Полный текст (408 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
عجائب ما استحزن فيها من آثار الطّبيعة الشّريعة، وشواهد القدرة الصادقة، وما هكذا النّثر، فإنّه قصّر عن هذه الذّروة الشّامخة، والقلّة العالية، فصار بذلك بذلة لكافّة الناطقين من الخاصّة والعامّة والنساء والصّبيان.
وقال أيضا: من فضائل النّظم أنّه لا يغنّى ولا يحدى إلا بجيّده ولا يؤهّل للحن الطّنطنة، ولا يحلّى بالإيقاع الصحيح غيره، لأن الطّنطنات والنّقرات، والحركات والسكنات لا تتناسب إلّا بعد اشتمال الوزن والنّظم عليها، ولو كان فعل هذا بالنّثر كان منقوصا، كما لو لم يفعل هذا بالنّظم لكان محسوسا، والغناء معروف الشّرف، عجيب الأثر، عزيز القدر، ظاهر النفع في معابثة الروح، ومناغاة العقل، وتنبيه النّفس، واجتلاب الطّرب وتفريج الكرب، وإثارة الهزّة، وإعادة العزّة، وإذكار العهد، وإظهار النّجدة، واكتساب السّلوة، وما لا يحصى عدده.
ويقال: ما أحسن هذه الرسالة لو كان فيها بيت من الشّعر، ولا يقال: ما أحسن هذا الشّعر لو كان فيه شيء من النّثر، لأنّ صورة المنظوم محفوظة، وصورة المنثور ضائعة.
وقال ابن نباتة: من فضل النّظم أنّ الشّواهد لا توجد إلّا فيه، والحجج لا تؤخذ إلّا منه، أعني أنّ العلماء والحكماء والفقهاء والنحويّين واللّغويّين يقولون: «قال الشاعر» ، و «هذا كثير في الشّعر» ، و «الشّعر قد أتى به» ، فعلى هذا الشاعر هو صاحب الحجّة، والشعر هو الحجّة.
وقال الخالع: للشّعراء حلبة، وليس للبلغاء حلبة، وإذا تتبّعت جوائز الشّعراء التي وصلت إليهم من الخلفاء وولاة العهود والأمراء والولاة في مقاماتهم المؤرّخة، ومجالسهم الفاخرة، وأنديتهم المشهورة، وجدتها خارجة عن الحصر، بعيدة من الإحصاء، وإذا تتبّعت هذه الحال لأصحاب النّثر لم تجد شيئا من ذلك، والناس يقولون: ما أكمل هذا البليغ لو قرض الشّعر! ولا يقولون: ما أشعر هذا الشاعر لو قدر على النّثر! وهذا لغنى الناظم عن النّاثر، وفقر الناثر إلى الناظم، وقد قدّم الناس أبا عليّ البصير على أبي العيناء، لأنّ أبا عليّ جمع بين الفضيلتين، وضرب بالسّيفين في الحومتين، وفاز بالقدحين المعلّيين في المكانين.
وقال لنا الأنصاريّ: سمعت ابن ثوابة الكاتب يقول: لو تصفّحنا ما صار إلى أصحاب النثر من كتّاب البلاغة، والخطباء الذين ذبّوا عن الدّولة، وتكلّموا في صنوف أحداثها وفنون ما جرى الليل والنهار به، ممّا فتق به الرّتق، ورتق به الفتق، وأصلح به الفاسد، ولمّ به الشّعث، وقرّب به البعيد، وبعّد به القريب، وحقّق به الحقّ، وأبطل به الباطل، لكان يوفي على كلّ ما صار إلى جميع من قال الشّعر ولاك القصيد، ولهج بالقريض، واستماح بالمرحمة، ووقف موقف المظلوم، وانصرف انصراف المحروم،
стр. 247
وأين من يفتخر بالقريض، ويدلّ بالنّظم، ويباهي بالبديهة، من وزير الخليفة، ومن صاحب السّرّ، وممن ليس بين لسانه ولسان صاحبه واسطة، ولا بين أذنه وأذنه حجاب؟! ومتى كانت الحاجة إلى الشعراء كالحاجة إلى الوزراء؟! ومتى قام وزير لشاعر للخدمة أو للتّكرمة؟! ومتى قعد شاعر لوزير على رجاء وتأميل؟! بل لا ترى شاعرا إلّا قائما بين يدي خليفة أو وزير أو أمير باسط اليد، ممدود الكفّ، يستعطف طالبا، ويسترحم سائلا، هذا مع الذّلّة والهوان، والخوف من الخيبة والحرمان، وخطر الرّدّ عليه في لفظ يمرّ، وإعراب يجري، واستعارة تعرض، وكناية تعترض، ثمّ يكون مقليّا مشينا بما يظنّ به من الهجاء الذي ربما دلّاه في حومة الموت، وقد برّأ الله تعالى بإحسانه القديم ومنّه الجسيم صاحب البلاغة من هذا كلّه، وكفاه مؤونة الغدر به، والضّرر فيه.
قال: وكان ابن ثوابة إذا جال في هذه الأكناف لا يلحق شأوه، ولا يشقّ غباره، ولا يطمع في جوابه.
قال: وله مناظرات واسعة في هذا الباب مع جماعة من أهل زمانه ناقضوه وعارضوه، وكاشفوه وواجهوه، فثبت لهم، وانتصف منهم، وأربى عليهم، ولم يقلع عن مسالطتهم ومبالطتهم إلى أن نكصوا على أعقابهم، وراجعوا ما هو أولى بهم.
قال أبو سليمان: المعاني المعقولة بسيطة في بحبوحة النفس، لا يحوم عليها شيء قبل الفكر، فإذا لقيها الفكر بالذّهن الوثيق والفهم الدّقيق ألقى ذلك إلى العبارة، والعبارة حينئذ تتركّب بين وزن هو النّظم للشّعر، وبين وزن هو سياقة الحديث، وكلّ هذا راجع إلى نسبة صحيحة أو فاسدة، وصورة حسناء أو قبيحة، وتأليف مقبول أو ممجوج، وذوق حلو أو مرّ وطريق سهل أو وعر، واقتضاب مفضّل أو مردود، واحتجاج قاطع أو مقطوع، وبرهان مسفر أو مظلم، ومتناول بعيد أو قريب، ومسموع مألوف أو غريب.
قال: فإذا كان الأمر في هذه الحال على ما وصفنا فللنثر فضيلته الّتي لا تنكر، وللنّظم شرفه الّذي لا يجحد ولا يستر، لأنّ مناقب النّثر في مقابلة مناقب النّظم، ومثالب النّظم في مقابلة مثالب النّثر، والذي لابدّ منه فيهما السّلامة والدّقّة، وتجنّب العويص، وما يحتاج إلى التأويل والتخليص.
وقد قال بعض العرب: خير الكلام ما لم يحتج معه إلى كلام.
ووقف أعرابيّ على مجلس الأخفش فسمع كلام أهله في النّحو وما يدخل معه، فحار وعجب، وأطرق ووسوس، فقال له الأخفش: ما تسمع يا أخا العرب؟ قال:
أراكم تتكلّمون بكلامنا في كلامنا بما ليس من كلامنا.
стр. 248
وقال أعرابيّ آخر:
ما زال أخذهم في النّحو يعجمني ... حتّى سمعت كلام الزّنج والرّوم
وقال أبو سليمان: نحو العرب فطرة، ونحونا فطنة، فلو كان إلى الكمال سبيل لكانت فطرتهم لنا مع فطنتنا، أو كانت فطنتنا لهم مع فطرتهم.
وقال: لمّا تميّزت الأشياء في الأصول، تلاقت ببعض التّشابه في الفروع، ولمّا تباينت الأشياء بالطّبائع، تألّفت بالمشاكلة في الصّنائع، فصارت من حيث افترقت مجتمعة، ومن حيث اجتمعت مفترقة، لتكون قدرة الله- آتية على كلّ شيء، وحكمته موجودة في كلّ شيء، ومشيئتة نافذة في كلّ شيء.
وقد أنشد بعض الأعراب ما يقتضي هذا المكان رسمه فيه، لأنّه موافق لما نحن فيه في ذكره ووصفه.
قال:
ماذا لقيت من المسعربين ومن ... تأسيس نحوهم هذا الّذي ابتدعوا
إن قلت قافية فيه يكون لها ... معنى يخالف ما قاسوا وما وضعوا
قالوا لحنت وهذا الحرف منخفض ... وذاك نصب وهذا ليس يرتفع
وحرّشوا بين عبد الله واجتهدوا ... وبين زيد وطال الضّرب والوجع
إنّي نشأت بأرض لا تشبّ بها ... نار المجوس ولا تبنى بها البيع
ولا يطا القرد والخنزير ساحتها ... لكنها بها الهيق والسّيدان «١» والصدع
ما كلّ قولي معروف لكم فخذوا ... ما تعرفون وما لم تعرفوا فدعوا
كم بين قوم قد احتالوا لمنطقهم ... وآخرين على إعرابهم طبعوا
وبين قوم رأوا شيئا معاينة ... وبين قوم رووا بعض الّذي سمعوا
فهذا هذا.
وقال أبو سليمان: البلاغة ضروب: فمنها بلاغة الشّعر ومنها بلاغة الخطابة ومنها بلاغة النثر، ومنها بلاغة المثل، ومنها بلاغة العقل، ومنها بلاغة البديهة، ومنها بلاغة التأويل.
قال: فأمّا بلاغة الشّعر فأن يكون نحوه مقبولا، والمعنى من كلّ ناحية مكشوفا، واللفظ من الغريب بريئا، والكناية لطيفة، والتصريح احتجاجا، والمؤاخاة موجودة، والمواءمة ظاهرة.
وأما بلاغة الخطابة فأن يكون اللّفظ قريبا، والإشارة فيها غالبة، والسّجع عليها مستوليا، والوهم في أضعافها سابحا، وتكون فقرها قصارا، ويكون ركابها شوارد إبل.
стр. 249
وأما بلاغة النثر فأن يكون اللّفظ متناولا، والمعنى مشهورا، والتهذيب مستعملا، والتأليف سهلا، والمراد سليما، والرّونق عاليا، والحواشي رقيقة، والصّفائح مصقولة، والأمثلة خفيفة المأخذ، والهوادي متّصلة، والأعجاز مفصّلة.
وأما بلاغة المثل فأن يكون اللفظ مقتضبا، والحذف محتملا، والصورة محفوظة، والمرمى لطيفا، والتّلويح كافيا، والإشارة مغنية، والعبارة سائرة.
وأما بلاغة العقل فأن يكون نصيب المفهوم من الكلام أسبق إلى النّفس من مسموعه إلى الأذن، وتكون الفائدة من طريق المعنى أبلغ من ترصيع اللّفظ، وتقفية الحروف، وتكون البساطة فيه أغلب من التركيب، ويكون المقصود ملحوظا في عرض السّنن، والمرمى يتلقّى بالوهم لحسن التّرتيب.
وأما بلاغة البديهة فأن يكون انحياش اللّفظ للّفظ في وزن انحياش المعنى للمعنى، وهناك يقع التعجّب للسامع، لأنّه يهجم بفهمه على ما لا يظنّ أنه يظفر به كمن يعثر بمأموله، على غفلة من تأميله، والبديهة قدرة روحانيّة، في جبلّة بشريّة، كما أنّ الرّويّة صورة بشريّة، في جبلّة روحانيّة.
وأما بلاغة التأويل فهي التي تحوج لغموضها إلى التدبّر والتصفّح، وهذان يفيدان من المسموع وجوها مختلفة كثيرة نافعة، وبهذه البلاغة يتسع في أسرار معاني الدّين والدّنيا، وهي الّتي تأوّلها العلماء بالاستنباط من كلام الله وكلام رسوله- ﷺ في الحرام والحلال، والحظر والإباحة، والأمر والنّهي، وغير ذلك مما يكثر، وبها تفاضلوا، وعليها تجادلوا، وفيها تنافسوا، ومنها استملوا، وبها اشتغلوا، ولقد فقدت هذه البلاغة لفقد الرّوح كلّه، وبطل الاستنباط أوّله وآخره، وجولان النفس واعتصار الفكر إنّما يكونان بهذا النّمط في أعماق هذا الفنّ، وهاهنا تنثال الفوائد، وتكثر العجائب، وتتلاقح الخواطر، وتتلاحق الهمم، ومن أجلها يستعان بقوى البلاغات المتقدّمة بالصّفات الممثّلة، حتى تكون معينة ورافدة في إثارة المعنى المدفون، وإنارة المراد المخزون.
وأمثلة هذه الأبواب موجودة في الكتب، ولولا ذلك لرسمت في هذا المكان لكل فنّ مثالا وشكّلت شكلا، ولو فعلت ذلك لكنت مكرّرا لما قد سبق إليه، ومتكلّفا ما قد لقّن من قبل. على أنّ الزّهد في هذا الشّأن قد وضع عنّا وعن غيرنا مؤونة الخوض فيه، والتعنّي به، والتوفّر عليه، وتقديمه على ما هو أهمّ منه، أعني طلب القوت الّذي ليس إليه سبيل إلا ببيع الدّين، وإخلاق المروءة، وإراقة ماء الوجه، وكدّ البدن، وتجرّع الأسى، ومقاساة الحرفة، ومضّ الحرمان، والصّبر على ألوان وألوان، والله المستعان.
стр. 250
وقد كان هذا الباب يتنافس فيه أوان كان للخلافة بهجة، وللنّيابة عنها بهاء، وللدّيانة معتقد وللمروءة عاشق، وللخير منتهز، وللصّدق مؤثر، وللأدب شراة، وللبيان سوق، وللصّواب طالب، وفي العلم راغب، فأما اليوم واليد عنه مقبوضة، والذّيل دونه مشمّر، والمتحلّي بجماله مطرود، والمباهي بشرفه مبعد، فما يصنع به، ولله أمر هو بالغه.
وقال ابن دأب: قال لي ابن موسى: اجتمعنا عند عبد الملك بن مروان فقال:
أيّ الآداب أغلب على الناس؟ فقلنا فأكثرنا في كل نوع، فقال عبد الملك: ما الناس إلى شيء أحوج منهم إلى إقامة ألسنتهم التي بها يتعاورون القول، ويتعاطون البيان، ويتهادون الحكم، ويستخرجون غوامض العلم من مخابئها، ويجمعون ما تفرّق منها، إن الكلام فارق للحكم بين الخصوم، وضياء يجلو ظلم الأغاليط، وحاجة الناس إليه كحاجتهم إلى موادّ الأغذية.
وقد قال زهير:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللّحم والدّم
فقلنا: لم يقله زهير، إنما قاله زياد الأعجم، فقال: لا، قاله من هو أعظم تجربة وأنطق لسانا منه.
وقال أبو العيناء: سمعت العبّاس بن الحسن العلويّ يصف كلام رجل فقال:
كلامه سمح سهل، كأنّ بينه وبين القلوب نسب، وبينه وبين الحياة سبب، كأنّما هو تحفة قادم، ودواء مريض، وواسطة قلادة.
ورأيت أبا إسحاق الصابي وهو يعجب من فصل قرأه من كتاب ورد عليه، وهو: أشعر قلبك يأس مجاوز السّبيل، مقصّر عن الشّوط.
وقال ابن ذكوان: سمعت إبراهيم بن العبّاس الصّوليّ يقول: ما سمعت كلام محدثا أجزل في رقّة، ولا أصعب في سهولة، ولا أبلغ في إيجاز، من قول العبّاس بن الأحنف:
تعالي نجدّد دارس العهد بيننا ... كلانا على طول الجفاء ملوم
أناسية ما كان بيني وبينها ... وقاطعة حبل الصّفاء ظلوم
وفي الجملة، أحسن الكلام ما رقّ لفظه، ولطف معناه، وتلألأ رونقه، وقامت صورته بين نظم كأنّه نثر، ونثر كأنّه نظم، يطمع مشهوده بالسّمع، ويمتنع مقصوده على الطّبع، حتّى إذا رامه مريغ حلّق، وإذا حلّق أسفّ، أعني يبعد على المحاول بعنف، ويقرب من المتناول بلطف.
وما رأيت أحدا تناهى في وصف النّثر بجميع ما فيه وعليه غير قدامة بن جعفر
стр. 251
في المنزلة الثالثة من كتابه، قال لنا عليّ بن عيسى الوزير: عرض عليّ قدامة كتابه سنة عشرين وثلاثمائة، واختبرته فوجدته قد بالغ وأحسن، وتفرّد في وصف فنون البلاغة في المنزلة الثالثة بما لم يشركه فيه أحد من طريق اللّفظ والمعنى، ممّا يدلّ على المختار المجتبى والمعيب المجتنب. ولقد شاكه فيه الخليل بن أحمد في وضع العروض، ولكنّي وجدته هجين اللّفظ، ركيك البلاغة في وصف البلاغة، حتّى كأنّ ما يصفه ليس ما يعرفه، وكأنّ ما يدلّ به غير ما يدلّ عليه. والعرب تقول: فلان يدلّ ولا يدلّ، حكاه ابن الأعرابي، وهذا لا يكون إلا من غزارة العلم، وحسن التصوّر، وتوارد المعنى، ونقد الطّبع، وتصرّف القريحة. قال: ولولا أنّ الأمر على ما ذكرت لكان ذلك الطريق الّذي سلكه، والفنّ الّذي ملكه، والكنز الذي هجم عليه، والنّمط الذي ظفر به، قد برز في أحسن معرض، وتحلّى بألطف كلام، وماس في أطول ذيل، وسفر عن أحسن وجه، وطلّع من أقرب نفق، وحلّق في أبعد أفق.
وابن المراغيّ يقول كثيرا- وهو شيخ من جلّة العلماء، وله سهم واف في زمرة البلغاء-: ما أحسن معونة الكلمات القصار، المشتملة على الحكم الكبار، لمن كانت بلاغته في صناعته بالقلم واللّسان، فإنّها توافيه عند الحاجة، وتستصحب أخواتها على سهولة، وهكذا مصاريع أبيات الشّعر، فإنّها تختلط بالنّثر متقطّعة وموزونة، ومنتثرة ومنضودة.
قال لي ابن عبيد الكاتب: بلغني هذا الوصف عن هذا الشيخ، فبلوته بالتتبّع فوجدته على ما قال، وما أشبه ما ذكره إلّا بالصّرّة «١» المعدّة عند الإنسان، لما يحتاج إليه في الوقت المهمّ والأمر الملمّ، فهذا هذا.
فقال- أدام الله دولته، وكبت أعداءه-: قدّم هذا الباب فقد أتى على ما لم أظنّ أنه يؤتى عليه ويهتدى إليه- إذا شئت، وانصرفت.
стр. 252
الليلة السادسة والعشرون
ثم قال: وما أمثلة الكلمات القصار الّتي أومأ إليها ذلك الشّيخ؟
فكان من الجواب: إنّ هذا الباب واسع، نحو قول القائل: ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار. كلّ عزيز دخل تحت القدرة فهو ذليل. غنم من أدّبته الحكمة، وأحكمته التجربة. التضاين رائد التّباين. المرء ما عاش في تجريب.
الدهر يوم ويوم ... والعيش عذل ولوم
وأكثر أسباب النّجاح مع الياس
من لم يقدّمه حزم أخّره عجز. كم مستدرج بالإحسان إليه، ومغترّ باليسر عليه.
الحرب متلفة العباد مذهبة للطارف والتّلاد.
ليس المقلّ عن الزّمان براضي
من ضاق صدره اتّسع لسانه.
وحسبك داء أن تصحّ وتسلما
العيال سوس المال. ظمأ قامح خير من ريّ فاضح. احذروا نفاد النّعم، فما كلّ شارد مردود. خير الأمور أوساطها. يكفيك من شرّ سماعه. الكريم لا يلين على قسر، ولا يقتسر على يسر. ما أدرك النّمّام ثارا، ولا محا عارا.
ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
إن المطامع فقر والغنى الياس
والأمر تحقره وقد ينمي
ربّ كبير هاجه صغير
ذهب القضاء بحيلة الأقوام
وقد يستجهل الرّجل الحليم
وإذا مضى شيء كأن لم يفعل
من عرف بالحكمة لاحظته العيون بالهيبة. البطنة تذهب الفطنة، إنّ المقدرة
стр. 253
تذهب الحفيظة. من ثقل على صديقه خفّ على عدوّه. زيادة لسان على عقل خدعة، وزيادة عقل على منطق هجنة.
وحاجة من عاش لا تنقضي
من أطاع هواه، أعطى عدوّه مناه.
عند الشّدائد تذهب الأحقاد
احذر صرعات البغي وفلتات المزاح.
ومن يسأل الصّعلوك أين مذاهبه
«المرء يعجز لا المحالة»
ذلّ الطالب بقدر حاجته، إذا ازدحم الجواب خفي الصّواب. الكريم للكريم مجلّ. موت في قوّة وعزّ خير من حياة في ذلّ وعجز. عدل السلطان خير من خصب الزمان. من توقّى سلم، ومن تهوّر ندم، من أسرع إلى الناس بما يكرهون، قالوا فيه ما لا يعلمون. الضّرّ خير من الفاقة، عيّ صامت خير من عيّ ناطق. ربّما سوّد المال غير السّيّد، وقوّى غير الأبّد. وهل يدفع ريب المنيّة الحيل.
الموت حتم في رقاب العباد
كفى بالإقرار بالذّنب عذرا، وبرجاء العفو شافعا. قليل يوعى، خير من كثير ينسى، ليس على طول الخدم ندم، ومن وراء المرء ما لم يعلم. مروءتان ظاهرتان:
الرآسة والفصاحة. من أطال الأمل أساء العمل. لا تكلّف ما كفيت، ولا تضيّع ما وليت. احتمل من أدلّ عليك، واقبل ممّن اعتذر إليك.
إنّ الشّجاعة مقرون بها العطب ... إنّ الكرام على ما نابهم صبر
لو سكت من لا يعلم سقط الاختلاف. لا عذر في غدر. ليس من العدل سرعة العذل. أقبح عمل المقتدرين الانتقام. شرّ من الموت، ما يتمنّى له الموت. من جاع جشع. المكيدة في الحرب أبلغ من النّجدة. لك من دنياك، ما أصلح مثواك. من أحبّ أن يطاع، لا يسأل ما لا يستطاع، إذا غلبتك نفسك بما تظنّ، فأغلبها بما تستيقن. الرّدّ الجميل أحسن من المطل الطويل. القبر خير من الفقر. شفيع المذنب إقراره، وتوبته اعتذاره. صحبة الأشرار، تورث سوء الظّنّ بالأخيار، لا كثير مع تبذير، ولا قليل مع تقدير. من صان لسانه نجا من الشرّ كلّه.
ولربما نفع الفتى كذبه ... فمن يعدي إذا ظلم الأمير
стр. 254
إذا فزع الفؤاد فلا رقاد
ما العلم إلّا ما وعاه الصّدر
إنّ الكريم على الإخوان ذو المال
إنّ الفرار لا يزيد في الأجل
إنّ الشّفيق بسوء ظنّ مولع
لا تبل على أكمة، ولا تفش سرّك إلى أمة. إذا أقبلت الدّنيا على المرء أعارته محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه. في التّجارب علم مستأنف. قد خاطر من استغنى برأيه. عليك لأخيك مثل الذي عليه لك. الحق ظلّ ظليل. المودّة قرابة مستفادة. معدم وصول خير من مكثر جاف. من الفراغ تكون الصّبوة. من نال استطال. في تقلّب الأحوال علم جواهر الرجال. الشكر عصمة من النّقمة. اللّبّ مصباح العلم. من ركب العجلة، لم يأمن الكبوة. إزالة الرّواسي، أيسر من تأليف القلوب.
قارب الناس في عقولهم تسلم من غوائلهم، وترتع في حدائقهم. عاشر أخاك بالحسنى.
الحسد أهلك الجسد. خذ على خلائقك ميثاق الصّبر. خير ما رمت ما ينال.
كلّ امرئ في شأنه ساعي
قد يدرك المتأنّي بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزّلل
غمّ الفقير لا يكشفه إلّا الموت. خفّة الظّهر أحد اليسارين. أصول الأسقام من فضول الطعام. طلاق الدنيا مهر الجنّة. من عزّ النفس إيثار القناعة، التواضع بالغنيّ أجمل، والكبر بالفقير أسمج. من استعان بغير الله لم يزل مخذولا. من لم يقبل من الدّهر ما آتاه طال عتبه على الدهر. عجب المرء بنفسه أحد حسّاد عقله. العجز والتّواني ينتجان الفاقة. إن صبرت صبر الأحرار، وإلّا سلوت سلوّ الأغمار. العلم بالعمل ينمو. معاشرة الإخوان تجلو البصر، وتطرد الفكر. لا توحشك الغربة ما أنست بالكفاية، فإنّ الفقر أوحش من الغربة. الغنى أنس في غير الوطن. الغنيّ في الغربة موصول، والفقير في الأهل مصروم. أوحش قرينك إذا كان في إيحاشه أنسك.
إذا أيسرت فكلّ أهل أهلك، وإن أعسرت فأنت غريب في قومك. من أخلاق الصّبيان، إلف الأوطان، والحنين إلى الإخوان. من لم يأنف، لم يشرف، خير المودّة ما لم تكن حذار عادية، ولا رجاء فائدة. من حمل الأمور على القضاء استراح في الإقبال والإدبار حتّى ينتهيا. لو استحسن الناس ما أمر به العقل استقبحوا ما نهى عنه العقل. أقدر الناس على الجواب من لا يغضب. الكلام في وقت السكوت عيّ، والسكوت في وقت الكلام خرس. الهمّ يهدم البدن، وينغّص العيش، ويقرّب الأجل.
الموت رقيب غير غافل. المرء نهب الحوادث. إذا تمّ العقل نقص الكلام. هب ما
стр. 255
أنكرت لما عرفت، واغفر ما أغضبك لما أرضاك. اليأس إحدى الرّاحتين. المطل أحد العذابين. الكظم مرّ، ولا يتجرّعه إلّا حرّ. الرأي لا يصلح إلا بالشّركة، والملك لا يصلح إلّا بالتفرّد. من كبر عنصره، حسن محضره.
ولربّ مطمعة تعود رياحا
والحمد لا يشترى إلا بأثمان
ولكنّ نكء القرح بالقرح أوجع
من أزهر بقول، حقيق أن يثمر بفعل. السّلام أرخى للبال، وأبقى لنفوس الرّجال. حسبك من عقلك ما أوضح غيّك من رشدك. التسويف بطاعة الله اغترار، وحياة المرء كالشيء المعار. من بذل بعض عنايته لك، فاجعل جميع شكرك له.
وللحرّ من مال الكريم نصيب
اليوم فعل، وغدا ثواب.
الخير مختار شهيّ المطّلب ... والشرّ محذور كريه مجتنب
ربّ سكوت من كلام أبلغ ... وربّ قول من عمود أدمغ
من سلم الناس على لسانه ... أصبح منصورا على سلطانه
من القليل يجمع الكثير ... ربّ صغير قدره كبير
من باع من يفنى بما يبقى غنم ... وآثر الدنيا على الأخرى ندم
قد يحرم الراجي ويعطى القانط ... ويبعد الأدنى ويدنى الشاحط
من لم ينلك البرّ في حياته ... لم تبك عيناك على وفاته
المال ما تنفق لا ما تجمعه ... والزرع ما تحصد لا ما تزرعه
يا ربّ هزل كان منه الجدّ ... وربّ مزح كان منه الحقد
البحر مستغن عن الفرات
فقال- أدام الله أيامه-: هذا فنّ موف على الغاية.
стр. 256
الليلة السابعة والعشرون
وقال- أدام الله أيّامه- في ليلة أخرى: كنت أحبّ أن أسمع كلاما في كنه الاتّفاق وحقيقته، فإنّه مما يحار العقل فيه، ويزلّ حزم الحازم معه، وأحبّ أيضا أن أسمع حديثا غريبا فيه، فكان الجواب: إن الرواية في هذا الباب أكثر وأفشى من الاطلاع على سرّه، والظفر بمكنونه، فقال: هات ما يتعلّق بالرواية.
قلت: حكى لنا أبو سليمان في هذه الأيام أنّ ثيودسيوس ملك يونان كتب إلى إيبقس الشاعر أن يزوّده بما عنده من كتب فلسفيّة، فجمع ماله في عيبة ضخمة، وارتحل قاصدا نحوه، فلقى في تلك البادية قوما من قطّاع الطريق، فطعموا في ماله وهمّوا بقتله، فناشدهم الله ألّا يقتلوه وأن يأخذوا ماله ويخلّوه، فأبوا، فتحيّر ونظر يمينا وشمالا يلتمس معينا وناصرا فلم يجد، فرفع رأسه إلى السماء، ومدّ طرفه في الهواء، فرأى كراكيّ تطير في الجوّ محلّقة، فصاح: أيتها الكراكيّ الطائرة، قد أعجزني المعين والناصر، فكوني الطالبة بدمي، والآخذة بثأري. فضحك اللّصوص، وقال بعضهم لبعض: هذا أنقص الناس عقلا، ومن لا عقل له لا جناح في قتله، ثمّ قتلوه وأخذوا ماله واقتسموه وعادوا إلى أماكنهم، فلمّا اتّصل الحديث بأهل مدينته حزنوا وأعظموا ذلك، وتبعوا أثر قاتله واجتهدوا فلم يغنوا شيئا ولم يقفوا على شيء، وحضر اليونانيون وأهل مدينته إلى هيكلهم لقراءة التسابيح والمذاكرة بالحكمة والعظة، وحضر الناس من كلّ قطر وأوب، وجاء القتلة واختلطوا بالجمع، وجلسوا عند بعض أساطين الهيكل، فهم على ذلك إذ مرّت بهم كراكيّ تتناغى وتصيح، فرفع اللصوص أعينهم ووجوههم إلى الهواء ينظرون ما فيه فإذا كراكيّ تصيح وتطير، وتسدّ الجوّ، فتضاحكوا، وقال بعضهم لبعض: هؤلاء طالبو دم إيبقس الجاهل- على طريق الاستهزاء- فسمع كلامهم بعض من كان قريبا منهم فأخبر السلطان فأخذهم وشدّد عليهم، وطالبهم فأقرّوا بقتله، فقتلهم، فكانت الكراكيّ المطالبة بدمه، لو كانوا يعقلون أنّ الطالب لهم بالمرصاد.
وقال لنا أبو سليمان: إن إيبقس وإن كان خاطب الكراكيّ فإنّه أشار به إلى ربّ الكراكيّ وخالقها، ولم يطلّ الله دمه ولا سدّ عنه باب إجابته، فسبحانه كيف يهيّئ الأسباب، ويفتح الأبواب، ويرفع الحجاب بعد الحجاب.
стр. 257
فقال: هذا عجب.
قلت: قال لنا أبو سليمان: كلّ ما جهل سببه من ناحية الحسّ بالعادة، ومن ناحية الطبيعة بالإمكان، ومن ناحية النفس بالتهيئة، ومن ناحية العقل بالتّجويز، ومن ناحية الإله بالتّوفيق فهو معجوب منه، معجوز عنه، مسلّم لمن له القدرة المحيطة، والمشيئة النافذة، والحكمة البالغة، والإحسان السابق.
ولقد حكى أبو الحسن الفرضيّ في أمر الاتفاق شيئا ظريفا عن بعض إخوانه قال: خرجنا إلى بعض المتنزّهات ومعنا جرّ نصيد به السّمانى، وكنّا جماعة، فقال حدث كان معنا- وكان أصغرنا سنّا-: أنتم تصيدون بجرّ «١» ، وأنا أصيد بيدي، يقول ذلك على جهة المزح، فرمى بعد قليل فاتّفق له أن أثار سمانى، فأسرع إليه ونحن لا نعلم أنّه أخذ شيئا، فقلنا له على طريق العبث: احذر الخنزير- من غير أن نكون رأينا خنزيرا- فالتفت فزعا وفرّ مولّيا، فاتّفق له أن رأى خنزيرا منه غير بعيد، فأقبل إلينا مسرعا هاربا من الخنزير والسّماني بيده وقد صاده.
وكنت في البادية في صفر سنة أربع وخمسين منصرفا من الحج ومعي جماعة من الصّوفية، فلحقنا جهد من عوز القوت وتعذّر ما يمسك الرّوح في حديث طويل- إلا أنّا وصلنا من زبالة «٢» - بالحيلة اللّطيفة منّا، والصّنع الجميل من الله تعالى- إلى شيء من الدقيق، فانتعشت أنفسنا به، وغنمناه، ورأيناه نفحة من نفحات الله تعالى الكريم، فجعلناه زادنا، وسرنا، فلما بلغنا المنزل قعدنا لنمارس ذلك الدقيق، ولقطنا البعر ودقاق الحطب، فلما أجمعنا على العجن والملك «٣» لم نجد الحراق- وكان عندنا أنّه معنا، وأنّنا قد استظهرناه- فدخلتنا حيرة شديدة، وركبنا غمّ غالب، وسففنا من ذلك الدقيق شيئا، فما ساغ ولا قبلته الطبيعة، وبتنا ليلتنا طاوين ساهرين، قد علانا الكمد، وملكنا الوجوم والأسف، فقال بعضنا: هذا لمّا وجدنا الدقيق؟! وأصبحنا وركبنا قد استرخت، وعيوننا غارت، وأحدنا لا يحدّث صاحبه غمّا وكربا. وعدنا إلى ما كنّا فيه قبل بزيادة حسرة من النّظر إلى الدقيق، وقال صاحب لنا: نرمي بجراب الدّقيق حتّى نلقي حمله وثقله في طول هذا الطريق، فقلنا: ليس هذا بصواب، وما يضرّنا أن يكون معنا، فلعلّنا أن نرى ركبا أو نلقى حطبا. وكانت البادية خالية في ذلك الوقت، لرعب لحق قوما من بني كلاب من جهة أعدائهم، فلم يكن يجتاز بها في ذلك الوقت غريب. وبقينا كذلك إلى اليوم الثّالث، ونحن نلاحق ونجاهد في المشي،
стр. 258
فلمّا كان العصر من ذلك اليوم كنت أسير أمام القوم أجرّئهم وأسألهم، وكنت كالحاطب لهم: «إذا عثرنا بحراق وظفرنا بفتيلة» ، فوجدوا خرقة ملفوفة فيها حراق، فهللوا وكبّروا، ورفعوا أصواتهم، فقلت كالمتعجّب: ما الخبر؟ قالوا: البشرى، قلت: وما ذاك؟ قالوا: هذه خرقة ملئت حراقا، فلا تسل عمّا دهانا من الفرح والاستبشار، وثاب إلينا من السّرور والارتياح، وزال عنّا من الانخذال والانكسار، وقعدنا في مكاننا ذلك، ولقطنا البعر، وأثرنا الوقود، وأجّجنا نارا عظيمة، وملكنا الدّقيق كلّه ملكة واحدة وكان أربعين رطلا، وكان ذلك بلاغنا إلى القادسيّة، فلما دنونا منها تلقّانا بشر من أهلها، وقالوا لنا: كيف سلمتم في هذه الطريق مع العوز والخوف؟ فقلنا: لطف الله يقرّب كلّ بعيد، ويسهّل كلّ شديد، ويصنع للضعيف حتّى يتعجّب القويّ.
وليس أحد من خلق الله يجحد هذا القول، وينكر هذا الفضل، ويرجع إلى دين وثيق أو واه إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ
[البقرة: ٢٤٣] .
وحدّثني أبو الحسن عليّ بن هارون الزّنجانيّ القاضي صاحب المذهب قال:
اصطحب رجلان في بعض الطّرق مسافرين: مجوسيّ من أهل الرّيّ، والآخر يهوديّ من أرض جيّ «١» ، وكان المجوسيّ راكبا بغلة له عليها سفرة من الزّاد والنفقة وغير ذلك، وهو يسير مرفّها وادعا، واليهوديّ يمشي بلا زاد ولا نفقة، فبينا هما يتحادثان إذ قال المجوسيّ لليهوديّ: ما مذهبك وعقيدتك يا فلان؟ قال اليهوديّ: أعتقد أنّ في هذه السماء إلها هو إلّه بني إسرائيل، وأنا أعبده وأقدّسه وأضرع إليه، وأطلب فضل ما عنده من الرزق الواسع والعمر الطويل، مع صحّة البدن، والسّلامة من كلّ آفة، والنّصرة على عدوّي، وأسأله الخير لنفسي ولمن يوافقني في ديني ومذهبي، فلا أعبأ بمن يخالفني، بل أعتقد أنّ من يخالفني دمه لي يحلّ، وحرام عليّ نصرته ونصيحته والرحمة به. ثم قال للمجوسيّ: قد أخبرتك بمذهبي وعقيدتي وما اشتمل عليه ضميري، فخبّرني أنت أيضا عن شأنك وعقيدتك وما تدين به ربّك؟ فقال المجوسيّ:
أمّا عقيدتي ورأيي فهو أني أريد الخير لنفسي وأبناء جنسي، ولا أريد لأحد من عباد الله سوءا، ولا أتمنّى له ضرّا، لا لموافقي، ولا لمخالفي. فقال اليهوديّ: وإن ظلمك وتعدّى عليك؟ قال: نعم، لأني أعلم أنّ في هذه السماء إلها خبيرا عالما حكيما لا تخفى عليه خافية من شيء، وهو يجزي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. فقال اليهوديّ: يا فلان، لست أراك تنصر مذهبك وتحقّق رأيك. قال المجوسيّ: كيف ذاك؟ قال: لأني من أبناء جنسك، وبشر مثلك، وتراني أمشي جائعا نصبا مجهودا، وأنت راكب وادع مرفّه شبعان. فقال: صدقت، وماذا تبغي؟ قال:
أطعمني من زادك، واحملني ساعة، فقد كللت وضعفت. قال: نعم وكرامة. فنزل
стр. 259
ومدّ من سفرته وأطعمه وأشبعه، ثم أركبه، ومشى ساعة يحدّثه، فلمّا ملك اليهوديّ البغلة وعلم أنّ المجوسيّ قد أعيا، حرّك البغلة وسبقه، وجعل المجوسيّ يمشي ولا يلحقه، فناداه: يا فلان، قف لي وانزل، فقد انحسرت وانبهرت. فقال اليهوديّ: ألم أخبّرك عن مذهبي وخبّرتني عن مذهبك، ونصرته وحقّقته؟ فأنا أريد أيضا أن أحقّق مذهبي وأنصر رأي واعتقادي. وجعل يحرّك البغلة، والمجوسيّ يقفوه على ظلع وينادي: قف يا هذا واحملني، ولا تتركني في هذا الموضع فيأكلني السّبع وأموت ضياعا، وارحمني كما رحمتك. واليهوديّ لا يلوي على ندائه واستغاثته، حتّى غاب عن بصره، فلمّا يئس المجوسيّ منه وأشفى على الهلكة، ذكر اعتقاده وما وصف به ربّه، فرفع طرفه إلى السماء وقال: إلهي قد علمت أني اعتقدت مذهبا ونصرته، ووصفتك بما أنت أهله، وقد سمعت وعلمت، فحقّق عند هذا الباغي عليّ ما مجّدتك به، ليعلم حقيقة ما قلت. فما مشى المجوسيّ إلّا قليلا حتّى رأى اليهوديّ وقد رمت به البغلة، واندقّت عنقه، وهي واقفة ناحية منه تنتظر صاحبها، فلمّا أدرك المجوسيّ بغلته ركبها ومضى لسبيله، وترك اليهوديّ معالجا لكرب الموت، فناداه اليهوديّ: يا فلان، ارحمني واحملني ولا تتركني في هذه البريّة أهلك جوعا وعطشا، وانصر مذهبك، وحقّق اعتقادك. قال المجوسيّ: قد فعلت ذلك مرّتين، ولكنّك لم تفهم ما قلت لك ولم تعقل ما وصفت. فقال اليهوديّ: وكيف ذلك؟ قال: لأني وصفت لك مذهبي في قولي، حتّى حقّقته بفعلي، وذاك أني قلت: إن في هذه السماء إلها خبيرا عادلا لا يخفى عليه شيء، وهو وليّ جزاء المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. قال اليهوديّ: قد فهمت ما قلت، وعلمت ما وصفت. قال المجوسيّ: فما الذي منعك من أن تتّعظ بما سمعت؟ قال اليهوديّ: اعتقاد نشأت عليه، ومذهب تربّيت به، وصار مألوفا معتادا كالجبلّة بطول الدّأب فيه، واستعمال أبنيته، اقتداء بالآباء والأجداد والمعلّمين من أهل ديني ومن أهل مذهبي، وقد صار ذلك كالأسّ الثابت، والأصل النابت، ويصعب ما هذا وصفه أن يترك ويرفض ويزال. فرحمه المجوسيّ، وحمله معه حتّى وافى المدينة، وسلّمه إلى أوليائه محطّما موجعا، وحدّث الناس بحديثه وقصّته، فكانوا يتعجّبون من شأنهما زمانا طويلا.
وقال بعض النّاس للمجوسيّ بعد: كيف رحمته بعد خيانته لك، وبعد إحسانك إليه؟ قال المجوسيّ: اعتذر بحاله التي نشأ فيها، ودأب عمره في اعتقادها، وسعى لها واعتادها، وعلمت أنّ هذا شديد الزّوال عنه، وصدّقته ورحمته، وهذا مني شكر على صنع الله بي حين دعوته عندما دهاني منه، وبالرّحمة الأولى أعانني ربي، وبالرّحمة الثانية شكرته على ما صنع بي.
هذا كلّه سردناه لسبب الأمر الذي يبدو من غير جنان، والعارض الذي يبرز من غير توهّم.
стр. 260
وأبو سليمان يقول: الأمور مقسومة على الحدود الطبيعيّة والقوى النفسيّة والبسائط العقليّة والغرائب الإلهيّة، فبالواجب، ما كان هاهنا مألوف له نسبة إلى الطبيعة، ونادر له نسبة إلى النفس، وبديع له نسبة إلى العقل، وغريب له نسبة إلى الإله، والفلتات في الأحوال من هذا القبيل، أعني ما يتخلّل هذه المراتب.
فقال له البخاريّ: أيقال لما يصدر عن الإله فلتة؟
قال: بحسب مصيره إلينا، ووصوله إلى عالمنا، لا بحسب صدوره عن الباري، فليس هناك هذا ولا ما يشبه، لأنّ هذه السّمات لحقت المركّبات، من الأوائل المزدوجات، والثّواني المكرّرات، والثوالث المحقّقات، والرّوابع المتمّمات، والخوامس المدبّرات، والسوادس المضاعفات، والسوابع الظّاهرات، والثوامن المعقّبات، والتواسع العاليات، والعواشر الكاملات، وما بعد العواشر داخل في المكرّرات.
قال له البخاريّ مستزيدا: أكان التّوفيق من الاتفاق؟
فقال: هما يتوحّدان من وجه، ويفترقان من وجه، فوجه توحّدهما أنّ الاتّفاق وليد التوفيق، والتّوفيق غاية الاتّفاق، ووجه افتراقهما أنّ الاتّفاق يبرز إلى الحسّ، وأصحابه يشتركون في التعجّب منه، والاستطراف له، والتّوفيق يستر عن الحسّ، ولهذا لا تسلك مسالكه. وأما الوفاق والموافقة والتوفيق والاتّفاق فمتلابسة المعاني، ولمّا لم يكن بين المعنى والمعنى مسافة محصّلة حسب هذا في حيّز هذا، وعدّ هذا في جملة هذا.
وقال- أبقاه الله وأدام أيّامه-: ما اليمن والبركة؟ والفأل والطّيرة وأضدادها؟
فكان الجواب: إنّ اليمن عبارة عن شيء يبشّر به ويبتغى ويراد، ويقال: فلان ميمون الناصية، وميسور الناصية، أي هو سبب ظاهر في نيل مأمول وإدراك محبوب، واشتقاقه في اليمين، وهو القوّة، ولذلك يقال لليسار: شمال، لأنّها أضعف منها، وتسمّى أيضا: الشّؤمى. ويقال: يمن فلان عليهم، وشؤم، وهو ميمون ومشئوم، جعل الفعل على طريق ما لم يسمّ فاعله، لأنّه شيء موصول به من غير إرادته واختياره. وإنما نزعوا إلى قولهم: فلان مشئوم ليكون الفعل واقعا به- أعني المكروه- وإلّا فهو شائم في الأصل. ويقال: شأم فلان قومه، وكذلك يمنهم، وكأنّهما قوّتان علويّتان تصحبان مزاجين مختلفين، وإذا اعتيد منهما هذان العرضان اللذان يصدران عن هاتين القوّتين العلويّتين، قيل: فلان كذا، وفلان كذا.
وأما البركة فهي النّماء والزّيادة والرّيع، من حيث لا يوجد بالحسّ ظاهرا مكشوفا يشار إليه، فإذا عهد من الشيء هذا المعنى خافيا عن الحسّ قيل: هذه بركة، واشتقاقها من البروك، وهو اللّزوم والسّعة، ومن ذلك: البركة. والبركة
стр. 261
يوصف بها كلّ شيء، وليس لضدّها اسم مشهور، لذلك يقال: قليل البركة.
وأما الفأل ففسّر بأنّه جريان الذّكر الجميل على اللّسان معزولا عن القصد، إمّا من القائل، وإمّا من السامع. وقد سمع النبيّ- ﷺ لمّا نزل المدينة على أبي أيّوب الأنصاريّ- أبا أيّوب يقول لغلام له: يا سالم يا غانم. فقال لأبي بكر: «سلمت لنا الدّار في غنم إن شاء الله» . وهذا مشهور بين النّاس.
وضدّه الطّيرة والإشعار. ويروى أنّه نهى عن الطّيرة، وكان يحبّ الفأل ﷺ ، وليس لهما علل راتبة، ولا أسباب موجبة، ولا أوائل معروفة، ولهذا كره الإفراط في التّطيّر والتّعويل على الفأل، لأنّهما أمران يصحّان ويبطلان، والأقلّ منهما لا يميّز من الأكثر، وللمزاج من الإنسان فيهما أثر غالب، والعادة أيضا تعين، والولوع يزيد، والتحفّظ مما هذا شأنه شديد، ولقد غلب هذا حتى قيل: فلان مدوّر الكعب، وفلان مشئوم، وحتّى تعدّى هذا إلى الدّابة والدار والعبد، وكلّ هذا ظهر في هذه الدار حتّى لا يكون للعبد طمأنينة إلّا بالله، ولا سكون إلّا مع الله، ولا مطلوب إلا من الله، ولهذا- يطلع الخوف من ثنية الأمن، ويسوق الأمن من ناحية الخوف، ويبعث النّصر وقد وقع اليأس، ويأتي بالفرج وقد اشتدّ البأس. وأفعال الله تعالى خفيّة المطالع، جليّة المواقع، مطويّة المنافع، لأنّها تسري بين الغيب الإلهي، والعيان الإنسيّ، وكلّ ذلك ليصحّ التوكّل عليه، والتسليم له، واللّياذ به، ويعرّج على كنف ملكه، ويتبوّأ معان خلده، وينال ما عنده بطاعته وعبادته.
فقال الوزير- كبت الله أعداه، وبلّغه مناه-: هذا كلام ليس عليه كلام، أرى النّعاس يخطب إلى عينيّ حاجته، وإذا شئت فاجمع لي فقرا من هذا الضّرب الذي مرّ من حديث الطّيرة والفأل والاتّفاق.
стр. 262
الليلة الثامنة والعشرون
وعدت ليلة أخرى وقرأت عليه أشياء من هذا الفنّ.
منها: عقد هشام بن عبد الملك لسعيد بن عمرو الجرشيّ أيّام التّرك، فقال سعيد: يا فتح، يا نصر، خذا اللّواء. فقام هشام: أعمدا قلت هذا؟ قال: لا، ولكنّهما غلاماي دعوتهما. قال هشام: هو الفتح والنّصر إن شاء الله. وكان ذلك كذاك.
وكان عمر بن الخطّاب- ﵁ يعرض، فمرّ به حيّة بن نكّاز، فقال:
لا حاجة لنا في هذا، هذا حيّة وأبوه ينكز.
ورمى رجل الجمار، فأصاب صلعة عمر بحصاة فشجّه. فقال رجل: أشعرت يا أمير المؤمنين لا يقوم عمر هذا المقام أبدا. فكان ذلك كذلك.
وخرج رجل ينظر الحسن بن علي- صلوات الله عليه- فلقي رجلا، فقال له:
ما اسمك؟ قال: عقال. قال: ابن من؟ قال ابن عقيل. قال: من بني من؟ قال: من بني عقيل. قال عقلته عقلك الله.
هذا الجزء أيّها الشيخ- أبقاك الله ما تمنّيت البقاء- هو الجزء الثاني، والثالث يتلوه، والظّنّ الجميل بك، يعدنا بالحسنى منك، وقد علمت الغرض في جمع هذا كلّه والتعب فيه، وأرجو ألّا يخيب الأمل، ولا يبور العمل، وإن كان ذلك لا يخلو من بعض الخلل والزّلل. فإذا أخذت بحكم الفضل الذي هو عادتك وديدنك مع الصغير والكبير، والقريب والبعيد، فاز قدحي، وصدق نوئي، وصحّ زجري وفألي.
حرس الله نفسك، وصان نعمتك، وكبت كلّ عدوّ لك.
стр. 263
الجزء الثالث
تأليف أبي حيّان التوحيدي وهو مجموع مسامرات في فنون شتّى حاضر بها الوزير أبا عبد الله العارض في عدّة ليال اعتنى به وراجعه هيثم خليفة الطعيمي الجزء الثالث المكتبة العصريّة صيدا- بيروت
стр. 264
[مقدمة الجزء الثالث]
بسم اللَّه الرحمن الرحيم أيها الشيخ وصل الله قولك بالصواب، وفعلك بالتّوفيق، وجعل أحوالك كلّها منظومة بالصلاح، راجعة إلى حميد العاقبة، متألّفة بشوارد السّرور، ووفّر حظّك من المدح والثناء، فإنّهما ألذّ من الشّهد والسّلوى، ومدّ في عمرك لكسب الخير، واستدامة النّعمة بالشّكر، وجعل تلذّذك باصطناع المعروف، وعرّفك عواقب الإحسان إلى المستحقّ وغير المستحق، حتّى تكلف ببثّ الجميل، وتشغف بنشر الأيادي، وحتى تجد طعم الثناء، وتطرب عليه طرب النّشوان على بديع الغناء. لا طرب البردانيّ على غناء علوة جارية ابن علويه في درب السلق إذا رفعت عقيرتها فغنّت بأبيات السّرويّ:
بالورد في وجنتيك من لطمك ... ومن سقاك المدام لم ظلمك؟
خلّاك لا تستفيق من سكر ... توسع شتما وجفوة خدمك
معقرب الصّدغ قد ثملت فما ... يمنع من لثم عاشقيك فمك؟
تجرّ فضل الإزار منخرق النّ ... علين قد لوّث الثرى قدمك
أظلّ من حيرة ومن دهش ... أقول لما رأيت مبتسمك
بالله يا أقحوان مضحكه ... على قضيب العقيق من نظمك؟
ولا طرب ابن فهم الصّوفيّ على غناء «نهاية» جارية ابن المغنّى إذا اندفعت بشدوها:
أستودع الله في بغداد لي قمرا ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
ودّعته وبودّي لو يودّعني ... صفو الحياة وأنّي لا أودّعه
فإنه إذا سمع هذا منها ضرب بنفسه الأرض، وتمرّغ في التراب وهاج وأزبد، وتعفّر شعره، وهات من رجالك من يضبطه ويمسكه، ومن يجسر على الدنو منه، فإنه يعضّ بنابه، ويخمش بظفره، ويركل برجله ويخرّق المرقّعة قطعة قطعة، ويلطم وجهه ألف لطمة في ساعة، ويخرج في العباءة كأنه عبد الرزاق المجنون صاحب الكيل في جيرانك بباب الطاق.
ولا طرب ابن غيلان البزاز على ترجيعات «بلّور» جارية ابن اليزيدي المؤلّف
стр. 265
بين الأكباد المحرقة، والمحسن إلى القلوب المتصدّعة والعيون الباكية إذا غنّت.
أعط الشّباب نصيبه ... ما دمت تعذر بالشّباب
وانعم بأيام الصّبى ... واخلع عذارك في التّصابي
فإنه إذا سمع هذا منها انقلبت حماليق عينيه، وسقط مغشيا عليه، وهات الكافور وماء الورد، ومن يقرأ في أذنه آية الكرسيّ والمعوّذتين، ويرقى بهيا شراهيا «١» .
ولا طرب أبي الوزير الصوفيّ القاطن في دار القطان عند جامع المدينة على «قلم القضيبية» إذا تناوأت في استهلالها، وتضاجرت على ضجرتها، وتذكّرت شجوها الذي قد أضناها وأنضاها، وسلبها منها وأنساها إياها. ثم اندفعت وغنّت بصوتها المعروف بها.
أقول لها والصبح قد لاح نوره ... كما لاح ضوء البارق المتألّق
شبيهك قد وافى وحان افتراقنا ... فهل لك في صوت ورطل مروّق
فقالت حياتي في الذي قد ذكرته ... وإن كنت قد نغّصته بالتفرّق
ولا طرب الجراحى أبي الحسن مع قضائه في الكرخ وردائه المحشّى، وكمّيه المفدّرين ووجنتيه المتخلّجتين، وكلامه الفخم، وإطراقه الدائم، فإنّه يغمز بالحاجب إذا رأى مرطا، وأمّل أن يقبّل خدّا وقرطا، على غناء شعلة:
لابدّ للمشتاق من ذكر الوطن ... واليأس والسّلوة من بعد الحزن
وقيامته تقوم إذا سمعها ترجّع في لحنها.
لو أنّ ما تبتليني الحادثات به ... يلقى على الماء لم يشرب من الكدر
فهناك ترى شيبة قد ابتلّت بالدموع، وفؤادا قد نزا إلى اللهاة، مع أسف قد ثقب القلب، وأوهن الرّوح، وجاب «٢» الصّخر، وأذاب الحديد، وهناك ترى والله أحداق الحاضرين باهتة، ودموعهم متحدّرة، وشهيقهم قد علا رحمة له، ورقّة عليه، ومساعدة لحاله، وهذه صورة إذا استولت على أهل مجلس وجدت لها عدوى لا تملك، وغاية لا تدرك، لأنّه قلّما يخلو إنسان من صبوة أو صبابة، أو حسرة على فائت، أو فكر في متمنّى، أو خوف من قطيعة، أو رجاء لمنتظر، أو حزن على حال، وهذه أحوال معروفة، والناس منها على جديلة «٣» معهودة.
стр. 266
ولا طرب ابن غسّان البصريّ المتطبّب إذا سمع ابن الرّفاء يغنّي:
وحياة من أهوى فإني لم أكن ... أبدا لأحلف كاذبا بحياته
لأخالفنّ عواذلي في لذّتي ... ولأسعدنّ أخي على لذّاته
وابن غسّان هذا مليح الأدب، وهو الذي يقول في ابن نصر العامل- وقد عالجه من علّة فلم يتفقّده ولم يقض حقّه-:
هب الشّعراء تعطيهم رقاعا ... مزوّرة كلاما عن كلام
فلم صلة الطّبيب تكون زورا ... وقد أهدى الشفاء من السّقام
عجبت لمن نمته أرض لؤم ... وبخل لم يعدّ من الكرام
نسبت إلى السماجة لا لشيء ... سوى نقصان لؤمك في اللئام
عنى بها أنه من أصبهان «١» ، وكان آخر حديث ابن غسان ما عرفته، فإنه غرّق نفسه في كرداب «٢» كلواذي، وذلك لأسباب تجمّعت عليه من صفر اليد، وسوء الحال، وجرب أكل بدنه، وعشق أحرق كبده على غلام (الآمديّ الحلاويّ) بباب الطاق، وحيرة عزب معها عقله، وخذله رأيه، وملكه حينه، ونسأل الله حسن العقبى بدرك المنى، وليس للإنسان من أمره شيء، وما هو آئض «٣» إليه فهو مملوك عليه، يصرّفه فيما يصرّف فيظنّ أنه أتى من قبله، ولعمري من غلّط غلط، ومن غولط غالط، والكلام في هذا غاشّ والإغراق فيه موسوس، والإعراض عنه أجلب للأنس، وما أحسن ما قال القائل:
إذا استعفيت من أسر اللّيالي ... تصرّفني فأسري في خلاصي
ولولا طيش القلم وتشعب الخاطر، وشرود الرأي، ما عثرت بهذا الموضع ولا علقت بهذا الحبل، نعم.
ولا طرب ابن نباتة الشاعر على صوت الخاطف إذا غنّت.
تلتهب الكفّ من تلهّبها ... وتحسر العين إن تقصّاها
كأنّ نارا بها محرّثة ... تهابها مرّة وتغشاها
نأخذها تارة وتأخذنا ... فنحن فرسانها وصرعاها
стр. 267
ولا طرب ابن العوذيّ إذا سمع غناء ترف الصابئة في صوتها، عند نشاطها ومرحها، وهواها حاضر، وطرفها إليه ناظر:
لبّ الهوى كلّما دعاكا ... ولاح في الحبّ من لحاكا
من لام في الحبّ أو نهاكا ... فزده في غيّك انهماكا
إن لم تكن في الهوى كذاكا ... نال لذّاته سواكا
ولا طرب المعلّم غلام الحصريّ شيخ الصّوفية إذا سمع ابن بهلول يغني في رحبة المسجد بعد الجمعة وقد خفّ الزحام:
وقال لي العذول تسلّ عنها ... فقلت له: أتدري ما تقول؟
هي النفس التي لابدّ منها ... فكيف أزول عنها أو أحول؟
ولا طرب ابن الغازي على جارية العمّيّ في مجلسها الغاصّ بنبلاء الناس بين السّورين «١» :
يلحى، ولو أرّقه ميعاد ... أو راعه الإعراض والإبعاد
أو هرّه الأعداء والحسّاد ... أو سلقته الألسن الحداد
ما لام من ليس له فؤاد
ولا طرب ابن صبر القاضي قبل القضاء على غناء درّة جارية أبي بكر الجرّاحيّ في درب الزعفرانيّ التي لا تقعد في السّنة إلّا في رجب، إذا غنّت:
لست أنسى تلك الزّيارة لمّا ... طرقتنا وأقبلت تتثنّى
طرقت ظبية الرّصافة ليلا ... فهي أحلى من جسّ عودا وغنّى
كم ليال بتنا نلذّ ولهو ... ونسقّى شرابنا ونغنّى
هجرتنا فما إليها سبيل ... غير أنّا نقول: كانت وكنّا
وإذا بلغت «كانت وكنّا» رأيت الجيب مشقوقا، والذّيل مخروقا، والدّمع منهملا، والبال منخذلا، ومكتوم السّرّ في الهوى باديا، ودليل العشق على صاحبه مناديا.
ولا طرب ابن حجّاج الشاعر على غناء قنوة البصرية، وهي جارته وعشيقته، وله معها أحاديث، ومع زوجها أعاجيب، وهناك مكايدات، ورمي ومعايرات، وإفشاء نكات، إذا أنشدت:
يا ليتني أحيا بقربهمو ... فإذا فقدتهم انقضى عمري
стр. 268
ثم ثنّت بصوتها الآخر:
هبيني امرأ إمّا بريئا ظلمته ... وإمّا مسيئا تاب بعد فأعتبا
فكنت كذي داء تبغّى لدائه ... طبيبا فلما لم يجده تطبّبا
ولا طرب ابن معروف قاضي القضاة على غناء عليّة إذا رجّعت لحنها في حلقها الحلو الشّجي بشعر ابن أبي ربيعة:
أنيري مكان البدر إن أفل البدر ... وقومي مقام الشّمس ما استأخر الفجر
ففيك من الشّمس المنيرة نورها ... وليس لها منك المحاجر والثّغر
ولا طرب ابن إسحاق الطبريّ على صوت درّة البصريّة إذا غنّت:
يا ذا الذي زار وما زارا ... كأنّه مقتبس نارا
قام بباب الدار من زهوه ... ما ضرّه لو دخل الدارا
لو دخل الدار فكلّمته ... بحاجتي ما دخل النّارا
نفسي فداه اليوم من زائر ... ما حلّ حتى قيل قد سارا
ولا طرب ابن الأزرق الجرجرائيّ على غناء سندس جارية ابن يوسف صاحب ديوان السّواد إذا تشاجت وتدلّلت، وتفتّلت وتقتّلت «١» ، وتكسّرت وتيسّرت، وقالت:
أنا والله كسلانة مشغولة القلب بين أحلام أراها رديئة، وبخت إذا استوى التوى، وأمل إذا ظهر عثر، ثم اندفعت وغنّت:
مجلس صبّين عميدين ... ليسا من الحبّ بخلوين
قد صيّرا روحيهما واحدا ... واقتسماه بين جسمين
تنازعا كأسا على لذّة ... قد مزجاها بين دمعين
الكأس لا تحسن إلا إذا ... أدرتها بين محبّين
ولا طرب ابن سمعون الصّوفيّ على ابن بهلول إذا أخذ القضيب وأوقع ببنانه الرّخص، ثم زلزل الدنيا بصوته الناعم، وغنّته الرّخيمة، وإشارته الخالبة، وحركته المدغدغة، وظرفه البارع، ودماثته الحلوة، وغنّى:
ولو طاب لي غرس لطابت ثماره ... ولو صحّ لي غيبي لصحّت شهادتي
تزهّدت في الدنيا وإني لراغب ... أرى رغبتي ممزوجة بزهادتي
أيا نفس ما الدنيا بأهل لحبّها ... دعيها لأقوام عليها تعادت
стр. 269
ولا طرب ابن حيّويه على غلام الأمراء إذا غنّى:
قد أشهد الشارب المعذّل لا ... معروفه منكر ولا حصر
في فتية ليّني المآزر لا ... ينسون أخلاقهم إذا سكروا
وغلام الأمراء هو الذي يقول فيه القائل:
أبو العباس قد حجّ ... وقد عاد وقد غنّى
وقد علّق عنّازا ... فهذا هم كما كنّا
وأصحابنا يستملحون قوله (هم) هاهنا، ويرونه من العيّ الفصيح.
ولا طرب أبي سليمان المنطقيّ إذا سمع غناء هذا الصّبيّ الموصليّ النابغ الذي قد فتن الناس وملأ الدنيا عيارة وخسارة، وافتضح به أصحاب النّسك والوقار، وأصناف الناس من الصّغار والكبار، بوجهه الحسن، وثغره المبتسم، وحديثه الساحر، وطرفه الفاتر، وقدّه المديد، ولفظه الحلو، ودلّه الخلوب، وتمنّعه المطمع، وإطماعه الممنّع وتشكيكه في الوصل والهجر، وخلطه الإباء بالإجابة، ووقوفه بين لا ونعم. إن صرّحت له كنى، وإن كنيت له صرّح، يسرقك منك، ويردّك عليك، يعرفك منكرا لك، وينكرك عارفا بك، فحاله حالات، وهدايته ضلالات، وهو فتنة الحاضر والبادي، ومنية السائق والهادي، في صوته الذي هو من قلائده:
عرفت الذي بي فلا تلحني ... فليس أخو الجهل كالعالم
وكنت أخوّفه بالدّعا ... وأخشى عليه من الماثم
فلو كنت أبصرت مثلا له ... إذا لمت نفسي مع اللائم
فلمّا أقام على ظلمه ... تركت الدّعاء على الظالم
ولا طرب أبي عبد الله البصريّ على إيقاع ابن العصبيّ إذا أوقع بقضيبه وغنّى بصوته:
أنسيت الوصل إذ بت ... نا على مرقد ورد
واعتنقنا كوشاح ... وانتظمنا نظم عقد
وتعطّفنا كغصنى ... ن فقدّانا كقدّ
وبسبب هذا ونظائره عابه الواسطيّ، وقدح في دينه، وألصق به الرّيبة، واستحلّ في عرضه الغيبة، ولقّبه بالمنفّر عن المذهب، وقاطع الطّريق على المسترشد.
ولا طرب ابن الورّاق على روعة جارية ابن الرّضيّ في الرّصافة إذا غنّت:
وحقّ محلّ ذكرك من لساني ... وقلبي حين أخلو بالأماني
لقد أصبحت أغبط كلّ عين ... تعاينها فتسعد بالعيان
стр. 270
ولا طرب السّندواني على ابن الكرخيّ إذا غنّى:
هجرتني ثم لا كلّمتني أبدا ... إن كنت خنتك في حال من الحال
فلا انتجيت نجيّا في خيانتكم ... ولا جرت خطرة منه على بال
فسوّغيني المنى كيما أعيش بها ... ثم احبسي البذل ما أطلقت آمالي
أو ابعثي تلفا إن كنت قاتلتي ... إليّ منك بإحسان وإجمال
ولا طرب الحريريّ الشاهد على حلية جارية أبي عائذ الكرخيّ «إذا أخذت في هزارها» ، واشتعلت بنارها وغنّت:
قالت بثينة لما جئت زائرها ... سبحان خالقنا ما كان أوفاكا
وعدتنا موعدا تأتي لنا عجلا ... وقد مضى الحول عنّا ما رأيناكا
إن كنت ذا غرض أو كنت ذا مرض ... أو كنت ذا خلّة أخرى عذرناكا
ولا طرب أبي سعيد الصائغ على جاريته ظلوم إذا قلبت لحنها إلى حلقها واستنزلته من الرأس، ثم أوقعت فغنّت:
فيا لك نظرة أودت بعقلي ... وغادر سهمها منّي جريحا
فليت مليكتي جادت بأخرى ... وأعلم أنّها تنكا القروحا
فإمّا أن يكون بها شفائي ... وإمّا أن أموت فأستريحا
ولا طرب الزّهريّ على خلوب جارية أبي أيّوب القطّان إذا أهلّت واستهلّت، ثم اندفعت وغنّت:
إذا أردت سلوّا كان ناصركم ... قلبي وما أنا من قلبي بمنتصر
فأكثروا أو أقلّوا من إساءتكم ... فكلّ ذلك محمول على القدر
وضعت خدي لأدنى من يطيف بكم ... حتّى احتقرت وما مثلي بمحتقر
وأبو عبد الله المرزبانيّ شيخنا إذا سمع هذا جنّ واستغاث، وشقّ الجيب وحولق وقال: يا قوم أما ترون إلى العبّاس بن الأحنف، ما يكفيه أن يفجرّ حتى يكفّر؟ متى كانت القبائح والفضائح والعيوب والذنوب محمولة على القدر؟ ومتى قدّر الله هذه الأشياء وقد نهى عنها، ولو قدّرها كان قد رضي بها، ولو رضي بها لما عاقب عليها، لعن الله الغزل إذا شيب بمجانة، والمجانة إذا قرنت بما يقدح في الديانة. ورأيت أبا صالح الهاشميّ يقول له: هوّن عليك يا شيخ، فليس هذا كلّه على ما تظنّ، القدر يأتي على كلّ شيء، ويتعلّق بكلّ شيء، ويجري بكلّ شيء، وهو سرّ الله المكتوم، كالعلم الذي يحيط بكل شيء، وكلّ ما جاز أن يحيط به علم جاز أن يجري به قدر، وإذا جاز هذا جاز أن ينشره خبر، وما هذا التضايق والتحارج في هذا
стр. 271
المكان، والشاعر يهزل ويجدّ، ويقرب ويبعد، ويصيب ويخطئ، ولا يؤاخذ بما يؤاخذ به الرّجل الديّان، والعالم ذو البيان.
ولا طرب ابن المهديّ على جارية بنت خاقان المشهورة بعلوة إذا غنّت:
أروّع حين يأتيني الرسول ... وأكمد حين لا يأتي الرّسول
أؤ مّلكم وقد أيقنت أنّي ... إلى تكذيب آمالي أؤول
ولا طرب أبي طاهر بن المقنّعيّ المعدّل على علوان غلام ابن عرس فإنه إذا حضر وألقى إزاره، وقال لأهل المجلس: اقترحوا واستفتحوا فإنّي ولدكم بل عبدكم لأخدمكم بغنائي، وأتقرّب إليكم بولائي، وأساعدكم على رخصي وغلائي، من أرادني مرّة أردته مرّات، ومن أحبّني رياء أحببته إخلاصا، ومن بلغ بي بلغت به، لم أبخل عليكم بحسني وظرفي، ولم أنفس بهما عليكم، وإنما خلقت لكم، ولم أغاضبكم وأنا آملكم غدا إذا بقل وجهي، وتدلّى سبالي، وولّى جمالي، وتكسّر خدّي، وتعوّج قدّي، ما أصنع؟ حاجتي والله إليكم غدا أشدّ من حاجتكم إليّ اليوم، لعن الله سوء الخلق، وعسر الطّباع، وقلة الرّعاية، واستحسان الغدر. فيمرّ في هذا وما أشبهه كلام كثير، فلا يبقى من الجماعة أحد إلا وينبض عرقه، ويهشّ فؤاده، ويذكر طمعه ويفكه قلبه، ويتحرك ساكنه، ويتدغدغ روحه، ويومئ إليه بقبلته، ويغمزه بطرفه، ويخصّه بتحيّة، ويعده بعطيّة، ويقابله بمدحة، ويضمن له منحة، ويعوّذه بلسانه، ويفضّله على أقرانه، ويراه واحد أهل زمانه، فيرى ابن المقنّعيّ وقد طار في الجوّ، وحلّق في السّكاك، ولقط بأنامله النّجوم، وأقبل على الجماعة بفرح الهشاشة، ومرح البشاشة، فيقول: كيف ترون اختياري وأين فراستي من فراسة غيري، أبي الله لي إلّا ما يزينني، ولا يشينني، ويزيد في جمالي، ولا ينقص من حالي، ويقرّ عيني ولبّي، ويقصم ظهر عدوّي، هات يا غلام ذلك الثوب الدّبيقيّ وذلك البرد الشطويّ، وذلك الفرّوج الرّوميّ، وتلك السّكّة المطيّبة، والبخور المدّخر في الحقّة، وهات الدّينار الذي فيه مائة مثقال أهداه لنا أمس أبو العلاء الصّيرفيّ فإنّه يكفيه لنفقة أسبوع، ما أحسن سكّته، وأحلى نقشه! ما رأيت في حسن استدارته شبها، وعجّل لنا يا غلام ما أدرك عند الطّبّاخ، من الدّجاج والفراخ، والبوارد والجوزيّات وتزايين المائدة، وصل ذلك بشراء أقراط وجبن وزيتون من عند كبل البقّال في الكرخ، وقطائف حبش، وفالوذج عمر، وفقّاع زريق، ومخلّط خراسان من عند أبي زنبور، ولو كنّا نشرب لقلنا: وشراب صريفين من عند ابن سورين، ولكن إن أحببتم أن أحضر بسببكم ومن أجلكم فليس في الفتوّة أن أمنعكم من أربكم بسبب ثقل روحي وقلّة مساعدتي، لعن الله الشهادة، فقد حجبتني عن كلّ شهوة وإرادة، وما أعرف في العدالة، إلا فوت الطّلبة والعلالة.
стр. 272
وما أحسن ما قال من قال:
ما العيش إلا في جنون الصّبى ... فإن تولّى فجنون المدام
هذا كلّه يمرّ وما هو أشجى منه وأرقّ، وأعجب وأظرف، ثم يندفع علوان ويغنّي في أبيات بشّار:
ألا يا قوم خلّوني وشاني ... فلست بتارك حبّ الغواني
نهوني يا عبيدة عن هواكم ... فلم أقبل مقالة من نهاني
فإن لم تسعفي فعدي ومنّي ... خداعا لا أموت على بيان
ولا طرب أبي سعيد الرّقيّ على غناء مذكورة إذا اندفعت وغنّت:
سررت بهجرك لما علمت ... بأنّ لقلبك فيه سرورا
ولولا سرورك ما سرّني ... ولا كان قلبي عليه صبورا
ولكن أرى كلّ ما ساءني ... إذا كان يرضيك سهلا يسيرا
ولا طرب ابن ميّاس على غناء حبابة جارية أبي تمّام إذا غنّت:
صددنا كأنّا لا مودّة بيننا ... على أنّ طرف العين لابدّ فاضح
ومدّ إلينا الكاشحون عيونهم ... فلم يبد منّا ما حوته الجوانح
وصافحت من لاقيت في البيت غيرها ... وكلّ الهوى منّي لمن لا أصافح
وحبابة هذه كانت تنوح أيضا، وكانت في النّوح واحدة لا أخت لها، والناس بالعراق تهالكوا على نوحها، ولولا أني أكره ذكره لرقعت الحديث به. وقدم من شاش خراسان أبو مسلم- وكان في مرتبة الأمراء- فاشتراها بثلاثين ألف درهم معزّية، وخرج بها إلى المشرق، فقيل: إنها لم تعش به إلا دون سنة لكمد لحقها، وهوى لها ببغداد ماتت منه.
ورأيت لها أختا يقال لها صبابة، وكانت في الحسن والجمال فوقها، وفي الصّنعة والحذق دونها، وزلزلت هذه بغداد في وقتها، ولم يكن للنّاس غير حديثها، لنوادرها، وحاضر جوابها، وحدّة مزاجها، وسرعة حركتها، بغير طيش ولا إفراط، وهذه شمائل إذا اتّفقت في الجواري الصانعات المحسنات خلبن العقول، وخلسن القلوب، وسعّرن الصّدور، وعجلن بعشّاقهنّ إلى القبور.
ولا طرب الكنانيّ المقرئ الشيخ الصالح على غناء هذه في صوتها المعروف بها:
عهود الصّبى هاجت لي اليوم لوعة ... وذكر سليم حين لا ينفع الذّكر
بأرض بها كان الهوى غير عازب ... لدينا وغضّ العيش مهتصر نضر
стр. 273
كأن لم نعش يوما بأجراع بيشة ... بأرض بها أنشا شبيبتنا الدهر
بلى إنّ هذا الدّهر فرّق بيننا ... وأيّ جميع لا يفرّقه الدّهر
ولا طرب غلام بابا على جارية أبي طلحة الشاهد في سوق العطش إذا غنّت:
ليت شعري بك هل تع ... لم أنّي لك عاني
فلقد أسررته من ... ك وأطلعت الأماني
وتوهّمتك في نف ... سي فناجاك لساني
فاجتمعنا وافترقنا ... بالأماني في مكان
ولو ذكرت هذه الأطراب من المستمعين، والأغانيّ من الرّجال والصّبيان والجواري والحرائر- لطال وأملّ، وزاحمت كلّ من صنّف كتابا في الأغاني والألحان، وعهدي بهذا الحديث سنة ستّين وثلاثمائة.
وقد أحصينا- ونحن جماعة في الكرخ- أربعمائة وستّين جارية في الجانبين، ومائة وعشرين حرّة، وخمسة وتسعين من الصّبيان البدور، يجمعون بين الحذق والحسن والظّرف والعشرة، هذا سوى من كنّا لا نظفر به ولا نصل إليه لعزّته وحرسه ورقبائه، وسوى ما كنّا نسمعه ممّن لا يتظاهر بالغناء وبالضّرب إلا إذا نشط في وقت، أو ثمل في حال، وخلع العذار في هوى قد حالفه وأضناه، وترنّم وأوقع، وهزّ رأسه، وصعّد أنفاسه، وأطرب جلّاسه، واستكتمهم حاله، وكشف عندهم حجابه، وادّعى الثّقة بهم، والاستنامة إلى حفاظهم.
ثم إني أرجع إلى منقطع الكلام في الصّفحة الأولى من هذا الجزء الثالث وأصله بالدّعاء الذي أسأل الله أن يقبله فيك، ويحقّقه لك وبك، وأقول: وأبقاك لي خاصّة، فقد تعصّبت لي غائبا وشاهدا، وتعمّمت بسببي سرّا وجهرا، وبدأت بالتّفضّل، وعدت بالإفضال، وتظاهرت بالفضل، فإن استزدتك فللنّهم الذي قلّما يخلو منه بشر، وإن تظلّمت فللدّالّة التي تغلط بها الخدم، وإن خاشنت فللثّقة بحسن الإجاب، وإن غالظت فلعلمي بغالب الحلم وفرط الاحتمال، وما افترق الكرم والتّغافل قطّ، وما افترق المجد والكيس قطّ، وليس إلّا أن يظلم السّيّد نفسه لعبده في الحقوق اللّازمة وغير اللّازمة، ويعرض عن الحجّة وإن كانت له، والناس يقولون: الحقّ مرّ، وأنا أقول: السؤدد مرّ، والرّئاسة ثقيلة، والنّزول تحت الغبن شديد، لكنّ ذلك كلّه منبت العزّ، ودليل على صحّة الأصل، وباب إلى اكتساب الحمد، وإشادة الذّكر، وإبعاد الصّيت، ومكرم النّفس بإهانة المال وبذل الجاه وإيثار التّواضع أربح تجارة، وأحمى حريما، وأعزّ ناصرا من مهين النّفس بصيانة المال وحبس الجاه واستعمال التكبّر، هذا
стр. 274
ما لا يشكّ فيه أحد وإن أباه طباعه، ولم يساعده اختياره، وكان في طينه يبس، وفي منبته شوك، وفي عرقه خور، وفي خلقه تيه.
وقد رأيت ناسا من عظماء أهل الفضل والمروءة عابوا مذهب الرّجل الذي ماكس في شيء تافه يسير اشتراه، قيل له: أنت تهب أضعاف هذا، فما هذا المكاس؟! فقال: هذا عقلي أبخل به، وتلك مروءتي أجود بها.
وأكثر الناس الذين لم يغوروا في التّجارب، ولا أنجدوا في الحقائق، يرون هذا حكمة تامّة، وفضيلة شريفة.
فأمّا الذين ذكرتهم في أوّل الحديث فإنهم قالوا: لا تتمّ المروءة وصاحبها ينظر في الدّقيق الحقير، ويعيد القول ويبدئه في الشيء النّزر الذي لا مردّ له ظاهر، ولا جدوى حاضرة.
وذكروا أيضا أنّ العقل أشرف من أن يذال في مثل هذه الحال، ويستخدم على هذا الوجه، قالوا: هذا وما هو في بابه بالكيس أشبه، والكيس يحمد في الصّبيان، وهو من مبادئ اللّؤم، وفوائح صدإ الخلق، وقد قال الأوّل:
وقد يتغابى المرء عن عظم ماله ... ومن تحت برديه المغيرة أو عمرو
ولذلك يقال للحيوان الذي لا ينطق: هو كيّس.
هذا والله الصّدق، فإني سمعت بمكة أعرابيّا يقول: ما أكيس هذا القطّ؟! قالوا: ولذلك لا يقال للشّيخ المجرّب والحكيم البليغ والأصيل في الشّرف والمشهور بالزّماتة والسّكينة: كيّس. والكيس هو حدّة الحسّ في طلب المثالة ودفع الكريهة وبلوغ الشّهوة. والحسّ بعيد من العقل، والعالي في الحسّ كأنّه يرتقي في وادي الحيوان الذي لا نطق له، والعالي في العقل كأنّه مطمئن في وادي الملك الذي لا حسّ له، والملك لم يعدم الحسّ لنقصه، ولكن لكماله، لأنّه غنيّ عنه، كما أنّ الحمار لم يعدم العقل لكماله، ولكن لنقصه ولما لم يرد من الحمار أن يكون إنسانا جبل على ما هو له وبه كامل في نقصه، أي هو كامل بما هو به حمار وناقص بما ليس هو به إنسانا، ولما لم يرد من الإنسان أن يكون حمارا حفظ عليه ما هو به إنسان، ودرّج إلى كمال الملك الذي هو به شبيه، وهذا التدريج طريقه على الاختيار الجيّد والتوفيق السابق.
وبعدت- جعلني الله فداك- عن منهج القول وسنن الحديث، وأطعت داعية الوسواس، وذهبت مع سانح الوهم، وقد قيل: «الحديث ذو شجون» .
وقد قال الأوّل:
ولمّا قضينا من منى كلّ حاجة ... ومسّح بالأركان من هو ماسح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطيّ الأباطح
стр. 275
فأرجع وأقول:
قد أوصلت إليك الجزأين الأوّل والثاني على يد غلامك فائق، وهذا الجزء- وهو الثالث- قد والله نفثت فيه كلّ ما كان في نفسي من جدّ وهزل، وغثّ وسمين، وشاحب ونضير، وفكاهة وطيب، وأدب واحتجاج، واعتذار واعتلال واستدلال، وأشياء من طريف الممالحة على ما رسم لي، وطلب منّي، ولأنّه آخر الكتاب ختمته برسالة وصلتها بكلام في خاصّ أمري ستقف عليه، وتستأنف نظرا في حالي، يكون- إن شاء الله- كظنّي بك، ورجائي فيك، وفيه بعض العربدة لم أخرج منه إلى كفران لنعمة، ولا جحد لإحسان، ولا ستر ليد، ولا إنكار لمعروف، ولا شكّ في عناية، وإنما تكلمت على مذهب المدلّ المقلّ الذي يبعثه إقلاله على تجاوز قدره بالدّالة، ويريع به إدلاله عن حسن أدبه بفرط الثّقة، وربّ واثق خجل، وبالله المعاذ من ذلك، وفي الحالين صاحب هذا المذهب لا يخلو من ولاء صحيح المعتقب، وعقيدة كسبيكة الذّهب، وأنت بكرم طباعك، وسعة باعك، تجبر نقصي، وتأسو ما غثّ من جراحي، وأمات اهتمامي، ومن كان إحسانك إليه مشكورا، وتعذيرك عنده مستورا، لخليق أن يكون على بالك خاطرا، وبلسانك مذكورا، والسلام.
وها أنا آخذ في نشر ما جرى على وجهه إلّا ما اقتضى من الزّيادة في الإبانة والتّقريب، والشّرح والتّكشيف.
وقد جمعت لك جميع ما شاهدته في هذه المدّة الطويلة، ليكون حظّك من الكرم والمجد موفورا، ونصيبي من اهتمامك بأمري وجذبك بباعي وإنقاذك إيّاي من أسري تامّا، فظنّي واعد بأنّك تبلغ بي ما آمله فيك وتتجاوزه وتتطاول إلى ما فوقه، لأزداد عجبا ممّا خصّك الله به، وأفردك فيه، وأتحدّث على مرّ الأيّام بغريبه، وأحثّ كلّ من أراه بعدك على سلوك طريقك في الخير، ولزوم منهاجك في الجميل، والدّينونة بمذهبك المستقيم، وأكايد أصحابنا ببغداد، وأقول لهم: هل كان في حسبانكم أن يطلع عليكم من المشرق من يزيد ظرفه على ظرفكم، «ويبعد بعلمه على علمكم» ، ويبرّز هذا التّبريز في كلّ شيء تفخرون به على غيركم، فأناظرهم فيك وبسببك، لا مناظرة الحنبليّين مع الطّبريّين، وأتعصّب لك، لا تعصّب المفضّليّين والبرغوثيّين، وأجادل من أجلك، لا جدل الزّيديّين مع الإماميّين، وأدّعي في فضائلك الظّاهرة والباطنة دعوى أقوى من دعوى الشّيعيّين، وأضرب في ذلك كلّ مثل، وأستعين بكلّ سجع، وأروي كلّ خبر، وأنشد كلّ بيت، وأعبّر كلّ رؤيا، وأقيم كلّ برهان، وأستشهد كلّ حاضر وغائب، وأتأوّل كلّ مشكل وغامض، وأضيف إليك الآية بعد الآية، والمعجزة بعد المعجزة، وأنصلت لكلّ ضريبة، وأدعي كلّ غريبة، هذا ولا أخلط كلامي بالهزل، ولا أشين دعواي بالمحال، ولا أبعد الشاهد، ولا أتعلّق
стр. 276
بالمستعجم، ولا أجنح إلى التّلفيق والتّلزيق، وكيف لا أفعل هذا ولي في قول الحقّ فيك مندوحة، وفي تقديم الصّدق على غيره كفاية، وفي نشر المطويّ من فضلك بلاغ؟ وإنّما يميل إلى الكذب من قعد به الصّدق، ويتيمّم بالصّعيد من فاته الماء، ويحلم بالمنى من عدم المتمنّى في اليقظة، فأمّا أنت وقد ألبسك الله رداء الفضل، وأطلعك من منبت كريم، ودرّجك من بيت ضخم، وآتاك الحكمة، وفتق لسانك بالبيان، وأترع صدرك بالعلم، وخلط أخلاقك بالدّماثة، وشهرك بالكرم، وخفّف عليك النّهوض بكلّ ما يكسبك الشكر من القريب والبعيد، وبكلّ ما يدّخر لك الأجر عند الصادر والوارد، حتّى صرت كهفا لأبناء الرّجاء، ومفزعا لك لبني الآمال، فبابك مغشيّ مزور، وفناؤك منتاب وخوانك محضور، وعلمك مقتبس، وجاهك مبذول، وضيفك محدّث، وكتبك مستعارة، وغداؤك حاضر، وعشاؤك معجّل، ووجهك مبسوط، وعفوك محمود، وجدّك مشكور، وكلّ أمرك قائم على النّهاية، وبالغ الغاية، والله يزيدك ويزيدنا بك، ولا يبتلينا بفقد ما ألفناه منك، بمنّه وجوده.
стр. 277
الليلة التاسعة والعشرون
قال الوزير- أعزّ الله نصره، وأطاب ذكره، وأطار صيته- ليلة: أحبّ أن أسمع كلاما في قول الله : هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ
[الحديد: ٣] ، فإنّ هذا الإيجاز لم يعهد في كلام البشر.
فكان من الجواب: إنّ الإشارة في «الأوّل» إلى ما بدأ الله به من الإبداع والتّصوير، والإبراز والتّكوين، والإشارة في «الآخر» إلى المصير إليه في العاقبة على ما يجب في الحكمة من الإنشاء والتّصريف، والإنعام والتعريف، والهداية والتوقيف.
وقد بان بالاعتبار الصحيح أنّه لمّا كان محجّبا عن الأبصار، ظهرت آثاره في صفحات العالم وأجزائه، وحواشيه وأثنائه، حتى يكون لسان الآثار داعيا إلى معرفته، ومعرفته طريقا إلى قصده، وقصده سببا للمكانة عنده والحظوة لديه. على أنّه في احتجابه بارز، كما أنّه في بروزه محتجب، وبيان هذا أنّ الحجاب من ناحية الحسّ والبروز من ناحية العقل، فإذا طلب من جهة الحسّ وجد محجوبا، وإذا لحظ من جهة العقل وجد بارزا، وهاتان الجهتان ليستا له تعالى، ولكنها للإنسان الذي له الحسّ والبروز من ناحية العقل، فإذا طلب من جهة الحسّ وجد محجوبا، وإذا لحظ من جهة العقل وجد بارزا، وهاتان الجهتان ليستا له تعالى، ولكنها للإنسان الذي له الحسّ والعقل، فصار بهما كالناظر من مكانين، ومن نظر إلى شيء واحد من مكانين كانت نسبته إلى المنظور إليه مفترقة. وإنما شقّ هذا الأمر على أكثر الناس واختلفوا فيه، لأنّهم راموا تحقيق ما لا يحسّ بالحسّ، ولو راموا ذاك بالعقل المحض بغير شوب من الحسّ، لكان المروم يسبق الرّائم، والمطلوب يلوح قبالة الطّالب من غير شكّ لابس، ولا ريب موحش، لأنه ليس في العقل والمعقول شكّ، وإنما الرّيب والشّكّ والظّنّ والتّوهّم كلّها من علائق الحسّ وتوابع الخلقة، ولولا هذه العوارض لما اغبرّ وجه العقل، ولا علاه شحوب، ولبقي على نضرته وجماله وحسنه وبهجته. ولمّا كان الإنسان مفيض هذه الأعراض في الأوّل، صار مفيض هذه الأحوال في الثاني، فاستعار من العقل نوره في وصف الأشياء الجسميّة جهلا منه وخطأ، واستعار من ظلام الحسّ في وصف الأشياء الرّوحانيّة عجزا منه ونقصا، ولو وفّق لوضع كلّ شيء موضعه ونسبه إلى شكله، ولم يرفع الوضيع إلى محلّ الرّفيع، ولم يضع الرّفيع في موضع الوضيع.
فلمّا بلغ الحديث هذا الحدّ، عجب الوزير وقال: ما أعذب هذا المورد! وما
стр. 278
أعجب هذا المشهد! وما أبعد هذا المقصد! وما أرى لمصنّف من الموحّدين متصرّفا في هذا النّوع إلّا لهذه العصابة الكريمة المخصوصة باليقظة.
وسأل عن جشم في اسم الرّجل ما معناه؟
فكان من الجواب: إنّ أبا سعيد السّيرافيّ الإمام ذكر عن ابن الأعرابيّ أنّه يقال:
«رجل عظيم الجشم» ، يعني وسطه، ومنه سمّي جشم.
وقال: ما الحمحم؟ وما الخمخم؟
فقيل: أما الحمحم فبقل يهيج في أوّل الصيف وينبت فيؤكل في ذلك الوقت، وأما الخمخم فبقل آخر خبيث منتن الرّيح.
وقال: فأرة المسك، أتقولها بالهمز؟
فكان من الجواب: حكاه ابن الأعرابيّ بالهمز.
قال: عارضا الرّجل ما يعنى بهما؟
قيل: قال أبو سعيد السّيرافيّ: هما شعر خدّيه، ولو قلت لأمرد: امسح عارضيك كان خطأ.
وقال: سمعت اليوم في كلام ابن عبيد: لايثه، وظننت أنّه أراد: لاوثه من اللّوث لوث العمامة.
فقيل: بل يقال: لايثه إذا تشبّه باللّيث.
وقال: ما الشاكد؟
فقيل: المعطي من غير مكافأة.
قال: أوتهمز الكلمة؟
فقيل: إني لو لم أهمز لكان مفاعلة من كفيت.
قال: والثانية؟ تكون من كفأت الإناء. فما معناه؟
قيل: قال أبو سعيد: كأنّه قلب الحال إليه بالمثل.
قال: الذود، ما قدر عدده من الإبل؟
فكان من الجواب: أنّ ابن الأعرابيّ قال: الذّود ما بين الثّلاثة إلى العشرة. وإذا بلغت العشرين أو قاربت فهي قطعة وصبّة وفرقة وصرمة حتى تبلغ الثلاثين والأربعين.
ثم هي حدرة وعكرة وعجرمة حتى تبلغ مائة. ثمّ هنيدة. فإذا بلغت مائتين فهي خطر.
وكذلك الثّلاثمائة. فإذا بلغت أربعمائة فهي عرج إلى الألف، والجماعة عروج. فإذا كثرت عن الأربعين والخمسين فبلغت مائة وزادت فهي جرجور، وإنّما سمّيت جرجورا لجراجرها وأصواتها. وقد تستعير العرب بعض هذا فتجعله في بعض.
وقال: ما الفرق بين القبص والقبض؟
стр. 279
فقيل: القبص لعدد مّا كان قليلا أو كثيرا، قال ابن الأعرابي: وأنشدني العامريّ لابن ميّادة:
عطاؤكم قبض ويحفن غيركم ... وللحفن أغنى للفقير من القبص
وقال: القبص بأطراف الأصابع، والقبض بالكفّ، والحفن بالكفّ والرّاحة إلى فوق مفتوحة قليلا. هذا لفظه.
وقال: الإلّ الذي هو العهد هل يجمع؟
فقيل: حكى ابن الأعرابيّ في جمعه، فقال: إلال وألول.
وقال: آم الرجل ماذا؟
فقيل: هذا على وجوه، يقال: آم الرّجل يؤوم أواما من العطش، ويقال آم الرّجل يؤوم إياما، وهو الدّخان. وآم الرّجل يئيم إذا بقي بغير حليلة، والأيّم مستعمل في الرّجل والمرأة.
قال: هذا نمط مفيد، ويجب أن يجمع منه جزء أو جزآن ليسهل على الطّرف المجال فيه، فإن الكتب الطّوال مسئمة، وإذا تداخل اللّطيف بالكثيف وما رقّ بما غلظ نبت النّفس، ودبّ الملل والإنسان كسله من طينه، ونشاطه من نفسه، والطين أغلب من النّفس.
فكان الجواب: السّمع والطاعة للأمر المشرّف.
قال: هات حديثا يكون مقطعا للوداع، فإنّ اللّيل قد عبس وجهه، وجنح كاهله، وأهدى إلى العين سنة تسرق الذّهن وتسبي الرّأي.
فكان من الجواب أنّه مرّ بي اليوم حديث يضارع ما جرى منذ ليال في فساد الناس وحؤول الزّمان، وما دهم الخاصّ والعامّ في حديث الدّين الّذي هو العمود والدّعامة في عمارة الدّارين، وقد طال تعجّبني منه، وصحّ عندي أنّ الداء في هذا قديم، والوجع فيه أليم.
قال: فهات فتشبيبك قد رغّب شديدا، وغرامك قد بعث جديدا.
فكان من ذلك الحديث أنّ محمّد بن سلّام قال فيما حدّثنا به أبو السائب القاضي عتبة بن عبيد الله قال: حدّثنا السّكّريّ أبو سعيد قال: قال محمد بن سلّام:
سمعت يونس يقول: فكّرت في أمر فاسمعوه. قلنا: هاته. قال: كلّ من أصبح على وجه الأرض من أهل النار إلّا أمّتنا «١» هذه، والسلطان ومن يطيف به هلكى إلّا قليلا،
стр. 280
فإذا قطعت هذه الطّبقة حتى تبلغ الشّأم فأكلة ربا وباغية وشربة خمر وباعتها إلّا قليلا، فإذا خلّفت هذا الرّمل حتى تأتي رمل يبرين وأعلام الرّوم فلا غسل من جنابة، ولا إسباغ وضوء، ولا إتمام صلاة، ولا علم بحدود ما أنزل الله على رسوله ﷺ إلّا قليلا، فإذا صرت إلى الأمصار فأصحاب هذه الكراسيّ ليس منهم إلا ذئب مستغرّ بذنبه، يختلك عن دينارك ودرهمك، يكذب، ويبخس في الميزان، ويطفّف في المكيال، إلا قليلا، فإذا صرت إلى أصحاب الغلّات الّذين كفوا المؤونة وأنعم عليهم وجدتهم يمسي أحدهم سكران ويصبح مخمورا، إلّا قليلا، ومعي والله منهم قطيع في الدار، فإذا صرت إلى قوم لم ينعم عليهم بما أنعم على هؤلاء، وهم يشتهون ما يشتهي هؤلاء، فواحد لصّ، وآخر طرّار «١» ، وآخر مستقف «٢» إلّا قليلا، فإذا صرت إلى أصحاب هذه السّواري «٣» ، فهذا يشهد على هذا بالكفر. وهذا يبرأ من هذا، والله لئن لم يعمّنا الله برحمته إنها للفضيحة.
فقال الوزير: لقد شرّدت النوم عن عيني، وملأت قلبي عجبا، فإنّ الأمر لكما قال، فإذا كان هذا قوله في عصره، وشجرة الدين على نضارة أغصانها وخضرة أوراقها، وينع ثمارها، فما قوله- ترى- فينا لو لحقنا، وأدرك زماننا، إنّا لله وإنّا إليه راجعون.
стр. 281
الليلة الثلاثون
وقال الوزير- أدام الله أيّامه-: سراويل يذكّر أم يؤنّث، ويصرف أم لا؟
فكان الجواب: أنّ عليّ بن عيسى حدّثنا عن شيخه ابن السّراج قال: سألت المبرّد فقلت: إذا كان الواحد في صيغة الجمع ما يصنع به في الصّرف في مثل شعره هراميل وهذه سراويل وما أشبهه، فقال: ألحقه بالجمع فامنعه الصّرف، لأنّه مثله وشبيهه.
قال: وسألت أحمد بن يحيى عن ذلك، فقال: أخبرنا سلمة عن الفرّاء قال:
ألحقه بأحمد فامنعه الصّرف في المعرفة، واصرفه في النّكرة حتّى يكون بين الواحد والجمع فرق.
وسأل فقال: ما واحد المناخيب والمناجيب وما حكمهما؟
فكان من الجواب: واحد المناخيب منخاب، يمدح به ويذمّ، فإذا كان مدحا فهو مأخوذ من النّخب، وهو الاختيار، وإذا كان ذمّا فهو مأخوذ من النّخبة، وهي الاست. قال: وهكذا المنجاب يكون مدحا وذمّا، فإذا كان مدحا فهو مأخوذ من الانتجاب، وهو الاختيار، وإذا كان ذمّا فهو مأخوذ من النّجب، وهو قشر الشّجر.
قال: ما معنى قولهم: امرأة عروب؟
فكان من الجواب أن محمّد بن يزيد قال- على ما حدّثنا به أبو سعيد وابن السراج عنه- إنّه من الأضداد، وهي المتحبّبة إلى زوجها، وهي الفاسدة، مأخوذ من قولهم: عربت معدته إذا فسدت.
وقال: الضّهياء يمدّ ويقصر؟
فكان من الجواب أن ابن الأعرابيّ قال: الّذي حصّلته عن الأعراب أنّ الضّهياء الممدودة هي التي لا تحيض، وأن المقصورة هي الياسمين، وجمع الأوّل ضهيّ وجمع المقصور ضهايا.
قال: ما معنى المندليّ المطيّر؟
فكان من الجواب: أن ابن الأعرابيّ قال: هو مقلوب المطرّى.
وقال: أنشدني غزلا. فأنشدته ما حضر في الوقت لأعرابيّ:
أمرّ مجنّبا عن بيت سلمى ... ولم ألمم به وبه الغليل
أمرّ مجنّبا وهواي فيه ... وطرفي عنه منكسر كليل
стр. 282
وقلبي فيه مقتتل فهل لي ... إلى قلبي وقاتله سبيل
وقال: أتحفظ الأبيات التي فيها:
تكفيه فلذة كبد إن ألمّ بها ... من الشّواء ويكفي شربه الغمر
فأنشده ابن نباتة، وذاك لأني قلت: ما أحفظ إلا هذا البيت شاهدا، وهو لأعشى باهلة يرثي المنتشر:
إنّي أتتني لسان لا أسرّ بها ... من علو عجب منها ولا سخر
فبتّ مرتفعا للنّجم أرقبه ... حيران ذا حذر لو ينفع الحذر
وجاشت النفس لمّا جاء جمعهم ... وراكب جاء من (تثليث) معتمر
يأتي على النّاس لا يلوي على أحد ... حتى التقينا وكانت دوننا (مضر)
نعيت من لا تغبّ الحيّ جفنته ... إذا الكواكب أخطأ نوأها المطر
من ليس في خيره شرّ يكدّره ... على الصّديق ولا في صفوه كدر
طاوي المصير على العزّاء منصلت ... بالقوم ليلة لا ماء ولا شجر
لا تنكر البازل الكوماء ضربته ... بالمشرفيّ إذا ما اجلوّذ السّفر
وتفزع الشّول منه حين تبصره ... حتى تقطّع في أعناقها الجرر
لا يصعب الأمر إلا ريث يركبه ... وكلّ أمر سوى الفحشاء يأتمر
يكفيه حزّة فلذان ألمّ بها ... من الشّواء ويكفي شربه الغمر
لا يتأرّى لما في القدر يرقبه ... ولا يعضّ على شرسوفه الصّفر
لا يغمز الساق من أين ومن وصب ... ولا يزال أمام القوم يقتفر
مهفهف أهضم الكشحين منخرق ... عنه القميص بسير الليل محتقر
عشنا بذلك دهرا ثم فارقنا ... كذلك الرّمح ذو النّصلين ينكسر
لا تأمن الناس ممساه ومصبحه ... من كلّ أوب وإن لم يأت ينتظر
إمّا يصبك عدوّ في مناوأة ... يوما فقد كنت تستعلي وتنتصر
لو لم تخنه نفيل وهي خائنة ... ألمّ بالقوم ورد منه أو صدر
ورّاد حرب شهاب يستضاء به ... كما يضيء سواد الطّخية القمر
إمّا سلكت سبيلا كنت سالكها ... فاذهب فلا يبعدنك الله منتشر
من ليس فيه إذا قاولته رهق ... وليس فيه إذا ياسرته عسر
стр. 283
الليلة الواحدة والثلاثون
وجرى ليلة حديث الرأي في الحرب والحزم والتّيقّظ وقلّة الاستهانة بالخصم.
فقال ابن عبيد الكاتب: أنا أستحسن كلاما جرى أيّام الأمين والمأمون، وذاك أن عليّ بن عيسى بن ماهان لمّا توجّه إلى حرب طاهر بن الحسين من بغداد، سأل قوما وردوا من الرّيّ عن طاهر، فقالوا: إنه مجدّ. فقال: وما طاهر؟ إنما هو شوكة من أغصاني، وشرارة من ناري، ثم قال لأصحابه: والله ما بينكم وبين أن ينقصف انقصاف الشّجر من الرّيح العاصفة إلّا أن يبلغه عبورنا عقبة همذان، لأنّ السّخال لا تقوى على النّطاح، والثعالب لا صبر لها على لقاء الأسود، فإن يقم طاهر بموضعه يكن أوّل معرّض لظبات السّيوف وأسنّة الرّماح. فقال يحيى بن عليّ لعليّ بن عيسى:
أيّها الأمير، إنّ العساكر لا تساس بالتّواني، والحروب لا تدبّر بالاغترار، وإنّ الشّرارة الخفيّة ربّما صارت ضراما، والنّهلة من السّيل ربّما صارت بحرا عظيما.
فقال: إنّما حجب عليّ بن عيسى عن وثيق الرّأي هذا الاستحقار بالكلام، والاقتدار على اللّفظ، ومن صدق فكره في طلب الرأي النافع، قلّ كلامه بالهذر الضائع.
وقال في هذه الليلة: ما رأيت من يفي بإحصاء وجوه فعيل ومواقعها.
فكان من الجواب: أنّ الأخفش قد ذكر عشرة أوجه، وهي أكثر ما قدر عليه، والتصفّح قد دلّ على أربعين وجها وزيادة.
قال: فما أغرب ما مرّ بك منها؟
فقيل: فعيل بمعنى فعل. فقال: هذا والله غريب، فهات له شاهدا. فقيل: يقال مكان دميث ودمث، ويقين ويقن، ورصيف ورصف، وللفرس العتيد للعدو: العتد، والنّقيل من العدو: نقل، والخبيط من الورق: خبط، وللعديم: عدم، والبئر النّزيح:
نزح، وللجسم العميم: عمم.
وقال ابن الأعرابي: القفيل الشّوك اليابس، والجمع قفل. وقال أحمد بن يحيى: هو مني بعد أي بعيد، والبعد يكون للجمع والواحد.
فعجب وقال: ينبغي أن يعنى بهذه الوجوه كلّها. فإنّ الزيادة على مثل الأخفش
стр. 284
ظفر حسن، وامتياز في الغرارة جميل، وما تفاضلت درجات العلماء إلّا بتصفّح الأخير قول الأوّل واستيلائه على ما فاته.
وسأل- أباد الله عداه، وحقّق مناه- وقال: هل يسلّم على أهل الذّمّة؟ وهل يبدأون؟
فكان أبو البختريّ الداوديّ حاضرا- فحكى أنّ عمر بن عبد العزيز سئل عن هذا بعينه، فقال: يردّ ﵈، ولا بأس بأن يبدءوا، لقول الله :
فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ
[الزخرف: ٨٩] .
وحكى في معرض حديث أبي بكر قال: كتب مجنون إلى مجنون: «بسم الله الرّحمن الرّحيم، حفظك الله، وأبقاك الله، كتبت إليك ودجلة تطغى، وسفن الموصل ها هي، وما يزداد الصّبيان، إلا شرّا، ولا الحجارة إلا كثرة، فإيّاك والمرق فإنّه شرّ طعام في الدّنيا، ولا تبت إلّا وعند رأسك حجر أو حجران، فإنّ الأخبر يقول: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ
[الأنفال: ٦٠] . وكتبت إليك لثلاث عشرة وأربعين ليلة خلت من عاشوراء سنة الكمأة» .
قال: وكتب مجنون آخر: «أبقاك الله من النّار وسوء الحساب، وتفديك نفسي موفّقا إن شاء الله» .
قال: وكتب مجنون آخر إلى مجنون مثله: وهب الله لي جميع المكاره فيك، كتابي إليك من الكوفة حقّا حقّا حقّا، أقلامي تخطّ، والموت عندنا كثير، إلا أنّه سليم والحمد لله، أحببت ليعرفه إعلامكم ذلك إن شاء الله.
فضحك- أضحك الله سنّه- حتى استلقى، وقال: ما الذي يبلغ بنا هذا الاستطراف إذا سمعنا بحديث المجانين؟
فقال ابن زرعة: لأنّ المجنون مشارك للعاقل في الجنس، فإذا كان من العاقل ما يحسب أن يكون من المجنون كره ذلك له، وإذا كان من المجنون ما يعهد من العاقل تعجّب منه، والعقل بين أصحابه ذو عرض واسع، وبقدر ذلك يتفاضلون التّفاضل الذي لا سبيل إلى حصره، وكذلك الجنون بين أهله ذو عرض واسع، وبحسب ذلك يتفاوتون التّفاوت الذي لا مطمع في تحصيله، وكما أنّه يبدر من العاقل بعض ما لا يتوقّع إلا من المجنون كذلك يبدر من المجنون بعض ما لا يتوقّع إلا من العاقل، ولا يعتدّ بذلك ولا بهذا، أعني أنّ العاقل بذلك المقدار لا يرى مجنونا، والمجنون بذلك المقدار لا يسمّى عاقلا، وإنما اجتمعا في النادر القليل، لاجتماعهما في الجنس الذي يعمّهما، والنوع الذي يفصلهما، وفي الجملة الإنسان بما هو به حيوان سبع وحمار، وبما هو به نفسيّ إنسان، وبما هو به عاقل نبيّ وملك، وهذه الأعراض- وإن تداخلت
стр. 285
لانتظامها في طينة واحدة- فإنّها تتميّز بقوّة العقل في الصّورة المخلوطة إما مفارقة، وإما مواصلة. ومرّ له في هذا الموضع كلام بليغ تامّ مكشوف «١» .
ثمّ ترامى الحديث إلى أمر المطعمين والطاعمين، والذين يهشّون عند المائدة، والذين يعبسون ويجمون ويطرقون، والذين يصخبون ويلغطون، ويضجرون ويغتاظون.
فقال: أحبّ أن أسمع في هذا أكثر ما فيه، ويمرّ بي أعجبه، فإنّ في معرفة هذا الباب تهذيبا وإيقاظا كثيرا.
فكان من الجواب: إنّ الناس قديما وحديثا قد خاضوا في هذا الفنّ خوضا بعيدا، وما وقفوا منه عند حدّ، لأن الحديث عن الأخلاق المختلفة بالأمزجة المتباينة، والطبائع المتنائية لا يكاد ينتهي إلى غاية يكون فيها شفاء للمستمع المستفيد ولا للرواية المفيد.
قال: قبل كل شيء أعلمونا يا أصحابنا: الحثّ على الأكل أحسن، أم الإمساك حتى يكون من الأكل ما يكون؟
فكان من الجواب: أن هذه المسألة بعينها جرت بالأمس بالرّيّ عند ابن عبّاد فتنوهب الكلام فيها، وأفضى إلى الأولى الحثّ والتأنيس والبسط والطّلاقة ولين اللّفظ وقلّة التّحديق وإسجاء الطّرف مع اللّطف والدّماثة، من غير دلالة على تكلف في ذلك فاضح ولا إمساك عنه قادح.
وحكى ابن عبّاد في هذا الموضع أنّ بعض السّلف قال: الطعام أهون من أن يحثّ على تناوله.
وقال الحسن بن عليّ: الطعام أجلّ من أن لا يحثّ على تناوله. ومذهب الحسن أحسن.
قال: ولقد حضرت موائد ناس لا أظنّ بهم البخل فلم يحثّوني ولم يبسطوني فقبضني ذلك، وكأنّ انقباضي كان بمعونتهم، وإن لم يكن بإرادتهم.
قال الوزير: هذه فائدة من هذا الرجل الّذي يتهادى قوله، وتتراوى أخباره.
ثم حكيت له أن أسماء بن حارجة قال: ما صنعت طعاما قطّ فدعوت عليه نفرا إلّا كانوا أمّن عليّ منّي عليهم. فقال: زدنا من هذا الضرب ما كان، قلت: لو أذن لي في جمعه كان أولى، قال: لك ذلك فما يضرّنا أن تطرب آذاننا بما تهوى نفوسنا.
فكان من الجواب أنّ الجاحظ قد أتى على جمهرة هذا الباب إلّا ما شذّ عنه ممّا لم يقع إليه، فإن العالم- وإن كان بارعا- ليس يجوز أن يظن به أنه قد أحاط بكلّ
следующие страницы →