Полный текст (440 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
فاجتلاء الهلال في الشهر يوم «١» ... ثمّ لا تنظر العيون إليه
فقال في جوابه:
إذا حققت من خلّ ودادا ... فزره ولا تخف منه ملالا
وكن كالشمس تطلع كلّ يوم ... ولا تك في زيارته هلالا
قيل: يقرب الطريق، في زيارة الصديق. المجنون:
وكنت إذا ما جئت ليلى بأرضها ... أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها
آخر:
تقرّب لي دار الحبيب وإن نأت ... وما دار من أبغضته بقريب
عمر ﵁: تزاوروا ولا تجاوروا. قيل: إدمان اللقاء سبب الجفاء. قيل: قلّة الزيارة أمن من الملالة، وكثرة التعاهد سبب التباعد. اعتذر رجل لآخر بتأخره عنه، فقال: ما رأيت إحسانا يعتذر منه إلّا هذا. قيل: دواء ما لا تشتهيه النفس تعجيل فراقه. بعضهم: كان لي قرين إذا كلّمته آذاني وأثمت، وإذا تركته استرحت. عن رسول الله ﷺ : «من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه» . وروي: «من هجر أخاه فوق ثلاث فمات دخل النار» .
أبو هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : «تفتح أبواب السماء في كلّ يوم اثنين وخميس، فيغفر في ذلك اليوم لكلّ عبد لا يشرك بالله شيئا إلّا من بينه وبين أخيه شحناء» . عن رسول الله ﷺ «أنه هجر بعض نسائه أربعين يوما» .
قيل لمغيرة بن شعبة «٢» : إنّ بوّابك يأذن لأصحابه قبل أصحابك. فقال: إنّ
стр. 177
المعرفة لتنفع عند الكلب العقور، والجمل الصّؤول «١» فكيف بالرجل العقول؟
قيل: الكلب لا ينبح على من في داره. عن النبي ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره» . ابن عمر ﵄: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة ألف بيت من جيرانه البلاء.
ثم قرأ: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ
«٢» الآية.
داود ﵇: اللهمّ إنّي أعوذ بك من مال يكون عليّ فتنة، ومن ولد يكون عليّ ربّا، ومن حليلة تقرّب الشيب قبل المشيب، وأعوذ بك من جار تراني عيناه وترعاني أذناه، إن رأى خيرا دفنه، وإن سمع شرّا طار به. لقمان:
يا بنيّ حملت الحجارة والحديد فلم أر شيئا أثقل من جار السوء. قيل: اصحب السلطان بالحذر، والصديق بالتواضع، والعدوّ بالتحرّز، والعامّة بالبشر.
بزرجمهر: وقّر من فوقك، وارحم من دونك، وأحسن مكافأة أكفائك. ابن عباس ﵄: لجليسي عليّ ثلاث: أرميه بنظري إذا أقبل، وأوسّع له إذا جلس، وأصغي إليه إذا حدّث. وعنه ﵁: إني لأستحيي أن يطأ الرجل بساطي ثلاث مرّات ولا يرى عليه أثر برّي. يحيى بن أكثم: ما رأيت أكرم من المأمون: بتّ عنده ليلة فعطش، فكره أن يصيح بالغلمان، وكنت منتبها فو الله قد قام ومشى قليلا إلى البرادة «٣» حتى شرب ورجع. ورأيته ليلة وأنا عنده وحدي وقد أخذه سعال، فرأيته يسدّ فاه بكمّه كيلا أنتبه. والله أعلم بالصواب.
стр. 178
الروضة السادسة عشرة في الجهل واللّحن والتحريف والخطأ وما ناسب ذلك
معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ : «أنتم على بيّنة من ربّكم ما لم تظهر منكم سكرتان: سكرة الجهل، وسكرة حبّ الدنيا» . يقال: نفور العلم من الجاهل أشدّ من نفور العالم من الجهل. قيل:
سقام الحرص ليس له شفاء ... وداء الجهل ليس له طبيب
يقال: كلام العاقل قوت، وجواب الجاهل سكوت. المعرّي:
وإنّي وإن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم تستطعه الأوائل
ولمّا رأيت الجهل في الناس فاشيا ... تجاهلت حتى ظن أنّي جاهل
فواعجبا كم يدّعي الفضل ناقص ... ووا أسفا كم يظهر النقص كامل «١»
وصف رجل فقيل: يغلط من أربعة أوجه: يسمع غير ما يقال له، ويحفظ غير ما يسمع، ويكتب غير ما يحفظ، ويحدّث غير ما يكتب. أرسطاطاليس:
العاقل يوافق العاقل، والجاهل لا يوافق الجاهل ولا العاقل، مثل ذلك:
المستقيم الذي ينطبق على المستقيم، فأمّا المعوجّ فإنه لا ينطبق على المعوجّ ولا على المستقيم.
دخل خالد بن صفوان الحمّام فسمع رجلا يقول لابنه وهو يريد أن يعرّف خالدا بلاغته: ابدأ بيداك وثنّ برجلاك. ثم قال: يا بن صفوان هذا كلام قد
стр. 179
ذهب أهله. فقال خالد: بل ما خلق الله له أهلا. عليّ ﵁: الناس أعداء ما جهلوا. أبو الأسود الدّؤلي: إذا أردت أن تعذّب عالما فاقرن معه جاهلا. أفلاطون: ما ألمت نفسي إلّا من ثلاث: من غنيّ افتقر، وعزيز ذلّ، وحكيم تلاعبت به الجهّال. أرسطو: صديق الجاهل مغرور. وعنه: الجاهل عدوّ لنفسه، فكيف يكون صديقا لغيره. قيل لجالينوس: متى ينبغي للإنسان أن يموت؟ فقال: إذا جهل ما يضرّه مما ينفعه. يقال: اجتنب الجاهل فإنه يجني على نفسه، وهي أحبّ النفوس إليه. قيل: الجاهل يفسد لعدم تهدّيه للإصلاح مع رغبته في الصلاح، والأحمق يفسد لأنه يتلذّذ بالفساد، ويتألّم بجريان الأمور على السداد. كان مسلمة بن عبد الملك يعرض الجند، فقال لرجل منهم: ما اسمك؟ فقال: عبد الله، بالنصب. فقال: ابن من؟ فقال: ابن عبد الرحمن، بالجرّ. فأمر بضربه فقال: بسم الله بالرفع، فقال: دعوه فلو كان تاركا للّحن لتركه تحت السّياط. قرع رجل باب نحويّ، فخرج صبيّ، فقال الرجل: يا صبيّ أباك أبيك أبوك ههنا؟ فقال الصبيّ: لا لي لو. ابن السّماك:
أعقل الناس محسن خائف، وأجهلهم مسيء آمن. ذو النون المصري رحمه الله تعالى: من جهل قدره هتك ستره. قيل:
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... وأجسامهم قبل القبور قبور
وكلّ امرىء لم يحي بالعلم ميّت ... وليس له حتى النشور نشور
وقيل:
ماتوا وعشنا فهم عاشوا بموتهم ... ونحن في صورة الأحياء أموات
أخي فبادر إلى زاد تحصّله ... ولا تسوّف فللتأخير آفات
стр. 180
بعض الأفاضل:
موت التقيّ حياة لا نفاد لها ... قد مات قوم وهم في الناس أحياء
وقيل:
ما مات من كان حيا ذكره أبدا ... وفي الدفاتر قد تتلى فوائده
ولم يزل ذكره في الناس منتشرا ... وينفع الخلق في الدنيا عوائده
ولذا قيل: الناس كلّهم هالكون إلّا العالمون «١» . قيل:
وليس بفقر فقدك المال والغنى ... ولكنّ فقد الفضل عندي هو الفقر
وقيل:
العلم أنفس شيء أنت ذاخره ... من يدرس العلم لم تدرس مفاخره
فاجهد بنفسك فيما أنت تجهله ... فأوّل العلم إقبال وآخره
عليّ ﵁: ربّما أخطأ البصير قصده، وأصاب الأعمى رشده.
تكلّم رجل عند عبد الله بن عبّاس فأكثر الخطأ، فدعا عبد الله بغلام له فأعتقه، فقال له الرجل: ما سبب هذا الشكر؟ فقال: أن لم يجعلني الله مثلك. شهد سلميّ الموسوس عند جعفر بن سليمان على رجل فقال: أصلحك الله، ناصبيّ رافضيّ قدريّ مجبّر، شتم الحجاج بن الزبير الذي هدم الكعبة على عليّ بن أبي سفيان. فقال له جعفر: لا أدري على أيّ شيء أحسدك؟ أعلى علمك بالمقالات أم على معرفتك بالأنساب؟ فقال: أصلح الله الأمير، ما خرجت من الكتّاب حتى حذقت هذا كلّه. سقراط: لا تردّنّ على ذي خطأ فإنه يستفيد منك
стр. 181
علما ويتخذك عدوّا. قيل:
لا تركننّ إلى قوم تعلّمهم ... فكلّهم مبغض في زيّ أحباب
يقال: من كثر لغطه كثر غلطه. سقراط: لو سكت من لا يعلم لسقط الاختلاف. أبو الطيب:
وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السّقيم «١»
أبو سعيد الضرير لأبي تمّام: لم لا تقول ما يفهم؟ فقال: يا أبا سعيد لم لا تفهم ما يقال؟ مولانا قطب الدين الشيرازي في بعض المتصدّين لشرح المجسطي «٢» من الجهّال: لو علم والد بطليموس أنّ مثله يشرح كلام ولده لاختصى. مولانا جلال الدين الداواني: لو علم العلماء الأسلاف أنه يخلف بعدهم نظائرنا من الأجلاف لأوصوا أن تدفن كتبهم معهم في قبورهم، بل لم يظهروا قطّ ما في صدورهم.
حضر مجلس الأعمش قوم ليسمعوا الحديث فقال: ما اليوم؟ فقال رجل منهم: الاثنين. فقال الأعمش: الاثنان، ارجعوا فأعربوا كلامكم ثم اطلبوا الحديث. وقيل: كان سيبويه في ابتداء أمره يصحب الفقهاء والمحدّثين، وكان يستملي على حمّاد، فلحن يوما فردّ عليه حمّاد فأنف من ذلك، فلزم الخليل فبرع في النحو. سمع رجل رجلا يقرأ: الأكراد أشدّ كفرا ونفاقا، فقال له: قل ويحك: الأعراب «٣» . فقال: كلهم يقطعون الطريق. والله تعالى أعلم.
стр. 182
الروضة السابعة عشرة في الجنون والحمق والغفلة والمكر والاحتيال وترك الأناة والعجلة
أنس ﵁: «مرّ برسول الله ﷺ رجل، فقال رجل: يا رسول الله هذا مجنون. فأقبل عليه وقال: أقلت مجنون؟ إنما المجنون المقيم على المعصية ولكن هذا مصاب» . عيسى ﵇: عالجت الأكمه والأبرص فأبرأتهما، وعالجت الأحمق فأعياني. قيل:
لكلّ داء دواء يستطبّ به ... إلا الحماقة أعيت من يداويها
عليّ ﵁: ليس من أحد إلا وفيه حمقة فبها يعيش. المبرّد:
دخلت دير هزقل»
فرأيت مجنونا مربوطا فدلعت لساني في وجهه فنظر إلى السماء وقال: لك الحمد والشكر، من خلّوا؟ ومن ربطوا موضع المجانين «٢» ؟.
قيل لمجنون: أتعرف الله؟ فقال: ألا أعرف من أجاعني وأعراني وسلب عقلي وأخزاني؟. قيل لمجنون: عدّ لنا مجانين البصرة، فقال: كلّفتموني شططا، أنا على عدّ عقلائها أقدر. يقال: نزلت به البطنة ونأت عنه الفطنة.
اصطحب أحمقان في طريق، فقال أحدهما للآخر: تعال نتمنّ فإن الطريق تقطع بالحديث، فقال أحدهما: أنا أتمنى قطائع «٣» غنم أنتفع برسلها «٤» ولحمها
стр. 183
وصوفها ويخصب معها رحلي، ويشبع بها أهلي. وقال الآخر: أنا أتمنى قطائع ذئاب أرسلها على غنمك حتى تأتي عليها. فقال: ويحك أهذا من حقّ الصحبة وحرمة العشرة؟ وتلاحما واشتدّت الملحمة بينهما. فرضيا بأول من يطلع عليهما حكما، فطلع عليهما شيخ على حمار بين زقّين من عسل، فحدّثاه، فنزل عن الحمار وفتح الزّقّين حتى سال العسل في التراب، ثم قال: صبّ الله دمي مثل هذا العسل إن لم تكونا أحمقين. شرد لهبنقة بعير فقال: من جاء به فله بعيران، فقيل له: أتجعل في بعير بعيرين؟ فقال: إنكم لا تجدون حلاوة الوجدان، فنسب إلى الحمق وصار مثلا فيه. ولدت دغة فصاح الولد فقالت لامرأة: أيفتح الجعر فاه «١» ؟ فقالت المرأة: نعم ويسبّ أباه. فصارت مثلا في الحمق.
بكر بن معتمر: إذا كان العقل تسعة أجزاء احتاج إلى جزء من الحمق ليقدم في الأمور، فإن العاقل أبدا متوان متوقّف متخوّف. جابر بن عبد الله، يرفعه:
«كان رجل متعبّد في صومعة فأمطرت السماء وأعشبت الأرض، ورأى حماره يرعى في ذلك العشب فقال: يا ربّ لو كان لك حمار لرعيته مع حماري. فبلغ ذلك بعض الأنبياء فهمّ أن يدعو عليه، فأوحى الله إليه أن لا تدع عليه فإني أجازي العباد على قدر عقولهم» . وهب بن منبّه: خلق ابن آدم أحمق ولولا حمقه ما هنأه عيش. قيل لأعرابيّ: يا مصاب، فقال: بل أنت أصوب مني، أي أجنّ. يقال: عقله منه على سفر.
يظنّ بأنّ الخمل في القطف نابت ... وأنّ الذي في داخل التين خردل
قيل: هو ذو بصيرة بلهاء عند تشابه النوائب، وتجربة عمياء عن تأمّل العواقب. كان يقال: مجالسة الأحمق خطر، والقيام عنه ظفر. أهل بغداد:
стр. 184
فلان الساعة سقط من المحمل. يريدون أنه غبيّ، شبّهوه في غباوته بالخراسانيّ الوارد عليهم ولم يختبر أحوال بلدهم. كتب سعد بن أبي وقّاص إلى عمر ﵄: إني أصبت فيما أفاء الله «١» على رسوله صندوقا من ذهب، عليه قفل من ذهب، ولم أفتحه. فكتب إليه أن بعه فإني أحسبه حمقة من حمقات العجم. ففعل، ففتحه المشتري فأصاب فيه حريرا مدرجا. فجعل يكشفه حتى أفضى إلى درج ففتحه فإذا فيه كتاب، فأتى ببعض من يقرؤه، فإذا فيه: تسريح اللحية من جانب الحلق أنفع من ألف تسريحة إلى الحلق. فاستقال مشتريه «٢» فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إلى سعد أن استحلفه أكان يقيلنا لو أصاب فيه كنزا واستقلناه؟ فسئل الرجل فقال: ما كنت لأقيلكم. فلم يقيلوه. قال رجل لامرأته وهو يحبّها: أنا لك والله مائق. أراد: وامق «٣» ، أي محبّ، فقالت: لست لي وحدي بمائق أنت والله مائق لكلّ أحد.
الشّلوبين كان جالسا على شاطىء نهر وبيده كراريس، فوقع منها واحدة بالماء فلم تصل يده إليها ليأخذها فجذبها بكرّاسة أخرى فتلفت الأخرى. بينا ابن عمر ﵄ جالس إذ جاءه أعرابيّ فلطمه، فقدم إليه وافد بن عبد الله «٤» فجلد به الأرض، فقال ابن عمر: ليس بعزيز من ليس في قومه سفيه. قيل:
ومن يحكم وليس له سفيه ... يلاق المعضلات من الرجال
قال الشافعي: لا بدّ للفقيه من سفيه يناضل عنه ويحامي عليه. عن الأحنف:
стр. 185
أكرموا سفهاءكم فإنّهم يكفونكم النار والعار. جعفر بن محمد: إنهم ليطفئون الحريق، ويستنقذون الغريق، ويسدّون البرنيق «١» . قال رجل لزهير الباني: يا أبا عبد الرحمن ألا توصيني بشيء؟ فقال: احذر لا يأخذك الله وأنت على غفلة.
ابن المقفّع: من أدخل نفسه فيما لا يعنيه ابتلي فيه بما يعنيه. زياد بن أبيه: ليس العاقل الذي يحتال للأمر إذا وقع فيه ولكنّ العاقل الذي يحتال للأمور حذرا أن يقع فيها. إياس بن معاوية: لست بخبّ والخبّ لا يخدعني. عمران بن حطّان «٢» يصف الدّنيا:
أحلام نوم أو كظلّ زائل ... إنّ اللبيب بمثلها لا يخدع
ابن المقفع: إذا نزل بك مكروه فانظر: فإن كان له حيلة فلا تعجز وإن كان مما لا حيلة له فلا تجزع. قبيصة بن جابر: لو أنّ مدينة لها سبعة أبواب لا يخرج منها إلّا بمكروه ودهاء لخرج مغيرة بن شعبة من أبوابها كلّها. مغيرة بن شعبة: ما خدعني أحد مثل غلام من بني الحارث فإني ذكرت له امرأة فقال: إني رأيت رجلا يقبّلها. ثم تزوّجها فقلت له، فقال: رأيت أباها يقبّلها. قال الضحّاك بن مزاحم لنصرانيّ: لو أسلمت. قال: ما زلت محبّا للإسلام إلّا أنه يمنعني منه حبّي للخمر. فقال: أسلم واشرب الخمر. فلما أسلم قال له: قد أسلمت فإن شربتها حددناك وإن ارتددت قتلناك. فاختر لنفسك ما شئت. فقال:
أختار السلامة. وحسن إسلامه. قيل: ما هو إلا خديعة، وسراب بقيعة «٣» .
стр. 186
أعرابيّ: سكنت في فطس «١» عفريت. قيل: الحيلة تجري مجرى القوّة بل هي ألطف عوضا. يقال: ربّ حيلة، أنفع من قبيلة. يقال: إذا طلبت عدوّك بالقوة فلا تقدمنّ عليه حتى تعلم ضعفه عنك، وإذا طلبته بالمكيدة فلا يعظمنّ أمره عندك وإن كان عظيما. قيل: الحيل تفتح أبواب الجبل. بعض السلف: إنّ كيد النساء أعظم من كيد الشيطان، فإنّ الله تعالى قال: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ
«٢» وقال: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً
«٣» . جحد رجل مال رجل، فاحتكما إلى إياس بن معاوية فقال للطالب: أين دفعت إليه هذا المال؟ قال: عند شجرة كذا بمكان كذا. قال:
فانطلق إلى الشجرة لعلّك تتذكّر كيف كان الأمر؟ فمضى، وجلس خصمه، فقال إياس بعد ساعة: أترى خصمك بلغ موضع الشجرة، قال: لا. قال: يا عدوّ الله أنت خائن، فقال: أقلني «٤» أقالك الله، وأقرّ. أتي معن بن زائدة بثلاثمئة أسير فأمر بضرب أعناقهم فقال أحدهم: أنشدك الله ألّا تقتل ضيفانك، فقال: أحسنت، فأطلقهم.
دلّيت من السماء سلسلة في أيام داود ﵇، عند الصخرة التي في بيت المقدس، فكان الناس يتحاكمون عندها، فمن مدّ يده إليها وهو صادق نالها، ومن كان كاذبا لم ينلها إلى أن ظهرت بينهم الخديعة، وذلك أن رجلا أودع جوهرة فخبّأها في عكازة. وطلبها المودع فجحدها «٥» . فتحاكما، فقال المدّعي: إن كنت صادقا فلتدن مني السلسلة، فمسّها. ودفع المدّعى عليه العكازة إلى المدّعي وقال: اللهمّ إن كنت تعلم أني رددت الجوهرة فلتدن مني السلسلة. فمسّها، فقال الناس: قد سوّت السلسلة بين الظالم والمظلوم، فارتفعت بشؤم الخديعة. وأوحي إلى داود
стр. 187
عليه السّلام أن احكم بين الناس بالبيّنة واليمين. فبقي ذلك إلى السّاعة. عن النبيّ ﷺ : «المؤمن وقّاف، والمنافق وثّاب» . وعنه ﷺ : «من تأنّى أدرك ما تمنّى» . قيل: من تأنّى غنّى. قال آدم ﵇ لأولاده: كلّ عمل تريدون أن تعملوا فقفوا له ساعة فإني لو وقفت ساعة لم يكن أصابني ما أصابني. قيل:
لا تعجلنّ لأمر أنت طالبه ... فقلّما يدرك المطلوب بالعجل
فذو التأنّي مصيب في مقاصده ... وذو التعجّل لا يخلو من الزّلل
وقّع ذو الرياستين: إنّ أسرع النار التهابا أسرعها خمودا، فتأنّ في أمرك.
أعرابيّ: إياكم والعجلة فإنّ العرب تكنيها أمّ الندامات. قيل: من ورد عجلا صدر خجلا. قيل: لا يكاد يعدم الصّرعة من عادته السّرعة. قيل: لا يحسن التعجيل إلّا في تزويج البنت، ودفن الميت، وقرى الضيف، والغسل من الجنابة. يقال: من أسرع في الجواب أبطأ في الصواب. والله أعلم.
стр. 188
الروضة الثامنة عشرة في الجوابات المسكتة ورشقات اللسان
عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يعدي شيء شيئا، فقال أعرابيّ: يا رسول الله إنّ النّقبة «١» تكون بمشفر البعير أو بذنبه في الإبل العظيمة، فتجرب كلّها. فقال رسول الله ﷺ : فما أجرب الأوّل؟» . لمّا توجّه عمر إلى الشام قال له رجل:
أتدع مسجد رسول الله ﷺ ؟ فقال: أدع مسجد رسول الله لإصلاح أمّة رسول الله، ولقد هممت أن أضرب على رأسك بالدّرّة حتى لا تجعل الردّ على الأئمة عادة فتتخذها الأخلاف سنّة. عليّ ﵁ قال له يهودي: ما دفنتم نبيّكم حتى اختلفتم. فقال: إنما اختلفنا عنه لا فيه، ولكنّكم ما جفّت أرجلكم من البحر حتى قلتم لنبيّكم: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ
«٢» .
خرج خادم من دار سليمان بن المنصور وبيده عود لجارية سليمان يريد إدخاله دار الرشيد، فمرّ على شيخ يلقط النّوى ويتقوّت بثمنه، فكسر العود، فتعلّق به الخادم. وبلغ الخبر الرشيد فأمر بقتله، فقال سليمان: ألا تسمع كلامه؟
فأحضر وفي يده كيس فيه نوى، فقال الرشيد: ما حملك على ما صنعت؟
فقال: رأيت منكرا فغيّرته، وأنت وآباؤك تقولون على المنابر: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
«٣» الآية. فهابه الرشيد ولم يقدر على التكلم، فقام الشيخ وخرج،
стр. 189
فقال الرشيد للخادم: الحقه ببدرة، فلحقه فلم يقبل، وقال: قل له يردّها على من أخذ منه. ثمّ ولّى منشدا:
أرى الدنيا لمن هي في يديه ... بلاء كلّما كثرت لديه
إذا استغنيت عن شيء فدعه ... وخذ ما أنت محتاج إليه
رفع رجل رجلا إلى عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه وقال: إنّ هذا زعم أنه احتلم على أمّي فقال: أقمه في الشمس واضرب ظلّه. سئل عليّ ﵁ عن مسافة ما بين الخافقين «١» فقال: مسيرة يوم للشمس. قيل لعليّ كرّم الله وجهه: ما بال خلافة عثمان مع خلافتك كانت متكدّرة، بخلاف خلافة الشيخين؟ فقال: كنت أنا وعثمان من أعوانهما، وأنت وأمثالك من أعواننا.
قال رجل لجعفر بن محمد ﵄: ما الدليل على الله تعالى؟ ولا تذكر لي العالم والعرض والجوهر. فقال له: هل ركبت البحر؟ قال: نعم. قال:
هل عصفت بكم الريح حتى خفتم الغرق؟ قال: نعم. قال: فهل انقطع رجاؤك من المركب والملّاحين؟ قال: نعم. قال: هل تتبّعت نفسك أن ثمّة من ينجيك؟ قال: نعم. قال: فإن ذاك هو الله.
شهد أعرابيّ عند معاوية بشيء يكرهه، فقال معاوية: كذبت. فقال: والله الكاذب متزمّل في ثيابك. فتبسّم معاوية وقال: هذا جزاء من عجّل. قيل: قال معاوية لعقيل بن أبي طالب: إن فيكم شباقة «٢» يا بني هاشم. قال: فينا في الرجال، وفيكم في النساء. قيل: إنّ معاوية قال لابن عباس: يا بني هاشم ما لكم تصابون في أبصاركم؟ قال: كما تصابون أنتم في بصائركم. مرّ نصر بن
стр. 190
سيّار بأبي الهند وكان شريفا وهو يميل سكرا فقال: أفسدت شرفك. فقال: لو لم أفسد شرفي لم تكن أنت والي خراسان. الأصمعيّ: اجتاز هارون بالبادية فإذا عجوز فسلّم عليها وقال: ممن أنت؟ فقالت: من طيّىء. فقال: ما منع طيّئا أن يكون فيهم مثل حاتم؟ فقالت: الذي منع الخلفاء أن يكون فيهم مثلك.
فأعطاها مالا عظيما، فاستكثروه فقال: والله لو أعطيتها الخلافة ما أوفيتها.
سعي بالإمام الشافعيّ إلى الرشيد بأنه يرى إمامة آل أبي طالب ولا يرى إمامة آل عباس، فاستحضره فقال حين دخوله عليه: بلغني كذا وكذا، فقال: يا أمير المؤمنين والله لأن أكون مع قوم يظنون أني من أنفسهم أحبّ إليّ من أكون مع قوم يرون أنّي عبد لهم. فاستحسن كلامه. أبو العلاء المعرّي:
يد بخمس مئين عسجد وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار؟ «١»
وأجيب عنه:
هناك مظلومة عزّت بقيمتها ... وههنا ظلمت هانت على الباري «٢»
وأجاب أيضا شمس الأئمة الكردري:
قل للمعرّي عار أيّما عار ... جهل الفتى وهو عن ثوب التّقى عاري
لا تقدحنّ زناد الشعر من حكم ... شعائر الشرع لم تقدح بأشعار
فقيمة اليد نصف الألف من ذهب ... ولو تعدّت فلا تسوى بدينار
سفيان بن عيينة، بكى يوما، فقال له يحيى بن أكثم: ما يبكيك يا أبا
стр. 191
محمد؟ قال: بعد مجالستي أصحاب رسول الله ﷺ بليت بمصاحبتك. فقال له يحيى وكان حدّيثا «١» : فمصيبة أصحاب رسول الله ﷺ بمجالستك بعد رسول الله ﷺ أعظم من مصيبتك. فقال: يا غلام أظنّ السلطان سيحتاج إليك. قال رجل لصاحب منزل: أصلح خشب هذا السقف فإنه يتفرقع. فقال: لا تخف إنما هو يسبّح، قال: أخاف أن تدركه رقّة فيسجد. في المثل: قال الجدار للوتد: لم تشقّني؟ قال الوتد: سل من يدقّني. قيل لعبادة: ما ورثت أختك من زوجها؟
قال: أربعة أشهر وعشرة أيام وأربع بنات.
مرض رجل وعنده امرأة مات عنها خمسة أزواج فقعدت عند رأسه تبكي وتقول: على من تتركني؟ فرفع رأسه وقال: على الزوج السابع الشقيّ. سأل رجل رجلا، فشتمه، فقال: تردّني وتشتمني؟ قال: كرهت أن أردّك غير مأجور. قيل لأبي الحارث: أيولد لابن ثمانين سنة ولد؟ قال: نعم، إذا كان له جار ابن عشرين سنة. بعضهم: رأيت رجلا معه ابنه لا يشبهه، فقلت: ابنك لا يشبهك، فقال: أو يترك جيراننا أن يشبهنا أولادنا. قالت عجوز لزوجها: أما تستحيي أن تزني ولك حلال طيّب؟ فقال: أما حلال فنعم وأما طيّب فلا. قيل لمزبد: هل في بيتك دقيق؟ قال: لا، ولا جليل. مدح أبو مقاتل الضرير الحسن بن زيد بقصيدة أوّلها:
لا تقل بشرى ولكن بشريان ... غرّة الداعي ووجه المهرجان
فكره الحسن افتتاحه بلا، فقال أبو مقاتل: لا كلمة أشرف من كلمة التوحيد وأوّلها «لا» . قيل لسقراط: إنّ الكلام الذي قلته لم يقبل. فقال: ليس يلزمني
стр. 192
أن يقبل، إنما يلزمني أن يكون صوابا. قال الإسكندر لابنه: يابن الحجّامة، فقال: أمّا هي فقد أحسنت التخيّر وأما أنت فلم تحسن. قال الفرزدق لزياد الأعجم: يا أقلف «١» . قال له: يا بن النمّامة ما أعجلك بما عرّفتك به أمّك.
قال رجل لغلام: ليتك تحتي، فقال الغلام: مع ثلاثة. قال أعرابيّ لابنه: يابن الأمّة. فقال له: والله لهي أعذر منك حيث لم ترض إلّا حرّا.
غنّى إبراهيم للرشيد فقال: أحسنت أحسن الله إليك، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّما يحسن الله إليّ بك. فأمر له بمائة ألف. لعب الرشيد مع أصحابه بالكرة والصّولجان فاقتسموا، فقال ليزيد بن مزيد: كن أنت من جانب عيسى بن جعفر، قال: لا. فغضب هارون، فصعق فقال: يا أمير المؤمنين إني حلفت أن أكون معك في الجدّ والهزل. فطاب قلبه وأمر له بعطاء. قال المتوكّل لأبي العيناء: إلى متى تمدح الناس وتذمّهم؟ فقال: ما أحسنوا وأساؤوا. نظر رئيس إلى أبي هفّان وهو يسارّ رجلا. قال: فيم تكذبان؟ قالا: في مدحك.
سأل المأمون أبا يونس فقيه مصر عن رجل اشترى شاة فضرطت فخرجت منها بعرة ففقأت عين رجل: على من الدّية؟ قال: على البائع، قال: لم؟ قال:
باع شاة في استها منجنيق ولم يبرأ من العهدة «٢» . سمع مجنون رجلا يقول:
اللهمّ لا تأخذني على غفلة. قال: إذا لا يأخذك أبدا. قال المعتصم لفتح بن خاقان وهو صبيّ: أرأيت يا فتح أحسن من هذا الفصّ «٣» (لفصّ في يده) ؟
قال: نعم يا أمير المؤمنين اليد التي هو فيها أحسن منه.
جيء برجل تنبّأ إلى المعتصم، فقال: أشهد أنك رجل أحمق. قال: كذا
стр. 193
العادة، كلّ نبيّ من بني نوعه. تنبّأ رجل عند ملك، قال: ألك معجزة؟ قال:
ما تريد؟ قال: أريد أن تخرج الساعة بطّيخا من الأرض. قال: أمهلنا ثلاثة أيام. قال: أريد السّاعة. قال: إنّ الله تعالى مع كمال قدرته يخرجه في ثلاثة أشهر، أنت لا تمهلنا ثلاثة أيام؟ فضحك وأمر بتوبته وتشريفه «١» إذ علم أنه مزاح. ادّعى أسود في مصر النبوّة فأتى المأمون وقال: أنا موسى. قال: كان لموسى معجزة من اليد البيضاء وتقليب العصا. قال: أتى موسى بمعجزة لقول فرعون: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى
«٢» ولو قلت ذلك لأتيتك بمعجزة. جيء بامرأة تنبّأت إلى الواثق، قال: ما تقولين في محمد؟ قالت: نبيّ. قال الواثق: فهو قال:
«لا نبيّ بعدي» . قالت: ولم يقل لا نبيّة بعدي.
أتي برجل اتّهم بالزندقة إلى هارون فقال: أنت زنديق؟ قال: أنا أصلي وأصوم. قال: آمر الآن بأن يضربوك حتى تقرّ بالزندقة. قال: ابن عمّك كان يضرب الناس إلى أن يقرّوا بالإسلام وأنت تضرب لإقرار الكفر. فخجل وتركه.
كان لعمران بن حطّان زوجة جميلة، وكان هو قصيرا دميما. فقالت له ذات يوم: اعلم أني وإيّاك في الجنة. قال: كيف؟ قالت: لأنك أعطيت مثلي فشكرت وأنا بليت بمثلك فصبرت، والصابر والشاكر في الجنة. وجاء رجل إلى إياس بن معاوية وقال: لو أكلت التمر أتضربني؟ قال: لا. قال: لو أكلت الشّونيز «٣» مع الخبز ما يلزم؟ قال: لا يلزم شيء. قال: لو شربت قدرا من الماء؟ قال: لا يمنع. قال: شراب التمر أخلاط منها فكيف يكون حراما؟ قال إياس: لو رميتك بالتراب أيوجع؟ قال: لا. قال: لو صبّ عليك قدر من
стр. 194
الماء أيتكسّر عضو منك؟ قال: لا. قال: لو فعلت «١» من الماء والتراب لبنا فجفّ في الشمس وضربت به رأسك كيف يكون؟ قال: ينكسر الرأس. قال:
ذاك مثل هذا.
اجتمع شريك بن عبد الله ويحيى بن عبد الله في دار الرشيد، فقال يحيى لشريك: ما تقول في النبيذ؟ قال: حلال. قال: فقليله خير أم كثيره؟ قال:
قليله. قال: ما رأيت خيرا قطّ إلّا والازدياد منه خير إلّا خيرك هذا. اعترض رجل المأمون فقال: أنا رجل من العرب. فقال: ليس بعجيب. قال: أريد الحجّ. قال: الطريق أمامك. قال: ليس لي نفقة. قال: سقط عنك الفرض. قال: جئتك مستجديا لا مستفتيا. فضحك وبرّه. قال الخيّاط المتكلم: ما قطعني»
إلّا غلام قال لي: ما تقول في معاوية؟ قلت: أنا أقف فيه. قال: ما تقول في ابنه يزيد؟ قلت: ألعنه. قال: فما تقول فيمن يحبّه؟
قلت: ألعنه. قال: أفترى معاوية كان لا يحبّ ابنه؟. دخلت أمّ أفعى العبدية على عائشة ﵂ فقال: يا أمّ المؤمنين ما تقولين في امرأة قتلت ابنا لها صغيرا؟ قالت: وجبت لها النار. قالت: فما تقولين في امرأة قتلت من أولادها الكبار عشرين ألفا؟ قالت: خذوا بيد عدوّة الله. سأل ملك شيعيّ مذكّرا «٣» عن أفضل البشر بعد النبيّ ﷺ ، قال: من بنته في بيته. أنشد ابن الفارض يوما في الخلوة بيت الحريريّ:
стр. 195
من ذا الذي ما ساء قط ... ومن له الحسنى فقط؟
فسمع قائلا يقول ولم ير شخصه:
محمد الهادي الذي ... عليه جبريل الأمين هبط
قال المتوكل يوما: أتعلمون ماله عتب الناس على عثمان؟ فقال بعض جلسائه: لم؟ قال: لمّا قبض رسول الله ﷺ قام أبو بكر على المنبر دون مقام النبيّ ﷺ بمرقاة «١» ، ثم قام عمر دون مقام أبي بكر بمرقاة، فلما ولي عثمان صعد ذروة المنبر فقعد مقعد رسول الله ﷺ . فأنكر المسلمون ذلك. فقال عبادة: يا أمير المؤمنين ما أحد أعظم منّة عليك ولا أسبغ معروفا من عثمان.
قال: كيف ويلك؟ قال: لأنه صعد ذروة المنبر ولولا ذلك لكان كلما قام خليفة نزل عن مقام من تقدّمه بمرقاة فكنت أنت تخطبنا من بئر جلولاء «٢» .
ولّى المنصور سليمان بن راميل الموصل وضمّ إليه ألفا من العجم وقال: قد ضممت إليك ألف شيطان تذلّ بهم الخلق. فعثوا في نواحي الموصل، فكتب إليه: كفرت النعمة يا سليمان. فأجاب سليمان: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا
«٣» . فضحك المنصور وأمدّه بغيرهم. خالد بن ربيع:
رأيت في النخاسين «٤» جارية مليحة، قلت: ما اسمك؟ قالت: جنّة.
قلت: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ
«٥» قالت: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
«٦» . الأصمعيّ: رأيت
стр. 196
دكّانا فيه أنواع الطيور المشويّة، وأنواع الفواكه، وامرأة في غاية الجمال، فقلت: وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ [٢٠] وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ [٢١] وَحُورٌ عِينٌ [٢٢] كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ
«١» فقالت بالفور: جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
«٢» .
الرشيد بات مع جارية قارئة وقال: اجعلي ظهرك إليّ. قالت: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ
«٣» قال: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ
«٤» قالت:
وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها
«٥» . طلب الرشيد الوقاع من جارية، قالت:
وَفارَ التَّنُّورُ
«٦» كنّت عن الحيض. قال: سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ
«٧» قالت: لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ
«٨» . نزل مخنّث في ماء ليغتسل، فجاء قوم من آل أبي معيط يرمونه، فقال: لا ترموني فلست بنبيّ. قال المنصور لبعض أهل الشام: ألا تحمدون الله إذ رفع عنكم الطاعون منذ وليناكم؟ فقال الشاميّ: إنّ الله أعدل من أن يجمعكم علينا والطاعون. فسكت. ولم يزل يطلب له العلل حتى قتله. أخّر يعقوب بن ليث «٩» رجلا من أهل سجستان موسرا فأفقره، فدخل عليه بعد مدّة فقال له: كيف أنت الساعة؟ قال: كما كنت قديما. قال: وكيف كنت قديما؟ قال: كما أنا الساعة. فأطرق وأمر له بعشرة
стр. 197
آلاف. أبو العتاهية قرأ يوما قصيدة ومنها:
فاضرب بطرفك حيث ش ... ئت فلن ترى «١» إلا بخيلا
فلامه جماعة وقالوا: أما تستحي؟ تجعل الجميع بخلاء. قال: هذا سهل كذّبوني بأحد. عليّ ﵁: نعم الناصر الجواب الحاضر. قيل:
بليت به فقيها ذا جدال ... يكابر بالدليل وبالدّلال
سألت وصاله والوصل حلّ ... فقال: نهى النبيّ عن الوصال
يقال: ربّ قول أشدّ من صول. صولة اللسان أنفذ من طعن السّنان.
جراحات السّنان لها التئام ... ولا يلتام ما جرح اللسان
أبو بكر ﵁: لين الكلام، من أخلاق الكرام. المعرّي:
وقد تنطق الأشياء وهي صوامت ... وما كلّ نطق المخبرين كلام «٢»
وقيل:
لا تحسبنّ بشاشتي لك عن رضا ... فوحقّ مجدك إنني أتملّق
ولئن نطقت بشكر جودك مفصحا ... فلسان حالي بالشكاية أنطق
أوحد الزمان:
قالوا تركت الشعر قلت ضرورة ... باب الدواعي والبواعث مغلق «٣»
خلت الديار فلا كريم يرتجى ... منه النّوال ولا مليح يعشق
ومن العجائب أنه لا يشترى ... ويخان فيه مع الكساد ويسرق
стр. 198
سأل رجل الشعبيّ عن المسح على الّلحية فقال: خلّلها، قال: أتخوّف أن لا تبلّ، قال: فانقعها من أوّل الليل. روى الشعبيّ حديث رسول الله ﷺ :
«تسحّروا ولو أن يضع أحدكم إصبعه على التراب ثم يضعها في فيه» فقال رجل: أيّ الأصابع؟ فتناول الشعبيّ إبهام رجله وقال: هذه. قال رجل لأبي يعقوب: إذا نزعت ثيابي ودخلت النهر للغسل إلى أين أتوجّه، إلى القبلة أو غيرها؟ قال: الأفضل أن يكون وجهك إلى ثيابك التي نزعتها. وسأله آخر: إذا شيّعنا جنازة فقدّامها أفضل أن نمشي أم خلفها؟ فقال: اجهد أن لا تكون عليها وامش حيث شئت.
خاصمت امرأة زوجها إلى الشعبيّ فبكت، فقال الشعبيّ: أظنّها مظلومة، فقال: إنّ إخوة يوسف جاؤوا أباهم عشاء يبكون وهم ظالمون. سئل الشعبيّ عن لحم الشيطان، قال: نحن نرضى منه بالكفاف، فقيل له: ما تقول في الذباب؟
قال: إن اشتهيته فكله. ادّعى رجل الفقه وبسط على بابه البواري «١» وقعد للفتوى، واحتفّ به الناس، فجاء رجل وقال: يا فقيه ما تقول فيمن أدخل إصبعه في أنفه فخرج عليها دم؟ فقال: يحتجم، فقال: قعدت فقيها أم طبيبا؟
فقال: لك طبيبا ولغيرك فقيها. سأل سقّاء من فقيه مسألة على باب السلطان فقال:
أهذا موضع مسألة؟ فقال السقّاء: أهذا موضع فقيه؟. بعض الأدباء: حضرت لتعليم المعتزّ وهو صبيّ فقلت: بأيّ شيء نبدأ اليوم؟ فقال: بالانصراف.
قال عبد الله بن حازم لقهرمانه: إلى أين تمضي يا هامان؟ قال أبني لك صرحا. فتعجب من جوابه لأنه أشار إلى أنه فرعون إن كان هو هامان. اعترض
стр. 199
رجل جارية رقّاصة فقال: هل في يدك صناعة؟ فقالت: لا، ولكن في رجلي. قال علويّ لأبي العيناء: أتبغضني وقد أمرت بالصلاة عليّ، تقول:
صلّى الله على محمد وآله، فقال: إني أقول الطّيبين الأخيار، فتخرج أنت. عاد شريح «١» زياد بن أبيه، فلمّا خرج قيل له: كيف تركته؟ فقال: تركته يأمر وينهى، خيّل أنه صحيح يقوم بإمارته آمرا وناهيا. وإنما أراد أنه مشف «٢» يأمر بتنفيذ وصيّته وينهى عن النوح عليه.
رمى المتوكّل عصفورا فلم يصبه، فقال ابن حمدون: أحسنت. قال: كيف أحسنت؟ قال: إلى العصفور. قال الفرزدق: ما استقبلني أحد بمثل ما استقبلني به نبطيّ قال: أنت في الكنيف «٣» من قدمك إلى أنفك. قلت: لم حاشيت العينين؟ قال: حتى ترى هوان نفسك، فبهتّ. قالت امرأة لزوجها: يا متعفّن الخصيتين. فقال: كيف لا، وهما سالكان درب فرجك منذ أربعين سنة؟. قال رجل لجرير: أنت تقذف المحصنات، فقال: إذن لا يصيب أمّك من ذلك شيء. قال عمرو بن عبيد للفرزدق: متى عهدك بالزنى. فقال: منذ ماتت عجوزك. يقال: بلطف الكلام، يخدع الكرام. كان يقال: أحضر الناس جوابا من لم يغضب. الأصمعيّ:
لم أر مثل الرفق في لينه ... قد أخرج العذراء من خدرها
من يستعن بالرّفق في أمره ... يستخرج الحيّة من جحرها
أبو الحسن التّنوخيّ:
الرفق يمن وخير القول أصدقه ... وكثرة المزح مفتاح العداوات
стр. 200
والصدق برّ، وقول الزّور: صاحبه ... يوم المعاد حريّ بالعقوبات
الأصمعيّ: من علامة الأحمق الإجابة قبل استقصاء الاستماع. أرسطو:
السرعة في الجواب توجب العثار. أعرابيّ في وصف متناظرين: أوّل مجلسهم انتطاح، وآخره اصطلاح. شقيق بن إبراهيم البلخيّ: قال لي إبراهيم بن أدهم:
أخبرني عما أنت عليه. فقلت: إذا رزقت أكلت وإذا منعت صبرت. فقال لي:
هكذا تعمل كلاب بلخ. فقلت له: كيف تعمل أنت؟ قال: إذا رزقت آثرت وإذا منعت شكرت. قيل: المبطل مخصوم وإن غلب، والمحقّ فالح وإن خصم. يقال: من أجاب السّفيه سفه، ومن سكت عن جوابه نبه. قيل: من غاظك بقبح الشّتم منه، فغظه بحسن الحلم عنه.
وجدت الرفق أبلغ في السموّ ... ولم أر كالتواضع في العلوّ
ومن بسط اللسان على سفيه ... كمن دفع السلاح إلى العدوّ
وقيل:
بالرفق تبلغ ما تهواه من أرب ... وصاحب الخرق «١» محمول على خطر
قيل لبعض الحكماء: ما الأشياء الناطقة الصامتة؟ فقال: الدلائل المخبرة والعبر الواعظة. قيل لحكيم: مالك تدمن إمساك العصا ولست بكبير ولا مريض؟ فقال: لأعلم أنّي مسافر. قال الرشيد لبهلول: من أحبّ الناس إليك؟
فقال: من أشبع بطني، فقال: أنا أشبعه فهل تحبّني؟ قال: الحبّ بالنسيئة لا يكون. والله أعلم بالصواب.
стр. 201
الروضة التاسعة عشرة في الحياء والسكوت والعزلة والوحدة والاختلاط
عن النبيّ ﷺ : «لكلّ دين خلق، وخلق الإسلام الحياء» . وعنه ﷺ :
«الحياء شعبة من الإيمان» . عليّ ﵁: من كساه الحياء ثوبه، لم ير الناس عيبه. أعرابيّ: لا يزال الوجه كريما ما غلب حياؤه، ولا يزال الغصن نضيرا ما بقي لحاؤه «١» .
يعيش المرء ما استحيا كريما ... ويبقى العود ما بقي الّلحاء
وما في أن يعيش المرء خير ... إذا ما المرء فارقه الحياء «٢»
قيل: الوجه المصون بالحياء، كالجوهر المكنون في الوعاء. الإمام الشافعيّ ﵁، زار الإمام أبا حنيفة ببغداد، قال: فأدركتني صلاة الصبح وأنا عند ضريحه، وصلّيت الصبح فلم أجهر بالبسملة ولا قنتّ حياء من أبي حنيفة ﵁. الربيع: ما دخل الشافعيّ بغداد إلا ومشى إلى قبر أبي حنيفة وزاره ودعا عنده فقضيت حاجته. أرسطاطاليس: من استحيا من الناس ولم يستحي من نفسه فلا قدر لنفسه عنده. وهب: إذا كان في الصبيّ خلقان الحياء والرهبة، طمع في رشده. عليّ ﵁: لا تعمل الخير رياء، ولا تتركه حياء.
عن النبيّ ﷺ : «رحم الله امرأ أمسك فضل لسانه، وبذل فضل ماله» .
عليّ ﵁: إذا تمّ العقل نقص الكلام. قيل: من كثر لغطه كثر غلطه.
стр. 202
النخعيّ: إنما يهلك الناس فضول الكلام وفضول المال. وهيب بن الورد: بلغنا أنّ الحكمة عشرة أجزاء، تسعة من الصمت والعاشر العزلة. لقمان: يا بنيّ إذا افتخر الناس بحسن كلامهم فافتخر أنت بحسن صمتك. قيل: الصمت زين العاقل وستر الجاهل. كان رجل يحضر مجلس أبي يوسف كثيرا ويطيل السكوت، فقال له يوما: مالك لا تتكلّم ولا تسأل عن مسألة؟ فقال: أخبرني أيها القاضي متى يفطر الصائم؟ فقال: إذا غابت الشمس. قال: فإن لم تغب إلى نصف الليل؟ فتبسّم وتمثّل ببيت جرير:
وفي الصمت زين للغبيّ وإنما ... صحيفة لبّ المرء أن يتكلّما «١»
قال: ما دلّ على الأحوال كالأقوال، ولا هتك قناع العقول مثل سماع المقول. عائشة ﵂، رفعته: «عجبت من ابن آدم وملكاه على نابيه، فلسانه قلمهما وريقه مدادهما، كيف يتكلم فيما لا يعنيه؟» . لقمان:
لكلّ شيء دليل، ودليل العقل الفكر، ودليل الفكر الصمت. لما خرج يونس ﵇ من بطن الحوت طال صمته، فقيل: ألا تتكلم؟ فقال: الكلام صيّرني في بطن الحوت. قيل: يقول اللسان كل صباح ومساء للجوارح: كيف أنتنّ؟ فيقلن: بخير إن تركتنا. فيثاغورس: أكثر الآفات تعرض للحيوانات من عدم الكلام، وللإنسان من قبل الكلام. وعنه: ينبغي أن يعرف الوقت الذي يحسن فيه الكلام من الوقت الذي يحسن فيه السكوت.
حكيم: إن أعجبك الكلام فاصمت، وإن أعجبك الصمت فتكلّم. يقال:
الكلمة أسير في وثاق الرجل فإذا تكلّم بها صار أسيرا في وثاقها. عليّ ﵁: بكثرة الصمت تكون الهيبة. وعنه ﵁: لا خير في الصمت عن
стр. 203
الحكم كما أنه لا خير في القول بالجهل. تحدّثوا عند الأوزاعيّ وفيهم أعرابيّ لا يتكلم، فقيل له: لم لا تتحدّث. فقال: إنّ الحظّ للمرء في أذنه، وإنّ الحظّ في لسانه لغيره. فقال الأوزاعيّ: لقد حدّثكم فأحسن. النخعيّ: كانوا يتعلّمون السكوت كما يتعلّمون الكلام.
قيل لعروة بن مالك: ألا تحدّثنا ببعض ما عندك من العلم؟ قال: أكره أن يميل قلبي باجتماعكم عندي إلى حبّ الرياسة فأخسر الدارين. وكان قتادة يقول:
لولا حبّ الحسن الرياسة لمشى على الماء. قيل للأحنف: بأيّ شيء سدت قومك؟ فقال: لو عاب الناس الماء البارد ما شربته. الربيع بن الخيثم: تفقّهوا ثم اعتزلوا وتعبّدوا. أراد الحسن الحجّ فطلب ثابت البنانيّ أن يصاحبه فقال له:
ويحك دعنا نتعايش بستر الله تعالى، إني أخاف أن نصطحب فيرى بعضنا من بعض ما نتماقت عليه. فضيل: كان يقال: من استوحش من الوحدة واستأنس بالناس لم يسلم من الرياء. شقيق بن إبراهيم: اصحب الناس كما تصحب النار، خذ منفعتها واحذر أن تحرقك. الجنيد: سمعت من السّريّ السقطيّ قال: إنّ شيخي أبا جعفر السّماك دخل عليّ يوما فرأى عندي جماعة فرجع وقال: يا سريّ صرت مناخ البطّالين. ولم يستحسن اجتماعهم. عمر ﵁: في العزلة راحة عن خلطاء السوء.
رأى سفيان بن عيينة سفيان الثوريّ في المنام فقال له: أوصني، فقال: أقلل من معرفة الناس، ثلاث مرات. عن النبيّ ﷺ : «أحبّ العباد إلى الله تعالى الأتقياء الأخفياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا شهدوا لم يقرّبوا، أولئك أئمة الهدى ومصابيح الظّلم» . مالك بن دينار قال لراهب: عظني. فقال: إن استطعت أن تجعل بينك وبين الناس سورا من حديد فافعل. قيل لسقراط: لم لا تعاشر الملوك؟ فقال: وجدت الانفراد بالخلوة، أجمع لدواعي السّلوة. قيل
стр. 204
لرجل: ما تجد في الخلوة؟ فقال: الراحة من مداراة الناس، والسلامة من شرّهم. قيل: توحّد ما أمكنك، فمن وطئته الأعين وطئته الأرجل. حكيم:
العاقل مستوحش من زمانه، منفرد عن إخوانه. حاتم الأصمّ: الزم بيتك فإن أردت الصاحب فالله يكفيك، وإن أردت الرفيق فرفيقاك يكفيانك والقرآن يؤنسك، وذكر الموت يعظك. الشافعيّ رحمه الله تعالى:
فطوبى لنفس وطّنت قعر دارها ... مغلّقة الأبواب مرخى حجابها «١»
عبد المحسن الصّوري:
أنست بوحدتي حتى لو اني ... رأيت الأنس لاستوحشت منه
ولم تدع التجارب لي صديقا ... أميل إليه إلّا ملت عنه
وقيل:
ولا عيش إلّا في الخمول مع الغنى ... وعافية تغدو بها وتروح
ابن فارس اللغوي:
إذا ازدحمت هموم القلب قلنا ... عسى يوما يكون لها انفراج
نديمي هرّتي، وأنيس نفسي ... دفاتر لي، ومعشوقي السراج
وقيل:
عفا الله عن هذا الزمان فإنه ... زمان عقوق لا زمان حقوق
وكلّ رفيق فيه غير موافق ... وكلّ صديق فيه غير صدوق
وقيل:
إن شئت أن يسودّ ظنك كله ... فاجعله في هذا السّواد الأعظم «٢»
стр. 205
ليس الصديق بمن يعزّك ظاهرا ... متبسّما من باطن متجهّم
أبو إسماعيل رحمه الله تعالى:
أعدى عدوّك أدنى من وثقت به ... فحاذر الناس واصحبهم على دخل
غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجت ... مسافة الخلف بين القول والعمل «١»
وقيل:
مضى الأحرار وانقرضوا جميعا ... وخلّفني الزمان على العلوج
وقالوا لي: لزمت البيت جدّا ... فقلت: لفقد فائدة الخروج
أبو بكر ﵁: استراحة المؤمن في خموله. وقيل: استوحش من الناس كما تستوحش من السبع. قيل: ما بقي من الناس إلا حمار رامح أو كلب نابح، أو أخ فاضح. أبو الدرداء: احذروا الناس فإنهم ما ركبوا بعيرا إلا أدبروه «٢» ، ولا ظهر جواد إلا عقروه، ولا قلب مؤمن إلّا خرّبوه. قيل: استعذ من شرار الناس، وكن من خيارهم على حذر. قيل: اصطلح الناس على سقم السّريرة وزور العلانية. حكيم كتب إلى أخ له: يا أخي إياك والإخوان الذين يكرمونك بالزيارة ليغصبوا لك يومك فإنك إنما تنال الدنيا والآخرة بيومك، فإذا ذهب يومك فقد خسرت الدنيا والآخرة. عابد: إن الله غيور لا يحبّ أن يكون في قلب المؤمن أحد غير الله. عليّ ﵁: طوبى لمن شغله عيبه عن
стр. 206
عيوب الناس، وطوبى لمن لزم بيته، وأكل قوته، واشتغل بطاعته، وبكى على خطيئته، فكان من نفسه في شغل، والناس منه في راحة. في الحديث:
«المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس» . قيل: أجهل الناس من استأنس بالوحدة وتكثّر بالخلوة. قيل: إياكم والعزلة فإنّ في ملاقاة الناس معتبرا نافعا ومتّعظا واسعا. قيل: البيت رمس «١» ما لزمته. ولقد أحسن الذي قال:
وحدة العاقل خير ... من جليس السوء عنده
وجليس الخير خير ... من جلوس المرء وحده
الحكيم: ينبغي للعاقل أن يتخيّر جليسه كما يتخيّر مأكوله ومشروبه، وفي تخيّرهما صلاح البدن، وفي تخيّر الجليس صلاح النفس. قيل:
ما ضاع من كان له صاحب ... يقدر أن يصلح من شانه
وإنما الأرض بسكّانها ... وإنما المرء بإخوانه
قال رجل لابن عباس ﵄: ادع الله أن يغنيني عن الناس.
فقال: إنّ حوائج الناس متصل بعضها ببعض كاتصال الأعضاء فمتى يستغني المرء عن بعض جوارحه؟ ولكن قل: أغنني عن شرار الناس. سمع عمر ﵁ رجلا يقول: اللهم أغنني عن الناس، فقال: أراك تسأل الموت، قل:
اللهم أغنني عن شرار الناس. والله تعالى أعلم.
стр. 207
الروضة العشرون في الصبر وضبط النفس والعفاف والورع والحلال والحرام
جابر بن عبد الله ﵄: «سئل رسول الله ﷺ عن الإيمان فقال: الصبر والسماحة» . الحسن: وجدت الدنيا والآخرة في صبر ساعة. أبو الفتح البستيّ:
ولم أر مثل الشكر جنّة غارس ... ولم أر مثل الصبر جنّة لابس «١»
قال عبد الله الدارانيّ لمالك بن دينار: يا مالك إن سرّك أن تذوق حلاوة العبادة وتبلغ ذروة سنامها فاجعل بينك وبين شهوات الدنيا حائطا من حديد. قيل:
لا تحسب المجد تمرا أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصّبرا «٢»
قيل للأحنف: إنك شيخ ضعيف وإنّ الصيام يضعفك، فقال: إني أعدّه لشرّ يوم طويل، والصبر على طاعة الله أهون من الصبر على عذابه. الأحنف: من لم يصبر على كلمة يسمع كلمات، وربّ غيظ قد تجرّعته مخافة ما هو أشدّ منه.
يونس بن عبيد: لو أمرنا بالجزع لصبرنا. إذا نفذ سهم القضا، عليك بحسن الرضا. عليّ بن الحسين ﵄: احتمال الصبر عند البليّة أسلم من إطفائها بالمشقّة. قيل:
وليس الفتى من خوّر الخطب صبره ... ولكنّه من خار في صبره الخطب
стр. 208
وقيل:
هوّن عليك فإنّ كلّ شديدة ... إن لم تشدّدها عليك تهون
وتيقن أنّ الذي هو كائن ... بالكره منك وبالرضا سيكون
وقيل:
وما نبالي إذا أرواحنا سلمت ... مما فقدناه من مال ومن نشب «١»
فالمال مكتسب والمجد مرتجع ... إذا النفوس وقاها الله من عطب
وقيل:
إذا ضاق أمر أو تعذّر مطلب ... فعند إله العالمين مناشط
وقيل:
إن نال نيلا من الأنذال ينقصه ... حاشى له أن يذيب النفس بالضجر
فالتّبر من حجر إذ صار منكسرا ... والتّبر تبر وما يزداد في الحجر
في المثل: من طلب الرياسة صبر على مضض السياسة.
الصبر أوّله مرّ مذاقته ... لكنّ آخره أحلى من العسل
عمر ﵁: لو كان الصبر والشكر بعيرين ما باليت أيّهما ركبت.
رجل اشترى من رجل دارا فقال: لو صبرت لاشتريت منك الذراع بعشرة دراهم، فقال البائع: لو صبرت أنت لبعتك مائة ذراع بدرهم. عن النبيّ ﷺ :
«لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا ممّا به بأس» .
عليّ ﵁: العفاف زينة الفقر. سليمان ﵇: الغالب على شهواته أشدّ من الذي يفتح مدينة وحده. زاهد: إني لأشتهي الشّواء منذ أربعين
стр. 209
سنة ما صفا لي درهمه. سقط من يد كهمس بن الحسن التميمي دينار فطلبوه فوجدوه فأبى أن يأخذه وقال: لعلّه ليس بديناري. ابن سيرين «١» : ما غشيت امرأة قطّ في يقظة ولا في نوم غير أمّ عبد الله، وإني لأرى المرأة في منامي فأعلم أنها لا تحلّ لي فأصرف بصري. بعضهم: ليت عقلي في اليقظة كعقل ابن سيرين في المنام.
ابن المبارك: أراد أبو حنيفة رحمه الله تعالى أن يشتري جارية، فمكث عشر سنين يختار ويشاور من أيّ سبي يشتريها؟. اختلطت غنم الغارة «٢» بغنم أهل الكوفة، فسأل أبو حنيفة: كم تعيش الشاة؟ فقالوا: سبع سنين. فترك أكل اللحم سبع سنين. وحملت إليه بدرة «٣» من عند المنصور فرمى بها في زاوية البيت. فلما توفّي جاء بها ولده حمّاد إلى حميد بن قحطبة «٤» وقال: أوصاني أبي بردّ هذه الوديعة إليك، فقال: رحم الله أباك لقد شحّ على دينه إذ سخت به أنفس أقوام. مروان بن معاوية: ما من أحد إلّا وقد أكل بدينه، حتى سفيان الثوريّ: فإنه كان له أخ يعمل ببضاعته وهو جالس، ولولا دينه ما فعل ذلك.
فضيل: لأن أطلب الدنيا بالطبل والمزمار أحبّ إليّ من أن أطلبها بديني. وعنه رحمه الله تعالى: لأن يطلب الرجل الدنيا بأقبح ما تطلب به أحسن من أن يطلبها بأحسن ما تطلب به الآخرة. الحسن: لو وجدت رغيفا من حلال لأحرقته ثم دققته ثم ذريته ثم داويت به المرضى.
стр. 210
قال رجل للثوري: أصاب ثوبي خلوق «١» من خلوق الكعبة. قال: اغسله فكم فيه من دم مسلم. فضيل في ابنه عليّ: كانت لنا شاة أكلت يسيرا من علف بعض الأمراء، فما شرب من لبنها بعد. إبراهيم بن أدهم: أنا بالشام منذ أربع وعشرين سنة ما جئت لجهاد ولا رباط، ولكن لأشبع من خبز حلال. عائشة ﵂ قالت: «يا رسول الله من المؤمن؟ قال: المؤمن من إذا أصبح نظر إلى رغيفيه من أين يكسبهما؟» . قيل في وصف رجل: هو بماله متبرّع، وعن مال غيره متورّع. لم يتدنّس بحطام، ولم يتلبّس بآثام. يقال: إنّ الحلال يقطر والحرام يسيل. سأل الملك نور الدين الفقيه نجم الدين عن لبس خاتم في يده، وكان فيه بعض من الذهب، فقال: تتحرّز من هذا وتحمل إلى خزائنك من الحرام كذا وكذا من الأموال؟ فوقّع الملك برفع ذلك كله.
مرّ يحيى بأبي عبد الله التونسيّ وسلّم عليه فقال: ما تقول في صلاتي في هذه الثياب التي عليّ؟ فاستغرب العابد ضحكا وقال: مثل مثل الكلب يتمعّك «٢» في الجيفة ويتلطّخ بدمها ويأكل النجس، فإذا بال رفعه رجله تنزّها عن البول، وأنت بطنك مملوء من الحرام وتسأل عن ثيابك؟ فبكى ونزل عن دابته وتجرّد من ثيابه، واقتفى أثر العابد وأقام معه ثلاثة أيام. ثم أمره بالاحتطاب فكان يحتطب ويبيع ويأكل من كسبه ويتصدّق بفضله. وكان الناس إذا أتوا إلى العابد لطلب الدعاء يقول: سلوا يحيى فإنه خرج من الدنيا عن قدرة. والله أعلم.
стр. 211
الروضة الحادية والعشرون في ذكر الله وحمده والتسبيح والدعاء والصلاة على النبيّ ﷺ والاستغفار
عن النبيّ ﷺ : «أصبح وأمس ولسانك رطب بذكر الله، تصبح وتمس وليس لك خطيئة» . قال موسى صلوات الله عليه: أي ربّ ما علامة رضاك عني؟ فقال: ذكرك إياي يابن عمران. رفع الله العذاب عن بني إسرائيل ستمائة سنة بقولهم: ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
«١» .
قال موسى ﵇: يا ربّ إنك لتعطيني أكثر من أملي. قال: إنك تكثر قول: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ
«٢» . بعض المتصوّفة: لا يعرض أحد عن ذكر الله إلا أظلم عليه وقته، وتشوّش عليه رزقه. سئل الشّبليّ عن قوله ﷺ : «إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا الله العافية» فقال: أهل البلاء أهل الغفلات عن ذكر الله تعالى. حكي عن منصور الحلّاج أنه لمّا قطعت أطرافه كتب في مواقع دمه: الله الله. وعن زليخا أنها افتصدت يوما فكتب من آثار دمها في الأرض: يوسف يوسف.
معاذ بن جبل ﵁ رفعه: «ما من مسلم يبيت على ذكر طاهرا فيتعارّ «٣» من الليل فيسأل الله خيرا من الدنيا والآخرة إلّا أعطاه إياه» . سعيد بن
стр. 212
جبير: أوّل من يدعى إلى الجنّة الذين يحمدون في السّرّاء والضرّاء. فضيل:
بلغني أنّ أكرم الخلائق على الله تعالى يوم القيامة وأحبّهم إليه وأقربهم الحمّادون على كل حال. أبو هريرة ﵁ يرفعه: «إذا عطس أحدكم فليقل:
الحمد لله على كل حال، وليقل أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، ويقول هو:
يهديكم الله ويصلح بالكم» . ابن عباس ﵄: من سبق العاطس بالحمد لله وقي وجع الرأس والأضراس. جابر، يرفعه: «لقد بارك الله للرجل في حاجة أكثر الدعاء فيها، أعطيها أو منعها» . عن النبي ﷺ أنه كان يقول:
«اللهمّ إنّي أعوذ بك من الفقر إلّا إليك، ومن الذلّ إلّا لك» . طاوس: إني لفي الحجر ليلة إذ دخل عليّ عليّ بن الحسين ﵄، فقلت: هذا رجل صالح من أهل بيت رسول الله ﷺ ، لأسمعنّ دعاءه، فسمعته يقول:
(عبيدك ببابك، ومسكينك بفنائك، وفقيرك بفنائك) فما دعوت بهنّ في كربة إلا فرّج الله عنّي.
ابن المسيّب: سمعت من يدعو بين القبر والمنبر: اللهمّ إني أسألك عملا بارّا ورزقا دارّا وعيشا قارّا. فدعوت به فلم أر إلّا خيرا. ابن عباس ﵄، عن النبيّ ﷺ : «ما انتهيت إلى الركن اليماني قطّ إلا وجدت جبرائيل قد سبقني إليه ويقول: قل يا محمد: اللهمّ إني أعوذ بك من الكفر والفقر والفاقة ومن مواقف الخزي» . سأل الثوريّ جعفر بن محمد عن الدّعاء عند البيت الحرام فقال: إذا بلغت البيت ضع يدك على الحائط ثم قل: يا سابق الفوت، ويا سامع الصوت، ويا كاسي العظام لحما بعد الموت. ثم ادع بما شئت. ثم قال: إذا جاءك ما تحبّ فأكثر من «الحمد لله» ، وفيما تكره أكثر من «لا حول ولا قوة إلا بالله» ، وإذا استبطأت الرزق فأكثر من الاستغفار. الحسن: من دخل المقابر
стр. 213
وقال: اللهمّ ربّ الأرواح الفانية والأجساد البالية والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة، أدخل عليها روحا منك وسلاما مني، كتب الله له بعدد من مات، من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة، حسنات. وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقولها إذا دخل الجبّانة.
عن أبي الدّرداء ﵁، عن النبيّ ﷺ : «ما صيد طائر ولا حوت إلا بتضييع التسبيح» . ميمون بن مهران: أتي الصّدّيق بغراب وافر الجناحين، فجعل يمدّ جناحه ويقول: ما صيد مصيد ولا عضدت شجرة إلّا بتضييع التسبيح.
الصاحب بن عباد: سمعت ابن سمعون يوما على الكرسيّ يقول: سبحان من أنطق باللحم، وبصّر بالشحم وأسمع بالعظم. أشار إلى اللسان والعين والسمع.
شكا رجل إلى الحسن رجلا يظلمه فقال: إذا صلّيت الركعتين بعد المغرب وسلّمت فاسجد وقل: يا شديد القوّة يا شديد المحال يا عزيزا أذللت بعزّتك جميع ما خلقت، صلّ على محمد وآله واكفني مؤنة فلان بما شئت. فلم يرع إلا بالناعية في الليل فسأل عنه فقيل: مات فلان فجأة. هبط جبريل على يعقوب ﵉ فقال: يا يعقوب إنّ الله يقول لك: قل: يا كثير الخير ويا دائم المعروف ردّ عليّ ابنيّ. فأوحى الله إليه: وعزّتي لو كانا ميّتين لنشرتهما لك.
كان أبو مسلم الخولاني إذا أهمّه أمر قال: يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك ونستعين. عن بعض الأكابر من المغاربة أنه قال: مما جرّب للخلاص من المخاوف والنجاة من الأعداء أن يقول المرء: حسبي الله ونعم الوكيل سبعين مرّة ثم يقول: حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
«١»
стр. 214
ثلاث مرّات. عن بعض الأولياء: إذا أردت أن تقدم على جبّار أو سلطان، فإذا وقع بصرك عليه فكبّر ثلاثا وقل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
«١» بعد أن تستغفر الله سبعين مرّة قبل ذلك، وهو سرّ من أسرار الله تعالى. سعيد ابن جبير عن ابن عباس ﵄: إذا دخلت على سلطان مهيب تخاف منه أن يسطو عليك فقل: الله أكبر الله أكبر وأعزّ مما أخاف وأحذر، اللهمّ ربّ السموات السبع وربّ العرش العظيم كن لي جارا من عبدك فلان وأشياعه وأتباعه، تبارك اسمك وجلّ ثناؤك وعزّ جارك ولا إله غيرك.
عن جعفر الخلديّ قال: ودّعت أبا الحسن المزيّن الصغير فقلت: زوّدني شيئا، فقال: إذا ضاع منك شيء، أو أردت الجمع بينك وبين إنسان فقل: (يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه إنّ الله لا يخلف الميعاد «٢» ، اجمع بيني وبين كذا) . فالله يجمع بينك وبينه. فقال: فما دعوت إلا استجيب لي. قتادة ﵁: (بلغني أنّ رسول الله ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: «هلال خير ورشد» ثلاث مرّات، «آمنت بالذي خلقك» ثلاث مرّات، «الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا» ) . روي أنّ رسول الله ﷺ كان يقول إذا سمع صوت الرعد والصواعق: «اللهمّ لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك» . قالوا: من آداب الدعاء أن يترصّد الأوقات الشريفة، كما بين الأذان والإقامة- لقوله ﷺ : «الدعاء بين الأذان والإقامة لا يردّ» - وحالة السجود، ووقت السحر، وأن يدعو مستقبل القبلة ويرفع يديه- لما روى سلمان ﵁ عن رسول الله ﷺ : «إنّ ربّكم حييّ كريم من عبده إذا رفع يديه إليه أن
стр. 215
يردّهما صفرا «١» » . وعن أبي الدرداء ﵁: ارفعوا هذه الأيدي قبل أن تغلّ بالأغلال- ويمسح بهما وجهه بعد الدعاء- قال عمر ﵁: «كان رسول الله ﷺ إذا مدّ يديه في الدعاء لم يردّهما حتى يمسح وجهه» - وأن لا يرفع بصره إلى السماء، وأن يخفض صوته- لقوله تعالى: تَضَرُّعاً وَخِيفَةً
«٢» - وأن لا يتكلّف، ويأتي بالكلام المطبوع الغير المسجوع، لقوله ﵇: «إياكم والسّجع في الدعاء، بحسب أحدكم أن يقول: اللهمّ إني أسألك الجنّة وما قرّب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرّب إليها من قول وعمل» .
قيل: ادع بلسان الذلّة والاحتقار، لا بلسان الفصاحة والانطلاق. وكانوا لا يزيدون في الدعاء على سبع كلمات فما دونها، كما ترى في آخر سورة البقرة.
ومن الآداب أن يستفتح الدعاء بالذّكر ولا يبدأ بالسؤال، عن سلمة بن الأكوع ﵁: «ما سمعت رسول الله ﷺ يستفتح الدعاء إلا قال: سبحان ربي العليّ الأعلى الوهّاب» . قيل لسفيان الثوريّ: ادع ربك، قال: ترك الذنوب هو الدعاء.
ابن المبارك: جاء رجل إلى عبد العزيز بن أبي داود وأنا عنده فقال: ادع الله لي. فقال: مراد خداي آب روى نيست «٣» . قال هرم بن حيّان لأويس رحمهما الله تعالى: صلنا بالزيارة واللقاء، فقال أويس: قد وصلتك بما هو أنفع لك، هو الدعاء بظهر الغيب، لأنّ الزيارة واللقاء قد يعرض فيهما التزيّن والرياء.
مورق العجلي ﵀: سألت الله حاجة مذ أربعين سنة ما قضاها لي، وما أيست منها. مرّ معروف الكرخي بسقّاء يقول: رحم الله من يشرب من هذا
следующие страницы →