← Тараджим

Тараджим · id 10525

إنباه الرواة على أنباه النحاة

جمال الدين القفطي

Полный текст (1 612 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

فقام إليه يعقوب بن السكيت فقال: أعزّك الله، وما معنى «مكاشرى»! إنما هو «مكاسرى»، كسر بيتى إلى كسر بيته، فقطع اللّحيانىّ الإملاء، فما أملى بعد ذلك شيئا. قال الحسين بن عبد المجيب الموصلىّ: سمعت يعقوب بن السّكيت في مجلس أبى بكر بن أبى شيبة يقول: ومن النّاس من يحبّك حبّا ... ظاهر الحبّ ليس بالتقصير فإذا ما سألته عشر فلس ... ألحق الحبّ باللّطيف الخبير قال المبرّد: ما رأيت للبغداديّين كتابا أحسن من كتاب يعقوب بن السكيت فى المنطق. مات يعقوب في رجب من سنة ثلاث- وقيل من سنة أربع، وقيل من سنة ست- وأربعين ومائتين، وقد بلغ ثمانيا وخمسين سنة. قال أحمد بن عبيد: شاورنى أبو يوسف بن السّكيت في منادمة المتوكّل فنهيته، فحمل قولى على الحسد، وأجاب إلى ما دعى إليه من المنادمة، فبينا هو معه في بعض الأيام، إذ مرّ ابنان للمتوكّل، وهما المعتزّ والمؤيّد، فقال له: يا يعقوب، من أحبّ إليك؟ ابناى هذان أم الحسن والحسين؟ فغضّ منهما، وقال: قنبر خير منهما، وذكر الحسن والحسين [بما هو أهله [١]]، فأمر الأتراك فديس بطنه، فحمل وقيّد، فعاش يوما، أو بعض يوم. وقيل إنه حمل ميّتا فى بساط، ووجّه إلى منزله، ووجّه المتوكّل إلى ابنه عشرة آلاف درهم، ولم يكن يعقوب بلغ ثمانين سنة [٢].

стр. 1262

وقال عبد الله بن عبد العزيز بن القاسم: نهيت يعقوب بن السّكيت حين شاورنى فيما دعاه المتوكل من منادمته، فلم يقبل قولى، فلمّا عرض له ما عرض قلت فيه: نهيت أبا يعقوب عن قرب شادن ... إذا ما سطا أربى على أم قشعم فذق واحس ما استحسيته لا أقول إذ ... عثرت لعا، بلّ لليدين وللفم [١]. قال ابن النحاس: كان أول الكلام مزاحا. وكان ابن السكيت يتشيّع. وقال أبو العباس ثعلب: كان سبب قعود يعقوب بن السكيت للناس وقصدهم إيّاه، أنه عمل شعر أبى النّجم العجلىّ وجوّده، فقلت: ادفعه إلىّ لأنسخه، فقال: يا أبا العباس، بالطلاق إنه لا يخرج من يدى، ولكنه بين يديك فانسخه، فاحضر [٢] يوم الخميس. فلمّا وصلت عرف، فحضر بحضورى قوم، ثم انتشر ذلك فحضر الناس. وذكر ابن الفرات [٣] المصرى أنه توفى سنة أربع وأربعين ومائتين.

стр. 1263

وكان أبو العباس ثعلب يقول: كان يعقوب بن السكيت متصرّفا في أنواع العلوم، وكان أبوه رجلا صالحا، وكان من أصحاب الكسائىّ، حسن المعرفة بالعربيّة، وكان يكنّى بأبى يوسف، من علماء بغداد؛ ممّن أخذ عن الكوفيّين، وكان مؤدّبا لولد المتوكّل، وكان عالما بنحو الكوفيين وعلم القرآن والشّعر، وقد لقى فصحاء الأعراب، وأخذ عنهم، وحكى في كتبه ما سمعه منهم، وله حظّ فى السّنن والدّين. ويقال: إنّ المتوكل ناله بشىء [١] حتى مات في سنة ستّ وأربعين ومائتين، وخلّف ولدا اسمه يوسف، نادم المعتضد وخصّ به. وليعقوب بن السكيت من التّصانيف: كتاب «الألفاظ» [٢]. كتاب «إصلاح المنطق [٣]». كتاب «الزّبرج». كتاب «البحث». كتاب «المقصور والممدود». كتاب «المذكّر والمؤنث». كتاب «الأجناس» كبير. كتاب «الفرق». كتاب «السّرج واللجام». كتاب «فعل وأفعل». كتاب «الحشرات». كتاب «الأصوات». كتاب «الأضداد [٤]». كتاب «الشّجر والنّبات». كتاب «الوحوش». كتاب «الإبل». كتاب «النّوادر».

стр. 1264

كتاب «معانى الشعر الكبير». كتاب «معانى الشعر الصّغير». كتاب «سرقات الشعراء وما اتفّقوا عليه». كتاب «ما جاء في الشّعر وما حرّف عن جهته». كتاب «القلب والإبدال [١]». قال أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحرانىّ اللّغوىّ، صاحب يعقوب- وقد كان لازمه للأخذ عنه أحدا وعشرين عاما: قتل المتوكّل يعقوب بن السّكيت، وذلك أنّه أمره أن يشتم رجلا من قريش، وأن ينال منه فلم يفعل، فأمر القرشىّ أن ينال منه فنال منه، فأجابه يعقوب بن السكيت، فلمّا أن أجابه قال المتوكل: أمرتك أن تفعل فلم تفعل. فلمّا شتمك فعلت! فأمر به فضرب، حمل من عنده صريعا مقتولا، ووجّه المتوكل من الغد إلى ابن يعقوب بن السكيت عشرة آلاف درهم ديته. وقال أبو عبد الله المرزبانىّ: ابن السكيت اسمه يعقوب بن إسحاق، ويكنى أبا يوسف، وكان عالما بالنّحو، نحو الكوفيين وعلم القرآن واللّغة والشعر، رواية؛ ثقة، لا حظّ له من السّنن والدّين [٢]. وقال أحمد بن يحيى النحوىّ: أجمع أصحابنا أنه لم يكن بعد ابن الأعرابىّ أحد أعلم باللّغة من ابن السكيت، وكان المتوكل قد ألزمه تأديب ولده المعتزّ بالله، فلمّا جلس عنده قال: بأىّ شىء يحبّ أن يبدأ الأمير؟ - يريد من العلوم- فقال له: بالانصراف. قال: فأقوم؟ قال: أنا أخفّ نهوضا منك، وقام

стр. 1265

المعتزّ واستعجل، فعثر بسراويله وسقط، والتفت إلى ابن السكيت كالخجل فاحمرّ وجهه، فأنشد ابن السكيت: يصاب الفتى من عثرة بلسانه ... وليس يصاب المرء من عثرة الرّجل [١]. فعثرته في القول تذهب رأسه ... وعثرته في الرّجل تبرأ في مهل فلمّا كان من غد دخل ابن السّكيت على المتوكّل، فأخبره، فأمر له بخمسين ألف درهم، وقال: قد بلغنى البيتان. ومن [٢] شعر ابن السكيت ﵀ ورضى عنه، وهو مما تثق النفس [٢] به: إذا اشتملت على اليأس القلوب ... وضاق لما به الصّدر الرّحيب وأوطنت المكاره [٣] واستقرّت ... وأرست في أماكنها الخطوب ولم تر لانكشاف الضّرّ وجها ... ولا أغنى بحيلته الأريب أتاك على قنوط منك غوث ... يمنّ به اللّطيف المستجيب وكلّ الحادثات إذا تناهت ... فموصول بها فزج قريب ٨٢٧ - يعقوب بن علىّ الزّبيدىّ الصّقلّىّ اللغوىّ «١» من أهل صقّلّيّة [٤] المقيمين بها، من أئمة اللّغويين والعلماء المدرسين، كان حافظا لأشعار العرب ومعانيها، شارحا لغريبها ومبانيها، فمن شعره قوله يمدح الأمير عزّ الدولة الحسن بن ثقة الدّولة الكلبىّ، من قصيدة أولها:

стр. 1266

أناملها سلّمت أم عنم ... غداة وقفنا بوادى سلم وهذا الّذى لائح مبسم ... أم البرق من ثغرها يبتسم رمتنى سلمى بهجرانها ... فهل لى منها وصال أمم خليلىّ إن متّ من أجلها ... سيحدث بعدى لسلمى ندم وما غرّنى غير قولى لها: ... أتحيى قتيلا؟ فقالت: نعم فما أتبعت قولها نائلا ... ولا أذهبت لا عجا من سقم ٨٢٨ - يعقوب بن نصر الدّارقزّى «١» ودار القزّ التى ينسب إليها محلّة [١] معروفة بظاهر بغداد. كان يعلّم العربيّة والفقه، ورحل إلى سنجار [٢] واستوطنها، وأفاد بها، وكان خبيرا بالشعر وأنواعه، يحفظ منه الكثير ويقوله، فمن شعره يخاطب علىّ بن الحسين بن علىّ بن دبابا [٣] السّنجارىّ، وقد رآه يندب الطلول ويصفها، ويبكى أهلها، فقال له: خلّ نعت الطلول يا بن الحسين ... ما تفيد الآثار من بعد عين! أنزاعا إلى الطلول وقد ... أقلع عنها الخليط إقلاع بين لا تقف بالطلول ليست بها سعدى ولا تبكها بأجفان عين

стр. 1267

رحل عن سنجار إلى ميّافارقين [١]، ومات بها في سنة سبع وعشرين وستمّائة، وبلغ من العمر قريبا من أربعين سنة، وأبيعت [٢] تركته بيد نوّاب المواريث في ربيع الأوّل سنة ثمان وعشرين وستمائة بميّافارقين. ٨٢٩ - يوسف بن سليمان بن عيسى النحوىّ «١» يعرف بالأعلم [٣]، من أهل شنتمريّة [٤] الغرب، يكنى أبا الحجّاج، رحل إلى قرطبة سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، وأقام بها مدّة، وأخذ عن ابن الإفليلىّ وطبقته. وكان عالما باللّغة والعربية، ومعانى الأشعار، حافظا بجميعها، كثير العناية بها، حسن الضبط لها، مشهورا بمعرفتها وإتقانها.

стр. 1268

أخذ الناس عنه كثيرا، وكانت الرّحلة في وقته إليه، وصنّف «شرحا للجمل [١]»، وعاون [٢] ابن الإفليلى في «شرح ديوان المتنبى [٣]» و «شرح أبيات الجمل [٤]» شرحا مفردا [٥].

стр. 1269

وكفّ بصره في آخر عمره. وتوفّى بالأندلس سنة ست وسبعين وأربعمائة [١] بمدينة إشبيليّة. وكان مولده سنة عشر وأربعمائة. ٨٣٠ - يوسف بن الحسن بن عبد الله السّيرافىّ النحوىّ اللغوىّ الأخبارىّ، أبو محمد «١» الفاضل ابن الفاضل. كان عالما بعلم النحو، وتصدّر في مجلس أبيه بعد موته، وخلفه على ما كان فيه، وقد كان يفيد الطلبة في حياة أبيه [٢]، رحمها الله، وأكمل كتاب أبيه في النحو، الّذى سمّاه «الإقناع» وهو كتاب جليل نافع في بابه، صنّفه أبو سعيد ﵀، وقد استقرّت عنده القواعد النّحوية بتصنيفه كتاب «شرح سيبويه» وظهر له بالاطّلاع [٣] والبحث حالة [٤] التّصنيف ما لم يظهر لغيره ممن يعانى هذا الشأن، وصنّف بعد ذلك «الإقناع» فكان [٥] ثمرة [٦] ما استفاده [٧] حالة البحث

стр. 1270

والتصنيف. ومات قبل إتمامه، فكلّمه يوسف ولده. وإذا نظره المصنف لم يربين اللّفظين والقصدين كثير تفاوت [١]. وصنّف يوسف عدّة كتب في شرح أبيات استشهادات كتب مشهورة، مثل «شرح أبيات [٢] كتاب سيبويه» وهو غاية في بابه وبسطه، و «شرح أبيات إصلاح المنطق [٣]»، ورأيت «شرح أبيات المجاز لأبى عبيدة»، و «أبيات معانى الزّجّاج»، وذكر أنه من شرحه، وسمعت أنه شرح «أبيات غريب المصنّف» إلى غير ذلك، ولم يعمّر بعد أبيه. وقد كانت كتب اللغة تقرأ عليه مرّة رواية، ومرّة دراية، وقد رأيت خطه على ما قرئ عليه من كتاب «البارع» للمفضّل بن سلمة، وهو كتاب كبير فى عدة مجلّدات، هذّب به كتاب «العين» للخليل بن أحمد، وأضاف إليه من اللغة ما أمكنه، وحصلت لى منه عدّة مجلدات، عليها خط يوسف بن أبى سعيد ﵀.

стр. 1271

ورأيت [١] فى كتاب هلال [٢] بن المحسّن الكاتب [١]: فى ليلة يوم الأربعاء لثلاث بقين من شهر ربيع الأوّل سنة خمس وثمانين وثلاثمائة: توفىّ [٣] أبو محمد يوسف بن أبى سعيد الحسن بن عبد الله السّيرافىّ عن خمس وخمسين سنة وشهور، ودفن من غده، وصلّى عليه أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمىّ. وكان أمرأ ديّنا صالحا ورعا متقشّفا، وله تقدّم في علم اللغة والعربيّة، وبضاعه قوية في العلوم الباقية. قال العبدىّ أبو طالب [٤] أحمد بن بكر النحوىّ: تكلمت مع يوسف بن أبى سعيد السّيرافى في تاء «تفعلين»، فقال: هى علامة التأنيث، والفاعل مضمر، فقلت: لو كانت بمنزلة التاء في «ضربت» علامة التأنيث فقط، لثبتت مع ضمير الاثنين إذا قلت: أنتما تضربان، كما تقول: «ضربتا» فلمّا حذفت مع ضمير الاثنين، علم أن فيها- مع دلالاتها على التأنيث- معنى الفاعل، فلمّا صار للاثنين [٥]. بطل ضمير الواحد الّذى هو الياء، وجاءت الألف وحدها، فقال: هذا زبيل [٦]. الحوائج لذا ولذا. وانقطع الوقت [٧] من ابن شيخنا في قلّة تصرّفه [٨].

стр. 1272

٨٣١ - يوسف بن أحمد، أبو يعقوب النحوى الدباغ الصقلى «١» مقيم بجزيرة صقليّة، حافظ لكتب المتقدّمين، ومنبّه لأسرار المؤلفين، وممّن تقدم في زمانه، على أشكاله وأقرانه. وله مع ذلك شعر صالح، وأكثره في مسائل النحويّين. فمن ذلك قوله: إنّ هند المليحة الحسناء ... وأى من أضمرت لو أى وفاء [١]. درّة في هراكل البحر تحمى ... بصموت سوّارة صماء [٢]. فأثيبى فتى معنىّ بسعدى ... وسليمى وأختها أسماء فعسى أن يكون يحسن من قد ... كان من قبل ذا إلينا أساء قوله: «إن» هو أمر من وأى يئى، إذا وعد. فالنون الثقيلة، كأنه قال: «عدى يا هند المليحة»، ونصب «الحسناء» بإضمار أعنى، و «وأى» نصب على المصدر، أى عدى وعد من ينوى الوفاء. وقوله: إن كنت تحسب أنّ الشعر مكرمة ... بها ينال المساعى من له خطر فانظر إلى العلماء ثم قس بهم ... يبد القياس لك المطلوب والنّظر هل يستوى عند ذى لبّ له نظر ... إحدى الفريقين أم هل يستوى الخبر فاصبر على الدّرس أيّام الشباب ولا ... يذهب بك الوعد حتى ينفذ العمر كم أدرك الناشئ الصبّار بغيته ... ودافع الشيخ عما يبتغى الكبر

стр. 1273

٨٣٢ - يوسف بن خيرون النحوىّ الأديب الأندلسىّ «١» نحوىّ مشهور مذكور بقطره، روى وروى عنه، وتصدّر هناك للإفادة. وروى عن أحمد بن أبان بن سيّد اللغوىّ [١]، وروى عنه الفقيه [أبو [٢]] محمد غانم ابن الوليد بن عمر بن عبد الرحمن المخزومىّ النحوىّ المالقىّ. ذكر [٣] ذلك أبو الحسن علىّ بن أحمد الجزيرىّ [٣]، وقال: إن غانما حدّثه عنه. ٨٣٣ - يوسف بن الحسن بن يوسف بن محمد ابن إبراهيم بن إسماعيل الخارزنجىّ «٢» الأديب البارع الشاعر. له فضل ونبل وتقدّم وإفادة لهذا الشأن. وصنّف فى ذلك، وكان مولده بقرية خارزنج [٤] من ناحية بشت [٥]، وله سلف بها صالحون وعلماء. [مولده [٦]] سنة خمس وأربعين وأربعمائة. ودخل نيسابور في طلب العلم، واستفاد، ورحل إلى مرو واستفاد بها.

стр. 1274

٨٣٤ - يوسف بن خرّزاذ النّجيرمىّ اللغوىّ «١» نزيل مصر أبو يعقوب. وبنو خرّزاذ النّجيرميّون ناقلة عن البصرة إلى مصر، وارتزاقهم بمصر من التّجارة في الخشب، وما منهم إلّا لغوىّ فاضل كامل، ويوسف أمثلهم، وله خطّ ليس بالجيّد في الصورة وهو في غاية الصّحة، وكذلك خطوط الجماعة قريبة منه. وللمصريين تنافس في خطّه إذا وقع، ولقد رأيت بخطه نسخة من «ديوان جرير»، وقد أبيعت بعشرة دنانير، ورأيت «طبقات الشعراء» لابن سلّام الجمحىّ، وقد أبيعت بقريب من ذلك.

стр. 1275

وكنت أحضر حلق الكتب عند بيعها، فإذا قال المنادى: كتاب كذا بخطّ النّجيرمىّ رفعت نحوه الأعناق. وأكثر ما تروى الكتب القديمة في اللغة والأشعار العربية المعروفة وأيام العرب في مصر من طريقه. والنّجيرم الّتى ينتسبون إليها هى قرية في برّ البصرة على طريق فارس عند سيراف. وكان ابن بركات السعيدىّ النحوىّ اللغوىّ المصرىّ [١] قد أخذ اللغة عن أصحاب يوسف بن خرزاذ، وقال: أدركت يوسف وأنا صبىّ، فلم اهتد للأخذ عنه لصبوتى، ولقد رأيته ماشيا في طريق القرافة، وهو شيخ أسمر كبير اللّحية، مدوّر العمامة، وبيده كتاب وهو يطالع فيه في مشيه. وهذا القول فيه نظر، وربّما يكون الذى رآه هو ولد يوسف، فإن الشيخ الصالح أبا إسحاق الحبّال المصرىّ [٢]، ذكر أن أبا يعقوب بن خرّزواذ النّجيرمىّ اللغوى توفّى يوم الثلاثاء الرابع من المحرّم سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة [٣]. ﵀ ورضى عنه. ٨٣٥ - يونس بن أحمد بن إبراهيم الوافراوندىّ النحوىّ «١» عالم متصدّر للإفادة، مصنّف، فمن تصنيفه كتاب «الكافى» فى علل النحو. كتاب «الكافى» فى علم العروص.

стр. 1276

٧٣٦ - يونس بن حبيب أبو عبد الرحمن الضبى النحوىّ «١» مولى لهم، وكان من أهل جبّل [١]. أخذ عن أبى عمرو [٢] وحمّاد بن سلمة [٣]، وكان النّحو أغلب عليه، ودخل المسجد يوما وهو يهادى [٤] بين اثنين من الكبر، فقال له رجل كان يتّهمه على مودته: بلغت ما أرى [٥] يا أبا عبد الرحمن، قال: هو الذى ترى فلا بلّغته. وقال أبو الخطاب زياد [٦] بن يحيى: مثل يونس كمثل كوز ضيّق الرأس، لا يدخله شىء إلا بعسر، فإذا دخله لم يخرج منه- يعنى لا ينسى. وقال أبو عبيدة: لم يكن عنده- يعنى يونس- علم إلا ما رآه بعينه [٧]. وقال أبو زيد النحوىّ: ما رأيت أبذل لعلم من يونس [٨].

стр. 1277

وقال أبو عبيدة، عن يونس، قال: كنت عند أبى عمرو [بن العلاء [١]] فجاءه شبيل بن عزرة الضّبعىّ [٢]، فقام إليه وألقى له لبد بغلته، فجلس عليه، ثم أقبل عليه يحدّثه، فقال شبيل: يا أبا عمرو، سألت رؤيبتكم عن اشتقاق اسمه فما عرفه- يعنى رؤبة- قال يونس: فلم أملك نفسى عند ذكره، فرجعت إليه، ثم قلت له: لعللّك تظنّ أن معدّ بن عدنان أفصح منه [٣] ومن أبيه، أفتعرف أنت ما الرّوبة، والرّوبة، والرّوبة، والرّوبة والرّؤبة، فأنا غلام رؤبة، فلم يحر جوابا، وقام مغضبا فأقبل علىّ أبو عمرو، وقال: هذا رجل شريف يقصد مجالسنا، ويقضى حقوقنا، وقد أسأت فيما فعلت ممّا واجهته [٤] به. فقلت له: لم أملك نفسى عند ذكر رؤبة، فقال أبو عمرو: أو سلّطت على تقويم الناس! ثم فسّر لنا يونس فقال: الرّوبة خميرة اللبن، والرّوبة قطعة من اللّيل، وفلان لا يقوم بروبة أهله، أى بما أسندوا إليه من أمورهم، والرّوبة جمام ماد الفحل، والرؤبة (مهموز): القطعة التى يشعب بها الإناء [٥]. وقال ابن سلّام: قلت ليونس: تجيز: إياك زيدا؟ فقال: قد أجاز ابن أبى إسحاق للفضل [٦] بن عبد الرحمن [فى قوله]:

стр. 1278

إيّاك إيّاك المراء فإنّه ... إلى الشرّ دعّاء وللشّرّ جالب [١]. وذكر ابن سلّام محمد أنه كان يشرب المطبوخ. وتوفّى سنة اثنتين وثمانين ومائة، ما بين السبعين والثمانين وفي بعض الروايات أنه جاوز المائة. وجرى القدر في مجلسه فقال: لا فكر لى فيه. قال المبرّد محمد بن يزيد: يونس بن حبيب بن عبد الرحمن، أراه مولى بنى ليث. وقال الأصمعىّ: كان أصل يونس من جبّل، فلقيه رجل من ولد أبى عمير، فقال: يا أبا عبد الرحمن، ما تقول في جبّل، أينصرف؟ فافترى [٢] عليه، والتفت العميرىّ، فلم ير أحدا يشهده عليه، فتركه حتى إذا كان من الغد، وجلس يونس للناس أتاه العميرىّ، فقال: يا أبا عبد الرحمن، ما تقول في جبّل، أينصرف؟ قال يونس: الجواب ما قلته لك أمس. وكان يونس بارعا في النحو، وقد سمع من العرب كما سمع من قبله، وروى عنه سيبويه وأكثر، وله قياس في النحو ومذاهب ينفرد بها، وقد سمع منه الكسائىّ والفرّاء، وكان من الطبقة الخامسة [٣]، وكانت حلقته بالبصرة ينتابها الأدباء، وفصحاء الأعراب والبادية. قال أبو عبيدة: اختلفت إلى يونس أربعين سنة، أملأ كلّ يوم ألواحى من حفظه.

стр. 1279

وقال أبو زيد النّحوىّ: جلست إلى يونس بن حبيب عشر سنين، وجلس إليه قبلى خلف الأحمر عشرين سنة. وقال يونس: قال رؤبة بن العجاج: حتّام تسألنى عن هذه البواطل وأزخرفها لك! أما ترى الشّيب قد بلغ في لحيتك! وقال أبو عبيدة: كنت في حلقة يونس، فجاء أعرابىّ، فوقف علينا، فقال: من ينصرنى نصره الله. فقال يونس: أتتكم [١] والله من قرب، من يرزقنى رزقه الله قال الله : (مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ) [٢]، أى يرزقه الله. وقال محمد بن إسحاق النّديم: قرأت بخطّ أبى عبد الله بن مقلة: قال أبو العباس ثعلب: جاوز يونس المائة، وقد تفرّغ من الكبر، ومات في سنة ثلاث وثمانين ومائة. ومن خط إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ: عاش يونس ثمانيا وثمانين سنة لم ينزوّج ولم يتسّر، ولم تكن له همة إلا طلب [٣] العلم ومحادثة الرجال. وله من الكتب التى صنّفها: كتاب «معانى القرآن». كتاب «اللّغات». [كتاب «النوادر» الكبير [٤]]. كتاب «الأمثال». كتاب «النّوادر» الصغير [٥].

стр. 1280

وقال محمد بن سلّام: قدم الكسائىّ البصرة على الرّشيد، فجلس إلى يونس فى حلقته، فألقى عليه بعض من حضر في المجلس بيت الفرزدق: غداة أحلّت لابن أصرم طعنة ... حصين عبيطات السّدائف والخمر [١]. وأنشده هكذا، فقيل للكسائىّ: على أى شىء رفعت «الخمر»؟ فقال: أضمرت فعلا، كأنه: «وحلّت له الخمر»، فقال يونس: ما أحسن والله ما وجّهته. غير أنى سمعت الفرزدق ينشد: غداة أحلّت لابن أصرم ضربة ... حصين عبيطات السّدائف والخمر [١]. جعل الفاعل مفعولا، كما قال الحطيئة: فلما خشيت الهون والعير ممسك ... على رغمه ما أمسك الحبل حافره [٢]. والقصيدة على الرفع، جعل الفاعل مفعولا، فقال الكسائىّ: هذا على هذا وجه.

стр. 1281

٨٣٧ - اليمان بن أبى اليمان البندنيجىّ أبو بشر الضرير الأديب الفاضل الشاعر اللغوىّ «١» كان عارفا باللّغة. لقى علماء الكوفيين والبصريين، وخلط المذهبين، ولقى ابن السّكّيت، وله أخبار مصنّفة، رأيتها بخط الخزاز، وقد استوفى ذكره فيها، سأنقل منها شيئا إلى هاهنا، إذا وقعت في يدى بمشيئة الله تعالى. وكان شاعرا يرتزق بالشعر [١]، وله من الكتب كتاب «التقفية». كتاب «معانى الشعر». كتاب «العروض». ٨٣٨ - يزيد بن الحر، أبو زياد الطائىّ- ويقال: الكلابىّ «٢» أعرابىّ قدم بغداد أيّام المهدىّ حين أصابت الناس المجاعة، فأقام ببغداد أربعين سنة، ومات بها. وله شعر كثير، وعلّق الناس عنه أشياء كثيرة من اللّغة، وشواهد العربية، ونوادره [٢] خير ما صنّف في نوادر الأعراب.

стр. 1282

٨٣٩ - يموت بن المزرّع، ابو بكر «١» كان يسكن بالبصرة في رحبة الزّبيرىّ [١]، ولقى أبا حاتم والرّياشىّ وعبد الرحمن ابن أخى الأصمعىّ، ورفيع [٢] بن سلمة. وأخذ عن عمرو بن بحر الجاحظ. ودخل مصر، وروى عنه أهلها أمالى له، ثمّ نزل طبريّة من أرض الشام، وروى بها الكثير، واستوطنها إلى أن مات ﵀ [٣]. ٨٤٠ - ياقوت بن عبد الله الحموىّ «٢» مولى، الرّومى نسبا. كان ﵀ وعفا عنه رومىّ الجنس، أسر صغيرا، وابتاعه ببغداد رجل تاجر يعرف بعسكر الحموىّ [٤]، وجعله في الكتاب لينتفع به

стр. 1283

في ضبط تجائره، وكان عسكر هذا لا يحسن الخطّ، ولا يعلم شيئا غير التجارة، وقد سكن بغداد وقطنها، وتزوّج بها إحدى بنات رئيس من الرؤساء، وولد أولادا، هم موجودون الآن ببغداد. ولمّا كبر ياقوت هذا، قرأ شيئا يسيرا من النّحو واللغة، وشغله مولاه بالأسفار في متاجره، فكان يتكرّر إلى كيش [١] والشّام، ثم جرت بينهما نبوة اقتضتها الحال، فعتقه وأبعده عنه [٢]، فاشتغل بالنّسخ بالأجرة، وحصّل بالمطالعة فوائد اقتضاها فهمه، على عسر كان في فهمه، ومكابرة كانت في خلقه. ثم إنّ سيّده بعد مدّة مديدة ألوى عليه [٣]، وسفّره إلى كيش، ولمّا عاد كان سيّده قد مات فحصّل شيئا مما كان في يده، وأعطى أولاد مولاه وزوجته شيئا راضاهم عليه، وجعل مما حصّل له رأس مال كان يسافر به إلى الشام، وربّما جعل بعض تجارته كتبا، وكان ذلك سبب اجتماعى به، فإنّه قصدنى بالكتب إلى حلب لمّا شاع غرامى بها بين المتّجرين فيها، فكان اجتماعى به في شهور سنة تسع وستمائة، أحضره لى أبو علىّ القيلوىّ [٤] بحلب، ورأيت ما جلبه من الكتب على قلّتها، فلم يكن فيها ما أرغب إليه سوى كتابين ابتعتهما منه. وتأمّلته في منظره ومخبره، فتوسّمت

стр. 1284

فيه أمورا لم يخلّ حدسى فيها، وعلمت أنّه لا يصلح للعشرة. وسافر عن حلب، وعاد إليها دفعة أخرى في شهور سنة ثلاث عشرة وستمائة، وأحضر معه كتبا ذكر أنها وديعة لغيره، كان في بعضها الجيّد، وتوجّه إلى دمشق. وكان شديد الانحراف عن علىّ بن أبى طالب ﵇، يرتكب في أمره ما لا يرتكبه أحد من مصنّفي الفرق، حتى كأنّه قد طالع شيئا من مذهب الخوارج، فاشتبك في رأسه منه ما لم يزل، ولمّا دخل دمشق قعد في بعض أسواقها يناظر بعض من يتعصّب لعلىّ بن أبى طالب ﵇، وجرى بينهما كلام [١] أدّى إلى ذكره عليّا بما لم يسغ، جاريا على عادته في ذلك؛ فثار النّاس عليه ثورة كادوا أن يقتلوه لما سمعوه منه، وقدّر الله له السّلامة، فخرج عن دمشق منهزما، بعد طلب واليها المعتمد الموصلىّ. وجاء إلى حلب خائفا يترقّب، وخرج عن حلب في العشر الأوّل أو [٢] الثانى من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وستمائة، ووصل إلى الموصل متخفّيا من قوله، وتوجّه إلى إربل [٣]، وسلك منها إلى بلاد خراسان، وتحامى دخول بغداد، لأنّ المناظر له كان بغداديّا، وخشى أن ينقل قوله فيطيح دمه، وأقام بخراسان يتّجر في بلادها. واستوطن مرو مدّة، وخرج عنها إلى نسا،

стр. 1285

وسلك إلى خوارزم في جيحون، وصادفه وهو في خوارزم خروج التّتر [١]، فانهزم بنفسه، كبعثه يوم الحشر من رمسه، وقاسى من القلة والتعب وتشعب الحال ما كان يكلّ عن وصفه، ووصل إلى الموصل، وقد تقطّعت به الأسباب، وأعوزه دنىء المآكل وخشن الثّياب، وتلزّم [٢] بالموصل مدّة، ثم رحل إلى سنجار، ومن سنجار إلى حلب [٣]. ولمّا وصل دخل علىّ في حالة يسوء منظرها، ووصف من أمره أمورا لا يسرّ مخبرها. وقال: قد ألقيت عصاى ببابك، وخيّم أملى بجانب جنابك، فقلت في جوابه: أقاسمك العيش، وسألت الله أن يرزقنى الثبات على خلقه لا الطّيش، فإنّ أخلاقه خلقة، ومخاريقه منخرقة، ولا أقع من دينه من حيث القاذورات، وإنما من حيث تصرّفه الموجب له التفرّق والشّتات، فأقام مشاركا [فى] [٤] المعلوم، باذلا له كتب العلوم، فلفّق منها مجموعات لم يكّملها، ونسخ وباع في عدّة سنين أقامها عندى، محمول الكلفة، بحكمة اقتضاها حاله، وسافر ببضاعة من الخام إلى مصر، فأربحته ربحا قريبا، وعاد بمعمول مصر، فأربح فيه، وأقام بالخان ظاهر حلب، فمرض ومات به في العشرين من شهر رمضان سنة ست وعشرين وستمائة ﵀.

стр. 1286

وقبل موته أوصى بأوراقه ومجموعاته إلى العزّ ابن الأثير الموصلىّ [١]، وكان مقيما بحلب، وعهد إليه أن يسيّرها إلى وقف الزيدىّ [٢] ببغداد، ويسلّمها إلى الناظر فيه الشيخ عبد العزيز بن دلف. واحتاط [٣] نواب الأيتام على ماله، إلى أن حضر ولد سيّده من بغداد، بكتاب حكمىّ وتسلّم ما خلّفه. وأما ابن الأثير فإنّه تصرف في الكتيبات التى له، والأوراق المجمّعة التى بخطّه تصّرفا غير مرضىّ ولم يوصّلها بعد أن حصل بالموصل إلى الجهة المعيّنة برسمها، بل فرّقها على جماعة، أراد انتفاعه بهم وبها عندهم، ولم ينفعه الله بشىء من ذلك، ولم يتملّ منها بأمل ولا مال، وقطع الله أجله، بعد أن قطع من الانتفاع بتفرقتها أمله، فاكتسب خزى الدّنيا وعذاب الآخرة. وبلغنى أنّ خبرها وصل إلى بغداد، وأنّهم طالبوه من هناك بتسييرها إلى محلّ وقفها، فسيّر بعضها وأعرض عن بعض، فنعوذ بالله من سوء القضاء والقدر! وقد كان عند مقامه بالموصل عائدا من بلاد العجم، كتب إلىّ رسالة يذكر فيها حاله، ويصف ضمنها اختلاله، ووجدتها عندى بخطّه، فألحقتها تلو هذه الوجهة، لينسخها من يروم نقل هذا الكتاب.

стр. 1287

وإنما حملنى على ذكره في هذا المصنّف، لأنّه لفق مما استعار منّى كتابين: أحدهما في «الردّ على ابن جنّى» عند كلامه في الهمزة والألف من كتاب «سر الصناعة» فلم يأت فيه بشى، وصنّف كتابا في «أوزان الأسماء والأفعال الحاصرة لكلام العرب»، فخلط الغثّ بالثمين، وقرن الفروع بالأصول، غير فارق في التّبيين، لقلّة أنسته بالعربيّة وأصولها، وعاتبته فيهما فما رجع، وعرّفته مواضع الخطأ ومقاصده فما ارعوى ولا سمع، وإذا عزيت بعده إليه، كانت عارا عليه. تغمدنا الله وإيّاه برحمته، وستره ووسّع على كلّ منّا عفوه، إذا حصل بمضيق قبره، إنّك جواد كريم، وموجود عظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل [١].

стр. 1288

وهذه الرسالة التى كتبها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* والحمد الله ربّ العالمين، وصلاته على نبيه [محمد] [١] وآله أجمعين. كان المملوك ياقوت بن عبد الله الحموى الأكرمىّ، قد كتب هذه الرسالة من الموصل في سنة سبع عشرة وستمائة، حين وصوله من خوارزم طريد التتر [٢]-

стр. 1289

أبادهم الله- إلى حضرة ما لك رقّه، مولانا ولىّ النّعم، الصاحب الكبير، العالم العامل، المؤيّد المظفّر، العادل العزيز، جمال الدين القاضي الأكرم أبى الحسن علىّ بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد الشّيبانىّ ثم التّيمى، تيم بنى [١] شيبان ابن ثعلبة بن عكابة، أسبغ الله [عليه] [٢] ظلّه، وأعلى في درج السيادة محلّه، وهو يومئذ وزير صاحب حلب والعواصم، شرحا لأحوال خراسان وأحواله، وإيماء إلى بدء أمره بعد ما فارقه ومآله، وأحجم عن عرضها على رأيه الشريف إعظاما وتهيّبا، وفرارا من قصورها عن طوله وتجنّبا؛ إلى أن وقف عليها جماعة من منتحلى صناعة النّظم والنثر، فوجدهم مسارعين إلى كتبها، متهافتين على نقلها، وما يشكّ أن محاسن مالك [٣] الرّق حلّتها، وفي أعلى درج الإحسان أحلّتها، فشجّعه ذلك على عرضها على مالك الرّق وللآراء علوّها في تصفّحها، والصفح عن زللها، فليس كلّ من لمس درهما صيرفيّا، ولا كلّ من اقتنى درّا جوهريا، وهاهى ذى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* أدام الله على العلم وأهليه، والإسلام وبنيه، ما سوّغهم وحباهم، ومنحهم وأعطاهم، من سبوغ ظلّ مولانا مالك [٤] الرّق، ولىّ النعم، الوزير الصاحب الكبير، العالم العادل، المؤيّد المظفّر، المنصور جمال الدّنيا والدّين، عزّ الإسلام والمسلمين. سيّد العلماء، مالك الفضلاء، ناصر الأمّة، قامع البدعة، تاج الملوك والسلاطين، محيى الملّة في العالمين، مولانا الوزير الأعظم، والقاضي الأجلّ

стр. 1290

الأكرم، أعزّ الله أنصاره، وضاعف مجده واقتداره، ونصر ألويته وأعلامه، وأجرى بإجراء الأرزاق في الآفاق أقلامه، وأطال بقاه، ورفع إلى علّيّين علاه، في نعمة لا يبلى جديدها، ولا يحصى عدّها [١] ولا عديدها، ولا ينتهى إلى غاية مديدها، ولا يفلّ حدّها ولا حديدها، ولا يقلّ [٢] وادّها ولا وديدها [٣]. أدام دولته للدنيا والدين، يرمّ شعثة، ويهزم كرثه، ويرفع مناره، ويحسّن بحسن أثره آثاره، ويفتق نوره وأزهاره، وينير نوّاره، ويضاعف أنواره. وأسبغ ظلّه للعلوم وأهليها، والآداب [٤] ومنتحليها، والفضائل وحامليها، يشيّد بمشيد فضله بنيانها، ويرصّع بناصع مجده تيجانها، ويروّض بيافع علائه زمانها، ويعظّم بعلوّ همّته الشريفة بين البرية شانها، ويمكّن في أعلى درج الاستحقاق إمكانها ومكانها. ويرفع بنفاذ الأمر قدره للدّول الإسلاميّة والقواعد الدينية، يسوس قواعدها، ويعزّ ساعدها، ويهين معاندها، ويعضّد بحسن الإيالة [٥] معاضدها، وينهج بجميل القصد مقاصدها، حتى تعود بحسن تدبيره غرّة في جبهة الزمان، وسنّة يقتدى بها من طبع على العدل والإحسان، يكون له أجرها ما دار الملوان، وكرّ الجديدان، [و] [٦] ما أشرقت من المشرق شمس، وارتاحت إلى مناجاة حضرته الباهرة نفس.

стр. 1291

وبعد، فالمملوك ينهى إلى المقرّ العالى المولوىّ، والمحلّ الأكرم العلىّ، أدام الله سعادته مشرقة النّور، مبلغة السّول، واضحة الغرر بادية الحجول، ما هو مكتف بالأريحيّة المولويّة عن تبيانه، مستغن بما منحتها من صفاء الآراء عن إنضاء [١] قلمه لإيضاحه وبيانه، قد أحسبه ما وصف به ﵇ المؤمنين، «وإنّ من أمّتى لمكلّمين» [٢]، وهو شرح ما يعتقده من الولاء، ويفتخر به من التعبّد للحضرة الشريفة والاعتزاء. وقد كفته [٣] تلك الألمعيّة، عن إظهار المشتبه [٤] بالملق مما تجنّه الطويّة، لأنّ دلائل غلوّ المملوك في دين ولائه في الآفاق واضحة، وطبيعه [٥] سكة إخلاص الوداد باسمه الكريم على صفحات الدهر لائحة، وإيمانه بشرائع الفضل الّذى طبّق الآفاق حتى أصبح بها نبىّ [٦] المكارم مبين، وتلاوته لأحاديث المجد الغريبة الأسانيد بالمشاهدة لديه متين، ودعاء أهل الآفاق إلى المغالاة في الإيمان بإمامة فضله الّذى تلقّاه باليمين معروف، وتصديقه بملّة سؤدده الّذى تفرّد بالتوخّى لنظم شارده وضمّ متبدّده بعرق الجبين مألوف، حتى لقد أصبح للفضل كعبة لم يفترض حجّها على من استطاع إليها السبيل، ويقتصر بقصدها على ذوى القدرة دون المعترّ وابن السبيل، فإن لكلّ منهم حظّا يستمده، ونصيبا يستعدّ به ويعتدّه، فللعظماء الشّرف الضخم من معينه، وللعلماء اقتناء الفضائل من قطينه، وللفقراء توقيع الأمان من نوائب الدهر وغضّ جفونه، وفرضوا من مناسكه للبهجة الشريفة السلام والتبجيل، وللكفّ البسيطة الاستلام والتقبيل.

стр. 1292

وقد شهد الله تعالى للمملوك أنه في سفره وحضره، وسرّه وعلنه، وخبره ومخبره، شعاره تعطير مجالس الفضلاء ومحافل العلماء بفوائد حضرته، والفضائل المستفادة من فضلته، افتخارا بذلك بين الأنام، وتطريزا لما يأتى به في أثناء الكلام. إذا أنا شرّفت الورى بقصائدى ... على طمع شرّفت شعرى بذكره (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) [١]. لا حرمنا الله معاشر أوليائه موادّ فضائله المتتالية، ولا أخلانا كافّة عبيده من أياديه المتوالية. اللهمّ رب الأرض المدحيّة، والسّماوات العليّة، والبحار المسجّرة، والرياح المسخرة، استمع ندائى، واستجب دعائى، وبلّغنّى في معاليه ما نؤمّله ونرتجيه، بمحمد النبى وصحبه وذويه! وقد كان المملوك لمّا فارق ذلك الجناب الشّريف، وانفصل عن مقرّ العزّ اللباب والفضل المنيف، أراد استعتاب الدّهر الكالح، واستدرار خلف [٢] الزّمن الغشوم الجامح، اغترارا بأنّ في الحركة بركة، والاغتراب داعية الاكتساب، والمقام على الإقتار ذلّ وانتقام، وحلس [٣] البيت، في المحافل سكيت [٤]: وقفت وقوف الشّكّ ثم استمرّ بى ... يقينى بأنّ الموت خير من الفقر فودّعت من أهوى وبالقلب ما به ... وسرت عن الأوطان في طلب اليسر وباكية للبين قلت لها اصبرى ... فللموت خير من حياة على عسر سأكسب مالا أو أموت ببلدة ... يقلّ بها فيض الدّموع على قبرى

стр. 1293

فامتطى غارب الأمل إلى الغربة، وركب ركب التّطواف مع كلّ صحبة، قاطع الأغوار والأنجاد، حتى بلغ السدّ أوكاد، فلم يصحب له دهره الحرون [١]، ولا رقّ له زمانه المفتون. إنّ الليالى والأيام لو سئلت ... عن عيب أنفسها لم تكتم الخبرا فكأنه في جفن الدهر قذى، أو [٢] فى حلقه شجا، يدافعه بنيل الأمنيّة، حتى أسلمه إلى ربقة المنية. لا يستقرّ بأرض أو يسير إلى ... أخرى بشخص قريب عزمه ناءى [٣] يوما بحزوى، ويوما بالعقيق [٤]، ويو ... ما بالعذيب، ويوما بالخليصاء وتارة ينتحى نجدا، وآونة ... شعب الحزون، وحينا قصر تيّماء [٥] وهيهات مع حرفة الأدب، بلوغ وطر أو إدراك أرب. ومع عبوس الحظّ، ابتسام الدهر الفظّ. ولم أزل مع الزّمان في تفنيد وعتاب، حتى رضيت من الغنيمة بالإياب [٦]، والمملوك مع ذاك يدافع الأيام ويزجيها، ويعلّل العيشة ويرجّيها، متلفّعا بالقناعة

стр. 1294

والعفاف، مشتملا [١] بالنّزاهة والكفاف، غير راض بذلك السّمل [٢]، لكن مكره أخوك لا بطل [٣]، متسّليا بإخوان قد ارتضى خلائقهم، وأمن بوائقهم، عاشرهم بالألطاف، ورضى منهم بالكفاف، لا خيرهم يرتجى، ولا شرهم يتّقى. إن كان لا بدّ من أهل ومن وطن ... فحيث آمن من ألقى ويأمننى قد زمّ [٤] نفسه عن أن يستعمل طرفا [٥] طمّاحا، وأن يركب طرفا جمّاحا، أو أن يلحف بيض طمع جناحا [٧]، أو أن يستقدح زندا واريا أو شحاحا [٨]. وأدّبنى الزّمان فما أبالى ... هجرت فلا أزار ولا أزور ولست بقائل ما عشت يوما ... أسار الجند أم رحل الأمير وكان المقام بمرو الشاهجان [٩]، المفسّر عندهم بنفس السّلطان، فوجد بها من كتب العلوم والآداب، وصحائف أولى الأفهام والألباب، ما شغله عن الأهل والوطن، وألهاه [١٠] عن كلّ خلّ صفىّ وسكن؛ فظفر منها بضالّته المنشودة، وبغية نفسه

стр. 1295

المفقودة، فأقبل عليها إقبال النّهم الحريص، وقابلها بمقام لا يزمع عنها معه محيص، فجعل يرتع في حدائقها، ويستمتع بحسن خلقها وخلائفها، ويسرّح طرفه فى طرفها، ويتلذّذ بمبسوطها ونتفها، واعتقد المقام بذلك الجناب، إلى أن يجاور التّراب: إذا ما الدهر بيّتنى بجيش ... طليعته اغتمام واكتئاب [١]. شننت عليه من جهتى كمينا ... أميراه الذّبالة والكتاب وبتّ أنصّ من شيم اللّيالى ... عجائب في حقائقها ارتياب بها أجلى همومى مستريحا ... إذا جلّى همومهم الشّراب [٢]. إلى أن حدث بخراسان ما حدث من الخراب، والويل المبير والتّباب. وكانت لعمر الله بلادا مونقة الأرجاء، رائقة الأنحاء، ذات رياض أريضة [٣]، وأهوية صحيحة مريضة، قد تغنّت أطيارها، فتمايلت طرّبا أشجارها، وبكت أنهارها، فتضاحكت أزهارها، وطاب روح نسيمها، فصحّ مزاج إقليمها، فلعهدى بتلك الرّياض الأنيقة، والأشجار المتهدّلة الوريقة، وقد ساقت إليها أرواح الجنائب، زقاق خمر السّحائب، قسقت مروجها مدام الطّلّ، فنشأ عن [٤] أزهارها حباب كاللؤلؤ المنحلّ، فلما رويت من تلك الصّهباء أشجاره، رنّحها النّسيم وخماره [٥]، فتدانت ولا تدانى المحبّين، وتعانقت ولا عناق العاشقين،

стр. 1296

يلوح من خلالها شقائق قد شابها [١] اشتقاق الهواء العليل، فشابّه شفتى غادتين دنتا [٢]. للتقبيل، وربّما اشتبه على النّحرير بائتلاق الجمر، وقد انتابه رشاش من القطر، ويريك من بهار يبهر ناضره [٣]، فيرتاح [٤] إليه ناظره [٤]، كأنّه صنوج [٥] العسجد تصفّق، أو دنانير من الإبريز تبرق، ويتخلّل ذلك أقحوان [٦]، تخاله ثغرا لمعشوق إذا عضّ خدّ عاشق، فلله درّها من نزهة وامق، ولون رائق! وجملة أمرها [٧] أنّها كانت أنموذج الجنّة بلامين، فيها ما تشتهى الأنفس وتلذّ العين، قد اشتملت عليها المكارم، وارحجنّت [٨] فى أرجائها بالخيرات [٩] الفائضة للعالم، فكم كان فيها من حبر راقت حبره، ومن إمام توّجهت جباه الإسلام سيره، آثار علومهم على صفحات الدهر مكتوبة، وفضائلهم في محاسن الدنيا والدين محسوبة، وإلى كلّ قطر مجلوبة. فما من متين علم، وقويم رأى، إلّا ومن مشرقهم مطلعه، ولا من [١٠] مغرّبة فضل إلا وعندهم مغربه وإليهم منزعه، وما تشاء من كرم أخلاق بلا اختلاق إلّا وجدته فيهم، ولا إعراق [١١]. فى طيب أعراق إلا اجتنيته من معانيهم، أطفالهم رجال، وشبّانهم أبطال، ومشايخهم

стр. 1297

أبدال، شواهد مناقبهم باهرة، ودلائل مجدهم ظاهرة. ومن العجب العجاب، أن سلطانهم المالك، هان عليه ترك تلك الممالك، وقال لنفسه اله [١] وآلك، وإلا فأنت في الهوالك، وأجفل إجفال الرّال [٢]، وطفق إذا رأى غير شىء ظنه رجلا بل رجال، (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ* وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ) [٣]. لكنّه جلّ وعزّ لم يورّثها قوما آخرين، تنزيها لأولئك الأبرار عن مقام المجرمين؛ بل ابتلاهم فوجدهم شاكرين، وبلاهم فألفاهم صابرين، فألحقهم بالشّهداء الأبرار، ورفعهم إلى درجات المصطفّين الأخيار، (وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [٤]، فجاس خلال تلك الدّيار- أهل الكفر والإلحاد، وتحكّم في تلك الأبشار أولو الزّيغ والعناد، فأصبحت تلك القصور، كالمحوّ [٥] من السّطور، واضت [٦] تلك الأوطان، مأوى الصّدى [٧] والغربان، تتجاوب في نواحيها البوم، وتتناوح في أرجائها الريح السّموم، يستوحش فيها الأنيس، ويرثى لمصابها إبليس كأن لم يكن فيها أوانس كالدّمى ... وأقيال ملك في بسالتهم أسد فمن حاتم في جوده وابن مامة ... ومن أحنف إن عدّ حلم، ومن سعد! تداعى بهم صرف الزمان فأصبحوا ... لنا عبرة تدمى الحشا ولمن بعد

стр. 1298

(فإنّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ) من حادثة تقصم الظّهر، وتهدم العمر، وتفتّ فى العضد، وتوهى الجلد، وتضاعف الكمد، وتشيب الوليد، وتنخب لبّ الجليد، وتسوّد القلب، وتذهل اللّبّ، فحينئذ تقهقر المملوك على عقبيه ناكصا، ومن الأوبة إلى حيث تستقرّ فيه النفس بالأمن آيسا، بقلب واجب [١]، ودمع ساكب، ولبّ عازب، وحلم غائب، وتوصّل [٢]، وما كاد حتّى استقرّ بالموصل، بعد مقاساة أخطار، وابتلاء واصطبار، وتمحيص الأوزار، وإشراف غير مرة على البوار والتّبار. لأنّه مرّبين سيوف مسلولة، وعساكر مغلولة، ونظم [٣] محلولة. ودماء مسكوبة مطلولة [٤]، وكان شعاره كلّما علا قتبا، أو قطع سبسبا: (لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً) [٥]. فالحمد لله الّذى أقدرنا على الحمد، وأولانا نعماء تفوت الحصر والعدّ. وجملة الأمر [أنه [٦]] لولا فسحة في الأجل، لعزّ أن يقال: سلم من البأس أوصل، ولصفّق عليه أهل الوداد صفقة المغبون، وألحق بألف ألف ألف ألف ألف هالك بأيدى الكفار أو يزيدون، وخلّف خلفه جلّ ذخيرته، ومستمدّ [٧] معيشته. تنكّر لى دهرى ولم يدر أنّنى ... أعزّ وأحداث الزمان تهون وبات يرينى الخطب كيف اعتداؤه ... وبتّ أريه الصّبر كيف يكون

стр. 1299

وبعد؛ فليس للملوك ما يسلّى به خاطره، ويعزّى به قلبه وناظره، إلّا التّعليل بإزاحة العلل، إذا هو بالحضرة الشريفة مثل. فاسلم ودم وتملّ العيش في دعة ... ففى بقائك ما يسلى عن السّلف [١]. فأنت للمجد روح، والورى جسد ... وأنت درّ فلا نأسى على الصّدف والمملوك الآن بالموصل مقيم، يعالج ممّا حزبه [٢] من هذا الأمر المقعد المقيم، يزجى وقته، ويمارس حرفته [٣] وبخته، تكاد تقول له باللسان القويم: (تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ) [٤] يذيب نفسه في تحصيل أغراض، هى لعمر الله أعراض، من صحف يكتبها، وأوراق يستصحبها، نصبه فيها طويل، واستماعه بها قليل، ثمّ الرحيل. وقد عزم بعد قضاء نهمته [٥]، وبلوغ بعض وطر قرونته [٦]، أن يستمدّ التوفيق، ويركب سنن الطريق، عساه يبلغ أمنيّته من المثول بالحضرة، وإتحاف بصره من خلالها ولو بنظرة، ويلقى عصا التّرحال بفنائها الفسيح، ويقيم تحت ظلّ كنفها إلى أن يصادفه الأجل المريح، وينظم نفسه في سلك مماليكها بحضرتها، كما ينتمى إليها في غيبتها، إن مدّت السعادة بضبعه، وسمح له الدّهر بعد الخفض برفعه، فقد ضعفت قواه عن درك الآمال، وعجز عن معاركة الزّمان والنزّال، إذ ضمّت البسيطة إخوانه، وحجب الجديدان أقرانه، ونزل المشيب بعذاره،

стр. 1300

وضعفت منه أوطاره [١]، وانقضّ باز الشّيب على غراب شبابه فقنصه، وأكبّ نهار الحلم على ليل الجهل فوقصه، وتبدّلت محاسنه عند أحبابه مساوئ وخصصة، واستعاض من حلّة الشّباب القشيب، خلق الكبر والمشيب. وشباب بان منّى وانقضى ... قبل أن أقضى منه أربى وما أرجّى بعده الّا الفنا ... ضيّق الشيب على مطّلبى وقد ندب المملوك أيام الشباب بهذه الأبيات، وما أقلّ غناء الباكى على من عدّ فى الرّفات! تنكّر لى مذ شبت دهرى وأصبحت ... معارفه عندى من النّكرات إذا ذكرتها النّفس حنّت صبابة ... وجادت شئون العين بالعبرات إلى أن أتى دهر يحسّن ما مضى ... ويوسعنى تذكاره حسرات فكيف ولمّا يبق من كأس مشربى ... سوى جرع في قعره كدرات وكلّ أناء صفوه في ابتدائه ... وفي القعر مزجى حمأة وقذاة [٢]. والمملوك يتيّقن أنه لا ينفق هذا الهذر [٣] الّذى مضى؛ إلا النّظر إليه بعين الرّضا، ولرأى مولانا الوزير الصاحب، كهف الورى بمشارق ومغارب [٤]، فيما يلاحظه منه بعادة مجده منه مزيد مناقب ومراتب، والسّلام. وصلى الله على سيدنا محمد وآله خير الأنام وشرّف وكرّم.
следующие страницы →