يلوح من خلالها شقائق قد شابها [١] اشتقاق الهواء العليل، فشابّه شفتى غادتين دنتا [٢].
للتقبيل، وربّما اشتبه على النّحرير بائتلاق الجمر، وقد انتابه رشاش من القطر، ويريك من بهار يبهر ناضره [٣]، فيرتاح [٤] إليه ناظره [٤]، كأنّه صنوج [٥] العسجد تصفّق، أو دنانير من الإبريز تبرق، ويتخلّل ذلك أقحوان [٦]، تخاله ثغرا لمعشوق إذا عضّ خدّ عاشق، فلله درّها من نزهة وامق، ولون رائق! وجملة أمرها [٧] أنّها كانت أنموذج الجنّة بلامين، فيها ما تشتهى الأنفس وتلذّ العين، قد اشتملت عليها المكارم، وارحجنّت [٨] فى أرجائها بالخيرات [٩] الفائضة للعالم، فكم كان فيها من حبر راقت حبره، ومن إمام توّجهت جباه الإسلام سيره، آثار علومهم على صفحات الدهر مكتوبة، وفضائلهم في محاسن الدنيا والدين محسوبة، وإلى كلّ قطر مجلوبة. فما من متين علم، وقويم رأى، إلّا ومن مشرقهم مطلعه، ولا من [١٠] مغرّبة فضل إلا وعندهم مغربه وإليهم منزعه، وما تشاء من كرم أخلاق بلا اختلاق إلّا وجدته فيهم، ولا إعراق [١١].
فى طيب أعراق إلا اجتنيته من معانيهم، أطفالهم رجال، وشبّانهم أبطال، ومشايخهم
стр. 1297
أبدال، شواهد مناقبهم باهرة، ودلائل مجدهم ظاهرة. ومن العجب العجاب، أن سلطانهم المالك، هان عليه ترك تلك الممالك، وقال لنفسه اله [١] وآلك، وإلا فأنت في الهوالك، وأجفل إجفال الرّال [٢]، وطفق إذا رأى غير شىء ظنه رجلا بل رجال، (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ* وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ)
[٣]. لكنّه جلّ وعزّ لم يورّثها قوما آخرين، تنزيها لأولئك الأبرار عن مقام المجرمين؛ بل ابتلاهم فوجدهم شاكرين، وبلاهم فألفاهم صابرين، فألحقهم بالشّهداء الأبرار، ورفعهم إلى درجات المصطفّين الأخيار، (وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)
[٤]، فجاس خلال تلك الدّيار- أهل الكفر والإلحاد، وتحكّم في تلك الأبشار أولو الزّيغ والعناد، فأصبحت تلك القصور، كالمحوّ [٥] من السّطور، واضت [٦] تلك الأوطان، مأوى الصّدى [٧] والغربان، تتجاوب في نواحيها البوم، وتتناوح في أرجائها الريح السّموم، يستوحش فيها الأنيس، ويرثى لمصابها إبليس
كأن لم يكن فيها أوانس كالدّمى ... وأقيال ملك في بسالتهم أسد
فمن حاتم في جوده وابن مامة ... ومن أحنف إن عدّ حلم، ومن سعد!
تداعى بهم صرف الزمان فأصبحوا ... لنا عبرة تدمى الحشا ولمن بعد
стр. 1298
(فإنّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ)
من حادثة تقصم الظّهر، وتهدم العمر، وتفتّ فى العضد، وتوهى الجلد، وتضاعف الكمد، وتشيب الوليد، وتنخب لبّ الجليد، وتسوّد القلب، وتذهل اللّبّ، فحينئذ تقهقر المملوك على عقبيه ناكصا، ومن الأوبة إلى حيث تستقرّ فيه النفس بالأمن آيسا، بقلب واجب [١]، ودمع ساكب، ولبّ عازب، وحلم غائب، وتوصّل [٢]، وما كاد حتّى استقرّ بالموصل، بعد مقاساة أخطار، وابتلاء واصطبار، وتمحيص الأوزار، وإشراف غير مرة على البوار والتّبار. لأنّه مرّبين سيوف مسلولة، وعساكر مغلولة، ونظم [٣] محلولة. ودماء مسكوبة مطلولة [٤]، وكان شعاره كلّما علا قتبا، أو قطع سبسبا: (لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً)
[٥]. فالحمد لله الّذى أقدرنا على الحمد، وأولانا نعماء تفوت الحصر والعدّ.
وجملة الأمر [أنه [٦]] لولا فسحة في الأجل، لعزّ أن يقال: سلم من البأس أوصل، ولصفّق عليه أهل الوداد صفقة المغبون، وألحق بألف ألف ألف ألف ألف هالك بأيدى الكفار أو يزيدون، وخلّف خلفه جلّ ذخيرته، ومستمدّ [٧] معيشته.
تنكّر لى دهرى ولم يدر أنّنى ... أعزّ وأحداث الزمان تهون
وبات يرينى الخطب كيف اعتداؤه ... وبتّ أريه الصّبر كيف يكون
стр. 1299
وبعد؛ فليس للملوك ما يسلّى به خاطره، ويعزّى به قلبه وناظره، إلّا التّعليل بإزاحة العلل، إذا هو بالحضرة الشريفة مثل.
فاسلم ودم وتملّ العيش في دعة ... ففى بقائك ما يسلى عن السّلف [١].
فأنت للمجد روح، والورى جسد ... وأنت درّ فلا نأسى على الصّدف
والمملوك الآن بالموصل مقيم، يعالج ممّا حزبه [٢] من هذا الأمر المقعد المقيم، يزجى وقته، ويمارس حرفته [٣] وبخته، تكاد تقول له باللسان القويم: (تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ)
[٤] يذيب نفسه في تحصيل أغراض، هى لعمر الله أعراض، من صحف يكتبها، وأوراق يستصحبها، نصبه فيها طويل، واستماعه بها قليل، ثمّ الرحيل. وقد عزم بعد قضاء نهمته [٥]، وبلوغ بعض وطر قرونته [٦]، أن يستمدّ التوفيق، ويركب سنن الطريق، عساه يبلغ أمنيّته من المثول بالحضرة، وإتحاف بصره من خلالها ولو بنظرة، ويلقى عصا التّرحال بفنائها الفسيح، ويقيم تحت ظلّ كنفها إلى أن يصادفه الأجل المريح، وينظم نفسه في سلك مماليكها بحضرتها، كما ينتمى إليها في غيبتها، إن مدّت السعادة بضبعه، وسمح له الدّهر بعد الخفض برفعه، فقد ضعفت قواه عن درك الآمال، وعجز عن معاركة الزّمان والنزّال، إذ ضمّت البسيطة إخوانه، وحجب الجديدان أقرانه، ونزل المشيب بعذاره،
стр. 1300
وضعفت منه أوطاره [١]، وانقضّ باز الشّيب على غراب شبابه فقنصه، وأكبّ نهار الحلم على ليل الجهل فوقصه، وتبدّلت محاسنه عند أحبابه مساوئ وخصصة، واستعاض من حلّة الشّباب القشيب، خلق الكبر والمشيب.
وشباب بان منّى وانقضى ... قبل أن أقضى منه أربى
وما أرجّى بعده الّا الفنا ... ضيّق الشيب على مطّلبى
وقد ندب المملوك أيام الشباب بهذه الأبيات، وما أقلّ غناء الباكى على من عدّ فى الرّفات!
تنكّر لى مذ شبت دهرى وأصبحت ... معارفه عندى من النّكرات
إذا ذكرتها النّفس حنّت صبابة ... وجادت شئون العين بالعبرات
إلى أن أتى دهر يحسّن ما مضى ... ويوسعنى تذكاره حسرات
فكيف ولمّا يبق من كأس مشربى ... سوى جرع في قعره كدرات
وكلّ أناء صفوه في ابتدائه ... وفي القعر مزجى حمأة وقذاة [٢].
والمملوك يتيّقن أنه لا ينفق هذا الهذر [٣] الّذى مضى؛ إلا النّظر إليه بعين الرّضا، ولرأى مولانا الوزير الصاحب، كهف الورى بمشارق ومغارب [٤]، فيما يلاحظه منه بعادة مجده منه مزيد مناقب ومراتب، والسّلام.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله خير الأنام وشرّف وكرّم.
стр. 1301
[الكنى]
٨٤١ - أبو الأزهر البخارىّ اللغوىّ «١»
رجل طويل النّفس في هذا الشأن، صنّف في اللغة كتابا سماه «الحصائل» معناه أنّه قصد تحصيل ما أغفله الخليل. وهو كتاب جليل القدر، جامع للّغة، رأيت منه الجزء الأول، فنظرته كتابا جليلا جامعا، يشتمل هذا الجزء على ما فات الخليل في حرف العين خاصة، فإنه إنما قصد ذكر ما أخلّ به الخليل من غير إعادة ما ذكره الخليل إلا لضرورة التكميل في بعض الأماكن.
وقد وقع الأزهرىّ في هذا الرجل، وفي تصنيفه [١] بغير حجّة، وإنما حمله على ذلك معاصرته له، ومشاركته في القصد إلى مثل ما صنّفه، وكذلك فعل مع البشتى المعروف بالخارزنجى [٢] فى كتابه الذى سماه «التّكملة»، أشار إلى أنه كمّل به ما نقصه الخليل، وكان معاصرا له أيضا، ومشاركا في تصنيف ما قصد إلى مثله، ونسأل الله ترك الهوى، والبعد من التّمادى على الأغراض الفاسدة.
стр. 1302
٨٤٢ - أبو بكر القارى الرّازىّ النحوىّ اللغوىّ «١»
إمام علّامة بالرّىّ، من قرية من قراها، يقال لها قار [١].
رحل إلى العراق في زمان أحمد بن يحيى ثعلب، كانت رحلته ليرى العلماء، ولمّا حضر حلقة أحمد بن يحيى ثعلب ناظره وذاكره وحاقفه بحضور الطّلبة، فعلا كلامه كلام أحمد بن يحيى ثعلب، وشهد له الحاضرون بالغلب وعلوّ المنزلة.
ورجع إلى الرّىّ، وتصدّر بها. وكان يكتب خطّا جميلا صحيحا، يتنافس العلماء في تحصيله بأغلى الأثمان، ومات بالرّىّ قبل سنة ثلاثمائة بقليل.
ونقلت من كتاب أبى بكر محمد بن موسى بن عثمان بن حازم [٢] الحازمىّ الهمذانىّ ﵀، قال: قار، أوله قاف وآخره راء، قرية بالرّىّ، ينسب اليها أبو بكر صالح بن شعيب القارى، أحد أصحاب العربيّة المتقدمين، كان قدم بغداد أيام ثعلب. حكى قال: كنت إذا جاريت أبا العباس في اللغة غلبته، وإذا جاريته في النّحو غلبنى.
ورأيت أنا نسخة من «غريب المصنّف» بخط أبى بكر القارى هذا، وقد كتب في آخرها ما أنا ذاكره، وهو ما مثاله:
стр. 1303
الشيخ أطال الله بقاءه يتأمل هذه النسخة، ويعرّفنا ما عنده في نسبتها إلى كاتبها ومستملكها [١] إن شاء الله. وبعده بخط الشيخ المسئول: أما النّسخة- أطال الله بقاء الشيخ الجليل، وأدام علوّه- فحجّة يرجع إليها، ويعتمد فى التّصحيح عليها، فإنه خطّ أبى بكر القارى ﵀، وكانت لأبى علىّ المعلم الأراطىّ، اشتراها منه أبو محمّد الشّعرانىّ ﵀، لخزانة أبى الفضل بن العميد ﵀ بستّة عشر دينارا مصريّة.
وكان يضنّ بها كلّ من ملك من هؤلاء غاية الضنّ، وأهل لذلك [٢] النسخة.
وكتب محمد بن الحسن الوزان الرازىّ.
وتحت خطه ما مثاله: الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن أيّده الله الثقة الأمين.
لكنّى سمعت الشريف أبا طاهر محمد بن حمزة العلوىّ ﵀ بقزوين، يقول:
اشتريت هذه النسخة من كتب الأراطى بثلاثين دينارا مصرية. وكتب أحمد ابن فارس بخطه.
ونقلت من خط أبى الخير سلامة بن عياض النّحوىّ الشامىّ ما مثاله: رأيت نسخة من «النّقائض»، رواية أبى بكر القارى عن أبى سعيد أحمد بن خالد الضّرير، فى مجلدين.
٨٤٣ - أبو بكر النحوىّ البستى «١»
ذكره الثعالبىّ في كتابه ولم يسمّه، وسمّاه: البستىّ النحوىّ، وقال: له شعر كثير لا يحضرنى الآن منه إلّا قوله لأبى بكر الخوارزمىّ [٣]، وكان هجاه بقوله:
стр. 1304
نحويّكم في حمقه ... معرفة لا نكره
ذو لحية مبسوطة ... وفطنة مختصره [١].
فقال فيه:
وعاو عوى من أصل خارزم خيفة ... كذا الكلب عند الخوف مجتهدا يعوى [٢].
تعاظم فعلى أهل ودّى إذ رأوا ... سكوتى وهجوى هجو من دأبه هجوى [٣].
فقلت: اسكتوا فالهجو نجو وإنّنى ... حلفت بألّا أغسل النّجو بالنّجو
٨٤٤ - أبو البيداء، اسمه أسعد بن عصمة «١»
أعرابىّ نزل البصرة، وكان يعلّم الصبيان بأجرة، أقام أيّام عمره يؤخذ عنه العلم، وكان شاعرا، فمن شعره:
قال فيها البليغ ما قال ذو ال ... عىّ وكلّ بوصفها منطيق
وكذاك العدوّ لم يعد، قد قا ... ل جميلا كما يقول الصّديق
وكان زوج أم أبى مالك عمرو بن كركرة [٤]، وقد ورد ذكره في هذا المجموع فى موضع آخر لاختلاف اسمه.
٨٤٥ - أبو تراب «٢»
حراسانى، لغوى، استدرك على الخليل بن أحمد في كتاب العين، وردّ عليه العلماء في ذلك، فإنّه خطّأ الخليل في أماكن، وزاد ما زعم أنه نقصه من اللغة
стр. 1305
فى أبوابه، ونقص ما زعم أنّ الخليل زاده في غير بابه، وهذّب ذلك تهذيبا، زعم أنّه الصواب.
وصنّف، فمن تصنيفه: كتاب «الاعتقاب» كبير، فى اللغة. كتاب «الاستدراك على الخليل».
وكان أبو تراب قدم هراة مستفيدا من شمر أبى عمرو بن حمدويه الهروىّ اللغوىّ، وكتب عنه كثيرا، وأملى بهراة من كتاب «الاعتقاب» أجزاء، ثم عاد إلى نيسابور، وأملى بها باقى الكتاب.
قال الأزهرىّ اللغوىّ: وقد قرأت كتابه فاستحسنته، ولم أره مجازفا فيما أودعه، ولا مصحّفا في الذى ألّفه [١].
٨٤٦ - أبو توبة، زياد بن زياد الأعرابىّ «١»
أخو محمد بن زياد الأعرابىّ. من أهل اللّغة والنّوادر. وروى عنه أبو العباس ثعلب، كما روى عن أخيه محمد.
قال ثعلب: وكان أبو توبة مؤدّبا لعمر بن سعيد بن سلم، [فقدم الأصمعىّ البصرة، فنزل على سعيد بن سلم [٢]]، فحضر يوما وأخذ يسائله، فدعا سعيد بأبى توبة، فجعل أبو توبة إذا مرّ بشىء من الغريب بادر إليه، فأتى بكلّ ما في الباب
стр. 1306
أو أكثره، فشقّ ذلك على الأصمعىّ، فجعل يعدل إلى المعانى، فيسأل [١] أبا توبة عنها، فقال له سعيد: يا أبا [٢] توبة، لا تتبعه في هذا الفن [٢]، فانّ هذه صناعته، قال:
وما علىّ، إذا سألنى عما أحسنه أجبته، وما لم أحسنه تعلمته! فجعل الأصمعىّ يسأله وأبو توبة يجيبه [٣]، حتى سأله عن هذا البيت:
واحدة أعضلكم أمرها ... فكيف لو درت على أربع
قال: ونهض الأصمعىّ، ودار على أربع، يلبّس على أبى توبة، فأجابه أبو توبة بما يشاكل ما أوهمه الأصمعىّ، فضحك الأصمعىّ من جوابه، وقال له سعيد:
ألم أقل لك يا أبا توبة! ومعنى البيت أنّه تزوّج امرأة واحدة، فقال:
قد شقّ عليكم أن تزوّجت واحدة، فكيف لو تزوّجت أربعا!
٨٤٧ - أبو ثوابة الأسدى «١»
أعرابىّ، فصيح قيّم باللّغة، روى عنه الأموىّ [٤].
قال الأموىّ: دخلنا على أبى ثوابة، فقال: ما جاء بكم؟ ما عندى طعام مشوّق، ولا حديث مونق!
стр. 1307
٨٤٨ - أبو ثروان العكلىّ «١»
من بنى عكل. أعرابىّ فصيح، تعلّم في البادية، كذا ذكره يعقوب ابن السّكيت بخطه.
وله من الكتب: كتاب «خلق الانسان». كتاب «معانى الشعر».
٨٤٩ - أبو جعفر الرؤاسىّ الكوفىّ النحوىّ «٢»
أستاذ علىّ بن حمزة الكسائىّ، عالم بنحو الكوفة. قال الفرّاء: خرجت إلى مكّة فاجتزت بالكوفة، فقلت لرفيقى: ألا نلقى أبا جعفر! وكان يبلغنا أنّه لا يترحّم على الكسائىّ، فبكّرنا إليه، فوجدناه يؤذّن، ويقول: «الصلاة خير من النوم»، ينصبها، فلمّا فرغ قلت له: نصبت «الصلاة»، قال «الصّلاة خير لكم» أى على الإغراء. فألقينا مسألة، وقلنا: قال فيها الكسائى كذا وكذا، قال: نعم ﵀، قال الفرّاء: بلغنا أنّك لم تكن تترحّم على الكسائى، قال: قد كان ذلك، فرأيته في المنام في حالة جميلة، وهيئة حسنة، فقلت: ما الذى صرت إليه؟
قال: صرت إلى خير، قلت: بماذا؟ قال: بالقرآن، بالقرآن.
أخذ الرؤاسىّ العربية عن أبى عمرو بن العلاء، وتقدّم في النحو حتى قال الكسائىّ: ما وجدت بالكوفة أحدا أعلم بالنّحو من أبى جعفر الرّؤاسىّ.
стр. 1308
كان له كتاب في النحو اسمه «الفيصل».
قال الكسائىّ: كنت آخذ المسائل فأقدّمها وأؤخّرها، فلا يحسنها أحد إلّا الرّؤاسىّ.
قال محمد بن إسحاق النديم في كتابه: قرأت بخطّ أبى الطيب ابن أخى الشافعىّ [١]، قال: اسم الرؤاسىّ محمد بن أبى سارة، ويكنى أبا جعفر، وسمّى الرّؤاسىّ لكبر رأسه، وكان ينزل النّيل [٢] فسمّى النّيلىّ، وهو أوّل من وضع من الكوفيين كتابا فى النحو. قال ثعلب: كان الرّؤاسىّ أستاذ الكسائىّ والفرّاء. وقال الفرّاء: لمّا خرج الكسائىّ إلى بغداد، قال لى الرّؤاسىّ: قد خرج الكسائىّ وأنت أخبر [٣] منه، فجئت إلى بغداد، فرأيت الكسائىّ، فسألته عن مسائل من مسائل الرؤاسىّ، فأجابنى بخلاف ما عندى، فغمزت عليه قوما من علماء الكوفيين كانوا معى، فقال:
مالك قد أنكرت! لعلّك من علماء الكوفيين [٤]، فقلت: نعم، فقال: الرؤاسىّ يقول كذا وكذا، وليس صوابا؟ وسمعت العرب تقول: كذا وكذا حتى أتى على مسائلى، فلزمته. وكان الرؤاسىّ رجلا صالحا. وقال الرؤاسىّ: بعث إلىّ الخليل يطلب كتابى، فبعثت به إليه، فقرأه، ووضع كتابه. قال: وفي [٥] كتاب سيبويه [٥]:
«قال الكوفى»، يعنى الرؤاسىّ.
стр. 1309
قال ابن درستويه: زعم ثعلب أنّ أوّل من وضع من النحويين [فى النحو [١]] كتابا الرّؤاسىّ.
وله من الكتب [٢]: كتاب «الفيصل» رواه جماعة، وكتاب «التصغير [٣]»، كتاب «معانى القرآن» يروى إلى اليوم. كتاب «الوقف والابتداء» الكبير.
كتاب «الوقف والابتداء» الصغير.
ذكره المرزبانىّ. فقال: أبو جعفر الرؤاسىّ، ابن أخى معاذ الهرّاء، وهم موالى محمد بن كعب القرظىّ، واسم أبى جعفر محمد بن الحسن بن أبى سارة، كان ينزل النّيل، فقيل؛ النّيلىّ. كان أوّل من وضع [٤] من الكوفيين كتابا في النحو [٥]، وكان أستاذ علىّ بن حمزة الكسائىّ والفرّاء، وكان الرّؤاسىّ رجلا صالحا. قال الرؤاسىّ: بعث إلىّ الخليل يطلب كتابى، فبعثت إليه فقرأه، ووضع [٦] كتابه.
وفي كتاب سيبويه [٧]: قال الكوفىّ كذا- يعنى الرّؤاسىّ. وكتاب الرؤاسىّ يقال له: «الفيصل [٨]». وزعم أحمد بن يحيى ثعلب أنّ أوّل من وضع من الكوفيين كتب [٩] النّحو أبو جعفر الرّؤاسىّ، وأنّ له كتابا معروفا عندهم بعد موته، وسئل
стр. 1310
الفرّاء عن الرّؤاسىّ: فأثنى عليه وقال: قد كان دخل البصرة دخلتين، وقلّ مقامه بالكوفة، فلذلك قلّ أخذ الناس عنه. وقد عمّر إلى أيّام الرشيد.
وقال المبرّد: ما عرف الرّؤاسىّ بالبصرة، وقد زعم بعض الناس أنّه صنّف كتابا في النحو، فدخل البصرة ليعرضه على أصحابنا، فما التفت إليه، ولم يجسر على إظهاره لمّا سمع كلامهم.
وزعم جماعة من البصريّين أن الكوفى الّذى يذكره الأخفش في آخر كتاب «المسائل» ويردّ عليه، هو الرؤاسىّ. وكان للرّؤاسىّ امرأة من أهل النّيل، تزوّجها بالكوفة، وانتقلت من النّيل، وشرطت عليه أنها تلمّ بأهلها في كلّ مدّة؛ فكانت لا تقيم عنده إلّا القليل؛ ثم يحتاج إلى إخراجها وردّها، فملّ ذلك منها وفارقها. وقال:
بانت بمن تهوى حمول ... فأسغت في أثر الحمول
أتبعتهم عينا عليهم ... ما تفيق من الهمول
لاحت مخايل خلقها ... وخلافها دون القبول
ملّت وأبدت جفوة ... لا تركننّ إلى ملول
ثم ارعويت كما ارعوى ... عنها المسائل للطّلول
ولأبى جعفر الرؤاسىّ أيضا:
ألا يا نفس هل لك في صيام ... عن الدّنيا لعلّك تهتدينا
стр. 1311
يكون الفطر وقت الموت منها ... لعلّك عنده تستبشرينا
أجيبينى هديت وأسعفينى ... لعلّك في الجنان تخلدّينا
قال جبلة الكوفى: سألت [١] الكسائىّ وابن إدريس عن «الصّمد»، فقالا:
الّذى يصمد إليه في الأمور. وأنشدنى [٣] الكسائى:
ألا بكّر النّاعى بخيرى بنى أسد ... بعمرو بن مسعود وبالسّيّد الصّمد [٤].
قال: فلقيت أبا جعفر الرؤاسىّ، فسألته عنه: فقال لى مثل ذلك، فقلت:
كيف جمعه؟ قال: جلّ من سألت عن اسمه! لا يثنّى ولا يجمع. قلت: وإذا كان اسما لمخلوق [٥]، قال: أصماد وصمدان.
٨٥٠ - أبو الحسن بن معقل النّحوىّ «١»
صاحب أبى علىّ الفارسىّ، له عناية، وتصدّى لإفادة هذا الشأن، كان بمصر.
وذكره الشيخ الصالح أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الحبّال في «الوفيات»، وقال: توفّى أبو الحسن بن معقل الأديب الكاتب صاحب أبى علىّ الفارسىّ فى شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة.
стр. 1312
٨٥١ - أبو الحسن الأحمر «١»
وليس بخلف- أخذ عن الرّؤاسىّ، ثمّ عن الكسائىّ، وطالت صحبته له، وهو الّذى ناظر سيبويه في مجلس البرامكة قبل حضور الكسائىّ، وقال له: أخطأت عدّة دفعات، وكانت في الأحمر حدّة وجرأة.
وله من التّصنيف: كتاب «التّصريف».
وقد ورد ذكره في من اسمه «علىّ بن المبارك [١]». واستوفى خبره هناك، وذكرته لشهرته بالكنية، فاطلبه في العليّين تجده إن شاء الله تعالى.
٨٥٢ - أبو الحسن الطولقى «٢»
هو من المغاربة، ذكره الباخرزىّ [٢]، فقال: ضرير مقرئ حسن التصرّف فى النحو، سمع قول الشيخ أبى بكر القهستانىّ في الأتراك:
لأجل ما يدعون تركا ... فهم ترك وواحدهم تروك
كذا الفعل واحده فعول ... أليس الضّحك واحده ضحوك [٣]!
стр. 1313
فأجاب عنه بقوله:
ألا يا عائب الأتراك مهلا ... فليس إلى معايبهم سلوك
تلوك القول إفحاشا وهجرا ... أتدرى لا أبالك ما تلوك!
فحرّهم على الأحرار ملك ... وعبدهم لمالكهم ملوك
كفى الأتراك أنّ الناس طرّا ... رعاياهم، وأنّهم ملوك
٨٥٣ - أبو الحسن الأهوازىّ «١»
نحوىّ من الأهواز، لا أعرف شيئا من حاله، وإنّما رأيت في كتاب «التذكرة [١]»، التى جمعها أبو الخير سلامة بن غياض الكفر طابىّ الشامى النحوىّ، ونقلت من خطّه ما مثاله: من طريف ما رأيته في شرح «الموجز [٢]» لابن السّراج، شرحه رجل يقال له أبو الحسن الأهوازىّ: كان القوم عشرة، فحد عشتهم إلى تسعشتهم، فهم محد عشون، وأنا محد عش، ومستعشر.
قال: وكذلك العقود إلى ما بين الثلاثين إلى التسعين، فإنه يقال: معشرن ومثلثن. ومن المائة مؤىّ-، ومن الألف مؤلف، وآلف، لأن فعله، ألفتهم وآلفتهم.
٨٥٤ - أبو الحسن المقيدسى النحوى «٢»
نزيل مصر. من النّحاة المذكورين في وقته، متصدّر لإفادة هذا النوع، استفاد الطلبة منه، وأخذوا عنه.
стр. 1314
أنبأنا أبو طاهر السّلفىّ الأصبهانىّ، قال: أنشدنى أبو الحسن أحمد بن حمزة ابن أحمد التّنوخىّ العراقىّ بالإسكندرية، قال: أنشدنى أبو الحسن المقيدسىّ النحوىّ بمصر، أنشدنى ابن السّراج الصورىّ بصور لنفسه من قصيدة:
وقد صار يبرى نصول السهام ... وأولى من المنّ ما لا يمنّ
ليجعلها في الدواء الجريح ... ويشرى بها للقتيل الكفن
٨٥٥ - أبو الحسن بن أذين النخوىّ البصير «١»
المصرى الدار. نحوىّ مذكور هناك، وكان أبوه من متميّزى المصريين في وقته، وولده برع في النحو وتقدم فيه.
قال أبو الحسن هذا: حضرت مع والدى [مجلس [١]] كافور الإخشيدى [٢] وهو غاصّ بالنّاس، فدخل إليه رجل وقال قائل في دعائه: أدام الله أيّام سيدنا- بكسر الميم من الأيام-، وفطن بذلك جماعة من الحاضرين، أحدهم صاحب المجلس، فقام من أوسط القوم رجل، وأنشأ يقول:
لا غرو أن لحن الدّاعى لسيدنا ... أو غصّ من دهش بالريق أو بهر [٣].
فتلك هيبته حالت جلالتها ... بين الأديب وبين القول بالحصر
وإن يكن خفض الأيّام عن غلط ... فى موضع النّصب لا عن قلّة البصر
فقد تفاءلت من هذا لسيّدنا ... والفأل مأثور عن سيّد البشر
بأن أيّامه خفض بلا نصب ... وأنّ أوقاته صفو بلا كدر
стр. 1315
٨٥٦ - أبو الحسن الأغرّ «١»
أخذ عن علىّ بن حمزة الكسائىّ. نزل مصر وتصدّر بها لإفادة العربية، ولقيه بها ناس من أهل الأندلس، فحملوا عنه من ذلك ما قدّر لهم، وذلك في سنة سبع وعشرين ومائتين.
٨٥٧ - أبو الحسن بن الطّراوة المالقىّ النحوىّ «٢»
المدعو بالشيخ الأستاذ [١]، عاش نيّفا وتسعين سنة، ومات بالأندلس قبل سنة ثلاثين وخمسمائة [٢]، وله مصنّفات في النحو مشهورة مذكورة [٣]، وكلامه هناك مرغوب فيه، يتنافس الطّلبة في نقله وجمعه، ولا يلقّب أحد ببلد الأندلس بالأستاذ إلّا النحوىّ الأديب، وله شعر كرقّة النسيم، يلوح عليه رواء النعيم، فمنه [٤] ما قاله في أهل بلد استسقوا فلم يمطروا، وأقشع سحابهم عند بدوّه [٤]:
خرجوا ليستسقوا وقد نشأت ... بحريّة يبدو لها رشح [٥].
حتى إذا اصطفوا لدعوتهم ... وبدا لأعينهم بها نضح
كشف الغطاء إجابة لهم ... وكأنّما خرجوا ليستصحوا [٦].
стр. 1316
ومن شعره:
وقائلة تكلّف بالغوانى ... وقد أضحى بمفرقك النّهار [١].
فقلت لها حضضت على التّصابى ... «أحق الخيل بالرّكض المعار [٢]»
واجتمعت بأبى القاسم النحوىّ المالقى المدعو بالمعلّم، وأجرى ذكر ابن الطّراوة هذا، فقلت له: هو مالقىّ، فأنكر ذلك، وقال: كان بربريّا من برّ العدوة، أظنّه من سلا [٣]، فقلت له: أنبأنا الحافظ أبو طاهر السّلفى، فى إجازته العامّة: سمعت أبا محمد عبد الله بن جابر بن عبد الله العلىّ المالقىّ بالإسكندرية، قال: كان بين أبى الحسن علىّ بن عبد الغنى الحصرىّ القيروانىّ، وأبى الحسن سليمان بن محمد بن طراوة المالقى منافرة، ويهجو كلّ واحد منهم الآخر، فممّا قاله الحصرىّ فيه:
ولابن الطّراوة نحو طرى ... إذا شمّه النّاس قالوا خرى
وممّا قاله ابن الطّراوة في الحصرىّ:
إذا الحصرىّ اللئيم انتحى ... وظلّ بهذا الورى ساخرا
وأنسى ما كان- فاذكر له ... علىّ بن بكار الشّاعرا
стр. 1317
قلت: وقد ذكر العماد أبو حامد محمد بن محمد بن حامد في كتابه:
«الخريدة» ابن الطراوة هذا نقلا عن تصنيف بعض أهل الأندلس، ونسبه مالقيّا.
٨٥٨ - أبو الحسن الزعفرانىّ النّحوىّ البصرىّ «١»
نحوى مذكور متصدّر لإفادة هذا النوع، قرأ على علىّ بن عيسى الرّبعىّ وأكثر الأخذ عليه، قال ابن نصر [١] الكاتب في كتاب «المفاوضة»: سألت أبا الحسن الزّعفرانىّ النّحوىّ البصرىّ في باب ما لم يسمّ فاعله: لم لم يجز تصيير ما يشتغل بحرف الجرّ قائما مقام الفاعل؟ ولم قصّر به فعله بحرف الجرّ عن رتبة الفاعل فصار مفعولا؟ فدّل في ذلك بما [٢] أوضحه، وقال لى: ما نفعنى شىء من النّحو سوى هذا الباب، فإنّى كتبت رقعة إلى أبى الحسن علىّ بن محمد بن كامل عامل البصرة، سألته النّظر من جملة المساحة بجريبين، فوقّع: «يترك له من عرض المرفوع في ذكر المساحة»، ووقف وقفة لم يدر كيف الأعراب، [هل هو جريبان أو جريبين [٣]]، فكتب ثلاثة أجرية، فتبّركت بهذا الباب فقط.
стр. 1318
قال ابن نصر: وسألت شيخه علىّ بن عيسى الرّبعىّ، عن الزعفرانىّ تلميذه هذا، فأثنى خيرا، ووصف وصفا كثيرا. قال: وكان أبو الحسن الزعفرانىّ قال لى: إنّ أبا علىّ الفارسى نزل علىّ بالبصرة، فقرأت عليه «الكتاب»، فقال لى: أنت مستغن عنّى يا أبا الحسن؟ قلت: إن استغنيت عن الإفهام فلم أغن عن الفخر والجمال [١]. قال ابن نصر: فسألت الشّيخ أبا الحسن علىّ بن عيسى ابن الفرج الرّبعىّ عن هذا فصدّقه، وقال لى: قدم أبو علىّ الفارسىّ البصرة، وأبو الحسن الزّعفرانىّ نحوى مستقلّ، وكان من أذكياء الناس.
٨٥٩ - أبو الحسن الجيشىّ النّحوىّ «١»
نحوىّ مشهور، مقيم ببغداد، متصدّر لهذا الشأن، أدرك الصدر الأول كأبى علىّ الفارسى وعلىّ بن عيسى بن علىّ الرّمانىّ وابن جنّى والأرزنى [٢] والربعى [٣].
والعبدىّ [٤]، ولم يزل مقصودا للإفادة، إلى أن توفّى ببغداد في يوم السبت السادس عشر من ذى الحجّة، سنة ثمان وثمانين وأربعمائة عن إحدى وتسعين سنة.
٨٦٠ - أبو حسّان الضرير التّدمرىّ المقرئ النحوىّ «٢»
من أهل تدمر، من بنى جرير بن عامر، قارئ بصير من أهل النحو والأدب، تصدّر ببلده للإفادة في زماننا. قدم متظلّما من والى تدمر في صفر
стр. 1319
سنة اثنتين وسبعين إلى المخيّم الملكىّ النّاصرىّ الصلاحىّ بحماة، وأنشده قصيدة طويلة، منها:
أسلطان دين الله ذا الطّول والقهر ... حليف المعالى والمناقب والفخر
ومن عمّ شرق الأرض والغرب عدله ... كما عمّها غيث السحاب من القطر
أفى عدلك المبسوط والشّرع حاكم ... بملكى [١] أقصى عنه بالدّفع والزّجر
فتنعم بالحظّ الشريف وأنثنى ... إلى تدمر أطوى المفاوز في القفر
على ثقة بالدولة الناصرية المن ... يع حماها داعيا ناشر الشّكر
فأمنع من عود إليك محكّما ... ويقصد بالإيذاء قلبى والكسر
ويطلب منّى فوق ما أستطيعه ... على فاقة من ضيقة اليد والعسر
وذلك لمّا حدّثتهم ظنونهم ... بأنّ صلاح الدّين ماض إلى مصر
٨٦١ - أبو خيرة، واسمه نهشل بن زيد «١»
أعرابىّ بدوىّ من بنى عدىّ، دخل الحاضرة، وأفاد وأخذ الناس عنه، وصنّف في الغريب كتبا، منها: كتاب «الحشرات».
وقال أبو عمرو بن العلاء لأبى خيرة: كيف [٢] تقول: حفرت إراتك؟
стр. 1320
فقال: حفرت إراتك، قال: فكيف تقول: استأصل الله عرقاتهم [١]. فقال أبو خيرة: استأصل الله عرقاتهم، فلم يعرفها أبو عمرو، وقال: لان جلدك يا أبا خيرة، يقول: أخطأت.
قال أحمد بن يحيى: وهى لغة لم تبلغ أبا عمرو.
ويقال: وأرت إرة [٢] أئرها [وأرّا] [٣]، إذا حفرت حفيرة يطبخ فيها، وإرات:
جمع إرة.
٨٦٢ - أبو الخطاب بن عون الجزيرىّ النحوىّ الشاعر «١»
كان هذا الرجل من أهل الجزيرة الفراتية، وكان نحويّا يقول الشعر، ويتنقّل في البلاد الشاميّة، وله محاضرة وحسن مذاكرة، فمن محاضراته أنه قال:
دخلت إلى أبى العباس اليافى، فوجدته جالسا، ورأسه كالثّغامة [٤] بياضا، وفيه شعرة واحدة سوداء، فقلت له: يا سيّدى، فى رأسك شعرة سوداء! قال: نعم، هذه بقية شبابى، وأنا أفرح بها، ولى فيها شعر، قلت: أنشدنيه، فأنشدنى:
رأيت في الرأس شعرة بقيت ... سوداء تهوى العيون رؤبتها
стр. 1321
فقلت للبيض إذ تروّعها ... بالله إلّا رحمت وحدتها!
وقلّ لبث السّوداء في وطن ... تكون فية البيضاء ضرّتها
ثم قال: يا أبا الخطاب، بيضاء واحده تروّع ألف سوداء، فكيف سوداء بين ألف بيضاء! وذكر ابن نصر الكاتب في كتابه، قال: ومن المليح النسج ما أنشدنيه أبو الخطاب النحوىّ الشاعر، لأبى إبراهيم العلوىّ الحلبىّ- ولم يلقه، وإنما رواه له، وأنشده إيّاه بعض أولاده بحلب:
أومت بكفّ خلته بارقا ... لولا عبير عرفه السّاطع
وأبرزت وجها كشمس الضّحى ... يؤخذ من أنواره الطّالع
٨٦٣ - أبو الخطاب الهذلىّ، اسمه عمرو بن عامر «١»
وكان عربيّا راجزا راوية. أخذ عنه الأصمعىّ، وجعله حجّة، وروى عنه الشعر [١]، فمن شعره:
أهدى الينا معمر خروفا ... كان زمانا عنده مكتوفا [٢].
حتى إذا ما صار مستجيفا [٣] ... أهدى فأهدى قصبا ملفوفا
стр. 1322
ومن الأعراب [١] الذين دخلوا الحاضرة جماعة أذكر أسماءهم وهم:
٨٦٤ - أبو الهيثم الأعرابىّ .
٨٦٥ - أبو المجيب الرّبعىّ [٢] .
٨٦٦ - أبو الجرّاح العقيلىّ .
٨٦٧ - أبو صاعد الكلابىّ، واسمه يزيد بن محيّا .
٨٦٨ - العدبّس الكنانىّ .
٨٦٩ - أبو زكريا الأحمر .
٨٧٠ - أبو أدهم الكلابىّ .
٨٧١ - أبو الصقر العدوىّ [٣] .
٨٧٢ - عتبة أمّ الحمارس [٤] .
٨٧٣ - أبو قرة الكلابىّ .
٨٧٤ - أبو الحدرجان .
٨٧٥ - أبو تمّام الجزار [٥] .
٨٧٦ - أبو الحصين الهجيمىّ [٦] .
٨٧٧ - مكوّزة [٧] .
٨٧٨ - أبو الغمر [٨]
، واسمه العلاء بن بكر بن عبد رب بن مسحل بن المحلّق ابن جشم بن شدّاد بن ربيعة بن عبد الله بن أبى بكر [٩].
стр. 1323
٨٧٩ - أبو زياد [ويقال: الأعور بن براء الكلابىّ [١]] .
٨٨٠ - أبو القمقام [٢] الفقعسى، روى عنه الكسائىّ النحوىّ .
٨٨١ - الصقيل، ويكنى أبا الكميت العقيلىّ .
٨٨٢ - أبو فقعس لزاز .
٨٨٣ - أبو الدقيش القنانىّ الغنوىّ [٣] .
٨٨٤ - أبو السفر الكلابىّ [٤] .
٨٨٥ - هدّاب الهجيمىّ .
٨٨٦ - غنية أم الهيثم .
٨٨٧ - ردّاد الكلابىّ [٥] .
٨٨٨ - قريبه أم البهلول الأسديّة .
وصنّفت أم البهلول كتاب «النّوادر». وكتاب «المصادر»، كتبهما السّكّرى بخطّه [٦].
٨٨٩ - أبو دثار الفقعسىّ .
стр. 1324
٨٩٠ - جزلة الحرقيّة .
٨٩١ - أبو الكبش الباهلىّ [١] .
٨٩٢ - أبو صالح الطائىّ .
٨٩٣ - أبو الكيش النّميرىّ [٢] .
٨٩٤ - أبو السمح الطائىّ .
أحضر أيام المعتزّ بالله ليؤخذ عنه.
٨٩٥ - أبو الوليد الكلابىّ [٣] .
٨٩٦ - أبو علىّ اليمامىّ .
٨٩٧ - الرّهيمىّ [٤] .
فى أيام قاسم الأنبارىّ، وروى عن أبى عبيد القاسم.
٨٩٨ - عرّام بن الأصبغ السّلمىّ .
٨٩٩ - أبو حجّار عبد الرحمن بن منصور الكلابىّ .
٩٠٠ - هرم [٥] بن زيد الكلبىّ .
٩٠١ - ابن زيد المازنىّ .
روى عنه محمد بن حبيب.
٩٠٢ - أبو النعمان .
أعرابى روى عنه ابن حبيب أيضا.
стр. 1325
٩٠٣ - [أبو المسلم العاصى [١]] .
روى عنه أبو عمرو الشيبانى في نوادره.
٩٠٤ - أبو مشقّر .
أعرابى، روى عنه أبو عطيّة.
٩٠٥ - جرو بن قطن .
٩٠٦ - أبو المضرحىّ .
وله كتاب «النوادر»، كتبه محمد بن يوسف بن أبى سعيد السّيرافىّ في بخطّه [٢].
٩٠٧ - أبو الخنساء .
واسمه عبّاد بن حبيب [٣] من بنى عمرو بن جندب، وكان زاوية للشعر لغويّا عالما بأخبار العرب.
٩٠٨ - أبو دعامة العبسىّ «١»
أعرابىّ فصيح علّامة راوية. دخل من البادية، وأطال المقام بالحضر، وانقطع إلى البرامكة، قيل اسمه علىّ بن بريد، بالراء [٤]. وله تصنيف، وهو كتاب «الشعر والشعراء».
стр. 1326
٩٠٩ - أبو رياش البصرى «١»
قد تقدم ذكره في ترجمة اسمه، إلّا أنّ الكنية له أشهر من اسمه، فرأيت أن أذكره أيضا في الكنى، وأورد له هاهنا [١] ما لم أورده هناك، فإن أراد مريد جميع أخباره نقلها من الموضعين:
كان أبو رياش نابغة [٢] فى حفظ أيّام العرب وأنسابها وأشعارها، غاية، بل آية فى هذّ [٣] دواوينها وسرد أخبارها، مع فصاحة وبيان، وإعراب وإتقان، ولكنّه كان عديم المروءة، وسخ اللّبسة، قليل التّنظيف.
وفيه يقول أبو عثمان الخالدىّ [٤]:
كأنّما قمل أبى رياش [٥] ... ما بين صئبان قفاه الفاشى [٦].
وذا وذا قد لجّ في انتفاش [٧] ... شهدا نج بدّد في خشخاش [٨].
وكان مع ذلك نهما شرها على الطعام، رجيم شيطان المعدة، حوتىّ الالتقام، ثعبانىّ الالتهام، سيّئ الأدب في المؤاكلة، ودعاه [٩] أبو يوسف اليزيدىّ وإلى البصرة
стр. 1327
الى مائدة [١] له يوما. فلما أخذ في الأكل مدّ يده إلى بضعه لحم [٢]، فانتهشتها ثم ردّها إلى القصعة. فكان بعد ذلك اذا حضر مائدته أمر بان يهيّأ له طبق ليأكل وحده.
ودعاه يوما المهلّبىّ [٣] الوزير إلى طعامه، فبينا هو يأكل معه إذ امتخط في منديل الغمر [٤] وبصق فيه، ثم أخذ زيتونة من قصعة فغمزها بعنف حتى طفرت نواتها، فأصابت وجه الوزير، فتعجّب من سوء أدبه [٥]، واحتمله لأدبه.
وفي شره أبى رياش يقول ابن لنكك [٦]:
يطير إلى الطعام أبو رياش ... مبادرة ولو واراه قبر
أصابعه من الحلواء صفر ... ولكنّ الأخادع منه حمر
وكان أبو رياش يردّ على أبى نواس الحسن بن هانئ وأبى تمام، يقول عنهما: أفسدا الشّعر، ولمّا بلغ ذلك ابن لنكك قال:
стр. 1328
يقول ابن هانى أفسد الشعر ضلّة ... وشعر أبى تمامكم هو أوضع [١]
أبا الريش يا صفعان صفعك واجب ... ولكن مضى من كان في الله يصفع [٢].
وله فيه:
نبّئت أنّ أبا رياش قد حوى ... علم اللّغات وفاق فيما يدّعى
من مخبر عنه فإنى سائل ... من كان حنّكه بأير الأصمعى
٩١٠ - أبو الرّجاء بن حرب الحلبىّ النحوىّ «١»
قرأ على نحاة بلده، ورحل إلى العراق في زمن ابن الخشّاب وابن الأنبارىّ وابن الشجرىّ ومن يجرى مجراهم، وأخذ طرفا من هذا النوع.
وكان- فيما قيل- بليد الخاطر. ورأيت بخطّه أوراقا ذكر فيها رحلته إلى العراق وما جرى له في حالة الطلب من جريات الأمور، وشاهدت في عبارته بخطّه ما يدل على قلة علمه بهذا الشأن، وقد كانت هذه الأوراق عند الإمام كمال الدين عمر بن أبى جرادة الحلبىّ [٣]، وهو وقف عليها. ولمّا استولى الملك الظاهر غازى بن صلاح الدين يوسف [٤] بن أيوب على حلب في حياة أبيه، اشتاقت نفسه إلى تعلّم العربية، فأحضر له أبو الرّجاء المذكور، وأقام في صحبته مفيدا له،
стр. 1329
ومستفيدا من برّه، إلى أن توجّه الملك الظاهر إلى نصرة أبيه بمرج [١] عكّا على الفرنج، فسار في صحبته، ومرض في طريقه، فانقطع بمدينة دمشق، ومات بها في حدود سنة خمس وثمانين وخمسمائة.
ورأيت بخطه أجزاء من كتاب «الكشاف» للزمخشرى في تفسير القرآن، وفيها سقم ظاهر، ورأيت من تلامذته ابن الحبرانىّ [٢] الحلبىّ النحوىّ، وسألته عن علمه فعلّل القول في وصفه ولم يبالغ.
٩١١ - أبو زياد الكلابىّ، واسمه يزيد بن عبد الله بن الحرّ «١»
أعرابىّ بدوىّ، قال دعبل: قدم أبو زياد من البادية أيّام المهدىّ، حين أصابت النّاس المجاعة، ونزل بغداد في قطيعة العباس بن محمد، وأقام بها أربعين سنة، وبها مات.
وكان لغويّا شاعرا فصيحا، من بنى عامر بن كلاب.
وصنّف كتبا جليلة، كثيرة الفوائد، مستوفاة في فنها، واسترق [٣] العلماء بعده منها، فمن ذلك: كتاب «النّوادر [٤]» وهو أتمّ كتاب عمل في هذا النوع، وأكثرها فائدة. كتاب «الفرق». كتاب «خلق الانسان». كتاب «الإبل».
стр. 1330
٩١٢ - أبو سفيان بن العلاء، أخوأبى عمرو بن العلاء «١»
اسمه كنيته لا غير. كان من النّحويين وأصحاب الغريب، قائما بعلم النّسب، وكان أبو عمرو أكبر منه سنّا.
قال يحيى بن معين: روى شعبة عن أبى سفيان بن العلاء، ووثّقه يحيى.
توفّى سنة خمس وستين ومائة.
٩١٣ - أبو سوّار الغنوىّ «٢»
أعرابىّ فصيح، أخذ عنه أبو عبيدة فمن دونه، وله مجلس مع محمد بن حبيب وأبى عثمان المازنىّ، قال أبو عثمان: قرأت على أبى وأنا غلام: (فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ) *
[١]، فقال أبو سوّار- وكان فصيحا: (يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ) *
[١]، فقال أبى: «من خلله» قراءة! فقال أبو سوّار: أما سمعت قول الشاعر:
ثنين بغمرة يخرجن منها [٢] ... خروج الودق من خلل السّحاب
قال أبو عثمان: خلل وخلال واحد، وهما مصدران.
٩١٤ - أبو السخاء الحائك الحلبىّ النّحوىّ «٣»
من عوامّ حلب، قرأ شيئا من النّحو على مشايخ بلده، وفهم أوائله، وعدم فى زمنه من يعرف هذا الشأن، بسبب قرب خراب حلب بنزول الفرنج عليها
стр. 1331
فى شهور سنة ثمان عشرة خمسمائة، وأقامت بعده برهة لا عالم بها، فأخذ عنه النّاس النحو بمقدار ما علمه.
ورأيت من تلامذته الشيخ موفّو الدين يعيش بن علىّ بن يعيش الحلبىّ.
ومات في حدود سنة ستين وخمسمائة بحلب.
٩١٥ - أبو سعيد بن حرب بن غورك النّحوى الإفريقى القروىّ «١»
شيخ فاضل متصدّر لإفادة العلم بذلك القطر، وكان يقال: إنّ ابن غورك أعلم من المهرىّ بالقرآن وحدود النّحو، وكان المهرىّ أوسع منه راوية، وأعلم باللّغة والشعر. وكان كثير الوقار، قليل الكلام، وكان ينسب من أجل ذلك إلى الكبر، وكان لا يبتسم في مجلسه فضلا عن أن يضحك.
قال إسحاق بن خنيس: بينما نحن مع ابن غورك في مجلسه إذ أقبل رجل زعم أنه أقبل من المشرق، فقال له: حركات الأعراب كم هى؟ فقال: ابن غورك ثلاث: الرفع والخفض والنصب، قال: بقى عليك، بل هى أربع، فقال له:
وما الرابعة؟ قال: الخضخضة، فقال له ابن غورك: ارفع «زيدا». فقال:
«زيد». قال: انصب «زيدا» قال: «زيدا». قال: اخفض «زيدا».
قال: «زيد». قال: خضخض «زيدا». قال: «ززيد» فضحك وضحكنا، ثم ضحكنا كثيرا، فلم ينهنا عن ذلك.
وله أشعار فصيحة كثيرة.
стр. 1332
٩١٦ - أبو الشمخ «١»
أعرابىّ بدوىّ فصيح. نزل الحيرة، وأخذ عنه النّاس اللغة، قال محمد ابن يوسف بن أبى سعيد السّيرافىّ: إنه رأى له مصنّفات في اللغة بخط صعودا [١]، وهو كتاب «الإبل».
٩١٧ - ابو شبل العقيلىّ «٢»
أعرابى فصيح، واسمه الخليج، وله شعر جيد، وفد على الرشيد، واتصل بالبرامكة، وصنف كتبا في الغريب، منها: كتاب «النوادر».
قال محمد بن إسحاق النديم: رأيته بخط عتيق، بإصلاح أبى عمر الزاهد، نحو ثلاثمائة ورقة.
٩١٨ - أبو طالب المكفوف النحوىّ الكوفىّ «٣»
صاحب الكسائىّ، أخذ عنه جزءا متوفّرّا من النّحو، وبرع فى فنّه، وصنّف كتابا في حدود الحروف العوامل والأفعال. واختلاف معانيها.
стр. 1333
٩١٩ - أبو عمرو بن العلاء المقرى النحوىّ «١»
إمام أهل البصرة فى القراءة والنّحو، قدوة في العلم باللّغة. أخذ عن جماعة من التابعين. وهو في النّحو في الطبقة الرابعة بعد علىّ بن أبى طالب كرم الله وجهه.
واختلف في اسمه ونسبه؛ فأمّا اسمه فقيل: اسمه زيّان [١]. وقيل: العريان.
وقيل: أبو عمرو، ولا اسم له غيره. وكذلك أبو سفيان بن العلاء، اسمه كنيته، لا اسم له غيره. وكان أبو سفيان بن العلاء أخوه ناسبا [٢]، وكان لهما أخ اسمه معاذ، روى ذكره ابن معين [٣].
فأمّا نسبه في الروايات؛ فأبو [٤] عمرو بن العلاء بن عمار بن عبد الله بن الحصين ابن الحارث بن جلهم بن خزاعىّ بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم- ويقال:
ابن جلهم- بن حجر بن خزاعىّ.
وقال المبّرد: هو من بنى مازن بن مالك بن عمرو بن تميم.
стр. 1334
وقال محمد بن سلّام: مرّ أبو عمرو بن العلاء بمجلس قوم، فقال رجل من القوم:
ليت شعرى، فمن هذا؟ أعربىّ اليوم أم مولى؟ وهو على بغلة له، فقال: النسب فى مازن: والولاء في العنبر، وقال: عدس [١] للبغلة، ومضى.
وقال يحيى بن معين: معاذ بن العلاء، أخو عمرو، ولهم أخ آخر يقال له أبو سفيان بن العلاء، ثقة، وهم من خزاعىّ بن تميم، وقدما إلى الكوفة، وأخذ النّاس عنهما، وكان لهما بنون. وتوفّى أبو عمرو سنة أربع وخمسين. هذا كلّه قول يحيى بن معين.
وسأل رجل أبا عمرو بن العلاء حاجة فوعده بها، ثمّ إنّ الحاجة تعذّرت على أبى عمرو، فلقيه الرجل بعد ذلك، فقال له: يا أبا عمرو، وعدتنى وعدا فلم تنجزه، فقال له أبو عمرو: فمن أولى بالغمّ؟ أنا أو أنت؟ قال الرجل: أنا، قال أبو عمرو: لا، بل أنا والله، قال: وكيف ذلك أصلحك الله! قال: لأنّى وعدتك وعدا، فأنت بفرح الوعد، وأنا بهمّ الإنجاز، وبتّ ليلتك فرحا مسرورا، وبتّ ليلتى مفتكرا مهموما، ثم عاق القدر عن بلوغ الإرادة، فلقيتنى مدلّا، ولقيتك محتشما.
وقال العريان بن أبى سفيان بن العلاء: كنت عند عمّى أبى عمرو، فأتاه أكّار له، فأخبره عن أرض بما كره، فقال:
قرعت مروتى الحوادث حتّى ... ما أبالى أكثرت أم أقلّت
ولأبى العلاء أولاد، منهم ولد يقال له بشر: قال بشر: لما حضرت والدى الوفاة جزعت، فقال: يا بنىّ لا تجزع، فإنّك لم تمت أباك، إنما أفنيته.
قال الأصمعىّ: قال أبو عمرو بن العلاء: لقد علمت من النّحو ما لم يعلمه الأعمش [٢]، وما لو كتب لما استطاع أن يحمله.
стр. 1335
وقال الأصمعىّ: سألت أبا عمرو بن العلاء عن ألف مسألة فأجابنى فيها بألف حجّة.
وكان أبو عمرو رأسا في حياة الحسن بن أبى الحسن البصرىّ [١]، مقدّما في عصره.
وقال أبو عبيدة: كان أبو عمرو أعلم النّاس بالعرب والعربيّة وبالقرآن والشّعر، وكانت داره خلف دار جعفر بن سليمان، وكانت كتبه التى كتب عن العرب الفصحاء قد ملأت بيتا له إلى قريب من السّقف، ثمّ إنه تغيّر فأحرقها كلّها، فلمّا رجع إلى علمه الأوّل لم يكن عنده إلا ما حفظه بعلمه، وكانت عامة أخباره عن أعراب قد أدركوا الجاهليّة.
وقال الأصمعىّ: جلست إلى أبى عمرو عشر حجج، فلم أسمعه يحتجّ ببيت إسلامىّ.
قال: وفي أبى عمرو بن العلاء يقول الفرزدق:
ما زلت أغلق أبوابا وأفتحها ... حتى أتيت أبا عمرو بن عمّار [٢].
وذكر أبو عبيد القاسم بن سلّام، قال: دخل أبو عمرو بن العلاء على سليمان ابن علىّ، فسأله عن شىء فصدقه فلم يعجبه ما قال، فوجد أبو عمرو في نفسه وخرج، وهو يقول:
أنفت من الذّلّ عند الملوك ... وإن أكرمونى وإن قرّبوا [٣].