← Тараджим

Тараджим · id 10525

إنباه الرواة على أنباه النحاة

جمال الدين القفطي

Полный текст (1 612 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

فى العلم؛ منهم أبو عبد الله محمد بن أبى محمد هذا، وإبراهيم [١]، وإسماعيل أبو القاسم [٢]، وأبو عبد الرحمن عبيد لله [٣]، وأبو يعقوب إسحاق [٤]. وكلهم قد روى وألف فى اللغة والعربية؛ وكان محمد هذا أسنّهم. وأدّب المأمون مع أبيه، وثقل سمعه فى آخر عمره. وأنشد له دعبل [٥] من أبيات: أتظعن والّذى تهوى مقيم ... لعمرك إنّ ذا خطر عظيم إذا ما كنت للحدثان عونا ... عليك وللهموم فمن تلوم شقيت به فما أنا عنه سال ... ولا هو إن شقيت به رحيم ووجد فى كتاب حمّاد [٦] بن إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ عن أبيه عن أيوب بن أبى شمير قال: حرجت أنا ومحمد بن أبى محمد اليزيدىّ إلى متنزّه لنا بمرو، فبينا نحن نشرب إذ أقبل قنفذ يدبّ فيتقمّم [٧] فظنّناه جائعا، فقلت: لقد أكل، فلو سقيناه! فوضعنا بين يديه نبيذا، فشرب منه. فقال محمد: هل لك أن أقول شعرا ونغالط به سعيد بن سلم الباهلىّ غدا إذا أنشدناه؟ فقلت: شأنك؛ فأنشأ يقول:

стр. 1052

وطارق ليل جاءنا بعد هجعة ... من الليل إلا ما تحدّث سامر [١] قريناه صفو الزاد حين رأيته [٢] ... وقد جاء خفّاق الحشا وهو سادر جميل المحيّا فى الرّضا فإذا أبى ... حمته من الضّيم الرماح الشّواجر ولست تراه واضعا لسلاحه ... يد الدهر موتورا ولا هو واتر قال: وغدونا على سعيد، فأنشدناه القصيدة، فاستحسنها، فقال: هكذا والله أشتهى أن يكون الفتى متيقّظا؛ فضحكنا فقال: لكما والله قصّة، ولا تفارقانى حتى تخبرانى بها، فأخبرناه. وله فى الشيب: إن شيبا صلاحه بالخضاب ... لعذاب موكّل بعذاب ولعمر الإله لولا هوى ال ... بيض وأن تشمئزّ نفس الكعاب [٣] لأرحت الخدّين من وضر الخط ... ر وسلّمت لانقضاء الشباب [٤] ولد لمحمد بن أبى محمّد اليزيدىّ من الذّكور اثنا عشر ولدا، وهم: أحمد، والعباس وعبد الله، (والغالب عليه عبدوس)؛ لقب لقّب به، وهؤلاء الثلاثة أوصياء أبيهم، وجعفر، وعلى، والحسن، والفضل، والحسين (وهما توءمان)، وعيسى، وسليمان، وعبيد الله [٥]، ويوسف. فبرع أحمد، والعباس، وجعفر، والحسن، والفضل، وسليمان، وعبيد الله [٥].

стр. 1053

مات أحمد قبل سنة ستين ومائتين، والعباس مات سنة إحدى وأربعين ومائتين. ومات عبد الله عبدوس قبل هؤلاء؛ وكان مولعا باللهو والطرب، وبلغ من لهجه بذلك أن تعلّم ضرب العود، وتعلّم ابناه منه- وكانا طيّبى الغناء. ومات الفضل [١] سنة ثمان وسبعين ومائتين، وعبيد الله [١] سنة أربع [وثمانين [٢]] ومائتين. ومات الحسن بمصر؛ وذلك لأنه خرج مصاحبا لأبى أيوب، ابن أخت أبى الوزير- وكان ولى مصر. ومات جعفر بالبصرة فى سنة نيّف وثلاثين. ولم يبق لهؤلاء من يروى العلم عن أبى عبد الله، [غير [٣]] ابنين لأحمد بن محمد بن يحيى بن المبارك: أحد هما موسى ابن أحمد ويكنى بأبى عيسى، وعيسى ويكنى بأبى موسى، رويا عن أبيهما عن جدّهما محمد بن يحيى ما سمع من أبى زيد والأصمعىّ. والذى ألفه محمد بن يحيى بن المبارك اليزيدىّ صاحب هذه الترجمة من الكتب: كتاب النوادر ألفه لجعفر بن يحيى. كتاب المقصور والممدود. كتاب مختصر نحو، ألفه لبعض ولد المأمون. كتاب النقط والشكل. ٧٣٤ - محمد بن يحيى بن سعدان المؤدّب أبو بكر البستىّ «١» كان من الأدباء، تخرج به جماعة من أولاد الأشراف بنيسابور، وسمع الحديث وتوفى بعد الخمسين والثلاثمائة.

стр. 1054

٧٣٥ - محمد بن يزيد بن عبد الأكبر أبو العباس المبرّد «١» محمد بن يزيد بن عبد الأكبر بن عميرة بن حسان بن سليمان بن سعد بن عبد الله ابن زيد بن مالك بن الحارث بن عامر بن عبد الله بن بلال بن عوف بن أسلم (وهو ثمالة) بن أحجن بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأسد بن الغوث. وعن أبى العباس يزعم أن ثمالة [١] عوف بن أسلم.

стр. 1055

وكان أبو العباس [١] محمد بن يزيد من العلم، وغزارة الأدب، وكثرة الحفظ، وحسن الإشارة، وفصاحة اللّسان، وبراعة البيان، وملوكية المجالسة، وكرم العشرة، وبلاغة المكاتبة، وحلاوة المخاطبة، وجودة الخطّ، وصحة القريحة، وقرب الإفهام، ووضوح الشرح، وعذوبة المنطق؛ على ما ليس عليه أحد ممن تقدّمه أو تأخّر عنه. وقرأ المبّرد كتاب سيبويه على الجرمىّ، ثم توفى الجرمىّ فابتدأ قراءته على المازنىّ؛ وقيل سمع أبو العباس الكتاب على الجرمىّ وعمله على المازنىّ [٢]. وقال إسماعيل بن إسحاق القاضى: لم ير أبو العباس مثل نفسه ممّن كان قرينه، ولا يرى بعده مثله. قال سهل بن أبى سهل البهزىّ [٣] وإبراهيم بن محمد المسمعىّ: رأينا محمد بن يزيد وهو حدث السنّ، متصدّرا فى حلقة أبى عثمان المازنىّ يقرأ عليه كتاب سيبويه؛ وأبو عثمان فى تلك الحلقة كأحد من فيها. وقال اليوسفىّ الكاتب [٤]: كنت يوما عند أبى حاتم السّجستانىّ إذ أتاه شاب من أهل نيسابور فقال: يا أبا حاتم إنى قدمت بلدكم، وهو بلد العلم والعلماء، وأنت

стр. 1056

شيخ هذه المدينة؛ وقد أحببت أن أقرأ عليك كتاب سيبويه. فقال: «الدين النصيحة»؛ إن أردت أن تنتفع بما تقرؤه فاقرأ على هذا الغلام، محمد بن يزيد، فتعجّبت من ذلك. وكان سبب حمله من البصرة فيما ذكره أحمد بن حرب صاحب الطيّلسان [١] قال: قرأ المتوكل يوما وبحضرته الفتح بن خاقان: وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ فقال له الفتح بن خاقان: (إنّها) بالكسر يا سيدي. فتبايعا على عشرة آلاف درهم، وتحاكما إلى يزيد بن محمد المهلبىّ- وكان صديقا للمبرّد- ولما وقف يزيد على ذلك خاف أن يسقط عند أحدهما، فقال: ما أعرف الفرق بينهما، وما رأيت أعجب من أن يكون باب أمير المؤمنين يخلو من عالم متقدّم. فقال المتوكل: فليس هاهنا من يسأل عن هذا؟ فقال: ما أعرف أحدا يتقدّم فتى بالبصرة يعرف بالمبرّد. فقال: ينبغى أن يشخص، فنفذ الكتاب إلى محمد بن القاسم بن محمد بن سليمان الهاشمىّ بأن يشخصه مكرّما. قال محمد بن يزيد: فوردت سرّ من رأى، فأدخلت على الفتح بن خاقان، فقال: يا بصرىّ، كيف تفسّر هذا الحرف: وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ [٢] ؟ بالفتح أو بالكسر؟ فقلت: إنها بالكسر، وهو الجيّد

стр. 1057

المختار، وذلك أن أوّل الآية وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها، قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ . ثم قال تعالى: يا محمد أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ [١] باستيفاء جواب الكلام المتقدّم. قال: صدقت، وركب إلى دار أمير المؤمنين فعرّفه بقدومى، وطالبه بدفع ما تخاطرا عليه وتبايعا فيه، فأمر بإحضارى، فحضرت، فلما وقعت عين المتوكّل علىّ قال: يا بصرىّ، كيف تقرأ هذه الآية: وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ بالكسر أو بالفتح؟ فقلت: يا أمير المؤمنين؛ أكثر الناس يقرءونها بالفتح، فضحك وضرب رجله اليسرى وقال: أحضر يا فتح المال، فقال: يا سيدى، قد والله قال لى خلاف ما قال لك؛ قال: دعنى من هذا، أحضر المال. قال المبرّد: وأخرجت فلم أصل إلى الموضع الذى كنت فيه نازلا، حتى أتتنى رسل الفتح، فأتيته فقال: يا بصرىّ، أوّل ما ابتدأتنا بالكذب! فقلت: ما كذبت، فقال: وكيف وقد قلت لأمير المؤمنين إن الصواب وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها بالفتح، فقلت أيها الأمير؛ لم أقل هكذا، وإنما قلت: أكثر الناس يقرءونها أَنَّها وأكثرهم على الخطأ؛ وإنما تخلّصت من اللأئمة، وهو أمير المؤمنين! فقال لى: أحسنت. قال أبو العباس: فما رأيت أكرم كرما، ولا أرطب بالخير لسانا من الفتح. وقال أبو العباس: حملت إلى المتوكّل سنة ست وأربعين ومائتين. وقال أبو العباس المبرّد: أحضرت مجلس المتوكل، وقد عمل فيه النّبيذ وبين يديه أبو عبادة الوليد بن عبادة البحترىّ [٢]، وهو ينشده قصيدا يمدحه، وبالقرب من البحترىّ أبو العنبس الصّيمرىّ، فأنشد قصيدته التى أوّلها:

стр. 1058

عن أىّ ثغر تبتسم ... وبأىّ طرف تحتكم [١]. حسن يضنّ بحسنه ... والحسن أولى [٢] بالكرم المرتضى ابن المجتبى ... والمنعم ابن المنتقم أما الرعيّة فهى من ... أمنات عدلك فى حرم نعم عليها فى بقا ... ئك فلتتمّ لها النّعم يا بانى المجد الذى ... قد كان قوّض فانهدم اسلم لدين محمّد ... فإذا سلمت له سلم حتى بلغ إلى قوله: قل للخليفة جعفر ال ... متوكّل بن المعتصم نلنا الهدى بعد العمى ... بك والغنى بعد العدم فلما انتهى رجع القهقرى لينصرف، فوثب أبو العنبس وقال: يا سيدى يا أمير المؤمنين، تأمر بردّه؟ فردّه. فقال له أبو العنبس [قد عارضتك [٣] فى قصيدتك وكنت بحضرة أمير المؤمنين]، ثم اندفع ينشد: فى أى سلح ترتطم ... وبأىّ كفّ تلتقم أدخلت رأس البحترىّ ... أبى عبادة فى الرّحم

стр. 1059

ووصل ذلك بما أشبهه، فضحك المتوكل، وضرب برجله اليسرى، وقال: ادفعوا إلى أبى العنبس عشرة آلاف درهم. فقال له الفتح بن خاقان: يا سيدى فالبحترىّ الذى هجى وأسمع المكروه ينصرف خائبا؟ فقال: يدفع إليه عشرة آلاف درهم. فقال: سيدى، فهذا البصرىّ الذى أشخصناه من بلده لا يشركهم فيما حصّلوه! قال: ويدفع إليه أيضا عشرة آلاف درهم. قال: فانصرفنا فى ساعة الهزل بثلاثين ألف درهم، ولم ينفع البحترىّ جدّه ولا اجتهاده وتقدّمه. وذكر أبو عبيد الله محمد بن عمران بن موسى فى كتابه المقتبس: «أن السبب فى تلقيبه بالمبرّد أن المبرّد قال: كان سبب ذلك أن صاحب الشّرطة طلبنى للمنادمة والمذاكرة، فكرهت الذهاب إليه، فدخلت على أبى حاتم سهل بن محمد السّجستانىّ، فجاء رسول الوالى يطلبنى، فقال لى أبو حاتم: ادخل فى هذا- يعنى غلاف مزمّلة [١] فارغ- فدخلت فيه، وغطّى رأسه، ثم خرج إلى الرسول فقال: ليس هو عندى، فقال: أخبرت أنه دخل إليك. قال: فادخل الدار وفتّشها، فدخل وطاف فى كل موضع فى الدّار، ولم يفطن لغلاف المزمّلة، ثم خرج، فجعل أبو حاتم يصفّق وينادى على المزمّلة: المبرّد المبرّد! وتسامع الناس بذلك فلهجوا به [٢]». ذكر محمد بن يحيى أن أبا العباس المبرد مات يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ذى الحجة سنة خمس وثمانين ومائتين. وفيها مات البحترىّ فى المحرّم.

стр. 1060

وقال عبد الله بن سعد القطربلّىّ فى تاريخه: «مات أبو العباس المبرّد يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ذى الحجة سنة خمس وثمانين ومائتين، وله تسع وسبعون سنة، ودفن فى مقابر باب الكوفة فى دار اشتريت له». وقال أبو علىّ إسماعيل بن محمد الصفّار: مات أبو العباس المبرّد فى ذى الحجة سنة خمس وثمانين ومائتين. وذكر غيرهم فى ذى القعدة. قال غيرهم: إنه نيّف على التسعين. وكان أبو العباس مقدّما فى الدّول عند الوزراء والأكابر؛ ولما مات الفتح بن خاقان كتب محمد بن عبد الله بن طاهر بن الحارث يحث فى إشخاص محمد بن يزيد المبرّد فلم يزل مقيما معه، وسبّب له أرزاقا على مصر حسبما كانت أرزاق الندامى تجرى عليهم من هناك. وكان له شعر جيّد كثير لا يدّعيه ولا يفخر به؛ فمنه قوله فى عبيد الله بن عبد الله ابن طاهر بن الحارث [١]، وقد ورد عليه كتابه وفى درجه [٢] التسبيب بأرزاقه إلى مصر: فأجاب عن الكتاب بأبيات قالها على البديهة [٣]: بنفسى أخ برّ شددت به أزرى ... فألفيته حرّا على العسر واليسر أغيب فلى منه ثناء ومدحة ... وأحضر منه أحسن القول والبشر وما طاهر إلّا جمال لصحبه ... وناصر عافيه على كلب الدهر [٤] تفردت يا خير الورى فكفيتنى ... مطالبة شنعاء ضاق لها صدرى وأحسن من وجه الحبيب ووصله ... كتاب أتانى مدرجا فى يدى نصر [٥]

стр. 1061

سررت به لما أتى ورأيتنى ... غنيت وإن كان الكتاب إلى مصر فقلت رعاك الله من ذى مودّة ... فقدفتّ إحسانا وقصّرت من شكرى وكتب إلى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بعد أن استبطأه وعاتبه: يا موئلا لذوى الهمّات والخطر ... ومن عمدت لحاجاتى من البشر هل أنت راض بأن يضحى نزيلكم ... والمستجيب لكم فى حال مستتر صفرا من المال إلّا من رجائكم ... ولا بسا بعد يسر حلّة العسر قل للأمير عبيد الله دام له ... عزّ الإمارة فى طول من العمر بدأت وعدا فأنجزه لمنتظر ... فإنّ حقّ تمام الورد فى الصدر وقد بدا عود شكرى مورقا فأجد ... سقياه أجنيك منه يانع الثمر فإنما يسم الوسمىّ مبتدئا ... وللولىّ نبات الرّوض والزّهر [١] والسّيف يجلى فإن لم تسق صفحته ... نبا ولم يك كالمشحوذة البتر وقد تقدّم إحسان إلىّ لكم ... لم أوت فيه من الإغراق فى الشّكر وفى بقاء عبيد الله لى خلف ... وفيض راحته المغنى عن المطر وله فى أحمد بن يحيى ثعلب: أقسم بالمبتسم العذب ... ومشتكى الصّبّ إلى الصّبّ لو أخذ النحو من الرّبّ ... ما زاده إلا عمى قلب ولما أنشد ثعلب هذين البيتين تمثل بقول الشاعر: أسمعنى عبد بنى مسمع ... فصنت عنه النفس والعرضا ولم أجبه لاحتقارى له ... ومن يعضّ الكلب إن عضّا!

стр. 1062

وذكر العجوزىّ [١] قال: كنت يوما عند أبى العباس محمد بن يزيد فأتاه رجل على دابّة على كتفه طيلسان أخضر، فلما رآه قام إليه فاعتنقه، فأكبر الرّجل قيامه إليه، وقال: أتقوم إلىّ يا أبا العبّاس؟ فقال له: أينكر أن أقوم إذا بدا لى ... لأكرمه وأعظمه هشام ولا تعجب لإسراعى إليه ... فإنّ لمثله ذخر القيام وكان المبرّد ممسكا بخيلا، يقول: ما وزنت شيئا بالدرهم إلا ورجح الدّرهم فى نفسى، هذا مع السّعة التى كان فيها، وكان ثعلب أشدّ منه فى الاستمساك، وكان المبرّد يصرّح بالطلب، وثعلب يعرّض ويلوّح. ولما قتل المتوكّل بسرّ من رأى دخل المبرّد إلى بغداذ، فقدم بلدا لا عهد له بأهله، فاختلّ وأدركته الحاجة، فتوخّى شهود صلاة الجمعة، فلما قضيت الصلاة أقبل على بعض من حضره، وسأله أن يفاتحه السؤال ليتسبّب له القول، فلم يكن عند من حضره علم؛ فلما رأى ذلك رفع صوته وطفق يفسّر ويوهم بذلك أنه قد سئل؛ فصارت حوله حلقه عظيمة، وأبو العباس يصل فى ذلك كلامه. فتشوّف أحمد بن يحيى ثعلب إلى الحلقة، وكان كثيرا ما يرد الجامع قوم خراسانيّون من ذوى النظر؛ فيتكلّمون ويجتمع الناس حولهم، فاذا أبصرهم ثعلب أرسل من تلاميذه من يفاتشهم، فإذا انقطعوا عن الجواب انفضّ الناس عنهم. فلما نظر ثعلب إلى من حول أبى العباس المبرّد أمر إبراهيم بن السّرىّ الزّجّاج وابن الخيّاط [٢] بالنهوض، وقال لهما: فضّا حلقة هذا الرجل، فنهض معهما من حضر

стр. 1063

من أصحابه فلمّا صاروا بين يديه قال له إبراهيم بن السّرىّ: أتأذن- أعزّك الله- فى المفاتشة؟ فقال له المبرّد: سل عمّا أحببت، فسأله عن مسألة فأجابه عنها بجواب أقنعه، فنظر الّزجاج فى وجوه أصحابه متعجّبا من تجويد أبى العباس للجواب [، فلما انقضى ذلك قال له أبو العباس: أقنعت بالجواب؟ [١]]. فقال: نعم؛ [قال [١]]: فإن قال قائل فى جوابنا هذا كذا، ما أنت راجع إليه؟ وجعل أبو العباس يوهن جواب المسألة ويفسده ويعتلّ فيه. فبقى إبراهيم بن السرىّ سادرا لا يحير جوابا، ثم قال: إن رأى الشيخ- أعزّه الله- أن يقول فى ذلك. فقال المبرّد: فإنّ القول على نحو كذا؛ فصحّح الجواب الأوّل وأوهن الاعتراض. فبقى الزجاج مبهوتا، ثم قال فى نفسه: قد يجوز أنه كان حافظا لهذه المسألة، مستعدا للقول فيها؛ فسأله مسألة ثانية، ففعل المبرّد فيها ما فعله [فى] الأولى؛ حتى سأله أربع عشرة مسألة، وهو يجيب عن كلّ واحدة منها بما فعله فى المسألة الأولى. فلما رأى ذلك الزّجّاج قال لأصحابه: عودوا إلى الشيخ، فلست مفارقا هذا الرجل، ولا بدّ لى من ملازمته والأخذ عنه. فعاتبه أصحابه وقالوا: تأخذ عن مجهول لا يعرف اسمه، وتدع من شهر اسمه وعلمه، وانتشر فى الآفاق ذكره! فقال: لست أقول بالذّكر والخمول؛ ولكنّى أقول بالعلم والعمل. قال: فلزم أبا العباس، فسأله عن حاله فأخبره برغبته فى النظر، وأنه قد حبس نفسه على ذلك؛ إلا ما يشغله من صناعة الزّجاج فى كل خمسة أيام من الشهر؛ فيتقوّت بذلك الشّهر كلّه. ثم أجرى عليه فى الشهر ثلاثين درهما، وأمره أبو العباس المبرّد بإخراج كتب الكوفيين، ولم يزل ملازما له، وآخذا عنه حتى برع من بين أصحابه. وكان أبو العباس لا يقرىء أحدا كتاب سيبويه حتى يقرأه على إبراهيم ويصحّح به كتابه؛ فكان ذلك أوّل رياسة أبى إسحاق الزجّاج.

стр. 1064

وكان مولد أبى العباس يوم الاثنين فى ذى الحجة ليلة الأضحى سنة عشرين ومائتين. وتوفى يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ذى الحجّة سنة ست وثمانين ومائتين، ودفن بمقبرة باب الكوفة، وصلى عليه أبو محمد يوسف بن يعقوب القاضى- ﵀. وقال محمد بن إسحاق النديم فى كتابه: «قال أبو عبد الله محمد بن القاسم: كان أبو المبرّد من السورجيّين [١] بالبصرة ممن يكسح [٢] الأرضين، وكان يقال له حيّان السّورجىّ [٣] وانتمى إلى اليمن؛ ولذلك تزوّج المبرّد ابنة الحفصىّ المغنّى، والحفصىّ شريف من اليمنية». «قال أبو سعيد: وكان مولده فيما أخبرنا به أبو بكر بن السّراج وأبو على الصفّار فى سنة عشر ومائتين، ومات سنة خمس وثمانين ومائتين وله تسع وسبعون سنة. وقيل: مولده سنة سبع ومائتين». وقال [الصولى [٤]]: «سمعته يقول ذلك. ودفن فى مقابر الكوفة». «وله من الكتب: كتاب الكامل. كتاب الروضة. كتاب المقتضب. كتاب الاشتقاق. كتاب الأنواء والأزمنة. كتاب القوافى. كتاب الخط والهجاء. كتاب المدخل إلى سيبويه. كتاب المقصور والممدود. كتاب المذكر والمؤنث». كتاب معانى القرآن ويعرف بالكتاب التام. كتاب احتجاج القرأة. [كتاب [٤] الرسالة الكاملة. كتاب الرد على سيبويه. كتاب قواعد الشعر. كتاب إعراب القرآن. كتاب الحث على الأدب

стр. 1065

والصدق. كتاب فحطان [١] وعدنان. كتاب الزيادة المنتزعة من سيبويه. كتاب المدخل فى النحو]. كتاب شرح شواهد كتاب سيبويه. كتاب ضرورة الشعر. كتاب أدب الجليس. كتاب الحروف ومعانى القرآن إلى طه. كتاب معانى صفات الله جل اسمه. كتاب الممادح والمقابح. كتاب الرياض المونقة. كتاب أسماء الدواهى [عند العرب. كتاب الإعراب [٢]]. كتاب الجامع لم يتمه. كتاب التعازى. كتاب الوشى. كتاب فقر كتاب سيبويه [كتاب الناطق [٢]]. كتاب معنى كتاب الأوسط للاخفش. [كتاب البلاغة [٢]] كتاب العروض. كتاب شرح كلام العرب وتلخيص ألفاظها [ومزاوجة كلامها وتقريب معانيها [٢]]. كتاب ما اتفقت [٣] ألفاظه واختلفت معانيه فى القرآن. [كتاب الفاضل [٤] والمفضول [٢]]. كتاب طبقات النحويين البصريين وأخبارهم. [كتاب العبارة عن أسماء الله تعالى. كتاب الحروف. كتاب التصريف [٢]]. [وقال أبو بكر بن السرّاج: حدثنى أبو العباس المبرّد قال: دخلت من البصرة إلى بغداد، فاجتزت بالمازنىّ متفرّجا، وكان فى بعض البيوت رجل كهل نظيف، فلما رآنى قال: مرحبا بهذا الوجه الغريب، وشكلك من البصرة، قلت: نعم، قال: درست بها على نابغهم؟ قلت: ومن هو؟ قال: الملقب المبرّد، قلت: رأيته؛ قال: هو فاضل، وله شعر منه: أيها الطالب شيئا ... من لذيذ الشهوات كل بماء المزن تفّا ... ح خدود الغانيات

стр. 1066

قال: وقد ادّعى أنه من ثمالة، وليس يعزى إليها، وقد هجا نفسه على لسانه لتصحيح نسبه بأبيات منها: سألنا عن ثمالة كلّ حىّ ... فقال القائلون: ومن ثماله! فقلت: محمد بن يزيد منهم ... فقالوا: [زدتنا بهم جهاله [١]]: ٧٣٦ - محمد بن يونس الحجارىّ النحوىّ «١» من وادى الحجارة بالأندلس، ضرير. كان مقدّما فى المعرفة بالنحو واللغة. وكتب الأخبار والأشعار. واستأثر به المظفّر بن الأفطس [٢] لنفسه ولبنيه. وسكن بطليوس، وتوفى بها سنة اثنتين أو ثلاث وستين وأربعمائة. ٧٣٧ - محمد بن يعقوب بن ناصح الأديب النحوى الأصبهانىّ «٢» نزيل نيسابور أبو الحسين. كان يدرس كتاب الأدب، وكان من أقران أبى عمر الزاهد وأبى محمد بن درستويه فى الاختلاف إلى أبوى العباس ثعلب والمبرّد. وكان صدوق اللهجة من أعيان الأدباء، وصحب السلاطين وترك صحبتهم. وكان يروى عن البحترىّ. توفى بنيسابور فى شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة.

стр. 1067

٧٣٨ - مالك بن عبد الله بن محمد العتبىّ اللغوىّ «١» من أهل قرطبة، يكنى أبا الوليد، ويعرف بالسّهلىّ من سهلة المدوّر. من أهل المعرفة بالآداب واللغات والعربية ومعانى الشعر. وكان متقدّما فى ذلك على جميع أصحابه؛ ثقة فيما رواه، ضابطا لما كتب، حسن الخط، جيّد الضبط. وكتب بخطه علما كثيرا وأتقنه، وأخذ الناس عنه. وتوفّى فى صبيحة السبت لثمان خلون من شعبان سنة سبع وخمسمائة من علّة خدر طاولته. ٧٣٩ - المبارك بن المبارك بن سعيد، الوجيه بن الدّهان أبو بكر بن أبى طالب بن أبى الأزهر النحوىّ الضرير «٢» من أهل واسط. ولد بها ونشأبها، وحفظ القرآن هناك على الشيوخ، وقرأ القراءات، واشتغل بالعلم، وسمع بها من أبى سعيد نصر بن محمد بن سلم الأديب وأبى الفرج العلاء بن على البغدادىّ الشاعر وغيرهما، ثم قدم بغداذ واستوطنها إلى حين وفاته. وكان يسكن بالظّفريّة [١]، وجالس أبا محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد

стр. 1068

ابن الخشاب النحوىّ وسمع منه، وصحب أبا البركات عبد الرحمن بن محمد الأنبارىّ النحوىّ ولازمه، وأخذ جلّ ما كان عنده، وسمع الحديث من أبى زرعة طاهر ابن محمد بن طاهر المقدسىّ الأصل الهمذانىّ المولد والمنشأ. وتفقّه على مذهب أبى حنيفة. ويقال إنه كان قبل ذلك حنبليا، ثم انتقل إلى مذهب الشافعىّ لمّا تولّى تدريس النحو بالمدرسة النظامية فى شرط واقفها أن يكون النحوىّ بها شافعيا. وقال فيه أبو البركات بن زيد التّكريتىّ [١] المعروف بالمؤيّد الشاعر لمّا انتقل إلى مذهب الشافعىّ: فمن مبلغ عنّى الوجيه رسالة ... وإن كان لا تجدى إليه الرسائل تمذهبت للنعمان بعد ابن حنبل ... وذلك لمّا أعوزتك المآكل وما اخترت رأى الشافعىّ تديّنا ... ولكنّما تهوى الذى منه حاصل وعمّا قليل أنت لا شكّ صائر ... إلى مالك فافطن لما أنا قائل والوجيه لقب للمبارك الواسطىّ هذا الذى نحن فى ذكره. وصنّف هذا الوجيه فى النحو وأقرأ، وكان كثير الهذر والتوسّع فى القول، فيه شره نفس، وكثرة دعاوى لعلم ما لا يعلمه ومن شعره: لست أستقبح اقتضاءك بالوع ... د وإن كنت سيّد الكرماء فإله السماء قد ضمن الرّز ... ق عليه ويقتضى بالدّعاء وله من قصيدة: يمون ولا يمنّ ومن سواه ... يمنّ ولا يمون بلا يمين [٢]

стр. 1069

وكان مولد أبى بكر النحوىّ بواسط فى سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، ومات ببغداذ ليلة الأحد سادس عشرين شعبان سنة اثنتى عشرة وستمائة، ودفن يوم الأحد بالجانب الشرقىّ بمقبرة الوردية [١]. ٧٤٠ - المبارك بن الفاخر بن محمد بن يعقوب النحوىّ أبو الكرم البغداذى «١» كان إماما فى اللغة والنحو، وكان له فيهما باع طويل. سافر إلى الحجاز واليمن، وسمع من الأعراب الذين يغلب على ظنّه فصاحتهم. سمع ﵀ الحديث من القاضى أبى الطيب طاهر بن عبد الله الطبرىّ، وأبى محمد الحسين بن علىّ الجوهرىّ وغيرهما. سئل عن مولده فقال: ولدت فى سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. روى الناس عنه واستفادوا منه أدبا كثيرا، وتخرج به الجمع الجمّ فى النحو. وصنّف التصانيف الرائقة، وكانت أصوله أصولا حسنة مضبوطة محقّقة، ومآخذه على المصنّفين مآخذ جميلة. ولما دخل إلى اليمن نقلوا عنه علما كثيرا، وصنف لهم كتبا اختاروها عليه؛ منها: كتاب شرح مقدّمة أدب الكاتب، وهو شرح كبير، ثم صنّف فى العراق بعد ذلك شرحا مختصرا أحال فيه على الأوّل، وصنف كتاب نحو العرف وأودعه على

стр. 1070

صغره غوامض هذا النوع. وصنّف كتاب المعلم، وهو فى غاية الجودة. وصنف كتاب شرح الألف واللام للمازنىّ، وأجاد فيه، وشرع فى كتب أخر، رأيت بعضها بخطه، وأظنه مات ولم يتمّها. وكان يمشى على سنن أبى على الفارسىّ وصاحبه أبى الفتح فى تتبّع غوامض هذا العلم والإغراب فى أنواع الإعراب؛ وكانت له طريقة فى الخط تشبه طريقة عبد السّلام البصرىّ، مخلعة الحروف، كثيرة الضبط؛ وكانت له بلاغة، ما كتب شيئا بخطّه على سبيل الإجازة والمقابلة إلا جاء مسجوعا مضمّنا نوعا من بلاغة. وخطّه- ﵀ مرغوب فيه، له قدر عند العلماء بهذا الشأن. توفى ليلة النصف من ذى القعدة من سنة خمسمائة، ودفن بباب حرب، وهو أخو البارع ابن الدبّاس [١] من أمه. ٧٤١ - المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد أبو السعادات بن أبى الكرم الجزرىّ الموصلىّ، المجد ابن الأثير «١» كاتب فاضل، له معرفة تامة بالأدب، ونظر حسن فى العلوم الشرعية. ولد بالجزيرة المعروفة بجزيرة ابن عمر [٢]، وسكن الموصل بدرب دراج، وكتب

стр. 1071

لأمرائها، وقرأ بها النحو على أبى محمد سعيد بن المبارك بن الدهان، ثم على أبى الحرم مكّىّ بن ريّان الماكسينىّ الضرير، نزيل الموصل. وسمع الحديث من أبى بكر يحيى ابن سعدون القرطبىّ [١]، وأبى الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد الطوسىّ [٢]، وغيرهما. وحج وسمع ببغداذ جماعة من المتأخرين، كابن سكينة [٣] وغيره، وعاد إلى الموصل، فصنّف كتبا جيدة فى النحو وغريب الحديث والحديث النبوىّ، وأجاد فيها، وجمع وبالغ، ورويت عنه- ﵀. وكان له برّ ومعروف. وقنى من صحبة الناس ملكا قريب الحال، فوقفه على مصالح أهله، وبنى رباطا [٤] فيه من يستريح بما وقفه عليه. كتب إلىّ الإجازة بجميع مصنّفاته [٥] ومسموعاته ومرويّاته. وذكر لى أخوه أبو الحسن علىّ: أنه رآه بعد موته فى المنام، أنّ نجاسة قد آذته، قال: فاستقصيت وبحثت عن صحّة هذه الرؤيا، فوجدت أحد الأهل قد أطلق

стр. 1072

غنما له فوق سطح الصّفّة التى هو فيها مدفون، وقد كثر ما يخرج من أجوافها فوق ذلك الموضع، فأزلته ونظّفته ممّا حصل فيه، وكان قد أقعد قبل موته بمدّة، ولزم منزله راضيا بما قضى له، قانعا بما قدّر له من الرزق، يغشاه الناس لفضله والرواية عنه. قال: وأتانا رجل مغربىّ شرط على نفسه أنه يبرئه مما هو فيه، وأنه لا يأخذ عليه أجرا إلا بعد برئه. قال: فملت إلى قوله، وأخذ فى معاناته بدهن صنعه، وكان يمدّ رجليه فى يوم وهى متجافية عن الأرض لما بها من اليبس، ويقيس ما بينها وبين الأرض، وكانت كلّما لانت قربت من الأرض، فيعلم ذلك، ولم يزل يفعل هذا الفعل إلى أن ظهر فيها الصلاح وأشرف على البرء، فقال لى يوما: أعط لهذا المغربىّ شيئا يرضيه واصرفه، فقلت له: لماذا وقد ظهر نجح معاناته؟ فقال: الأمر كما تقول؛ ولكنى فى راحة مما كنت فيه من صحبة هؤلاء القوم والالتزام بأخطارهم، وقد سكنت روحى إلى الانقطاع والدّعة؛ وقد كنت بالأمس وأنا معافى أذلّ روحى بالسعى إليهم، وهأنا اليوم قاعد فى منزلى، فإذا طرأت لهم أمور ضرورية جاءوا لى بأنفسهم لأخذ رأيى، وبين هذا وذاك كثير، وإنما أحدثه هذا الألم، ولا أرى زواله ولا معاناته، ولم يبق من العمر إلا القليل، فدعنى أعيش باقيه حرّا سليما من ذلّ وصغار، فقد أخذت منه أوفر الحظ. قال أخوه: فقبلت قوله، وصرفت الرجل بإحسان. وكان مولده فى أحد الربيعين من سنة أربع وأربعين وخمسمائة بجزيرة ابن عمر، وتوفى يوم الخميس سلخ ذى الحجة من سنة ست وستمائة بالموصل، ودفن برباطه- ﵀.

стр. 1073

وله كتاب جامع الأصول، وكتاب البديع فى النحو، وكتاب فى علم الحديث. وله أخوان نجيبان: أحدهما أبو الحسن هذا [١]؛ وصنف مختصر الأنساب للسّمعانىّ [٢]، وكتاب التاريخ، وكتاب أخبار الصحابة [٣]. وأخوه الضياء [٤]، كاتب إنشاء مجيد، صاحب بلاغة، وله المثل السائر بين الكاتب والشاعر، كتاب جميل فى صناعة البيان وغير ذلك. ٧٤٢ - المبارك بن هبة الله النحوىّ أبو المعالى «١» بغداذىّ، سمع أبا القاسم على بن أحمد البسرىّ [٥]، وحدّث عنه. سمع منه المبارك بن كامل [٦]، وأخرج عنه حديثا فى معجم شيوخه. ٧٤٣ - مخنف «٢» نحوى مجهول، لا أعلم له خبرا [٧]. وله من التصانيف كتاب شرح النحو [٨].

стр. 1074

٧٤٤ - مروان بن أحمد بن عبد العزيز ابن أبى الحباب النحوىّ «١» ولد أبى عمر بن أبى الحباب النحوىّ الأندلسىّ [١]. من أهل قرطبة، يكنى أبا عبد الملك؛ روى عن أبيه، وكان أديبا نحو يا يعلّم العربية. وتوفّى فى عقب ذى القعدة سنة إحدى وأربعمائة؛ ذكره ابن حيّان مؤرّخ الأندلس. ٧٤٥ - مسلم بن جندب الهذلىّ «٢» تابعىّ مدنىّ. من الفصحاء القرّاء، ويعدّ من النحويّين. ويروى عن الزبير بن العوّام وعبد الله بن عمر. وهو أحد من أخذ نافع بن أبى نعيم القراءة عنه. وقيل إن أهل المدينة كانوا لا يهمزون حتى همز جندب: مُسْتَهْزِؤُنَ [٢] ، ويَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [٣]. ٧٤٦ - مسلم بن أحمد بن أفلح الأديب النحوىّ القرطبىّ أبو بكر «٣» أخذ عن أبى عمر بن أبى الحباب النحوىّ وغيره. وكان رجلا جيّد الدين، حسن العقل، ليّن العريكة، مع نبله وبراعته وتقدّمه فى علم العربية واللغة ورواية الشّعر وكتب الآداب، كان لتلاميذه كالأب الشفيق والأخ الشقيق، يجتهد فى تبصيرهم، ويتلطّف فى ذلك.

стр. 1075

ولد سنة ست وسبعين وثلاثمائة، وتوفى لثمان خلون من شعبان سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة. ودفن بمقبرة أم سلمة عشى يوم الجمعة. وكان إمام مسجد السقا، وكان متنسّكا فاضلا. ذكره ابن حيّان مؤرخ الأندلس. ٧٤٧ - مسلم بن سلامة بن شبيب النقيعىّ السّنجارى «١» والنّقيعة التى ينسب إليها قرية من قرى سنجار [١]، من بلد القنا. وكان رجلا عالما بالنحو، مقرئا فقيها خبيرا بالفرائض، عارفا بالغريب، خبيرا بأيام العرب وأشعارها، ذكىّ القلب، حديد الذهن. وكان ضريرا- ﵀. وكان متصدّرا بسنجار لإفادة ما يعلمه، واستفاد منه الطلبة مما عددناه ممّا يعلمه. وجاء رجل من العرب بعد موته وسأل عنه فقيل له: مات؛ فقال: حدّثنى عن أحوال واد بنجد ما علمتها إلا منه. توفى فى سنة أربع وستمائة، وبلغ من العمر نيّفا وستين سنة، ودفن بقريته فى مسجد فى فنائه، والناس يزورون قبره- سقاه الله. ٧٤٨ - مسلمة بن عبد الله بن سعد بن محارب الفهرىّ النحوىّ «٢» قديم العهد. من الطبقة الرابعة عن أبى الأسود. قال ابن سلّام: «كان عيسى ابن عمر أخذ عن ابن أبى إسحاق، وأخذ يونس عن أبى عمرو [بن العلاء [٢]]. وكان معهما مسلمة بن عبد الله بن سعد بن محارب الفهرىّ. وكان ابن أبى إسحاق خاله. وكان حمّاد بن الزبرقان ويونس يفضّلانه». وكان مولى لبنى محارب.

стр. 1076

٧٤٩ - المسعدىّ اللغوىّ الراوية «١» ونسبه أشهر من اسمه؛ واسمه علىّ بن محمد بن وهب. صحب أبا عبيد القاسم ابن سلّام، وعرف به، وروى عنه. قال: سمعت أبا عبيد القاسم بن سلّام يقول: هذا الكتاب أحبّ إلىّ من عشرة آلاف دينار- يعنى الغريب المصنّف وعدد أبوابه على ما ذكر ألف باب، وفيه شواهد الشعر؛ ألف ومائتا بيت. ٧٥٠ - مسعود الدولة النحوىّ «٢» نزيل مصر؛ كان من نحاتها. ورأيت أبا الجود حاتم بن الكتّانىّ الصيداوىّ الأصل، المصرىّ المولد والمنشأ يذكر أنه قرأ على مسعود الدولة، وسمع منه شيئا على سبيل الرواية للكتب الأدبية، وقال: هو يعرف بابن طازنك. ورأيت بعض الناس يذكر أن أصله من دمشق وأنه- أو سلفه- انتقلوا إلى مصر، ورأيت من كلامه جزءا أولا من شرح كتاب سيبويه له وبخطه، ونظرت فيه فرأيت كلام رجل كثير الاطّلاع، جيّد الترتيب والنّقل. وقد حكى عند كل جملة من كتاب سيبويه أقوال النحاة فيها وفيما ماثلها من كلام العرب، ولو كمل لجاء أكبر تصنيف، وأكمل تأليف جمع فى نوعه. وكان له شعر كشعر النحاة؛ وميزّه الأفضل بن أمير الجيوش، المتوزر لأحد ولاة القصر بمصر، وجعله مقدّم الشعراء فى الإنشاد. ومن شعره ما أجاب به شاعرا كتب له أبياتا على وزنها: لله درّ قواف أنت مهديها ... لا يستطيع حسود الفضل يخفيها عزّت مطالبها غرّت مطامعها ... جلّت مقاصدها دقّت معانيها

стр. 1077

فيها بدائع حسن قد خصصت بها ... تجرى مع النفس لطفا فى مجاريها من ذا يعارضها من ذا يجاريها ... من ذا يشاكلها من ذا يباريها سمت عن الوصف حتى إنّ مادحها ... كأنّه بفم التّقصير هاجيها ما إن يملّ مع التّكرار سامعها ... ولا يكلّ من التّرداد قاريها تمضى الليالى عليها وهى خالدة ... والفكر من غير الأيّام واقيها إن القوافى تحييها محاسنها ... إذا حفظن وتفنيها مساويها يا ظافرا ظفرت بالنجح همّته ... فيما يروم وفازت فى مساعيها إنى بعجزى عن شكريك معترف ... والله يجزيك بالحسنى وينميها ٧٥١ - محمود بن أحمد الخجندى الدّمشقىّ «١» محمود بن أحمد الخجندىّ الأصل، الدمشقى المولد والمنشأ، السّنجارىّ الدار. كان رجلا عالما بالنحو واللغة والفقه، كثير الديانة والورع، له شعر وكتابة ومجالس وعظ. وكان ينشىء لعماد الدين بن زنكى صاحب سنجار، ثم استعفاه فأعفاه، ووقف عليه ضيعة من أعمال سنجار اسمها الدوانية من بلد القنا، فارتزق بها، وتصدّر للإفادة والفتيا والوراقة بغير عوض، إلى أن توفى بقريته فى سنة إحدى وعشرين وستمائة، وحمل إلى مقبرة سنجار فدفن بها. ٧٥٢ - محمود بن حسان النحوىّ المصرىّ «٢» قديم العهد فى طريقة أصحاب الخليل، كولّاد وغيره. تصدّر بمصر للإ؟؟ فادة، هذا الشأن فأخذ عنه أبو الحسن بن محمد الوليد ولاد.

стр. 1078

٧٥٣ - محمود بن عمر بن محمد بن عمر الزمخشرىّ «١» ذكره السّمعانىّ، ونظرت بخطه فى تاريخه الذى ذيّل به تاريخ مدينة السلام بضمّ الزّاى؛ ولما صنّف كتابه فى الأنساب ضبطها بفتح الزاى، فقلت: على الظن أن الأوّل وهم. كان الزمخشرىّ- ﵀ من أهل خوارزم، وزمخشر: إحدى قراها القريبة منها. وسمعت بعض التجّار يقول: إنها قد دخلت فى جملة المدينة، وإنّ العمارة لمّا كثرت وصلت إليها وشملتها، فصارت من جملة محالّها. وكان- ﵀ ممّن يضرب به المثل فى علم الأدب والنحو واللغة. لقى الأفاضل والأكابر، وصنّف التصانيف فى التفسير وغريب الحديث والنحو

стр. 1079

وغير [١] ذلك. دخل خراسان وورد العراق، وما دخل بلدا إلا واجتمعوا عليه وتلمذوا له، واستفادوا منه. وكان علّامة الأدب، ونسّابة العرب، أقام بخوارزم تضرب إليه أكباد الإبل، وتحطّ بفنائه رحال الرجال، وتحدى باسمه مطايا الآمال. ثم خرج منها إلى الحج، وأقام برهة من الزمان بالحجاز؛ حتى هبّت على كلامه رياح البادية، وورد مناهل العرب العاربة، ثم انكفأ راجعا إلى خوارزم، ثم قوى عزمه على الرحلة عنها وعوده إلى الحجاز، فقيل له: قد زجّيت أكثر عمرك هناك فما الموجب؟ فقال: القلب الذى لا أجده ثمّ أجده ها هنا. وذكر ابن أخته أبو عمرو عامر بن الحسن السمسارىّ بزمخشر قال: ولد خالى بزمخشر خوارزم يوم الأربعاء السابع والعشرين من رجب سنة سبع وستين وأربعمائة.

стр. 1080

وكان له- ﵀ شعر كشعر النحاة؛ فمنه ما قاله يرثى شيخه أبا مضر: وقائلة ما هذه الدّرر الّتى ... تساقطها عيناك سمطين سمطين فقلت هو الدرّ الذى قد حشا به ... أبو مضر أذنى تساقط من عينى وقال أيضا يرثيه: أيا طالب الدنيا ويا تارك الأخرى ... ستعلم بعد الموت أيّهما أحرى ألم يقرعوا بالحق سمعك؟ قل: بلى ... وذكّرت بالآيات لو تنفع الذّكرى أما وقر الطّيش الّذى فيك واعظ ... كأنك فى أذنيك وقر ولا وقرا أمن حجر صلد فؤادك قسوة ... أم الله لم يودعك لبّا ولا حجرا [١] وما زال موت المرء يخرب داره ... وموت فريد العصر قد خرّب العصرا وصكّ بمثل الصخر سمعى نعيّه ... فشبّهت بالخنساء إذ فقدت صخرا وقال أيضا فى غير ذلك: أيا حبّذا سعدى وحبّ مقامها ... ويا حبّذا أين استقلّ خيامها حياتى وموتى قرب سعدى وبعدها ... وعزّى وذلّى وصلها وانصرامها سلام عليها أين أمست وأصبحت ... وإن كان لا يقرا علىّ سلامها رعى الله سرحا قد رعى فيه سرحها ... وروّض أرضا سام فيه سوامها إذا سحبت سعدى بأرض ذيولها ... فقد أرغم المسك الذكىّ رغامها وإن ما يست قضبان بان رأيتها ... تنكّس واستعلى عليها قوامها وهى قصيدة طويلة مدح بها الوزير مجير الدولة الأردستانىّ، فخلع عليه وأعطاه فرسا وألف دينار.

стр. 1081

ولما نزل الزمخشرىّ مكة شرفها الله تعالى- وجد بها الشريف السيد الفاضل الكامل أبا الحسن على بن عيسى بن حمزة الحسنى [١]، فعرف قدره، ورفع أمره، وأكثر الاستفادة منه، وأخذ عن الزمخشرىّ وأخذ الزمخشرىّ عنه، ونشّطه لتصنيف ما صنّف، وتأليف ما ألّف- قال الشريف مادحا للزمخشرىّ: جميع قرى الدّنيا سوى القرية التى ... تبوّأها دارا فداء زمخشرا وأحر بأن تزهى زمخشر بامرىء ... إذا عدّ فى أسد الشّرى زمخ الشّرى [٢] توفى الزّمخشرىّ- ﵀ بكر كانج، وهى قصبة خوارزم، ليلة عرفة من سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة. وكان الزمخشرىّ- ﵀ مقطوع الرجل، قد جعل له رجلا من خشب يستعين بها فى المشى، ولما دخل بغداذ سأله الدامغانىّ [٣] الفقيه الحنفىّ عن سبب قطعها، فقال: دعاء الوالدة؛ وذلك أننى فى صباى أمسكت عصفورا وربطته بخيط فى رجله، وانفلت من يدى، فأدركته وقد دخل فى خرق، فجذبته، فآنقطعت رجله فى الخيط، فتألمت أمّى لذلك وقالت: قطع الله رجل الأبعد كما قطع رجله، فلما وصلت إلى سن الطّلب رحلت إلى بخارى لطلب العلم، فسقطت عن الدابة فانكسرت الرجل، وعملت عملا أوجب قطعها. وذكره صاحب الوشاح،- ذكره بألقاب وسجع له على عادته فقال: «أستاذ الدنيا، فخر خوارزم، جار الله العلامة أبو القاسم محمود الزّمخشرىّ من أكابر

стр. 1082

الأمّه، وقد ألقت العلوم إليه أطراف الأزمّه؛ واتفقت على إطرائه الألسنة، وتشرفت بمكانه وزمانه الأمكنة والأزمنة؛ ولم يتمكن فى دهره واحد من جلاء رذائل النظم والنثر، وصقال صوارم الأدب والشعر؛ إلا بالاهتداء بنجم فضله، والاقتداح بزند عقله؛ ومن طار بقوادم الإنصاف وخوافيه، علم أن جواهر الكلام فى زماننا هذا من نثار فيه؛ وقد ساعده التوفيق والإقبال، وساعفه من الزمان الماضى والحال؛ حتى اختار لمقامه أشرف الأماكن، وجمع بجوار بيت الله الحرام بين الفضائل والمحاسن؛ وودّع أفراس الأمور الدنياويّة ورواحلها، وعاين من بحار الخيرات والبركات سواحلها؛ وقد صغر فى عيون أفاضل عهده ما رأوه ورووه، وملك فى قلوب البلغاء جميع ما رعوه ووعوه؛ وإن كان عدد أبياته التى ذكرتها قليلا، فكماله صار عليها دليلا. وأنشدنى أفضل الدين أميرك الزبيانىّ له من قصيدة فيها: يفوح كفوح المسك فاغم نشرها ... إذا التحبت فيها ذلاذل ريح [١] يقول لها الطشّ السماوىّ والصبا ... مقيما على تلك الصبابة فوجى؟؟؟ [٢] مضاجع سعدان مغارس حنوة ... مناجم قيصوم منابت شيح [٣] إذا ملّح المكّاء رجع صفيره ... يجاوبه قمريّها بمليح كأنّ بديحا والغريض تطارحا ... على وتر للموصلىّ فصيح [٤]

стр. 1083

وله أيضا: لا بدّ من غفلة يعيش بها ال ... مرء وإلا فعيشه كدر أما رأيت الصحيح يؤلمه ... ما لا يبالى بمثله الحذر وله أيضا: أشمال ويحك بلّغى تسليمى ... من ليس يبلغه لنا تسليم مرّى به وتعلّقى بردائه ... ليكون فيك من الحبيب نسيم قولى له ما بال قلبك قاسيا ... ولقد عهدتك بى وأنت رحيم إنّى أجلّك أن أقول ظلمتنى ... والله يعلم أنّنى مظلوم انقضى ما نقل من كتاب الوشاح. قلت [١]: وكان بحلب رجل كاتب إنشاء لبعض المستولين عليها، وحصلت له نسخة [من كتاب «المفصل» للزمخشرى، وأراد تصحيحها، واتفق أن اجتاز] [٢] بدمشق فى بعض سفراته إليها، فسأل أبا اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندى مطالعتها وتحقيقها، فأجابه إلى ذلك- وهو يومئذ نحوىّ دمشق بزعمه- ولما فرغ من تصفّحها كتب على ظهرها كلاما مثاله: قوبل به نسختان مثله فى السّقم، واستخرجت الصّحة منهنّ، وهو تأليف موضوع على الاختصار، بالتقاط المسائل من كتب أئمة العربية، فجاء مستغلق الألفاظ على ما تحتها من المعانى الواضحة. وكان الزمخشرىّ أعلم فضلاء العجم بالعربية فى زمانه، وأكثرهم أنسا واطّلاعا على كتبها، وبه ختم فضلاؤهم. وكان متحققا بالاعتزال؛ قدم علينا بغداذ سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، رأيته عند شيخنا أبى منصور ابن الجواليقىّ ﵀ مرتين، قارئا عليه بعض كتب اللغة من فواتحها، ومستجيزا لها؛ لأنه لم يكن له على ما عنده من العلم لقاء ولا رواية؛ عفا الله عنه وعنا.

стр. 1084

وكتب أبو اليمن الكندىّ فى أواخر رجب من سنة ثمان وستمائة. ونقلت من كتاب محمد بن محمد بن حامد قال: «كان مولده- يعنى الزمخشرىّ- فى سابع عشر شهر رجب سنة سبع وستين وأربعمائة». وكتب الأمير شبل الدولة أبو الهيجاء مقبل بن عطية البكرىّ ختن نظام الملك الحسن بن إسحاق إلى الزمخشرىّ: هذا أديب فاضل ... مثل الدرارى درره زمخشرىّ فاضل ... أنجبه زمخشره كالبحر إن لم أره ... فقد أتانى خبره فأجابه الزمخشرىّ: شعره أمطر شعبى شرفا ... فاعتلى منه نبات الجسد [١] كيف لا يستأسد النبت إذا ... بات مسقيا بنوء الأسد وكتب إليه منتجب الملك أبو جعفر محمد أحد كبراء دولة السلطان سنجر رسالة وقصيدة، وسيّرهما إليه إلى مكة عند مقامه بها: «كتابى إلى جار الله العلّامة عن سلامة كمّل الله أسبابها، ونعمة أوطف بالرغائب سحابها، والحمد لله رب العالمين، والصلاة على نبيه محمد وآله الطاهرين. بعد الملتقى وشطّ المزار ... وتمادى لوصلك الإنتظار يثنى فيها على أهل البيت، ويذكر له اجتماعه بالشريف على بن عيسى بن وهاس الحسينىّ من أهل مكة، وكان علّامة، وقال: قد قلت فيه كلمة طويلة؛ منها: أولئك أعضاد النبوّة رشّحوا ... لقمع عتاة الشرك بالذّبّل السّمر إذا صفنت فى المأزق الضّنك خيلهم ... رأيت المنايا يزدحمن على البتر [٢]

стр. 1085

هم ملجأ للخائفين وعدّة ... لثأر منيم أو مخوف من الثغر مفاتيح أسداد الخطوب إذا عرت ... مساميح بالمعروف فى اليسر والعسر من النّفر البيض الذين نوالهم ... يفيض بلا منّ ويأتى مع العذر ويلقاك بالبشرى ويأتيك بالمنى ... تحايا وجوه مشرقات من البشر وذكر فصولا كثيرة فى الثناء على الشريف وعلى مصنّفاته، والتماس شىء من فوائد ابن وهاس ومؤلّفاته. أما القصيدة فهى: إليك يهزّنى الحبّ المطاع ... ويسكرنى لرؤيتك النّزاع فهل لك يا شقيق النفس علم ... بما أنبأت عنه واطّلاع [ولو أنّى قدرت لطرت شوقا ... بحرف خطوها خطو زماع [١]] وكنت بحيث يوصلنى إليكم ... غدوّى أو رواحى لا أراع وفى عدواء [٢] دارك عن ديارى ... أراقب زورة لا تستطاع يطيل الشوق أمّا ذا الليالى ... إليك فهل لفرقتنا اجتماع وأنت لكل منقبة معان ... ومن درّ العلوم لك ارتضاع ولما كنت جار الله صارت ... تسير بك الأماكن والبقاع تضىء بعلمك الدنيا فيضحى ... له فى كل ناحية شعاع أبنت لنا كتاب الله فاعمد ... لتنفعنا فنعم الانتفاع أعيذك من أناس نحن فيهم ... وحقّ الأفضلين بهم مضاع ترى قوما كأنك ما تراهم ... وحسبك من لقائهم السماع كأنهم وما عرفوا بخير ... بهائم فى مجاهلها رتاع

стр. 1086

٧٥٤ - محمود بن نعمة بن رسلان أبو الثناء الشّيزرىّ الأديب النحوىّ «١» له شعر حسن؛ وكان يحفظ أشعارا كثيرة، وكانت له حلقة بجامع دمشق يقرىء فيها النحو وحده. وكان شاعر ابن منقذ [١]؛ وله أشعار. وسكن محمود دمشق إلى أن توفّى بها. ٧٥٥ - المحسّن بن علىّ بن كوجك أبو عبد الله الأديب «٢» من أهل الأدب والعربية، وصحب أبا عبد الله بن خالويه وأخذ منه، وروى عنه. وأقام بصيداء مدّة، وأفاد أهلها، وروى عن ابن خالويه حكايات وأناشيد، وغير ذلك من أمال وأمثالها؛ وكان ذلك فى سنة أربع وتسعين وثلاثمائة. وحضر يوما فى محرس عرف بمدينة صيداء، وفى المحرس قبّة فيها أسماء من حضرها، وأشعار من جملتها: رحم الله من دعا لأناس ... نزلوا هاهنا يريدون مصرا فرّقت بينهم صروف اللّيالى ... فتخلّوا عن الأحبّة قسرا

стр. 1087

فقال قائل من الجماعة للمحسّن بن على بن كوجك: إن المائدة لا تقعد على رجلين، ولا تستقر إلا على ثلاثة، فأجز لنا هذين البيتين بثالث، فأطرق ساعة ثم قال: اكتبوا: نزلوا والثياب بيض فلمّا ... أزف البين صرن بالدمع حمرا وكان بينه وبين رجل يقال له أبو المنتصر الكاتب عداوة بعد صداقة أكيدة، وكان كاتبا لبنى رزّيك، فهجاه الأستاذ المحسّن بأبيات كثيرة، وجعلها فى جزء وكتب على ظهر الجزء شعرا له، وهو هذا: هذا جزاء صديق ... لم يرع حق الصداقه سعى على دم حرّ ... محرّم فأراقه وأنشد فيه لنفسه أيضا: مبارك بورك فى الطول لك ... فأصبحت أطول من فى الفلك ولولا انحناؤك نلت السماء ... ولكنّ ربّك ما عدّلك ٧٥٦ - مصدّق بن شبيب بن الحسين الصّلحىّ أبو الخير النحوىّ «١» من أهل واسط، من قرية تعرف بدوّران من قرى الصّلح. والصّلح معاملة من سواد شرقىّ واسط، صحب صدقة بن الحسين بن الواعظ الواسطىّ من صباه، وقرأ عليه القرآن وشيئا من النحو، وقدم بغداذ، وقرأ بها على أبى محمد بن الخشاب

стр. 1088

النحوىّ، وعلى أبى الغنائم حبشى بن محمد الضرير الواسطىّ نزيل بغداذ، وعلى أبى البركات عبد الرحمن بن محمد الأنبارىّ، وأبى محمد إسماعيل بن يعقوب الجواليقىّ، وأبى الحسن على بن عبد الرحيم بن العصّار وغيرهم، حتى حصّل معرفة النحو، وصار فيه مشارا إليه، مع نظره فى غيره، من فهم اللغة [و] العربية وعلم الفرائض وقسمة التركات وغير ذلك. وسمع الحديث من مشايخ وقته، وأقرأ الناس الأدب سنين، وتخرج به جماعة. سئل عن مولده فقال: ولدت فى سنة خمس وثلاثين وخمسمائة بدوّران- يعنى قريته- وتوفى ببغداذ ليلة الاثنين ثالث عشرين شهر ربيع الأوّل من سنة خمس وستمائة، ودفن يوم الاثنين مع شيخه صدقة فى ضريحه برباطه فى قراح [١] القاضى، شرقىّ مدينة السلام. ٧٥٧ - مضارب بن إبراهيم النيسابورىّ أبو الفضل «١» ذكره الحافظ أبو عبد الله فى تاريخ نيسابور وقال: «الأديب؛ وكان أوحد عصره بنيسابور فى الأدب والنحو، ومن أخصّ الناس بطاهر بن عبد الله بن طاهر الأمير. والسبب فى قربه منه مدح الحسين بن الفضل إياه فى مجلسه. سمع إسحاق ابن إبراهيم الحنظلىّ، ومحمد بن رافع، وداود بن سليمان بن معبد؛ روى عنه أحمد ابن إسحاق الصّيدلانىّ، وأبو عمرو بن مطر، وابنه أبو إسحاق». «سألت أبا القاسم إسماعيل بن مضارب بن إبراهيم عن وفاة أبيه فقال: مات يوم الأربعاء، ودفن عشية الخميس الثالث من ذى الحجة سنة سبع وسبعين ومائتين».

стр. 1089

٧٥٨ - المطهر بن سلار البصرىّ النحوىّ اللغوىّ أبو زيد المعروف بالسّروجىّ «١» صاحب أبى محمد القاسم بن علىّ الحريرىّ البصرىّ؛ صاحب المقامات، الذى أنشأ المقامات على لسانه. كان فيه فضل وأدب، وله معرفة بالنحو واللغة [و] العربية. قرأ على أبى محمد الحريرىّ بالبصرة، وتخرج به، وروى عنه. وروى القاضى أبو الفتح محمد بن أحمد بن المندائىّ الواسطىّ عنه ملحة الإعراب فى النحو، نظم أبى محمد الحريرىّ، وذكر أنه سمعها منه عن الحريرىّ، وقال: قدم علينا واسطا فى سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة فسمعنا منه، وتوجه منها مصعدا إلى بغداذ، فوصلها وأقام بها مدّة يسيرة وتوفى بها. ٧٥٩ - معمر بن المثنىّ أبو عبيدة التيمىّ البصرىّ «٢» النحوىّ العلامة. يقال إنه ولد فى سنة عشر ومائة، فى الليلة التى مات فيها الحسن البصرىّ. وقال الجاحظ: لم يكن فى الأرض خارجىّ ولا جماعىّ أعلم

стр. 1090

بجميع العلوم منه. قدم بغداذ فى أيام هارون الرشيد، وقرأ عليه بها أشياء من كتبه، وأسند الحديث عن هشام بن عروة [١] وغيره، وروى عنه من البغداذيين وغيرهم علىّ ابن المغيرة الأثرم، وأبو عبيد القاسم بن سلّام، وأبو عثمان المازنىّ، وأبو حاتم السّجستانىّ، وعمر بن شبة النّميرىّ فى آخرين. وإسحاق بن إبراهيم هو الذى أقدم أبا عبيدة من البصرة، سأل الفضل بن الربيع أن يقدمه، فورد أبو عبيدة فى سنة ثمان وثمانين ومائة بغداذ، فأخذ إسحاق عنه، وعن الأصمعىّ علما كثيرا. وقال أبو عبيدة: أرسل إلىّ الفضل بن الربيع إلى البصرة فى الخروج إليه، فقدمت عليه، وكنت أخبر عن خبره؛ فأذن لى فدخلت عليه، وهو فى مجلس له طويل عريض، فيه بساط واحد قد ملأه، وفى صدره فرش عالية لا يرتقى إليها إلا على كرسىّ، وهو جالس عليها، فسلّمت بالوزارة، فردّ وضحك إلىّ، واستدنانى حتى جلست مع فرشه، ثم سألنى وألطفنى وبسطنى وقال: أنشدنى، فأنشدته من عيون أشعار أحفظها جاهلية؛ فقال لى: قد عرفت أكثر هذه، وأريد من ملح الشعر، فأنشدته فطرب وضحك، وزاد نشاطه. ثم دخل رجل فى زىّ الكتّاب، له هيئة، فأجلسه إلى جانبى وقال له: أتعرف هذا؟ قال: لا، قال: هذا أبو عبيدة علّامة أهل البصرة، أقدمناه لنستفيد من علمه، فدعا له الرجل وقرّظه لفعله هذا وقال لى: كنت إليك مشتاقا، وقد سئلت عن مسألة؛ أفتأذن لى أن أعرّفك
следующие страницы →