← Адаб

Адаб · id 10521

الإمتاع والمؤانسة

أبو حيان التوحيدي

Полный текст (408 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الليلة الثلاثون وقال الوزير- أدام الله أيّامه-: سراويل يذكّر أم يؤنّث، ويصرف أم لا؟ فكان الجواب: أنّ عليّ بن عيسى حدّثنا عن شيخه ابن السّراج قال: سألت المبرّد فقلت: إذا كان الواحد في صيغة الجمع ما يصنع به في الصّرف في مثل شعره هراميل وهذه سراويل وما أشبهه، فقال: ألحقه بالجمع فامنعه الصّرف، لأنّه مثله وشبيهه. قال: وسألت أحمد بن يحيى عن ذلك، فقال: أخبرنا سلمة عن الفرّاء قال: ألحقه بأحمد فامنعه الصّرف في المعرفة، واصرفه في النّكرة حتّى يكون بين الواحد والجمع فرق. وسأل فقال: ما واحد المناخيب والمناجيب وما حكمهما؟ فكان من الجواب: واحد المناخيب منخاب، يمدح به ويذمّ، فإذا كان مدحا فهو مأخوذ من النّخب، وهو الاختيار، وإذا كان ذمّا فهو مأخوذ من النّخبة، وهي الاست. قال: وهكذا المنجاب يكون مدحا وذمّا، فإذا كان مدحا فهو مأخوذ من الانتجاب، وهو الاختيار، وإذا كان ذمّا فهو مأخوذ من النّجب، وهو قشر الشّجر. قال: ما معنى قولهم: امرأة عروب؟ فكان من الجواب أن محمّد بن يزيد قال- على ما حدّثنا به أبو سعيد وابن السراج عنه- إنّه من الأضداد، وهي المتحبّبة إلى زوجها، وهي الفاسدة، مأخوذ من قولهم: عربت معدته إذا فسدت. وقال: الضّهياء يمدّ ويقصر؟ فكان من الجواب أن ابن الأعرابيّ قال: الّذي حصّلته عن الأعراب أنّ الضّهياء الممدودة هي التي لا تحيض، وأن المقصورة هي الياسمين، وجمع الأوّل ضهيّ وجمع المقصور ضهايا. قال: ما معنى المندليّ المطيّر؟ فكان من الجواب: أن ابن الأعرابيّ قال: هو مقلوب المطرّى. وقال: أنشدني غزلا. فأنشدته ما حضر في الوقت لأعرابيّ: أمرّ مجنّبا عن بيت سلمى ... ولم ألمم به وبه الغليل أمرّ مجنّبا وهواي فيه ... وطرفي عنه منكسر كليل

стр. 282

وقلبي فيه مقتتل فهل لي ... إلى قلبي وقاتله سبيل وقال: أتحفظ الأبيات التي فيها: تكفيه فلذة كبد إن ألمّ بها ... من الشّواء ويكفي شربه الغمر فأنشده ابن نباتة، وذاك لأني قلت: ما أحفظ إلا هذا البيت شاهدا، وهو لأعشى باهلة يرثي المنتشر: إنّي أتتني لسان لا أسرّ بها ... من علو عجب منها ولا سخر فبتّ مرتفعا للنّجم أرقبه ... حيران ذا حذر لو ينفع الحذر وجاشت النفس لمّا جاء جمعهم ... وراكب جاء من (تثليث) معتمر يأتي على النّاس لا يلوي على أحد ... حتى التقينا وكانت دوننا (مضر) نعيت من لا تغبّ الحيّ جفنته ... إذا الكواكب أخطأ نوأها المطر من ليس في خيره شرّ يكدّره ... على الصّديق ولا في صفوه كدر طاوي المصير على العزّاء منصلت ... بالقوم ليلة لا ماء ولا شجر لا تنكر البازل الكوماء ضربته ... بالمشرفيّ إذا ما اجلوّذ السّفر وتفزع الشّول منه حين تبصره ... حتى تقطّع في أعناقها الجرر لا يصعب الأمر إلا ريث يركبه ... وكلّ أمر سوى الفحشاء يأتمر يكفيه حزّة فلذان ألمّ بها ... من الشّواء ويكفي شربه الغمر لا يتأرّى لما في القدر يرقبه ... ولا يعضّ على شرسوفه الصّفر لا يغمز الساق من أين ومن وصب ... ولا يزال أمام القوم يقتفر مهفهف أهضم الكشحين منخرق ... عنه القميص بسير الليل محتقر عشنا بذلك دهرا ثم فارقنا ... كذلك الرّمح ذو النّصلين ينكسر لا تأمن الناس ممساه ومصبحه ... من كلّ أوب وإن لم يأت ينتظر إمّا يصبك عدوّ في مناوأة ... يوما فقد كنت تستعلي وتنتصر لو لم تخنه نفيل وهي خائنة ... ألمّ بالقوم ورد منه أو صدر ورّاد حرب شهاب يستضاء به ... كما يضيء سواد الطّخية القمر إمّا سلكت سبيلا كنت سالكها ... فاذهب فلا يبعدنك الله منتشر من ليس فيه إذا قاولته رهق ... وليس فيه إذا ياسرته عسر

стр. 283

الليلة الواحدة والثلاثون وجرى ليلة حديث الرأي في الحرب والحزم والتّيقّظ وقلّة الاستهانة بالخصم. فقال ابن عبيد الكاتب: أنا أستحسن كلاما جرى أيّام الأمين والمأمون، وذاك أن عليّ بن عيسى بن ماهان لمّا توجّه إلى حرب طاهر بن الحسين من بغداد، سأل قوما وردوا من الرّيّ عن طاهر، فقالوا: إنه مجدّ. فقال: وما طاهر؟ إنما هو شوكة من أغصاني، وشرارة من ناري، ثم قال لأصحابه: والله ما بينكم وبين أن ينقصف انقصاف الشّجر من الرّيح العاصفة إلّا أن يبلغه عبورنا عقبة همذان، لأنّ السّخال لا تقوى على النّطاح، والثعالب لا صبر لها على لقاء الأسود، فإن يقم طاهر بموضعه يكن أوّل معرّض لظبات السّيوف وأسنّة الرّماح. فقال يحيى بن عليّ لعليّ بن عيسى: أيّها الأمير، إنّ العساكر لا تساس بالتّواني، والحروب لا تدبّر بالاغترار، وإنّ الشّرارة الخفيّة ربّما صارت ضراما، والنّهلة من السّيل ربّما صارت بحرا عظيما. فقال: إنّما حجب عليّ بن عيسى عن وثيق الرّأي هذا الاستحقار بالكلام، والاقتدار على اللّفظ، ومن صدق فكره في طلب الرأي النافع، قلّ كلامه بالهذر الضائع. وقال في هذه الليلة: ما رأيت من يفي بإحصاء وجوه فعيل ومواقعها. فكان من الجواب: أنّ الأخفش قد ذكر عشرة أوجه، وهي أكثر ما قدر عليه، والتصفّح قد دلّ على أربعين وجها وزيادة. قال: فما أغرب ما مرّ بك منها؟ فقيل: فعيل بمعنى فعل. فقال: هذا والله غريب، فهات له شاهدا. فقيل: يقال مكان دميث ودمث، ويقين ويقن، ورصيف ورصف، وللفرس العتيد للعدو: العتد، والنّقيل من العدو: نقل، والخبيط من الورق: خبط، وللعديم: عدم، والبئر النّزيح: نزح، وللجسم العميم: عمم. وقال ابن الأعرابي: القفيل الشّوك اليابس، والجمع قفل. وقال أحمد بن يحيى: هو مني بعد أي بعيد، والبعد يكون للجمع والواحد. فعجب وقال: ينبغي أن يعنى بهذه الوجوه كلّها. فإنّ الزيادة على مثل الأخفش

стр. 284

ظفر حسن، وامتياز في الغرارة جميل، وما تفاضلت درجات العلماء إلّا بتصفّح الأخير قول الأوّل واستيلائه على ما فاته. وسأل- أباد الله عداه، وحقّق مناه- وقال: هل يسلّم على أهل الذّمّة؟ وهل يبدأون؟ فكان أبو البختريّ الداوديّ حاضرا- فحكى أنّ عمر بن عبد العزيز سئل عن هذا بعينه، فقال: يردّ ﵈، ولا بأس بأن يبدءوا، لقول الله : فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ [الزخرف: ٨٩] . وحكى في معرض حديث أبي بكر قال: كتب مجنون إلى مجنون: «بسم الله الرّحمن الرّحيم، حفظك الله، وأبقاك الله، كتبت إليك ودجلة تطغى، وسفن الموصل ها هي، وما يزداد الصّبيان، إلا شرّا، ولا الحجارة إلا كثرة، فإيّاك والمرق فإنّه شرّ طعام في الدّنيا، ولا تبت إلّا وعند رأسك حجر أو حجران، فإنّ الأخبر يقول: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠] . وكتبت إليك لثلاث عشرة وأربعين ليلة خلت من عاشوراء سنة الكمأة» . قال: وكتب مجنون آخر: «أبقاك الله من النّار وسوء الحساب، وتفديك نفسي موفّقا إن شاء الله» . قال: وكتب مجنون آخر إلى مجنون مثله: وهب الله لي جميع المكاره فيك، كتابي إليك من الكوفة حقّا حقّا حقّا، أقلامي تخطّ، والموت عندنا كثير، إلا أنّه سليم والحمد لله، أحببت ليعرفه إعلامكم ذلك إن شاء الله. فضحك- أضحك الله سنّه- حتى استلقى، وقال: ما الذي يبلغ بنا هذا الاستطراف إذا سمعنا بحديث المجانين؟ فقال ابن زرعة: لأنّ المجنون مشارك للعاقل في الجنس، فإذا كان من العاقل ما يحسب أن يكون من المجنون كره ذلك له، وإذا كان من المجنون ما يعهد من العاقل تعجّب منه، والعقل بين أصحابه ذو عرض واسع، وبقدر ذلك يتفاضلون التّفاضل الذي لا سبيل إلى حصره، وكذلك الجنون بين أهله ذو عرض واسع، وبحسب ذلك يتفاوتون التّفاوت الذي لا مطمع في تحصيله، وكما أنّه يبدر من العاقل بعض ما لا يتوقّع إلا من المجنون كذلك يبدر من المجنون بعض ما لا يتوقّع إلا من العاقل، ولا يعتدّ بذلك ولا بهذا، أعني أنّ العاقل بذلك المقدار لا يرى مجنونا، والمجنون بذلك المقدار لا يسمّى عاقلا، وإنما اجتمعا في النادر القليل، لاجتماعهما في الجنس الذي يعمّهما، والنوع الذي يفصلهما، وفي الجملة الإنسان بما هو به حيوان سبع وحمار، وبما هو به نفسيّ إنسان، وبما هو به عاقل نبيّ وملك، وهذه الأعراض- وإن تداخلت

стр. 285

لانتظامها في طينة واحدة- فإنّها تتميّز بقوّة العقل في الصّورة المخلوطة إما مفارقة، وإما مواصلة. ومرّ له في هذا الموضع كلام بليغ تامّ مكشوف «١» . ثمّ ترامى الحديث إلى أمر المطعمين والطاعمين، والذين يهشّون عند المائدة، والذين يعبسون ويجمون ويطرقون، والذين يصخبون ويلغطون، ويضجرون ويغتاظون. فقال: أحبّ أن أسمع في هذا أكثر ما فيه، ويمرّ بي أعجبه، فإنّ في معرفة هذا الباب تهذيبا وإيقاظا كثيرا. فكان من الجواب: إنّ الناس قديما وحديثا قد خاضوا في هذا الفنّ خوضا بعيدا، وما وقفوا منه عند حدّ، لأن الحديث عن الأخلاق المختلفة بالأمزجة المتباينة، والطبائع المتنائية لا يكاد ينتهي إلى غاية يكون فيها شفاء للمستمع المستفيد ولا للرواية المفيد. قال: قبل كل شيء أعلمونا يا أصحابنا: الحثّ على الأكل أحسن، أم الإمساك حتى يكون من الأكل ما يكون؟ فكان من الجواب: أن هذه المسألة بعينها جرت بالأمس بالرّيّ عند ابن عبّاد فتنوهب الكلام فيها، وأفضى إلى الأولى الحثّ والتأنيس والبسط والطّلاقة ولين اللّفظ وقلّة التّحديق وإسجاء الطّرف مع اللّطف والدّماثة، من غير دلالة على تكلف في ذلك فاضح ولا إمساك عنه قادح. وحكى ابن عبّاد في هذا الموضع أنّ بعض السّلف قال: الطعام أهون من أن يحثّ على تناوله. وقال الحسن بن عليّ: الطعام أجلّ من أن لا يحثّ على تناوله. ومذهب الحسن أحسن. قال: ولقد حضرت موائد ناس لا أظنّ بهم البخل فلم يحثّوني ولم يبسطوني فقبضني ذلك، وكأنّ انقباضي كان بمعونتهم، وإن لم يكن بإرادتهم. قال الوزير: هذه فائدة من هذا الرجل الّذي يتهادى قوله، وتتراوى أخباره. ثم حكيت له أن أسماء بن حارجة قال: ما صنعت طعاما قطّ فدعوت عليه نفرا إلّا كانوا أمّن عليّ منّي عليهم. فقال: زدنا من هذا الضرب ما كان، قلت: لو أذن لي في جمعه كان أولى، قال: لك ذلك فما يضرّنا أن تطرب آذاننا بما تهوى نفوسنا. فكان من الجواب أنّ الجاحظ قد أتى على جمهرة هذا الباب إلّا ما شذّ عنه ممّا لم يقع إليه، فإن العالم- وإن كان بارعا- ليس يجوز أن يظن به أنه قد أحاط بكلّ

стр. 286

باب، أو بالباب الواحد إلى آخره، على أنّه حدث من عهد الجاحظ إلى وقتنا هذا أمور وأمور، وهنات وهنات، وغرائب وعجائب، لأنّ الناس يكتسبون على رأس كلّ مائة سنة عادة جديدة، وخليقة غير معهودة، وبدء هذه المئين هو الوقت الذي فيه تنعقد شريعة، وتظهر نبوّة، وتفشو أحكام، وتستقرّ سنن، وتؤلف أحوال بعد فطام شديد، وتلكّؤ واقع، ثم على استنان ذلك يكون ما يكون. وقال ميمون بن مهران: من ضاف البخيل صامت دابّته، واستغنى عن الكنيف، وأمن التّخمة. وقال حامد اللّفّاف المتزهّد: المرائي إذا ضاف إنسانا حدّثه بسخاوة إبراهيم، وإذا ضافه إنسان حدّثه بزهد عيسى بن مريم. وقال مالك بن دينار: دخلنا على ابن سيرين فقال: ما أدري ما أطعمكم؟ ثم قدّم إلينا شهدة. وقال الأعمش: كان خيثمة يصنع الخبيص ثم يقول: كلوا فو الله ما صنع إلّا من أجلكم. وقال بكر بن عبد الله المزنيّ: أحقّ الناس بلطمة من إذا دعي إلى طعام ذهب بآخر معه، وأحقّهم بلطمتين من إذا قيل له: اجلس هاهنا، قال: بل هاهنا، وأحقّ الناس بثلاث لطمات من إذا قيل له: كل، قال: ما بال صاحب البيت لا يأكل معنا. وقال إبراهيم بن الجنيد: كان يقال: أربع لا ينبغي لشريف أن يأنف منهنّ وإن كان أميرا: قيامه من مجلسه لأبيه، وخدمته للعالم يتعلّم منه، والسؤال عمّا لا يعلم ممن هو أعلم منه، وخدمة الضيف بنفسه إكراما له. وقال حاتم الأصمّ: كان يقال العجلة من الشيطان إلا في خمس، فإنها من سنّة رسول الله ﷺ : إطعام الضّيف إذا حلّ، وتجهيز الميّت إذا مات، وتزويج البكر إذا أدركت، وقضاء الدّين إذا حلّ ووجب، والتّوبة من الذّنب إذا وقع. وقال النبي ﷺ : «ليلة الضّيف حقّ واجب على كلّ مسلم، فمن أصبح بفنائه فهو أحقّ به إن شاء أخذ، وإن شاء ترك» . وجاءت امرأة إلى الليث بن سعد وفي يدها قدح، فسألت عسلا وقالت: زوجي مريض، فأمر لها براوية عسل، فقالوا: يا أبا الحرث: إنّما تسأل قدحا. قال: سألت على قدرها ونعطيها على قدرنا. خرج ابن المبارك يوما إلى أصحابه، فقال لهم: نزل بنا ضيف اليوم فقال: اتخذوا لي فالوذجا، فسّرنا ذلك منه.

стр. 287

وقال الحسن في الرّجل يدخل بيت أخيه فيرى السّلّة فيها الفاكهة: لا بأس أن يأكل من غير أن يستأذنه. وقال ابن عمر: أهديت لرجل من أصحاب النبي- ﷺ شاة فقال: أخي فلان أحوج إليها، وبعث بها إليه، فلم يزل يبعث بها واحد بعد واحد حتى تداولها تسعة أبيات، ورجعت إلى الأوّل، فنزلت الآية: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [الحشر: ٩] . قال أبو سعيد الخدريّ: قال رسول الله ﷺ : «من كان له ظهر فليعد على من لا ظهر له، ومن كان له زاد فليعد على من لا زاد له، حتى رأينا أنّه لا حقّ لأحد منّا في الفضل» . وسئل ابن عمر: ما حقّ المسلم على المسلم؟ قال: ألّا يشبع ويجوع، وألّا يلبس ويعرى، وأن يواسيه ببيضائه وصفرائه. وكان ابن أبي بكرة ينفق على جيرانه أربعين دارا سوى سائر نفقاته، وكان يبعث إليهم بالأضاحيّ والكسوة في الأعياد، وكان يعتق في كلّ يوم عيد مائة مملوك. وكان حمّاد بن أبي سليمان يفطّر كلّ ليلة من شهر رمضان خمسين إنسانا، وإذا كان يوم الفطر كساهم ثوبا ثوبا وأعطاهم مائة مائة. وقال الشاعر: أراك تؤمّل حسن الثّناء ... ولم يرزق الله ذاك البخيلا وكيف يسود أخو بطنة ... يمنّ كثيرا ويعطي قليلا وقال النبيّ ﷺ : «تجافوا عن ذنب السّخيّ، فإن الله يأخذه بيده كلّما عثر» . وقال ﵇: «من أدّى الزّكاة، وقرى الضّيف، وآوى في النائبة، فقد وقي شحّ نفسه» . وقالت أمّ البنين أخت عمر بن عبد العزيز: أفّ للبخل، لو كان طريقا ما سلكته، ولو كان ثوبا ما لبسته، ولو كان سراجا ما استضأت به. وقال الأصمعيّ: قال بعض العرب: ليست الفتوّة الفسق ولا الفجور، ولا شرب الخمور، وإنما الفتوّة طعام موضوع، وصنيع مصنوع، ومكان مرفوع، ولسان معسول، ونائل مبذول، وعفاف معروف، وأذىّ مكفوف. وقال أبو حازم المدنيّ: أسعد النّاس بالخلق الحسن صاحبه، نفسه منه في راحة، ثم زوجته، ثم ولده، حتى إن فرسه ليصهل إذا سمع صوته، وكلبه يشرشر بذنبه إذا رآه، وقطّه يدخل تحت مائدته، وإنّ السّيئ الخلق لأشقى

стр. 288

الناس، نفسه منه في بلاء، ثم زوجته، ثم ولده، ثم خدمه، وإنّه ليدخل وهم في سرور فيتفرّقون فرقا منه، وإنّ دابّته لتحيد عنه إذا رأته، ممّا ترى منه، وكلبه ينزو على الجدار، وقطّه يفرّ منه. وكان على باب ابن كيسان مكتوب: ادخل وكل. وكانت عائشة ﵂ تقول في بكائها على النبي ﷺ : بأبي من لم ينم على الوثير، ولم يشبع من خبز الشّعير. وقال النبيّ ﷺ : «إنّ الله لم يخلق وعاء ملئ شرّا من بطن، فإن كان لابدّ فاجعلوا ثلثا للطعام، وثلثا للشراب، وثلثا للرّيح» . قال الشاعر: ليسوا يبالون إذا أصبحوا ... شبعى بطانا حقّ من ضيّعوا ولا يبالون بمولاهم ... والكلب في أموالهم يرتع وحكى لنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم بجرجان- إمام الدّنيا- قال: رأيت أبا خليفة المفضّل بن الحباب، وقد دعي إلى وليمة فرأى الصّحاف توضع وترفع، فقال: أللحسن والمنظر دعينا، أم للأكل والمخبر؟ فقيل: بل للأكل والمخبر، قال: فاتركوا الصّحفة يبلغ قعرها. وكان سليمان بن ثوابة ضخم الخوان، كثير الطّعام، وافر الرّغيف، وكان معجبا بإجادة الألوان، واتّخاذ البدائع والطّرائف والغرائب على مائدته، وكانت له ضروب من الحلوى لا تعرف إلّا به، وكان خبزه الذي يوضع على المائدة الرغيف من مكّوك دقيق، ولذلك قال أبو فرعون العدويّ: ما النّاس إلا نبط وخوزان ... ككهمس أو عمر بن عمران ضاق جرابي عن رغيف سلمان ... أير حمار في حر أمّ قحطان وأير بغل في است أمّ عدنان وعشق رجل جارية روميّة كانت لقوم ذوي يسار، فكتب إليها يوما: جعلت فداك، عندي اليوم أصحابي، وقد اشتهيت سكباجة بقريّة فأحبّ أن توجّهي إلينا بما يعمّنا ويكفينا منها، ودستجة من نبيذ لنتغذّى ونشرب على ذكرك، فلما وصلت الرّقعة وجّهت إليه بما طلب، ثم كتب إليها يوما آخر: فدتك نفسي، إخواني مجتمعون عندي، وقد اشتهيت قليّة جزوريّة فوجّهي بها إليّ وما يكفينا من النّبيذ والنّقل، ليعرفوا منزلتي عندك، فوجّهت إليه بكل ما سأل، ثم كتب إليها يوما آخر: جعلت فداك، قد اشتهيت أنا وأصحابي رؤوسا سمانا، فأحبّ أن توجّهي إلينا بما يكفينا، ومن النبيذ بما

стр. 289

يروينا، فكتبت الجارية عند ذلك: إنّي رأيت الحبّ يكون في القلب، وحبّك هذا ما تجاوز المعدة. وكتبت أسفل الرّقعة: عذيري من حبيب جا ... ءنا في زمن الشّدّه وكان الحبّ في القلب ... فصار الحبّ في المعده وقال جرير: ولا يذبحون الشاة إلا بميسر ... كثير تناجيها لئام قدورها وقالت عادية بنت فرعة الزّبيريّة في ابنها دوس: تشبه دوس نفرا كراما ... كانوا الذّرى والأنف والسّناما كانوا لمن خالطهم إداما ... كالسّمن لمّا سغبل الطعاما يقال سغبل رأسه بالدّهن وسغسغه وروّاه وأمرعه. قال الواقديّ: قيل لأمّ أيوب: أيّ الطّعام كان أحبّ إلى رسول الله ﷺ فقد عرفتم ذلك بمقامه عندكم؟ فقالت: ما رأيته أمر بطعام يصنع له بعينه، ولا رأيناه أتي بطعام فعابه قطّ. وقد أخبرني أبو أيوب أنه تعشّى عنده ليلة من قصعة أرسل بها سعد بن عبادة فيها طفيشل فرأيته ينهك تلك القصعة ما لم ينهك غيرها، فرجع إليّ فأخبرني، فكنا نعملها له. وكنا نعمل له الهريسة، وكانت تعجبه، وكان يحضر عشاءه من خمسة إلى ستّة إلى عشرة كما يكون الطعام في القلة والكثرة. وكان أسعد بن زرارة يعمل له هريسة ليلة وليلة لا، فكان رسول الله ﷺ يسأل عنها: أجاءت قصعة أسعد أم لا؟ فيقال: نعم، فيقول: هلّموها، فنعرف بذلك أنّها تعجبه. قدم صهيب على رسول الله ﷺ بقباء ومعه أبو بكر وعمر، بين أيديهم رطب قد جاءهم به كلثوم بن الهدم أمّهات جراذين «١» وصهيب قد رمد في الطّريق، وأصابته مجاعة شديدة، فوقع في الرّطب، قال صهيب: فجعلت آكل، فقال عمر: يا رسول الله، ألا ترى إلى صهيب يأكل الرّطب وهو رمد؟ فقال رسول الله ﷺ : «أتأكل الرّطب وأنت رمد؟» فقال صهيب: أنا آكل بشقّ عيني الصحيحة، فتبسّم رسول الله ﷺ «٢» .

стр. 290

وقال الأعشى: لو أطعموا المنّ والسّلوى مكانهم ... ما أبصر الناس طعما فيهم نجعا وقال الكميت: وما استنزلت في غيرنا قدر جارنا ... ولا ثفيت إلّا بنا حين تنصب يقول إذا جاورنا جار لم نكلّفه أن يطبخ من عنده، ويكون ما يطبخه من عندنا بما نعطيه من اللّحم لينصب قدره. ويقال للحيس سويطة. وقال: الرّغيغة لبن يطبخ. وقال: هي العصيدة، ثم الحريرة ثم النّجيرة، ثم الحسوّ. واللّوقة: الرّطب بالسّمن، والسّليقة: الذّرة تدقّ وتصلح باللبن، والرّصيعة: البرّ يدقّ بالفهر ويبلّ ويطبخ بشيء من السّمن، والوجيئة: التّمر يوجأ ثم يؤكل باللّبن. وقال أعرابيّ: ليس من الألبان أحلى من لبن الخلفة. والنّخبسة والقطيبة يخلط لبن إبل بلبن غنم. وقال أعرابيّ: الحمد لله الذي أغنانا باللّبن عمّا سواه. ويقال أكل خبزا قفارا وعفارا وعفيرا: لا شيء معه وعليه العفار والدّمار وسوء الدار، وأكل خبزا جبيزا أي فطيرا يابسا. وجاء بتمر فضّ وفضا وفذّ وحثّ: لا يلزق بعضه ببعض. قال أبو الحسن الطّوسيّ: أخبرني هشام قال: دخل عليّ فرج الرّخّجيّ وقد تغدّيت واتّكأت، فقال: يا أبا عبد الله: إنّما تحسن الأكل والاتّكاء. قال: فتركت الأكل عنده أيّاما، وبلغه ذلك، فبعث إليّ: إن كنت لا تأكل طعامنا فليس لنا فيك حاجة. قال: «فأكلت شيئا ثم أتيته» فلم يعتذر ممّا كان. قال أبو الحسن: أخبرني الفرّاء قال: العرب تسمّي السّكباجة الصّعفصة. وأنشد: أبو مالك يعتادنا في الظّهائر ... يجوء فيلقي رحله عند عامر «١» أبو مالك: الجوع، هكذا تقول العرب ويجيء ويجوء لغتان. وقال الآخر: رأيت الغواني إذ نزلت جفونني ... أبا مالك إني أظنّك دائبا أبو مالك هاهنا الشّيب. قال أبو الحسن: أخبرني الثّوريّ عن أبي عبيدة في الحديث الذي يروى عن عمر بن الخطاب أنّه رأى في روث فرسه حبّة شعير، فقال: لأجعلنّ لك في غرز «٢»

стр. 291

النّقيع ما يشغلك عن شعير المسلمين. قال: والنقيع: موضع بالمدينة أحماه عمر بن الخطّاب لخيل المسلمين، خلاف البقيع بالباء. قال الطّوسيّ: العرب تقول: «أيدي الرّجال أعناقها» أي من كان أطول على المائدة تناول فأكل، الهاء ترجع على الإبل، أي أيدي الرجال أعناق الإبل، أي من طال نال. قال الأصمعيّ: سألت بعض الأكلة فيمن كان يقدم على ميسّري: الناس كيف تصنع إذا جهدتك الكظّة- والعرب تقول: «إذا كنت بطنا فعدّك زمنا-؟ قال: آخذ روثا حارّا وأعصره وأشرب ماءه، فأختلف عنه مرارا، فلا ألبث أن يلحق بطني بظهري فأشتهي الطعام. قال ابن الأعرابي: قال الكلابيّ: هو يندف الطّعام إذا أكله بيده، ويلقم الحسوّ، واللّقم بالشّفة، والنّدف: الأكل باليد. وقال الزبيريّ: يندف. وأنشد ابن الأعرابيّ: ويظلّ ضيف بني عبادة فيهم ... متضمّرا وبطونهم كتم أي ممتلئة. والتّضمّر: الهزال والنّحافة، كالنخل المضمّر، أي الذي قد ذوت جذوعه. قال الشّنبوذيّ في قول الله تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [الكهف: ١٠٣، ١٠٤] . قال: الذين يثردون ويأكل غيرهم. قال أبو الحسن: كانت لي ابنة تجلس معي على المائدة فتبرز كفّا كأنها طلعة، في ذراع كأنّها جمّارة، فلا تقع عينها على أكلة نفيسة إلّا خصّتني بها، فزوّجتها، وصار يجلس معي على المائدة ابن لي، فيبرز لي كفّا كأنّها كرنافة، في ذراع كأنها كربة «١» ، فو الله إن تسبق عيني إلى لقمة طيّبة إلّا سبقت يده إليها. وقال أعرابيّ للنبيّ ﷺ : إني نذرت إذا بلّغتني ناقتي أن أنحرها وآكل من كبدها. قال: «بئسما جازيتها» «٢» .

стр. 292

أضلّ أعرابيّ بعيرا له، فطلبه، فرأى على باب الأمير بختيّا، فأخذه وقال: هذا بعيري، فقال: إنّك أضللت بعيرا وهذا بختيّ. فقال: لمّا أكل علف الأمير تبخّت. فضحك منه وتركه يعيد قوله ويعجبه. الكدنة: غلظ اللّحم وتراكمه، ومنه قول هشام لسالم- وقد رآه فأعجبه جسمه-: ما رأيت ذا كدنة أحسن منك، فما طعامك؟ قال: الخبز والزّيت. قال: أما تأجمه «١» ؟ قال: إذا أجمته تركته حتى أشتهيه، ثم خرج وقد أصاب في جسمه برصا. فقال: لقعني «٢» الأحول بعينه، فما خرج هشام من المدينة حتى صلّى عليه. وقال عبد الأعلى القاصّ: الفقير مرقته سلقة، وغذاؤه علقة، وخبزته فلقة، وسمكته شلقة، أي كثيرة الشّوك. قال رجاء بن سلمة: الأكل في السّوق حماقة. قيل لذؤيب بن عمرو: إنك مفلس لا تقدر على قرص ولا جمع ولا حفالة، وبيتك عامر بالفأر. قال علي بن عيسى: الطلاق الثّلاث البتّة إن كان يمنعهم من التّحوّل عنه إلا أنهم يسرقون أطعمة الناس يأكلونها في بيته لأمنهم فيه، لأنه لا هرّ هناك ولا أحد يأخذ شيئا ولا يؤذون، وإنّ لهم لمسقاة مملوءة ماء كلما جفّت سكب لهم فيها ماء. جعل الخبر عن الفأر على التلمح، كالخبر عن قوم عقلاء. وقال النبيّ ﷺ : «أكرموا الخبز فإنّ الله أكرمه وسخّر له بركات السّموات والأرض» «٣» . وقال آخر: كأنّ صوت سحبها الممتاح ... سعال شيخ من بني الجلاح يقول من بعد السّعال آح قال الأصمعيّ: الرّجيع: الشّواء يسخّن ثانية. والنّقيعة ما يحرزه رئيس القوم من الغنيمة قبل أن تقسم والجمع نقائع. وقال: أنشدني عيسى بن عمر لمعاوية بن صعصعة: مثل الذّرى لحبت عرائكها ... لحب الشّفار نقائع النّهب

стр. 293

وقال مهلهل: إنا لنضرب بالسيوف رؤوسهم ... ضرب القدار نقيعة القدّام القدار: الجزّار. والقدار: الملك أيضا. والقدّام: رؤساء الجيوش، والواحد قادم. وقال معن بن أوس يصف هدير قدر: إذا التطمت أمواجها فكأنها ... عوائذ دهم في المحلّة قيّل إذا ما انتحاها المرملون رأيتها ... لوشك قراها وهي بالجزل تشعل سمعت لها لغطا إذا ما تغطمطت ... كهدر الجمال رزّما حين تجفل وقال آخر: إذا كان فصد العرق والعرق ناضب ... وكشط سنام الحيّ عيشا ومغنما وكان عتيق القدّ خير شوائهم ... وصار غبوق الخود ماء محمّما عقرت لهم دهما مقاحيد جلّة ... وعادت بقايا البرك نهبا مقسّما قال: وإذا كان القحط فصدوا الإبل وعالجوا ذلك الدّم بشيء من العلاج لها كما يصنع الترك، فإنها تجعله في المصران، ثم تشويه أو تطبخه، فيؤكل كما تؤكل النّقانق وما أشبه ذلك. وأما قوله: «والعرق ناضب» فإنما يعني قلّة الدّم لهزال البعير، وكذلك جميع الحيوان، وأكثر ما يكون دما إذا كان بين المهزول والسّمين. وقالت أمّ هشام السّلوليّة: ما ذكر الناس مذكورا خيرا من الإبل وأجدى على أحد بخير، وهكذا روي. وقال الأندلسيّ: إن حملت أثقلت، وإن مشت أبعدت، وإن حلبت أروت، وإن نحرت أشبعت. قال أبو الحسن الهيثم، عن عبد العزيز بن يسار قال: قدمت يا جميرى بخمس سفائف دقيق، وذاك في زمن مصعب وهو معسكر بها فلقيني عكرمة بن ربعيّ الشّيبانيّ فقال: بكم أخذتها؟ قلت: بتسعين ألفا. قال: فإني أعطيك مائة وخمسين ألفا على أن تؤخّرني. فدفعتهنّ إليه، وما في المعسكر يومئذ دقيق. قال: فجاء بنو تيم الله فأخذوا ذلك الدقيق، فجعل كلّ قوم يعجنون على حيالهم، ثم جاءوا إلى رهوة من الأرض فحفروها، ثم جعلوا فيها الحشيش، ثم طرحوا ذلك العجين فيها، ثم أقبلوا فأخذوا فرسا وديقا «١» ... فخلّوا عنه، ثم أقبلوا وهو يتبعهم حتى انتهوا إلى الحفيرة، فدفعوا

стр. 294

الفرس الوديق فيها، وتبعها الفرس، وتنادى الفريقان: إن فرس حوشب وقع في حفيرة عكرمة فما أخرجوه إلا بالعمد. قال: فغلبه عكرمة. قال الشاعر: لا أشتم الضّيف إلا أن أقول له: ... أباتك الله في أبيات عمّار أباتك الله في أبيات معتنز ... عن المكارم لا عفّ ولا قاري جلد النّدى زاهد في كلّ مكرمة ... كأنّما ضيفه في ملّة النّار وقال آخر: وهو إذا قيل له: ويها كل ... فإنّه مواشك مستعجل وهو إذا قيل له: ويها فل ... فإنّه أحج به أن ينكل قيل لصوفيّ: ما حدّ الشّبع؟ قال: لا حدّ له، ولو أراد الله أن يؤكل بحدّ لبيّن كما بيّن جميع الحدود. وكيف يكون للأكل حدّ، والأكلة مختلفوا الطّباع والمزاج والعارض والعادة، وحكمة الله ظاهرة في إخفاء حدّ الشّبع حتى يأكل من شاء على ما شاء كما شاء. وقيل لصوفيّ: ما حدّ الشّبع؟ فقال: ما نشّط على أداء الفرائض، وثبّط عن إقامة النّوافل. وقيل لمتكلم: ما حدّ الشّبع؟ فقال: حدّه أن يجلب النوم، ويضجر القوم، ويبعث على اللّوم. وقيل لطفيليّ: ما حدّ الشّبع؟ قال: أن يؤكل على أنه آخر الزّاد، ويؤتى على الجلّ والدّقّ. وقيل لأعرابيّ: ما حدّ الشّبع؟ قال: أمّا عندكم يا حاضرة فلا أدري، وأما عندنا في البادية فما وجدت العين، وامتدّت إليه اليد، ودار عليه الضّرس وأساغه الحلق، وانتفخ به البطن، واستدارت عليه الحوايا، واستغاثت منه المعدة، وتقوّست منه الأضلاع، والتوت عليه المصارين، وخيف منه الموت. وقيل لطبيب: ما حدّ الشّبع؟ قال: ما عدّل الطبيعة، وحفظ المزاج وأبقى شهوة لما بعد. وقيل لقصّار: ما حدّ الشّبع؟ قال: أن تثب إلى الجفنة كأنّك سرحان وتأكل وأنت غضبان، وتمضغ كأنك شيطان، وتبلع كأنك هيمان، وتدع وأنت سكران، وتستلقي كأنك أوان. وقيل لحمّال: ما حدّ الشّبع؟ قال: أن تأكل ما رأيت بعشر يديك غير عائف ولا متقزّز، ولا كاره ولا متعزّز.

стр. 295

وقيل لملّاح: ما حدّ الشّبع؟ قال: حدّ السّكر. قيل: فما حدّ السّكر؟ قال: ألّا تعرف السّماء من الأرض، ولا الطّول من العرض، ولا النافلة من الفرض، من شدّة النّهس والكسر والقطع والقرض. قيل له: فإنّ السكر محرّم، فلم جعلت الشّبع مثله؟ قال: صدقتم، هما سكران: أحد السّكرين موصوف بالعيب والخسار، والآخر معروف بالسّكينة والوقار. قيل له: أما تخاف الهيضة؟ قال: إنما تصيب الهيضة من لا يسمّي الله عند أكله، ولا يشكره على النعمة فيه. فأما من ذكر الله وشكره فإنه يهضم ويستمرئ ويقرم إلى الزّيادة. وقيل لبخيل: ما حدّ الشّبع؟ قال: الشبع حرام كلّه، وإنّما أحلّ الله من الأكل ما نفى الخوى، وسكّن الصّداع، وأمسك الرّمق، وحال بين الإنسان وبين المرح، وهل هلك الناس في الدّين والدنيا إلا بالشّبع والتّضلّع والبطنة والاحتشاء، والله لو كان للناس إمام لوكّل بكلّ عشرة منهم من يحفظ عليهم عادة الصحة، وحالة العدالة، حتى يزول التعدّي، ويفشو الخير. وقيل لجنديّ: ما حدّ الشّبع؟ قال: ما شدّ العضد، وأحمى الظّهر، وأدرّ الوريد، وزاد في الشّجاعة. وقيل لزاهد: ما حدّ الشّبع؟ قال: ما لم يحل بينك وبين صوم النهار وقيام اللّيل. وإذا شكا إليك جائع عرفت صدقه لإحساسك به. وقيل لمدنيّ: ما حدّ الشّبع؟ فقال: لا عهد لي به، فكيف أصف ما لا أعرف؟ وقيل ليمنيّ: ما حدّ الشّبع؟ قال: أن يحشى حتى يخشى. وقيل لتركيّ: ما حدّ الشّبع؟ قال: أن تأكل حتى تدنو من الموت. وقيل لسمّويه القاصّ: من أفضل الشهداء؟ قال: من مات بالتّخمة، ودفن على الهيضة. قيل لسمرقنديّ: ما حدّ الشّبع؟ قال: إذا جحظت عيناك، وبكم لسانك، وثقلت حركتك، وارجحنّ بدنك، وزال عقلك، فأنت في أوائل الشّبع. قيل له: إذا كان هذا أوّله، فما آخره؟ قال: أن تنشقّ نصفين. قيل لهنديّ: ما حدّ الشّبع؟ قال: المسألة عن هذا كالمحال، لأنّ الشّبع من الأرزّ النقيّ الأبيض، الكبار الحبّ، المطبوخ باللّبن الحليب، المغروف على الجام البلّور، المدوف «١» بالسّكّر الفائق، مخالف للشّبع من السّمك المملوح وخبز الذّرة، وعلى هذا يختلف الأمر في الشّبع. فقيل له: فدع هذا، إلى متى ينبغي أن يأكل الإنسان؟ قال: إلى أن يقع له أنّه إذا أراد لقمة زهقت نفسه إلى النّار.

стр. 296

قيل لمكار: ما حدّ الشّبع؟ قال: والله ما أدري، ولكن أحبّ أن آكل ما مشى حماري من المنزل إلى المنزل. قيل لجمّال: ما حدّ الشّبع؟ قال: أنا أواصل الأكل فما أعرف الحدّ، ولو كنت أنتهي لوصفت الحال فيه، أعني أني ساعة ألتّ الدقيق، وساعة أملّ الملّة، وساعة أثرد، وساعة آكل وساعة أشرب لبن اللّقاح؛ فليس لي فراغ فأدري أني بلغت من الشّبع، إلا أنني أعلم في الجملة أنّ الجوع عذاب وأنّ الأكل رحمة، وأنّ الرّحمة كلّما كانت أكثر، كان العبد إلى الله أقرب، والله عنه أرضى. قال الوزير لمّا بلغت هذا الموضع من الجزء- وكنت أقرأ عليه-: ما أحسن ما اجتمع من هذه الأحاديث! هل بقي منها شيء؟ قلت: بقي منها جزء آخر. قال: دعه لليلة أخرى وهات ملحة الوداع. قلت: قيل لصوفيّ في جامع المدينة: ما تشتهي؟ قال: مائدة روحاء عليها جفنة رحّاء، فيها ثريدة صفراء، وقدر حمراء بيضاء. قال: أبيت الآن ألّا تودّع إلّا بمثل ما تقدّم؟ وانصرفت.

стр. 297

الليلة الثانية والثلاثون ثم حضرت فقرأت ما بقي من هذا الفنّ. قال رجل من فزارة: تنبح أحيانا وأحيانا تهرّ ... وتتمطّى ساعة وتقدحرّ تعدو على الضّيف بعود منكسر ... يسقط عنها ثوبها وتأتزر لو نحرت في بيتها عشر جزر ... لأصبحت من لحمهنّ تعتذر بحلف سحّ ودمع منهمر ... يفرّ من قاتلها ولا تفر المقدحرّ: المتهيئ للسّباب. وقال أبو دلامة الأسديّ. قد يشبع الضّيف الذي لا يشبع ... من الهبيد والحراد تسع ثم يقول ارضوا بهذا أو دعوا وقال آخر: حتى إذا أضحى تدرّى واكتحل ... لجارتيه ثم ولّى فنثل ذرق الأنوقين القرنبى والجعل وقال آخر: إذا أتوه بطعام وأكل ... بات يعشّي وحده ألفي جعل وقال أبو النجم: تدنى من الجدول مثل الجدول ... أجوف في غلصمة كالمرجل تسمع للماء كصوت المسحل ... بين وريديها وبين الجحفل يلقيه من طرق أتتها من عل ... قذف لها جوف وشدق أهدل كأنّ صوت جرعها المستعجل ... جندلة دهدهتها في جندل وقال آخر: يقول للطّاهي المطرّي في العمل ... ضهّب لنا إنّ الشّواء لا يمل بالشّحم إمّا قد أجمناه بخل ... عجّل لنا من ذا وألحق بالبدل

стр. 298

وأنشد ابن الأعرابيّ: أعددت للضّيف وللرّفيق ... والجار والصّاحب والصّديق وللعيال الدّردق اللّصوق ... حمراء من معز أبي مرزوق تلحس خدّ الحالب الرّفيق ... بليّن المسّ قليل الرّيق كأنّ صوت شخبها الفتيق ... فحيح ضبّ حرب حنيق في جحر ضاق أشدّ الضّيق وأنشد أيضا: هل لك في مقراة قيل نيّ ... وشكوة باردة النّسيّ تخرج لحم الرّجل الضّويّ ... حتى تراه ناهد الثّديّ وأنشد ابن حبيب: نعم لقوح الصّبية الأصاغر ... شروبهم من حلب وحازر حتى يروحوا سقّط المآزر ... وضع الفقاح نشّز الخواصر وأنشد الآمديّ: كأنّ في فيه حرابا شرّعا ... زرقا تفضّ البدن المدرّعا لو عضّ ركنا وصفا تصدّعا وقال محمد بن بشير: لقلّ عارا إذا ضيف تضيّفني ... ما كان عندي إذا أعطيت مجهودي فضل المقلّ إذا أعطاه مصطبرا ... ومكثر في الغنى سيّان في الجود لا يعدم السائلون الخير أفعله ... إمّا نوالي وإمّا حسن مردودي قال الأعرابيّ: نعم الغداء السّويق، إن أكلته على الجوع عصم، وإن أكلته على الشّبع هضم. وقال العوّامي- وكان زوّارا لإخوانه في منازلهم-: العبوس بوس، والبشر بشرى، والحاجة تفتق الحيلة، والحيلة تشحذ الطّبيعة. ورأيت الحنبلوني ينشد ابن آدم- وكان موسرا بخيلا-: وما لامرئ طول الخلود وإنّما ... يخلّده حسن الثّناء فيخلد فلا تدّخر زادا فتصبح ملجأ ... إليه وكله اليوم يخلفه الغد وحكى لنا ابن أسادة قال: كان عندنا- يعني بأصفهان- رجل أعمى يطوف ويسأل، فأعطاه مرّة إنسان رغيفا، فدعا له وقال: أحسن الله إليك، وبارك عليك،

стр. 299

وجزاك خيرا، وردّ غربتك. فقال له الرّجل: ولم ذكرت الغربة في دعائك، وما علمك بالغربة؟ فقال: الآن لي هاهنا عشرون سنة ما ناولني أحد رغيفا صحيحا. وقال آخر: يرى جارهم فيهم نحيفا وضيفهم ... يجوع وقد باتوا ملاء المذاخر وقال الكروّسيّ: ولا يستوي الاثنان للضّيف: آنس ... كريم، وزاو بين عينيه قاطب وأنشد: طعامهم فوضى فضى في رحالهم ... ولا يحسنون السّرّ إلّا تناديا وأنشد آخر: يمان ولا يمون وكان شيخا ... شديد اللّقم هلقاما بطينا العرب تقول: إذا شبعت الدّقيقة لحست الجليلة. قال ابن سلّام: كان يخبز في مطبخ سليمان- ﵇ في كلّ يوم ستّمائة كرّ حنطة، ويذبح له في كلّ غداة ستّة آلاف ثور وعشرون شاة، وكان يطعم الناس ويجلس على مائدته بجانبه اليتامى والمساكين وأبناء السّبيل، ويقول لنفسه: مسكين بين مساكين. ولما ورد تهامة وافى الحرم وذبح للبيت طول مقامه بمكة كلّ يوم خمسة آلاف ناقة وخمسة آلاف ثور وعشرين ألف شاة. وقال لمن حضر: إنّ هذا المكان سيخرج منه نبيّ صفته كذا وكذا. وقال أعرابيّ: وإذا خشيت من الفؤاد لجاجة ... فاضرب عليه بجرعة من رائب وروى هشيم أنّ النبي- ﷺ قال: من كرم المرء أن يطيّب زاده في السّفر. وقال ابن الأعرابيّ: يقال: جاء فلان ولقد لغط رباطه من الجوع والعطش. وأنشد: ربا الجوع في أونيه حتّى كأنّه ... جنيب به إنّ الجنيب جنيب أي جاع حتى كأنّه يمشي في جانب متعقّفا «١» . وقال أيضا: إنّ من شؤم الضّيف أن يغيب عن عشاء الحيّ، أي لا يدركه، فيريد إذا جاءهم أن يتكلّفوا له عشاء على حدة.

стр. 300

وأنشد: حيّاك ربّك واصطبحت ثريدة ... وإدامها رزّ وأنت تدبّل واللّقمة واللّقمة إذا جمعتا من الثريد والعصائد يقال لهما دبلة، ومنه سمّيت الدّبيلة، وهي الورم الذي يخرج بالناس. وأنشد: أقول لمّا ابتركوا جنوحا ... بقصعة قد طفّحت تطفيحا دبّل أبا الجوزاء أو تطيحا وقال الفرزدق: فدبّلت أمثال الأثافي كأنّها ... رؤوس أعاد قطّعت يوم مجمع وقال سعيد بن المسيّب: قال رسول الله ﷺ : «أطيبوا الطعام فإنّه أنفى للسّخط، وأجلب للشّكر، وأرضى للصاحب» . قال بشّار: يغضّ إذا نال الطّعام بذكركم ... ويشرق من وجد بكم حين يشرب المسعور: الجائع. قال هميان بن قحافة: لاقى صحافا بطنا مسعورا وقال شاعر: يمشي من البطنة مشي الأبزخ البزخ: دخول البطن وخروج الثنّة أسفل السّرّة. وقال آخر: أغرّ كمصباح الدّجنّة يتّقي ... شذى الزاد حتى تستفاد أطايبه شداه: طيبه. وقال أعرابي: بنو فلان لا يبرزون ولا يقدرون «١» . وقال الثوريّ: بطّنوا غداءكم بشربة. وقال الشاعر: لا يستوي الصّوتان حين تجاوبا ... صوت الكريب وصوت ذئب مقفر الكريب: الشوبق وهو المحور والمسطح. وقال الشاعر: إذا جاء باغي الخير قلنا بشاشة ... له بوجوه كالدّنانير: مرحبا

стр. 301

وأهلا فلا ممنوع خير تريده ... ولا أنت تخشى عندنا أن نؤوّبا قال الشعبي: استسقيت على خوان قتيبة، فقال: ما أسقيك؟ فقلت: الهيّن الوجد، العزيز الفقد، فقال: يا غلام، اسقه الماء. مرّ مسكين بأبي الأسود ليلا وهو ينادي: أنا جائع! فأدخله وأطعمه حتّى شبع، ثم قال له: انصرف إلى أهلك، وأتبعه غلاما وقال له: إن سمعته يسأل فاردده إليّ. فلما جاوزه المسكين سأل كعادته، فتشبّث به الغلام وردّه إلى أبي الأسود. فقال: ألم تشبع؟ فقال: بلى. قال: فما سؤالك؟ ثم أمر به فحبس في بيت وأغلق عليه الباب، وقال: لا تروّع مسلما سائر الليلة ولا تكذب. فلمّا أصبح خلّى سبيله، وقال: لو أطعنا السّؤال صرنا مثلهم. وسمع دابّة له تعتلف في جوف الليل، فقال: إني لأراك تسهرين في مالي والناس نيام، والله لا تصبحين عندي. وباعها. وأبو الأسود يعدّ في الشعراء والتابعين والمحدّثين والبخلاء والمفاليج والنحويّين والقضاة والعرج والمعلمين. وقال الشاعر: أنفق أبا عمرو ولا تعذّرا ... وكل من المال وأطعم من عرا لا ينفع الدّرهم إلّا مدبرا كان مسلم بن قتيبة لا يجلس لحوائج الناس حتّى يشبع من الطّعام الطيّب، ويروى من الماء البارد، ويقول: إنّ الجائع ضيّق الصّدر، فقير النّفس، والشبعان واسع الصّدر، غنيّ النّفس. وقال أعرابيّ: هلكت هريئة «١» وهلكت جوعا ... وخرّق معدتي شوك القتاد وحبّة حنظل ولباب قطن ... وتنّوم ينظّم بطن وادي وقال الفرزدق: وإن أبا الكرشاء ليس بسارق ... ولكنّه ما يسرق القوم يأكل ولديك الجنّ: إذا لم يكن في البيت ملح مطيّب ... وخلّ وزيت حول حبّ دقيق فرأس ابن أمّي في حرام ابن خالتي ... ورأس عدوّي في حرام صديقي

стр. 302

وقال آخر: وما جيرة إلّا كليب بن وائل ... ليالي تحمي عزّة منبت البقل وقال مسعر بن مكدّم لرقبة بن مصقلة: أراك طفيليّا. قال: يا أبا محمد، كلّ من ترى طفيليّ إلّا أنّهم يتكاتمون. وقال شاعر: قوم إذا آنسوا ضيفا فلم يجدوا ... إلا دم الرّأس صبّوه على الباب قال المفجّع: الرأس الرئيس. اشتدّ بأبي فرعون الشاشيّ الحال فكتب إلى بعض القضاة بالبصرة: يا قاضي البصرة ذا الوجه الأغر ... إليك أشكو ما مضى وما غبر عفا زمان وشتاء قد حضر ... إنّ أبا عمرة «١» في بيتي انحجر يضرب بالدّفّ وإن شاء زمر ... فاطرده عني بدقيق ينتظر فأجابه إلى ما سأل. ويقال: وقف أعرابيّ على حلقة الحسن البصريّ رحمة الله عليه فقال: رحم الله من أعطى من سعة، وواسى من كفاف، وآثر من قلّة. فقال الحسن: ما أبقى أحدا إلّا سأله. وقال ابن حبيب: يقال أحمق من الضّبع، وذلك أنها وجدت تودية في غدير، فجعلت تشرب الماء وتقول: «يا حبّذا طعم اللّبن» حتى انشقّ بطنها فماتت. والتّودية: العود يشدّ على رأس الخلف «٢» لئلّا يرضع الفصيل أمّه. دعا رجل آخر فقال له: هذه تكسب الزيارة وإن لم تسعد، ولعل تقصيرا أنفع فيما أحبّ بلوغه من برّك. فقال صاحبه: حرصك على كرامتي يكفيك مؤونة التكلف لي. قيل لأعرابيّ: لو كنت خليفة كيف كنت تصنع؟ قال: كنت أستكفي شريف كلّ قوم ناحيته، ثم أخلوا بالمطبخ فآمر الطهاة فيعظمون الثّريدة ويكثرون العراق «٣» ، فأبدأ فآكل لقما، ثم آذن للنّاس، فأيّ ضياع يكون بعد هذا؟! وقال أعرابيّ لابن عمّ له: والله ما جفانكم بعظام، ولا أجسامكم بوسام، ولا بدت لكم نار، ولا طولبتم بثار.

стр. 303

وقيل لأعرابي: لم قالت الحاضرة للعبد: باعك الله في الأعراب؟ قال: لأنّا نعري جلده، ونطيل كدّه، ونجيع كبده. وقال طفيليّ: إذا حدّثت على المائدة فلا تزد في الجواب على نعم، فإنّك تكون بها مؤانسا لصاحبك، ومسيغا للقمتك، ومقبلا على شأنك. وقيل لأعرابي: أيّ شيء أحدّ؟ قال: كبد جائعة، تلقي إلى أمعاء ضالعة «١» . وقيل لآخر: أيّ شيء أحدّ؟ قال ضرس جائع، يلقي إلى معىّ ضالع وقال آخر: أحبّ أن أصطاد ضبّا سحبلا ... وورلا يرتاد رملا أرملا قالت سليمى لا أحبّ الجوزلا ... ولا أحبّ السّمكات مأكلا الجوزل: فرخ الحمام. والورل: دابة. أرمل: صفة للورل. وإذا كان كذلك كان أسمن له، وهو يسفد فيهزل. ويقال: أقبح هزيلين: المرأة والفرس، وأطيب غثّ أكل غثّ الإبل، وأطيب الإبل لحما ما أكل السّعدان «٢» ، وأطيب الغنم لبنا ما أكل الحربث. ويقال: أهون مظلوم سقاء مروّب، وهو الذي يسقى منه قبل أن يمخض وتخرج زبدته. ويقال: سقانا ظليمة وطبه، وقد ظلمت أوطب القوم. وقال الشاعر: وصاحب صدق لم تنلني شكاته ... ظلمت وفي ظلمي له عامدا أجر يعني وطب لبن. وكان الحسن البصريّ إذا طبخ اللحم قال: هلمّوا إلى طعام الأحرار. قال سفيان الثّوريّ: إني لألقى الرّجل فيقول لي مرحبا فيلين له قلبي، فكيف بمن أطأ بساطه، وآكل ثريده، وأزدرد عصيده؟ حكى أبو زيد: قد هجأ غرثي «٣» : إذا ذهب، وقد أهجأ طعامكم غرثي: إذا قطعه. قال الشاعر: فأخزاهم ربي ودلّ عليهم ... وأطعمهم من مطعم غير مهجئ قال: ويقال: بأرت بؤرة فأنا أبأرها، إذا حفرت حفيرة يطبخ فيها وهي الإرة. ويقال: أرت إرة فأنا أثرها وأرا.

стр. 304

وقال حسّان: تخال قدور الصّاد حول بيوتنا ... قنابل «١» دهما في المباءة صيّما قال أبو عبيدة: كان الأصمعيّ بخيلا، وكان يجمع أحاديث البخلاء ويوصي بها ولده ويتحدّث بها. وكان أبو عبيدة إذا ذكر الأصمعيّ أنشد: عظم الطّعام بعينه فكأنّه ... هو نفسه للآكلين طعام ويقال: أسأرت، إذا أبقيت من الطعام والشراب أو غيرهما، والاسم السّؤر وجماعته الأسآر. ويقال: فأدت الخبزة في الملّة «٢» أفأدها إذا خبزتها فيها. والمفأد: الحديدة التي يخبز بها ويشوى. ويقال: تملّأت من الأكل والشراب تملّؤا، إذا شبعت منهما وامتلأت. ويقال: لفأت اللحم عن العظم لفأ إذا جلفت اللحم عن العظم. واللّفيئة هي البضعة التي لا عظم فيها نحو النّحضة والهبرة والوذرة. وأنشد يعقوب: سقى الله الغضا وخبوت قوم ... متى كانت تكون لهم ديارا أناس لا ينادي الضّيف فيهم ... ولا يقرون آنية صغارا قال الأصمعي: قال ابن هبيرة: تعجيل الغداء يزيد في المروءة، ويطيّب النّكهة، ويعين على قضاء الحاجة. قال بعض العرب: أطيب مضغة أكلها الناس صيحانيّة «٣» مصلّبة. ويقال: آكل الدّوابّ، برذونة رغوث وهي الّتي يرضعها ولدها. قال أبو الحارث حميد: ما رأيت شيئا أشبه بالقمر ليلة البدر من قدر سقيت اللبن كثيرة السّكّر. وقال الشاعر: وإني لأستحي رفيقي أن يرى ... مكان يدي من جانب الزاد أقرعا ضمّ عثمان بن رواح السّفر ورفيقا له، فقال له الرّفيق: امض إلى السّوق فاشتر لنا لحما. قال: والله ما أقدر. قال: فمضى الرفيق واشترى اللحم ثم قال لعثمان: قم الآن فاطبخ القدر. قال: والله ما أقدر. فطبخها الرفيق. ثم قال: قم الآن فاثرد.

стр. 305

قال: والله إني لأعجز عن ذلك. فثرد الرّقيق. ثمّ قال: قم الآن فكل. فقال: والله لقد استحييت من كثرة خلافي عليك، ولولا ذلك ما فعلت. قال يونس: أتيت ابن سيرين فدعوت الجارية، فسمعته يقول: قولي إنّه نائم. فقلت: معي خبيص. فقال: مكانك حتى أخرج إليك. قال أردشير: احذروا صولة الكريم إذا جاع، واللئيم إذا شبع. قال النبي ﷺ فيما رواه جابر بن عبد الله: هلاك الرّجل أن يحتقر ما في بيته أن يقدّمه إلى ضيفه، وهلاك الضيف أن يحتقر ما قدّم إليه. وقال الشاعر: يا ذاهبا في داره جائيا ... بغير معنى وبلا فائده قد جنّ أضيافك من جوعهم ... فاقرأ عليهم سورة المائده وقال ابن بدر: ونحن نبذل عند القحط ما أكلوا ... من السّديف إذا لم يؤنس القزع وننحر الكوم عبطا في أرومتنا ... للنّازلين إذا ما استنزلوا شبعوا وقال آخر: أطعمني بيضة وناولني ... من بعد ما ذقت فقده قدحا وقال أيّ الأصوات تسئلني؟ ... يزيد، إنّي أراك مقترحا فقلت صوت المقلى وجردقة ... إن خاب ذا الاقتراح أو صلحا فقطّب الوجه وانثنى غضبا ... وكان سكران طافحا فصحا فقلت: إنّي مزحت، قال: كذا ... رأيت حرّا بمثل ذا مزحا؟ قال ابن حبيب: كان الرّجل إذا اشتدّ عليه الشّتاء تنحّى ونزل وحده لئلا ينزل به ضيف فيكون صقعا مستحبّا. وهذا ضدّ قول زهير: بسط البيوت لكي تكون مطيّة ... من حيث توضع جفنة استرفد فإذا كان الشّتاء انحاز الناس من الجدب والجهد، وإذا أخصبوا أغاروا للثّأر لا للسّؤال. وقال الشاعر في عبيد الله بن عبّاس: ففي السنة الجدباء أطعمت حامضا ... وحلوا وشحما تامكا وسناما وقال مجاهد في قول الله : وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً [يوسف: ٣١] ، أي طعاما، يقال: اتّكأنا عند فلان، أي طعمنا.

стр. 306

ذكر الأصمعيّ أن أعرابيّا خرج في سفر ومعه جماعة، فأرمل «١» بعضهم من الزاد، وحضر وقت الغداء وجعل بعضهم ينتظر بعضا بالغداء، فلمّا أبطأ ذلك عليهم عمد بعضهم إلى زاده فألقاه بين يدي القوم، فأقبلوا يأكلون، وجلس صاحب الزاد بعيدا للتّوفير عليهم، فصاح به أعرابي: يا سؤدداه! وهل شرف أفضل من إطعام الطعام والإيثار به في وقت الحاجة إليه؟ لقد آثرت في مخمصة ويوم مسغبة، وتفرّدت بمكرمة قعد عنها من أرى من نظرائك، فلا زالت نعم الله عليك غادية ورائحة. وفي مثله يقول حاتم الطائيّ: أكفّ يدي من أن تنال أكفّهم ... إذا ما مددناها وحاجاتنا معا وإنّي لأستحيي رفيقي أن يرى ... مكان يدي من جانب الزّاد أقرعا قال: المخمصة: المجاعة. والخمص: الجوع. قال شاعر يذمّ رجلا: يرى الخمص تعذيبا وإن يلق شبعة ... يبت قلبه من قلّة الهمّ مبهما وقال المرقّش الأكبر: إن يخصبوا يغنوا بخصبهم ... أو يجدبوا فجدوبهم ألم وكتب بعضهم إلى أخ له: إن رأيت أن تروي ظمأ أخيك بقربك، وتبرّد غليله بطلعتك، وتؤنس وحشته بأنسك، وتجلو غشاء ناظره بوجهك، وتزيّن مجلسه بجمال حضورك، وتجعل غداءك عنده في منزلك الذي هو فيه ساكن، وتمّمت له السرور بك باقي يومك، مؤثرا له على شغلك، فعلت- إن شاء الله-. وقال الشاعر: وكأنّ هدر دمائهم في دورهم ... لغط القبيل على خوان زياد قال بعض الخطباء: العجب من ذي جدة منعم عليه يطوي جاره جوعا وقرّا، وأفرخه شعث جرد من الرّيش، وهو مبطان محتش من حلوه وحامضه، مكتنّ في كنّه ودفئه، مزيّن له شهوة عن أداء الذي عليه لجاره وقريبه وذي حلّة بطر رفه، كيف يأمن سلبا مفاجئا؟ أما لو وجّه بعض فضله إلى ذي حاجة إليه كان مستديما لما أولي، مستزيدا ممّا أوتي. قال الشاعر «٢» : وإذا تأمّل شخص ضيف مقبل ... متسربل سربال محل أغبر أوما إلى الكوماء هذا طارق ... نحرتني الأعداء إن لم تنحري

стр. 307

وفي هذه الأبيات ما يستحسن: كم قد ولدتم من كريم ماجد ... دامي الأظافر أو غمام ممطر سدكت أنامله بقائم مرهف ... وبنشر عائدة وذروة منبر يلقى السيوف بوجهه وبنحره ... ويقيم هامته مقام المغفر ويقول للطّرف: اصطبر لشبا القنا ... فعقرت ركن المجد إن لم تعقر وقال آخر: وقال وقدّم كشكيّة ... فكلّ شبعا إنّها في النهايه تطفّي المرار وتنفي الخمار ... وما بعدها في النّهايات غايه ولا تتوقّع أخيرا بجيك ... ففي أوّل المستطاب الكفايه وقال آخر: كأنّما فوه إذا تمدّدا ... للّقم أخلاق جراب أسودا كأنّه مخترص قد جوّدا ... جاني جراد في وعاء مقلدا وصاحب صاحبت غير أبعدا ... تراه بين الحربتين مسندا الحربة: الغرارة. وقال جابر بن قبيصة: ما رأيت أحلم جليسا، ولا أفضل رفيقا، ولا أشبه سريرة بعلانية، من زياد. وقال جابر أيضا: شهدت قوما ورأيتهم بعيني، فما رأيت أقرأ لكتاب الله، ولا أفقه من دين الله، من عمر بن الخطاب ﵁. وما رأيت رجلا أعطى من صلب ماله في غير ولائه، من طلحة بن عبيد الله. وما رأيت رجلا أسود من معاوية. وما رأيت رجلا أنصع ظرفا، ولا أحضر جوابا، ولا أكثر صوابا، من عمرو بن العاص. وما رأيت رجلا المعرفة عنده أنفع منها عند غيره، من المغيرة بن شعبة. ويقال: ما كان الطعام مريئا ولقد مرأ، وما كان الرّجل مريئا وقد مرؤ. وقال لنا القطّان أبو منصور رئيس أهل قزوين: الرّجل من أرض أردبيل إذا دخل بلدا يسأل فيقول: كيف الخبز والمبرّز، ولا يسأل عن غيرهما. فقيل له: لم ذلك؟ فقال: يأخذ الخبز والمبرّز، يأكل ويسلح إلى الصباح. قال الشاعر: وما تنسنا الأيّام لا ننس جوعنا ... بدار بني بدر وطول التّلدّد ظللنا كأنّا بينهم أهل مأتم ... على ميّت مستودع بطن ملحد

стр. 308

يحدّث بعض بعضنا عن مصابه ... ويأمر بعض بعضنا بالتّجلّد وقال آخر: دعوني فإني قد تغدّيت آنفا ... فإن مسّ كفّي خبزكم فاقطعوا يدي وقال آخر يصف دار قوم: الجوع داخلها واللّوح «١» خارجها ... وليس يقربها خبز ولا ماء قال الهلاليّ: أتى رجل أبا هريرة فقال: إنّي كنت صائما فدخلت بيت أبي فوجدت طعاما، فنسيت فأكلت. قال: الله أطعمك. قال: ثم دخلت بيتا آخر فوجدت أهله قد حلبوا لقحتهم فسقوني، فنسيت فشربت. فقال: يا بنيّ هوّن عليك فإنك قلّما اعتدت الصّيام. وقال الشاعر: وجدت وعدك زورا في مزوّرة ... ذكرت مبتدئا إحكام طاهيها فلا شفى الله من يرجو الشّفاء بها ... ولا علت كفّ ملق كفّه فيها فاحبس رسولك عنّي أن يجيء بها ... فقد حبست رسولي عن تقاضيها قال مطرّف بن عبد الله بن الشّخّير عن أبيه: قدمنا على رسول الله ﷺ ، فقلنا: يا رسول الله، أنت سيّدنا، وأنت أطولنا علينا طولا، وأنت الجفنة الغرّاء. فقال النبيّ ﷺ : «قولوا بقولكم ولا يستفزّنّكم الشّيطان فإنما أنا عبد الله ورسوله» . وقال آخر: وأحمر مبيضّ الزّجاج كأنّه ... رداء عروس مشرب بخلوق له في الحشا برد الوصال وطعمه ... وإن كان يلقاه بلون حريق كأنّ بياض اللّوز في جنباته ... كواكب درّ في سماء عقيق قال يونس: أشدّ طعام ضرّا ما كان من عام إلى عام، وهو اللّبأ الذي لا يوجد إلّا في الولادة كلّ عام وإن كان مزبدا. حكى يونس: التّنافيط، أن ينزع شعر الجلد، ثم يلقى في النار ثم يؤكل، وذلك في الجدب. وقال الشاعر: جاورت شيبان فاحلولى جوارهم ... إنّ الكرام خيار الناس للجار وكتب ابن دينار إلى صديق له: وكتبت تفضّلا منك تعتذر من تأخّرك عن قضاء

стр. 309

حقّ زيارتي بقصور يديك عن برّ يشبهني ويشبهك، فأمّا ما يشبهني في هذا الوقت فرغيف وسكرّجة كامخ حرّيف يثقب اللّسان بحرافته. وكان ابن أبي البغل إذا أنشد: أروني من يقوم لكم مقامي يقول: لو شهدت قائله لقلت: كلب الحارس يقوم مقامك. هذه قصّة في حضور ما يشبهني، فأمّا ما يشبهك فمتعذّر كما قيل: ومطلب مثلي إن أردت عسير وقال رجل لعبيد الله بن زياد بن ظبيان: ما أعددت في كنانتي سهما غيرك. فقال: لا تعدّني في كنانتك فو الله لو قمت فيها لطلتها، ولو جلست فيها لخرقتها. ولئن انتظرت بي ما يشبهك طال الانتظار، والعامّة تتمثّل- على خساسة لفظها-: «إذا أردت ألّا تزوّج ابنتك فغال بمهرها» . وأملى فيك على الأحوال بعيد، وظنّي فيك جميل، ولست أخشى فيما لي عندك الفوت فأعجله. وهل يلقم الكلب إلا الحجر العرب تقول: لئيم جبان. وقال أعرابيّ: لا يكن بطن أحدكم عليه مغرما، ليكسره بالتّميرة والكسيرة والبقيلة والعليكة. قال ابن الأعرابي: الفرزدق، الرّغيف الواسع. قيل لابن القرّيّة: تكلّم. فقال: «لا أحبّ الخبز إلّا يابسا» . أراد لا أحبّ أن أتكلّم إلّا بعد الارتئاء. وروى أبو عبيدة في تفسير بيت الأعشى في ديوانه: إذا ما هم جلسوا بالعشيّ ... فأحلام عاد وأيدي هضم قال: شبّههم بأنسال عاد، وهم ثمانية ذوو أحلام وسؤدد: مالك- وهو سيّد الثمانية- وعمّار وطفيل، وشمر، وقرزعة، وحممة، ونئض، ودفيف، وهم الذين بعث لقمان بن عاد جارية بعسّ من لبن، فقال لها: ايتي الحيّ فادفعيه إلى سيّدهم لا تسألي عنه. فأتت الجارية الحيّ، فرأتهم مختلفين بين عامل ولا عب، وثمانية على رؤوسهم الطّير وقارا، ورأت جارية من الحيّ، فأخبرتها بما قال لقمان، قالت: هؤلاء سادة الحيّ، وسأصف لك كلّ واحد منهم، فادفعي العسّ إلى من شئت أمّا هذا فعمّار، أخّاذ ودّار، لا تخمد له نار، للمعشبات عقّار (المعشبة: التي تسمن على شحم قديم) ، وأمّا هذا فحممة، غداؤه كل يوم ناقة سنمة، وبقرة شحمة، وشاة

стр. 310

كدمة. وأمّا هذا فقرزعة، إذا لقي جائعا أشبعه، وإذا لقي قرنا جعجعه، وقد خاب جيش لا يغزو معه. وأمّا هذا فطفيل، غضبه حين يغضب ويل، ورضاه حين يرضى سيل، ولم تحمل مثله على ظهرها إبل ولا خيل، وأمّا هذا فشمر، ليس في أهله بالشّحيح القتر، ولا المسرف البطر، ولا يخدع الحيّ إذا اؤتمر «١» . وأمّا هذا فدفيف، قاري الضّيف، ومغمد السّيف، ومعيل الشّتاء والصّيف، وأمّا هذا فنئض، أسنت الحيّ فمرض، فعدل مرضه عندهم إسناتهم (أي قحطهم) ، فقاموا عليه «٢» فأوسعهم دقيقا ولحما غريضا، ومسكا رميضا، وكساهم ثيابا بيضا، وأمّا هذا فمالك، حاميتنا إذا غزونا، ومطعهم ولداننا إذا شتونا، ودافع كلّ كريهة إذا عدت علينا. فدفعت العسّ إلى مالك، فكان سيّدهم. بشّرت امرأة زوجها بأنّ ابنها منه قد اتّغر «٣» ، فقال: أتبشّرينني بعدوّ الخبز، اذهبي إلى أهلك. قال الشاعر: من يشتري منّي أبا زين ... بكر بن نطّاح بفلسين كأنّما الآكل من خبزه ... يقلع منه شحمة العين وأنشد غليّم من بني دبير: يابن الكرام حسبا ونائلا ... حقّا أقول لا أقول باطلا إليك أشكو الدّهر والزّلازلا ... وكلّ عام نقّح الحمائلا التّنقيح: القشر، أي قشروا حمائل سيوفهم فباعوها لشدّة زمانهم. وأنشد: سلا أمّ عبّاد الرّيح أعصفت ... وجلّل أطراف الرّعان قتامها وجفّت بقايا الطّرق إلّا نضيّة ... يصدّ الأشافي والمواسي سنامها وضمّ إليّ الليل منزل رفقة ... ترامت بهم طخياء داج ظلامها تكاد الصّبا تهتزّهم من ثيابهم ... شديدا بأرياط الرّجال اعتصامها لقد علمت أنّي مفيد ومتلف ... ومطعم أيّام يحبّ طعامها وقال آخر: إنّ بني غاضرة الكراما ... إنّ يقم الضّيف بهم أعواما يكن قراه اللّحم والسّناما ... أو يصبح الدهر لهم غلاما يكن ظريفا وجهه كراما

стр. 311

وقال سماعة بن أشول: رأت إلبلا لابني عبيد تمنّعت ... من الحقّ لم تورك بحقّ إيالها فقالت ألا تغدو لقاحك هكذا ... فقلت أبت ضيفانها وعيالها فما حلبت إلّا الثّلاثة والثّنى ... ولا قيّلت إلّا قريبا مقالها وأنشد أبو الجرّاح: أرى الخلّان قد صرموا وصالي ... وأضحوا لا سلام ولا كلام وما أذنبت من ذنب إليهم ... سوى خفّ المنائح والسّوام وقال آخر: خرق إذا وقع المطيّ من الوجا ... لم يطو دون دقيقه ذو المزود حتّى تؤوب به قليلا ... ... حمد الرّفيق نداك أو لم يحمد وقال آخر: تزوّدت إذ أقبلت نحوك غاديا ... إليك ونحو الناس لا أتزوّد أراني إذا ما جئت أطلب نائلا ... نظرت إلى وجهي كأنّك أرمد ويقال: أزواد الرّكب من قريش أبو أميّة بن المغيرة، والأسود بن المطّلب بن أسد بن عبد العزّى، ومسافر بن أبي عمرو بن أميّة عمّ عقبة، كانوا إذا سافروا خرج معهم الناس فلم يتّخذوا زادا، ولم يوقدوا نارا كانوا يكفونهم. وقال الشاعر: وبالبدو جود لا يزال كأنّه ... ركام بأطراف الإكام يمور وقال آخر: والناس إن شبعت بطونهم ... فغيرهم من ذاك لا يشبع وقال آخر: دور تحاكي الجنان حسنا ... لكنّ سكانها خساس متى أرى الجند ساكنيها ... وفي دهاليزها يداس وقال آخر: لولا مخافة ضعفي عن ذوي رحمي ... وحال معتصم بي من ذوي عدم وحاجة الأخ تبدو لي فأنجحها ... لم أثن في عمل كفّي على قلمي وقال آخر: وأوثر ضيفي حين لا يوجد القرى ... بقوتي أحبوه وأرقد طاويا

стр. 312

وما استكثرت نفسي لباذل وجهه ... نوالا وإن كان النّوال حياتيا وقال المبرّد: البطن: الّذي لا يهمّه إلّا بطنه. والرّغيب: الشّديد الأكل. والمنهوم: الّذي تمتلئ بطنه ولا تنتهي نفسه. وأنشد ابن الأعرابيّ: وإنّ قرى أهل النّباج أرانب ... وإن جاء بعد الرّيث فهو قليل إذا صدّ مثغور وأعرض معرض ... فيوم على أهل النّباج طويل وقال آخر: يمينك فيها الخصب والناس جوع ... وقد شملتهم حرجف ودبور وقال آخر: ألقت قوائمها خسا وترنّمت ... طربا كما يترنّم السّكران يعني قدرا. وقوائمها، يعني الأثافي. وخسا: فرد. وأنشد: بئس غذاء العزب المرموع ... حوأبة تنقض بالضّلوع الرّماع: داء. وحوأبة: دلو كبيرة. والحوب والحوب: الإثم. والحيبة: الحال. والحوباء: النّفس. العرب تقول: ماء لا تبن معه ولا غيره. خبز قفار: لا أدم معه. وسويق جافّ هو الّذي لم يلتّ بسمن ولا زيت. وحنظل مبسّل، وهو أن يؤكل وحده. قال الراجز: بئس الطّعام الحنظل المبسّل ... ياجع منه كبدي وأكسل وييجع أيضا. وقال أبو الجرّاح: المبسّل يحرق الكبد. والمبكّل: أن يؤكل بتمر أو غيره، يقال بكّلوه لنا، أي اخلطوه. قال: وعندنا طعام يقال له: الخولع وهو أن يؤخذ الحنظل فينقع مرّات حتى تخرج مرارته، ثم يخلط معه تمر ودقيق فيكون طعاما طيّبا. وقال: الخليطة والنّخيسة والقطيبة: أن يحلب لبن الضّأن على لبن المعزى، والمعزى على لبن الضّأن، أو حلب النّوق على لبن الغنم. قال: اسقني وابرد غليلي مليء الرّجل: سمن بعد هزال. قيل لطفيل العرائس: كم اثنين في اثنين؟ قال: أربعة أرغفة.

стр. 313

وقيل له: حكي أنّ العرب تقول نحن العرب أقوى الناس للضيف، فقال: إنّ هذا النّصب على المدح. وقال العمانيّ: من كلّ جلف لم يكن مصرّما ... جعد يرعى منه التصنّع ريثما لم يتجشّأ من طعام بشما ............... ... ولم يبت من فترة موصّما ... يغمز صدغيه ويشكو الأعظما إذا أجاع بطنه تحزّما ... لم يشرب الماء ولم يخش الظّما يكفيه من قارصة ما يمّما ... وخلّة منه إذا ما أعيما أصاب منه مشربا ومطعما ... لا يعقر الشارف إلّا محرما ولا يعاف بصلا وسلجما ... يوما ولم يفغر لبطّيخ فما فهو صحيح لا يخاف سقما ... أسود كالمحراث يدعى شجعما صمحمح من طول ما تأثّما ... لم يبل يوما سورة من العمى ولم يحجّ المسجد المكرّما ... ولم يزر حطيمه وزمزما ولا تراه يطلب التفهّما ... لو لم يربّ مسلما ما أسلما ما عبد اثنان جميعا صنما ... عات يرى ضرب الرّجال مغنما إذا رأى مصدّقا تجهّما ... وهزّ في الكفّ وأبدى المعصما هراوتين نبعة وسلما ... يترك ما رام رفاتا رمما وإن رأى إمّرة تزعّما ... لم يعطه شيئا وإن ترغّما وإن قرا عهدا له منمنما ... هان عليه شقّ ما قد رقّما وأن يدقّ طينه المختّما ... صمصامه ماض إذا ما صمّما إذا اعترته عزّة ثم انتمى ... في ثروة الحيّ إذا ما يمّما ظلّ يرى حكما عليه مبرما ... أن يظلم الناس وألّا يظلما وقال آخر: ما كان ينكر في نديّ مجاشع ... أكل الخزير ولا ارتضاع الفيشل وقال آخر: بلاد كأنّ الجوع يطلب أهلها ... بذحل إذا ما الضّيف صرّت جنادبه

стр. 314

وقال آخر: كريّه لا يطعم الكريّا ... بالليل إلّا جرجرا مقليّا محترقا نصفا ونصفا نيّا وقال الأصمعي: قال الهيثم بن جراد- وذمّ قوما-: والله ما أنتم آل فلاة فتعصمكم، ولا أنتم آل ريف فتأكلون. فقيل: لو زدت؟ فقال: ما بعد هذا شيء. قال: وما أشبه هذا الجواب بقول عقيل بن علّفة حين قيل له: لم لا تطيل الهجاء؟ قال: يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق. وقيل لابن عمر: لو دعوت الله بدعوات؟ فقال: اللهمّ عافنا وارحمنا وارزقنا. فقيل له: لو زدتنا؟ فقال: نعوذ بالله من الإسهاب. قال شاعر: إذا أغلق الباب الكريم من القرى ... فليس على باب الفرزدق حاجب فتى يشتري حسن الثناء بماله ... إذا اغبرّ من برد الشتاء الكواكب قال: وكلّ لحم وخبز أنضج دفينا فهو مليل، وما كان في تنّور فهو شواء، وما كان في قدر فهو حميل. قال الأحنف لعمر بن الخطاب: إن إخواننا من أهل الكوفة والشام نزلوا في مقلة الجمل وحولاء النّاقة «١» من أنهار متفجّرة، وثمار متدلّية، ونزلنا بسبخة نشّاشة «٢» يأتينا ماؤنا في مثل حلقوم النّعامة أو مرئ الحمل «٣» ، فإما أن تشقّ لنا نهرا، وإما أن ترفعنا إليك. قال جابر: كان النبيّ ﷺ يأمر الأغنياء باتخاذ الغنم، والفقراء باتخاذ الدّجاج «٤» .

стр. 315

والعرب تقول: أكرموا الإبل إلّا في بيت يبني، أو دم يفدى، أو عزب يتزوّج، أو حمل حمالة. وقال معاوية لأعرابيّ: ما تجارتك؟ قال: أبيع الإبل، قال: أما علمت أن أفواها حرب، وجلودها جرب، وبعرها حطب، وتأكل الذهب. وقال خالد بن صفوان: الإبل للبعد، والبغال للثقل، والبراذين للجمال والدّعة، والحمير للحوائج، والخيل للكرّ والفرّ. وقال آخر: يقذفن في الأعناق والغلاصم ... قذف الجلاميد بكفّ الراجم يريد بالأعناق بالحلوق. وقال آخر: نغار إذا ما الرّوع أبدى عن البرى ... ونقري عبيط اللّحم والماء جامس وقال آخر: تلك المكارم لا ناق مصرّمة ... ترعى الفلاة ولا قعب من اللّبن وقال أبو الصّلت: تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا ووصف بعض البلغاء التجار فقال: لا يوجد الأدب إلّا عند الخاصّة والسّلطان ومدبّريه، وأما أصحاب الأسواق فإنّا لا نعدم من أحدهم خلقا دقيقا ودينا رقيقا، وحرصا مسرفا، وأدبا مختلفا، ودناءة معلومة، ومروءة معدومة وإلغاء اللّفيف «١» ، ومجاذبة على الطّفيف، يبلغ أحدهم غاية المدح والذّمّ في علق «٢» واحد في يوم واحد مع رجل واحد، إذا اشتراه منه أو باعه إيّاه، إن بايعك مرابحة وخبّر بالأثمان، قوّى الأيمان على البهتان، وإن قلّدته الوزن أعنت لسان الميزان، ليأخذ برجحان أو يعطي بنقصان، وإن كان لك قبله حقّ لواه محتجّا في ذلك بسنّة السّوفيّين، يرضى لك ما لا يرضى لنفسه، ويأخذ منك بنقد ويعطيك بغيره، ولا يرى أنّ عليه من الحقّ في المبايعة مثل ما له، إن استنصحته غشك، وإن سألته

стр. 316

كذبك، وإن صدقته حربك متمرّدهم صاعقة على المعاملين، وصاحب سمتهم نقمة على المسترسلين، قد تعاطوا المنكر حتّى عرف، وتناكروا المعروف حتّى نسي، يتمسّكون من الملّة بما أصلح البضائع «١» ، وينهون عنها كلّما عادت بالوضائع، يسرّ أحدهم بحيلة يرزقها لسلعة ينفّقها، وغيلة لمسلم يحميه الإسلام، فإذا أحكم حيلته وغيلته غدا قادرا على حرده، فغرّ وضرّ، وآب إلى منزله بحطام قد جمعه مغتبطا بما أباح من دينه وانتهك من حرمة أخيه، يعدّ الذي كان منه حذقا بالتكسّب، ورفقا بالمطّلب، وعلما بالتجارة، وتقدّما في الصّناعة. فلمّا بلغت قراءتي هذا الموضع قال الوزير: إن كان هذا الوصف عنى العامّة بهذا القول دخل في وصفه الخاصة أيضا، فو الله ما أسمع ولا أرى هذه الأخلاق إلّا شائعة في أصناف الناس من الجند والكتّاب والتّنّاء والصالحين وأهل العلم، لقد حال الزّمان إلى أمر لا يأتي عليه النّعت، ولا تستوعبه الأخبار، وما عجبي إلّا من الزّيادة على مرّ السّاعات، ولو وقف لعلّه كان يرجى بعض ما قد وقع اليأس منه، واعترض القنوط دونه. فقال ابن زرعة وكان حاضرا: هذا لأنّ الزمان من قبل كان ذا لبوس من الدّين رائع، وذا يد من السّياسة بسيطة، فأخلق اللّبوس وبلى، بل تمزّق وفني، وضعفت اليد بل شلّت وقطعت، ولا سبيل إلى سياسة دينيّة لأسباب لا تتفق إلّا بعلل فلكيّة، وأمور سماويّة، فحينئذ يكون انقياد الأمور الجانحة لها، في مقابلة حران الأمور الجامحة عنها، وذلك منتظر في وقته، وتمنّي ذلك قبل إبّانة وسواس النّفس، وخور الطّباع، والناس أهداف لأغراض الزمان ومقلّبون بحوادث الدهور، ولا فكاك لهم من المكاره، ولا اعتلاق لهم بالمحابّ إلّا بالدواعي والصوارف التي لا سبيل لهم إلى تحويل هذه إلى هذه، ولا إلى تبديل هذه بهذه، واختيارهم للتوجّه إلى محبوبهم أو الإعراض عن مكروههم ضعيف طفيف، ولولا ذلك لكانت الحسرات تزول في وقت ما يراد، والغبطة تملك بإدراك ما يتمنّى، وهذا شأو محكوم به بقوّة النّفس، غير مستيقظ إليه بقوّة الحسّ. فقال الوزير: أحسنت يا أبا عليّ في هذا الوصف، «وإنّ نفثك ليدلّ على أكثر من ذلك» ، ولو كان البال ظافرا بنعمة، والصّدر فارغا من كربة، لكنّا نبلغ من هذا الحديث مبلغا نشفي به غليلنا قائلين ونشفى به مستمعين، ولكنّي قاعد معكم وكأني غائب، بل أنا غائب من غير كاف التّشبيه، والله ما أملك تصرّفي ولا فكري في أمري، أرى وحدا

стр. 317

في فتل حبل، وآخر في حفر بئر، وآخر في نصب فخّ، وآخر في دسّ حيلة، وآخر في تقبيح حسن، وآخر في شحذ حديد، وآخر في تمزيق عرض، وآخر في اختلاق كذب، وآخر في صدع ملتئم، وآخر في حلّ عقد، وآخر في نفث سحر، وناري مع صاحبي رماد، وريحه عليّ عاصفة، ونسيمي بيني وبينه سموم، ونصيبي منه هموم وغموم، وإنّي أحدّثكم بشيء تعلمون به صدقي في شكواي، وتقفون منه على تفسّخي تحت بلواي، ولولا أنّي أطفئ بالحديث لهبا قد تضرّم صدري به نارا، واحتشى فؤادي منه أوارا، لما تحدّثت به، ولو استطعت طيّه لما نبست بحرف منه، ولكنّ كتماني للحديث أنقب لحجاب القلب من العتلة لسور القصر. دخلت منذ أيام فوصلت إلى المجلس، فقال لي: قد أعدت الخلعة فالبسها على الطائر الأسعد، فقلت: أفعل، وفي تذكرتي أشياء لابدّ من ذكرها وعرضها. فقال: هات، فقلت: يتقدّم «١» بكذا وكذا، ويفعل كذا وكذا. فقال: عندي جميع ذلك، أمض هذا كلّه، واصنع فيه ما ترى، وما فوق يدك يد، ولا عليك لأحد اعتراض، فانقلبت عن المجلس إلى زاوية في الحجرة، وفيها تحدّرت دموعي، وعلا شهيقي، وتوالى نشيجي، حتّى كدت أفتضح فدنا منّي بعض خدمي من ثقاتي، فقال: ما هذا؟ الناس وقوف ينتظرون بروزك بالخلعة المباركة والتّشريف الميمون، وأنت في نوح وندم؟ فقلت: تنحّ عنّي ساعة حتّى أطفئ نار صدري، وإنما كان ذلك العارض لأنّي كنت عرضت على صاحبي تذكرة مشتملة على أشياء مختلفة، فأمضاها كلّها، ولم يناظرني في شيء منها، ولا زادني شيئا فيها، ولا ناظرني عليها، ولعليّ قد بلوته بها، وأخفيت مغزاي في ضمنها، فخيّل إليّ بهذه الحال أنّ غيري يقف موقفي، فيقول فيّ قولا مزخرفا، وينسب إليّ أمرا مؤلّفا، فيمضي ذلك أيضا له كما أمضاه لي، فوجدتني بهذا الفكر الذي قد فتق لي هذا النوع من الأمر كراقم على صفحة ماء، أو كقابض في جوّ على قطعة من هواء، أو كمن ينفخ في غير فحم، أو يلعب في قيد، ولقد صدق الأوّل حيث قال: وإنّ امرأ دنياه أكبر همّه ... لمستمسك منها بحبل غرور غير أنّي أذكر لكم ما عنّ لي من هذا الأمر: اعلموا أنّي ظننت أنّ ما نظّمه الماضي- ﵀ وأصلحه، وبناه وقوّمه، ونسجه ونوّقه لا يستحيل في ثلاثين سنة ولا خمسين سنة، وأنّ الحال تدوم على ذلك المنهاج، وتستمرّ على ذلك السّياج، ونكون قد أخذنا بطريق من السّعادة، وبلغنا

стр. 318

لأنفسنا بعض ما كنّا نسلّط عليه التمنّي من الإرادة فنجمع بين علوّ المرتبة، وشرف الرّياسة، ونيل اللّذّة، وإدراك السرور، واصطناع العرف، وكسب الثّناء، ونشر الذّكر، وبعد الصّيت، فعاد ذلك كلّه بالضّد، وحال إلى الخلاف ووقف على الفكر المضني، والخوف المقلق، واليأس الحيّ، والرّجاء الميّت، وما أحسن ما قال القائل: أظمتني الدّنيا فلمّا جئتها ... مستسقيا مطرت عليّ مصائبا فقال له ابن زرعة: إنّ الأمور كلّها بيد الله، ولا يستنجز الخير إلّا منه، ولا يستدفع الشرّ إلّا به، فسله جميل الصّنع وحسن النيّة وانو الخير، وبثّ الإحسان، وكل أعداءك إلى ربّك الّذي إذا عرف صدقك وتوكّلك عليه فلّل حدّهم، وعفّر خدّهم، وسيّح الفرات إلى جمرتهم حتى يطفئها، وسلّط الأرضة على أبدانهم حتى تقرضها، وشغلهم بأنفسهم، وخالف بين كلمتهم، وصدّع شمل جميعهم، وردّهم إليك صاغرين ضارعين، وعرضهم عليك خاضعين، وما ذلك على الله بعزيز، وإنّ الله مع المحسنين على المسيئين. قال: والله لقد وجدت روحا كثيرا بما قلت لكم وما سمعت منكم، وأرجو أنّ الله يعين المظلوم، ويهين الظّالم. قد تمطّى اللّيل، وتغوّرت النّجوم، وحنّ البدن إلى التّرفّه، فإذا شئتم. فانصرفنا متعجّبين.

стр. 319

الليلة الثالثة والثلاثون عدنا إلى ما كنّا فيه من حديث الممالحة- وكان قد استزادني- فكتبت له هذه الورقات وقرأتها بين يديه، فقال كلاما كثيرا عند كلّ ما مرّ ممّا يكون صلة لذلك الحديث، خزلته طلبا للتّخفيف. قال حمّاد الرّاوية: عن قتادة قال زياد لغيلان بن خرشة: أحبّ أن تحدّثني عن العرب وجهدها وضنك عيشها لنحمد الله على النّعمة الّتي أصبحنا بها. فقال غيلان: حدّثني عمّي قال: توالت على العرب سنون سبع في الجاهلية حصّت كلّ شيء، فخرجت على بكر لي في العرب، فمكثت سبعا لا أذوق فيهنّ شيئا إلّا ما ينال بعيري من حشرات الأرض حتى دنوت إلى حواء عظيم، فإذا ببيت جحش «١» عن الحيّ، فملت إليه، فخرجت إليّ امرأة طوالة حسّانة، فقالت: من؟ قلت: طارق ليل يلتمس القرى. فقالت: لو كان عندنا شيء آنرناك به، والدالّ على الخير كفاعله، جس هذه البيوت فانظر إلى أعظمها، فإن يك في شيء منها خير ففيه. ففعلت حتى دنوت إليه، فرحّب بي صاحبه وقال: من؟ قلت: طارق ليل يلتمس القرى. فقال: يا فلان، فأجابه، فقال: هل عندك (من) طعام؟ قال: لا، قال: فو الله ما وقر في أذني شيء كان أشدّ عليّ منه. فقال: هل عندك من شراب؟ قال: لا، ثم تأوّه وقال: قد أبقينا في ضرع فلانة شيئا لطارق إن طرق، قال: فأت به، فأتى العطن فابتعثها، فحدّثني عمّي أنّه شهد فتح أصفهان وتستر ومهرجان قذف وكور الأهواز وفارس، وجاهد عند السّلطان وكثر ماله وولده، قال: فما سمعت شيئا قطّ كان ألذّ إليّ من شخب تلك الناقة في تلك العلبة، حتى إذا ملأها ففاضت من جوانبها وارتفعت عليها رغوة كجمّة الشّيخ أقبل بها نحوي فعثر بعود أو حجر، فسقطت العلبة من يده، فحدّثني أنّه أصيب بأبيه وأمّه وولده وأهل بيته، فما أصيب بمصيبة أعظم عليه من ذهاب العلبة، فلمّا رآني كذلك ربّ البيت خرج شاهرا سيفه، فبعث الإبل ثم نظر إلى أعظمها سناما، على ظهرها مثل رأس الرّجل الصّعل «٢» ، فكشف عن فوّهته ثم أوقد نارا، واجتبّ سنامها، ودفع إليّ مدية وقال: يا عبد الله، اصطل واجتمل فجعلت أهوي بالبضعة إلى النّار، فإذا بلغت إناها أكلتها، ثم

стр. 320

مسحت ما في يدي من إهالتها على جلدي، وكان قد قحل على عظمي حتّى كأنّه شنّ، ثم شربت ماء وخررت مغشيّا علي، فما أفقت إلى السّحر. فقطع زياد الحديث وقال: لا عليك أن تخبرنا بأكثر من هذا، فمن المنزول به. قلت: عامر بن الطّفيل. قال: أبو عليّ؟ قلت: أبو عليّ. واستعادني الوزير أدام الله علوّه هذا الحديث مرّتين وأكثر التعجّب، وقال: صدق القائل في العرب: منعوا الطّعام وأعطوا الكلام. تغدّى أبو العيناء عند ابن مكرّم، فقدّم إليه عراقا «١» ، فلما جسّه قال: قدركم هذه طبخت بشطرنج «٢» ؟ وقدّم إليه يوما قدرا فوجدها كثيرة العظام، فقال: هذه قدر أم قبر؟ وأكل عنده أبو العيناء يوما، فسقي ثلاث شربات باردة، ثم طلب الرابعة فسقي شربة حارّة، فقال: لعلّ مزمّلتكم تعتريها حمّى الرّبع. قال سلمة، بقي أبو القمقام ببغداد وكنّا نأتيه ونسمع منه، فجاءنا بجفنة فيها جوذاب فجعل أصحابنا يأكلون، ثم أتاهم بسفّود فيه يرابيع فسلتها في الجفنة، فعلم القوم أنّهم قد دهوا، فجعلوا يستقيئون ما أكلوا. وقالت عائشة: ﵂: يا رسول الله، لي جارتان بأيّتهما أبدأ؟ قال: «بأدناهما بابا منك» . وقال حكيم: ينبغي ألّا يعطى البخيل أكثر من قوته، لحيكم عليه بمثل ما حكم به على نفسه. وقال الشاعر: أفلح من كانت له قوصرّه ... يأكل منها كلّ يوم مرّة أفلح من كانت له مزخّه ... يزخّها ثم ينام الفخّه أفلح من كانت له دوخلّه ... يأكل منها كلّ يوم ملّه أفلح من كانت له هرشفّه ... ونشفة يملأ منها كفّه أفلح من كانت له كرديده ... يأكل منها وهو ثان جيده وقال أبو فرعون الشاشيّ يخاطب الحجّاج: يا خير ركب سلكوا طريقا ... ويمّموا مكّة والعقيقا وأطعموا ذا الكعك والسّويقا ... والخشكنان اليابس الرّقيقا
следующие страницы →