← Тараджим

Тараджим · id 10525

إنباه الرواة على أنباه النحاة

جمال الدين القفطي

Полный текст (1 612 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

٨١٥ - يحيى بن يعمر العدوانىّ النحوىّ «١» يكنى أبا سليمان، تابعىّ بصرىّ، انتقل إلى خراسان [١]. قال الكلبىّ: يحيى بن يعمر، من بنى وابش بن زيد بن عدوان. وقال العبدىّ: هو فهمىّ، وفهم أخو عدوان. وقيل: هو جدلىّ، وجديلة قيس: فهم، وعدوان. وقال آخرون: هو ليثىّ [٢] من بنى كنانة، ليث بن بكر بن مناة بن كنانة. وقال خليفة بن خيّاط [٣]: هو غطفانىّ، غطفان سعد بن قيس بن عيلان. وقال يحيى بن معين: هو عدوانىّ [٤].

стр. 1227

ولقى عبد الله بن عباس وابن عمرو [١] وغيرهما، وروى عنه قتادة وإسحاق ابن سويد وغيرهما. وهو أحد قرّاء البصرة، وعنه أخذ ابن أبى إسحاق القراءة. وولى القضاء بمرو، وكان عالما بالقرآن والنّحو ولغات العرب. وأخذ النّحو عن أبى الأسود، ويقال: إن أبا الأسود لمّا وضع باب الفاعل والمفعول به، زاد فيه رجل من بنى ليث أبوابا، ثمّ نظر فإذا في كلام العرب ما لا يدخل فيه، فأقصر عنه؛ فيمكن أن يكون هو يحيى بن يعمر، إذ كان عداده في بنى ليث. وكان شيعيا، من الشيعة الأول، القائلين بفضل أهل البيت ﵈. وبلغ الحجّاج أن يحيى بن يعمر يقول: إن الحسن والحسين ﵉ من ذرّية رسول الله ﷺ وآله- ويحيى يومئذ بخراسان- فكتب إلى قتيبة ابن مسلم: أن ابعث إلىّ بيحيى بن يعمر، فبعث به إليه. فقال: أنت الذى تزعم أن الحسن والحسين من ذرّية رسول الله ﷺ ! والله لألقيّن الأكثر منك شعرا [٢] أو لتخرجنّ من ذلك، قال: فهو أمانى إن خرجت منه؟ قال: نعم، قال: فإن الله جل وعز يقول: (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ، وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ* وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى [٣]. الآية، وما بين عيسى وإبراهيم أكثر

стр. 1228

ممّا بين الحسن والحسين ومحمد ﷺ ، قال: ما اراك إلا وقد خرجت [١]، والله لقد قرأتها وما علمت بها قطّ. ثم قال له: أين ولدت؟ قال: بالبصرة، قال: وأين نشأت؟ قال: بخراسان، قال: فهذه العربية أنى لك هى؟ قال: رزق، قال: خبّرنى عنّى هل ألحن؟ فسكت، قال: أقسمت عليك! فقال: إمّا إذ سألتنى أيّها الأمير، فإنك ترفع ما يوضع، وتضع ما يرفع، قال: ذلك والله اللحن السّيّئ [٢]. وقيل إنه قال له: تلحن في حروف، قال: فأين؟ قال: فى القرآن، قال: ذاك أشنع له، ما هو؟ قال: تقول: (قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ.) إلى قوله: (أَحَبَّ إِلَيْكُمْ [٣]) ، تقرؤها بالرفع قال: لا جرم! لا تسمع لى لحنا، فألحقه بخراسان، وفيها يزيد بن المهلب [٤]. وكتب يزيد بن المهلب إلى الحجاج من خراسان: «إنّا لقينا العدوّ، فاضطررناهم إلى عرعرة الجبل، ونحن بحضيضه [٥]». فقال الحجاج: ما لابن المهلّب ولهذا الكلام! قيل: إنّ ابن يعمر هناك، قال: [ذاك [٦]] إذا.

стр. 1229

وكان يحيى بن يعمر ينطق بالعربية المحضة واللّغة الفصحى طبيعة فيه غير تكلّف. وقال لرجل خاصمته امرأته إليه، فأنكر دعواها، وتلجلج ما بين الإقرار والإنكار: أأنّ سألتك ثمن شكرها وشبرك أنشأت تطلّها وتضهلها [١]. وقال عيسى بن عمر: تخاصم رجلان إلى بن يعمر، فقال أحدهما: أصلحك الله! إنه باعنى غلاما بيّاقا. فقال يحيى: لو قلت «أبوقا» ما كان عليك! قال أبو حاتم: هذا الصواب، يقال: رجل أبوق، وأباق، وآبق. وقال خالد الحذاء [٢]: كان لابن سيرين مصحف منقوط، نقطه يحيى إن يعمر. وحكى ابن دريد أن يحيى بن يعمر اشترى جارية خراسانية ضخمة، ودخل عليه أصحابه، فسألوه عنها، فقال: نعم المطّخة [٣]. توفّى بخراسان سنة تسع [وعشرين [٤]] ومائة في أيام مروان بن محمد.

стр. 1230

٨١٦ - يحيى بن علىّ بن محمد بن الحسن بن بسطام الشيبانىّ التبريزىّ الخطيب أبو زكريا «١» والخطيب أبوه علىّ، ولم يكن هو خطيبا. ورأيت بخطّه على جزء من كتاب «الردّ على حمزة الاصبهانىّ» في كتاب «الموازنة بين [١] العربية والأعجمية» ما مثاله: «ليحيى بن الخطيب علىّ». كانت ليحيى بن علىّ هذا معرفة تامة بالأدب والنحو واللغة. قرأ على أبى العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعرىّ وغيره من الشاميّين. وكان سبب خروجه إلى أبى العلاء أنه حصلت له نسخة لكتاب الأزهرىّ في عدة مجلدات لطاف، وأراد تحقيق ما فيها وأخذها عن عالم باللغة، فدلّ على أبى العلاء، فجعلها في مخلاة، وحملها على كتفه بتبريز إلى المعترة، ولم يكن له ما يستأجر به مركوبا، فنفذ العرق من ظهره إليها. وقيل إنها ببعض الوقوف البغداذيّة، وأن الجاهل بخبرها،

стр. 1231

إذا رآها يظنّ أنها غريقة، وليس الذى بها إلا عرق يحيى بن علىّ، ﵀، ورعى له اجتهاده في طلب العلم. وسمع بالشام وسواحله من جماعة شيوخ من شيوخ الوقت [١]، وعاد إلى بغداد وتصدّر بها. وروى بها عنه الجمّ الغفير، وتأدّب به عالم كثير. وصنّف التصانيف المفيدة، مثل كتاب «شرح الحماسة [٢]» الكبير. «شرح الحماسة» الأوسط. «شرح الحماسة» الصغير. «شرح المفضّليات [٣]». «تهذيب

стр. 1232

غريب الحديث». «تهذيب إصلاح المنطق [١]». «مقدمة [٢] فى النحو» عزيزة الوجود حسنة المقصد، فيها أسرار الصنعة. «العروض [٣] والقوافى» كتاب «إعراب القرآن [٤]». وقد تكلّم الناس في صيانته، والله يعفو عنا وعنه. مات أبو زكريا يحيى بن علىّ الخطيب التّبريزىّ في يوم الثلاثاء لليلتين بقيتا من جمادى الأخر سنة اثنتين وخمسمائة، ودفن بمقبرة بابرز [٥]، تجاوز الله عنا وعنه.

стр. 1233

٨١٧ - يحيى بن المبارك بن المغيرة أبو محمد العدوىّ المعروف باليزيدىّ المقرئ النّحوىّ اللغوىّ «١» صاحب أبى عمرو بن العلاء البصرىّ. سكن بغداد، وحدّث بها عن أبى عمرو بن العلاء، وابن جريج [١]. روى عنه ابنه محمد، وأبو شعيب صالح بن زياد السوسىّ، وأبو عبيد القاسم ابن سلّام وإسحاق بن إبراهيم الموصلىّ، وأبو عمرو الدّورىّ، وأحمد بن محمد ابن يحيى بن المبارك اليزيدىّ، وإبراهيم أخوه. وهو مولى لبنى عدىّ بن عبد مناة، من [٢] الرّباب.

стр. 1234

وإنما قيل له اليزيدىّ، لأنه كان منقطعا إلى يزيد بن منصور الحميرىّ خال ولد المهدىّ، يؤدّب ولده [١] فنسب إليه، ثمّ اتّصل بالرشيد [٢]، فجعل المأمون فى حجره [٣] وأدّبه [٤]. وكان اليزيدىّ ثقة، وكان أحد القراء الفصحاء، عالما بلغات العرب، وله كتاب «نوادر» في اللّغة على مثال كتاب «نوادر» الأصمعىّ الّذى عمله لجعفر ابن يحيى، وفي مثل عدد ورقة. وكان أيضا أحد الشعراء، وله جامع شعر وأدب. وكان قد أخذ علم العربية وأخبار الناس عن أبى عمرو وابن أبى إسحاق [٥]. الحضرمىّ، والخليل بن أحمد، ومن كان معهم في زمانهم. وحكى عن أبى [٦] حمدون الطبيب بن إسماعيل، قال: شهدت ابن أبى العتاهية، وكتب عن أبى محمد اليزيدىّ قريبا من ألف جلد، عن أبى عمرو بن العلاء خاصّة، يكون ذلك عشرة آلاف ورقة، لأنّ تقدير الجلد عشر ورقات. وأخذ عن الخليل من اللغة أمرا عظيما، وكتب عنه العروض في ابتداء صنعته اياه، إلّا أن اعتماده كان على أبى عمرو لسعة علم أبى عمرو باللّغة.

стр. 1235

وكان اليزيدى يعلّم بحذاء منزل أبى عمرو، وكان أبو عمرو يدنيه ويميل إليه لذكائه. وكان اليزيدىّ صحيح الرّواية، صدوق اللهجة. وألّف من الكتب: كتاب «النّوادر» وكتاب «المقصود والممدود». وكتاب «مختصر [١]» نحو. وكتاب «النّقط والشكل». وكان يجلس في أيّام الرّشيد مع الكسائىّ في مجلس واحد، ويقرئان النّاس. وكان الكسائىّ يؤدّب محمّدا الأمين، وكان اليزيدىّ يؤدّب عبد الله المأمون، فأمّا الأمين فإنّ أباه أمر الكسائىّ أن يأخذ عليه بحرف حمزة، وأمّا المأمون فإنّ أباه لما اختار له اليزيدىّ تركه يتعلّم منه حرف أبى عمرو [٢]. قال الأثرم [٣]: دخل اليزيدىّ على الخليل بن أحمد يوما وعنده جماعة، وهو على وسادة جالس، فأوسع له، فجلس معه اليزيدىّ على وسادته؛ فقال له اليزيدىّ: أحسبنى قد ضيّقت عليك! فقال الخليل: ما ضاق شىء على اثنين متحابّين، والدنيا لا تسع متباغضين. وسأل المأمون يحيى بن المبارك عن شىء، فقال: لا وجعلنى الله فداءك يا أمير المؤمنين! فقال: لله درّك. ما وضعت واو قطّ موضعا أحسن من موضعها فى لفظك هذا؛ ووصله وحمله. توفّى أبو محمد اليزيدىّ في سنة اثنتين ومائتين. وقيل: هو مولى عبد مناة بن تميم.

стр. 1236

وقال ابن قتيبة: اسمه عبد الرحمن [بن المبارك [١]]، ووهم، ويحيى أصحّ وأشهر- وكان يعلّم قبالة دار أبى عمرو بن العلاء زمنا [٢] طويلا، وله عقب. وقال أبو حاتم: اليزيدىّ مولى لبنى عدىّ، وليس منهم أيضا، وإنما كان نازلا فيهم، وكان مؤدّب المأمون، وخرج معه إلى خراسان، وتوفّى بها، وكان ظريفا. وانصرف اليزيدىّ من كتّابه يوما وقد قعد المأمون مع غلمانه ومن يأنس به، وأمر حاجبه ألّا يأذن [٣] عليه لأحد- وهو صبىّ يومئذ- فبلغ اليزيدىّ خبره، فصار إلى الباب فمنع، فكتب إليه: هذا الطفيلىّ على الباب ... يا خير إخوان وأصحاب [٤]. فصيرونى رجلا منكم ... أو أخرجوا لى بعض اصحابى [٥]. فأذن له فدخل، وانقبض المأمون، فقال له: أيّها الأمير، عد إلى انبساطك، فإنى إنّما جئت لأكون نديما لا معلّما [٦]. وقال اليزيدىّ يعتذر إلى المأمون من شىء تكلّم به، وهو سكران [٧]:

стр. 1237

أنا المذنب الخطّاء والعفو واسع ... ولو لم يكن ذنب لما عرف العفو سكرت فأبدت منّى الكأس بعض ما ... كرهت، وما إن يستوى السّكر والصّحو ولا سيما إذ كنت عند خليفة ... وفي مجلس ما إن يجوز به اللّغو فإن تعف عنى تلف خطوى واسعا ... وإلّا يكن عفو، فقد قصّر الخطو وقال الأصمعىّ: سمعت اليزيدىّ يقول: كنت أؤدب المأمون وهو في حجر سعيد الجوهرىّ، فتأخّر يوما عن الخروج إلى محلّة التعليم، فشكوته إلى سعيد الجوهرىّ، فقال لى: أقمه إذا اعوجّ، فأحضرته وضربته فبكى. واستؤذن عليه لجعفر بن يحيى ابن برمك، فقام إلى فراشه فجلس عليه، ومسح عينيه، ودخل جعفر فأخليت لهما المجلس، وخشيت أن يشكونى إليه، فألقى منه مالا أريده، فلمّا خرج دخلت عليه، فقال: ما الذى حملك على الخروج؟ فذكرت له ذلك، فقال: أعوذ بالله من ظنّك! هذا الأمر الذى جرى ما أعلم به الرشيد، فكيف جعفر! وكيف يحسن بى أن أقول: إننى فعلت أمرا أحتاج فيه إلى التأديب! لا وأخذك الله بظنك! قال اليزيدىّ: فأمسكت، وكنت أهابه بعد ذلك [١]. ولليزيدىّ أشعار كثيرة في الرّشيد والمأمون وغيرهما، قال ولده: واختلفنا عند موته ألّا نخرج شيئا من شعره إلّا ما كان في المواعظ [٢].

стр. 1238

وطبقته في النّحو دون طبقة الخليل ودون سيبويه والأخفش، وكان بصرىّ المذهب والبلد، متعصّبا للبصريّين، وله قصيدة [١] فى مدح البصرة وأهلها، وذمّ الكسائىّ وأتباعه؛ وعلمه باللّغة أكثر من النحو، وكان مذهبه العدل والتوحيد، وكان قبيح الهجاء ﵀. ولمّا مات خلّف من الأولاد خمسة نجباء أدباء فضلاء، منهم محمد بن أبى محمد [٢]، وهو أكبرهم وأشعرهم، وسيرد خبره في موضعه من هذا المجموع إن شاء

стр. 1239

الله تعالى، وإبراهيم [١]، وإسماعيل [٢] أبو القاسم [٣]، وعبيد الله أبو عبد الرحمن [٣]، وأبو يعقوب إسحاق [٤]. فأما [أبو [٥]] يعقوب إسحاق، فإنه اشتغل بالحديث وبرع فيه، وأمّا الأربعة الباقون، فإنهم برعوا في اللغة والعربية- ونادم من هؤلاء الأربعة المأمون: محمد وإبراهيم- وكلهم ماتوا ببغداد إلا محمدا فإنه مات مع المعتصم بمصر [٦]، على ما سيأتى فى خبره إن شاء الله: كتب إلىّ أبو الضّياء شهاب بن محمود الورّاق الهروىّ من هراة، أخبرنا عبد الكريم المروزىّ، أخبرنا أبو طالب المبارك بن علىّ بن محمد بن خضر الصّيرفيّ بقراءتى عليه، أخبرنا أبو غالب شجاع بن فارس الذّهلىّ قراءة عليه، أخبرنا أبو طاهر عبد الواحد بن الحسين بن قرقر الحذاء، أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن سعيد ابن سويد الشّاهد، حدّثنا أبو علىّ الحسين بن القاسم الكوكبىّ، حدّثنا أحمد ابن عبيد، أخبرنا اليزيدىّ، قال: دخلت على المأمون يوما والدنيا غضّة، وعنده نعم- وكانت من أجمل أهل دهرها- تغنّيه: وزعمت أنى ظالم فهجرتنى ... ورميت في قلبى بسهم نافذ [٧]. ونعم هجرتك، فاغفرى وتجاوزى [٨] ... هذا مقام المستجير العائذ ولقد أخذتم من فؤادى إنّه ... لا شكّ ربّى كفء ذاك الآخذ

стр. 1240

واستعادها الصوت ثلاث مرات، وشرب ثلاثة أرطال في ثلاثة أقداح، ثم قال: يا يزيدىّ، يكون شىء أحسن مما نحن فيه! قلت: نعم يا أمير المؤمنين، فقال: وما هو؟ قلت: الشكر لمن خوّلك هذا الإنعام العظيم الجليل! فقال: أحسنت وصدقت، ووصلنى، وأمر بمائة ألف درهم يتصدّق بها، فكأنّى أنظر إلى البدر وقد أخرجت، والمال يفرّق. وكان اليزيدىّ يكلّم الأمين والمأمون بكلام يتفصّحان به، ويقول لهما: كان أولاد الخلفاء من بنى أميّة، يخرج بهم إلى البدو حتى يتفصّحوا، وأنتم أولى بالفصاحة منهم، فأكلا معه يوما [١] كمأة وقصرا [٢]؛ فقال لهما: كلا كلاكما كمأ كما كما ... لا تنبوا، إن تنبوا لا تنبلا فمضى الخادم الموكّل بهما إلى الرشيد، وقال: علّمهما اليوم كلام الزّنجية، فاستدعاه الرشيد وقال له: ما حاجتهما إلى كلام الزّنج، فلم علّمتهما؟ فقال اليزيدىّ: والله ما أحسنها، فقال الخادم: بلى، فعرّفه الحال، وقال: أنا آخذهما بأمثال ذلك ليتفّصحا، فقال له الرشيد: لا تلم الخادم، فلولا التّقدمة لظننته بالزنجية؛ وأنشد: لكل أناس مألف من طباعهم وشكا اليزيدىّ إلى المأمون خلّة أصابته، ودينا لحقه، فقال: ما عندنا فى هذه الأيام ما إن أعطينا كه بلغت به ما تريد، قال: يا أمير المؤمنين، إن الأمر ضاق علىّ، وإنّ غرمائى أرهقونى، فاحتل لى. فأفكر، واستقرّ

стр. 1241

الأمر على أن يحضر اليزيدىّ في الباب، إذا جلس المأمون للشرب، وعنده ندماؤه، ويكتب رقعة يطلب فيها الدخول، أو إخراج بعض الندماء إليه، فلمّا جلس المأمون حضر اليزيدىّ الباب، ودفع إلى الخادم رقعة مختومة، فأدخلها إلى المأمون، ففضّها فإذا فيها مكتوب: يا خير إخوان وأصحاب ... هذا الطفيلىّ على الباب فصيّرونى واحدا منكم ... أو أخرجوا لى بعض أصحابى فقرأها المأمون على من حضره، قال: ما ينبغى أن يدخل مثل هذا الطفيلىّ على مثل هذا الحال، فأرسل إليه المأمون: دخولك في مثل هذا الوقت متعذّر، فاختر لنفسك من أحببت أن تنادمه. فأدّيت الرسالة إليه، فقال: ما أرى لنفسى اختيارا غير عبد الله بن طاهر، فقال له المأمون: قد وقع الاختبار عليك، فصر إليه. قال: يا أمير المؤمنين، فأكون شريك الطفيلىّ! قال: ما يمكننى ردّ أبى محمد عن أمره، فإن أحببت أن تخرج إليه، وإلا فافتد نفسك منه، قال: له علىّ عشرة آلاف درهم، قال: لا أحسب ذلك منك يقنعه عن مجالستك، فلم يزل يزيد عشرة آلاف، عشرة آلاف، والمأمون يقول له: لا أرضى له بذلك، حتى بلغ مائة ألف درهم، فقال له المأمون: فعجلّها، فكتب بها إلى وكيله، ووجّه رسولا، وأرسل إليه المأمون: قبض هذه في مثل هذا الحال أصلح لك من منادمته على مثل حاله. توّفى أبو محمد اليزيدىّ في سنة اثنتين ومائتين في خلافة المأمون.

стр. 1242

٨١٨ - يحيى بن يحيى المعروف بابن السّمينة القرطبىّ الأندلسىّ النحوىّ اللغوىّ الحاسب المنجّم الطبيب «١» كان متصرّفا في العلوم، متفنّنا في ضروب المعارف، بارعا في علم النحو واللّغة والعروض ومعانى الشّعر والفقه والحديث والأخبار والجدل. وكان معتزلىّ المذهب، رحل إلى المشرق واستفاد، [ثم رجع إلى بلده [١]]. ذكره القاضي صاعد [٢] بن الحسن في تاريخه؛ فقال: مات سنة خمس عشرة وثلاثمائة. ٨١٩ - يحيى بن محمد، أبو محمد الأرزنىّ النّحوى «٢» من أهل أرزن [٣]، بلد في طرف ديار بكر. سكن بغداد، وأخذ العلم عن أبى سعيد الحسن بن عبد الله السّيرافىّ، وحدّث عنه بشىء يسير، وتصدّر في مجلس

стр. 1243

يوسف بن أبى سعيد. وأفاد الطلبة، وأقرأ النّحو، وكتب بخطّه الكثير [١]. وصنّف. رأيت من تصنيفه بخطّه «مقدّمة في النّحو». ومات ﵀ في المحرّم سنة خمس عشرة وأربعمائة. وكان له شعر حسن، قال أبو الفضل التّميمىّ: كنت يوما معه في دار بهاء [٢]. الدّولة، فجلسنا على برج مطلّ على دجلة، ومعى فتى أسمر مليح، فأخذنا نشرب من نبيذ التّمر، فارتجل أبياتا، وهى: كأنّا على البرج المطلّ غديّة ... لنا منزل بين السّماكين والنّجم [٣]. ومن دوننا فيحاء قد نسجت لها ... يد المزن أفوافا من الوشى والرّقم ودجلة تحكى في اطّراد حبابها ... مضاعفة النّسجين محكمة النّظم وكاساتنا تجرى بسوداء مالها ... إذا انتسبت إلّا الأشاءة من أمّ - الأشاءة: النخلة، وجمعها أشاء-

стр. 1244

ولو كان في عمر الحبيس معرّسى ... إذا لأتت صهباء من حلب الكرم [١]. ولكنّما أزرى بنا أنّ دارنا ... ببلدة لا خال يعدّ ولا عمّ [٢] بلى قد زهاها أنّ لونك لونها ... فجاءت تضاهى المسك في اللّون والشّمّ وقال، وقد تزوّج امرأة فلم يحمدها، وشبّهها بالنّرجس ذامّا لها: أبنت أبى إسحاق هل أنت نرجس ... فإنّ كلا شخصيكما متماثل [٣]. فساقاك خضراوان والرأس أبيض ... ووجهك مصفرّ وجسمك ناحل ٨٢٠ - يحيى بن سلامة بن الحسين الحصكفىّ النّحوىّ «١» نزيل ميّافارقين، نحوىّ مشهور مذكور، وشاعر معروف، ذو فضل وافر، وأدب زاخر، من أفراد الدّهر، معروف بديار بكر وغير ديار بكر [٤].

стр. 1245

أنبأنا أبو طاهر السّلفىّ في إجازته العامّة، أنشدنا أبو الحسن يونس بن يحيى ابن سلامة الحصكفىّ التّاجر بديار مضر، قال: أنشدنى أبو الفضل يحيى بن سلامة ابن الحسين النّحوىّ بميّا فارقين لنفسه: والله لو كانت الدّنيا بأجمعها ... تبقى علينا ويأتى رزقها رغدا ما كان من حقّ حرّ أن يذلّ لها ... فكيف وهى متاع يضمحلّ غدا! ٨٢١ - يحيى بن سعدون بن تمّام بن محمد الأزدىّ أبو بكر «١» من أهل قرطبة؛ مدينة بالأندلس، سكن دمشق والموصل. أحد أئمة اللّغة والقرآن، وله يد قويّة في النّحو والقراءة بروايات بمصر والعراق، وله وقار وسكينة، دخل بغداد، وقرأ القرآن على ابن بنت الشيخ [١] أبى منصور، وسمع عليه كتبا كثيرة، منها: «كتاب سيبويه»، والنّسخة بذلك عندى، ولله الحمد. وأخذ عن مشايخ ذلك الوقت. وكان دخوله إلى بغداد سنة سبع عشرة وخمسمائة، وكان ثقة صدوقا ثبتا نبيلا، قليل الكلام، كثير الخير مفيدا. ولد في سنة ست وثمانين وأربعمائة بمدينة قرطبة. واستوطن ﵀ الموصل، ورحل منها إلى أصبهان، ثم عاد إلى الموصل، وأقام بها إلى أن مات، وأقرأ النّاس القرآن الكريم بالقراءات، وروى الحديث وعلّم النحو، وانتفع به الناس.

стр. 1246

وتوفّى بالموصل ﵀ في يوم عيد الفطر من سنة سبع وستين وخمسمائة. سمعت أبا المحاسن يوسف بن رافع بن تميم الحاكم بحلب، يقول: كان القرطبىّ بالموصل، وكنّا نقرأ عليه، ونأخذ عنه، وكنّا نرى رجلا يأتى إليه فيسلّم عليه وهو قائم، ثمّ يمدّ يده إلى الشيخ بشىء ملفوف، ويأخذه [١] الشيخ منه بيده، ولا نعلم ما هو، ويتركه الشيخ ويذهب، ثم تقفّينا ذلك فعلمنا أنها دجاجة مسموطة [٢]، كانت برسم الشيخ، فكلّ يوم يبتاعها له ذلك الشيخ ويسمطها ويحضرها، وإذا دخل الشيخ إلى منزله تولّى طبخها بيده، ﵀. ٨٢٢ - يحيى بن معطى النحوىّ «١» مولده بالمغرب، وتوفّى بالقاهرة في سلخ ذى القعدة سنة ثمان وعشرين وسمائة. له الألفيّة [٣]، وله الفصول [٤]، وأفاد جماعة، واتّصل بالملوك [٥].

стр. 1247

ومن شعره في هديّة: هذا إليكم ومنكم كان حاصله ... فلست أعزى إلى بخل ولا كرم فاقبل براحتك اليمنى الّذى بعثت ... به يسارك فاعذرنى ولا تلم وله: ولما تبّدى لى من السّجف حاجب ... ومقلة ليلى من وراء نقابها بعثت الرّسول الدّمع بينى وبينها ... ليأذن في قربى وتقبيل بابها فما أذنت إلّا بإيماء لحظها ... ولا سمحت إلّا بلثم ترابها ٨٢٣ - يعيش بن علىّ بن يعيش العدل الخطيب النّحوىّ المدعو بالموفّق «١» الموصلىّ الأصل، الحلبىّ المولد والمنشأ، لو أنصفته ما أجريته في حلبة النحاة، ولولا أنّ النحو قنطرة الآداب، لنّزهته عن مشاركة من قصده ونحاه، فإنّنى إن وصفته بالنّحو فهو أديب، أو بالبلاغة فهو خطيب، أو بالعدالة [١] فهو أبو ذرّها، أو بالمعانى فهو مكنون درّها، أو بجميع الفضائل وجمعها فهو حالب درّها. إمام إذا قاس قطع، وإذا تربّع ربع الأدب برع [٢]، وإن سئل بيّن المشكل، وإن

стр. 1248

استفسر فصّل المجمل. تصدّر في زاوية [أبى] علىّ [١]، وجلّى للطلبة غامض كلامه وما تعبير كلّ متصدر جلىّ. حملته على إدراكه العلوم نفسه الأبيّة، وإلّا فهو فى شغل بأحكام العيال عن أحكام العربيّة، لأنه سلك طريق الصّفوة والأصفياء [٢]، فى امتثال قول النبىّ ﷺ : «تناكحوا تناسلوا فإنّى أكاثر بكم الأنبياء [٣]»، هذا مع ما منى به من موت أبناء نجباء ساءوه بعد أن سرّوا، وأمرّوا عيشه عند ما مرّوا، وتسلّى عنهم بآخرين سلكوا مسلكه في البلاغة والنّباهة، إذا الولد سرّ أبيه في الوجه والوجاهة، وأسأل الله حراستهم له فقد أخذ الدّهر حقّه، وأن يوفّر خاطره للإفادة فما أولاه بذلك وما أحقّه. [ولو رام هذا الموفّق سموّ الاسم لاغترب، لأنه في وطنه كالمندل الرطب الذى هو في أوطانه حطب] [٤]. فأما تصانيفه في العربيّة وفنونها فقد سارت مسير الركبان، وتناقلها الأجلّاء المتأصّلون في هذا الشان، فمنها كتاب «شرح التصريف الملوكى [٥]» لابن جنّى، ولو رآه لجنّ طربا، وتحقّق مصنّفه لهذه الصّنعة أمّا وأبا، «وشرح كتاب المفصّل [٦]» للزمخشرىّ فوصل به ما فصّله، وفرّق على المستفيدين ما أجمله، واستقى له من ركّية النّحو ما جمّ [٧] له، وشرّفه بعنايته وإعانته فنوّه بذكره وجمّله، وبسط فيه القول بسطا أعيا الشّارحين، وأظهر من عونه وعيونه ما فتح به بابا للمادحين.

стр. 1249

وقد تجر قوم في ذلك كتجارته، فرجعوا غير رابحين [١]، فمنهم شيخ بغداد [٢]. المتأخّر الزمان، المذكور في مكانته من العربية بالإمكان، ولمّا تعرّض لشرحه اختزل، وعند ما رام أن يرقى عقبته نزل، وأتى برائجة دون ثمرتها حجاب، وعاقه عن التصدّر في صدر هذا الكتاب بوّاب وحجّاب، ولو رآه الخوارزمى [٣] المدعوّ بصدر الأفاضل [لما [٤]] تعرّض لشرحه فشرّحه، وما ملحّه، فتغيّر في يديه [٥]، وتمزّقت بشرحه اوصاله لمّا عجز عمّا قصد إليه، وأراد أن يعرب فأعجم، ورام أن يسرج ليركب فأسرج وما ألجم، وسماه «التخمير» لما خامره من الجهل بالبلاغة فى العبارة، وعبّر عن الشرح بالتشريح، فقبح الاسم وإن وافق الإشارة. والذى صنفه فيه ابن الحاجب الكردىّ [٦] فهو عن القصد محجوب، وعن الأسلوب الموفّقىّ مسلوب، لأنه نبّه المستيقظ من المعانى، فالمعانى للاستفادة منه

стр. 1250

عانى، ومن أين لابن لبون في الفقه يشغله التدريس، الجرى في حلبة النّحو مع البزل القناعيس [١]. والذى تولّاه أبو القاسم النحوىّ اللّورقىّ [٢] الأندلسىّ من شرح هذا الكتاب؛ فإنما تبع الموفّق في طريقه، ووفّق بذلك إلى مرتبة ترتيبه وحقيقة تحقيقه، واقتدى به في إزالة الإشكال والاشتباه، ونقلا جميعا النّحو من كلام النّحاة، فقبض أحدهما وبسط الآخر، ووجد الثانى بالأول شرعا واضحا فسفر عن وجهه فيه وسافر، غير أنّ التصنيف الموفّقى خطب من أقصى مكان، وبذل في نسخه أوفر الأثمان، وأصبح مستعملا بين أئمة هذا الشأن. وأمّا ما زعمه الفخر الرازىّ المعروف بابن الخطيب [٣] من شرحه، فقد عرّض عرضه فيه للاستهزاء، وأظهر من ضعف علمه بهذا النوع ما أهدفه [٤] للاستزراء، وعجز في أوّل شرحه عن حدّ الاسم، وأورد الحدّ له بلفظ الرّسم، فلا طريقة المنطقىّ لزم، ولا بالرّسوم النحوية ارتسم، لأن المنطقىّ يحد الاسمّ بما هو السّمة الواقعة على المسمّى، فيشمله شخصا كان أو معنى، والنحوىّ يشاركه في ذلك، وينفرد باعتبار نفى الاجتهاد في تحصيله لذيذ الطيف، وهى الجملة المفيدة من تساند

стр. 1251

الاسمين فيدخل في ذلك أين وكيف، وهذا النوع عند المنطقىّ من الأدوات، لا من الأسماء السامية على مسمّياتها ولا من السّمات، ثم سلك هذا المسلك في أماكن رام فيها تناسب الأداة وما يصدر عنها فحلط، وركب بهما في الجمع بين النّحوين: العربىّ واليونانىّ فسلكهما في عشواء وخبط، وجاء كتابه على صغر حجمه كثير الخطا، وعلى سعة وهمه قصير الخطا. وأما ما صنّفه الأديب المروزىّ خازن كتب المهتر الفقاعىّ [١] السّجزىّ، فإنه وقف مع الألفاظ النّحوية، والمعانى العربية، ولم يتعرّض لشرح العبارة الزمخشرية، وأعانته الخزانة الّتى يتولّاها فوسّع القول في الأسماء والعوامل، ونقل عن الكتب الكبار نقل المسطرة ولم يأت من عنده بطائل، فجاء كتابه مفيدا للنّحو لا للعبارة، وضابطا لمنتشر العربية لا للإشارة، فكتاب الموفّق إذا أوسطها حجما، وأسعدها نجما، وأوفقها قصدا، وأقصدها رشدا، لا يوفّق من جهله، لأنه عمله لله والله يحفظ ما عمل له. وفي هذا الموفّق خصلة فاق بها أقرانه- ولا قرن له- وإخالها منحة من الله والله يهنّئه ما خوّله، وهو السّكوت عن الإجابة عند السؤال، والسّكون فى أداء الجواب إذا تسرّع غيره إلى الخطأ في المقال، ولقد سألته من سنين عن مسألة في موانع الصرف فصمت عن الجواب، وكان في صمته الصّواب، فإنّها أشكلت على الأئمة المتقدّمين، حتى غلط في الإجابة عنها المبرّد وناهيك به تقدّما في السابقين الأوّلين، فاستدللت بإمساكه على تحصيله، واعتددت بطوله في تطويله، والسعيد من سكت عند الإشكال، والشّقىّ من تسرّع إلى الخطأ وعدم الاستقلال.

стр. 1252

وقد كنت لقرب داره أستفيد من مذاكرته أنواع الفضل، إلى أن انتقلت عن جواره إلى محلّة الجهل، ولزمت جانب المنزل، وأصبحت عن إيناس النّاس بمعزل، ففاتتنى فوائده، وانفردت عنّى فرائده، ولى أعوام ما حظيت منه بنظرة، وذلك لتقدير؛ إذ اللّقاء مقدّر لا لنفرة، ومع هذا فإننى أسمع فوائده من تلاميذه المشتغلين، وألتقط فرائده من أصحابه المقيمين والمنتقلين، فتقوم عندى مقام شخصه وإن غاب، وتنوب عنه في الإفادة وان لم يغن عنه مناب، وهو إلى وقت هذا التأليف متصدر لإفادة [١] ما هو بصدده، يعذب لكلّ قاصد إلى فضله عذب مورده، وينثال عليه أجلّة الأصحاب، مستسقين لفضله استسقاء السحاب. مولده لثلاث خلون من شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، ورحل من حلب في صدر عمره ليدرك ابن الأنبارى [٢] وطبقته، ولمّا وصل إلى الموصل بلغته وفاته، فوقف حيث انتهى وسمع شيئا من الحديث وعاد. واجتمع بالكندىّ [٣]- بدمشق عند ما عزم على التصدّر والإقراء، وسأل الكندىّ عن إعراب كلمة [٤] وردت في المقامات، فقال له الكندىّ عند إبهام جوابها عليه: قد علمت قصدك، وأنك أردت إعلامى مكانتك من هذا العلم. وكتب له خطّه بمدحه والثناء عليه، ووصف تقدّمه في هذا النّوع الأدبى.

стр. 1253

٨٢٤ - يعقوب بن إسحاق بن عبد الله بن أبى إسحاق الحضرمىّ «١» من أهل بيت العلم بالقرآن والعربيّة وكلام العرب والرّواية الكثيرة للحروف والفقه. وكان من أقرأ القرّاء، وأخذ عنه عامّة حروف القرآن مسندا وغير مسند، من قراءة الحرميّين والعراقيّين والشام وغيرهم. قال أبو حاتم: كان أعلم من أدركنا ورأينا بالحروف، والاختلاف في القرآن وتعليله ومذاهبه، ومذاهب النّحو في القرآن. وأروى [١] النّاس لحروف القرآن وحديث الفقهاء. وله كتاب سمّاه «الجامع» جمع فيه عامّة اختلاف وجوه القراءات، ونسب كلّ حرف إلى من قرأ به [٢]. وتوفّى سنة خمس ومائتين. ٨٢٥ - يعقوب بن محمد بن أحمد الفارسىّ الأديب البارع الكردىّ «٢» نزيل نيسابور، وأستاذ البلد في النّحو والعربيّة واللغة. شيخ معروف، كثير التّصانيف [٣] والتلامذة، مبارك النّفس، جمّ الفوائد والنّكت والطّرف.

стр. 1254

توفّى في رمضان سنة تسع وسبعين وأربعمائة، ذكره الباخرزىّ في كتابه [١] وسجع له، فقال: الأديب أبو يوسف يعقوب بن أحمد [٢]. وهو متنفّسى من بين أهل الفضل، وهو أيضا موضع نجواى، ومستودع شكواى [٣]، ثم لا أعرف اليوم من ينوب منابه في أصول الأدب؛ محفوظا ومسموعا، حتى كأنّ قرآنه أوحى [٤] إليه مفصّلا ومجموعا، فتأليفاته للقلوب مآلف، وتصنيفاته في محاسن أوصافها وصفاء [٥]. ووصائف، والكتب المنتقّشة [٦] بآثار أقلامه، [تهزأ [٧]] بالرّوض الضّاحك غبّ بكاء رهامه [٨]، وتعجز [٩] الوصّاف الحاذق على بعد مطارح أوهامه [٩]، فكم منفسات [١٠] من تلك الدّرر جعلتها لقلائدى هذه أوساطا، وكم [من [١١]] مروّيات من تلك الدّرر وردت منهلها العذب التقاطا [١٢]، فلم أر بها حماما ورقا، يردن جماما زرقا [١٣]، ولا غطاطا،

стр. 1255

يلغطن كالنّبيط إلغاطا، اللهمّ إلّا فرّاطا [١] من الظّمأ إلى زلال الفضل يصدعون إليه أردية اللّيل البهيم، ويشربون منه شرب العطاش الهيم. وكان من أوكد الأسباب، الدّواعى إلى تأليفه هذا الكتاب، بعثه إياى عليه، وإهابته بى إليه: فللزّجر ألهوب وللسّأق درّة ... وللسّوط منّى وقع أخرج مهذب [٢]. ومحلّه منّى داخل تحت قولى فيه، [بل أجلّ وأوفر [٣]]: يعقوب عمّى وغير بدع ... لو عمّ قلبى ولاء عمّى ودّى له كالصّباح عار ... ولا أورّى ولا أعمّى قال: فممّا أنشدنى له من معانيه الأبكار، التى لا تفترع إلا بدقائق الأفكار، قوله: تظنّ علوّ المرء بالمال حازه ... وليس بعال معدم وهو ماهر [٤]. لقد ملت عن نهج الصّواب معاندا ... أمالك عن مسخوط رأيك زاجر [٥]! فممّ علوّ البدر والمال غائب ... وفيم سفال الكنز والمال حاضر!

стр. 1256

وكتب إلى العميد أبى بكر القهستانىّ عند منصرفه عن ديار الغربة: كلامك روح أجسام الكلام ... ولفظك فاعل فعل المدام ودونك كلّ ممدوح كمالا ... وعبدك كلّ حرّ في الأنام لعمر علاك هل أبصرت مثلا ... لنفسك في شمائلك الكرام! بمصر وغيرها من كلّ مصر ... وفيما طفت من يمن وشام وفي أرض العراق بلاد يمن ... وحيث حللت بالبلد الحرام فكيف وأنت فذّ في المعالى ... فريد في مكارمك التّؤام وكتب إليه أيضا: يا أبا بكر عليّا ... ما رأى مثلك إنس أنت في الحزن سرور ... أنت في الوحشة أنس أنت غيث، أنت ليث ... أنت بدر، أنت شمس أنت للسؤدد قطب ... أنت للعلياء أسّ إن تحلّمت فقدس ... أو تكلّمت فقسّ [١]. قال: وأنشد لنفسه في الأمير أبى الفضل الميكالىّ ﵀. رأيت عبيد الله يضحك معطيا ... ويبكى أخوه الغيث عند عطائه وكم بين ضحّاك يجود بماله ... وآخر بكّاء يجود بمائه

стр. 1257

قال: وكتب إلى القاضي أبى جعفر البحّاثىّ [١]: أبا جعفرا كم جعفر من مدامع [٢] ... ترقرقه ذكرى ليال تسلّفت طلعت بها شمسا وقد غاب بدرها ... فما زلت طلق الوجه حتى تكسّفت وشعشعت راحا من حديثك دونها ... معتّقة صهباء في دنّها صفت ودبّجت روضا من ثنائك أعجبت ... وهيّجت رقشا من هجائك أتلفت وقرطست مرمى القول حين رميته ... إذا كفّ رام في مراميه أخطفت [٣]. وشرّدت ألّاف الخنا فتشرّدت ... والّفت شرّاد النّهى فتألّفت فهزل، ولا كالبابليّة صفّيت ... وجدّ ولا كالمشرفيّة أرهفت وبسط يضاهى غرّة النّجح أشرقت ... وبشر يحاكى طرّة الصّبح أسدفت [٤]. ولا سيما ليلا كليلة يوسف ... رأيت بها طير السّعادة رفرفت تجمّع فيها ما اشتهيت من المنى ... بإخوان صدق كالكواكب أردفت - يريد يوسف أبا نصر الأسترابادىّ.

стр. 1258

وله في الغزل: حلاوة أيّام الوصال شهيّة ... ولكن ليالى الهجر أمررن طعمها ولى كبد حرّى ونفس عليلة ... ولكن يداوى كلمها البيض كالمها [١]. وله أيضا: هل عاجب أنت مثلى ... فإنّنى جدّ عاجب من حاجب مثل قوس ... تزرى بقوس لحاجب [٢]. ٨٢٦ - يعقوب بن إسحاق السكّيت أبو يوسف النحوىّ اللغوىّ «١» صاحب كتاب «إصلاح المنطق». كان من أهل الفضل والدّين، موثوقا بروايته. وكان يؤدّب ولد جعفر المتوكل بالله.

стр. 1259

ورى عن أبى عمرو الشيبانىّ. وحدّث عنه أبو عكرمة الضّبّىّ، وأبو سعيد السكّرىّ، وميمون بن هارون الكاتب، وعبد الله بن محمد بن إبراهيم، وأحمد بن فرح المقرئ [١]. وأبوه إسحاق المعروف بالسّكّيت. وحكى أن الفرّاء سأل السّكّيت [٢] عن نسبه، فقال: خوزىّ [٣] أصلحك الله، من قرى دورق من كور الأهواز. وكان يعقوب يؤدّب مع أبيه بمدينة السّلام في درب القنطرة صبيان العامة، حتى احتاج إلى الكسب، فجعل يتعلّم النّحو. وحكى عن أبيه أنّه حجّ، فطاف بالبيت، وسعى بين الصّفا والمروة، وسأل الله تعالى أن يعلّم ولده النّحو، فتعلّم النّحو واللغة، وجعل يختلف إلى قوم من أهل القنطرة، فأجروا له كلّ دفعة عشرة وأكثر، حتى اختلف إلى بشر وإبراهيم [٤]. ابنى هارون، أخوين كانا يكتبان لمحمد بن عبد الله [٥] بن طاهر، فما زال يختلف إليهما وإلى أولادهما دهرا، فاحتاج ابن طاهر إلى رجل يعلّم ولده، وجعل ولده في حجر إبراهيم [٦]، ثمّ قطع ليعقوب رزقا؛ خمسمائة درهم، ثم

стр. 1260

جعلها ألف درهم. وكان يعقوب قد خرج قبل ذلك إلى سرّ من رأى، وذلك فى أيّام المتوكّل على الله، فصيّره عبد الله بن يحيى بن خاقان عند المتوكل، فضمّ إليه ولده، وأسنى له الرزق. قال أبو عمر اللّغوىّ [١]: سمعت ثعلبا- وقد ذكر يعقوب بن السّكّيت- فقال: ما عرفنا له خزية قطّ. قال الطوسىّ: كنّا في مجلس علىّ اللّحيانىّ، وكان عازما أن يملى نوادره ضعف ما أملى: فقال يوما: تقول العرب: «مثقل استعان بذقنه [٢]»، فقام إليه ابن السكيت، وهو حدث فقال يا أبا الحسن، إنما هو: تقول العرب: مثقل استعان بدفّيه [٣]، يريدون: الجمل إذا نهض بالحمل استعان بجنبيه، فقطع الإملاء. فلما كان في المجلس الثّانى، قال: تقول العرب: «هو جارى مكاشرى»،

стр. 1261

فقام إليه يعقوب بن السكيت فقال: أعزّك الله، وما معنى «مكاشرى»! إنما هو «مكاسرى»، كسر بيتى إلى كسر بيته، فقطع اللّحيانىّ الإملاء، فما أملى بعد ذلك شيئا. قال الحسين بن عبد المجيب الموصلىّ: سمعت يعقوب بن السّكيت في مجلس أبى بكر بن أبى شيبة يقول: ومن النّاس من يحبّك حبّا ... ظاهر الحبّ ليس بالتقصير فإذا ما سألته عشر فلس ... ألحق الحبّ باللّطيف الخبير قال المبرّد: ما رأيت للبغداديّين كتابا أحسن من كتاب يعقوب بن السكيت فى المنطق. مات يعقوب في رجب من سنة ثلاث- وقيل من سنة أربع، وقيل من سنة ست- وأربعين ومائتين، وقد بلغ ثمانيا وخمسين سنة. قال أحمد بن عبيد: شاورنى أبو يوسف بن السّكيت في منادمة المتوكّل فنهيته، فحمل قولى على الحسد، وأجاب إلى ما دعى إليه من المنادمة، فبينا هو معه في بعض الأيام، إذ مرّ ابنان للمتوكّل، وهما المعتزّ والمؤيّد، فقال له: يا يعقوب، من أحبّ إليك؟ ابناى هذان أم الحسن والحسين؟ فغضّ منهما، وقال: قنبر خير منهما، وذكر الحسن والحسين [بما هو أهله [١]]، فأمر الأتراك فديس بطنه، فحمل وقيّد، فعاش يوما، أو بعض يوم. وقيل إنه حمل ميّتا فى بساط، ووجّه إلى منزله، ووجّه المتوكّل إلى ابنه عشرة آلاف درهم، ولم يكن يعقوب بلغ ثمانين سنة [٢].

стр. 1262

وقال عبد الله بن عبد العزيز بن القاسم: نهيت يعقوب بن السّكيت حين شاورنى فيما دعاه المتوكل من منادمته، فلم يقبل قولى، فلمّا عرض له ما عرض قلت فيه: نهيت أبا يعقوب عن قرب شادن ... إذا ما سطا أربى على أم قشعم فذق واحس ما استحسيته لا أقول إذ ... عثرت لعا، بلّ لليدين وللفم [١]. قال ابن النحاس: كان أول الكلام مزاحا. وكان ابن السكيت يتشيّع. وقال أبو العباس ثعلب: كان سبب قعود يعقوب بن السكيت للناس وقصدهم إيّاه، أنه عمل شعر أبى النّجم العجلىّ وجوّده، فقلت: ادفعه إلىّ لأنسخه، فقال: يا أبا العباس، بالطلاق إنه لا يخرج من يدى، ولكنه بين يديك فانسخه، فاحضر [٢] يوم الخميس. فلمّا وصلت عرف، فحضر بحضورى قوم، ثم انتشر ذلك فحضر الناس. وذكر ابن الفرات [٣] المصرى أنه توفى سنة أربع وأربعين ومائتين.

стр. 1263

وكان أبو العباس ثعلب يقول: كان يعقوب بن السكيت متصرّفا في أنواع العلوم، وكان أبوه رجلا صالحا، وكان من أصحاب الكسائىّ، حسن المعرفة بالعربيّة، وكان يكنّى بأبى يوسف، من علماء بغداد؛ ممّن أخذ عن الكوفيّين، وكان مؤدّبا لولد المتوكّل، وكان عالما بنحو الكوفيين وعلم القرآن والشّعر، وقد لقى فصحاء الأعراب، وأخذ عنهم، وحكى في كتبه ما سمعه منهم، وله حظّ فى السّنن والدّين. ويقال: إنّ المتوكل ناله بشىء [١] حتى مات في سنة ستّ وأربعين ومائتين، وخلّف ولدا اسمه يوسف، نادم المعتضد وخصّ به. وليعقوب بن السكيت من التّصانيف: كتاب «الألفاظ» [٢]. كتاب «إصلاح المنطق [٣]». كتاب «الزّبرج». كتاب «البحث». كتاب «المقصور والممدود». كتاب «المذكّر والمؤنث». كتاب «الأجناس» كبير. كتاب «الفرق». كتاب «السّرج واللجام». كتاب «فعل وأفعل». كتاب «الحشرات». كتاب «الأصوات». كتاب «الأضداد [٤]». كتاب «الشّجر والنّبات». كتاب «الوحوش». كتاب «الإبل». كتاب «النّوادر».

стр. 1264

كتاب «معانى الشعر الكبير». كتاب «معانى الشعر الصّغير». كتاب «سرقات الشعراء وما اتفّقوا عليه». كتاب «ما جاء في الشّعر وما حرّف عن جهته». كتاب «القلب والإبدال [١]». قال أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحرانىّ اللّغوىّ، صاحب يعقوب- وقد كان لازمه للأخذ عنه أحدا وعشرين عاما: قتل المتوكّل يعقوب بن السّكيت، وذلك أنّه أمره أن يشتم رجلا من قريش، وأن ينال منه فلم يفعل، فأمر القرشىّ أن ينال منه فنال منه، فأجابه يعقوب بن السكيت، فلمّا أن أجابه قال المتوكل: أمرتك أن تفعل فلم تفعل. فلمّا شتمك فعلت! فأمر به فضرب، حمل من عنده صريعا مقتولا، ووجّه المتوكل من الغد إلى ابن يعقوب بن السكيت عشرة آلاف درهم ديته. وقال أبو عبد الله المرزبانىّ: ابن السكيت اسمه يعقوب بن إسحاق، ويكنى أبا يوسف، وكان عالما بالنّحو، نحو الكوفيين وعلم القرآن واللّغة والشعر، رواية؛ ثقة، لا حظّ له من السّنن والدّين [٢]. وقال أحمد بن يحيى النحوىّ: أجمع أصحابنا أنه لم يكن بعد ابن الأعرابىّ أحد أعلم باللّغة من ابن السكيت، وكان المتوكل قد ألزمه تأديب ولده المعتزّ بالله، فلمّا جلس عنده قال: بأىّ شىء يحبّ أن يبدأ الأمير؟ - يريد من العلوم- فقال له: بالانصراف. قال: فأقوم؟ قال: أنا أخفّ نهوضا منك، وقام

стр. 1265

المعتزّ واستعجل، فعثر بسراويله وسقط، والتفت إلى ابن السكيت كالخجل فاحمرّ وجهه، فأنشد ابن السكيت: يصاب الفتى من عثرة بلسانه ... وليس يصاب المرء من عثرة الرّجل [١]. فعثرته في القول تذهب رأسه ... وعثرته في الرّجل تبرأ في مهل فلمّا كان من غد دخل ابن السّكيت على المتوكّل، فأخبره، فأمر له بخمسين ألف درهم، وقال: قد بلغنى البيتان. ومن [٢] شعر ابن السكيت ﵀ ورضى عنه، وهو مما تثق النفس [٢] به: إذا اشتملت على اليأس القلوب ... وضاق لما به الصّدر الرّحيب وأوطنت المكاره [٣] واستقرّت ... وأرست في أماكنها الخطوب ولم تر لانكشاف الضّرّ وجها ... ولا أغنى بحيلته الأريب أتاك على قنوط منك غوث ... يمنّ به اللّطيف المستجيب وكلّ الحادثات إذا تناهت ... فموصول بها فزج قريب ٨٢٧ - يعقوب بن علىّ الزّبيدىّ الصّقلّىّ اللغوىّ «١» من أهل صقّلّيّة [٤] المقيمين بها، من أئمة اللّغويين والعلماء المدرسين، كان حافظا لأشعار العرب ومعانيها، شارحا لغريبها ومبانيها، فمن شعره قوله يمدح الأمير عزّ الدولة الحسن بن ثقة الدّولة الكلبىّ، من قصيدة أولها:
следующие страницы →