Полный текст (440 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
الروضة الحادية والعشرون في ذكر الله وحمده والتسبيح والدعاء والصلاة على النبيّ ﷺ والاستغفار
عن النبيّ ﷺ : «أصبح وأمس ولسانك رطب بذكر الله، تصبح وتمس وليس لك خطيئة» . قال موسى صلوات الله عليه: أي ربّ ما علامة رضاك عني؟ فقال: ذكرك إياي يابن عمران. رفع الله العذاب عن بني إسرائيل ستمائة سنة بقولهم: ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
«١» .
قال موسى ﵇: يا ربّ إنك لتعطيني أكثر من أملي. قال: إنك تكثر قول: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ
«٢» . بعض المتصوّفة: لا يعرض أحد عن ذكر الله إلا أظلم عليه وقته، وتشوّش عليه رزقه. سئل الشّبليّ عن قوله ﷺ : «إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا الله العافية» فقال: أهل البلاء أهل الغفلات عن ذكر الله تعالى. حكي عن منصور الحلّاج أنه لمّا قطعت أطرافه كتب في مواقع دمه: الله الله. وعن زليخا أنها افتصدت يوما فكتب من آثار دمها في الأرض: يوسف يوسف.
معاذ بن جبل ﵁ رفعه: «ما من مسلم يبيت على ذكر طاهرا فيتعارّ «٣» من الليل فيسأل الله خيرا من الدنيا والآخرة إلّا أعطاه إياه» . سعيد بن
стр. 212
جبير: أوّل من يدعى إلى الجنّة الذين يحمدون في السّرّاء والضرّاء. فضيل:
بلغني أنّ أكرم الخلائق على الله تعالى يوم القيامة وأحبّهم إليه وأقربهم الحمّادون على كل حال. أبو هريرة ﵁ يرفعه: «إذا عطس أحدكم فليقل:
الحمد لله على كل حال، وليقل أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، ويقول هو:
يهديكم الله ويصلح بالكم» . ابن عباس ﵄: من سبق العاطس بالحمد لله وقي وجع الرأس والأضراس. جابر، يرفعه: «لقد بارك الله للرجل في حاجة أكثر الدعاء فيها، أعطيها أو منعها» . عن النبي ﷺ أنه كان يقول:
«اللهمّ إنّي أعوذ بك من الفقر إلّا إليك، ومن الذلّ إلّا لك» . طاوس: إني لفي الحجر ليلة إذ دخل عليّ عليّ بن الحسين ﵄، فقلت: هذا رجل صالح من أهل بيت رسول الله ﷺ ، لأسمعنّ دعاءه، فسمعته يقول:
(عبيدك ببابك، ومسكينك بفنائك، وفقيرك بفنائك) فما دعوت بهنّ في كربة إلا فرّج الله عنّي.
ابن المسيّب: سمعت من يدعو بين القبر والمنبر: اللهمّ إني أسألك عملا بارّا ورزقا دارّا وعيشا قارّا. فدعوت به فلم أر إلّا خيرا. ابن عباس ﵄، عن النبيّ ﷺ : «ما انتهيت إلى الركن اليماني قطّ إلا وجدت جبرائيل قد سبقني إليه ويقول: قل يا محمد: اللهمّ إني أعوذ بك من الكفر والفقر والفاقة ومن مواقف الخزي» . سأل الثوريّ جعفر بن محمد عن الدّعاء عند البيت الحرام فقال: إذا بلغت البيت ضع يدك على الحائط ثم قل: يا سابق الفوت، ويا سامع الصوت، ويا كاسي العظام لحما بعد الموت. ثم ادع بما شئت. ثم قال: إذا جاءك ما تحبّ فأكثر من «الحمد لله» ، وفيما تكره أكثر من «لا حول ولا قوة إلا بالله» ، وإذا استبطأت الرزق فأكثر من الاستغفار. الحسن: من دخل المقابر
стр. 213
وقال: اللهمّ ربّ الأرواح الفانية والأجساد البالية والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة، أدخل عليها روحا منك وسلاما مني، كتب الله له بعدد من مات، من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة، حسنات. وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقولها إذا دخل الجبّانة.
عن أبي الدّرداء ﵁، عن النبيّ ﷺ : «ما صيد طائر ولا حوت إلا بتضييع التسبيح» . ميمون بن مهران: أتي الصّدّيق بغراب وافر الجناحين، فجعل يمدّ جناحه ويقول: ما صيد مصيد ولا عضدت شجرة إلّا بتضييع التسبيح.
الصاحب بن عباد: سمعت ابن سمعون يوما على الكرسيّ يقول: سبحان من أنطق باللحم، وبصّر بالشحم وأسمع بالعظم. أشار إلى اللسان والعين والسمع.
شكا رجل إلى الحسن رجلا يظلمه فقال: إذا صلّيت الركعتين بعد المغرب وسلّمت فاسجد وقل: يا شديد القوّة يا شديد المحال يا عزيزا أذللت بعزّتك جميع ما خلقت، صلّ على محمد وآله واكفني مؤنة فلان بما شئت. فلم يرع إلا بالناعية في الليل فسأل عنه فقيل: مات فلان فجأة. هبط جبريل على يعقوب ﵉ فقال: يا يعقوب إنّ الله يقول لك: قل: يا كثير الخير ويا دائم المعروف ردّ عليّ ابنيّ. فأوحى الله إليه: وعزّتي لو كانا ميّتين لنشرتهما لك.
كان أبو مسلم الخولاني إذا أهمّه أمر قال: يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك ونستعين. عن بعض الأكابر من المغاربة أنه قال: مما جرّب للخلاص من المخاوف والنجاة من الأعداء أن يقول المرء: حسبي الله ونعم الوكيل سبعين مرّة ثم يقول: حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
«١»
стр. 214
ثلاث مرّات. عن بعض الأولياء: إذا أردت أن تقدم على جبّار أو سلطان، فإذا وقع بصرك عليه فكبّر ثلاثا وقل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
«١» بعد أن تستغفر الله سبعين مرّة قبل ذلك، وهو سرّ من أسرار الله تعالى. سعيد ابن جبير عن ابن عباس ﵄: إذا دخلت على سلطان مهيب تخاف منه أن يسطو عليك فقل: الله أكبر الله أكبر وأعزّ مما أخاف وأحذر، اللهمّ ربّ السموات السبع وربّ العرش العظيم كن لي جارا من عبدك فلان وأشياعه وأتباعه، تبارك اسمك وجلّ ثناؤك وعزّ جارك ولا إله غيرك.
عن جعفر الخلديّ قال: ودّعت أبا الحسن المزيّن الصغير فقلت: زوّدني شيئا، فقال: إذا ضاع منك شيء، أو أردت الجمع بينك وبين إنسان فقل: (يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه إنّ الله لا يخلف الميعاد «٢» ، اجمع بيني وبين كذا) . فالله يجمع بينك وبينه. فقال: فما دعوت إلا استجيب لي. قتادة ﵁: (بلغني أنّ رسول الله ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: «هلال خير ورشد» ثلاث مرّات، «آمنت بالذي خلقك» ثلاث مرّات، «الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا» ) . روي أنّ رسول الله ﷺ كان يقول إذا سمع صوت الرعد والصواعق: «اللهمّ لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك» . قالوا: من آداب الدعاء أن يترصّد الأوقات الشريفة، كما بين الأذان والإقامة- لقوله ﷺ : «الدعاء بين الأذان والإقامة لا يردّ» - وحالة السجود، ووقت السحر، وأن يدعو مستقبل القبلة ويرفع يديه- لما روى سلمان ﵁ عن رسول الله ﷺ : «إنّ ربّكم حييّ كريم من عبده إذا رفع يديه إليه أن
стр. 215
يردّهما صفرا «١» » . وعن أبي الدرداء ﵁: ارفعوا هذه الأيدي قبل أن تغلّ بالأغلال- ويمسح بهما وجهه بعد الدعاء- قال عمر ﵁: «كان رسول الله ﷺ إذا مدّ يديه في الدعاء لم يردّهما حتى يمسح وجهه» - وأن لا يرفع بصره إلى السماء، وأن يخفض صوته- لقوله تعالى: تَضَرُّعاً وَخِيفَةً
«٢» - وأن لا يتكلّف، ويأتي بالكلام المطبوع الغير المسجوع، لقوله ﵇: «إياكم والسّجع في الدعاء، بحسب أحدكم أن يقول: اللهمّ إني أسألك الجنّة وما قرّب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرّب إليها من قول وعمل» .
قيل: ادع بلسان الذلّة والاحتقار، لا بلسان الفصاحة والانطلاق. وكانوا لا يزيدون في الدعاء على سبع كلمات فما دونها، كما ترى في آخر سورة البقرة.
ومن الآداب أن يستفتح الدعاء بالذّكر ولا يبدأ بالسؤال، عن سلمة بن الأكوع ﵁: «ما سمعت رسول الله ﷺ يستفتح الدعاء إلا قال: سبحان ربي العليّ الأعلى الوهّاب» . قيل لسفيان الثوريّ: ادع ربك، قال: ترك الذنوب هو الدعاء.
ابن المبارك: جاء رجل إلى عبد العزيز بن أبي داود وأنا عنده فقال: ادع الله لي. فقال: مراد خداي آب روى نيست «٣» . قال هرم بن حيّان لأويس رحمهما الله تعالى: صلنا بالزيارة واللقاء، فقال أويس: قد وصلتك بما هو أنفع لك، هو الدعاء بظهر الغيب، لأنّ الزيارة واللقاء قد يعرض فيهما التزيّن والرياء.
مورق العجلي ﵀: سألت الله حاجة مذ أربعين سنة ما قضاها لي، وما أيست منها. مرّ معروف الكرخي بسقّاء يقول: رحم الله من يشرب من هذا
стр. 216
الماء. فشرب وهو صائم وقال: عسى الله أن يستجيب. شريح رحمه الله تعالى: اللهمّ إني أسألك الجنّة بلا عمل عملته، وأعوذ بك من النار بلا ذنب تركته. خالد: اتقوا مجانيق الضعفاء. أي دعواتهم. عن النبي ﷺ : «من صلّى عليّ صلّت عليه الملائكة ما صلّى عليّ، فليقلل عبد من ذلك أو ليكثر» .
وعنه ﷺ : «من صلّى عليّ في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام اسمي في ذلك الكتاب» . وعنه ﵊: «إنّ في الأرض ملائكة سيّاحين يبلّغونني عن أمتي السلام» . وعنه عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليمات وأكمل التحيات: «ليس أحد منكم يسلّم عليّ إلّا ردّ الله روحي حتى أردّ ﵇» .
قال رجل لرسول الله ﷺ : «إني أذنبت ذنبا، قال: استغفر ربّك، قال:
إني أتوب ثم أعود، قال: كلّما أذنبت فتب واستغفر ربّك حتى يكون الشيطان هو الخسير» . عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : «من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: (سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلّا أنت، أستغفرك وأتوب إليك) كفّر الله عنه ما كان في مجلسه ذلك» . الحسن، يرفعه: «إنّ إبليس قال: وعزّتك لا أفارق ابن آدم ما دام الروح في جسده. فقال الربّ ﷻ : وعزّتي لا أمنعه التوبة ما لم يغرغر «١» » . عليّ ﵁: سمعت أبا بكر الصديق ﵁ وهو الصادق يقول: سمعت النبيّ ﷺ يقول: «ما من عبد أذنب ذنبا فقام فتوضّأ فأحسن وضوءه وصلّى واستغفر من ذنبه إلا كان حقا على الله أن يغفر له لأنه يقول: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً
«٢» .
عمر ﵁: جالسوا التوّابين فإنهم أرقّ أفئدة. الحسن، يرفعه: «إنّ
стр. 217
المؤمن ليذنب الذنب فيدخله الجنّة. قالوا: يا نبيّ الله كيف يدخله الجنّة؟ قال:
يكون نصب عينه تائبا مستغفرا حتى يدخل الجنّة» .
عليّ ﵁: لا خير في الدنيا إلّا لأحد رجلين: محسن يزداد كلّ يوم إحسانا، ومسيء يتدارك بالتوبة. وعنه: ترك الخطيئة أهون من طلب التوبة. ابن المسيّب، يرفعه: «المستغفر باللسان وهو مصرّ كالمستهزىء بربّه» . بعض العلماء: العبد بين ذنب ونعمة، لا يصلحهما إلا الاستغفار.
السّريّ السقطي: أنا أستغفر الله من قولي: «الحمد لله» منذ ثلاثين سنة.
فقيل: كيف؟ فقال: وقع حريق بالليل فخرجت أنظر دكّاني فقيل: الحريق أبعد من دكّانك، فقلت: الحمد لله. ثم قلت: هب أنّ دكّانك تخلّص أما تهتمّ للمسلمين؟. قال رجل لمزيد: أماتك الله. قال: آمين بعدك بألف سنة. قال عبادة لرجل: من أين أقبلت؟ قال: من لعنة الله. قال: ردّ الله غربتك. قيل:
الحمد لله الذي أخمد جمرته، وسلب إمرته، وأذلّ عترته، ولم يقله عثرته.
قيل لبعض المجّان: كيف أنت في دينك؟ قال: أخرقه بالمعاصي وأرقعه بالاستغفار. قيل لأعرابيّ اشتدّ مرضه: لو تبت، فقال: لست ممن يعطي على الذلّ، فإن عافاني الله تبت وإلّا متّ هكذا.
أعوذ بالله من كلّ ما يؤدّي إلى موارط نقمه، ويحجب عن موارد نعمه، آمين يا معين، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 218
الروضة الثانية والعشرون في الصحة والأمراض والعلل والطب والدواء وما ناسب ذلك
الحكماء: المطالب نوعان: خير ولذّة، وهما لا يحصلان تماما إلّا بوجود الصحة. سقراط: لا ينبغي لك أن تهمل أمر صحة بدنك. عن النبيّ ﷺ : «ما من مسلم يمرض مرضا إلّا حطّ الله عنه خطاياه كما تحطّ الشجرة ورقها» . وعنه ﷺ : «داء الأنبياء الفالج واللّقوة «١» » . قال الجاحظ: ومن المفاليج إدريس النبيّ ﵇، وممن فلج من الكبراء: أبان بن عثمان «٢» . كانوا يقولون:
رماه الله بفالج أبان، ولقوة معاوية، وبهق «٣» عبد الملك، وبرص أنس بن مالك، وجذام أبي قلابة، وعمى حسان، وصمم ابن سيرين. قيل بحضرة أعرابيّ: ما أشدّ من وجع الضرس؟ قال: كلّ داء شرّ داء. جعفر بن محمد الصادق: ثلاث قليلهنّ كثير: النار والفقر والمرض. خرجت قرحة في كفّ محمّد بن واسع فقيل: إنّا نرحم منها، فقال: وأنا أشكر الله إذ لم تخرج في عيني. قيل لجالينوس حين نهكته العلّة: أما تتعالج؟ قال: إذا كان الداء من السماء بطل الدواء. سئل بعضهم عن دليل الصانع قال: ذلّ اللبيب وفقر الأديب وسقم الطبيب.
стр. 219
نعلّل بالدواء إذا مرضنا ... وهل يشفي من الموت الدواء
ونختار الطبيب وهل طبيب ... يؤخّر ما يقدّمه القضاء؟
قيل: إذا نزل قدر الربّ بطل حذر المربوب. قيل: ثلاث يهلكن: الجماع على البطنة، والقديد «١» اليابس، وشرب الماء البارد على الريق. الحارث:
أربعة تهدم البدن: الجماع على الامتلاء، والاستحمام على الشبع، وأكل القديد، ونكاح العجوز. قباد بن فيروز: المرض حريق الجسد، والحزن منبت المنايا. قالوا: النيران ثلاث: نار تأكل وتشرب وهي نار الحمّى تأكل اللحم وتشرب الدم، ونار تأكل ولا تشرب وهي نار الدنيا، ونار لا تأكل ولا تشرب وهي نار جهنّم. جالينوس: الغمّ المفرد يميت القلب ويجمّد الدم في العروق فيهلك صاحبه، والسرور المفرط يلهب حرارة الدم حتى تغلب الحرارة الغريزية فيهلك. سفيان بن عيينة: أجمع أطباء فارس وابن كلدة أنّ الداء إدخال الطعام على الطعام قبل انهضام الأول. ابن سينا ﵀:
جميع الطبّ في البيتين درج ... وحسن القول في قصر الكلام
فقلّل إن أكلت وبعد أكل ... تجنّب فالشّفا في الانهضام
وليس على النفوس أشدّ بأسا ... من ادخال الطعام على الطعام
وفي خمس توقّ الماء حتما ... فتلك الخمس مجلبة السّقام
عقيب الأكل والإعيا وباه ... وحمّام وصحو من منام
سئل الحارث عن الحمية قال: الاقتصاد في الأكل لأن الأكل فوق المقدار يضيّق على الروح ساحتها ويسدّ مسامّها. قيل: كفى بالمرء عارا أن يكون صريع
стр. 220
مآكله وقتيل أنامله، فكم لقمة أكلت نفس حرّ، وأكلة منعت أكلات دهر؟. أبو بكر بن أحمد ﵀:
يا زائدا في أكله لقمة ... أسقمت جسما سالما بالتّخم
فيالها من لقمة أسقمت ... جسما وردّت عدّة من لقم
يقال: الأكل فوق المقدار يضيّق على الروح ساحته. قيل: راع غذاءك تحكم به بناءك. قيل: من غرس الطعام ثمرة السقام. وقالوا: إدخال اللحم على اللحم يقتل السباع في البرّ. يقال: ليس للبطنة خير من خمصة تتبعها.
الحارث: البطنة بيت الداء، والحمية رأس الدواء، وأعطوا كل بدن ما اعتاد.
يقال: لم يوجد كتاب أجود في معرفة الأدوية المفردة من كتاب الجامع لابن البيطار. عن النبيّ ﷺ : «المعدة بيت الداء» . جالينوس: استدامة الصحة بترك التكاسل في الرياضة، وبترك الامتلاء من الطعام والشراب. وعنه: الإقلال من الضارّ خير من الإكثار من النافع. سئل عن الأخلاط فقال: الدم: عبد مملوك وربما قتل العبد مولاه، والصفراء: كلب عقور في حديقة، والبلغم الملك كلما أغلقت عليه بابا فتح بابا آخر، والسوداء: الأرض إذا تحرّكت تحرّك ما عليها.
وعنه: يعالج ما في الرأس بالغرغرة، وما في المعدة بالقيء، وما في البدن بإسهال البطن، وما بين الجلد بالتعريق، وما في داخل العروق بإرسال الدم.
أبقراط: العافية ملك خفيّ لا يعرفها إلا من عدمها. قيل: مما يورث الهزال النوم على غير وطاء، وكثرة الكلام برفع الصوت. النظّام: ثلاث يحلقن العقل: طول النظر في المرآة، والاستغراب «١» في الضحك، ودوام النظر في
стр. 221
البحر. «نهى رسول الله ﷺ عن الحجامة في نقرة القفا فإنها تورث النسيان، وأمر بأن يستنجى بالماء البارد فإنه صحة من الباسور» . يقال: الجرب علة إذا عرضت للمرء هرّبت عن فراشه عرسه، بل نفّرت عن نفسه نفسه، وهو ربع من أرباع الخسران، وقسم من أقسام الخذلان.
أعاذك الله من أشياء أربعة ... الموت والعشق والإفلاس والجرب
عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
جسّ الطبيب يدي يوما فقلت له ... إن المحبة في قلبي فخلّ يدي
ليس احمراري لحمّى خالطت جسدي ... لكن لطارق همّ حلّ في كبدي
عباس بن الأحنف ﵀:
قالت مرضت فعدتها فتبرّمت ... وهي الصحيحة، والمريض العائد
والله لو أن القلوب كقلبها ... ما رقّ للولد الضعيف الوالد
وقيل:
قد عادني الحبيب في الأمراض ... بالسقم كطرفها فؤادي راضي
في سقمي صادفت شفائي حقا ... زارت فبلغت منتهى أغراضي
آخر:
جاءتني تستبين حال المرض ... عن جسمي تشتهي انتقال المرض
تعتاد عيادتي مريضا فلذا ... والله لم أشته زوال المرض
آخر:
لا تعجبوا من حياتي بعد فرقتكم ... فربما طار طير وهو مذبوح
стр. 222
خطب المأمون بمرو فسعل الناس فنادى بهم: ألا من كان به سعال فليتداو بشرب خلّ الخمر، ففعلوا فانقطع سعالهم. أرسطاطاليس: إنّ سمّ الحيّة حياة لها وتلف لغيرها، والسمّ ما دام في الحيّة فهو سخين، فإذا خرج إلى غيرها برد حتى يقتل بشدّة برده. كانت الأدوية تنبت في محراب سليمان ﵇ فيقول كلّ نبت: يا رسول الله أنا دواء لداء كذا. قيل: الشراب من آنية الرصاص أمان من القولنج. عليّ ﵁، رفعه: «ادّهنوا بالبنفسج فإنه بارد في الصّيف حارّ في الشتاء» . وعنه كرّم الله وجهه: عليكم بالزيت فإنّه يكشف المرّة «١» ، ويذهب البلغم، ويشدّ العصب، ويذهب بالإعياء، ويحسن الخلق، ويطيّب النفس، ويذهب بالهمّ. عن النبيّ ﷺ : «إن يكن في شيء شفاء ففي شرطة حجّام أو شربة من عسل» .
لقمان: لا تطيلوا الجلوس على الخلاء فإنه يورث الباسور، وكانت مكتوبة على أبواب الحشوش «٢» . حمّوا عند فتح خيبر فشكوا إلى رسول الله ﷺ فقال:
«أيها الناس إن الحمّى رائد الموت وسجن الله في الأرض وقطعة من النار، فإذا وجدتم من ذلك شيئا فبرّدوا لها الماء في الشّنان «٣» ثم صبّوا عليكم فيما بين المغرب والعشاء» ففعلوا ذلك فذهبت عنهم. قال الحجاج لطبيبه: أخبرنا بجوامع الطبّ. فقال: لا تطأ من النساء إلا شابّة، ولا تأكل من اللحوم إلا لحم فتيّ، وإذا تغدّيت فاستلق، وإذا تعشّيت فامش ولو على الشوكة، ولا يدخل بطنك طعام حتى يستمرىء «٤» ما فيه، ولا تأو إلى فراشك حتى تأتي الخلاء
стр. 223
فتنقض، وكل الفاكهة في إقبالها وذرها في إدبارها. عليّ بن موسى الرّضا ﵄: اثنان عليلان أبدا: صحيح متخم، وعليل مخلّط.
أبقراط: الحمية في الصحة كالتخليط في المرض. محمد بن زكريا الرازي: الحمية المفرطة والمبادرة إلى الأدوية والتقليل من الأغذية لا يحفظ الصحة بل يجلب الأمراض. وعنه: ينبغي للطبيب أن يبشّر أبدا بالصحة وإن كان غير واثق بها، فإن مزاج البدن تابع لأغراض النفس. وعنه: إن استطاع الطبيب أن يعالج بالأغذية دون الأدوية فقد وافق السعادة. وعنه: ينبغي للمريض أن يقتصر على واحد ممن يثق به من الأطباء. أبقراط: الطبّ قياس وتجربة. العادة إذا قدمت صارت طبيعة ثانية. كل مرض معلوم السبب موجود الشفاء. أرسطو:
المجرّب أحكم من الطبيب.
جالينوس: الطبيعة كالمدّعي، والعلّة كالخصم، والنبض والقارورة كالبيّنة، ويوم البحران «١» يوم القضاء والفصل، والطبيب كالقاضي. العليل الذي يشتهي أرجى من الصحيح الذي لا يشتهي. إعطاء المريض ما يشتهيه أنفع من أخذه مما لا يشتهيه. الصفراء بيتها المرارة وسلطانها في الكبد، والبلغم بيته المعدة وسلطانه في الصدر، والسوداء بيتها الطحال وسلطانها في القلب، والدم بيته القلب وسلطانه في الرأس. الحارث: دخل على مريض فقال: أنا وأنت والعلة ثلاث وإن كنت معي غلبناها وإلا تغلبت. الحارث: لا تشرب الدواء إلا عند الضرورة فإنه لا يصلح شيئا إلا أفسد مثله. ابن سينا:
ولا تتعرّض للدواء وشربه ... مدى الدهر إلا عند إحدى العظائم
стр. 224
جالينوس: الدواء ينقي وينكي. سأل الحجاج بعض الأطباء: أيّ شيء دواء آكل الطين وقد اعتاد به؟ فقال: عزيمة مثلك أيها الأمير، فرمى الحجاج الطين ولم يعد إليه أبدا. قيل: إذا تغدّيت فنم ولو على رأس الغنم، وإذا تعشّيت فدر ولو على رأس الجدر. يقال: إذا ألمّ الألم فعليك المعالجة بالمعالجة. ابن سينا:
بالشّبه تحفظ صحة موجودة ... والضدّ فيه شفاء كلّ سقام
لا تحقر المرض اليسير فإنه ... كالنار تصبح وهي ذات ضرام
قيل للنظّام «١» وفي يده قدح دواء: ما حالك؟ فقال: أصبحت في دار بليات أدفع آفات بآفات. أبقراط: داووا كلّ مريض بعقاقير أرضه فإن الطبيعة تتطلّع لهوائها وتنزع إلى غذائها. مرض غسان حين ولي الرقة فما كان ينجع فيه الدواء، فقال له طبيبه أبو عبّاد: سببه الهواء، فبعثه إلى بغداد بجربان «٢» ملئت من هوائها، فكان كلّ يوم يفتح جرابا في وجهه حتى برىء. صدع «٣» المأمون بطرسوس «٤» فلم ينفعه علاج فوجه إليه قيصر قلنسوة وكتب: بلغني صداعك فضعها على رأسك ليسكن، فخاف أن تكون مسمومة فوضعت على رأسه فسكن، فتعجب، ففتقت فإذا فيها رقّ «٥» ، فيه: (بسم الله الرّحمن الرّحيم، كم من
стр. 225
نعمة من الله في عرق ساكن حم (١) عسق
«١» لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ
«٢» من كلام الرحمن خمدت النيران، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قال الرشيد حين كان بطوس «٣» لرجل: خذ هذه البدرة واعرض هذه القارورة على أسقف فارس وبختشوع من غير أن يتشاعر، أو قل: إنها قارورة أخ لك، فقال الأسقف: ما أشبه هذا الماء بماء الرشيد، فانتظر ولا ترحل فإنّ أخاك ميت غداة غد. وقال بختشوع مثله. عرض رجل على أيوب الطبيب قارورة فقال:
ما هي بقارورتك لأنه ماء ميّت وأنت حيّ تكلّمني، فما فرغ من كلامه إذ خرّ الرجل ميتا. قيل لجالينوس: ما بالك إذ خرجت أطبّ أقرانك؟ قال: إني أنفقت في الزيت ما أنفقوه في الحميا. عن فروة بن مسيك أنه قال: يا رسول الله أرض عندنا هي أرض ربعنا وميرتنا وإن وباءها شديد. فقال ﷺ : «دعها عنك فإنّ من القرف التلف» «٤» . عن النبيّ ﷺ : «فرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد» .
يقال: يقاس عليه جميع الأمراض المعدية التي كتب الطبّ بسرايتها شاهدة.
أرسل الزهريّ إلى مصر، فقيل: لا تدخل مصر ففيها طاعون. فقال: إنما خلقنا لطعن أو طاعون، أي للشهادة. أرسل أبو بكر ﵁ جيشا إلى الشام فقال: اللهمّ اجعل مناياهم بطعن أو طاعون. هرب سليمان بن عبد الملك من الطاعون فتلي عليه قوله تعالى: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا
«٥» فقال: ذلك القليل نريده.
стр. 226
قالوا: من قدم أرضا فأخذ من ترابها فجعله في مائها ثم شربه عوفي من وبائها. في النوابغ: إذا كثر الطاغون أرسل الله عليهم الطاعون. وفيه: أمارة إدبار الإمارة، كثرة الوباء وقلّة العمارة. كان أنوشروان يمسك عما تميل إليه شهوته من الطعام ويقول: تركنا ما نحبه لنستغني عن العلاج بما نكره. عبد الله ابن شبرمة «١» : عجبت ممن يحتمي عن الطعام مخافة الداء كيف لا يحتمي عن الذنوب مخافة النار.
النعمان بن بشير: إنما المؤمنون كرجل إذا اشتكى المؤمن اشتكى له المؤمنون. قيل لأعرابيّ: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي. قيل: فما تشتهي؟
قال: الجنة. قيل: أفلا ندعو طبيبا؟ قال: هو الذي أمرضني. أنس ﵁: «دخل رسول الله ﷺ على شابّ وهو في الموت فقال: كيف تجدك؟
قال: أرجو الله وأخاف ذنوبي. قال: هما لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن إلّا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف» . دخل ابن السماك على الرشيد في عقب مرض فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله ذكرك فاذكره، وأطلقك فاشكره. عليّ ﵁، يرفعه: «من أتى أخاه المسلم يعوده مشى في مخرفة «٢» الجنة حتى يجلس، فإذا جلس غمرته الرحمة» . بعض الحكماء: إذا دخل العوّاد على الملك فحقّهم أن لا يسلّموا عليه فيحوجوه إلى الردّ فإذا علموا أنه لاحظهم دعوا له دعاء يسيرا وخرجوا.
عليّ ﵁: ربما أخطأ البصير قصده، وأصاب الأعمى رشده.
استأذن الربيع بن خيثم على ابن مسعود فخرجت جارية حسناء فغمض عينيه
стр. 227
فقالت: على الباب رجل أعمى يقول: أنا الربيع بن خيثم. فقال: ليس بأعمى إنما غضّ بصره عما نهاه الله تعالى عنه. الأصمعيّ: العميان أكثر الناس نكاحا، والخصيان أصحّ الناس أبصارا، لأنهما طرفان فما نقص من أحدهما زاد في الآخر. قيل: الضرير أنكح من البصير. سمع أبو العيناء المتوكل يقول: ما يمنعني من نظم أبي العيناء في جملة الندماء إلا أنه ضرير. فقال: إن أعفاني عن المسابقة ورؤية الهلال وقراءة نقوش الخواتيم صلحت لمنادمته. أنشد الشيخ ابن حجر رحمه الله تعالى قبل موته:
خانني ناظري وهو دليلي ... بانتقالي من بعده عن قليل
وكذا الركب إن أرادوا رحيلا ... قدّموا ضوءهم أمام الرحيل
في الحديث: «العيادة قدر فواق الناقة «١» » . مرض مدنيّ في الشام فعاده جيرانه فقالوا له: ما تشتهي؟ فقال: أن لا أرى إنسانا:
إني لأفتح عيني حين أفتحها ... على كثير ولكن لا أرى أحدا «٢»
أطال قوم عيادة بكر بن عبد الله المزنيّ، فقال: المريض يعاد والصحيح يزار. سريّ السقطيّ: مرضت في طرسوس وجاء إلى عيادتي جمع من الثقلاء فأطالوا الجلوس حتى أملّوني، ثم استدعوا مني فرفعت يدي وقلت: اللهمّ علّمنا كيف نعود المرضى. عاد ثقيل مريضا فأطال الجلوس فقال المريض: قد تأذينا من كثرة الداخلين. فقال العائد: أغلق الباب؟ فقال: نعم ولكن من خارج.
بعض الأدباء: لا تؤذ أخاك بكثرة الجلوس فإن في التخفيف راحة النفوس.
стр. 228
بعضهم: رحم الله امرأ زار وخفّف. قيل لعليّ بن عبيدة وقت العيادة: ما تشتهي؟ قال: عين الرقباء وأكباد الحسّاد وألسن الوشاة. قال أعرابيّ لمريض:
كيف تجدك؟ قال: أقربكم إلى الله. قال الأعرابيّ: اللهمّ باعد عبدك عنك.
يقال لمن شرب الدواء: كم لبست نعلك؟ كم تخطيت إلى بيت الكرامة؟
كم حدا «١» برقك وصبّ سحابك؟ كتب بعض الوزراء إلى إسحاق بن حنين وقد استعمل مسهّلا:
أبن لي كيف أمسيت ... وما كان من الحال
وكم سارت بك الناق ... ة نحو المنزل الخالي؟
صدع ملك فأمره الطبيب أن يضع قدميه في الماء الحارّ. فقال خصيّ عنده:
أين القدم من الرأس؟ فقال: وأين وجهك من بيضتيك فذهبت لحيتك؟. شكا رجل إلى طبيب وجع البطن وقال: أكلت سمكا ولحم بقر وبيضا وماشا «٢» .
فقال: انظر إنّ متّ من هذا وإلّا فارم نفسك من جبل قاف. وشكا آخر إلى طبيب وجع البطن فقال: أكلت خبز الشعير مع قطعة نخالة رطبة، فقال: اذهب إلى البيطار فإني لا أعرف علاج الحمر. وجاء رجل إلى آخر من الأطباء وشكا وجع البطن وقال: أكلت خبزا محترقا، فأتى الطبيب بالميل والمكحلة، فقال:
عيني صحيحة، فقال: لو كانت صحيحة لم تأكل محترقا. استوصف رجل طبيبا فأشار إليه بالكرفس «٣» فسأله عن فعله فقال: يفتح السّدد، فقال: لا كان الله لك إنّا إلى سدّ الفتح أحوج.
стр. 229
شكا المأمون إلى طبيب فقال: اجتنب الرطب والماء البارد، فقال: لولا هما لم نحتج إليك. قالت امرأة لزوجها- وكان أصلع-: لست أغبط إلّا شعرك حيث فارقك فاستراح منك. قيل لأصلع: إن الصلعة من نتن الدماغ، فقال: لو كان كذلك لم يكن على حر امرأتك طاقة شعر. قال أصلع لرجل: رأيتك لابس جوشن «١» بلا بيضة، فقال: أردت أن آخذ البيضة «٢» منك. اشترى أعرابيّ غلاما فقيل: يبول في الفراش، فقال: إن وجد فراشا فليبل عليه راشّا. كان رجل يتعاطى الصّراع فلا يصرع أحدا، فترك الصّراع وتعاطى الطبّ، فمرّ به حكيم فقال: الآن تصرع خلقا كثيرا.
стр. 230
الروضة الثالثة والعشرون في المدح والثناء وطيب الذكر والذمّ والهجو والشتم والغيبة
عن النبيّ ﷺ : «إذا رأيتم المدّاحين فاحثوا في وجوههم التراب» . قال العتبيّ: هو المدح بالباطل والكذب، وأمّا مدح الرجل بما فيه فلا بأس فيه.
وقد مدح أبو طالب والعباس رسول الله ﷺ وحسان وكعب وغيرهم ولم يبلغنا أنه حثا في وجه مادح ترابا، ومدح رسول الله ﷺ المهاجرين والأنصار، ومدح نفسه فقال: «أنا سيّد ولد آدم» . وقال يوسف ﵇: إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
«١» وقال ابن مسعود: في حثو التراب معنيان: أحدهما التغليظ في الردّ عليه، والثاني أن يقال له: بفيك التراب. مدح رجل هشام بن عبد الملك فقال: يا هذا إنه قد نهي عن مدح الرجل في وجهه. فقال له: ما مدحتك وإنما ذكّرتك نعم الله تعالى عليك لتجدّد له شكرا. فقال هشام: هذا أحسن من مدحك ووصله وأكرمه. قيل في المدح:
من كان فوق محل الشمس موضعه ... فليس يرفعه شيء ولا يضع
وقيل:
كأنّك في الإعطاء للمال مبغض ... وفي كلّ حرب للمنيّة عاشق
قال رجل لآخر: أنت بستان الدنيا، فقال: وأنت النهر الذي يشرب منه ذلك
стр. 231
البستان. السّلاميّ «١» :
فيسّرت آمالي بملك هو الورى ... ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر
الخطيب العراقيّ رحمة الله عليه:
فلأيّ باب غير بابك أرجع ... وبأيّ جود غير جودك أطمع
سدّت عليّ مذاهبي ومسالكي ... إلا إليك فدلّني ما أصنع
وكأنما الأبواب بابك وحده ... وكأنما أنت الخليقة أجمع
لمّا ظفر المأمون بعمّه إبراهيم شاور فيه أحمد بن خالد، فقال: يا أمير المؤمنين إن قتلته فلك نظراء، وإن عفوت عنه فمالك نظير.
الباخرزي «٢» في المدح:
وليس به عيب سوى أنّ ضيفه ... يلام بنسيان الأحبّة والوطن
عن النبيّ ﷺ : «من أنعم على عبد نعمة فلم يشكرها فدعا عليه استجيب له» . قيل: محبة الذكر الجميل من جبلّة الإنسان وخصائصه.
يهوى الثناء مبرّز ومقصر ... حبّ الثناء طبيعة الإنسان
قيل: الذي ينفر عن القبيح ويحثّ على الجميل أربعة: العقل، والحياء، والمدح والهجاء، والترغيب والترهيب. قيل: من لم يردعه الذمّ عن سيئة ولم يستدعه المدح إلى حسنة فهو جماد. قيل في المدح:
البحر أنت سماحة وفصاحة ... الدرّ ينثر من يديك وفيكا
стр. 232
والبدر أنت صباحة وملاحة ... والخير مجموع لديك وفيكا
وهب: من مدحك بما ليس فيك، فلا تأمن أن يذمّك بما ليس فيك. زياد ابن أبيه: من مدح رجلا بما ليس فيه، فقد بالغ في هجائه. يقال: من أفرط كمن فرّط.
سئل حكيم عن أحسن شيء في العالم فقال: حسن الذكر. قيل لشبيب بن شيبة «١» : ما بال عبد الله بن أهتم ينتقصك؟ قال: لأنه شقيقي في النسب وجاري في البلد وشريكي في الصناعة. قال رجل لآخر: إني أحبّك، قال: صدقت، قال: بم علمت؟ قال: لأنك لست لي بشريك ولا نسيب ولا جار قريب. قال المتوكّل لأبي العيناء: ما بقي في المجلس أحد إلّا ذمّك غيري. فقال:
إذا رضيت عني كرام عشيرتي ... فلا زال غضبانا عليّ لئامها
قيل: الكامل من عدّت كلماته، والسعيد من حسبت هفواته. قيل:
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلّها ... كفى المرء فخرا أن تعدّ معايبه «٢»
المتنبي:
فإذا أتتك مذمّتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأنّي كامل
أبو تمام:
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت، أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود
стр. 233
رثى الشريف الرضي أبا إسحاق الصابىء، فعاتبه الناس، فقال: إنما رثيت فضله. قيل:
إنّ العرانين «١» تلقاها محسّدة ... ولا ترى للئام الناس حسّادا
قيل لأبي العيناء «٢» : إن ابن حمدون يضحك منك، قال: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ
«٣» . قال المتوكّل لأبي العيناء: ما تقول في محمد ابن مكرّم والعباس بن رستم؟ فقال: هما الخمر والميسر وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما
«٤» . قيل: ما تقول في مالك بن طوق «٥» قال: لو كان في بني إسرائيل ونزلت آية البقرة ما ذبحوا غيره. عمر بن الخطّاب ﵁ قال للحطيئة:
ويلك لا تهج الناس فقال: إذا أموت أنا وعيالي جوعا. بعضهم:
وقالوا في الهجاء عليك إثم ... وليس الإثم إلا في المديح
قيل لسقراط: هل من إنسان لا عيب فيه؟ قال: لو كان إنسان لا عيب فيه لكان لا يموت. يقال في ذمّ الرجل: جرى في الغواية إلى الغاية، وفي مخالفة النّهى إلى النهاية. وقيل في الهجو:
نديمك عطشان وضيفك جائع ... وكلبك نبّاح وبابك مغلق
شرابك مختوم وخبزك لا يرى ... ولحمك بين الفرقدين معلق
стр. 234
وقيل في جماعة:
مات الكرام ومرّوا وانقضوا ومضوا ... ومات في إثرهم تلك الكرامات
وخلّفوني في قوم ذوي سفه ... لو أبصروا طيف ضيف في الكرى ماتوا
الحسن: ذمّ الرجل نفسه في العلانية مدح له في السرّ. كان أبو الطيب الطاهريّ يهجو بني سامان فقال له نصر بن أحمد يوما: إلى متى تأكل خبزك بلحوم الناس؟ فخجل ولم يعد. سمع أعرابيّ قوله تعالى: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً
«١» فامتعض، ثم سمع وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
«٢» فقال: الله أكبر، هجانا الله ثم مدحنا. وكذلك فعل الشاعر حيث يقول:
هجوت زهيرا ثم إني مدحته ... وما زالت الأشراف تهجى وتمدح
غيره:
ولا تتخذ هجو الرجال صناعة ... فربّ قواف طيّرت هام من هجا
ووقف جدي على سطح فمرّ به ذئب فشتمه، فقال له الذئب: أنت لا تشتمني إنما يشتمني المكان الذي أنت فيه. عن النبي ﷺ : «طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس» . عليّ ﵁: من نظر في عيوب الناس فأنكرها ثم رضيها لنفسه فذاك الأحمق بعينه. أنس ﵁: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: «أيّها الناس إنّ أموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، إياكم والغيبة فإنّ الله حرّم أكل لحم الإنسان كما
стр. 235
حرّم ماله ودمه» . جابر ﵁، رفعه: «إن الرجل يزني فيتوب فيتوب الله عليه، وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه» . اغتاب رجل رجلا عند معروف الكرخيّ فقال: اذكر القطن إذا وضع على عينيك. قيل لابن سيرين: مالك لا تقول في الحجاج شيئا؟ فقال: أقول فيه حتى ينجيه الله لتوحيده ويعذّبني باغتيابه؟ وكان قد جعل على نفسه وإذا اغتاب تصدّق بدينار.
فضيل: كان يقول: ما لعنت إبليس قطّ. عبد الله بن المبارك: قلت لسفيان:
ما أبعد أبا حنيفة عن الغيبة ما سمعته يغتاب عدوّا قطّ. أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇ أن المغتاب إذا تاب فهو آخر من يدخل الجنة وإن أصرّ فهو أوّل من يدخل النار. يقال: سامع الغيبة أحد المغتابين. فضيل: الغيبة فاكهة القرّاء. محمد بن حرب: أوّل من عمل الصابون سليمان ﵇، وأوّل من عمل القراطيس يوسف ﵇، وأوّل من عمل السويق ذو القرنين، وأوّل من عمل الجرادق نمرود، وأوّل من كتب القراطيس الحجاج، وأوّل من بنى المدائن في الإسلام الحجاج، وأوّل من اغتاب إبليس اغتاب آدم ﵇.
قيل لرجل من العرب: من السيد فيكم؟ قال: الذي إذا أقبل هبناه وإذا أدبر اغتبناه. يحيى بن خالد: وصف الفضل بن سهل عند الرشيد فلما جاءه تحيّر وأرتج عليه، فنظر الرشيد إلى يحيى نظرة منكر فلما ذهب قال: يا أمير المؤمنين من أبين الدلالة على فراهة «١» العبد شدّة إفراط هيبته لسيده، فقال الرشيد:
أحسنت والله، فقرّب الفضل إليه. ابن خالويه:
إذا لم يكن صدر المجالس سيدا ... فلا خير فيمن صدّرته المجالس
وكم قائل مالي رأيتك راجلا ... فقلت له من أجل أنك فارس
стр. 236
الروضة الرابعة والعشرون في العزّة والشرف والرياسة والذلّ والهوان والخسّة وسقوط الهمّة وما ناسب ذلك
قيل للحسن بن عليّ ﵄: فيك عظمة، قال: لا بل فيّ عزّة، قال الله تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
«١» . كان الرجل يجلس مع الحسن إلى ثلاث حجج «٢» لا يسأله عن مسألة، هيبة له. عن النبي ﷺ :
«قدّموا قريشا ولا تقدّموها وتعلّموا منها ولا تعلّموها» . سئل عيسى ﵇: أيّ الناس أشرف؟ فقبض قبضتين من تراب ثم قال: أيّ هذين أشرف؟
ثم جمعهما وطرحهما وقال: الناس كلّهم من تراب وأكرمهم عند الله أتقاهم.
بعض الفضلاء: الشرف بالهمم العالية، لا بالرمم البالية. عبد الله بن عباس ﵄: سمعت أبا بكر الصديق ﵁ ينشد:
إذا أردت شريف الناس كلهم ... فانظر إلى ملك في زيّ مسكين
ذاك الذي حسنت في الناس سيرته ... وذاك يصلح للدنيا وللدين
غيره:
بلغت سماء المجد عزّا ورفعة ... رويدا فما فوق السموات منزل
غيره:
والدرّ والدرّيّ خافا جوده ... فتحصّنا في البحر والأفلاك «٣»
стр. 237
غيره:
ويكاد من كرم الطباع وليدهم ... يهب التمائم ليلة الميلاد
وإذا امتطى مهدا فليس ينيمه ... إلا نشيد مدائح الأجداد
أبو الطيب:
فقد غيّب الشهّاد في كلّ موطن ... وردّ إلى أوطانه كلّ غائب «١»
أبو تمام:
هيهات لا يأتي الزمان بمثله ... إنّ الزّمان بمثله لبخيل
وله ﵀:
تعوّد بسط الكفّ حتى لو انه ... ثناها لقبض لم تطعه أنامله
ولو أنّ ما في كفّه غير نفسه ... لجاد بها فليتّق الله سائله
زهير:
تراه إذا ما جئته متهلّلا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله
وقيل:
تواضع لمّا زاده الله رفعة ... وإن رفيع القدر من يتواضع
أبو الحسين البلخي: معاداة الأغنياء، من عادات الأغبياء. ومن عادى معانا عاد مهانا، لأن اعتزاء الغنيّ إلى الله واعتزازه بصنع الله. أراد عاصم الخروج إلى
стр. 238
البصرة فقال للشعبيّ: ألك حاجة؟ قال: إذا أتيتها فبلّغ الحسن سلامي. قال:
ما أعرفه. قال: انظر إلى أجلّ رجل في عينك وأهيبه في صدرك فأقرئه سلامي، هو أنور من ليلة القدر، وأشهر من يوم بدر. مخرمة بن عبد الله:
ما رأيت من العلماء أهيب من الشافعيّ من بعيد ولا أبرّ وأكرم من قريب.
الشعبيّ: كانت درّة عمر ﵁ أهيب من سيف الحجاج. ولما جيء بالهرمزان ملك خوزستان أسيرا إلى عمر لم يزل الموكّل به يقتفي أثر عمر حتى عثر عليه في المسجد نائما متوسّدا درّته، فلمّا رآه الهرمزان قال: هذا هو الملك؟! والله إني خدمت أربعة من الملوك الأكاسرة أصحاب التيجان فما هبت أحدا منهم كهيبتي لصاحب هذه الدرّة. دخل أبو تمام على أحمد بن أبي داود وقد طال وقوفه بالباب ولم يصل إليه فقال أحمد: أحسبك عاتبا، فقال: إنما يعتب على واحد وأنت الناس جميعا، فقال: من أين لك هذا؟ قال: من قول أبي نواس:
وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد «١»
ابن المقفّع: من تعزّز بالله لم يذلّه سلطان، ومن توكّل عليه لم يضرّه إنسان. من طال كلامه سئم، ومن قلّ احترامه شتم. إياك واللّجاج فإنه يوغر الصدور، وينتج النفور، ويقلّب القلوب، ويفتح باب الحروب. يقال: هو في عيش غريض «٢» وجاه عريض. اصطنع أنوشروان رجلا فقيل: إنه لا قديم له، فقال: اصطناعنا إيّاه بيّنه وشرّفه.
يقال: أسباب الرياسة خمسة: صدق اللهجة، وكتمان السرّ، والوفاء
стр. 239
بالعهد، وابتدار النصيحة، وأداء الأمانة. أرسطو: الارتقاء إلى السؤدد صعب، والانحطاط إلى الدناءة سهل. وعنه: لا يسود من يتتبع العيوب الباطنة من إخوانه. يقال: التنقير تنفير. وقيل: التنقيب يريب الأريب.
فضيل: ما عشق الرياسة أحد إلا حسد وبغى وطغى. وعنه: من عشق الرياسة لم يفلح. وعنه: لا يطلب الرياسة أحد إلّا طلب عيوب الناس ومساوئهم، وكره أن يذكر أحد عنده بخير. وعنه: ما كثر تبع رجل إلا كثرت شياطينه. إبراهيم بن أدهم: كن ذنبا ولا تكن رأسا، فإنّ الذنب ينجو والرأس يهلك. خالد بن صفوان: كان الأحنف يفرّ من الشرف والشرف يتبعه.
الحسن: لقد صحبت أقواما: إنّ الرجل [منهم] «١» لتعرض له الكلمة من الحكمة، لو نطق بها لنفعته ونفعت أصحابه، فما يمنعه إلا مخافة الشهرة. قال رجل لابن الجوزي: تركت الدنيا وحبّ الرياسة لا يخرج من قلبي. فقال:
المكاتب «٢» عبد ما بقي عليه درهم. أبو هريرة عن النبيّ ﷺ : «كفى بالمرء فتنة أن يشار إليه بالأصابع» .
ابن سيرين: لم يمنعني من مجالستكم إلا مخافة الشهرة، فلم يزل بي البلاء حتى أخذ بلحيتي فأقمت على المصطبة. فقيل: هذا ابن سيرين. فضيل: كان أحدهم إذا جلس إليه أربعة أو أكثر قام مخافة الشهرة. قال معمر: رأيت قميص أيوب يكاد يمشي على الأرض، فقلت: ما هذا؟ قال: إنما كانت الشهرة فيما مضى في تذييلها واليوم الشهرة في تقصيرها. وكان يقول للخياط: اقطع وأطل فإنّ الشهرة اليوم في القصر.
стр. 240
أوس بن حارثة الطائي: من قلّ ذلّ، ومن أمر فلّ. عليّ ﵁:
مسكين ابن آدم: مكتوم الأجل، مكتوب العمل، تؤذيه البقّة، وتقتله الشقّة، وتنتنه العرقة، وتميته الغرقة. ذمّت أعرابيّة قوما فقالت: لهم صبر على غضّ الهوان. في ديوان المنظوم:
الهون والموت إن خيّرت بينهما ... فعجّل الموت لي إن أختر الهونا
قال الحسين ﵁ يوم قتله:
وذلّ الحياة وذلّ الممات ... وكلا أراه طعاما وبيلا
فإن كان لا بدّ إحداهما ... فسيروا إلى الموت سيرا جميلا
وقيل:
ولا يقيم على ضيم يراد به ... إلا الأذلّان عير الحيّ والوتد
هذا على الخسف مربوط برمّته ... وذا يشجّ فلا يرثي له أحد
سئل أبو حنيفة عن السّفلة فقال: هم كفّار النعمة. وعن أبي يوسف: هم البائعون دينهم بالدنيا. وعن محمد بن الحسن: هم الذين يأكلون في الطرقات.
وعن الأصمعيّ: هم الذين لا يبالون بما قالوا أو قيل لهم. وعن عبد الله بن المبارك: هم الذين يتسفّلون ويحضرون أبوابا يطلبون الشهادة. وعن ابن الأعرابيّ: هم الذين يأكلون الدنيا بدينهم. فقيل له: ومن سفلة السفلة؟ فقال:
هم الذين يصلحون دنيا غيرهم بفساد دينهم. وسئل عليّ ﵁ فقال:
الذين إذا اجتمعوا غلبوا، وإذا تفرّقوا لم يعرفوا. سأل قتيبة طاوسا عن شيء فلم يجبه فقيل: هو أمير خراسان. فقال: لذلك أهون عليّ. قيل في خسيس: له همّة خامدة وكفّ جامدة.
عبد الله بن عمر ﵄: قال رسول الله ﷺ : «إيّاكم والشحّ فإنّ الشحّ أهلك من قبلكم» . مرّ عليّ ﵁ على مزبلة فقال: هذا ما بخل
стр. 241
به الباخلون. وعنه ﵁: البخل جامع لمساوىء القلوب، وهو زمام يقاد به إلى كل سوء. كان عمر بن حفص بن سالم لا يسأله أحد من أهله حاجة إلا قال: لا، فقال له عمرو بن عبيد: أقلل من قول لا، فإنه ليس في الجنة لا. بعض البخلاء لابنه: يا بنيّ اعلم أنّ لفظ لا يدفع البلا، ولفظ نعم يزيل النّعم. قيل لبخيل: من أشجع الناس؟ فقال: من يسمع وقع أضراس الناس على طعامه ولا تنشقّ مرارته. قيل لخمين: أتغدّيت عن فلان؟ قال: لا ولكن مررت ببابه وهو يتغدّى، فقيل: كيف علمت؟ قال: رأيت غلمانه بأيديهم قسيّ البنادق يرمون بها الذباب في الهواء. قيل لرجل: من يحضر مائدة فلان؟ قال:
الملائكة. قيل: ومن يأكل معه؟ قال: الذباب في وقت. الحسن: البخل بالطعام من أخلاق الطغام. الحجاج: البخل على الطعام أقبح من البرص على الجسد. سئل رجل: من يحضر مائدة فلان؟ قال: أكرم الخلق وألأمهم، يعني الملائكة والذّباب. كان مكتوبا على خوان كسرى: اتق الشحّ فإنه أدنس شعار وأوحش دثار. قيل في وصف البخلاء:
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمّهم: بولي على النار
قيل لجمين: أما يكسوك محمد بن يحيى؟ قال: لو كان له بيت مملوء من الإبر وجاء يعقوب ومعه الأنبياء شفعاء، والملائكة ضمناء، والأولياء شهداء، ليستعير منه إبرة ليخيط بها قميص يوسف الذي قدّ من دبر ما أعاره إيّاها. نزل ابن أحمد الشاعر على عمّار بن مسروق فقيل له: على من نزلت؟ فقال: على أبي الخصيب والخبز من عندي. فقيل: وكيف؟ فقال: لأنّ خبزه مكتوب عليه: لا حافظ إلا الله وهو في ثني «١» الوسادة وهو متكّىء عليها.
стр. 242
رغيف في الحجاب عليه قفل ... وبوّاب وحرّاس منيعه
رأى في بيته يوما رغيفا ... فقال لضيفه هذا وديعه
كتب بعضهم لمن هرب من الضيف:
يا تارك البيت على الضيف ... وهاربا منه على الخوف
ضيفك قد جاء بزاد له ... فارجع وكن ضيفا على الضيف
أبو نواس: قلت لبخيل: لم تأكل وحدك؟ قال: السؤال عمن أكل مع الغير. يقال: إذا سألت اللئيم فغافصه «١» ولا تدعه يتفكّر لأنه كلّما تفكّر ازداد بعدا. قيل: شرّ ما في الكريم أن يمنعك جداه، وخير ما في اللئيم أن يكفّ عنك أذاه. قيل: ثوب الجود خلف، وثواب البخل تلف. كان يقال: الجواد يأكل ماله والبخيل يأكل ماله. دخل هشام بن عبد الملك بستانا له فأكل أصحابه من ثمارها فقالوا: بارك الله لك فيها. فقال: كيف يبارك الله فيها وأنتم تأكلونها؟ قيل في وصف بخيل:
يمحو كتاب الفلس في كفّه ... من شدّة القبض على الفلس
يكتب بالحبر على خبزه ... أعاذك الله من الضرس
أمر عبد الله بن الزبير لأبي الجهم العدويّ بألف درهم فدعا له وشكر، فقال: بلغني أنّ معاوية أمر لك بمائة ألف فسخطتها وشكوته وقد شكرتني، فقال أبو الجهم: بأبي أنت أسأل الله أن يديم لنا بقاءك فإني أخاف إن فقدناك أن يمسخ الناس قردة وخنازير، كان ذلك من معاوية قليلا وهذا منك كثير. فأطرق عبد الله ولم ينطق. الحسن البصري: المؤمن لا يكون ممسكا أعوذ بالله منه. والله تعالى أعلم.
стр. 243
الروضة الخامسة والعشرون في الصدق والأمانة والوفاء والكذب والرياء والسعي والنميمة والغدر والخيانة والسرقة
أبو بكر ﵁: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا بكر عليك بصدق الحديث ووفاء العهد وحفظ الأمانة فإنها وصية الأنبياء» . ابن عباس ﵄: «أتى رسول الله ﷺ التّجّار، فقال: يا معشر التجار إنّ الله باعثكم يوم القيامة فجّارا إلّا من صدق ووصل وأدّى الأمانة» . مكتوب في التوراة: الأمين من أهل الأديان كلها عائش بخير. عليّ ﵁: من استهان بالأمانة، وقع في الخيانة. قيل: من تسرّع إلى الأمانة، فلا لوم على من اتّهمه بالخيانة.
ومن تنصّح قبل أن يستنصح، فلا لوم على من اتّهمه بالخداع. ومن عني بكشف ما يستر عنه، فلا لوم على من اتهمه بخبث الطبع. في نوابغ الكلم: الأمين آمن، والخائن حائن «١» . ذمّ أعرابيّ رجلا فقال: إنّ الناس يأكلون أماناتهم لقما وإنّ فلانا يحسوها حسوا. لقمان: يا بنيّ كن أمينا تعش غنيّا. قال رجل لسلمان ﵁: يا أبا عبد الله فلان يقرئك السّلام. فقال: أما إنك لو لم تفعل لكان أمانة في عنقك.
عن النبيّ ﷺ : «الكذب مجانب الإيمان» . يقال: رأس المآثم الكذب، وعمود الكذب البهتان. أرسطاطاليس: فضل الناطق على الأخرس بالنطق، وزين النطق الصدق، فالأخرس والصامت خير من الناطق الكاذب. من اشتهر
стр. 244
بالكذب علم رياؤه ومهانته، وعدم حياؤه وأمانته، وإن عاقد لم يوثق بعقده وإن واعد لم يسكن إلى وعده، وإن تظلم تسرع إليه التهمة، وإن تألّم تباعد عنه الرحمة. يقال: إذا كان الخبر محتملا للصدق والكذب فالحكم بأحدهما قبل الامتحان جور. يقال: لا يكن سمعك لأوّل مخبر ولا ثقتك لأوّل مجلس.
يقال: إنما يقضي بصدق الخبر عصمة المخبر لا صدقه. يقال: أما يخاف الكذوب أن يذوب. قيل: من صدقت لهجته، ظهرت حجّته. من قلّ صدقه، قلّ صديقه. قال رجل: لا أكذب كذبة بألف درهم، فقال جليسه: أمّا هذه فواحدة بلا درهم. قيل: إيّاك وحكاية ما تسمعه ليجد عدوّك سبيلا إلى تكذيبك.
قيل: الكذوب بين مهانة الدنيا وعذاب الآخرة. بعضهم: لو لم أترك الكذب تأثّما لتركته تكرّما. بعض الحكماء: لا تأمن بمن كذب لك أن يكذب عليك.
خطب الحجاج يوما فأطال، فقام رجل وقال: الصلاة الصلاة الوقت يمضي ولا ينتظرك يا أمير. فحبسه. فقال قومه: إنه مجنون. قال: إن أقرّ جنّته «١» .
فقيل له فقال: معاذ الله أن أقول ابتلاني وقد عافاني، فبلغه فعفا عنه لصدقه.
سكت أحنف عنده «٢» فقال: لم لا تتكلّم؟ فقال: أخافك إن صدقت، وأخاف الله إن كذبت. أوصى المسترشد ابنه عند وفاته فقال: يا بنيّ إن أردت المهابة فلا تكذب فإن الكاذب لا يهاب ولو حفّ به مائة ألف سيف. الأصمعيّ: قلت لأعرابيّ معروف بالكذب: أصدقت قطّ؟ قال: لولا أني أصدق في هذا القول لقلت لك لا. عباس لابنه عبد الله: إني أرى عمر يقدّمك على الشيوخ فاحفظ عني ثلاثا: لا تفشينّ سرّا، ولا تغتابنّ أحدا عنده، ولا تجرينّ عليه كذبة. قتيبة
стр. 245
ابن مسلم: لا تطلبوا الحوائج من كذوب فإنه يقرّ بها وإن كانت بعيدة ويبعدها وإن كانت قريبة، ولا من رجل قد جعل المسألة مأكلة فإنه يقدّم حاجته، ولا من أحمق فإنه يريد نفعك ويضرّك. فيلسوف: من عرف من نفسه الكذب لم يصدّق الصادق. الحسن رحمه الله تعالى: المنافق يعطيك لسانه ويمنعك قلبه. ابن مسعود ﵁: أعظم الخطايا اللسان الكذوب.
معاذ بن جبل ﵁: قال لي النبيّ ﷺ : «يا معاذ احذر أن ترى عليك آثار المحسنين وأنت تخلو من ذلك فتحشر مع المرائين» . صلّى رجل فقيل له: ما أحسن صلاتك؟ فقال: مع ذلك إني صائم. قيل لبعض المرائين:
كم لك منذ نزلت العراق؟ قال: منذ عشرين سنة وأصوم منذ ثلاثين سنة.
محمود الورّاق:
أظهروا للناس نسكا ... وعلى الدينار داروا
وله صاموا وصلّوا ... وله حجّوا وزاروا
لو يرى فوق الثريا ... ولهم ريش لطاروا
آخر:
تصوّف كي يقال له أمين ... وما يغني التصوّف والأمانه
ولم يرد الإله به ولكن ... أراد به الطريق إلى الخيانه
أمر عمر ﵁ لرجل بكيس فقال الرجل: خذ الخيط، فقال عمر:
مع الكيس؟ سمع سعيد بن المسيّب ذات ليلة في مسجد رسول الله ﷺ عمر بن عبد العزيز يجهر بالقراءة في صلاته، وكان حسن الصوت وهو إذ ذاك أمير المدينة، فرفع سعيد صوته وقال: أيها المصلّي إن كنت تريد الله بصلاتك فاخفض صوتك، وإن كنت تريد الناس فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا، فسكت وخفف ركعته ثم أخذ نعله وخرج. ابن مسعود ﵁: يكون
стр. 246
الرجل مرائيا في حياته وبعد موته، فقيل: كيف ذلك؟ قال: يحبّ أن تكثر الناس على جنازته. يقال: المرائي يغتال العقول، بما يفعل ويقول الحريريّ:
أنا في النهار خطيب، وفي الليل أطيب.
كم من فتى تحسبه ناسكا ... يستقبل الليل بأمر عجيب
غطّى عليه الليل أستاره ... فبات في لهو وعيش خصيب
ولذة الأحمق مكشوفة ... يسعى بها كلّ عدوّ رقيب
أبو نواس:
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل ... خلوت ولكن قل عليّ رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ... ولا أنّ ما يخفى عليه يغيب
لما سمع هذا أحمد بن حنبل بكى وردّد «١» . قيل: الرياء شراب يخدع الفطن القاصرة، ولا يخفى على البصائر الباصرة.
يقال: قلوب الحكماء تستنشق الأسرار من لمحات الأبصار، وطالما دلّت أوائل المبصرات على أواخر المنتظرات. من الأدلّة على مكاشفة الله القلوب لبعض الغيوب، أنّ الإنسان قد يتوقع الشيء من مكروه أو محبوب ثم يقع ما يتوقع، وأنّ الإنسان قد يرى إنسانا فيحبه أو يبغضه لغير إحسان أو جناية ثم يقع الإحسان أو الجناية. سقراط: اتقوا من تبغضه قلوبكم. بعض العلماء: لعنة الله على كل من له لسانان ووجهان. حذيفة: لا يدخل الجنة قتّات «٢» . أنس، رفعه: «من مشى بالنميمة بين العباد قطع الله له نعلين من نار يغلي منهما دماغه» . قيل: من نمّ لك نمّ عليك.
стр. 247
قالوا في السعاة: كفاك أنّ الصدق محمود إلّا منهم، وأنّ أصدقهم أخبثهم.
يقال: يسعى عليك كما يسعى إليك. عاتب مصعب بن الزبير الأحنف على شيء بلغه عنه فاعتذر، فقال: أخبرني بذلك الثقة، فقال: كلّا يا أمير، الثقة لا ينمّ. قال رجل لعمرو بن عبيد: إنّ الأسواريّ لم يزل يذكرك ويقول: الضالّ، فقال عمرو: يا هذا والله ما رعيت حق مجالسته حتى نقلت إلينا حديثه، ولا رعيت حقي حتى نقلت عن أخي ما أكرهه، اعلم أنّ الموت يعمّنا والبعث يحشرنا والقيامة تجمعنا والله يحكم بيننا. وشى واش برجل إلى الإسكندر فقال: أتحبّ أن نقبل منك ما قلت فيه، على أن نقبل منه ما يقول فيك؟ فقال: لا، فقال:
كفّ عن الشرّ يكفّ عنك. قال رجل لفيلسوف: عابك فلان بكذا، فقال:
لقيتني بقبحك ما استحياني أن يلقاني به. صالح بن عبد القدّوس «١» :
من يخبّرك بشتم عن أخ ... فهو الشاتم لا من شتمك
ذاك شيء لم يواجهك به ... إنما اللوم على من أعلمك
جاء رجل إلى وهب فقال: إن فلانا شتمك. فقال وهب: أما وجد الشيطان بريدا غيرك؟. قيل لعاقل: فلان يشتمك بالغيبة. فقال: ولو ضربني وأنا غائب لم أبال به. سمع حكيم من أبيه مذمّة رجل فقال: يا أبت مالك ترضى أن يكون على لسانك ما لا ترضى أن يكون على بدن غيرك؟. الجنيد: ستر ما عاينت، أحسن من إشاعة ما ظننت. عبد الرحمن بن عوف ﵁: من سمع بفاحشة فأفشاها، فهو كالذي أتاها. قيل لأنوشروان: نفقات الوكيل في منزله زائدة على المقدّر له، قال: هل رأيتم نهرا يسقي قبل أن يشرب. مات بعض خدّام هشام بن عبد الملك فكتب رجل إليه: إن عبدا من عبيدك مات وخلّف
стр. 248
ثمانين ألف دينار، إن أمر الخليفة فلتذهب إلى بيت المال. فكتب هشام: هذا قليل لمن وصل إلينا فلتقسّم على ورثته. كتب رجل إلى المعتصم: إن فلانا مات وخلّف مالا كثيرا وليس له وارث غير ابن واحد. فكتب المعتصم: أمّا المال فثمره الله، وأمّا الميت فرحمه الله، وأمّا اليتيم فأنبته الله، وأمّا الساعي فلعنه الله. كتب رجل إلى الصاحب بن عبّاد: إنّ فلانا مات وترك عشرة آلاف دينار ولم يخلّف إلا بنتا واحدة. فكتب على ظهر المكتوب: النصف للبنت والباقي يردّ عليها، وعلى الساعي ألف ألف لعنة. كتب طاهر بن الحسين في رقعة نمام: قد سمعنا ما كره الله فانصرف لا رحمك الله. قيل: النميمة من سلاح النساء وحصون الضعفاء.
عبد الله بن عمر ﵄: قال رسول الله ﷺ : «إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال هذه غدرة فلان» . مالك بن دينار: كفى للمرء خيانة أن يكون أمينا بالخونة. احتضر رجل فإذا هو يقول: جبلين من نار جبلين من نار.
فسئل أهله عن عمله فقالوا: كان له ميكالان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر.
قيل: الخائن في المنزور، كالخائن في الموفور، ولذلك أوعد الله بالنقير والقطمير، كما خوّف بالمثاقيل والقناطير. عليّ كرّم الله وجهه: الوفاء لأهل الغدر غدر، والغدر بأهل الغدر وفاء عند الله. عمر ﵁: أشكو ضعف الأمين وخيانة القويّ. أبو بكر ﵁: ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه: البغي والنكث والمكر، قال الله تعالى: إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ
«١» فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ
«٢» وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
«٣» . كان
стр. 249
عمر بن مهران يكتب على روسمه «١» : اللهمّ احفظه ممن يحفظه. سئل أفلاطون:
من أحقّ أن يؤتمن على تدبير المدينة؟ قال: من كان في تدبير نفسه حسن المذهب. قيل: من يسلم من العيوب؟ قال: من جعل عقله أمينه، وحذره وزيره، والمواعظ زمامه، والصبر قائده، والاعتصام بالتقوى ظهيره، وخوف الله جليسه، وذكر الموت أنيسه. قال المنصور لعامل بلغه عنه خيانة: يا عدوّ الله وعدوّ أمير المؤمنين، أكلت مال الله؟ فقال: يا أمير المؤمنين، نحن عيال الله وأنت خليفة الله والمال مال الله، فمال من نأكل إذا؟ فضحك وقال: خلّوه ولا تولّوه؟.
مرّ عمرو بن عبيد بجماعة وقوف فقال: ما هذا؟ فقيل: السلطان يقطع سارقا، فقال: لا إله إلا الله يقطع سارق العلانية سارق السرّ. أمر الإسكندر بصلب السارق فقال: أيها الملك إني فعلت ما فعلت وأنا كاره، فقال: وتصلب وأنت للصلب كاره. سرق مدنيّ قميصا فأعطاه ابنه ليبيعه فسرق، فجاء فقال له: بكم بعته؟ قال: برأس المال. قال لرجل غلامه: قد سرق الحمار يا سيدي فقال: الحمد لله حيث لم أكن على ظهره. كان للمأمون خادم يتولى وضوءه فسرق طاسه فقال له: لم سرقتها فهلا أتيتني بها فاشتريتها منك، فقال:
فاشتر مني ما بين يديك الآن، فقال: بكم؟ قال: بدينارين، فاشتراه منه فقال:
هذا الآن في أمان؟ قال: نعم، وقال: فلنا فيه كفاية إلى دهر ولو خلوت بالكعبة لسرقتها. سرق رجل من مجلس أنوشروان جام «٢» ذهب وهو يراه فلما فقده الشرابيّ «٣» قال: والله لا يخرج أحد حتى ينبش، فقال أنوشروان: لا
стр. 250
تتعرّض لأحد فقد أخذه من لا يردّه، ورآه من لا ينمّ عليه. سرق رجل من مجلس معاوية كيس دنانير وهو يراه، فقال الخازن: لقد نقص من المال كيس دنانير، فقال: صدقت وأنا صاحبه وهو محسوب لك. العرب: الخلّة تدعو إلى السّلّة «١» . قيل: البريء جريء والخائن خائف. قطع قوم بالبادية فكتب الحجاج إلى عمر بن حنظلة: أمّا بعد فإنكم أقوام قد استبحتم هذه الفتنة، فلا على حقّ تقيمون، ولا عن باطل تمسكون، وإني أقسم بالله لتأتينّكم مني خيل تدع أبناءكم يتامى ونساءكم أيامى. سرق لرجل درهم فقيل له: يكون في ميزانك يوم القيامة، فقال: قد سرق مع الميزان. سرق لرجل آخر خرج فقيل له: لو قرأت عليه آية الكرسي لم يسرق، فقال: قد كان فيه مصحف بالتمام. دخل اللصوص على أبي بكر الربابيّ يطلبون شيئا فرآهم يدورون في البيت فقال: يا فتيان هذا الذي تطلبونه في الليل قد طلبناه في النهار فما وجدناه، فضحكوا وخرجوا. سرق لآخر بغل فقال واحد: الذنب لك في إهمالك أمره، وقال آخر: الذنب للسائس، فقال: يا قوم واللصّ لا ذنب له؟. سئل رجل: إلى أين؟ فقال: إلى الكناسة «٢» لأشتري حمارا، فقيل له: قل إن شاء الله، فقال:
لست أحتاج إلى الاستثناء فالدراهم في كمي والحمير في الكناسة فلم يبلغ الكناسة حتى طرّ «٣» دراهمه من كمّه، فرجع فقال له رجل: من أين؟ قال: من الكناسة إن شاء الله، سرق دراهمي إن شاء الله. والله أعلم.
следующие страницы →