Полный текст (440 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
خير الأسود كلونه. قيل في حقّ الأسود: إذا جاع سرق، وإذا شبع زنى.
يقال: إذا وجدت خيطا أسود لا تأخذه فإن فيه شؤما. قال المتوكّل لرجل: لم ملت إلى السودان؟ قال: إنهم أسخن، وكان (عبادة) حاضرا فقال: نعم هم أسخن للعين «١» .
نظر رجل إلى سوداء مختمرة بمعصفر فقال: كأنها فحمة في رأسها نار. قال أبو يوسف القاضي لأبي نهيك: ما تقول في السوداء؟ فقال: النور في السواد.
أراد نور العين في سوادها. كان هارون الرشيد يحبّ من الألوان السواد فسأل يوما بعض العلماء عن السواد فقال: لا يلبّي فيه محرم، ولا يكفّن فيه ميت، ولا تجلى فيه عروس. فصعب على الرشيد ذلك، فقال القاضي أبو يوسف:
النور في السواد، فتهلّل وجه الرشيد وقال: أحسنت فلله أنت. عن سعيد بن المسيب أنه قال لأسود: لا تحزن فإنه كان من خيار الناس ثلاثة من السودان:
بلال ومهجع «٢» ولقمان. قيل لمدنيّ: كيف رغبتكم في السواد؟ فقال: لو وجدنا بيضاء لسوّدناها. عن النبيّ ﷺ : «الحمرة من زينة الشيطان، والشيطان يحبّ الحمرة» . العتابيّ: جمال كل مجلس أن يكون سقفه أحمر وبساطه أحمر. أبو رمثة: «انطلقت مع أبي نحو رسول الله ﷺ فرأيته عليه بردان أخضران» . عن النبيّ ﷺ لا «تزوّجوا الزرق فإنه فيها يمنا» . عن عقبة بن عامر عن النبيّ ﷺ : «عليكم بالحناء فإنه خضاب الإسلام، وإنه يصفّي البصر ويذهب بالصداع ويزيد في الباه، وإياكم والسواد فإنّ من سوّد سوّد الله وجهه يوم القيامة» .
стр. 317
وعنه ﵊: «عليكم بالخضاب فإنه أهيب لعدوّكم وأعجب إلى نسائكم» . جابر ﵁ عن النبيّ ﷺ أنه قال: «غيّروا هذا بشيء واجتنبوا السواد» قاله لأبي قحافة والد أبي بكر لمّا أسلم يوم الفتح، وكان رأسه أبيض. أبو هريرة ﵁، رفعه: «إن اليهود والنّصارى لا يصبغون، فخالفوهم» . قالوا: الخضاب للرجل، والمرأة بالحمرة والصفرة مستحب، وبالسواد حرام، ومن فعل ذلك من الغزاة ليكون أهيب في وجه العدوّ ولا للتزيّن فغير حرام. وما روي أن عثمان والحسن والحسين خضبوا لحاهم بالسواد محمول على ذلك. عن أبي عامر الأشعريّ: رأيت أبا بكر الصديق يغيّر بالحناء والكتم «١» . وكان عمر لا يغيّر شيبه بشيء، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من شاب شيبة في الإسلام فله نور يوم القيامة» ، فلا أحبّ أن أغيّر نوري. أبو ذرّ عنه ﵊: «إن أحسن ما غيّرتم به الشيب الحنّاء والكتم» . عليّ بن عيسى: قال لإبراهيم بن إسماعيل يوما: إن الخضاب باطنه داء، وظاهره غرور، ثم لقيه وقد اختضب فقال: أين كلامك؟ فقال: تفكّرت فإنّ أمور الدنيا كلّها مرمّة «٢» وهذا من مرمتها. ابن الروميّ:
فإن تسأليني عن خضابي فإنني ... لبست على فقد الشباب حدادا
قيل لرجل خضب لحيته وقد ابيضّت قبل أوان الشيب: ما هذا الخضاب؟
فقال: من شهد الزور يسودّ وجهه. وقيل:
إذا ذهب الشباب وليس إلا ... غبار الشيب أو ذلّ الخضاب
فليس إلى الحياة ركون حرّ ... فموت الشيخ من عين الصواب
стр. 318
قال أبو حنيفة للحجّام: التقط هذه الشعرات البيض، فقال: لا لأنها تكثر، فقال: إذن التقط السود لعلّها تكثر. بعضهم: التقط من لحية عبده طاقة بيضاء، فقال: ما تصنع؟ فقال: بيضاء، فقال: انتف لحية أبيك كلّها فإنها بيضاء.
كان حجام يلتقط من لحية رجل بياضها، فلما كثر قال يوما: ما ترى في الحصاد وقد ذهب وقت الالتقاط.
أبو هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ : «لا تردّوا الطيب فإنه طيّب الريح خفيف المحمل» . «كان النبيّ ﷺ يعرف خروجه برائحة المسك، وكان يحبّ المسك» . قيل:
ويضوع مسكا طيب ريح ثيابه ... وكذاك ريح الماجد الوهّاب
عمر ﵁: لو كنت تاجرا ما اخترت على العطر، فإن فاتني ربحه لم يفتني ريحه. أهدى عبد الله بن جعفر لمعاوية قارورة من الغالية «١» ، فسأله كم أنفق عليها، فذكر مالا فقال: هذه غالية، فسميت بذلك. عكرمة: كان ابن عباس يطلي جسده بالمسك، فإذا مرّ في الطريق قال الناس: أمرّ ابن عباس أم مرّ المسك؟. أبو قلابة: كان ابن مسعود إذا خرج من بيته إلى المسجد عرف جيران الطريق أنه قد مرّ من طيب ريحه. عن تميم الداريّ أنه اشترى حلّة بثمانمائة وهيّأ طيبا بمثلها، فإذا قام من الليل تطيّب ولبس حلّته وقام في المحراب. وكان الزهريّ يشمّ منه رائحة المسك حتى من علاقة سوطه.
الشعبيّ: الرائحة الطيبة تزيد في العقل. يقال: من طاب ريحه زاد عقله، ومن نظف ثوبه قلّ همّه.
بعضهم رأى صوفيا قذرا فقال: ليس طريق الجنّة على الكنيف. قيل:
المروءة الظاهرة، الثياب الطاهرة. وجد رجل قرطاسا في الأرض فيه اسم الله
стр. 319
فرفعه، وكان عنده دينار فاشترى به مسكا فطيّبه به، فرأى في منامه كأنّ قائلا يقول له: كما طيّبت اسمي لأطيبنّ ذكرك. كان عيسى ﵇ يخمّر «١» أنفه من الرائحة الطيبة دون الكريهة، فقيل له فقال: لا حساب في الكريهة وفي الطيبة حساب. سرق أعرابيّ نافجة «٢» مسك، فقيل له: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ
«٣» ، فقال: إذا أحملها طيبة الريح خفيفة المحمل. قيل: من الظرافة والكرم الاستقصاء في التبخّر. وضعت مجمرة تحت رجل فاستعجل الواضع وقال: لا تضجر منها، فقال له الرجل: أقعد على المستراح ساعات فلا أضجر، أضجر من عشر ساعة أتبخّر فيها؟. جاء رجل إلى بقّال فقال: إن كان عندك بصل فأعطني كي أصلح به رائحة فمي، فقال البقّال: أأكلت سلحا «٤» فتصلح فمك بالبصل؟.
أبو طلحة الأنصاريّ ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا تمثال» . جابر ﵁: «أمر رسول الله ﷺ عمر يوم الفتح وهو بالبطحاء أن يأتي الكعبة فيمحو كلّ صورة فيها» فلم يدخلها رسول الله ﷺ حتى محيت كل صورة كانت فيها.
стр. 320
الروضة الثالثة والثلاثون في الأضاحيك والملح والمداعبات وما جاء من النهي عن المزاح والترخيص فيه والضحك والهزل والفرج بعد الشدّة وما ناسب ذلك
لقي يحيى عيسى ﵉ فتبسّم عيسى في وجه يحيى، فقال يحيى مالي أراك لاهيا كأنك آمن؟ فقال عيسى: مالي أراك عابسا، كأنك آيس؟ فقال:
لا نبرح حتى ينزل الوحي، فأوحى الله : أحبّكما إليّ أحسنكما ظنّا بي، وروي: أحبّكما إليّ الطّلق البسّام. قيل لسفيان الثوريّ: المزاح هجنة فقال: بل سنّة لقول رسول الله ﷺ : «إني لأمزح ولا أقول إلّا الحقّ» . عن النبيّ ﷺ أنه قال لا مرأة من الأنصار: «الحقي زوجك ففي عينيه بياض. فسعت المرأة نحو زوجها مرعوبة، فلما وافته قال لها: ما دهاك؟ فقالت: إنّ النبيّ ﷺ قال لي:
إن في عينيك بياضا، فقال الرجل: إنّ في عينيّ بياضا، لا لسوء» . «أتت عجوز أنصاريّة رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله ادع لي بالمغفرة، فقال لها:
أما علمت أن الجنّة لا تدخلها عجوز، فصرخت، فتبسّم رسول الله ﷺ وقال:
أما قرأت قول الله تعالى: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (٣٦) عُرُباً أَتْراباً
«١» .
ورأى نعيمان عكّة عسل في يد أعرابيّ فاشتراها منه وجاء بها بيت عائشة ﵂ في يومها وقال: خذوها، فتوهّم رسول الله ﷺ أنه أهداها له، ومرّ
стр. 321
نعيمان وترك الأعرابيّ على الباب، فلما طال قعوده قال: يا هؤلاء ردّوها عليّ إن لم تحضر قيمتها، فعلم رسول الله ﷺ بالقصّة فوزن له الثمن، وقال لنعيمان: ما حملك على هذا؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ يحبّ العسل ورأيت الأعرابيّ معه العكّة. فضحك ﵊، ولم يظهر له نكيرا. أبو هريرة ﵁: كان مزّاحا، وكان مروان ربما استخلفه على المدينة فيركب حمارا وقد شدّ عليه برذعة وفي رأسه شيء من الليف فيسير فيلقى الرجل فيقول: الطريق قد جاء الأمير. سئل النخعيّ: هل كان أصحاب رسول الله ﷺ يضحكون؟ قال: نعم والإيمان في قلوبهم أمثال الجبال الرواسي. الشافعيّ ﵁:
إن كنت منبسطا سمّوك مسخرة ... أو كنت منقبضا قالوا به ثقل
وإن أصاحبهم قالوا به طمع ... وإن أجانبهم قالوا به ملل
أردشير: إن للآذان مجّة «١» ، وللقلوب ملّة، ففرّقوا بين الحكمتين بلهو.
بعض العرب: روّحوا الأذهان كما تروّحون الأبدان. كان ابن عباس يقول عند ملله من دراسة العلم: حمّضوا «٢» فيخوضون في الأخبار والأشعار.
الشعبيّ: كان مزّاحا، قيل له: ما لنا نراك نحيفا؟ وكان ضئيلا، قال: إني زوحمت في الرحم، لأنه كان أحد التّوءمين. وقال لخيّاط مرّ به: عندنا حبّ «٣» مكسور تخيطه؟ قال الخياط: إن وجد خيط من الريح. ودخل عليه يوما رجل ومعه امرأة في البيت فقال: أيّكما الشعبيّ؟ فقال الشعبيّ: هذه. الأصمعيّ:
شهرت بالأدب ونلت بالملح. أبو العيناء: سمعت الأصمعيّ يقول: النوادر
стр. 322
تشحذ الأذهان وتفتح الآذان. الحكماء: الهزل في الكلام كالملح في الطعام.
البستيّ «١» :
أفد طبعك المكدود بالهمّ راحة ... تجمّ وعلّله بشيء من المزح
ولكن إذا أعطيته المزح فليكن ... بمقدار ما يعطى الطعام من الملح
دخل أبو العيناء بلدة والصبيان يلعبون ويترامون بالحجارة، فوقع حجر على رأسه فانكسر، وكان لم يجد صديقا فلم يأكل تلك الليلة طعاما، ثم بعد الصبح ذهب إلى أمير البلدة، فقال له الأمير: في أيّ يوم دخلت؟ قال: فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ
»
، قال: في أيّ ساعة؟ قال: فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ
«٣» ، قال:
وأين نزلت؟ قال: بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ
«٤» ، فضحك ووصله.
عبد الملك بن مروان سأل سويدا عن عشرة أعضاء في الإنسان أولها كاف، فقال: الكفّ والكتف والكوع «٥» والكرسوع «٦» والكاهل «٧» والكبد والكرش والكلية والكفل «٨» والكعب. فقال عبد الملك: أخطأت في الكرش فإنها للحيوان بمنزلة المعدة للإنسان، فقال سويد: أمهلني ساعة، قال: إلى متى تريد؟
فذهب سويد إلى الخلاء لحاجته فنظر إلى آلته فذكر الكمرة «٩» ، فأسرع
стр. 323
مكشوف الإزار فرحا وقال: يا أمير المؤمنين الكمرة الكمرة وهي تمام العشرة، فضحك كثيرا وأمر له بإنعام كثير. عطاء بن السائب: كان سعيد بن جبير لا يقصّ علينا إلا أبكانا من وعظه، ولا يقوم من مجلسه حتى يضحكنا بمزحه.
أفلتت من معاوية ريح على المنبر فقال: أيها الناس إن الله خلق أبدانا وجعل فيها أرواحا فمتى يتمالك الناس أن لا تخرج منهم؟ فقام صعصعة بن صوحان فقال: أمّا بعد فإن خروج الأرواح في المتوضآت سنّة وعلى المنابر بدعة، وأستغفر الله لي ولكم.
خرج الرشيد إلى البساتين وجعفر البرمكيّ معه فإذا شيخ راكب على حمار رطب العينين، فغمز الرشيد جعفرا عليه فقال: أين تريد يا شيخ؟ فقال: في شغل لا يهمّك، فقال: أدلّك على شيء تداوي به عينيك؟ فقال: مالي حاجة إلى دوائك، فقال: بل لك حاجة، خذ عيدان الهواء وغبار الماء وورق الكمء فصيّره في قشر جوز اليأس واكتحل به فتذهب هذه الرطوبة، فاتّكأ الشيخ على ظهر حماره فضرط ضرطة طويلة وقال: هذه أجرة صنعتك فإن نفعنا زدناك.
فضحك الرشيد وكاد أن يسقط من على فرسه.
حضر على مائدة يزيد بن مزيد أعرابيّ فقال لأصحابه: افرجوا لأخيكم، فقال: لا حاجة لي إنّ أطنابي «١» طوال، يريد سواعده، فلمّا مدّ يده حبق «٢» ، فقال يزيد: ما أحسب إلّا طنبا من أطنابك قد انقطع. حبق كاتب عمر بن عبد
стр. 324
العزيز بين يديه، فرمى قلمه وقام خجلا، فقال له: لا بأس عليك خذ قلمك واضمم إليك جناحك وليفرّخ روعك «١» ، فما سمعتها من أحد أكثر مما سمعت من نفسي.
نظر الحسن إلى ذي زيّ حسن فسأل عنه فقيل: ضارط يكتسب بذلك المال، فقال: ما طلب أحد الدنيا بما تستحقّه إلا هو.
قال رجل لمخنّث: لأضربنّك إلى الخراء، فضربه سوطا فلطّخ البساط، فقيل: ما هذا؟ فقال: ألست تريد الخراء فخذه وخلّصني.
ضرط أبو الأسود عند معاوية فقال: اكتمها عليّ يا أمير المؤمنين، فقال: ذاك لك، فاجتمع عنده ناس فقال: أعلمتم أن أبا الأسود ضرط آنفا، فقال أبو الأسود: إنّ من لا يؤتمن على ضرطة لحريّ أن لا يؤتمن على إمرته. سئل أبو حفص الورّاق في بعض مداعباته: ما بال الفسو لا يبقى والطيب يعلق ويبقى؟ فقال: إن للباطل صولة ثم تضمحلّ، وللحقّ دولة لا تنخفض ولا تذلّ. سأل رجل بعض الأطباء عن القرقرة فقال: ضراط لم ينضج. سمع عبادة بن يزيد من جوف أحمد بن حمدون قرقرة فقال له: ولدت في شباط؟ يعني أنك كثير الرياح.
стр. 325
كان ابن سيرين ينشد:
نبّئت أن فتاة كنت أخطبها ... عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول
ويضحك حتى يسيل لعابه. اتّكأ جحا على جارية أبيه وهي نائمة، فقالت: من هذا؟ فقال: اسكتي أنا أبي. وكان إسحاق بن أبي فروة مزاحا فقال لأعرابيّ يوما وهو يمازح: أتشهد بما لم تره عيناك؟ قال:
نعم أشهد أنّ أباك فعل بأمّك ولم أر ذلك، فأفحم فجعل على نفسه أن لا يمازح أبدا. عبد الله بن سالم: كان يقول: ترك الضحك من العجب أعجب من الضحك بغير عجب. الحسن: يا بن آدم تضحك ولعلّ كفنك خرج من عند القصّار. يقال: العجب ممن هو في سواء الجحيم وهو يضحك، وممن هو في بحبوحة الجنّة وهو يبكي، كما روي «أنّ رسول الله ﷺ كان يبكي حتى يبلّ الأرض» . الأحنف: كثرة الضحك تذهب الهيبة، وكثرة المزاح تذهب المروءة، ومن لزم شيئا عرف به. عن النبيّ ﷺ :
«المزاح استدراج من الشيطان واختداع من الهوى» . عليّ ﵁:
ما مزح امرؤ مزحة إلا مجّ من عقله مجّة. وعنه ﵁: إياك أن تذكر من الكلام ما يكون مضحكا وإن حكيت ذلك عن غيرك. مزح رجل عند الحسن فقال له: إنما هو عمرك فاقطعه بما شئت. حكيم: تجنّب شؤم الهزل ونكد المزاح فإنهما بابان إذا فتحا لم يغلقا إلّا بعد عسر. الحسن:
ضحك المؤمن غفلة من قلبه. إبراهيم: رآني فضيل أضحك فقال:
يا إبراهيم ألّا أحدّثك حديثا حسنا؟ قلت: بلى رضي الله عنك. قال:
لا تفرح إنّ الله لا يحبّ الفرحين. يزيد بن معاوية على منبره: ثلاث يخلقن العقل: سرعة الجواب، وطول الصمت، والاستغراب في الضحك. قال
стр. 326
عبد الملك لبنيه: إياكم والمزح فإنه يذهب البهاء، وإياكم والقهقهة فإنها تذهب الهيبة. بعضهم: لا تمازح الشريف فيحقد عليك، والدنيء فيجرؤ عليك.
يقال: المزح يجلب صغيرة الشرّ وكبيرة الحرب. قيل: المزح أوّله فرح وآخره ترح.
ابن مسعود ﵁: عن النبيّ ﷺ : «لو كان العسر في جحر لدخل عليه اليسر حتى يخرجه، ثم قرأ: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً
«١» » . بعض الحكماء: إن بقيت لم يبق الهمّ. بعض الفصحاء: طلع سعده بعد الأفول وبعد صيته بعد الخمول، فكان كمن أحيي وهو رميم وأنبت وهو هشيم. عن النبيّ ﷺ :
«النصر مع الصبر والفرج مع الكرب وإنّ مع العسر يسرا» . عليّ ﵁:
عسر المرء مقدّمة اليسر.
إذا تضايق أمر فانتظر فرجا ... فأضيق الأمر أدناه إلى الفرج
وقيل:
عسى وعسى يثني الزمان عنانه ... بتصريف حال والزمان عثور
فتدرك آمال وتحوى رغائب ... وتحدث من بعد الأمور أمور
وكان أبو سعيد السيرافي ينشد كثيرا:
اسكن إلى سكن تسرّبه ... ذهب الزمان وأنت منفرد
ترجو غدا وغد كحامله ... في الحيّ لا يدرون ما تلد
عليّ ﵁: عن النبيّ ﷺ : «أفضل أعمال أمتي انتظارها فرج الله
стр. 327
تعالى» . اللهمّ يا فارج الهمّ ويا كاشف الغمّ افرج همّنا واكشف غمّنا برحمتك يا أرحم الراحمين.
стр. 328
الروضة الرابعة والثلاثون في البكاء والحزن والمكاره والشدائد والبلايا والخوف والجزع والشكوى والعتاب
بكى نوح ﵇ ثلاثمائة سنة بقوله: إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي
«١» . وصف عيسى ﵇ أولياء الله فقال: سقوا زروعهم بأعينهم حتى أنبتوا وأدركوا الحصاد يوم فقرهم. أنس ﵁: «ذكر رسول الله ﷺ النار وبين يديه حبشيّ فاشتدّ بكاؤه، فنزل جبريل ﵇ فقال: يا محمد إنّ الله تعالى يقول: وعزّتي وجلالي وكرمي وسعة رحمتي لا تبكي عين عبد في الدنيا من مخافتي إلّا كثر ضحكه في الآخرة» . كعب: لأن أبكي من خشية الله حتى تسيل دموعي على وجنتي أحبّ إليّ من أن أتصدّق بجبل من ذهب.
بعضهم: رأيت الحسن سنين فما أخطأني يوم أن أرى دموعه تحادر على لحيته. بكى ثابت البنانيّ حتى كاد بصره يذهب، فقال له الطيب: أعالجك على أن لا تبكي، فقال: ما خيرهما إذا لم تبكيا؟. معاوية بن قرّة: من يدلّني على رجل بكّاء بالليل بسّام بالنهار؟. كان يقال: عليك بسلاح الصبيّ. أرادوا التملّق والبكاء.
عن البعض أنه قال: ولدت وأنت تبكي والناس يضحكون، فاجتهد أن تموت ضاحكا والناس يبكون. فنظمه بعضهم وقال:
стр. 329
أنت الذي ولدتك أمّك باكيا ... والناس حولك يضحكون سرورا
فاحرص على عمل تكون إذا بكوا ... في يوم موتك ضاحكا مسرورا
وقيل:
أمور تضحك السفهاء منها ... ويبكي من عواقبها اللبيب
فضيل: البكاء بكاءان: بكاء بالقلب، وبكاء بالعين، فبكاء القلب البكاء على الذنوب وهو البكاء النافع، وأمّا بكاء العين فإنك ترى الرجل تبكي عيناه وإنّ قلبه لقاس. وقال ذرّ لابنه عمر «١» : ما بالهم يتكلّمون فلا يبكي أحد وإذا تكلّمت أنت كثر البكاء؟ قال: يا أبت ليست النائحة المستأجرة كالنائحة الثكلى. أبو حنيفة ﵁: عن حمّاد قال: بشّرت إبراهيم بموت الحجّاج فسجد، وما كنت أرى أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت إبراهيم بكى من الفرح. بعضهم:
هجم السرور عليّ حتى إنه ... من فرط ما قد سرّني أبكاني
إنّ السرور إذا تزايد بامرىء ... أبكاه مثل تزايد الأحزان
كان سفيان عند رابعة فقال: واحزناه، فقالت: قل: واقلّة حزاناه، فإنك لو كنت حزينا ما هنأك العيش. أبو بكر محمد بن أحمد: رأيت الشبليّ «٢» في الجامع وقد كثر الناس عليه وهو يقول: رحم الله عبدا دعا لرجل فقد بضاعته.
فخرق الحلقة غلام حدث وقال: من صاحب البضاعة؟ قال: أنا، قال:
ما البضاعة؟ قال: الصبر، وقد فقدته، فبكى الناس بكاء عظيما. أويس القرني رحمة الله عليه: كن في أمر الله كأنك قتلت الناس كلّهم، يعني خائفا مغموما.
أبو حنيفة ﵀: ما أعلم أشدّ حزنا من المؤمن، يشارك أهل الدنيا في
стр. 330
همّ المعاش، وتفرّد بهمّ آخرته. شعيب بن حرب: كنت إذا نظرت إلى الثوريّ رأيته كأنه رجل في أرض مسبعة خائف الدهر كلّه، وإذا نظرت إلى عبد العزيز بن أبي روّاد رأيته كأنه يطّلع إلى القيامة من كوّة. الأعمش: كنت إذا رأيت مجاهدا ظننت أنه خربندج «١» ضلّ حماره، وهو مغتمّ يتفكّر في أمر الآخرة. إبراهيم بن بشار: صحبت إبراهيم بن أدهم فرأيته طويل الحزن دائم الفكر واضعا يده على رأسه كأنما أفرغت عليه الهموم إفراغا.
عن داود صلوات الله عليه قال: إلهي أمرتني أن أطهّر قلبي ووجهي ويديّ ورجليّ، فبماذا أطهّر قلبي؟ قال: يا داود بالهموم والغموم. ليث بن الحكم:
الغموم التي تعرض للقلوب كفّارات للذنوب. أبقراط: للقلب آفتان: الغمّ يعرض منه النوم، والهمّ يعرض منه السّهر، لأن في الهمّ فكرا بما سيكون والغمّ لا فكر فيه. جالينوس: الهمّ فناء القلب، والغمّ مرضه. ثم بيّن وقال: الغمّ بما فات، والهمّ بما هو آت. لم يزل زكريا يرى ولده يحيى ﵉ مغموما باكيا مشغولا بنفسه، فقال: يا ربّ طلبت منك ولدا أنتفع به، قال:
طلبته وليّا والوليّ لا يكون إلّا هكذا.
تزوّج مغنّ نائحة فسمعها تقول: اللهمّ أوسع علينا في الرزق، فقال: يا هذه إنما الدنيا فرح وحزن، وقد أخذنا بطرفي ذلك، إن كان فرح دعوني وإن كان حزن دعوك. نفقت دابّة (الجنديّ) «٢» فقيل له: لا تغتمّ فلعلّه خير، فقال: لو كان خيرا لكان حيّا وإلى جنبه بغل. سمع حكيم رجلا يقول لآخر: لا أراك الله مكروها، فقال: كأنك دعوت عليّ بالموت، فإنّ من كان في الحياة فلا بدّ وأن يرى مكروها. قيل:
стр. 331
الدهر سلك حوادث وخطوب
أبو العتاهية:
تأتي المكاره حين تأتي جملة ... وترى السرور يجيء في الفلتات
الشافعيّ ﵀:
محن الزمان كثيرة لا تنقضي ... وسروره يأتيك كالأعياد
كان لسفيان جار مخنّث فمرض فعاده سفيان مع أصحابه فقال: كيف تجدك؟
فقال: إنّ العلل والآفات تجيء باقات والعافية تجيء طاقات، فقال سفيان: ما خرجنا إلّا بفائدة. قيل: الدنيا حسودة لا تأتي بشيء إلا غيرته. قيل للحسن:
كيف أصبحت؟ فقال: كيف يصبح من هو غرض لثلاثة أسهم: سهم رزيّة وسهم بليّة وسهم منيّة. وقيل لآخر هذا، فقال: أصبحت غرض الرزايا والبلايا والمنايا. وقيل: الليل والنهار غرسان يثمران للبريّة صنوف البليّة. قيل لأعرابيّ: كيف أصبحت؟ قال: لا كما يرضى الله تعالى ولا كما يرضى الشيطان ولا كما أرضى أنا، فإن الله يرضى أن أكون مؤمنا عابدا، والشيطان يرضى أن أكون كافرا، وأنا أرضى أن أكون مرزوقا، ولست كذلك. قيل للشبليّ: في الدنيا أشغال وفي الآخرة أهوال، فمتى النجاة؟ فقال: دع أشغالها تأمن أهوالها. عليّ ﵁: زوايا الدنيا مشحونة بالرزايا.
قيل: البرايا أهداف البلايا. الصاحب: الإنسان بين أنياب الدهر ونوائبه تحطّمه بصريفها وتعتوره بصروفها. فرقد السنجيّ: قرأت في التوراة التي لم تتبدّل: من ملك استأثر، ومن لم يستشر ندم، والحاجة الموت الأكبر، والهمّ نصف الهرم. قيل: الهمّ يشيّب القلب ويعقم العقل فلا يتولّد معه رأي ولا
стр. 332
تصدق معه رويّة. الثوريّ: لم يفقه عندنا من لم يعدّ البلاء نعمة والرخاء مصيبة. مرّ موسى ﵇ برجل كان يعرفه مطيعا لله وقد مزّقت السباع لحمه وأضلاعه، وكبده ملقاة، فوقف متعجّبا فقال: أي ربّ عبدك ابتليته بما أرى، فأوحى إليه أنه سألني درجة لم يبلغها بعمله، فأحببت أن أبتليه لأبلغه تلك الدرجة. عن النبيّ ﷺ : «إذا أحبّ الله عبدا ابتلاه وإذا أحبّه الحبّ البالغ اقتناه، قالوا: وما اقتناؤه؟ قال: لا يترك له مالا ولا ولدا» .
حذيفة ﵁: إنّ أقرّ يوم «١» لعيني ليوم لا أجد فيه طعاما، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله ليتعاهد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الوالد ولده بالخير، وإن الله يحمي «٢» عبده المؤمن من الدنيا كما يحمي أحدكم المريض من الطعام» . وهب بن منبّه: البلاء للمؤمن كالشكال «٣» للدابّة. جابر بن عبد الله رفعه: «يودّ أهل العافية يوم القيامة أنّ لحومهم كانت تقرض بالمقاريض لما يرون من ثواب الله لأهل البلاء» . الشيخ الشاطبيّ: كان يعتلّ العلّة الشديدة فلا يشتكي ولا يتأوّه، وإذا سئل عن حاله قال: العافية، ولا يزيد على ذلك. قيل:
لله درّ النائبات فإنها ... صدأ اللئام وصيقل الأحرار
الجاحظ: جهد البلاء أن تظهر الخلّة وتطول المدّة وتعجز الحيلة ثم لا تعرف إلّا أخا صارما وابن عمّ شامتا وجارا كاشرا ووليّا قد تحوّل عدوّا وزوجة مختلقة وجارية متعبة وعبدا يحقرك وولدا ينهرك. العرب: ويل أهون من ويلين. يقال:
خرط القتاد دونه «٤» . لمّا اتخذ الله إبراهيم ﵇ خليلا ألقى في قلبه الوجل
стр. 333
حتى إن خفقان قلبه ليسمع من بعيد كما يسمع خفقان الطير في الهواء. مسروق:
إنّ المخافة قبل الرجاء فإنّ الله تعالى خلق جنّة ونارا فلن تخلصوا إلى الجنّة حتى تمرّوا بالنار. قيل لفضيل: بم بلغ ابنك الخوف الذي بلغ؟ قال: بقلّة الذنوب.
عن بعض أصحاب عطاء يقول: إن أخوف ما أخاف على عطاء شدّة خوفه، وقد انسلخ مجرى دموعه من البكاء. قيل لرابعة القيسية: هل عملت عملا ترين أنه مقبول؟ قالت: إن كان شيء فخوفي من أن يردّ عليّ عملي. فضيل: إذا قيل لك: أتخاف الله تعالى؟ فاسكت، فإنك إن قلت لا فقد أجبت بأمر عظيم، وإن قلت نعم فالخائف لا يكون على ما أنت عليه. بعض أهل المعرفة: لا يجزع من المصيبة إلّا من يتهم ربّه.
شكا رجل إلى آخر الفقر فقال له فضيل: يا هذا تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك. محمد بن الحسين:
لا تظهرنّ لعاذل أو عاذر ... حاليك في الضرّاء والسرّاء
فلرحمة المتوجعين مرارة ... في القلب مثل شماتة الأعداء
الأحنف: شكوت إلى عمّي صعصعة بن معاوية وجعا في بطني فنهرني ثم قال: يابن أخي إذا نزل بك شيء فلا تشكه إلى أحد، فإنما الناس رجلان:
صديق تسوءه وعدوّ تسرّه، والذي بك لا تشكه إلى مخلوق مثلك، فإنه لا يقدر على دفع مثله عن نفسه، ولكن إلى من ابتلاك به وهو قادر على أن يفرّج عنك، يا بن أخي إحدى عينيّ هاتين ما أبصر بها سهلا ولا جبلا منذ أربعين سنة وما أطلعت على ذلك امرأتي ولا أحدا من أهلي. قيل: ليس بمحافظ على الخلّة «١» من لا يعاتب على الزلّة.
стр. 334
أبو تمام:
إذا ذهب العتاب فليس ودّ ... ويبقى الودّ ما بقي العتاب
غيره:
إذا عاتبتني في كلّ ذنب ... فما فضل الكريم على اللئيم
غيره:
وليس عتاب المرء للمرء نافعا ... إذا لم يكن للمرء لبّ يعاتبه
عليّ بن الوصيف:
إذا أنا عاتبت الملول فإنما ... أخطّ بأقلامي على الماء أحرفا
وهبه ارعوى بعد العتاب ألم تكن ... مودّته طبعا فصارت تكلّفا
غيره:
غيري جنى وأنا المعاتب فيكم ... فكأنني سبّابة المتندّم
стр. 335
الروضة الخامسة والثلاثون في الأخلاق والعادات الحسنة والقبيحة والحلم والوقاحة والغضب والرفق والعنف والرقة والقسوة وخفّة الروح والثقل والتواضع والكبر والافتخار
عن النبيّ ﷺ : «حسن الخلق زمام من رحمة الله في أنف صاحبه، والزمام بيد الملك، والملك يجرّه إلي الخير، والخير يجرّه إلى الجنة، وسوء الخلق زمام من عذاب الله في أنف صاحبه والزمام بيد الشيطان والشيطان يجرّه إلى السوء والسوء يجرّه إلى النار» . قيل: «إن الصبيان أخذوا النبيّ ﷺ في طريق المسجد وقالوا: كن لنا جملا كما تكون للحسن وأخيه، قال لبلال: اذهب إلى البيت وائت بما وجدته لأشتري نفسي منهم، فأتى بثمان جوزات فاشترى بها نفسه» .
وقال ﵊: «رحم الله أخي يوسف باعوه بثمن بخس دراهم معدودة وباعوني بثمان جوزات» . بعض السلف: الحسن الخلق ذو قرابة عند الأجانب، والسيّىء الخلق أجنبيّ عند الأقارب. سقراط: رأس الحكمة حسن الخلق. الأصمعيّ: قلت لابن المقفّع: من أدّبك؟ قال: نفسي: كنت إذا رأيت من غيري حسنا أتيته، وإذا رأيت قبيحا أبيته. إبراهيم الصوليّ:
أولى السجيّة طرّا أن تواسيه ... عند السرور الذي واساك في الحزن
إنّ الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن «١»
стр. 336
سقراط: من حسن خلقه طابت عيشته، ودامت سلامته، وتأكدت في النفوس محبته، ومن ساء خلقه تنكّدت معيشته، ودامت بغضته، ونفرت النفوس منه. أفلاطون: حسن الخلق من صبر على سيىء الخلق. أرسطو:
سيىء الخلق مخاطر بنفسه. وعنه: بلين الكلام تدوم المودّة في الصدور، وبخفض الجناح تتمّ الأمور، وبسعة الأخلاق يطيب العيش ويكمل السرور.
بعض الفضلاء: من ساء خلقه ضاق رزقه. سقراط: حسن الخلق يغطّي غيره من القبائح، وسوء الخلق يقبّح غيره من المحاسن. قيل: من حسن خلقه كثر صديقه، ومن لانت كلمته وجبت محبته.
عن النّبيّ ﷺ : «أوّل ما يوضع في الميزان الحسن الخلق» «١» . وعنه ﵊: «ثلاثة يعذرون بسوء الخلق: المريض والصائم والمسافر» .
يقال: ما تقلّد امرؤ قلادة أحسن من حلم. قيل: الحلم حجاب الآفات وملح الأخلاق. شتم الشعبيّ رجل فقال: إن كنت كاذبا فغفر الله لك، وإن كنت صادقا فغفر الله لي. تكلّم اليزيديّ مع الكسائيّ بين يدي الرشيد فظهر كلامه على الكسائيّ فرمى بقلنسوته الأرض فرحا بالغلبة، فقال الرشيد: لأدب الكسائيّ مع انقطاعه أحبّ إلينا من غلبتك مع سوء أدبك. في المثل: العصا لمن عصى.
يقال: من لم تقوّمه الكرامة قوّمته الإساءة. بزرجمهر: ثمرة القناعة الراحة، وثمرة التواضع المحبّة.
البحتريّ:
أرى الحلم بؤسا في المعيشة للفتى ... ولا عيش إلّا ما حباك به الجهل
стр. 337
وقيل:
أرى الحلم في بعض المواضع ذلّة ... وفي بعضها عزّا يسوّد فاعله
قيل للإسكندر: فلان يحبّ بنتك فيجب أن يقتل، قال: إذا قتلنا المحبّ والعدوّ يلزم أن لا يبقى في الأرض أحد. كان معاوية ﵁ معروفا بالحلم فلم يغضبه أحد، فادّعى واحد أن يغضبه فدخل عليه وقال: أطلب منك أن تزوّجني والدتك فإن لها دبرا كبيرا، فقال: ذلك سبب حبّ أبي لها، ثم قال للخازن: أعطه ألف دينار ليشتري بها جارية. مرّ عيسى ﵇ على قوم من اليهود فأطالوا عليه اللسان، فأثنى عليهم، فسئل فقال: كلّ أحد ينفق ما عنده.
عن النبيّ ﷺ : «إنّ مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت» . قيل:
إذا لم تصن عرضا ولم تخش خالقا ... وتستح مخلوقا فما شئت فاصنع
حكيم: الخرس خير من الكذب، والخصاء خير من الزنى، والمعيشة بالجهد والفاقة خير من المعيشة بالبذاء وقلّة الحياء. ذكر رجل وقحا فقال: لو دقّ بوجهه الحجارة لرضّها، ولو خلا بأستار الكعبة لسرقها. ابن سلّام: العاقل شجاع القلب والأحمق شجاع الوجه. الفاقة خير من الصفافة «١» . قيل في وقح:
الصخر أهشّ عند وجهه في الوقاحة. أنو شروان: أربع قبائح وهي في أربعة أقبح: البخل في الملوك، والكذب في القضاة، والحدّة في العلماء، والوقاحة في النساء. يقال: كل ذي وجه حييّ ذو لسان عييّ. بشار:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز باللذّة المستهتر اللهج
стр. 338
سلم الخاسر:
من راقب الناس مات همّا ... وفاز باللذّة الجسور
وكان يقال: اثنان لا يتفقان أبدا: القناعة والحسد، واثنان لا يفترقان أبدا:
الحرص والقحة. هجا أبو الهول الحميريّ الفضل بن يحيى ثم أتاه راغبا إليه فقال له: بأيّ وجه تلقاني؟ قال: بالوجه الذي ألقى به ربي وذنوبي إليه أكثر.
فضحك ووصله. قيل في وقح:
لو أنّ لي من جلد وجهك رقعة ... لجعلت منها حافرا للأشهب
لقمان: ثلاث من كنّ فيه فقد استكمل الإيمان: من إذا رضي لم يخرجه رضاه إلى الباطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له. جعفر ﵁: من لم يغضب عن الجفوة لم يشكر للنعمة.
يقال: من استغضب ولم يغضب فهو حمار. قيل:
ليست الأحلام في حال الرضا ... إنما الأحلام في حال الغضب
عن المبرّد أنه كتبه على ظهر أخصّ كتبه ليكون نصب عينيه.
عليّ ﵁: دم على كظم الغيظ تحمد عواقبك. معاذ بن أنس الجهنيّ ﵁: عنه ﷺ : «من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله تعالى على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيّره في أيّ الحور شاء» .
وروي: «ملأه الله أمنا وإيمانا» . يقال: أسرع الناس غضبا الصبيان والنساء وأكثرهم ضجرا الشيوخ. فضل بن سهل: ما أسترضي الغضبان ولا أستعطف السلطان. بعض الحكماء:
стр. 339
إن كنت تطلب رتبة الأشراف ... فعليك بالإحسان والإنصاف
وإذا اعتدى أحد عليك فخلّه ... والدهر فهو له مكاف كاف
وقيل:
إذا أنت جازيت المسيء بفعله ... ولم تك ذا فضل على كلّ مذنب
فأنت ومن يجني الجناية واحد ... فقد سقط الإحسان من كلّ جانب
يقال: التحمّل من سوء الخلق من أخلاق الأبرار. كانت عائشة تبكي على جارية، فقيل لها في ذلك فقالت: أبكي حسرة على ما فاتني من تحمّل خلقها، فإنها كانت سيئة الخلق. كتب أرسطو إلى الإسكندر: الأرذال ينقادون بالخوف، والأخيار بالحياء، فاستعمل في الأولى البطش وفي الثانية الإحسان، وليكن غضبك لا شديدا ولا ضعيفا، فإن ذلك من أخلاق السباع وهذا من أخلاق الصبيان، وإذا أعطاك الله ما تحبّه من الظفر فافعل ما أحبّ الله من العفو.
سقراط: دواء الغضب الصمت. أفلاطون: الحلم لا ينسب إلا إلى من قدر على السطوة وعفا، والزهد لا ينسب إلا إلى من ترك بعد القدرة. أرسطو:
امتحن المرء في وقت غضبه لا في وقت رضاه وفي قدرته لا في ذلّته.
يقال: ليس من عادة الكرام سرعة الانتقام. عائشة ﵂: عن النبيّ ﷺ : «إنّ الله إذا أراد بأهل بيت خيرا أدخل عليهم باب رفق» . وروت أيضا:
«من رفق بأمتي رفق الله به ومن شقّ على أمتي شقّ الله عليه» . قيل:
والرفق يظفر بالآمال صاحبه ... ويعقب المرء في الحاجات إنجاحا
بزرجمهر: كن شديدا بعد رفق لا رفيقا بعد شدّة، لأنّ الشدّة بعد الرفق عزّ، والرفق بعد الشدّة ذلّ. الحكماء: الّلجاج أقلّ الأشياء منفعة في العاجل،
стр. 340
وأكثرها مضرّة في الآجل. وقيل: اللجاج والضجرة توءمان، والعناد والندامة أخوان. قيل: اللجاج يوغر القلوب، ويفتح الحروب. زبيدة للمأمون: ما أقعدني بهذا اليوم إلا يوم قيامي باللجاج مع أبيك. أراد الرشيد أن يجامع زبيدة فمنعت ولجّت، وجامع جارية سوداء فولد منها المأمون، فأشارت إلى القصة زبيدة. قيل: الظفر لمن احتجّ لا لمن لجّ. قيل: اللجوج يدخل فيما ليس منه خروج. الأحنف: نزل قوله تعالى: فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا
«١» في حق الثقلاء.
قيل للأعمش: ما الذي أعمش عينيك؟ فقال: النظر إلى الثقلاء. قيل:
إذا حلّ الثقيل بدار قوم ... فما للساكنين سوى الرحيل
يقال: أثقل من واش على عاشق. سأل رجل صديقا أن يمشّيه إلى رجل فقال: اعفني فإنه ثقيل بغيض، فقال: يا سيدي احسبه الكنيف الذي تأتيه في كلّ يوم مرتين، فمضى معه. ابن عمر ﵄: اتقوا من تبغضه قلوبكم. قيل: مجالسة الثقيل حمّى الروح. قيل: أضيق السجون معاشرة الأضداد. قيل لأنوشروان: ما بال الرجل يحتمل الحمل الثقيل ولا يحتمل مجالسة الرجل الثقيل؟ فقال: يحمل الحمل الثقيل بجميع أعضائه، والثقيل تنفرد بحمله الروح. شرب رجل بغيض عند آخر فلما أمسى لم يأته بسراج، فقال: أين السراج؟ فقال: إنّ الله تعالى يقول: وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا
«٢» .
عاد الشعبيّ ثقيل فأطال الجلوس فقال: ما أشدّ ما مرّ عليك في مرضك؟ فقال:
قعودك عندي.
سقط رجل من سطح فانكسرت رجلاه وصار الناس يعودونه ويسألونه، فلما أكثروا ضجر، وكتب قصّته في رقعة فإذا دخل عائد عليه وسأله عن حاله دفع
стр. 341
الرقعة إليه. كان أبو هريرة ﵁ إذا رأى ثقيلا يقول: اللهم اغفر لنا وله وأرحنا منه. عليّ كرّم الله وجهه: صحبة الأحمق عذاب الروح. وعنه كرّم الله وجهه: كثرة الإلحاح توجب المنع. وعنه ﵁: قلّة الكلام تستر العيوب وتقلّل الذنوب. قيل: من حق الداخل على الكرام قلّة الكلام وسرعة القيام.
قال ثقيل لمريض: ما تشتهي؟ قال: أن لا أراك. قال رجل لأعمى: إن الله لم يأخذ من عبد كريمتيه إلّا عوّضه منهما شيئا، فما عوّضك؟ قال: أن لا أراك.
كان لابن سيرين خاتم نقشه: أبرمت فقم. فإذا استثقل إنسانا دفعه إليه ليقرأه.
قيل: قلّة الزيارة أمان من الملالة، وكثرة التعاهد سبب التباعد. وقيل:
إدمان اللقاء، سبب الجفاء. عمررضي الله عنه: تزاوروا، ولا تجاوروا.
«كان النبيّ ﷺ يكره الزيارة المملّة والقعدة المنسئة «١» . وقال ﷺ : «زر غبا تزدد حبّا» . قيل: الزيارة تغرس المودّة. منهاج الشريعة:
عليك بإقلال الزيارة إنها ... تكون إذا دامت إلى الهجر مسلكا
ألم تر أنّ القطر يسأم دائبا ... ويسأل بالأيدي إذا هو أمسكا
من علامة الأحمق الجلوس فوق القدر، والمجيء في غير الوقت. في كتب الهند: ثلاثة تزيد في الأنس: الزيارة والمؤاكلة والمحادثة. اعتذر بعض الأدباء إلى صاحب له في تأخيره فكتب له:
إذا صحّ الضمير فكلّ هجر ... وإعراض يكون إلى اتّصال
زار أعرابيّ عبد الله بن طاهر فحجبه فكتب إليه:
إذا كان الجواد له حجاب ... فما فضل الجواد على البخيل
فأجاب:
стр. 342
إذا كان الكريم عديم مال ... ولم يعذر تعلّل بالحجاب
وقيل:
فتى كان يدنيه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر
بعض الفضلاء: من أغلق على أخيه بابه، ذمّ الناس خلقه وآدابه.
عديّ بن زيد:
إذا أنت لم تنفع بودّك أهله ... ولم تنك «١» بالبؤسى عدوّك فابعد
غيره:
تزدحم الناس على بابه ... والمنهل العذب كثير الزحام
وقيل:
من عوّد الناس إحسانا ومكرمة ... لا يعتبنّ على من جاء في الطلب
دخل أبو حنيفة على الأعمش فأطال الجلوس ثم قال له: لعلّي ثقلت عليك، فقال: إني لأستثقلك وأنت في منزلك فكيف وأنت في منزلي؟. مرّ رسول الله ﷺ على صبيان في المكتب فسلّم عليهم.
دخل عالم على إسماعيل السامانيّ الأمير فأكرمه وقعد في حضرته بالأدب وشيّعه عند الخروج بسبع خطوات، فلامه بعض الحاضرين فقال: إكرام العلماء واجب علينا. ورأى رسول الله ﷺ في تلك الليلة يقول: يا إسماعيل قد أعطاك الله بسبع خطواتك سبعا من أبنائك ملوكا. دخل يوما على الرشيد محمد بن الحسن الشيبانيّ «٢» فزاد في تعظيمه، فقال بعض خواصّه: من تواضع بهذا التواضع لا يهاب منه. فقال الرشيد: الهيبة التي تزول بالتواضع للعلماء جديرة أن تزول. إدريس ﵇: عوّدوا أنفسكم إكرام الأخيار والأشرار، أمّا الأخيار
стр. 343
فلأجل خيرهم، وأمّا الأشرار فلاستكفاف شرّهم. ابن مخلد: خرج معاوية على ابن الزبير وابن عامر، فقام ابن عامر وجلس ابن الزبير، فقال معاوية لابن عامر:
اجلس فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أحبّ أن يمثل له الرجال قياما فليتبوّأ مقعده من النار» . أبو أمامة: خرج النبيّ ﷺ إلينا متوكّئا على عصاه، فقمنا إليه فقال: «لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظّم بعضهم بعضا» . قيل:
لا معنى للقيام، إذا لم يكن بين الأقوام. عليّ بن الحسين: عن النبيّ ﷺ في وصيته لعليّ ﵁: «يا عليّ لا فقر أشدّ من الجهل ولا وحشة أشدّ من العجب» . رأى رجل رجلا يختال في مشيته فقال: جعلني الله مثلك في نفسك ولا جعلني الله مثلك في نفسي. قيل لحكيم: ما الشيء الذي لا يحسن أن يقال وإن كان حقّا؟ قال: مدح الرجل نفسه. نظر رجل إلى ولد أبي موسى يختال فقال: يمشي كأنّ أباه خدع عمرا «١» . سمع الفرزدق أبا بردة يقول: كيف لا أتبختر وأنا ابن أحد الحكمين؟ فقال له: أحدهما مائق «٢» والآخر فاسق، فكن ابن أيّهما شئت. نظر عمر بن عبد العزيز إلى علويّ يمشي مشية منكرة فقال له:
يا هذا إن الذي شرفت به لم تكن هذه مشيته. الحسن: لو كان الرجل كلّما قال أصاب أو كلّما عمل أحسن أو شك أن يجنّ من العجب»
. نظر رسول الله ﷺ إلى أبي دجانة يتبختر بين الصفّين فقال: «إنّ هذه مشية يبغضها الله إلّا في هذا المكان» .
قيل: الكبر في الأجناس الذليلة أرسخ، ولكنّ القلّة والذلّة مانعتان من ظهور
стр. 344
كبرهم. وصل ابن الأفلح إلى باب بعض الرؤوساء فمنعه البوّاب من الدخول فكتب إليه:
حمدت بوّابك إذ ردّني ... وذمّه غيري في ردّه
لأنه قلّدني نعمة ... تستوجب الإغراق في حمده
أراحني من قبح ملقاك لي ... وكبرك الزائد في حدّه
أبو مسلم: ما تاه إلا وضيع ولا فاخر إلا لقيط. يقال: اجلس حيث يؤخذ بيدك، ولا تجلس حيث يؤخذ برجلك. قيل لبزرجمهر: هل تعرف نعمة لا يحسد عليها صاحبها؟ قال: نعم، التواضع. قيل: فهل تعرف بلاء لا يرحم صاحبه؟ فقال: نعم، العجب. عليّ ﵁: الإعجاب يمنع الازدياد.
وعنه: عجب المرء بنفسه أحد حسّاد عقله. وعنه: من رضي بنفسه كثر الساخط عليه. وعنه: إياك والإعجاب بنفسك فإنّ ذلك من أعظم فرص الشيطان في نفسه، ليمحو به ما يكون من إحسان المحسن. قام داود ﵇ ليلة فكأنه أعجب بها، فأوحى الله إلى الضفدع أن كلّميه، فقالت: يا داود كأنك أعجبت بليلتك، فهذا مقامي منذ عشرين ليلة، ما دخل جوفي قطرة ماء ولا خضرة شكرا لله حين سلّم بيضتي. بعض ملوك يونان: من رفع نفسه فوق قدره استجلب مقت الناس. فقال وزيره: من رفع نفسه فوق قدره ردّه الناس إلى قدره.
الأصمعيّ: عن رجل: ما رأيت ذا كبر قطّ إلّا تحوّل داؤه إليّ. يريد أني أتكبّر عليه. كان يقال: للعادة سلطان على كلّ شيء. ما استنبط الصواب بمثل المشاورة، ولا حصّنت النعمة بمثل المواساة، ولا اكتسبت البغضة بمثل الكبر.
أرسطو: من افتخر ارتطم. وعنه: من عرف نفسه لم يضع بين الناس. وعنه:
من تكبّر على الناس أحبّ الناس ذلّته. وعنه: بإصابة المنطق يعظم القدر،
стр. 345
وبالتواضع تكثر المحبة، وبالحلم تكثر الأنصار، وبالرفق تستخدم القلوب، وبالوفاء يدوم الإخاء، وبالصدق يتمّ الفضل. مطرّف: لأن أبيت نائما وأصبح نادما، أحبّ إليّ من أن أبيت قائما وأصبح معجبا. هشام بن حسان: سيئة تسوءك خير من حسنة تعجبك. قال رجل لعائشة ﵂: متى أكون محسنا؟ قالت: إذا علمت أنك مسيء. قال: فمتى أكون مسيئا؟ قالت: إذا ظننت أنك محسن. الأحنف: عجبت لمن جرى مجرى البول مرّتين كيف يتكبّر!. مالك بن دينار: مبدأ المرء نطفة مذرة «١» وآخره جيفة قذرة، وهو فيما بينهما يحمل العذرة «٢» فكيف يتكبّر؟!. وقيل:
كيف يزهو من رجيعه ... أبد الدهر ضجيعه
الباخرزيّ:
أرى أبناء آدم أبطرتهم ... حظوظهم من الدنيا الدنيّه
فلم بطروا وأوّلهم منيّ ... إذا نسبوا وآخرهم منيّه
قيل لابن المبارك: ما التواضع؟ قال: التكبّر على الأغنياء. وأخذ هذا المعنى شاعر فنظمه:
لم ألق مستكبرا إلا تحوّل لي ... عند اللقاء له الكبر الذي فيه
ولا حلالي من الدنيا ولذّتها ... إلا مقابلتي للتّيه بالتّيه
قيل في استكبار إبليس:
عجبت من إبليس في خبثه ... وقبح ما أظهر من نيّته
تاه على آدم في سجدة ... وصار قوّادا لذرّيّته
стр. 346
رشيد الدين:
كم محسن غرّه الطاعات تنصره ... يوم النشور وبطش الله يخزيه
وكم مسيء بسوء الفعل معترف ... تراه والله بالغفران يجزيه
قيل لمحمد بن واسع: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت قريبا أجلي، بعيدا أملي، سيّئا عملي. قيل للحسن: كيف حالك؟ قال: ما ظنّك بأناس ركبوا في سفينة حتى إذا توسّطوا البحر انكسرت وتعلّق كلّ إنسان بخشبة فعلى أيّ حال هم؟ قيل: شديدة. قال: حالي أشدّ من حالهم. إسماعيل بن أبي خالد:
كنت أمشي مع الشعبيّ وأبي سلمة، فسأل الشعبيّ أبا سلمة: من أعلم أهل المدينة؟ فقال: الذي يمشي بينكما. يعني نفسه. الجاحظ: لو لم يصف الطبيب مصالح دوائه للمتعالجين لما كان له طالب ولا فيه راغب. وكان كعب بن زهير إذا أنشد قصيدة قال لنفسه: أحسنت والله وجاوزت الإحسان، فيقال له:
أتحلف على شعرك؟ فيقول: نعم لأني أبصر به منكم. يوسف ﵊: قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
«١» . قيل لسعيد بن جبير: يا أبا محمد كنت بأصبهان لا تحدّث وبالكوفة تحدّث، فقال: انشر بزّك «٢» حيث تعرف. سلمان الفارسيّ ﵁:
أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم
قيل لرجل من بني عبد الدار: ألا تأتي الخليفة؟ قال: أخشى أن لا يحمل الجسر شرفي.
стр. 347
الروضة السادسة والثلاثون في العمل والكدّ والتعب والسرعة والشغل والطلب والاستجداء ورفع الحوائج وقضائها
عن النبيّ ﷺ : «الكيّس «١» من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها ثم تمنّى على الله» . عليّ ﵁: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: ما ينفي عنّي حجة الجهل؟ قال: العلم. قال: فما ينفي حجّة العلم؟ قال: العمل. داود الطائيّ ﵀: أرأيت المحارب إذا أراد أن يلقى الحرب أليس يجمع آلته؟ فإذا أفنى عمره في جمع الآلة فمتى يحارب؟ وإنّ العلم لآلة، فإذا أفنى المرء عمره في جمعه فمتى يعمل؟!. عن النبيّ ﷺ :
«تعلّموا ما شئتم أن تعلّموا، فلن ينفعكم الله بالعلم حتى تعملوا، فإنّ العلماء همتهم الرعاية والسفهاء همّتهم الرواية» . الأوزاعيّ: إذا أراد الله بقوم شرّا أعطاهم الجدل، ومنعهم العمل. أبو تمام:
ولم يجدوا من عالم غير عامل ... خلافا ولا من عامل غير عالم
في المثل: الكسل باب من الزندقة. عليّ كرّم الله وجهه: تدارك في آخر العمر ما فات من أوّله. أبو مسهر:
ولا خير في الدنيا لمن لم يكن له ... من الله في دار البقاء نصيب
فلن تعجب الدنيا رجالا فإنها ... متاع قليل والزمان قريب
стр. 348
وقيل:
على المرء أن يسعى لتحسين حاله ... وليس عليه أن يساعده الدهر
وقيل:
وما المرء إلا حيث يجعل نفسه ... ففي صالح الأعمال نفسك فاجعل
عمر بن عبد العزيز ﵁: إنّ الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما. وقيل:
إنّا لنفرح بالأيّام نقطعها ... وكلّ يوم مضى من عدّة الأجل
فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهدا ... فإنما الربح والخسران في العمل
كان الخليل بن أحمد رحمه الله تعالى ينشد كثيرا:
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذخرا يكون كصالح الأعمال
لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة كتب إليه طاوس: إذا أردت أن يكون عملك خيرا كلّه فاستعمل أهل الخير. فقال: كفى موعظة. عبد الله بن السائب: إنّ أعمال الأحياء تعرض على أقاربهم من الموتى فلا تخزوا موتاكم.
عن عباد بن عباد الخوّاص أنه دخل على إبراهيم بن صالح وهو أمير فلسطين، فقال: عظني، فقال: أصلحك الله، بلغني أن أعمال الأحياء تعرض على أقاربهم من الموتى، فانظر ماذا يعرض على رسول الله ﷺ من عملك. فبكى إبراهيم حتى سالت دموعه. كان أبو أيّوب الأنصاري يقول: اللهمّ إني أعوذ بك أن أعمل عملا أخزى به عند عبد الله بن رواحة «١» . وقد آخى بينهما رسول الله ﷺ ومات ابن رواحة قبله.
стр. 349
أنس ﵁، يرفعه: «يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى واحد، يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله ويبقى عمله» . وقيل: خير الأعمال ما أثّل المجد وحصل الحمد، وشرّ الأعمال ما كان عناؤه طويلا وغناؤه «١» قليلا. قيل: الأعمال البهيميّة، ما عمل بغير نيّة. بعضهم: العمل سعي الأركان إلى الله، والنية سعي القلوب إلى الله، والقلب ملك والأركان جنوده، ولا يحارب الملك إلا بالجنود ولا الجنود إلا بالملك. قيل: النيّة جمع الهمّ «٢» في تنفيذ العمل للمعمول له، وأن لا يسنح في السرّ ذكر غيره. رأى رسول الله ﷺ فرجة في لبن قبر إبراهيم ابنه فأمر أن تسدّ وقال: «أما إنها لا تضرّ ولا تنفع ولكن العبد إذا عمل عملا أحبّ الله أن يتقنه» .
الدارانيّ: عمل الرجل مع رفيقه ومع أهله عمل في السرّ، لأنه لا يقدر أن يكتم منهما. عليّ ﵁: قليل مدوم عليه خير من كثير محلول عنه.
وعنه: أفضل الأعمال ما أكرهت نفسك عليه. قيل: حرّك يدك يفتح لك باب الرزق. قيل لروح بن حاتم: لقد طال وقوفك بالشمس. فقال: ليطول وقوفي في الظلّ. قيل: من غلى دماغه في القيظ غلت قدره في الشتاء. قيل: في كدّ البدن روح الروح. في الوصايا: اكدح تربح. قيل: من جدّ وجد وجدّ «٣» . وقيل:
وقلّ من جدّ في أمر يحاوله ... واستصحب الصبر إلّا فاز بالظفر
تقول العرب: فلان وثّاب على الفرص. ويقال: الزم الخبز ما دام التنّور حارّا. قيل: إضاعة الفرصة غصّة. وقيل: الفرصة تمرّ مرّ السحاب. عمر بن حبيب، كان له بستان ومعه غلامه فأذّن المؤذن فقال الغلام: الله أكبر الله أكبر، فقال: سبقتني إليها، أنت حرّ ولك هذه النخلة.
стр. 350
يقال: أخفّ من خلسة منتهز وجلسة مستوفز. يقال: أسرع من الماء منحدرا ومن النجم منكدرا «١» . يقال: أسرع حتى ظلّه لم يلحقه. قال عديّ بن أرطاة لإياس بن معاوية: إنك لسريع المشية، قال: ذاك أبعد من الكبر وأسرع في الحاجة. عن النبيّ ﷺ : «سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن» .
يقال: تفرّق بفلان شعب الدنيا، إذا كثرت أشغاله. قال عبد الله بن سليمان لأبي العيناء: اعذرني فإني مشغول. فقال: إذا فرغت لم أحتج إليك، وما أصنع بك فارغا؟ وأنشد:
فلا تعتلل بالشغل عنّا فإنما ... تناط بك الآمال ما اتّصل الشغل
واعتذر بعض السلطانية إلى رجل بالشغل فقال: لا بلغت يوم فراغك. شكا الفضل من كثرة أهل الحاجة فقال بعض الحاضرين من الفضلاء: إن أحببت أن لا يلتقي ببابك اثنان فاعتزل ما أنت فيه، فإن نعم الله جاءت بهم إليك، ثم أنشد:
من لم يواس الناس من فضله ... عرّض للإدبار إقباله
فقال: صدقت جزاك الله من ناصح خيرا. كتب إلى بعضهم: قد عذرك الشغل في إغفال الحاجة واعذرني في إذكارك وإلّا فعملك محيط وقدرتك واسعة. وإلى آخر: العاقل إذا ولي ولاية يطلب انتهاز الفرصة وتقليد المنّة فإنّ المنن قلائد في أعناق الرجال، والولاية قريبة إلى الزوال، والحاصل إمّا ذكر جميل، أو خزي طويل. وإلى فضل بن مروان:
تفرعنت يا فضل بن مروان فاعتبر ... فقبلك كان الفضل والفضل والفضل
قيل:
إذا مضى أحد يتلو له أحد ... وهكذا كان حكم الله يطّرد
стр. 351
سئل شبيب حين خرج من دار الخلافة فقال: رأيت الداخل راجيا، والخارج راضيا. قيل للصادق: ما كفّارة عمل السلطان؟ قال: قضاء حوائج الإخوان.
المأمون لوزيره: اغتنم قضاء حوائج الناس فإنّ الدهر أدور «١» والعمر أقصر من أن يتمّ حال أو يدوم سرور. قيل:
لا تقطعنّ يد الإحسان عن أحد ... ما دمت تقدر والأيام تارات
فاشكر فضيلة صنع الله إذ جعلت ... إليك لا لك عند الناس حاجات
يقال: لا شيء أضيع للملك وأهلك للرعية من شدّة الحجاب. قيل:
على أيّ باب أطلب الإذن بعد ما ... حجبت عن الباب الذي أنا حاجبه
لبعض الظرفاء:
وأخبرني البوّاب أنّك نائم ... وأنت إذا استيقظت أيضا فنائم
قيل: الحاجات تطلب بالرجاء، وتدرك بالقضاء. يقال: المأمول خير من المأكول. حكي: أن رجلا سأل من رجل شيئا فأراد أن يكسر دينارا فقال: إيّاك أن تفرّق بين اسم الله ورسوله، فترك وأعطاه الدينار. تعرّض أعرابيّ لمعاوية في طريقه فسأله فمنعه ثم عاوده في مكان آخر فقال: ألم تسألني آنفا؟ فقال: نعم ولكن بعض البقاع أيمن من بعض. فضحك ووصله. يقال: الغريق يتعلّق بكلّ شيء والعاشق يطوف بكلّ حيّ «٢» . قيل: من طلب ما لا يعنيه، فاته ما يعنيه.
قيل: من أراد زيادة لا يستحقّها أصابه نقصان وهو مستحقّ له. قيل:
طلبت بك التكثير فازددت قلّة ... وقد يخسر الإنسان في طلب الربح
стр. 352
يقال: هو كطالب القرط قطعت أذنه، كما طلب العير «١» القرنين فضيّع الأذنين.
إذا أصبت فالزم وإذا وجدت فاغنم. قيل:
لكلّ إلى شأو «٢» العلا حركات ... ولكن عزيز في الرجال ثبات
في المثل: من ثبت نبت. قيل لصوفيّ: كيف حالك؟ فقال: طلبت فلم أرزق، وحرمت فلم أصبر.
أبو هريرة ﵁ رفعه: «سلوا الله في حوائجكم حتى في شسع النعل، فإن الله تعالى إذا لم ييسّره له لم يتيسّر» . فيثاغورس: متى التمست فعلا من الأفعال فابدأ إلى ربك بالابتهال في النجح فيه. عليّ ﵁ مرفوعا:
«إذا أراد أحدكم الحاجة فليبكر في طلبها يوم الخميس وليقرأ إذا خرج من منزله آخر سورة آل عمران، وآية الكرسي، وإنّا أنزلناه في ليلة القدر وأمّ الكتاب، فإنّ فيها قضاء حوائج الدنيا والآخرة» . شكا رجل إلى أخيه الحاجة والضيق، فقال له: يا أخي أغير تدبير ربك تريد، لا تسأل الناس وسل من أنت له. دخل سليمان ابن عبد الملك الكعبة فقال لسالم بن عبد الله: ارفع حوائجك، فقال:
والله لا أسأل في بيت الله غير الله.
مطرّف: قال لإخوانه: من كانت له حاجة إليّ فليكتبها في رقعة فإني أكره أن أرى ذلّ السؤال في وجه أحد. عليّ ﵁:
لنقل الصخر من قلل الجبال «٣» ... أخفّ عليّ من منن الرجال
يقول الناس لي في الكسب عار ... فقلت العار في ذلّ السؤال
стр. 353
وقيل:
استغن عن كلّ ذي قرب وذي رحم ... إنّ الغنيّ من استغنى عن الناس
جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين ﵃: إني لأسارع إلى حاجة عدوّي خوفا من أن أردّها فيستغني عنّي. الفضل بن الربيع: من كلّم الملوك في حاجة في غير وقتها جهل مقامه، وأضاع كلامه. عليّ ﵁: صاحب السلطان كراكب الأسد. وعنه: اصحب السلطان بالحذر، والصديق بالتواضع.
وعنه: لا تكثر الدخول على الملوك، فإنك إن صحبتهم ملّوك، وإن نصحتهم غشّوك. في كتب الهند: لا تكثر الحاجة فإنّ العجل إذا أفرط في مصّ أمّه نطحته. يقال: المسألة خموش في وجه صاحبها. الأمين عند حصره ببغداد ونفاد ما عنده وطلب الناس الرزق: قتل الله الفريقين: الذين معي يطلبون مالي.
والذين عليّ يطلبون نفسي. من خفّت مؤنته، خفّت مودّته. قيل:
من عفّ خفّ على الصديق لقاؤه ... وأخو الحوائج وجهه مملول
جلس الإسكندر للناس يوما فلم يسأله أحد حاجة، فقال لجلسائه:
إني لا أعدّ هذا اليوم من أيام ملكي. كتب ابن عنين حين مرض إلى الملك ابن سيف الدين:
انظر إليّ بعين مولى لم يزل ... يولي «١» الندى وتلاف «٢» قبل تلافي
أنا كالذي «٣» يحتاج ما يحتاجه ... فاغنم ثوابي والثناء الوافي
стр. 354
فجاء بنفسه ومعه ثلاثمائة دينار فقال: هذه الصلة وأنا العائد. عمر ﵁: الغنيّ من يفرح بالسؤال كما يفرح الآخذ بالعطاء. عبد الله بن عمر: الغنيّ من لم يميّز بين أن يأكل عنده عدوّ أو صديق. قيل لحكيم: من أحبّ الناس إليك؟ قال: من أحسن إليّ. فقيل: ثم من؟ قال: من أحسنت إليه. ابن سينا:
يا غافلا عن حركات الفلك ... نبّهك الله فما أغفلك
مالك للغير إذا صنته ... وكلّ ما أنفقت منه فلك
بعض الملوك: أنا لا أرضى أن يكون جهل لا يسعه علمي، ولا ذنب لا يسعه عفوي، ولا حاجة لا يسعها جودي. قيل للإسكندر: ما يسرّك؟ فقال: مكافأة من أحسن إليّ، والعفو عمن أساء إليّ.
قال رجل لابنه: إيّاك أن تريق ماء وجهك عند من لا ماء في وجهه.
قيل لأعرابيّ: ما السقم الذي لا يبرأ والجرح الذي لا يندمل؟ فقال:
حاجة الكريم إلى اللئيم. اسقلتينوس: فوت الحاجة خير من طلبها من غير أهلها. قال رجل لبنيه: يا بنيّ تعلّموا الردّ فإنه أسدّ «١» من الإعطاء. قيل:
يلومونني بالبخل جهلا وضلّة ... وللبخل خير من سؤال بخيل
بعض الأكابر لابنه: يا بنيّ اعلم أنّ لفظ (لا) يدفع البلا، ولفظ (نعم) يزيل النعم.
أنس، رفعه: «من قضى لأخيه المسلم حاجة كان كمن خدم الله عمره» .
ابن السكيت: كتب رجل إلى صديقه: قد عرضت لي قبلك «٢» حاجة، فإن
стр. 355
نجعت «١» فالفاني منها حظّي والباقي حظّك، وإن تعذّرت فالعذر مقدّم لك والسّلام. كتب الواقديّ إلى المأمون دينه، فكتب المأمون بخطّه: فيك سخاء أطلق يديك، وحياء يمنعك ذكر تمام دينك، فأمرت لك ضعف ما سألت، فإن قصّرنا فجنايتك عليك، وإلّا فزد بسط يدك، فإنك حدّثتني أنّ النبيّ ﷺ قال:
«يا زبير إنّ مفاتيح الرزق بإزاء العرش، ينزل الله للعباد أرزاقهم على قدر نفقاتهم، فمن كثّر كثّر له، ومن قلّل قلّل عليه» . بعض الأدباء:
كلّ من أحوجك الدهر إليه ... فتعرّضت له هنت عليه
следующие страницы →