين، إنّ الله يقسم أرزاق العباد بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس» . والله أعلم. ******

стр. 146

الروضة الحادية عشرة في السماء والسحاب والثلج والمطر والرّيح والحرّ والبرد عن ابن عباس ومجاهد والضحاك، ﵃، أنّ العرش غير الكرسي. وعن الحسن: العرش والكرسي واحد. عن النبيّ ﷺ : «اهتزّ العرش لموت سعد بن معاذ «١» » . أبو حازم: لا يكون ابن آدم في الدنيا على حال وإلا ومثاله في العرش على تلك الحال، فلو نظرت إليك عيون أهل الأرض لأحببت أن يروك على ما تحبّ لا على ما تكره، فكيف بربّ العزة الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؟. رابعة القيسية: ما سمعت الأذان إلا ذكرت منادي يوم القيامة، وما رأيت الثلوج إلا ذكرت تطاير الكتب، وما رأيت الجراد إلا ذكرت الحشر. في المثل: لا يضرّ السحاب نباح الكلاب «٢» . أنس ﵁: «أصابنا ونحن مع رسول الله ﷺ مطر فخرج فحسر ثوبه عنه حتى أصابه، فقلنا: يا رسول الله، لم صنعت هذا؟ فقال: لأنه حديث عهد بربّه» . عمّار ﵁، يرفعه: «مثل أمتي كالمطر، يجعل الله في أوّله خيرا وفي آخره خيرا» . أبو هريرة ﵁، يرفعه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الريح من روح الله» .

стр. 147

الصبا موصوفة بالطيّب والرّوح، لانخفاضها عن برد الشمال، وارتفاعها عن حرّ الجنوب. كان للمتوكل بيت يسميه بيت مال الشّمال، فكلما هبّت الريح شمالا تصدّق بألف درهم. وكيع: لولا الريح والذباب لأنتنت الدنيا. أبو الفتح البستي: سبحان من خصّ الفلزّ بعزّة ... والناس مستغنون عن أجناسه وأذلّ أنفاس الهواء، وكلّ ذي ... نفس فمفتقر إلى أنفاسه «١» أبو بكر بن عيّاش: لا تخرج من السحاب قطرة حتى تعمل فيه الرياح الأربع: فالصبا تهيّجه، والجنوب تدرّه، والدبور تلقحه، والشمال تفرّقه. عبد الله بن عمرو: أربع من الرياح رحمة: الناشرات والمبشرات واللواقح والذاريات، وأربع عذاب: الصرصر والعقيم في البرّ والعاصف والقاصف في البحر. وتقول العرب في أحاديثها: إنّ الجنوب قالت للشمال: إنّ لي عليك فضلا، أنا أسري وأنت لا تسرين. فقالت الشمال: الحرّة لا تسري. هبّت ريح شديدة فصاح الناس: القيامة القيامة. فقال مزبد: هذه قيامة على الريق بلا دابة ولا دجال. عليّ ﵁: توقّوا البرد في أوّله وتلقّوه في آخره، فإنه يفعل بالأبدان كفعله بالأشجار، أوّله يحرق، وآخره يورق. يقال: الحرّ يؤذي الرجل والبرد يقتله. سئل رجل عريان عما يجد في يوم قرّ «٢» فقال: ما عليّ كثير مؤنة منه، قيل: كيف؟ فقال: دام بي العري فاعتاد بدني ما تعتاد وجوهكم. قيل لأعرابيّ: ما أعددت للبرد؟ قال: طول الرّعدة. ويقال: إن برد الربيع مونق، وبرد الخريف موبق. أبو صفوان: وضوء المؤمن في الشتاء يعدل عبادة الرهبان

стр. 148

كلّها. يحيى بن ذي الشامة المعيطيّ: جاء الشتاء وليس عندي درهم ... وبمثل ذلك قد يصاب المسلم لبس العلوج خزوزها وفراءها ... وكأنّني بفناء مكة محرم «١» يقال في وصف يوم بارد: يوم قد تعذّر فيه الخروج، لتراكم الثلوج. يوم يجمد خمره، ويخمد جمره. يوم فيه جمد الراح في الأقداح، كالأقداح في الراح. في ديوان المنظوم: شتاء تقلص الأشداق منه ... وبرد يجعل الولدان شيبا وأرض تزلق الأقدام فيها ... فما تمشي بها إلّا دبيبا وقيل: بلاد إذا ما الصيف أقبل جنّة ... ولكنّها عند الشتاء جحيم غانم العاصميّ: يشتهي الإنسان في الصيف الشتا ... فإذا جاء الشّتا أنكره فهو لا يرضى بحال واحد ... قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ القاضي عياض في صيف بارد: كأنّ كانون أهدى من ملابسه ... لشهر تموز أنواعا من الحلل أو الغزالة من طول المدى خرفت ... فما تفرّق بين الجدي والحمل «٢»

стр. 149

محمد بن عبد العزيز: البرد عدوّ للدين. ابن عباس ﵄، يرفعه: «إنّ الملائكة تفرح بذهاب الشتاء رحمة للمساكين» . أنس، يرفعه: «استعينوا على قيام الليل بقائلة النهار «١» ، واستعينوا على صيام النهار بسحور الليل، واستعينوا على حرّ الصيف بالحجامة، واستعينوا على برد الشتاء بأكل التّمر والزّبيب» . الخدري، يرفعه: «إذا كان يوم حارّ فإذا قال الرجل: لا إله إلا الله، ما أشدّ حرّ هذا اليوم، اللهم أجرني من حرّ جهنم. قال الله تعالى لجهنم: إنّ عبدا من عبيدي استجارني من حرّك وأنا أشهدك أني قد أجرته. وإذا كان اليوم شديد البرد، فإذا قال العبد: لا إله إلا الله، ما أشدّ برد هذا اليوم، اللهمّ أجرنى من زمهرير جهنم. قال الله تعالى لجهنم: إن عبدا من عبيدي استجارني من زمهريرك، وإني أشهدك أني قد أجرته. قالوا: وما زمهرير جهنّم؟ قال: بيت يلقى فيه الكافر فيتميّز من شدّة برده» . جلس عيسى ﵇ في ظلّ خباء عجوز، فقالت: من الذي جلس في ظلّ خبائنا؟ قم يا عبد الله. فقام وقعد في الشمس، فقال: لست أنت أقمتني، إنما أقامني الذي لم يرد أن أصيب من الدنيا شيئا. لما خلع المستعين قيل له: اختر بلدا تحلّه، فاختار البصرة، فقيل: حارّة، فقال: أترونها أحرّ من فقد الخلافة؟. جاء قزوينيّ من بغداد في الصيف، فسئل: ما فعلت في بغداد؟ فقال: فعلت عرقا. المأمون: من مروءة الرجل أن توجد منه رائحة الطّرفاء «٢» أيام الشتاء. قيل: رائحة الطّرفاء رائحة الظّرفاء. والله أعلم.

стр. 150

الروضة الثانية عشرة في النار والسّراج والماء والبحر والجنّة والرياحين والعقار قال النبيّ ﷺ لجبريل: «ما لي لم أر ميكائيل ضاحكا قطّ؟ فقال: ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار» . أنس، يرفعه: «إنّ أدنى أهل النار عذابا الذي يجعل له نعلان يغلي منهما دماغه في رأسه» . عن النبيّ ﷺ قال: «ليلة أسري بي سمعت هدّة، فقلت: يا جبريل ما هذه الهدّة؟ فقال: حجر أرسله الله تعالى من شفير جهنّم فهو يهوي منذ سبعين خريفا، بلغ قعرها الآن» . قيل لعطاء: أيسرّك أن يقال لك: قع في النار، فتحترق، فتذهب ولا تبعث؟ فقال: والله الذي لا إله إلا هو لو طمعت أن يقال لي ذلك لظننت أن أموت فرحا قبل أن يقال لي قع فيها. هشام بن الحسن الدّستوائي، من أصحاب الحسن: كان لا يطفىء السراج بالليل، فقال له أهله: إنّا لا نعرف الليل من النهار، فقال: إني إذا أطفأت السراج ذكرت ظلمة القبر فلم يأخذني النوم. عن النبي ﷺ : «تقول جهنم للمؤمن: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي» . أنس عن النبي ﷺ : «من أسرج في مسجد سراجا لا تزال الملائكة تستغفر له ما دام في المسجد ضوء من ذلك السراج» . عليّ ﵁: سئل كيف كان حبّكم لرسول الله ﷺ ؟ قال: كان والله أحبّ إلينا من أموالنا وآبائنا وأمّهاتنا وأبنائنا ومن برد الشراب على الظمأ.

стр. 151

أنس، يرفعه: «من حفر بئر ماء شربت منها كبد حرّى «١» من الإنس أو الجنّ أو السباع أو الطيور فله أجر ذلك إلى يوم القيامة، ومن بنى مسجدا كمفحص «٢» قطاة أو أصغر بنى الله له بيتا في الجنّة» . أنس ﵁، عن النبي ﷺ : «سبعة للعبد تجرى بعد موته: من علّم علما، أو أجرى نهرا، أو حفر بئرا، أو بنى مسجدا، أو أورث مصحفا، أو ترك ولدا صالحا يدعو له، أو صدقة تجرى له بعد موته» . المأمون: في الماء البارد ثلاث: يلذّ، ويهضم، ويخلص الحمد. كان الصاحب «٣» يقول إذا شرب ماء بثلج: قعقعة الثلج بماء عذب تستخرج الحمد من أقصى القلب. ثم يقول: اللهمّ جدّد اللعن على يزيد. نزل نعمان بن المنذر تحت شجرة ليلهو، فقال عديّ: أيها الملك أتدري ما تقول هذه الشجرة؟ ثم أنشأ يقول: ربّ ركب قد أناخوا حولنا ... يمزجون الخمر بالماء الزلال ثم أضحوا عصف الدهر بهم ... وكذاك الدهر حالا بعد حال «٤» فتنغّص على النعمان يومه. مرّ كسرى بوردة ساقطة فقال: أضاع الله من أضاعك. ونزل فأخذها وقبّلها وشرب في مكانها سبعة أيام. بعض الأدباء: دخلت يوما على الرشيد وبين يديه طبق فيه ورد، وعنده جارية مليحة شاعرة، فقال الرشيد: شبّهه بشيء، فقلت:

стр. 152

كأنه خدّ محبوب يقبّله ... فم الحبيب وقد أبدى به خجلا فقالت: كأنه لون خدّي حين يدفعني ... كفّ الرشيد لأمر يوجب الغسلا فقال الرشيد: قم فهذه هيّجتنا. أنوشروان: النرجس ياقوت أصفر، على زمرّد أخضر، بين لؤلؤ أبيض. المبرّد: نرجسة لاحظني طرفها ... تشبه دينارا على درهم غرس معاوية نخلا بمكة في آخر خلافته فقال: ما غرستها طمعا في إدراكها ولكن ذكرت قول الأسديّ: ليس الفتى بفتى لا يستضاء به ... ولا تكون له في الأرض آثار آخر: يا ربّ حيّ ميّت ذكره ... وميّت يحيا بأخباره ليس بميت عند أهل النّهى ... من كان هذا بعض آثاره يقول أهل البدو إذا ظهر البياض قلّ السواد، وإذا ظهر السواد قلّ البياض. السواد: التمر، والبياض: اللبن. وتقول الفرس: إذا زخرت الأودية كثر الثمر، وإذا اشتدّت الرياح كثر الحبّ. زياد: أحسنوا للمزارعين فإنكم لا تزالون سمانا ما سمنوا. قيل: لا ضيعة، على من له ضيعة. قيل: الضّيعة إذا تعاهدتها ضعت، وإن لم تتعاهدها ضاعت. يقال: الضّياع مدارج الهموم. إبراهيم بن إسحاق المصعبيّ: كيمياء الملوك العمارة، ولا تحسن بهم التجارة. نظر حكيم إلى رجل باع أرضا وأكل ثمنها فقال: المعهود أن تأكل

стр. 153

الأرض الناس وهذا قد أكل الأرض. بكى شيخ حجازيّ ليلته وهو يردّد قوله تعالى: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ «١» فقيل له: لقد أبكتك آية ما يبكى عند مثلها! فقال: وما ينفعني عرضها إذا لم يكن لي فيها موضع قدم؟. يحيى بن معاذ الرازيّ: في الدنيا جنة من دخلها لم يشتق إلى الجنة. قيل: وما هي؟ قال: معرفة الله تعالى. خرج على سهل الصعلوكيّ من سجن حمام يهوديّ في طمر اسودّ من دخانه، فقال: ألستم تروون: «الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر» ؟ فقال له سهل على البداهة: إذا صرت إلى عذاب الله كانت هذه جنتك، وإذا صرت إلى نعم الله كانت هذه سجني. فعجب الحاضرون من بديهته بهذا الجواب. والله أعلم. ******

стр. 154

الروضة الثالثة عشرة في البلاد والديار والأبنية وما يتعلّق بها ابن مسعود ﵁: ما من بلد يؤخذ فيه بالهمّة قبل العمل إلا مكّة. وتلا قوله تعالى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ «١» . ومن خصائص الحرم أنّ الذئب يتبع الظبي، فإذا دخله كفّ عنه، وأنه لا يسقط على الكعبة حمام إلا وهو عليل، وأنه إذا حاذى الكعبة فرقة من طير تفرّقت فرقتين ولم يعلها طائر قطّ. وإذا أصاب المطر الباب الذي جهة العراق كان الخصب بالعراق تلك السنة. وكذلك في كل شقّ، وإذا عمّ عمّ كلّ البلاد، وأنّ حصا الجمار لا يزيد على مقداره. ومن سنّة أهل الحرم أنّ كل من علا الكعبة من عبيدهم فهو حرّ. وبمكّة صلحاء لم يدخلوا الكعبة قطّ تعظيما لها. روي أنّ عيسى ﵇ تكون هجرته، إذا نزل من السماء، إلى المدينة فيستوطنها حتى يأتي أمر الله تعالى إليه. أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : «إذا أهبط الله عيسى ﵇ من السماء فإنه يعيش في هذه الأمّة ما شاء الله، ثم يموت بمدينتي هذه ويدفن إلى جانب عمر ﵁» . عائشة ﵂ عن النبي ﷺ : «فتحت البلاد كلّها بالسيف إلا المدينة فإنها فتحت بقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله» . عن النبي ﷺ : «إنّ الإيمان ليأرز «٢» إلى المدينة كما تأرز الحيّة إلى جحرها» .

стр. 155

محمد بن قيس بن مخرمة، يرفعه: «من مات في أحد الحرمين بعثه الله تعالى يوم القيامة آمنا» . يقال: البقاع تشرف وتفضل بمقام الصالحين الأخيار، ولقد شرّف الله بيت المقدس بمقام الأنبياء، والمدينة بهجرة رسول الله ﷺ وأصحابه إليها. الأصمعي: البصرة عثمانية من يوم الجمل، والكوفة علوية من يوم استوطنها عليّ كرّم الله وجهه، والشام أمويّة لسكون معاوية بها، والجزيرة خارجيّة لأنها مسكن ربيعة، وهي رأس كل فتنة. عليّ كرّم الله وجهه: شرّ البلاد بلاد لا أمن فيها. «سأل عمر ﵁ رسول الله ﷺ : أيّ البقاع خير، وأيّ البقاع شرّ؟ فقال: لا أدري. فسأل جبريل عن ذلك فقال: لا أدري. فقال له: سل ربّك. فسأله فقال: خير البقاع المساجد وشرّ البقاع الأسواق» . عائشة ﵂ عن النبي ﷺ : «أحبّ البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها» . معاذ ﵁، رفعه: «من علّق قنديلا في المسجد صلّى عليه سبعون ألف ملك، حتى ينكسر ذلك القنديل، ومن بسط فيه حصيرا صلّى عليه سبعون ألف ملك حتى ينقطع هذا الحصير» . وعنه ﷺ : «إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان» . وعنه ﷺ : «من ألف المسجد ألفه الله تعالى» . سعيد بن المسيّب: من جلس في المسجد فإنما يجالس ربّه، فما حقّه إلا أن يقول خيرا. وفي الحديث: «الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش» . وفي الحديث المرفوع: «من سعادة المرء أن يقدر رزقه في بلده وحال سكونه، ومن شقائه أن يجعل رزقه في غير بلده أو في سياحة» . كان سفيان يقول: والله ما أدري أيّ البلاد أسكن؟ فقيل: خراسان، فقال: مذاهب مختلفة. قيل: والشام؟ قال: يشار إليك بالأصابع. قيل: فالعراق؟

стр. 156

قال: بلدة الجبابرة. قيل: مكة؟ قال: تذيب الكيس والبدن. وعنه: إذا سمعت في بلد برخص فاقصده فإنه أسلم لدينك وأقلّ لهمّك. يقال: إذا رأيت في موضع سلامة دين وصلاح قلب وسكون نفس لا تمل إلى غيره، فإنك لا تأمن أن تقع في شرّ منه، وتطلب المكان الأوّل فلا تقدر عليه. وفي الخبر: البلاد بلاد الله والخلق عباده فأيّ موضع رأيت فيه رفقا فأقم واحمد الله تعالى. قيل: حلب تفوق بمائها وهوائها ... وبنائها والزهد في أبنائها بلد يظلّ به الغريب كأنه ... في أهله فاسمع جميل ثنائها عن مالك بن دينار أنه حضر رجلا يبني دارا وهو يعطي الأجراء الدراهم، فمدّ يده فأعطاه درهما فطرحه في الطين، فتعجب الرجل وقال لمالك: كيف طرحت الدرهم في الطين؟ فقال مالك: أنت طرحت كلّ دراهمك في الطين- يعني ضيّعتها في البناء-. سلمة بن أحمد: دخلت قصر الرشيد فقلت: أمّا بيوتك في الدنيا فواسعة ... فليت قبرك بعد الموت يتّسع فجعل هارون يبكي. قال رجل للحسن: بنيت دارا أريد أن تدخلها وتدعو الله. فدخلها فنظر إليها ثم قال: أخربت دارك وعمرت دار غيرك، غرّك من في الأرض ومقتك من في السماء. مرّ الحسن بدار بعض المهالبة فقال: رفع الطين ووضع الدين. سئل النّخعيّ عن البناء فقال: وزر لا أجر. فقيل: بناء لا بدّ منه. فقال: لا أجر ولا وزر. قالوا: لذّة الدنيا في الغناء والزناء والبناء. قيل: المعمار معمر. يقال: شرف الرجل بناؤه، وهمّة المرء داره وجاره. كتب على جدار قصر

стр. 157

إنّ آثارنا تدلّ علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار يقال: دارك قميصك إن شئت ضيّق وإن شئت وسّع. عن النبي ﷺ : «من سعادة المرء المسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء» . وعنه ﷺ : «الشؤم في المرأة والفرس والدار» «١» . سئل بعضهم عن الغنى فقال: سعة البيوت، ودوام القوت. قيل لبعضهم: ما سبب السرور؟ فقال: دار قوراء «٢» ، وامرأة حسناء، وفرس مربوط بالفناء. وقيل: المنازل الضيّقة العمى الأصغر. الحكماء: لذّة الطعام في ساعة، ولذّة النكاح في شهر، ولذة البناء في العمر كله. قيل: أوّل من بنى بالجصّ والآجرّ فرعون. الأصمعي للرشيد: فتى كان بالبصرة له بيت من قصب، كان يغشاه الفتيان، فإذا أطربهم سمره يقول بعضهم: عليّ ألف آجرّة، والآخر: عليّ الجصّ، والآخر: عليّ أجرة البناء. فإذا أصبح لم ير منه أثرا. فضحك الرشيد وقال: نبني لك قصرا. وأمر له بألفي دينار. دخل على الحجاج رجل يدّعي معرفة ألسن الطير، فإذا هامتان تجاوبتا فقال: ما يقولان؟ فقال: يقول أحدهما: زوّجني بنتك، فيقول الآخر: لا أزوّجك إلا بأربعمائة قصر منيف. فقال: أين نجد ذلك؟ قال: ما دمت حيّا لا نعدمه. قال: كيف؟ قال: تقتل الأخيار فتعطّل الديار. يقال: جنّة الرجل داره. ويقال: لتكن الدار أوّل ما يشترى وآخر ما يباع. قال بعض الأشراف لابنه: حسّن أثرك في الدنيا واسمع قول الشاعر:

стр. 158

ليس الفتى بفتى لا يستضاء به ... ولا تكون له في الأرض آثار «١» غيره: ومن السعادة للفتى ... ما عاش، دار فاخره فاقنع من الدنيا بها ... واعمل لدار الآخره بعض السلف: نعم البيت الحمّام يذهب القشافة «٢» ، ويعقب النظافة، ويغشى التخمة، ويطيّب البشرة. بيت بنته حكماء الورى ... وهو إلى الحكمة منسوب غيره: بيت ترى الجدران فيه منابعا ... وترى السماء كثيرة الأقمار الثعالبي رحمة الله عليه: وحمّام له حرّ الجحيم ... ولكن شابه برد النعيم رأيت به ثوابا في عقاب ... وزرت به نعيما في جحيم غيره: حمّامنا ليس فيه ماء ... وبرده ماله انقضاء ترعد في الصيف فيه بردا ... فصيف حمّامنا شتاء «٣»

стр. 159

غيره: وجدت في الصيف به رعدة ... فكيف أرجو عرقا في الشّتا؟ عمر ﵁: نعم البيت الحمّام، يذهب بالدّرن، ويذكّر بالنار. بدويّ دخل حمّاما فاستطابه فقال لصاحبه: إنّ حمامك هذا ... غير مذموم الجوار ما رأينا قبل هذا ... جنّة في وسط نار صاحب الهداية رحمه الله تعالى: ولم أدخل الحمّام من أجل لذّة ... فكيف ونار الشوق بين جوانحي؟ ولكنني لم يكفني فيض عبرتي ... دخلت لأبكي من جميع جوارحي يقال: الحمّام من بناء الجنّ لسليمان ﵇، قال جنيّ لسليمان ﵇: أبني لك دارا تكون في بيوته الفصول الأربعة من السنة. فبنى الحمام. قالوا: يكره دخول الحمّام بين العشاءين، وقريبا من المغرب، ويكره للرجل أن يعطى امرأته أجرة الحمّام فيكون معينا لها على المكروه. كان ببابل سبع مدائن، وفي كلّ مدينة أعجوبة: في إحداها تمثال الأرض، فإذا التوى على الملك بعض أهل مملكته بخراجهم فرّق أنهارهم فلا يطيقون سدّ الشقّ، وما لم يسدّ في التمثال لم يسدّ في ذلك البلد. وفي الثانية حوض إذا أراد الملك أن يجمعهم لطعامه أتى كلّ واحد بما أحبّ من شراب فصبّ في ذلك الحوض فاختلطت الأشربة، فكلّ من سقي منه كان شرابه الذي جاء به. وفي الثالة طبل، إذا أرادوا أن يعلموا حال الغائب عن أهله قرعوه، فإن كان حيّا صوّت وإن كان ميتا لم يسمع له صوت. وفي الرابعة مرآة، إذا أرادوا أن يعلموا

стр. 160

حال الغائب نظروا فيها فأبصروا فيها على أيّ حالة هو عليها، كأنهم يشاهدونه. وفي الخامسة إوزّة من نحاس، فإذا دخل غريب صوّنت الإوزّة صوتا سمعه أهل المدينة. وفي السادسة قاض جالس على الماء، فيأتي الخصمان فيمشي المحقّ على الماء حتى يجلس مع القاضي، ويرتطم المبطل «١» . وفي السابعة شجرة ضخمة لا تظلّل إلّا ساقها، فإن جلس تحتها أحد ظلّلته إلى ألف رجل، فإن زاد على الألف واحد جلسوا كلّهم في الشمس. والله أعلم. ******

стр. 161

الروضة الرابعة عشرة في الملك والجنّ والشياطين والحيوانات سعيد بن المسيّب: الملائكة ﵈ ليسوا بذكور ولا إناث ولا يتوالدون ولا يأكلون ولا يشربون، والجنّ يتوالدون وفيهم ذكور وإناث ويموتون، والشياطين ذكور وإناث يتوالدون ولا يموتون بل يخلدون في الدنيا كما خلد فيها إبليس، وإبليس هو أبو الجنّ. وقيل: الملائكة خلقوا من الهواء، والشياطين من النار. عن النبي ﷺ : «عليكم بإناث الخيل فإنّ ظهورها حرز وبطونها كنز» . قيل: لحم البقر داء، ولبنه دواء، وسمنه شفاء. قال موسى للخضر ﵉: أيّ الدوابّ أحبّ إليك؟ فقال: الفرس والحمار والبعير، لأن الفرس مركب أولي العزم من الرسل، والبعير مركب هود وصالح وشعيب ومحمد، صلوات الله وسلامه عليهم، والحمار مركب عيسى وعزير ﵉، وكيف لا أحبّ شيئا أحياه الله بعد موته قبل الحشر. عن ابن عباس ﵄ أنّ الله تعالى خلق في زمن موسى ﵇ طائرة اسمها العنقاء، لها أربعة أجنحة من كل جانب، وكان وجهها كوجه الإنسان، وفي أعضائها من كلّ شيء حسن قسط، وخلق لها ذكرا مثلها وأوحى إليه: إني خلقت طائرين عجيبين وجعلت رزقهما في الوحوش التي حول بيت المقدس، وآنستك بهما وجعلتهما زيادة فيما فضّلت به بني إسرائيل، فتناسلا وكثر نسلهما. فلمّا توفي موسى انتقلت فوقعت بنجد والحجاز، فلم تزل تأكل

стр. 162

الوحوش وتخطف الصبيان إلى أن نبىء خالد بن سنان العبسيّ بين عيسى ومحمد ﵈ فشكوهما إليه فدعا الله فقطع نسلهما وانقرضت. قيل: ربما باضت الدجاجة بيضتين في يوم واحد، وهو من أسباب موتها. الإمام الرازي رحمه الله تعالى كان جالسا في مجلس علمه فجاء بازي يتبع حمامة، فألقت الحمامة نفسها على الإمام فدخلت في كمّه، فانصرف البازي. فتعجب الناس، فقام شرف الدين من أصحابه وقال بديهة: جاءت سليمان الزمان حمامة ... والموت يلمع من جناحي خاطف من أنبأ الورقاء أنّ محلّكم ... حرم، وأنك ملجأ للخائف فأجازه بألف دينار. السلطان ملك شاه: كان مولعا بالصّيد وضبط ما اصطاده، فكان عشرة آلاف، فتصدّق بعشرة آلاف دينار، وصار كلّما قتل صيدا تصدّق بدينار. يقال: فلان أعمر من القراد «١» ، وذاك أنها تعيش سبعمائة سنة. وقيل: أعمر من حيّة، لأنها لا تموت إلا قتلا. ويقال: أعمر من النسر «٢» ، لأنه يعيش ثلاثمائة سنة. خطب المأمون، فوقع ذباب على عينه فطرده، فعاد مرارا حتى قطع الخطبة، فلما صلّى أحضر أبا الهذيل فقال له: لم خلق الله الذباب؟ فقال: ليذلّ به الجبابرة. فقال: صدقت، وأجازه بمال. لقمان: يا بنيّ لا تكوننّ الذرّة أكيس «٣» منك، تجمع في صيفها لشتائها.

стр. 163

قيل: اشتدّ الشتاء فطلب ضفدع من ذرّة ذخيرة فقالت: لم ترنّمت في الصيف في أطراف النهار وتركت الادّخار للشتاء؟. نظر ابن السبابة إلى مبارك التركيّ على دابة فرفع رأسه إلى السماء وقال: يا ربّ هذا حمار وله دابّة، وأنا إنسان وليس لي حمار؟. عبد الحميد الكاتب: لا تركب الحمار فإنه إن كان فارها أتعب يدك، وإن كان بليدا أتعب رجلك. لقي رجل رجلا على حمار فقال: إلى أين؟ فقال: إلى صلاة الجمعة، فقال: ويحك، اليوم يوم الثلاثاء، فقال: طوبى لي إن أوصلني حماري الجامع يوم السبت. قيل للبغل: من أبوك؟ قال: الفرس خالي. قيل: لم يرد الله بالنملة صلاحا حين أنبت لها جناحا. وقيل: إذا جاء أجل البعير تجوّل حول البير. العرب: إذا صاح غراب البين في ديار قوم تفرّقوا. قيل: إذا الكلب لا يؤذيك عند نبيحه ... فذره إلى يوم القيامة ينبح قيل: من يمشى إثر الغراب، سيرجع إلى الخراب. محمد بن دانيال «١» : بي من أمير شكار ... نار تذيب الجوانح «٢» لمّا حكى الظبي حسنا ... حنّت إليه الجوارح ركب أبو يوسف مع الرشيد، فتخلّف أبو يوسف، فقال: أيها القاضي الحق بي، فقال: فرسك إن حرّكته طار، وإن تركته سار، ودابّتي إذا حرّكت قطفت وإذا تحرّكت وقفت، فانتظرني فإنّ النّبيّ ﷺ قال لصاحب الدابّة: «القطوف أمير

стр. 164

على الركب» «١» فأمر أن يركب على جنيبه «٢» وقال: هذا أهون من تأمّرك عليّ. رأى أعرابيّ امرأة تأكل الجراد فقال: يا عجبا قد رأيت الجراد يأكل الحرث «٣» ، وما رأيت الحرث يأكل الجراد. البازي قال للديك: ما أعرف أقلّ وفاء منك، لأنّ أهلك يربّونك من البيضة وإذا كبرت لا يدنو منك أحد إلا طرت ههنا وههنا، وأنا أوخذ من الجبال ويخيطون عينيّ، ويجيعونني في بيت مظلم، وإذا أطلقوني على الصيد فآخذه وأعود إليهم. فقال الديك: لأنك ما رأيت بازيا في سفّود «٤» وكم قد رأيت ديوكا في سفافيد. يعرف الفهد بكثرة النوم، والغراب بحدّة البصر، والفأرة بحدّة السمع، والقرد بالجبن، وكذا الأرنب. أبو الطيب: أرانب غير أنهم ملوك ... مفتّحة عيونهم نيام ولو لم ترع إلا مستحقا ... لرتبته أسامهم المسام ولو لم يعل إلا ذو محلّ ... تعالى الجيش وانحطّ القتام «٥» يقال: طلب العير القرنين فضيّع الأذنين «٦» . والله أعلم.

стр. 165

الروضة الخامسة عشرة في ذكر الحبّ والبغض في الله والمجالسة والإخاء والجوار والصحبة وما ناسب ذلك عن النبيّ ﷺ : «أكثروا من الإخوان فإنّ ربكم حييّ كريم يستحيي أن يعذّب عبده بين إخوانه يوم القيامة» . وعنه ﷺ : «من نظر إلى أخيه نظر مودّة لم يكن في قلبه إحنة لم يطرف «١» حتى يغفر الله له ما تقدّم من ذنبه» . عليّ ﵁: لا يكون الصديق صديقا حتى يحفظ أخاه في ثلاث: في نكبته، وغيبته، ووفاته. وليس ذكري لك عن خاطر ... بل هو موصول بلا فضل عمر ﵁: ثلاث يثبتن الودّ في صدر أخيك: أن تبدأه بالسلام، وأن توسّع له في المجلس، وتدعوه بأحبّ أسمائه إليه. سقراط: أثن على ذي المودّة خيرا عند من لقيت، فإنّ رأس المودّة حسن الثناء، كما أن رأس العداوة سوء الذكر. وعنه: لا تكون كاملا حتى يأمنك عدوّك فكيف بك إذا لم يأمنك صديقك؟. زياد: إن كان لك صديق وولي ولاية فبقي لك منه واحد من عشر من الصداقة فليس بصديق سوء. وعنه: إذا كان لك صديق صادق الودّ فلا تتمنّ له منزلة رفيعة لأنّ في ذلك تغيّرا عن الوداد. قيل: لا تنظر إلى صديقك إذا بلغ منزلة

стр. 166

بعينك التي نظرته بها قبل، وإذا جعلك أبا فاجعله ربا «١» . ولما بشر هشام بن عبد الملك بالخلافة سجد وسجد من حوله شكرا غير الأبرش الكلبيّ، فقال له: ما منعك؟ قال: إني معك ليلا ونهارا وغدا ترتقي إلى السماء فأين أجدك؟ قال: أصعد بك معي، فقال: الآن أسجد عشرين سجدة. إذا لم أنل في دولة المرء غبطة ... ولم يغشني إحسانه ورعايته فسيّان عندي موته وحياته ... وسيّان عندي عزله وولايته كان هشام يعتمّ فقام إليه الأبرش ليسوّي عمامته فقال: مه إنّا لا نتخذ الإخوان خولا «٢» . قام عمر بن عبد العزيز فأصلح سراجه، فقال بعض من حضر: لم لا أمرتني بإصلاحه يا أمير المؤمنين؟ فقال: ليس من المروءة استخدام المرء جليسه. قيل لبعض الفضلاء: كم لك من صديق؟ فقال: ما أعلم، لأنّ الدنيا مقبلة عليّ، والأموال موجودة لديّ، وإنما يعرف ذلك إذا ولّت الدنيا: ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها ... فكيفما انقلبت يوما به انقلبوا قيل: إذا احتاج إليك عدوّك أحبّ بقاءك، وإذا استغنى عنك وليّك هان عليه موتك. سأل الرشيد رجلا عن بني أميّة فقال: كانوا يتغايرون على الإخوان كتغايرهم على القيان. قيل: لتكن غيرتك على صديقك كغيرتك على صديقتك. في كتب الهند: من علامة الصديق أن يكون لصديق صديقه صديقا، ولعدوّ صديقه عدوّا. قيل: ليس من المروءة أن لا تحبّ من يبغضه عدوّك. قيل: لا يحبّك من يحبّ عدوّك. عليّ ﵁: لا تتخذنّ عدوّ صديقك صديقا:

стр. 167

تحبّ عدوّي ثم تزعم أنني ... صديقك؟ ليس النّوك عنك بعازب «١» غيره: أترجع أحباب بنقص وذلّة ... وترجع أعداء بفضل وعزّة؟ إذا كان هذا في الأحبّة فعلكم ... فلا فرق ما بين العدا والأحبّة صوفيّ: إذا صحّ الودّ سقطت شروط الأدب. بعض العارفين: إذا ما حبال الودّ تشتدّ بيننا ... فلا شكّ أن يطوى بساط التكلّف عليّ ﵁: شرط الألفة ترك الكلفة. الجنيد «٢» : لا تصحب من تحتاج أن تكتمه ما يعرف الله منك. قيل: صن الاسترسال منك حتى تجد مستحقا له، واجعل أنسك آخر ما تبذله من ودّك. جعفر بن محمد: إياك وسقطة الاسترسال فإنها لا تستقال. الأكثم: الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة، والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء. قيل: إذا أقبل عليك مقبل بودّ فلا تكثر الإقبال عليه، فالإنسان من شأنه التباعد ممّن دنا منه والدنوّ ممن تباعد عنه. قيل: من أحببت فلا تأمنه، ومن أبغضت فلا تهجره. وقيل: خالط الناس وزايلهم. الفضيل: من سخافة عقل الرجل كثرة معارفه. قيل: المروءة التامّة مباينة العامّة. وقيل: من استأنس بالله استوحش من الناس. كان ابن المبارك لا يجالس إلا كتبه، فقيل له: ألا تستوحش؟ فقال: كيف أستوحش وأنا أجالس الله تعالى والملائكة والأنبياء والخلفاء والعلماء

стр. 168

والأولياء والشهداء؟ أفترون أن أدع مجالسة هؤلاء وأجالسكم؟. وقيل: الاستئناس بالناس من علامة الإفلاس. حفص بن حميد: من لم ينقص كلّ يوم صديقا لا يفلح أبدا. ابن الرّوميّ رحمه الله تعالى: عدوّك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرنّ من الصحاب فإنّ الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب «١» سقراط: أنفع ما اقتناه الإنسان الصديق المخلص. قيل لفيلسوف: ما الصديق؟ فقال: اسم بلا مسمّى. قال فضيل لسفيان: دلّني على أخ أركن إليه، فقال: تلك ضالّة لا توجد. أبو إسحاق الشيرازي رحمه الله تعالى: سألت الناس عن خلّ وفيّ ... فقالوا ما إلى هذا سبيل تمسّك إن ظفرت بذيل حرّ ... فإنّ الحرّ في الدنيا قليل قيل: أبعد الناس سفرا من كان سفره في طلب أخ صالح. أبو الحسن رحمه الله تعالى: تطلّبت في الدنيا خليلا فلم أجد ... وما أحد غيري لذلك واجد فكم مضمر بغضا يريك محبة ... وفي الزّند نار وهو في اللمس بارد المعريّ: وقد غرضت من الدنيا فهل زمني ... معط حياتي لغرّ بعد ما غرضا جرّبت دهري وأهليه فما تركت ... لي التجارب في ودّ امرىء غرضا «٢»

стр. 169

أعرابيّ: اللهمّ اكفني بوائق الثّقات، والاغترار بظاهر المودّات. آخر: اللهمّ احفظني من الصديق، فقيل له في ذلك، فقال: إني أتحرّز من العدوّ. قيل: احذر من تأمنه فودائع الناس لم تذهب إلا عند الثقات. قيل: قلّ من يؤذيك إلا من تعرفه. ذمّ العباس بن الحسن العلوي رجلا فقال: هو يترصّد في صداقته ما يتوثّب به في عداوته. عليّ ﵁: إخوان هذا الزمان جواسيس العيوب. الموسويّ رحمه الله تعالى: إذا أنت فتّشت القلوب وجدتها ... قلوب الأعادي في جسوم الأصادق قيل: من كفّ عنك أذاه فهو صديق صدق. وقيل: خير ما في اللئيم أن يكفّ ضرّه. المتنبيّ: إنّا لفي زمن ترك القبيح به ... من أكثر الناس إحسان وإجمال «١» الأصمعيّ: دخلت على الخليل وهو جالس على الحصير الصغير، فأشار إليّ بالجلوس فقلت: أضيّق عليك، فقال: مه إنّ الدنيا بأسرها لا تسع متباغضين، وإنّ شبرا بشبر يسع المتحابّين. قيل: ما ضاق مجلس عن متحابّين، ولا اتّسع لمتباغضين. لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ... ولكنّ أخلاق الرجال تضيق «٢» أبو محمد غانم بن الوليد: صيّر فؤادك للمحبوب منزلة ... سمّ الخياط محلّ للمحبّين ولا تسامح بغيضا في معاشرة ... فقلّما تسع الدنيا بغيضين

стр. 170

وقيل: وأطيب الأرض ما للنفس فيه هوى ... سمّ الخياط مع الأحباب ميدان قيل: اثنان ظالمان: رجل وسّع له في مكان ضيق فقعد متربّعا، ورجل أهديت له نصيحة فاتّخذها ذنبا. قيل لبعض أهل المجلس: انتقل، فقال: النقلة مثلة. وكان المأمون كثير التنقل في مجالسه ويقول: لا بدّ للنفس إن كانت مدبّرة ... من التنقّل من حال إلى حال الأحنف: ما جلست مجلسا خفت أن أقام منه لغيري. الشعبيّ: لأن أدعى من بعيد أحبّ إليّ من أن أدفع من قريب. دخل بعض الصوفية على الجنيد رحمه الله تعالى وقعد في طرف المسجد، فقال له: ارتفع، فقال: حسبي يا سيدي من مجلسك مكان من قلبك. قيل: الأشراف في الأطراف. عن النّبيّ ﷺ : «من أحبّ أخاه فليعلمه» . ابن مسعود ﵁: ما الدخان على النار بأدلّ من الصاحب على الصاحب. تخيّر أخا تصحبه في الله ساعة ... فكلّ امرىء يصبو إلى من يجانس قدم ناس إلى مكة المشرّفة شرّفها الله تعالى، فقالوا: قدمنا إلى بلدكم فعرفنا خياركم من شراركم في يومين، قيل: كيف؟ قالوا: لحق خيارنا بخياركم وشرارنا بشراركم فألف كلّ شكله. أخذ جماعة من اللصوص فقال أحدهم: أنا كنت مغنيا لهم وما كنت منهم. فقيل له: غنّ، فغنّى بقول عديّ: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكلّ قرين بالمقارن يقتدي «١»

стр. 171

فقيل له: صدقت، وأمر بقتله. قيل: جالس العقلاء، أعداء كانوا أو أصدقاء، فالعقل نفع على العقل. قيل: مجالسة أهل الفضل ذكاء العقل. قيل: العاقل بخشونة العيش مع العقلاء أسدّ منه بلين العيش مع الجهال. قيل: آخ الكريم واسترسل إليه، ولا عليك أن تصحب العاقل وإن لم يكن كريما لتنتفع بعقله، واهرب كلّ الهرب من اللئيم الأحمق. قيل: من صبر مع الأحمق فهو مثله. قيل: لا شيء أوحش من الوحدة، والوحدة أنس من شرار الإخوان. كان مع مالك بن دينار كلب فقيل له: يا أبا يحيى ما هذا؟ فقال: خير من جليس السوء. قيل لحكيم: أيّ الكنوز خير؟ فقال: أمّا بعد تقوى الله فالأخ الصالح. قيل: المرء كثير بأخيه. محمود الورّاق: تكثّر من الإخوان ما اسطعت إنهم ... عماد إذا استنجدتهم وظهور فما بكثير ألف خلّ وصاحب ... وإنّ عدوّا واحدا لكثير قيل لعبد الله بن المقفع: أصديقك أحبّ إليك أم نسيبك؟ فقال: إنما أحبّ النسيب إذا كان صادقا، والصديق نسيب الروح. قيل: نسيبك من ناسبت بالودّ قلبه ... وجارك من صافيته لا المصاقب «١» قد أحسن الذي قال: الأخ الصالح خير لك من نفسك لأنّ النفس أمّارة بالسوء، والأخ الصالح لا يأمرك إلّا بخير. بعضهم: الصديق الموافق خير من الشقيق المنافق. قالوا: لا بأس بتناول مال أخيه في الدين إذا علم رضاه. روي أنّ شدّاد بن حكيم خرج من المسجد الجامع ببلخ «٢» فرأى غلاما يمسك دابّة

стр. 172

فركب الدابّة وذهب إلى بيته والغلام وافقه، فخرج صاحب الدابّة فلم يجدها فذهب إلى بيته ماشيا. ولما رجع الغلام أخبر سيده بما وقع، فقال: يا غلام إن صدقت فأنت حرّ لوجه الله تعالى. دخل الفتح الموصليّ في بيت صديقه فقال لجاريته ائتيني بكيس الدراهم، فأخذ درهمين من الكيس، فلما رجع الرجل إلى بيته أخبرته الجارية بذلك فقال: أنت حرّة لوجه الله تعالى إن صدقت. وفي الحديث: «ربّ أخ لك لم تلده أمّك» «١» . المأمون: الإخوان ثلاثة: أخ كالغذاء يحتاج إليه في كلّ وقت، وأخ كالدواء يحتاج إليه أحيانا، وأخ كالداء لا يحتاج إليه أبدا. لقمان: إذا أردت مؤاخاة رجل فانظر، فإن كانت محاسنه أكثر فارتبطه. حكيم: ليكن اختيارك من الأشياء جديدها، ومن الإخوان قديمهم. معاوية لكاتبه: عليك بصاحبك الأقدم، فإنّك تجده على مودّة واحدة وإن قدم العهد وبعدت الديار، وإياك وكل مستحدث فإنه يأكل مع كلّ من أكل، ويجري مع كل ريح. قيل: لا تستبدلنّ أخا قديما بأخ مستفاد «٢» فإنه لا يستقيم لك. أبو تمام: نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحبّ إلّا للحبيب الأوّل كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأوّل منزل «٣» قيل: عليك بمستطرف الإخوان، سيحدث منهم مستظرف الإحسان، وتأمن منهم بوائق الثقات. وقيل في جواب أبي تمام:

стр. 173

نقّل فؤادك حيث شئت فلن ترى ... كهوى جديد، أو كوصل مقبل مالي أحنّ إلى خراب مقفر ... درست معالمه كأن لم تؤهل؟ بعضهم: أنا مبتلى ببليّتين من الهوى: ... شوق إلى الثّاني، وذكر الأوّل قسم الفؤاد لحرمة وللذّة ... في الحبّ من ماض ومن مستقبل لقمان: من أسرف في الوصال أشرف على الملال. يقال: الصديق الألوف لا يباع بالألوف. الحكماء: كما يبرأ بالدواء سقم الأبدان، تشفى النفوس بصداقة الإخوان. أبو الطيب: وأحسب أني لو هويت فراقكم ... لفارقته والدهر أخبث صاحب فياليت ما بيني وبين أحبّتي ... من البعد ما بيني وبين المصائب «١» إسحاق الموصلي: نعم الصديق صديق لا يكلّفنا ... ذبح الدجاج، ولا شيء الفراريج يرضى بلونين من كشك ومن عسل ... وإن تشهّى فزيتون بطسّوج منصور لرجل: ما مالك؟ قال: ما يكفّ وجهي، ويعجز عن برّ الصديق. فقال: تلطّف في المسألة والإعطاء. الشافعيّ رحمه الله تعالى: لمّا عفوت ولم أحقد على أحد ... أرحت نفسي من همّ العداوات إني أحيّي عدوّي عند رؤيته ... لأدفع الشرّ عني بالتحيّات «٢»

стр. 174

قيل: زمان كلّ حبّ فيه خبّ ... وطعم الخلّ خلّ لو يذاق لهم سوق بضاعتها نفاق ... فنافق فالنّفاق لها نفاق «١» الحماسيّ: وفي الناس إن رثّت حبالك واصل ... وفي الأرض عن دار القلى متحوّل إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان يعقل «٢» مسلم بن يسار: ما من عمل إلا وأخاف أن يكون قد دخله ما أفسده، إلّا الحبّ في الله، ومرضت مرضا فلم أجد شيئا أوثق في نفسي من قوم كنت أحبّهم، لا أحبّهم إلّا لله. حبّ الصديق، إذا كانت مودته ... لله، فرض على العلّامة الفطن «٣» الأعمش: أدركت أقواما لا يلقى الرجل أخاه الشهر والشهرين، إذا لقيه لم يزده على: كيف أنت؟ وكيف حالك؟ ولو سأله شطر ماله لأعطاه، ثم أدركت آخرين إذا لم يلق الرجل منهم أخاه يوما سأل عنه الدجاجة ولو سأله حبّة من ماله يمنع. مجاهد: لو لم يكن لك من صاحبك الصالح، إلّا أنّ حياءه يمنعك من معصية الله تعالى كفاك. في وصيّة عليّ ﵁: لقاء أهل الخيرات عمارة القلوب. قيل: من رأيت فيه خصلة من الخير فلا تفارقه فإنه يصيبك من

стр. 175

بركاته. قال الحجاج لابن القرّة: ما الكرم؟ قال: صدق الإخاء في الشدّة والرخاء. عمر ﵁: احذر صديقك إلّا الأمين، ولا أمين إلّا من خشي الله. أبو بكر الخوارزميّ: من لم يؤاخ إلا من لا عيب فيه قلّ صديقه، ومن لم يرض من صديقه إلا بإيثاره إياه على نفسه دام سخطه، ومن عاتب صديقه على كلّ ذنب كثر عدوّه. كان إبراهيم ﵇ إذا ذكر زلّته غشي عليه وسمع اضطرابه من ميل، فقال له جبريل: يا خليل الله، الخليل يقرئك السّلام ويقول: هل رأيت خليلا يخاف خليله؟ فقال: يا جبريل كلّما ذكرت الزلّة نسيت الخلّة «١» . أنس ﵁: رأيت أصحاب النبي ﷺ فرحوا بشيء لم أرهم فرحوا بشيء أشدّ منه، حين قال رجل: يا رسول الله، الرجل يحبّ الرجلّ على العمل من الخير يعمل به ولا يعمل بمثله، فقال: «المرء مع من أحبّ» . قيل: وإذا الرجال توسّلوا بوسيلة ... فوسيلتي حبّي لآل محمد أبو هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : «إذا زار العبد أخاه في الله ناداه مناد من السماء: طبت وطاب ممشاك، بوّأت لك منزلا في الجنّة» . وعنه ﷺ : يقول الله : «حقّت محبّتي للمتحابّين فيّ والمتزاورين فيّ» . قيل: الزيارة تغرس المودّة. في كتب الهند: ثلاثة تزيد في الأنس والثقة: الزيارة والمؤاكلة والمحادثة. كان للسّنجاريّ صاحب انقطع عنه أياما فعتبه بالكتاب، فكتب الصاحب إليه بيتي الحريريّ رحمه الله تعالى: لا تزر من تحبّ في كلّ شهر ... غير يوم ولا تزده عليه

стр. 176

فاجتلاء الهلال في الشهر يوم «١» ... ثمّ لا تنظر العيون إليه فقال في جوابه: إذا حققت من خلّ ودادا ... فزره ولا تخف منه ملالا وكن كالشمس تطلع كلّ يوم ... ولا تك في زيارته هلالا قيل: يقرب الطريق، في زيارة الصديق. المجنون: وكنت إذا ما جئت ليلى بأرضها ... أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها آخر: تقرّب لي دار الحبيب وإن نأت ... وما دار من أبغضته بقريب عمر ﵁: تزاوروا ولا تجاوروا. قيل: إدمان اللقاء سبب الجفاء. قيل: قلّة الزيارة أمن من الملالة، وكثرة التعاهد سبب التباعد. اعتذر رجل لآخر بتأخره عنه، فقال: ما رأيت إحسانا يعتذر منه إلّا هذا. قيل: دواء ما لا تشتهيه النفس تعجيل فراقه. بعضهم: كان لي قرين إذا كلّمته آذاني وأثمت، وإذا تركته استرحت. عن رسول الله ﷺ : «من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه» . وروي: «من هجر أخاه فوق ثلاث فمات دخل النار» . أبو هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : «تفتح أبواب السماء في كلّ يوم اثنين وخميس، فيغفر في ذلك اليوم لكلّ عبد لا يشرك بالله شيئا إلّا من بينه وبين أخيه شحناء» . عن رسول الله ﷺ «أنه هجر بعض نسائه أربعين يوما» . قيل لمغيرة بن شعبة «٢» : إنّ بوّابك يأذن لأصحابه قبل أصحابك. فقال: إنّ

стр. 177

المعرفة لتنفع عند الكلب العقور، والجمل الصّؤول «١» فكيف بالرجل العقول؟ قيل: الكلب لا ينبح على من في داره. عن النبي ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره» . ابن عمر ﵄: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة ألف بيت من جيرانه البلاء. ثم قرأ: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ «٢» الآية. داود ﵇: اللهمّ إنّي أعوذ بك من مال يكون عليّ فتنة، ومن ولد يكون عليّ ربّا، ومن حليلة تقرّب الشيب قبل المشيب، وأعوذ بك من جار تراني عيناه وترعاني أذناه، إن رأى خيرا دفنه، وإن سمع شرّا طار به. لقمان: يا بنيّ حملت الحجارة والحديد فلم أر شيئا أثقل من جار السوء. قيل: اصحب السلطان بالحذر، والصديق بالتواضع، والعدوّ بالتحرّز، والعامّة بالبشر. بزرجمهر: وقّر من فوقك، وارحم من دونك، وأحسن مكافأة أكفائك. ابن عباس ﵄: لجليسي عليّ ثلاث: أرميه بنظري إذا أقبل، وأوسّع له إذا جلس، وأصغي إليه إذا حدّث. وعنه ﵁: إني لأستحيي أن يطأ الرجل بساطي ثلاث مرّات ولا يرى عليه أثر برّي. يحيى بن أكثم: ما رأيت أكرم من المأمون: بتّ عنده ليلة فعطش، فكره أن يصيح بالغلمان، وكنت منتبها فو الله قد قام ومشى قليلا إلى البرادة «٣» حتى شرب ورجع. ورأيته ليلة وأنا عنده وحدي وقد أخذه سعال، فرأيته يسدّ فاه بكمّه كيلا أنتبه. والله أعلم بالصواب.

стр. 178

الروضة السادسة عشرة في الجهل واللّحن والتحريف والخطأ وما ناسب ذلك معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ : «أنتم على بيّنة من ربّكم ما لم تظهر منكم سكرتان: سكرة الجهل، وسكرة حبّ الدنيا» . يقال: نفور العلم من الجاهل أشدّ من نفور العالم من الجهل. قيل: سقام الحرص ليس له شفاء ... وداء الجهل ليس له طبيب يقال: كلام العاقل قوت، وجواب الجاهل سكوت. المعرّي: وإنّي وإن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم تستطعه الأوائل ولمّا رأيت الجهل في الناس فاشيا ... تجاهلت حتى ظن أنّي جاهل فواعجبا كم يدّعي الفضل ناقص ... ووا أسفا كم يظهر النقص كامل «١» وصف رجل فقيل: يغلط من أربعة أوجه: يسمع غير ما يقال له، ويحفظ غير ما يسمع، ويكتب غير ما يحفظ، ويحدّث غير ما يكتب. أرسطاطاليس: العاقل يوافق العاقل، والجاهل لا يوافق الجاهل ولا العاقل، مثل ذلك: المستقيم الذي ينطبق على المستقيم، فأمّا المعوجّ فإنه لا ينطبق على المعوجّ ولا على المستقيم. دخل خالد بن صفوان الحمّام فسمع رجلا يقول لابنه وهو يريد أن يعرّف خالدا بلاغته: ابدأ بيداك وثنّ برجلاك. ثم قال: يا بن صفوان هذا كلام قد

стр. 179

ذهب أهله. فقال خالد: بل ما خلق الله له أهلا. عليّ ﵁: الناس أعداء ما جهلوا. أبو الأسود الدّؤلي: إذا أردت أن تعذّب عالما فاقرن معه جاهلا. أفلاطون: ما ألمت نفسي إلّا من ثلاث: من غنيّ افتقر، وعزيز ذلّ، وحكيم تلاعبت به الجهّال. أرسطو: صديق الجاهل مغرور. وعنه: الجاهل عدوّ لنفسه، فكيف يكون صديقا لغيره. قيل لجالينوس: متى ينبغي للإنسان أن يموت؟ فقال: إذا جهل ما يضرّه مما ينفعه. يقال: اجتنب الجاهل فإنه يجني على نفسه، وهي أحبّ النفوس إليه. قيل: الجاهل يفسد لعدم تهدّيه للإصلاح مع رغبته في الصلاح، والأحمق يفسد لأنه يتلذّذ بالفساد، ويتألّم بجريان الأمور على السداد. كان مسلمة بن عبد الملك يعرض الجند، فقال لرجل منهم: ما اسمك؟ فقال: عبد الله، بالنصب. فقال: ابن من؟ فقال: ابن عبد الرحمن، بالجرّ. فأمر بضربه فقال: بسم الله بالرفع، فقال: دعوه فلو كان تاركا للّحن لتركه تحت السّياط. قرع رجل باب نحويّ، فخرج صبيّ، فقال الرجل: يا صبيّ أباك أبيك أبوك ههنا؟ فقال الصبيّ: لا لي لو. ابن السّماك: أعقل الناس محسن خائف، وأجهلهم مسيء آمن. ذو النون المصري رحمه الله تعالى: من جهل قدره هتك ستره. قيل: وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... وأجسامهم قبل القبور قبور وكلّ امرىء لم يحي بالعلم ميّت ... وليس له حتى النشور نشور وقيل: ماتوا وعشنا فهم عاشوا بموتهم ... ونحن في صورة الأحياء أموات أخي فبادر إلى زاد تحصّله ... ولا تسوّف فللتأخير آفات

стр. 180

بعض الأفاضل: موت التقيّ حياة لا نفاد لها ... قد مات قوم وهم في الناس أحياء وقيل: ما مات من كان حيا ذكره أبدا ... وفي الدفاتر قد تتلى فوائده ولم يزل ذكره في الناس منتشرا ... وينفع الخلق في الدنيا عوائده ولذا قيل: الناس كلّهم هالكون إلّا العالمون «١» . قيل: وليس بفقر فقدك المال والغنى ... ولكنّ فقد الفضل عندي هو الفقر وقيل: العلم أنفس شيء أنت ذاخره ... من يدرس العلم لم تدرس مفاخره فاجهد بنفسك فيما أنت تجهله ... فأوّل العلم إقبال وآخره عليّ ﵁: ربّما أخطأ البصير قصده، وأصاب الأعمى رشده. تكلّم رجل عند عبد الله بن عبّاس فأكثر الخطأ، فدعا عبد الله بغلام له فأعتقه، فقال له الرجل: ما سبب هذا الشكر؟ فقال: أن لم يجعلني الله مثلك. شهد سلميّ الموسوس عند جعفر بن سليمان على رجل فقال: أصلحك الله، ناصبيّ رافضيّ قدريّ مجبّر، شتم الحجاج بن الزبير الذي هدم الكعبة على عليّ بن أبي سفيان. فقال له جعفر: لا أدري على أيّ شيء أحسدك؟ أعلى علمك بالمقالات أم على معرفتك بالأنساب؟ فقال: أصلح الله الأمير، ما خرجت من الكتّاب حتى حذقت هذا كلّه. سقراط: لا تردّنّ على ذي خطأ فإنه يستفيد منك
следующие страницы →