← Тараджим

Тараджим · id 10525

إنباه الرواة على أنباه النحاة

جمال الدين القفطي

Полный текст (1 612 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

٧٥٤ - محمود بن نعمة بن رسلان أبو الثناء الشّيزرىّ الأديب النحوىّ «١» له شعر حسن؛ وكان يحفظ أشعارا كثيرة، وكانت له حلقة بجامع دمشق يقرىء فيها النحو وحده. وكان شاعر ابن منقذ [١]؛ وله أشعار. وسكن محمود دمشق إلى أن توفّى بها. ٧٥٥ - المحسّن بن علىّ بن كوجك أبو عبد الله الأديب «٢» من أهل الأدب والعربية، وصحب أبا عبد الله بن خالويه وأخذ منه، وروى عنه. وأقام بصيداء مدّة، وأفاد أهلها، وروى عن ابن خالويه حكايات وأناشيد، وغير ذلك من أمال وأمثالها؛ وكان ذلك فى سنة أربع وتسعين وثلاثمائة. وحضر يوما فى محرس عرف بمدينة صيداء، وفى المحرس قبّة فيها أسماء من حضرها، وأشعار من جملتها: رحم الله من دعا لأناس ... نزلوا هاهنا يريدون مصرا فرّقت بينهم صروف اللّيالى ... فتخلّوا عن الأحبّة قسرا

стр. 1087

فقال قائل من الجماعة للمحسّن بن على بن كوجك: إن المائدة لا تقعد على رجلين، ولا تستقر إلا على ثلاثة، فأجز لنا هذين البيتين بثالث، فأطرق ساعة ثم قال: اكتبوا: نزلوا والثياب بيض فلمّا ... أزف البين صرن بالدمع حمرا وكان بينه وبين رجل يقال له أبو المنتصر الكاتب عداوة بعد صداقة أكيدة، وكان كاتبا لبنى رزّيك، فهجاه الأستاذ المحسّن بأبيات كثيرة، وجعلها فى جزء وكتب على ظهر الجزء شعرا له، وهو هذا: هذا جزاء صديق ... لم يرع حق الصداقه سعى على دم حرّ ... محرّم فأراقه وأنشد فيه لنفسه أيضا: مبارك بورك فى الطول لك ... فأصبحت أطول من فى الفلك ولولا انحناؤك نلت السماء ... ولكنّ ربّك ما عدّلك ٧٥٦ - مصدّق بن شبيب بن الحسين الصّلحىّ أبو الخير النحوىّ «١» من أهل واسط، من قرية تعرف بدوّران من قرى الصّلح. والصّلح معاملة من سواد شرقىّ واسط، صحب صدقة بن الحسين بن الواعظ الواسطىّ من صباه، وقرأ عليه القرآن وشيئا من النحو، وقدم بغداذ، وقرأ بها على أبى محمد بن الخشاب

стр. 1088

النحوىّ، وعلى أبى الغنائم حبشى بن محمد الضرير الواسطىّ نزيل بغداذ، وعلى أبى البركات عبد الرحمن بن محمد الأنبارىّ، وأبى محمد إسماعيل بن يعقوب الجواليقىّ، وأبى الحسن على بن عبد الرحيم بن العصّار وغيرهم، حتى حصّل معرفة النحو، وصار فيه مشارا إليه، مع نظره فى غيره، من فهم اللغة [و] العربية وعلم الفرائض وقسمة التركات وغير ذلك. وسمع الحديث من مشايخ وقته، وأقرأ الناس الأدب سنين، وتخرج به جماعة. سئل عن مولده فقال: ولدت فى سنة خمس وثلاثين وخمسمائة بدوّران- يعنى قريته- وتوفى ببغداذ ليلة الاثنين ثالث عشرين شهر ربيع الأوّل من سنة خمس وستمائة، ودفن يوم الاثنين مع شيخه صدقة فى ضريحه برباطه فى قراح [١] القاضى، شرقىّ مدينة السلام. ٧٥٧ - مضارب بن إبراهيم النيسابورىّ أبو الفضل «١» ذكره الحافظ أبو عبد الله فى تاريخ نيسابور وقال: «الأديب؛ وكان أوحد عصره بنيسابور فى الأدب والنحو، ومن أخصّ الناس بطاهر بن عبد الله بن طاهر الأمير. والسبب فى قربه منه مدح الحسين بن الفضل إياه فى مجلسه. سمع إسحاق ابن إبراهيم الحنظلىّ، ومحمد بن رافع، وداود بن سليمان بن معبد؛ روى عنه أحمد ابن إسحاق الصّيدلانىّ، وأبو عمرو بن مطر، وابنه أبو إسحاق». «سألت أبا القاسم إسماعيل بن مضارب بن إبراهيم عن وفاة أبيه فقال: مات يوم الأربعاء، ودفن عشية الخميس الثالث من ذى الحجة سنة سبع وسبعين ومائتين».

стр. 1089

٧٥٨ - المطهر بن سلار البصرىّ النحوىّ اللغوىّ أبو زيد المعروف بالسّروجىّ «١» صاحب أبى محمد القاسم بن علىّ الحريرىّ البصرىّ؛ صاحب المقامات، الذى أنشأ المقامات على لسانه. كان فيه فضل وأدب، وله معرفة بالنحو واللغة [و] العربية. قرأ على أبى محمد الحريرىّ بالبصرة، وتخرج به، وروى عنه. وروى القاضى أبو الفتح محمد بن أحمد بن المندائىّ الواسطىّ عنه ملحة الإعراب فى النحو، نظم أبى محمد الحريرىّ، وذكر أنه سمعها منه عن الحريرىّ، وقال: قدم علينا واسطا فى سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة فسمعنا منه، وتوجه منها مصعدا إلى بغداذ، فوصلها وأقام بها مدّة يسيرة وتوفى بها. ٧٥٩ - معمر بن المثنىّ أبو عبيدة التيمىّ البصرىّ «٢» النحوىّ العلامة. يقال إنه ولد فى سنة عشر ومائة، فى الليلة التى مات فيها الحسن البصرىّ. وقال الجاحظ: لم يكن فى الأرض خارجىّ ولا جماعىّ أعلم

стр. 1090

بجميع العلوم منه. قدم بغداذ فى أيام هارون الرشيد، وقرأ عليه بها أشياء من كتبه، وأسند الحديث عن هشام بن عروة [١] وغيره، وروى عنه من البغداذيين وغيرهم علىّ ابن المغيرة الأثرم، وأبو عبيد القاسم بن سلّام، وأبو عثمان المازنىّ، وأبو حاتم السّجستانىّ، وعمر بن شبة النّميرىّ فى آخرين. وإسحاق بن إبراهيم هو الذى أقدم أبا عبيدة من البصرة، سأل الفضل بن الربيع أن يقدمه، فورد أبو عبيدة فى سنة ثمان وثمانين ومائة بغداذ، فأخذ إسحاق عنه، وعن الأصمعىّ علما كثيرا. وقال أبو عبيدة: أرسل إلىّ الفضل بن الربيع إلى البصرة فى الخروج إليه، فقدمت عليه، وكنت أخبر عن خبره؛ فأذن لى فدخلت عليه، وهو فى مجلس له طويل عريض، فيه بساط واحد قد ملأه، وفى صدره فرش عالية لا يرتقى إليها إلا على كرسىّ، وهو جالس عليها، فسلّمت بالوزارة، فردّ وضحك إلىّ، واستدنانى حتى جلست مع فرشه، ثم سألنى وألطفنى وبسطنى وقال: أنشدنى، فأنشدته من عيون أشعار أحفظها جاهلية؛ فقال لى: قد عرفت أكثر هذه، وأريد من ملح الشعر، فأنشدته فطرب وضحك، وزاد نشاطه. ثم دخل رجل فى زىّ الكتّاب، له هيئة، فأجلسه إلى جانبى وقال له: أتعرف هذا؟ قال: لا، قال: هذا أبو عبيدة علّامة أهل البصرة، أقدمناه لنستفيد من علمه، فدعا له الرجل وقرّظه لفعله هذا وقال لى: كنت إليك مشتاقا، وقد سئلت عن مسألة؛ أفتأذن لى أن أعرّفك

стр. 1091

إياها؟ قلت: هات، قال: قال الله : طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ [١] وإنما يقع الوعد والإيعاد بما قد عرف مثله، وهذا لم يعرف، فقلت: إنما كلّم الله العرب على قدر كلامهم؛ أما سمعت قول امرىء القيس: أيقتلنى والمشرفىّ مضاجعى ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال [٢] وهم لم يروا الغول قط؛ ولكنه لما كان أمر الغول يهولهم أوعدوا به. فاستحسن الفضل ذلك، واستحسنه السائل، واعتقدت من ذلك اليوم أن أضع كتابا فى القرآن لمثل هذا وأشباهه، ولما يحتاج إليه من علمه، ولمّا رجعت إلى البصرة عملت كتابى الذى سميته المجاز وسألت عن الرجل فقيل لى: هو من كتّاب الوزير وجلسائه؛ يقال له إبراهيم بن إسماعيل بن داود الكاتب العبرتانىّ [٣]. وبلغ أبا عبيدة أن الأصمعىّ يعيب عليه تأليفه كتاب المجاز فقال: يتكلّم فى كتاب الله تعالى برأيه، فسأل عن مجلس الأصمعىّ فى أى يوم هو، فركب حماره فى ذلك اليوم، ومرّ بحلقة الأصمعىّ، فنزل عن حماره وسلم عليه وجلس عنده وحادثه ثم قال له: يا أبا سعيد، ما تقول فى الخبز، أىّ شىء هو؟ قال: هو الذى نأكله ونخبزه. قال أبو عبيدة: قد فسّرت كتاب الله برأيك؛ فإن الله قال: أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً [٤]، فقال الأصمعىّ: هذا شىء بان لى فقلته؛ لم أفسّره برأى. فقال أبو عبيدة: والذى تعيب علينا كلّه شىء بان لنا فقلناه، ولم نفسّره برأينا، وقام فركب حماره وانصرف.

стр. 1092

وأنشد إسحاق الموصلىّ يمدح أبا عبيدة ويعرّض بالأصمعىّ، بقوله للفضل ابن الربيع: عليك أبا عبيدة فاصطنعه ... فإن العلم عند أبى عبيده فقدّمه وآثره علينا ... ودع عنك القريد بن القريده قال أبو عبيدة: أدخلت على الرشيد فقال لى: يا معمر؛ بلغنى أن عندك كتابا حسنا فى صفة الخيل، أحبّ أن أسمعه منك، فقال الأصمعىّ: ما نصنع بالكتب؛ يحضر فرس، ونضع أيدينا على عضو عضو ونسمّيه، ونذكر ما فيه، فقال الرشيد: يا غلام، فرس. فأحضر فرس، فقام الأصمعىّ وجعل يده على عضو عضو ويقول: هذا كذا قال فيه الشاعر كذا؛ حتى انقضى قوله، فقال لى الرّشيد: ما تقول فيما قال؟ قال: قلت: قد أصاب فى بعض وأخطأ فى بعض؛ فالذى أصاب فيه تعلّمه منى، والذى أخطأ فيه لا أدرى من أين أتى به!. وزعم الباهلىّ صاحب كتاب المعانى أن طلبة العلم كانوا إذا أتوا مجلس الأصمعىّ اشتروا البعر فى سوق الدّر، وإذا أتوا أبا عبيدة اشتروا الدّرّ فى سوق البعر؛ والمعنى أن الأصمعىّ كان حسن الإنشاد والزّخرفة لردىء الأخبار والأشعار حتى يحسن عنده القبيح، وإن الفائدة عنده مع ذلك قليلة، وإن أبا عبيدة كان معه سوء عبارة، وفوائد كثيرة، والعلوم عنده جمّة. وتكلّم أبو عبيدة يوما فى باب من العلم، ورجل يكسر عينه حياء له يوهمه أنه يعلم ما يقول، فقال أبو عبيدة:

стр. 1093

يكلّمنى ويخلج حاجبيه ... لأحسب عنده علما دفينا وما يدرى قبيلا من دبير [١] ... إذا قسم الذى يدرى الظنونا ولم يكن أبو عبيدة يفسّر الشعر. قال المبرّد محمد بن يزيد: كان أبو زيد أعلم من الأصمعىّ وأبى عبيدة بالنّحو، وكانا بعده يتقاربان، وكان أبو عبيدة أكمل القوم، وكان على بن المدينىّ يحسّن ذكر أبى عبيدة ويصحّح روايته. وقال: كان لا يحكى عن العرب إلا الشىء الصحيح. وكان سبب موت أبى عبيدة أن محمد بن القاسم بن سهل النّوشجائىّ [٢] أطعمه موزا فمات منه، ثم أتاه أبو العتاهية فقدم له موزا، فقال له: ما هذا يا أبا جعفر! قتلت أبا عبيدة بالموز وتريد أن تقتلنى به! لقد استحليت قتل العلماء. قال الصّولىّ: ومات أبو عبيدة سنة تسع ومائتين، وقال غيره: وهو ابن ثلاث وتسعين سنة. وفى كتاب ابن عفير عن أبيه قال: مات أبو عبيدة معمر بن المثنّى التّيمىّ سنة إحدى عشرة ومائتين. وقال غيره: مات فى سنة عشر، وقيل فى سنة تسع، وقيل فى سنة ثلاث عشرة ومائتين، وله ثمان وتسعون سنة، وهو مولى لبنى عبيد الله ابن معمر التّيمىّ، تيم مرة بن كعب بن لؤىّ. وكان يكثر ذكر العرب حتى نسب إلى الشّعوبية [٣]، وله كتاب فى ذلك.

стр. 1094

قال له بعض الأجلّاء: تقع فى الناس، فمن أبوك! قال أبو عبيدة: أخبرنى أبى عن أبيه أنه كان يهوديا من أهل باجروان [١]. فمضى الرجل وتركه. ولم يكن أحد بالبصرة إلا وهو يداجى أبا عبيدة، ويتّقيه على عرضه، وكان يميل إلى مذهب الخوارج. وقال أبو حاتم: كان أبو عبيدة يكرمنى على أنّنى من خوارج سجستان. وقال التوّزىّ: دخلت على أبى عبيدة مسجده وهو جالس وحده ينكت فى الأرض، فقال لى: من القائل: أقول لها وقد جشأت وجاشت ... مكانك تحمدى أو تستريحى فقلت: قطرىّ بن الفجاءة [٢]، فقال: فضّ الله فاك! هلا قلت: هو لأمير المؤمنين أبى نعامة [٣]! ثم قال لى: اجلس واكتم علىّ ما سمعت منى، قال: فما ذكرته حتى مات.

стр. 1095

وكان يتّهم باللّواط، ولهذا لم يقبل الحكام قوله ولا شهادته. قال الأصمعىّ: دخلت أنا وأبو عبيدة يوما المسجد، فإذا على الأسطوانة التى يجلس عليها مكتوب على نحو من سبعة أذرع: صلّى الإله على لوط وشيعته ... أبا عبيدة قل بالله آمينا فقال: امح هذا، فركبت ظهره ومحوته بعد أن أثقلته إلى أن قال: أثقلتنى وقطعت ظهرى، فقلت له: قد بقيت الطّاء، فقال هى شرّ حروف هذا الشعر. وكان يقول شعرا ركيكا، فمنه ما قاله فى خرّك ابن أخى يونس النحوىّ- وكان يتعشقه وهما هذان البيتان: ليتنى ليتنى وليت وأنّى ... ليتنى قد علوت ظهرك خرّك فقرأنا كتابه وفضضنا ... خاتما كان قبلنا لم يفكّك وشهد عند عبد الله بن الحسن العنبرىّ ومعه رجل عدل، فقال أبو عبيد الله للمذعى: أما أبو عبيدة فقد عرفته، فزدنى شهودا. وقرىء على عمارة بن عقيل بن بلال [١] بن جرير كلمة جرير التى أوّلها [٢]: طرب الحمام بذى الأراك فهاجنى ... لا زلت فى فنن [٣] وأيك ناضر

стр. 1096

فلما صاروا إلى قوله: أما الفؤاد فلا يزال موكّلا ... بهوى جمانة أو بريّا العاقر فقال له: التوّزىّ: ما هما؟ فقال عمارة: ما يقول صاحبكم أبو عبيدة؟ قال: يقول: هما امرأتان، فضحك عمارة وقال: هما رملتان [١] عن يمين بيتى وشماله، فقال التوّزىّ: اكتب لمن كان هناك- وأظنه المبرّد- فاستكبرت ما قال إجلالا لأبى عبيدة، فقال: اكتب؛ فإن أبا عبيدة لو حضر هذا لأخذ هذا الضرب عنه، هذا بيت الرجل. وحمل أبو عبيدة إلى الرشيد والأصمعىّ، فاختار الأصمعىّ لمجالسته؛ لأنه كان أصلح لمجالسة الملوك. وكان أبو عبيدة إذا أنشد بيتا لا يقيم وزنه؛ وإذا تحدّث أو قرأ لحن اعتمادا منه لذلك ويقول: النحو محذور. وكان ألثغ وسخا؛ ولم يزل يصنّف حتى مات وقد أسنّ. وسأله بعض الناس كتابا إلى بعض، فقال لمن حضر: اكتب عنى كتابا والحن فيه، فإن النحو محذور. وكان ربما اعتمد التصحيف، فما ينشده غير جاهل بذلك. وكان ولد فى سنة عشر ومائة. وسأله الأمير جعفر بن سليمان بن على عن مولده فقال: قد سبقنى إلى الجواب عن مثل هذا عمر بن أبى ربيعة المخزومىّ، قيل له: متى ولدت؟ فقال فى الليلة التى مات فيها عمر بن الخطاب، فأىّ خير رفع؛ وأىّ شر وضع! وإنى ولدت فى الليلة التى مات فيها الحسن بن أبى الحسن البصرىّ، وهى ليلة من سنة عشر ومائة، وجوابى جواب عمر بن أبى ربيعة.

стр. 1097

قال أبو عبيدة: وقدمت على الفضل بن الربيع فقال: من أشعر الناس؟ قلت: الراعى، قال: وكيف فضّلته؟ قال: إنه ورد على سعيد بن عبد الرحمن الأموىّ فوصله فى يومه الذى لقيه فيه وصرفه، فقال [١]: وأنضاء تحنّ إلى سعيد ... طروقا ثم عجّلن ابتكارا [٢] حمدن مزاره ولقين منه ... عطاء لم يكن عدة ضمارا [٣] فقال: ما أحسن ما اقتضيتنا يا أبا عبيدة! ثم غدا إلى الرشيد، فأخرج لى صلة، وأمر لى بشىء من ماله، وصرفنى. وقال أبو عبيدة: دفعت إلى جعفر بن سليمان أمثالا فى الرّقاع؛ قيل لى: كم كانت؟ قلت أربعة عشر ألف مثل؛ فانظر إلى هذه السّعة فى الرواية؛ وبين ما رواه أبو عبيد القاسم بن سلّام؛ فإنه لما اجتهد جاء بألف مثل. وكان أبو عبيدة جبّاها [٤]، واتّفق أن خرج إلى فارس قاصدا موسى بن عبد الرحمن الهلالىّ؛ فلما قدم عليه أوصى غلمانه بالاحتراز منه وقال: كلام أبى عبيدة دبق [٥]، واتفق أن أحضر الطعام، فصبّ بعض الغلمان على ذيله مرقة، فقال له الهلالىّ: قد أصاب ثوبك مرق، وأنا أعطيك عوضه عشرة أثواب، فقال له أبو عبيدة: لا عليك؛ إنّ مرقكم لا يؤذى؛ أى ما فيه دهن، ففطن لها الهلالىّ وسكت.

стр. 1098

وكان الأصمعىّ إذا أراد دخول المسجد يقول: انظروا لا يكون فيه ذاك- يعنى أبا عبيدة- خوفا من لسانه؛ فلما مات لم يحضر جنازته أحد؛ لأنه لم يكن يسلم من لسانه شريف ولا غيره. وكان مع ذلك كلّه وسخا مدخول الدين مدخول النسب. قال علان الشّعوبىّ [١]: أبو عبيدة يلقب بسبّخت [٢] من أهل فارس، أعجمىّ الأصل، وولد أبو عبيدة سنة أربع عشرة ومائة، وتوفى سنة عشر ومائتين، وقيل سنة إحدى عشرة، وقيل سنة ثمان، وقيل سنة تسع. وله من الكتب التى صنّفها: كتاب مجاز القرآن. كتاب غريب القرآن كتاب معانى القرآن. كتاب غريب الحديث. كتاب الديباج. كتاب التاج. كتاب الحيوان. كتاب القابض. كتاب ابنى وائل. كتاب الحدود. كتاب حفرة [٣] خالد. كتاب مسعود. كتاب البصرة. كتاب خبر الراوية. كتاب خراسان. كتاب مغارات قيس واليمن. كتاب حرب بنى بغيض. كتاب خوارج البحرين واليمامة. كتاب الموالى. كتاب البله. كتاب الضيفان. كتاب الطروقة. كتاب مرج راهط. كتاب المنافرات. كتاب القبائل. كتاب خبر البرّاض. كتاب القرائن. كتاب البازى. كتاب الحمام. كتاب الحيّات. كتاب العقاب [٤]. كتاب النّواكح. كتاب النّواشز. كتاب حضر

стр. 1099

الخيل. كتاب الملاص. كتاب الأعيان. كتاب بيان باهلة [١]. كتاب أيادى الأزد. كتاب الخيل. كتاب الإبل. كتاب الإنسان. كتاب الزّرع. كتاب الرّحل. كتاب الدّلو. كتاب البكرة. كتاب السّرج. كتاب اللّجام. كتاب الفرس. كتاب السيف. كتاب الشوارد. كتاب الاحتلام [٢]. كتاب الزوائد. كتاب مقاتل الفرسان. كتاب نابه الرئيس. كتاب مقاتل الأشراف. كتاب الشّعر والشعراء. كتاب فعل وأفعل. كتاب المصادر. كتاب المثالب. كتاب خلق الإنسان. كتاب الفرق. كتاب الخفّ. كتاب مكة والحرم. كتاب الجمل وصفّين. كتاب بيوتات العرب. كتاب اللغات. كتاب الغارات. كتاب المعاتبات. كتاب الملاومات كتاب الأضداد. كتاب مآثر العرب. كتاب القتالين. كتاب العققة. كتاب مآثر غطفان. كتاب الأرقاء. كتاب أسماء الخيل. كتاب أدعية العرب. كتاب مقتل عثمان. كتاب قضاة البصرة. كتاب فتوح إرمينية. كتاب فتوح الأهواز. كتاب لصوص العرب. كتاب أخبار الحجاج. كتاب قصة الكعبة. كتاب الحمس من قريش. كتاب فضائل الفرس. كتاب أعشار الجزور. كتاب الحاملين والحمالات. كتاب ما تلحن فيه العامة. كتاب سلم بن قتيبة. كتاب روستيفياد. كتاب السواد وفتحه. كتاب مسعود بن عمر ومقتله. كتاب من شكر من العمال وحمد. كتاب غريب بطون العرب. كتاب تسمية من قتل من بنى أسد. كتاب الجمع والتثنية. كتاب الأوس والخزرج. كتاب محمد وإبراهيم

стр. 1100

ابنى عبد الله بن حسن بن حسين. كتاب الأيام الصغير خمسة وسبعون يوما. كتاب الأيام الكبير، ألف ومائتا يوم. كتاب أيام بنى يشكر وأخبارهم. كتاب أيام بنى مازن وأخبارهم. وقال ابن نصر الكاتب فى كتابه المفاوضة: «حدّثنى الشيخ أبو القاسم ابن برهان النحوىّ قال: قال لنا أبو الحسن التميمىّ وقد سأله رجل مسألة من مسائل النّوكى فقال»: حضر مجلس أبى عبيدة رجل فقال: رحمك الله أبا عبيدة! ما العنجيد؟ قال: رحمك الله! ما أعرف هذا؟ فقال: سبحان الله! أين يذهب بك عن قول الأعشى: يوم تبدى لنا قتيلة عن جي ... د مليح يزينه الأطواق [١] فقال أبو عبيدة: رحمك الله! «عن»: حرف جاء لمعنى، والجيد: العنق، ثم قام آخر فى المجلس وقال: أبا عبيدة- رحمك الله ما الأودع؟ قال: عافاك الله! ما أعرفه، قال: سبحان الله! أين أنت عن قول العرب: «زاحم بعود أودع». فقال: ويحك! هاتان كلمتان، والمعنى: أو اترك أو ذر، ثم استغفر الله وجعل يدرس، فقام إليه آخر وقال: رحمك الله! أخبرنا عن «كوفى»، من المهاجرين أم من الأنصار؟ قال قد رويت أنساب الجميع وأسماءهم، ولست أعرف فيهم «كوفىّ». قال: فأين أنت عن قول الله : وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً [٢] قال: فأخذ أبو عبيدة نعليه، واشتدّ ساعيا فى مسجد البصرة، ويصيح بأعلى صوته: من أين حشرت البهائم علىّ اليوم!

стр. 1101

٧٦٠ - معاذ بن عبد الله بن طاهر البلوىّ الإشبيلىّ أبو عمرو النحوىّ اللغوىّ «١» أخذ عن أبى بكر بن القوطيّة اللغوىّ والرّياحىّ وغيرهما. وكان عالما باللغة والعربية، بارعا فى الآداب، قديم الطلب. وتوفى سنة ثمان عشرة وأربعمائة، ومولده سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة. ذكره ابن خزرج. ٧٦١ - معاذ بن مسلم الهرّاء «٢» كان يبيع الثياب الهرويّة، فسمّى بذلك؛ نحوى كوفىّ، وهو أستاذ الكسائىّ، وله شعر كشعر النحاة ومنه: وما كان على الجئ ... ولا الهئ امتداحيكا [١] الهئ: دعاء الحمار للعلف. والجئ: دعاؤه للماء. قال محمد بن إسحاق النديم فى كتابه: «معاذ الهرّاء عم الرّؤاسىّ. يكنى أبا على من موالى محمد بن كعب [القرظىّ [٢]]، وقيل كنيته أبو مسلم كنّاه بذلك أبوه، ثم ولد له ولد آخر [سمّاه عليا [٣]] فكنّاه به. وكان معاذ صديقا للكميت [٤]، فأشار عليه

стр. 1102

بالخروج من عمل القرى، وكان شديد العصبية على المضرية، فلم يقبل منه، فلمّا قبض خالد على الكميت وحبسه اغتمّ معاذ وقال: نصحتك والنّصيحة إن تعدّت ... هوى المنصوح عزّ لها القبول فخالفت الذى لك فيه رشد ... فغالت دون ما أمّلت غول فعاد خلاف ما تهوى خلافا ... له عرض من البلوى وطول فبلغ الكميت قوله، فكتب إليه: أراك كمهدى الماء للبحر حاملا ... إلى الرّمل من يبرين متّجرا رملا [١] وعاش معاذ الهرّاء إلى أيام البرامكة، وقد ولد فى أيام يزيد بن عبد الملك، ومات فى السّنة التى نكب فيها البرامكة سنة سبع وثمانين ومائة. وكان له أولاد وأولاد أولاد، ماتوا كلّهم وهو باق، ولم يصنّف شيئا فيما علمته [٢]. وذكر المرزبانىّ معاذا فقال: «معاذكم هذا هو معاذ بن مسلم، ويكنى أبا علىّ؛ وقيل أبا مسلم، وهو نحوىّ، مولى محمد بن كعب القرظىّ». قال المرزبانىّ: «وروى العنبرىّ فى حديث: أن الهرّاء يكنى أبا محمد». قال عبد الله بن جعفر: «قالوا: كانت كنية معاذ الهراء أبا علىّ، وابنه يسمى عليّا»؛ قال: «وروى عن أبى عبيد أنه قال: سألت أصحابنا عن كنيته فقيل: أبوه كان كنّاه أبا مسلم؛ فلما ولد ابنه علىّ قيل له أبو علىّ؛ فغلب ذلك عليه، وعرف بابنه».

стр. 1103

قال: «وكان من موالى محمّد بن كعب القرظىّ [١]». وقال إسحاق بن الجصّاص: كان معاذ بن مسلم الهرّاء النحوىّ يبيع الهروىّ بالكوفة. وقال إسحاق أيضا: كان معاذ تاجرا يبيع الثّياب الهرويّة؛ ويصنّف كتب النّحو فى أيام بنى أميّة؛ ولم يعرف له كتاب يؤثر عنه؛ وقد روى معاذ الحديث وروى عنه، وحكيت عنه حكايات فى القراءات كثيرة، وكان صالح العلم بالعربية؛ ولكنه ليس من أعلام النحويين، وهو أحد من أخذ عنه الفرّاء. قال المرزبانىّ: «وقيل إن الفرّاء أستاذ الكسائىّ، وكان يتشيّع». وقال بعض كتاب معاذ بن مسلم: صحبت معاذا، فسأله رجل ذات يوم: كم سنّك؟ قال ثلاث وستون. قال: ثم مكث معه بعد ذلك سنين، ثم سأله رجل: كم سنّك؟ قال: ثلاث وستون. فقلت: أنا معك منذ إحدى وعشرين سنة؛ كلّما سألك إنسان عن عمرك قلت: ثلاث وستون سنة؛ فقال: لو كنت معى إحدى وعشرين سنة أخرى ما قلت الا هذا، وقد هجاه بعض الشعراء [٢] فقال: إنّ معاذ بن مسلم رجل ... قد ضجّ من طول عمره الأبد

стр. 1104

قد شاب رأس الزّمان واكتهل الده [١] ... ر وأثواب عمره جدد [١] يا نسر لقمان كم تعيش وكم ... تسحب ذيل الحياة يا لبد [٢] قد أصبحت دار آدم خربت ... وأنت فيها كأنك الوتد [٣] ورأى رجل معاذا الهرّاء بعد نكب الرشيد بالبرامكة، فسأله عن مولده فقال: ولدت فى أيام يزيد بن عبد الملك- أو فى أيام عبد الملك، وأنشد فى بنى برمك: إن بنى برمك أتاهم ... جهر من الموت غير سرّ

стр. 1105

عقهم الدهر بعد برّ ... كأنه طالب بوتر أبدلهم بالنّعيم بؤسا ... وذلّة بعد طول كبر قال: ومات معاذ فى تلك السنين، وأدرك أولاده وأولاد أولاده رجالا، وماتوا كلّهم؛ وفى ذلك يقول: ما يرتجى فى العيش من قد طوى ... من عمره الذّاهب تسعينا أفنى بنيه وبنيهم فقد ... جرّعه الدهر الأمرّينا لا بدّ أن يشرب من حوضهم ... وإن تراخى عمره حينا وقال على بن مسلم بن الهيثم بن مسلم الكوفىّ: كان أبو مسلم [١] مؤدّب عبد الملك ابن مروان قد نظر فى النّحو، فلما أحدث النّاس التّصريف لم يحسنه وأنكره، فهجا أصحاب النحو، فقال: قد كان أخذهم فى النّحو يعجبنى ... حتّى تعاطوا كلام الزّنج والرّوم لمّا سمعت كلاما ليس يعجبنى ... كأنّه زجل الغربان والبوم تركت نحوهم والله يعصمنى ... من التّقحّم فى تلك الجراثيم فأجابه معاذ الهرّاء أستاذ الكسائىّ: عالجتها أمرد حتى إذا ... شبت ولم تعرف أباجادها سمّيت من يعرفها جاهلا ... يصدرها من بعد إيرادها سهّل منها كل مستصعب ... طود عليه فوق أطوادها [٢] ذكر المسألة التى سمعها أبو مسلم عند معاذ الهرّاء قال إسحق بن الجصّاص: جلس أبو مسلم مؤدّب عبد الملك بن مروان إلى معاذ بن مسلم الهرّاء النحوىّ- وكان يبيع الهروىّ- وسمع معاذا يناظر رجلا

стр. 1106

فى النّحو، فقال معاذ: كيف تقول من «تؤزّهم أزّا»: يا فاعل افعل؟ وصلها بيا فاعل أفعل من إذا الموءودة سئلت. فأجاب الرجل معاذا، فسمع أبو مسلم كلاما لم يعرفه فقام عنهم، وأنشأ الأبيات المقدّم ذكرها: قد كان أخذهم فى النّحو يعجبنى. - يقال يا آزّ أزّ، ويا وائد إد، مثل قولك: يا واعد عد [١]-. وأنشد معاذ جوابا لأبى مسلم: عالجتها أمرد حتى إذا ............... .... الأبيات المتقدّمة. ولما سمع أبو مسلم الأبيات قال: والله إن زاد بيتا لأهجونّه دون النحاة؛ ولأذكرنّ اسمه ظاهرا، فلم يزد معاذ بعد ذلك شيئا على ما قاله من الأبيات. وذكرت فى أوّل ترجمته قصّته مع الكميت مختصرة، ثم وجدتها مبسوطة [٢]، فأردت ذكرها هاهنا بمشيئة الله وعونه: قال محمد بن سهل راوية الكميت: صار الطّرمّاح إلى خالد بن عبد الله القسرىّ إلى واسط فامتدحه، فأمر له بثلاثين ألف درهم، وخلع عليه حلّتى وشى لا قيمة لهما، فأراد الكميت قصده، فقال معاذ الهراء: لا تفعل فلست كالطّرمّاح- وهو ابن عمه- وبينكما بون؛ أنت مضرىّ، وخالد يمنىّ متعصّب على مضر، وأنت شيعىّ، وهو أموىّ، وأنت عراقىّ، وهو شامىّ. فلم يقبل إشارته، وأبى إلا قصد خالد وقصده، فقالت اليمانية لخالد: قد جاء الكميت، وقد هجانا بقصيدة نونية،

стр. 1107

وفخر فيها علينا، فحبسه خالد، وقال: فى حبسه صلاح، لأنه يهجو الناس ويتأكّلهم، فغمّ ذلك معاذا، فقال الأبيات المتقدّمة: نصحتك والنصيحة إن تعدّت وأجابه الكميت: «أراك كمهدى الماء ... ». البيت المتقدّم، ثم قال لمعاذ: قد جرى القضاء علىّ فما الحيلة الآن؟ فأشار عليه أن يحتال فى الهرب، وقال له: إن خالدا قاتلك لا محالة؛ فاحتال بامرأته، وكانت تجيئه بالأطعمة وترجع، فلبس ثيابها، وخرج كأنه هى؛ فلحق بمسلمة بن هشام، فاستجار به. وقال يصف خروجه إليه: خرجت خروج القدح قدح ابن مقبل ... إليك على تلك الهزاهز والأزل [١] علىّ ثياب الغانيات وتحتها ... عزيمة رأى أشبهت سلّة النّصل [٢] قال معاذ: عرضت بقلبى فقلتها، وفيها عبرة: أفّ وتفّ عاجلا آجلا [٣] ... لهذه الدار وأقذارها بينا ابنها يرضيه إقبالها ... عليه إذ ريع بإدبارها فسلبته لين ميسورها ... وأعقبته ضيق إعسارها ما العار إلا فى ارتباط لها ... وتركها تنجيك من عارها

стр. 1108

وممّا نقل من نحو معاذ الهرّاء أنه قال لمن سأله: إنما كتبوا وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي بياء لأنها ليست رأس آية وكتبوا (ويسقين [١]) بغير ياء لأنها رأس آية. وسئل معاذ الهرّاء: من أشعر الناس؟ فقال: من الجاهليين أو الإسلاميين؟ قالوا: من الجاهليين؛ قال: امرؤ القيس، وعبيد وزهير؛ قالوا: فمن الإسلاميين؟ قال: الفرزدق، وجرير، والأخطل، والراعى؛ فقيل له: يا محمد، ما رأيناك ذكرت الكميت فيمن ذكرت، قال: الكميت أشعر الأوّلين والآخرين. وأخبار معاذ وأشعاره كثيرة، وقد أوردت منها فى هذا المختصر ما لاق به. قال عثمان بن أبى شيبة: رأيت معاذ بن مسلم الهرّاء قد شدّ أسنانه بالذهب. قال: ومات معاذ سنة تسعين ومائة. ٧٦٢ - معبد بن هارون الأشناندانىّ «١» ............... ........... ............... ...........

стр. 1109

٧٦٣ - المعافى بن زكريّا بن يحيى بن حميد بن حمّاد بن داود أبو الفرج النهروانى القاضى المعروف بابن طرار «١» كان يذهب إلى مذهب محمد بن جرير الطبرىّ، وكان من أعلم الناس فى وقته بالفقه والنحو واللغة وأصناف الأدب. ولى القضاء بباب الطاق نيابة عن ابن صير [١]. وروى عن الأئمة، وروى عنه الأئمّة، أنشد القاضى أبو الطيب طاهر [٢] بن الطيب الطبرى قال: أنشدنا القاضى أبو الفرج المعافى بن زكريا الجريرىّ لنفسه. ألا قل لمن كان لى حاسدا ... أتدرى على من أسأت الأدب أسأت على الله فى فعله ... لأنّك لم ترض لى ما وهب فجازاك عنه بأن زادنى ... وسدّ عليك وجوه الطلب

стр. 1110

وذكر أحمد بن عمر بن روح [١] أن المعافى بن زكريّا حضر فى دار لبعض الرؤساء، وكان هناك جماعة من أهل العلم والأدب، فقالوا له: فى أىّ نوع من العلوم نتذاكر؟ فقال المعافى لذلك الرئيس: خزانتك قد جمعت أنواع العلوم وأصناف الأدب، فإن رأيت أن تبعث بالغلام إليها تأمره أن يفتح بابها، ويضرب بيده أىّ كتاب قرب منها، فيحمله ثم يفتحه، وننظر فى أىّ نوع هو، فنتذاكر ونتجارى فيه؟ قال ابن روح: هذا يدل على أن المعافى كان له أنسة بسائر العلوم. وكان أبو محمد البافىّ [٢] يقول: إذا حضر المعافى أبو الفرج فقد حضرت العلوم كلّها. وقال: لو أوصى رجل بثلث ماله أن يدفع إلى أعلم الناس لوجب أن يدفع إلى المعافى ابن زكريا. وسئل البرقانىّ [٣] عن المعافى بن زكريا فقال: كان أعلم الناس، ثقة. ولد فى سنة ثلاث وثلاثمائة، وقيل فى سنة خمس وثلاثمائة يوم الخميس لسبع خلون من رجب، ومات ﵀ فى ذى الحجّة من سنة سبعين وثلاثمائة فى يوم الاثنين الثامن عشر من ذى الحجة سنة تسعين وثلاثمائة [٤].

стр. 1111

٧٦٤ - المفضّل بن محمد بن يعلى الضبىّ الكوفىّ اللغوى «١» سمع سماك بن حرب، وأبا إسحاق السّبيعىّ، وعاصم بن أبى النّجود، ومجاهد ابن رومىّ، وسليمان الأعمش، وإبراهيم بن مهاجر، ومغيرة بن مقسم،. روى عنه أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء، ومحمد بن عمر القصبىّ، وأبو كامل الجحدرىّ، وأبو عبيد الله محمد بن زياد الأعرابىّ، وأحمد بن مالك القشيرىّ، وغيرهم. وكان علامة راوية للأدب والأخبار وأيام العرب، موثّقا فى روايته. قدم بغداد فى أيام هارون الرشيد. قال الرشيد للمفضل الضّبىّ: ما أحسن ما قيل فى الذئب- ولك هذا الخاتم فى يدى وشراؤه ألف وستمائة دينار؟ فقال: قول الشاعر [١]: ينام بإحدى مقلتيه ويتّقى ... بأخرى المنايا [٢] فهو يقظان هاجع

стр. 1112

فقال: ما ألقى هذا على لسانك إلا لذهاب الخاتم. وحلّق به إليه، فاشترته أم جعفر بألف وستمائة دينار وقالت: قد كنت أراك تعجب به؛ فألقاه إلى الضبىّ وقال: خذه وخذ الدنانير، فما كنّا نهب شيئا ونرجع فيه. قال على بن عمر الحافظ الدار قطنىّ: المفضل بن محمد بن يعلى بن عامر بن سالم ابن أبى سلمى بن ربيعة بن زياد بن عامر بن ثعلبة بن ذؤيب بن السند بن مالك ابن بكر بن سعد بن ضبّة، الراوية العلامة الكوفىّ، وجدّه يعلى بن عامر، كان على خراج الرّى وهمذان والماهين [١]. يروى المفضّل عن عاصم بن أبى النّجود القراءات والحديث، وعن أبى إسحاق السّبيعىّ، وسماك بن حرب وغيرهم، روى عنه علىّ بن حمزة الكسائىّ، ويحيى ابن زياد الفرّاء، وغيرهم. وقيل للمفضّل: لم لا تقول الشعر وأنت أعلم الناس به؟ فقال: علمى به يمنعنى من قوله؛ وأنشد عقب هذا القول: أبى الشّعر إلا أن يفىء رديئه ... علىّ ويأبى منه ما كان محكما فيا ليتنى إذ لم أجد حوك وشيه ... ولم أك من فرسانه كنت مفحما قال محمد بن سلّام الجمحىّ: «أعلم من ورد علينا بالشعر وأصدقه من غير أهل البصرة المفضّل بن محمد الضّبىّ الكوفىّ [٢]».

стр. 1113

قال حبيب بن بسطام الورّاق الأزدىّ البصرىّ: أردت الخروج إلى البصرة إلى المفضّل بن محمد لأكتب عنه، فأقمت مدة أروّض نفسى فى ذلك، ثم تحمّلت فوردت الكوفة، ثم فكرت فى أنه إن علم أنى من أهل البصرة شنئنى [١]، وإن عرف أنى أزدىّ كان أشدّ بغضا، فلقيته فسلّمت عليه، فردّ علىّ، [و] قال: ممّن الرجل؟ قلت: ممّن منّ الله عليهم بالإسلام، قال: والناس كلهم كذلك، ثم قال: فلمن ولاؤك؟ قلت لرسول الله ﷺ ، قال: من أين أقبلت؟ قلت: من أرض الهند- وكانت البصرة يومئذ تعدّ من الهند- فورّيت عن كلّ سؤاله ولم أكذب، ولزمته وخففت على قلبه، فكنت معه يوما فى دكان رجل يبيع الخبط [٢] والنّوى، إذ جاء أعرابى على ناقة رثة الأداة، فأبركها قريبا، ثم نزل فكشف عن وجه كالدّينار المشرق، ثم سلّم فرددنا ﵇، فقال له المفضّل: ممّن الرجل؟ قال: من طيئ؛ فقال له المفضّل- وكان قليل المزح: وما طيّئ إلا نبيط تجمّعت ... فقالوا «طيايا» كلمة فاستمرّت فاندفق الفتى بلسان كذلق [٣] السّنان، فقال: إنّ على سائلنا أن نسأله ... والعبء لا تعرفه أو تحمله نسبتنا فانتسب لنا، فلم يجد المفضّل بدّا من أن يجيبه، فقال: رجل من ضبّة؛ فقال الأعرابىّ: وإنى لأكلم ضبّيّا منذ اليوم: والله ما أراه إلا ذنبا عجلت لى عقوبته، يا أخا بنى ضبّة، أفتعرف الذى يقول: إذا لقيت رجلا من ضبه ... فنكه قصدا فى سواء السّبّه [٤] لىّ العراقىّ عفاص الدّبّه [٥]

стр. 1114

ثم قال له: كيف علمك بقومك؟ فقال: إنى بهم لعليم، قال له: فأىّ عمّاتك التى تقول: لخلوة ليلة وبياض يوم ... من ابن الوائلىّ شفاء قلبى بمحنية أوسّده شمالى ... وأرفع باليمين ذيول إتبى [١] وأرشف من مجاج الظّلم منه ... جنيّا من لذيذ الظّلم عذب [٢] وألصق بالحشا منّى حشاه ... ويسهل من قيادى كلّ صعب وألمس كفّه جهما تعالى ... على ركب كحنية ظهر قعب فيجمع منكبىّ إليه حتّى ... تجاحف ركبتاى ضلوع جنبى ويسحبنى على البوغاء حتى ... تنال غدائرى تعفير ترب [٣] أقول له فداك أبى وأمى ... حياتك من جميع النّاس حسبى قال: فأطرق المفضّل وإنّ جبينه ليسيل عرقا، ووثب الأعرابىّ على راحلته وهو يقول: عثرات اللسان لا تستقال ... وبأيدى الرجال تجزى الرجال فاجعل العقل للسان عقالا ... فشراد اللّسان داء عضال إنّ زمّ اللّسان مبق على العر ... ض وبالقول يستثار المقال فقلت له: ما حملك على مخاطبة هذا السفيه، فقال: الحمد لله الذى ما طوّلت معه فيعرفنى من خالتى القائلة لذلك.

стр. 1115

ويقال: إن المفضل بن محمد خرج مع إبراهيم بن عبد الله [١] بن حسن بن حسن، فظفر به المنصور وعفا عنه، وألزمه المهدىّ. وللمهدىّ عمل الأشعار المختارة المسماة المفضّليات [٢]، وهى مائة وثمانية وعشرون قصيدة، وقد تزيد وتنقص، وتتقدم القصائد وتتأخر بحسب الرواية عنه، والصحيحة التى رواها عنه ابن الأعرابى، وأول النسخة لتأبط شرا: يا عيد مالك من شوق وإيراق [٣] وللمفضّل من الكتب التى صنفها: كتاب القصائد المختارة التى ذكرتها. كتاب الأمثال. كتاب العروض. كتاب معانى الشعر. وروى سليمان بن على الهاشمىّ جمع بالبصرة بين المفضل وبين الأصمعىّ، فأنشد المفضل قول أوس بن حجر [٤]: أيتها النفس أجملى جزعا ... إن الّذى تحذرين قد وقعا [٥] وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جذعا [٦]

стр. 1116

ففطن الأصمعى لخطئه- وكان أحدث سنّا منه- فقال له: إنما هو «تولبا جذعا» فأراد تقريره على الخطأ، فلم يفطن المفضّل لمراده، وقال: كذلك أنشدته، فقال الأصمعىّ: حينئذ أخطأت، إنما هو «تولبا جدعا» فقال المفضّل: «جذعا جذعا»، ورفع صوته، فقال له الأصمعىّ: لو نفخت فى الشّبّور ما نفعك، تكلّم كلام النمل وأصب، إنما هو «جدعا» فقال له المفضّل: ما الجدع؟ فقال سليمان الهاشمى: اختارا من نجعله بينكما، فاتقفا على غلام من بنى أسد حافظ للشعر، فبعث سليمان إليه من أحضره، فعرضا عليه ما اختلفا فيه، فصدّق الأصمعىّ، وصوّب قوله. فقال له المفضل: وما الجدع؟ قال: السّيّىء الغذاء، يقال أجدعته أمه. إذا أساءت غذاءه. وذكره أبو عبيد الله المرزبانىّ فى كتابه فقال «المفضّل بن محمد الضبّى أبو العباس وقيل أبو عبد الرحمن، هو المفضّل بن محمد بن يعلى بن عامر بن سالم بن أبى الريان من بنى ثعلب بن السيد بن ضبّة. قال المفضّل الضّبىّ: رأى جدّى يعلى بن عامر فى المنام كأن على بابه حبشيّة عوراء يلوح عليها سواد، فأصبح فزعا، قال: فما أمسيت حتى بعث الحجاج إلىّ فولانى الرّىّ». قال أبو الجواب الأعرابىّ: كنّا على باب الهادى وقد مات فلم يبق ببابه أحد، فإذا شيخ طويل جميل الوجه ينشد: خلت إلا من الذئب البلاد ... تحمّل أهلها عنها فبادوا فكانت أمّة بلغت مداها ... لكلّ زروع مزرعة حصاد فقلت: من هذا؟ فقيل: المفضّل الضّبى. قال محمد بن سلّام: «أعلم من ورد علينا من أهل البصرة المفضّل بن محمد الضبّىّ الكوفىّ [١]».

стр. 1117

وقال جهم بن خلف: قدم المفضّل الضبىّ البصرة، وكان عالما بالنحو والشعر والغريب وأيام الناس. وقال عمر الجرجانىّ عن المفضل الضّبىّ: إنه كان يكتب المصاحف ويقفها فى المساجد، فقلت له: ما هذا؟ فقال: أكفّر ما كتبته بيدى من هجائى الناس. وقال العباس بن بكّار الضبّىّ: قلت للمفضل الضبىّ: ما أحسن اختيارك للأشعار! فلو زدتنا من اختيارك؟ فقال: والله ما هذا الاختيار لى، ولكن إبراهيم ابن عبد الله بن حسن، استتر عندى، فكنت أطوف وأعود إليه بالأخبار، فيأمرنى ويحدثنى، ثم حدث لى خروج إلى ضيعتى أياما، فقال لى: اجعل كتبك عندى لأستريح إلى النظر فيها، فجعلت عنده قمطرين فيهما أشعار وأخبار، فلما عدت وجدته قد علّم على هذه الأشعار، وكان أحفظ الناس للشعر، وأعلمهم به فجمعته وأخرجته، فقال الناس: اختيار المفضل [١]. وأخبر أبو زيد عن المفضل قال: كنت مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن بباخمرى [٢]، فلما رأى شدة الحرب التفت إلىّ فقال لى: يا مفضّل أنشدنى شيئا تصيب به ما فى نفسى، فأنشدته [٣]:

стр. 1118

تصيب به ما فى نفسى، فأنشدته: ألا أيّها النّاهى فزارة بعد ما ... أجدّت لحرب إنما أنت حالم أبى كلّ ذى وتريبيت بوتره ... ويمنع منه النوم إذ أنت نائم أقول لفتيان كرام تروّحوا ... على الجرد فى أفواههنّ الشكائم قفوا وقفة من يحى لا يخز بعدها ... ومن يخترم لا تتبعه اللوائم قال أبو حاتم: وفى هذه القصيدة: وما أنت إن باعدت نفسك عنهم ... لتسلم ممّا بعد ذلك سالم قال المفضّل: فحمل إبراهيم حتى خرق الصفوف، وانضم عليه القوم، فقلت: ذهب، ثم خرج إلىّ فقال لى: يا مفضّل، أما أنت فما عدوت ما فى نفسى. قال أبو حاتم: والشعر لأرطاة بن سهيّة، أو قتب بن حصن الشّمخىّ. وللمفضل أخبار مع المهدى، وأخبار مع الرشيد ومع جماعة من الشعراء، ليس هذا موضع استقصائها، وإن أخّر الله فى الأجل استقصيت أخباره فى مصنف مفرد أسميه المفصل فى أخبار المفضل إن شاء الله تعالى، لأنى أذكر فيه أخباره مفصله مفنّنة، مع كل من له خبر، والله أعلم. ٧٦٥ - المفضّل بن سلمة بن عاصم أبو طالب اللغوىّ «١» ضبىّ، حدّث عن عمر بن شبة، ومحمد بن شدّاد المسمعىّ [١]، ويعقوب بن إسحاق ابن أبى إسرائيل [٢]. وله كتاب ضياء القلوب فى تفسير القرآن العزيز وغيره من

стр. 1119

الكتب فى الأدب، وكان فهما فاضلا، روى عنه محمد بن يحيى الصّولىّ، وزعم أنه سمع منه فى سنة تسعين ومائتين. قال: وكان منزله بباب خراسان؛ وأبوه سلمة بن عاصم صاحب الفرّاء. وابنه أبو الطيب [١] بن المفضّل بن سلمة؛ كان أحد شيوخ الفقهاء الشافعيين، وكان المفضّل كوفىّ المذهب فى النحو، مليح الخط، وكان فى جملة الفتح بن خاقان أولا. لقى ابن الأعرابىّ وغيره من العلماء، واستكثر من الرواية ونقل اللغة، واستدرك على الخليل فى كتاب العين، وحكاه فى كتاب كبير ألفه وسماه البارع. ولما قرأ ابن مقلة هذا الكتاب على ابن دريد كان ابن دريد يقول فى بعض ماردّه: صدق أبو طالب، وفى بعض الردّ يقول: كذب أبو طالب. ومات أبو طالب قبل إتمام هذا الكتاب. والذى خرج منه: الهمزة، والهاء، والعين، والحاء، والغين، والخاء. فمن تأليفه: كتاب البارع هذا. كتاب ضياء القلوب فى معانى القرآن، مفرد. كتاب معانى القرآن، مفرد. كتاب الاشتقاق. كتاب الفاخر فيما تلحن فيه العامة [٢]. كتاب البلاد والزرع والنبات كتاب خلق الإنسان. كتاب آلة الكاتب [٣]. كتاب المقصور والممدود. كتاب الملاهى [٤]. كتاب المدخل إلى علم النحو. كتاب جلاء الشّبه. كتاب الخط والقلم. كتاب عمائر القبائل [٥]، لطيف.

стр. 1120

وكان المفضّل بن سلمة متّصلا بإسماعيل بن بلبل [١] الوزير، فبلّغه أبياتا كان هجاه بها ابن الرّومىّ، فحفظها إسماعيل على بن الرومىّ فى نفسه، وكانت سبب حرمانه إياه، على كثرة صلات إسماعيل الشعراء؛ فقال ابن الرومىّ فى المفضّل هذه الأبيات [٢]: لو تلفّفت فى كساء الكسائى ... وتلبّست فروة الفرّاء وتخللت بالخليل وأضحى ... سيبويه لديك رهن سباء وتلوّنت من سواد أبى الأس ... ود شخصا يكنى أبا السوداء لأبى الله أن يعدّك أهل العل ... م إلّا من جملة الأغبياء

стр. 1121

وللمفضّل شعر كثير؛ منه ما كتب به إلى أبى الحسن علىّ بن يحيى [١] المنجّم فى يوم نيروز [٢]: يابن الجحاجحة الغرّ الميامين ... ومن يزين به فعل الدهاقين ومن تجود على العافين [٣] راحته ... بنائل من عطاء غير ممنون اسلم لنا كلّ نوروز يمتّعنا ... فيه الإله بإعزاز وتمكين واشرب عقارا كريح المسك ما نسبت ... إلى الكروم محاماة على الدين [٤] صفراء كالذهب المسبوك إن مزجت ... أحالها المزج درّا غير مكنون تجلو السرور إذا ذيقت وتكشف ما ... يجنّ من حزن عن كلّ محزون وانعم بأحمد أبقاه الإله لنا ... فهو الأغرّ من الغرّ الميامين وقرّ عينا بعبد الله إنّ له ... مشابها منك تعليه على الهون واسعد بثالثهم يحيى فإنّ له ... فعال مقتبل الخيرات ميمون وتمّم الله ما ترجو وتأمله ... عليك فى رابع السادات هارون

стр. 1122

وكتب المفضل بن سلمة إلى عبد الله بن المعتز- وقد انصرف المفضّل من الحج: أقول بثور واشتياقى مبرّح ... ودمعى عنه مستهلّ وقاطر ألا هل إلى أرض العراق ومائه ... سبيل وإخوانى الّذين أعاشر إلى الله أشكو ما ألاقى من الجوى ... ومن طول وجد تحتويه الضّمائر وقد طال ليلى بعد بعد أحبّتى ... وما طوله إلا لأنى ساهر إذا هبّت الرّيح الشّمال هفا لها ... فؤادى حنينا نحوهم فهو طائر يجدّد لى شوقا إليهم وفرحة ... بقربى منهم أن تسير الأباعر وهى طويلة مدح فيها وأحسن. وقال أحمد بن أبى طاهر [١] يهجو المفضّل بن سلمة بن عاصم: إن المفضّل نقصه فى نفسه [٢] ... وفعاله قد حط فضل أبيه ولو انّ كل مفوّه ومفهّه [٣] ... يهجوه ما بلغ الّذى هو فيه ولقد أردت هجاءه وكفيته ... باللؤم منه [٤] لو انه يكفيه ومتى يقل شعرا علمت بأنه ... من نتن رائحة تمرّ بفيه فهو المخسّس لا المفضّل إنه ... بأبيه إن نسبوه غير شبيه وكأن نكهته روائح عرضه ... فجليسه بالنتن فى مكروه

стр. 1123

وله فيه: يا أبا طالب طلبت بشأو ... أنت فيه كقابض للماء أين بطء الحمير من سابق الخي ... ل وأرض موطوءة من سماء! لى كفء سواك فارجع إلى قد ... رك ياغثّ لست من أكفائى كنت أضحوكتى فأصبحت من مض ... غك للشعر ضحكة الغوغاء وتعدّيت فوق قدرك لمّا ... قلت قد عدّنى من الأعداء أبعرض يعافه الكلب نتنا ... لم يزل عرضة لمس الهجاء خلت أنى أراه كفئا لعرضى ... أو أجازى فعاله بجزاء إن ذكرى سمّ بفيك وحىّ ... وهو داء ما إن له من دواء هبك أدرجت فى كساء الكسائ ... ىّ وألبست فروة الفرّاء وبسلح الخليل حنّكت فى المه ... د فأصبحت أفصح الفصحاء لست إلا غثّا غثيثا ثقيل الرّو ... ح أعمى تعدّ فى البصراء قال محمد بن عبد الواحد: بكرنا يوما إلى أبى العباس ثعلب، ولم يك بعد خرج، وكان فى المجلس حذّاق البصريين والكوفيين، فتذاكروا قبل خروج أبى العباس الجدّ والجدّ، ففرغوا منه، فقال أبو موسى الحامض: والجدّ، بالكسر: شطّ البحر وغيره، فتضاحك الجماعة [١]؛ وقال له المعبدىّ: أكلت البيض بحتا [٢]، وقال

стр. 1124

ابن كيسان، وضحك مع القوم، وضحك أبو طالب المفضّل بن سلمة بن عاصم وبرمة [١]، ومن حضر مثل القاسم بن الأنبارىّ، وتضاحكوا واشتهروا وهو ساكت؛ كأنه حجر. ثم خرج أبو العباس، فلما جلس قال له ابن كيسان: يا سيدى الجدّ: الشطّ! فما نطق حتى لبس نعليه، ورجع، وجاءنا ومعه كتاب من جلود، قد أتت عليه الدهور، فقال خذوا، فأملى: «أما الشّطّ فهو فيه الجدّ والجدّ والجدّ». ورفع بها صوته- فبلغ أبو موسى السماء، وصار هؤلاء فى الحضيض، ثم قال لهم: قليلا قليلا حتى ينصرف الشّيخ، فلما قام أبو العباس وخلا معهم التفت إلى المعبدىّ وقال: أليس حدّثتنى أمس أنّك كنت فى الحمام فنمت، فجاء شيخ خضيب فعلاك! ثم التفت إلى ابن كيسان ثم قال له: أنت تتكلم مع الناس فى العلم! أليس كان بندار [٢] يعفجك! ثم التفت إلى أبى طالب المفضل بن سلمة وقال له: وأنت أيضا! قد كنت أظنّ أنك تفلح، وأنك تكون بعض ندماء الخلفاء، ولكن كيف أظنّ بك هذا وأبوك ما كان يحسن حرفا واحدا من النحو، فكيف تفلح أنت! والتفت إلى الأنبارىّ فقال له: يا أنبارىّ، حدّثنى فلان العسكرىّ أنه كان لك ميزان فى كمّك، فسنجة لك وسنجة للمستقبض، وأنك كنت تعبر إلى النّبط فتؤاجر فى بيوت الخمارين، ثم التفت إلى ابن الخضر ثم قال له: أنت أيضا، يا مسخ تصحب هذا السيد منذ خمسين سنة ما سألته قط إلا عن المؤنث!

стр. 1125

٧٦٦ - المفجّع الأديب البصرىّ اللغوىّ النحوى الكاتب «١» ولقبه أشهر من اسمه، وهو أبو عبد الله محمد بن محمد بن [١] عبد الله. لقى ثعلبا وأخذ عنه وعن غيره، وكان شاعرا شيعيا، وله قصيدة يسميها الأشباه [٢]، يمدح فيها عليا كرم الله وجهه وبنيه. وله مع أبى بكر بن دريد مهاجاة ومواقفة، وله أخبار [ذكر عمر بن شيران بعضها فى كتابه [٣]]، سأذكر شيئا منها هاهنا إذا وقعت فى يدى.
следующие страницы →