فى شهور سنة ثمان عشرة خمسمائة، وأقامت بعده برهة لا عالم بها، فأخذ عنه النّاس النحو بمقدار ما علمه.
ورأيت من تلامذته الشيخ موفّو الدين يعيش بن علىّ بن يعيش الحلبىّ.
ومات في حدود سنة ستين وخمسمائة بحلب.
٩١٥ - أبو سعيد بن حرب بن غورك النّحوى الإفريقى القروىّ «١»
شيخ فاضل متصدّر لإفادة العلم بذلك القطر، وكان يقال: إنّ ابن غورك أعلم من المهرىّ بالقرآن وحدود النّحو، وكان المهرىّ أوسع منه راوية، وأعلم باللّغة والشعر. وكان كثير الوقار، قليل الكلام، وكان ينسب من أجل ذلك إلى الكبر، وكان لا يبتسم في مجلسه فضلا عن أن يضحك.
قال إسحاق بن خنيس: بينما نحن مع ابن غورك في مجلسه إذ أقبل رجل زعم أنه أقبل من المشرق، فقال له: حركات الأعراب كم هى؟ فقال: ابن غورك ثلاث: الرفع والخفض والنصب، قال: بقى عليك، بل هى أربع، فقال له:
وما الرابعة؟ قال: الخضخضة، فقال له ابن غورك: ارفع «زيدا». فقال:
«زيد». قال: انصب «زيدا» قال: «زيدا». قال: اخفض «زيدا».
قال: «زيد». قال: خضخض «زيدا». قال: «ززيد» فضحك وضحكنا، ثم ضحكنا كثيرا، فلم ينهنا عن ذلك.
وله أشعار فصيحة كثيرة.
стр. 1332
٩١٦ - أبو الشمخ «١»
أعرابىّ بدوىّ فصيح. نزل الحيرة، وأخذ عنه النّاس اللغة، قال محمد ابن يوسف بن أبى سعيد السّيرافىّ: إنه رأى له مصنّفات في اللغة بخط صعودا [١]، وهو كتاب «الإبل».
٩١٧ - ابو شبل العقيلىّ «٢»
أعرابى فصيح، واسمه الخليج، وله شعر جيد، وفد على الرشيد، واتصل بالبرامكة، وصنف كتبا في الغريب، منها: كتاب «النوادر».
قال محمد بن إسحاق النديم: رأيته بخط عتيق، بإصلاح أبى عمر الزاهد، نحو ثلاثمائة ورقة.
٩١٨ - أبو طالب المكفوف النحوىّ الكوفىّ «٣»
صاحب الكسائىّ، أخذ عنه جزءا متوفّرّا من النّحو، وبرع فى فنّه، وصنّف كتابا في حدود الحروف العوامل والأفعال. واختلاف معانيها.
стр. 1333
٩١٩ - أبو عمرو بن العلاء المقرى النحوىّ «١»
إمام أهل البصرة فى القراءة والنّحو، قدوة في العلم باللّغة. أخذ عن جماعة من التابعين. وهو في النّحو في الطبقة الرابعة بعد علىّ بن أبى طالب كرم الله وجهه.
واختلف في اسمه ونسبه؛ فأمّا اسمه فقيل: اسمه زيّان [١]. وقيل: العريان.
وقيل: أبو عمرو، ولا اسم له غيره. وكذلك أبو سفيان بن العلاء، اسمه كنيته، لا اسم له غيره. وكان أبو سفيان بن العلاء أخوه ناسبا [٢]، وكان لهما أخ اسمه معاذ، روى ذكره ابن معين [٣].
فأمّا نسبه في الروايات؛ فأبو [٤] عمرو بن العلاء بن عمار بن عبد الله بن الحصين ابن الحارث بن جلهم بن خزاعىّ بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم- ويقال:
ابن جلهم- بن حجر بن خزاعىّ.
وقال المبّرد: هو من بنى مازن بن مالك بن عمرو بن تميم.
стр. 1334
وقال محمد بن سلّام: مرّ أبو عمرو بن العلاء بمجلس قوم، فقال رجل من القوم:
ليت شعرى، فمن هذا؟ أعربىّ اليوم أم مولى؟ وهو على بغلة له، فقال: النسب فى مازن: والولاء في العنبر، وقال: عدس [١] للبغلة، ومضى.
وقال يحيى بن معين: معاذ بن العلاء، أخو عمرو، ولهم أخ آخر يقال له أبو سفيان بن العلاء، ثقة، وهم من خزاعىّ بن تميم، وقدما إلى الكوفة، وأخذ النّاس عنهما، وكان لهما بنون. وتوفّى أبو عمرو سنة أربع وخمسين. هذا كلّه قول يحيى بن معين.
وسأل رجل أبا عمرو بن العلاء حاجة فوعده بها، ثمّ إنّ الحاجة تعذّرت على أبى عمرو، فلقيه الرجل بعد ذلك، فقال له: يا أبا عمرو، وعدتنى وعدا فلم تنجزه، فقال له أبو عمرو: فمن أولى بالغمّ؟ أنا أو أنت؟ قال الرجل: أنا، قال أبو عمرو: لا، بل أنا والله، قال: وكيف ذلك أصلحك الله! قال: لأنّى وعدتك وعدا، فأنت بفرح الوعد، وأنا بهمّ الإنجاز، وبتّ ليلتك فرحا مسرورا، وبتّ ليلتى مفتكرا مهموما، ثم عاق القدر عن بلوغ الإرادة، فلقيتنى مدلّا، ولقيتك محتشما.
وقال العريان بن أبى سفيان بن العلاء: كنت عند عمّى أبى عمرو، فأتاه أكّار له، فأخبره عن أرض بما كره، فقال:
قرعت مروتى الحوادث حتّى ... ما أبالى أكثرت أم أقلّت
ولأبى العلاء أولاد، منهم ولد يقال له بشر: قال بشر: لما حضرت والدى الوفاة جزعت، فقال: يا بنىّ لا تجزع، فإنّك لم تمت أباك، إنما أفنيته.
قال الأصمعىّ: قال أبو عمرو بن العلاء: لقد علمت من النّحو ما لم يعلمه الأعمش [٢]، وما لو كتب لما استطاع أن يحمله.
стр. 1335
وقال الأصمعىّ: سألت أبا عمرو بن العلاء عن ألف مسألة فأجابنى فيها بألف حجّة.
وكان أبو عمرو رأسا في حياة الحسن بن أبى الحسن البصرىّ [١]، مقدّما في عصره.
وقال أبو عبيدة: كان أبو عمرو أعلم النّاس بالعرب والعربيّة وبالقرآن والشّعر، وكانت داره خلف دار جعفر بن سليمان، وكانت كتبه التى كتب عن العرب الفصحاء قد ملأت بيتا له إلى قريب من السّقف، ثمّ إنه تغيّر فأحرقها كلّها، فلمّا رجع إلى علمه الأوّل لم يكن عنده إلا ما حفظه بعلمه، وكانت عامة أخباره عن أعراب قد أدركوا الجاهليّة.
وقال الأصمعىّ: جلست إلى أبى عمرو عشر حجج، فلم أسمعه يحتجّ ببيت إسلامىّ.
قال: وفي أبى عمرو بن العلاء يقول الفرزدق:
ما زلت أغلق أبوابا وأفتحها ... حتى أتيت أبا عمرو بن عمّار [٢].
وذكر أبو عبيد القاسم بن سلّام، قال: دخل أبو عمرو بن العلاء على سليمان ابن علىّ، فسأله عن شىء فصدقه فلم يعجبه ما قال، فوجد أبو عمرو في نفسه وخرج، وهو يقول:
أنفت من الذّلّ عند الملوك ... وإن أكرمونى وإن قرّبوا [٣].
стр. 1336
إذا ما صدقتهم خقتهم ... ويرضون منّى بأن يكذبوا
قال الأصمعىّ: كان أبو عمر بن العلاء يغلّ من دار له فى كلّ يوم فلسين، وكان يشترى بفلس في كل يوم كوزا يشرب فيه يومه، فإذا أمسى تصدّق به، ويشترى بفلس ريحانا فيشمّه يومه، فإذا أمسى أمر الجارية أن تجفّفه ويدقّ فى الأسنان.
قال الأصمعىّ: جلست إلى أبى عمرو بن العلاء، ولى تسع عشر سنة، وتوفّى أبو عمرو ولى سبع وعشرون سنة، ما سمعت أحدا يسأله عن شىء عىّ بجوابه، ولا سألته أنا عن شىء إلّا وجدت عنده منه علما.
وذكر [ابن أخى] الأصمعىّ عن عمّه، قال: كنت إذا سمعت أبا عمرو ابن العلاء يتكلّم ظننت أنه لا يحسن شيئا ولا يلحن، يتكلّم كلاما سهلا.
وقال أبو عمرو بن العلاء: نظرت في هذا العلم قبل أن أختن، وهو يومئذ ابن أربع وثمانين.
وقيل له: حتى متى يحسن بالمرء أن يتعلّم؟ قال: ما دامت الحياة تحسن به.
وأخافه الحجّاج [١] بن يوسف- وكان يستتر منه- قال: فحرجت يوما أريد التنقّل من الموضع الّذى كنت فيه إلى غيره، فسمعت منشدا ينشد:
ربّما تكره النّفوس من الأمر له فرجة كحلّ العقال [٢].
стр. 1337
وسمعت عجوزا تقول: مات الحجّاج. قال: فما أدرى بأيّهما كنت أسرّ؟ بقول المنشد: «فرجة» بالفتح، أو بقول العجوز: «مات الحجاج»! وسمعت في هذا الخبر زيادة أن أبا عمرو سأل المنشد، وقال له: «فرجة» بالضمّ؟ فقال له: «الفرجة» بالفتح بين الأمرين، وبالضمّ بين الجبلين.
وسئل أبو عمرو عن اشتقاق الخيل، فلم يعرفه، فمرّ أعرابىّ محرم، فأراد السائل سؤال الأعرابىّ، فقال له أبو عمرو: دعنى، فأنا ألطف بسؤاله وأعرف، فسأله، فقال الأعرابىّ: اشتقاق الاسم من فعل المسمّى، فلم يعرف القوم ما أراد الأعرابىّ، فسألوا أبا عمرو عن ذلك، فقال: ذهب إلى «الخيلاء» الّتى فى الخيل والعجب، ألا ترى أنها تمشى العرضنة [١] خيلاء وتكبّرا! وسمع أبو عمرو منشدا ينشد:
ومن يغو لا يعدم على الغىّ لائما [٢]
فقال له: أقّومك أم أتركك تتسكّع في طمّتك! فقال: قوّمنى؛ قال: قل:
«ومن يغو» بكسر الواو، ألا ترى قول الله : (فَغَوى)
[٣].
[عنى] بقوله: «تتسكّع» أى تتلوّث. والطّمه. الخرأة.
وخرج أبو عمرو بن العلاء عن البصرة طالبا للشام، ليجتدى عبد الوهاب ابن إبراهيم [٤]، فمات في طريق الشّام سنة أربع وخمسين ومائة، وله عقب بالبصرة.
стр. 1338
هذا قول القتيبىّ، وهو غير صحيح، والصّحيح ما ذكره أبو عبيدة، قال:
خرج أبو عمر بن العلاء إلى دمشق إلى عبد الوهاب بن إبراهيم يجتديه، ثم رجع فمات بالكوفة، فصلّى عليه محمّد بن سليمان، وهو أمير الكوفة يومئذ، وكان يغشى عليه ويفيق، فإذا ابنه بشر يبكى، فيقول: ما يبكيك وقد أتت علىّ أربع وثمانون سنة! وقيل: توفّى سنة تسع وخمسين ومائة.
وقبر أبى عمرو بالكوفة مكتوب عليه: «هذا قبر أبى عمرو بن العلاء مولى بنى حنيفة».
ولولا أنّنى وقفت عند قول أبى عمرو بن العلاء: «الحقّ نتف، ويكره الإكثار فى كلّ باب، وأحسن الأشياء أن يقصد إيجاز الكلام»؛ لأطلت في أخباره، وأكثرت من إيراد آثاره، ﵀ ورضى عنه وأرضاه! وجاء عيسى [١] بن عمر الثّقفىّ إلى أبى عمرو بن العلاء، فقال له: يا أبا عمرو، ما شىء بلغنى أنّك تجيزه؟ قال: وما هو؟ قال: بلغنى أنّك تجيز: «ليس الطيب إلّا المسك» بالرفع، فقال أبو عمرو: نمت يا أبا عمر، وأدلج الناس [٢]! ليس فى الأرض حجازىّ إلا وهو ينصب، ولا في الأرض تميمىّ إلّا [٣] وهو يرفع. قال
стр. 1339
اليزيدى [١]: [ثم قال لى أبو عمرو [٢]]: تعالى يا يحيى، وتعال يا خلف- يعنى الأحمر- اذهبا إلى أبى المهدىّ [٣] فلقنّاه الرفع، فإنه لا يرفع- وكان حجازيا باهليّا- واذهبا إلى المنتجع التميمىّ فلقناه النصب، فإنه لا ينصب. قال اليزيدىّ:
فذهبت أنا وخلف، فأتينا أبا المهدىّ، فإذا هو يصلّى، وكان به عارض، وإذا هو يقول في الصلاة: اخسأنانّ عنّى! ثم قضى صلاته، وانفتل إلينا، وقال:
ما شأنكما؟ فقلنا: جئتا نسألك عن شىء من كلام العرب، فقال: قولا، فقال خلف: كيف تقول: «ليس الطّيب إلا المسك»، فقال: أتأمرانى بالكذب على كبر السّنّ! فأين الجادىّ [٤] وأين كذا؟ وأين كذا؟ فقال له خلف:
ليس الشّراب إلا العسل، قال: فما تصنع سودان هجر؟ ما تعرف شرابا إلا التمر [٥]، قال اليزيدىّ: فلما رأيت ذلك منه قلت: ليس ملاك الأمر إلا طاعة الله والعمل بها، [فرفعت [٦]]. فقال: هذا كلام لا دخل [٧] فيه، ثم قال: «ليس ملاك الأمر إلا طاعة الله، والعمل بها»، فنصب. قال [٨] اليزيدىّ: فقلتها بالرفع [٨]، فقال:
ليس هذا من لحنى ولا من لحن قومى، فكتبنا منه ما سمعنا، فقال: ألا أنشدكما أبياتا قلتها حين سمعت تراطن هذه الأعاجم حولى؟ قلنا: بلى، فأنشدنا:
يقولون لى شنبذ ولست مشنبذا ... طوال اللّيالى، أو يزول ثبير [٩].
стр. 1340
ولا قائلا «زوذا» لأعجل صاحبى ... و «بستان» فى صدرى علىّ كبير
ولا تاركا لحنى لأحسن لحنكم ... ولو دار صرف الدّهر حيث يدور
قال اليزيدىّ: فكتبنا هذه الأبيات، وأتينا المنتجع، فأتينا رجلا يعقل، فقال له خلف: كيف تقول: «ليس الطيّب إلا المسك»؟ فقالها ورفع، فلقّنّاه النّصب، وجهدنا به في ذلك، فلم ينصب، وأبى إلّا الرّفع، قال: فأتينا أبا عمرو، فأعلمناه وعنده عيسى بن عمر لم يبرح، قال: فأخرج عيسى خاتمه من يده فقال: لك الخاتم، بهذا والله فقت الناس.
وسأل أبو عمرو بن العلاء أبا حنيفة النّعمان بن ثابت، عن رجل ضرب رأس آخر بصخرة عظيمة، لا ينجو منها من ضرب بها، فقال: لا قود عليه، ولو ضرب رأسه ب «أبا قبيس» فقال له أبو عمرو: هذا كلام بشع، فقال أبو حنيفة:
وما بشع؟ فقال أبو عمرو: ولا تعرف البشع أيضا! قلت: وهذا ليس يقدح في الإمام أبى حنيفة رضى الله عنه، فإن الفرقة النازلة بالكوفة من العرب كانوا لا يظهرون الإعراب فى تثنية مثل هذا، ومنه قول الشاعر:
إنّ أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها [١].
وأما قوله: «بشع» فليست باللّغة المستعملة الشائعة في ذلك الوقت، ولا ممّا سار على ألسن أهل المدر نقلا عن أهل الوبر، وإن نقلها أبو عمرو بن العلاء
стр. 1341
عن أعراب المربد، فما نقلها أبو حنيفة عن قاطنى الكوفة، وإذا أردت أن تعرف قلّتها وشذوذها، فتتبّعها في منظوم الشعراء من أهل البادية ومنثور البلغاء منهم، فلا نجدها سارية سائرة، بل هى في كلامهم كالحوشىّ الوحشىّ، ثم إذا تطعّمتها بآلة ذوق الألفاظ، وجدتها غير جليّة الجرس، وإذا وزنتها بميزان الألفاظ ألفيتها غير خفيفة على النّفس.
وجاء عمرو بن بن عبيد المتكلم المعتزلىّ [١] إلى أبى عمرو، فقال: يا أبا عمرو، أخلف الله وعده؟ قال: لا، قال: أفرأيت من وعده الله على عمله عقابا يخلف وعده فيه؟ فقال أبو عمرو: أمن العجمة أتيت أبا عثمان [٢]! إنّ الوعد غير الوعيد، إن العرب لا تعد عارا ولا خلفا، والله ، إذا وعد وفّى، وإذا أوعد ثم لم يفعل كان ذلك كرما وتفضّلا، وإنما الخلف أن تعد خيرا ثم لا تفعله، قال:
وأجد هذا في كلام العرب؟ قال: نعم، أما سمعت قول الأوّل:
ولا يرهب ابن العمّ ما عشت صولتى ... ولا أختفى من صولة المتهدّد [٣].
وإنى وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادى ومنجز موعدى
وتكلم في هذه الآية: (وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ)
[٤] قال: فكيف خرج القول من الفريقين بلفظ واحد، وهو وعد؟ فقال: لأن العرب تقول:
«وعدته خيرا ووعدته شرا» فلو أسقطوا الخير والشر، قيل في الخير: وعدت، وفي الشّر: أوعدت.
стр. 1342
٩٢٠ - أبو عبد الله بن الجلّاب الواسطى النحوىّ المقرئ الضرير «١»
شيخ نحوىّ من أهل القرآن والسّتر والفضل، ذكره ابن التّنوخىّ [١]، وقال بعد وصفه بالجميل: كان ابن محمان النّقيب قد عارض هذا الشيخ في عقار له، واحتجّ عليه بأنه لبعض أصحاب بختيار [٢]، وأنّه باعه [٣] منه حيلة على السلطان، وأدخل يده في العقار، وذلك في أيّام عضد الدّولة فنّاخسرو [٤].
قال: فأتانى الرجل لأسأل ابن محمان في أمره، فركبت إلى ابن محمان، وسألته أن يقنع منه باليسير، فأجابنى وانصرفت، فقال له بعض الكتاب بعد انصرافى: هذه حيلة عليك، وأنت تعرف منزلة التّنوخىّ عند عضد الدولة، وإنّما بعثه إليك ليعلم فعلك في الأموال، والواجب أن تسبقه إلى الملك، وتعرّفه القصّة، فتركه ومضى إلى الملك، وتحدّث معه في ذلك وبالغ، فجاءنى رسول الملك يستدعينى، فلمّا دخلت إليه وجدت ابن محمان قائما، فقال لى الملك: خاطبت اليوم هذا في كذا وكدا؟ وذكر القصّة، فقلت: نعم، فقال: وما حملك
стр. 1343
على هذا؟ فقلت: هذا رجل له صيت في البلد [فى] القرآن والنّحو والسّير، وهو ضرير وفقير، ولا ملك له ببغداد إلا هذا العقار، ولما سألنى ذلك أعلمت أبا علىّ بن محمان كيت وكيت، وهو يجيب العوّامّ إلى ترك أضعاف هذا.
فقلق ابن محمان من قولى، وقال: ما تركت لأحد شيئا قطّ، فقلت: هذا تسوّق ينكشف الساعة بأن تحضر أبا بكر [١] بن حمدون التاجر الرازى، وفلانا، وفلانا، الّذين هم يتوسطوّن بأمور الصالحين، ويسألون عمّا ينظر بوسائطهم لنعلم ذلك، وأحسن حالتى معك أن تكون لى أسوة أمام هؤلاء في الوساطة، وإنما أنت تتسوّق بهذا، وتريد أن تعرّف الملك أنّك من الاجتراء على ما هذه صورته؛ فالتفت إليه الملك واستخفّ به بالفارسية، وكلّمنى بالعربية كلاما فيه إنكار لمعارضة الثواب في وجوه الانتفاع، فجمع بين المصلحتين فى إساءته، قال:
والواجب ألّا يسأل في مثل هذا غيرى، لأفعل أنا فيه ما أراه من المصلحة، فقلت:
السمع والطاعة، وانصرفت، وقد صارت بينى وبين ابن محمان وحشة، لم أزل أعرفها فيه إلى أن قتل في أيام بهاء الدولة [٢] بن عضد الدولة.
٩٢١ - أبو عبد الله بن عاصم النحوى الأندلسىّ «١»
نحوىّ مشهور مذكور في ناحيته، وذكره أبو محمد علىّ بن أحمد [٣]، وقال:
إنّه كان لا يقصّر عن أكابر أصحاب محمد بن يزيد المبرّد.
стр. 1344
٩٢٢ - أبو عبد الله الفهرىّ اللغوى «١»
غلام أبى علىّ القالى، من أهل الأندلس، لازم أبا علىّ القالى حتى نسب إليه لطول الملازمة.
وقال أبو عبد الله الفهرىّ اللّغوىّ: دعانى يوما رجل من إخوانى إلى حضور عرس [١] له في أيّام الشبيبة والطّلب، فحضرت مع جماعة من أهلى، وحضر جماعة من المهلّبيّن، وفيهم ابن [٢] مقيم الزّامر، وكان طيّب المجلس، صاحب نوادار، فانحرف إلينا، وقال: مسألة في الأدب أسألها؟ فقلنا: قل، فقال: بماذا تسمّى الدويبّة السوداء التى تكون في الباقلاء عند أهل اللغة؟ قال ابن الفهرىّ:
فراجعنا اسمها فلم نعرفه، ولا مرّ بنا، فقلنا له: ما نعرف، أفدنا، فقال: نعم، هذه تسمّى البيقران، قال الفهرىّ: فتصوّرت في ذهنى وقلت: «فيعلان» من بقر يبقر، يوشك أن يكون هذا، فعددتها فائدة. وبينما نحن بعد مدّة عند أبى علىّ القالى، إذ سألنا هذه المسألة بعينها، قال الفهرىّ: فأسرعت الإجابة ثقة بما جرى، فقلت: تسمى البيقران، فقال: من أين تقول هذا؟ فأخبرته بما جرى، فقال: إنا لله! رجعت تأخذ اللّغة عن أهل الزّمر! لقد ساءنى مكانك، وجعل يؤنّبنى، ثم قال: هى الدّقنس والدّنقس، قال الفهرىّ يطيّب [٣] الحكاية:
فتركت روايتى عن ابن مقيم الزامر، لروايتى عن أبى على القالى.
стр. 1345
٩٢٣ - أبو عبد الله حسين بن محمد التميمىّ العنبرىّ الدّارونىّ القيروانىّ المغربىّ النحوى الإفريقىّ المعروف بابن أخت العاهة «١»
والدّارون: موضع بعمل القيروان. وكان إماما في اللّغة والعلم بالشعر، وقرئ عليه، وسمع منه في حياة أبى محمد المكفوف النحوىّ، وكان مشغوفا بديوان ذى الرّمة، وكان أعلم الناس به وبغيره من دواوين الشعراء، إلى معرفته بأخبار العرب وأنسابها وأيامها ووقائعها، وكان يتفقّه بالكوفيّين. وكان معجبا بعلمه، ونسبه، شديد الافتخار به، يتجاوز فيه الحدّ، ولا يحضر مجلسا إلا افتخر فيه بتميم، ويسرف في ذلك حتى يملّ، وينسب فيه إلى السّخف، قال بعض جلسائه [١]: كنت يوما جالسا معه في المسجد الّذى يجلس فيه، وقوم يقرءون عليه، إلى أن دخل رجل فسلّم، وسأله عن حاله، فذكر أنه قدم من الشّرق، فقال: أين بلغت؟ قال: البصرة، قال: كيف تميم هناك؟ قال: قوم حالهم مثل حال غيرهم، ومنهم قوم في البادية، ومن كان بالبصرة، فواحد تاجر، وآخر صانع [٢].
وبيّاع وعمّال إلى غير ذلك، فساءه ذلك وغمّه، وقال: إنا لله! صارت بنو تميم إلى هذه الحال! ووجم، وأمر الذين يقرءون عليه أن ينصرفوا، ولم يسمعهم فى ذلك اليوم شيئا من الغمّ بما أخبره.
وكان له بنات فخطب إليه جماعة ممّن يتّجر ويحترف، فامتنع من تزويجهم، وكان يمضى إلى البادية فإذا وجد رجلا غريبا لا حرفة له زوّجه على ألّا يعمل بيده
стр. 1346
شيئا، ولا يحرث ولا يحصد، ويضمن له القيام بمعيشته، حتى زوّجهنّ كلّهنّ على ذلك، فكثر عياله، وساء حاله لقيامه ببناته وأزواجهنّ، ولم يزل على هذه الحال إلى أن مات.
قال بعض الرواة [١]: أتانى يوما فسألته عن حاله، فجعل يحدّثنى وكأنّه مشغول القلب، فقلت له: ما بالك؟ فقال: ابنى تميم جاء معى، فقلت: يدخل- وأمرت الغلام بإدخاله فلم يجده- فتبسّم وقال: أنفس بنى تميم! لمّا دخلت وتركته غضب.
وكان الدارونىّ شاعرا مجوّدا كثير الشّعر جيّد الطّبع، مقتدرا على المعانى.
وأملق أبو عبد الله الدارونىّ [٢] يوما، فكتب إلى أبى جعفر المروزىّ، وكان يخدم الشّيعة:
كتمت إعسارى وأخفيته ... خوفا بأن أشكو إلى معسر
وأن يقول النّاس إنّى فتى ... لم أصن العرض ولم أصبر
فإن تكن في حاجة شاكيا ... فاشك إلى مثل أبى جعفر
فهو لما أمّلته أهله ... وما أراه اليوم بالموسر
فأجابه وقال:
أفضل ما يذكره ذاكر ... إغاثة المحتاج والمقتر
لا سيما شكوى حسين لما ... مضّ به قلب أبى جعفر
فلو حباه كلّ ما يحتوى ... لم يك في ذلك بالمكثر
لكنّه صادف أحواله ... منظرها يشهد بالمخبر
فوجّه التّافه من قوته ... نزرا، ولو أكثر لم يكثر
стр. 1347
ودخل الدّارونىّ يوما على خليل، وكان يومئذ يجهز بعثا لبعض ملوك الشّيعة، فدخل عليه وهو يكتب أسماءهم، فسأله الدارونىّ إسقاط ثلاثة نفر من أوليائه، فتأبّى عليه خليل، واعتذر له، واحتجّ في المنع، فوجم الدّارونىّ، فلمّا رأى ذلك قال: حجّتى يا تميمىّ صحيحة، فأجابه الدارونىّ، وقال:
اقض حاجاتى ودعنى ... من قوافيك المليحه
انّما يحمد حسن الفع ... ل لا حسن القريحه
فأجابه خليل فقال:
من تعاطاك فقد ع ... رض بالنّفس الفضيحه
أنت أولى رجل جا ... دت له النّفس الشّحيحه
فقضى حاجته، وكان هذا منهما في مجلس على البديهة.
وتوفّى سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة.
٩٢٤ - أبو عبد الله بن رطويه النحوىّ «١»
هذا نحوىّ لم أعلم له خبرا، إلا أن ابن نصر الكاتب ذكره في كتابه المسمّى ب «المفاوضة»، فقال ما مثاله: كان قد شجربين أبى عبد الله بن رطويه النحوىّ وبين أبى الفتح أحمد بن عيسى الملقب بحمدويه منازعة في شىء من القوافى، وهل يجوز تحريك حرف الدّخيل [١] بغير الحركة التى بدأبها؟ فزعم أبو عبد الله أن ذلك لا يجوز للشاعر، وادّعى ابن حمدويه جوازه، واحتجّ بقول البحترىّ في القصيدة اللّامية التى يقول فيها:
стр. 1348
ملوك يعدّون الرّماح مخاصرا ... إذا زعزعوها والدّروع غلائلا [١].
ثم قال فيها:
وفي يوم منويل وقد لمس الهدى ... بأظفاره أو همّ أن يتناولا [٢].
ويقول الخباز البلدى [٣]:
ذرا شجر للطير فيه تشاجر [٤]
وقال:
قيان وأوراق الغصون ستائر
فقال: أخطأ الشاعران جميعا، وتنابذا وتسابّا، فعمل فيه حمدويه في الحال:
أنت نحوىّ ولكن ... بدّلت خاءك جيما
فى حرمّ الأدب المح ... ض إذا كنت عليما
وأنشده اياهما، ونهض منصرفا، فضحك الجماعة من ذلك؛ فشتمهم ابن رطوية ومضى.
قال ابن نصر الكاتب: حدثنى أبو عبد الله بن رطويه النحوىّ، قال: كنت بالكوفة ملازما للشريف أبى علىّ عمر بن محمد بن عمر، فقدم علينا فتى من أهل الحجاز، أديب ظريف، وقصد الشريف أبا علىّ، وتردّد إليه ونادمه، وكان يقول شعرا مطبوعا، فخاطبته في بابه دفعات، وقلت له: هذا فتى غريب، وقد دخل دارك، وتحرّم بطعامك، فبرّه وتفقّده، فقال: ما مدحنى، فقلت:
ليس الرجل منتدبا لهذا، وإنّما يقول الشعر تأدّبا لا تكسّبا، ولعلك إذا أحببت
стр. 1349
أن يفعل. فأعرض عنى. ونقل المجلس إلى الرجل، فحضرنى واستخبرنى عما جرى، فذكرته وحملت الحال له، قال: بلغنى ما جرى على وجهه، والله يحسن جزاءك، وأنشدنى:
عثمان يعلم أنّ الحمد ذو ثمن ... لكنّه يشتهن حمدا بمجّان
والنّاس أكيس من أن يحمدوا أحدا ... حتى يروا عنده آثار إحسان
وانصرف من الكوفة، وكان آخر عهدى به.
٩٢٥ - إمرأة نحوية تعرف بابنة الكنيزىّ «١»
هذه امرأة نحويّة، وكانت في الجانب الشرقىّ ببغداد، وكانت نهاية في الفضل، ولها أخ غاية في الجهل، وكانت حسنة المعرفة بالنحو واللغة، ولها تصانيف صنّفتها تعرف بها.
قال ابن نصر الكاتب: ومن طرائف ما شاهدته، أنّها وأخاها اختصما فى ميراث والدهما، فطال التّنازع بينهما، وحضرا يوما مجلس والدى، وزاد الكلام بينهما ونقص، واغتاظ من توسّع كلامهما، ففطنت لذلك، فقالت: أغاظ الشيخ أيده الله ما يراه منى ومن هذا الأخ أصلحه الله! فقال: كلّا، إن شاء الله، ولكن جرّدى الدعوى، فإنه أقرب للإيجاز [١]. فقالت: أيد الله الشيخ، لى في ذمّته اثنان وعشرون دينارا مطيعيّة سلاميّة، فقال له: ما الّذى تقول؟ فقال: أمالها [عندى [٢]] اثنان. وسكت، ورام إن يقول مثل ما قالت فلم يقدر، فقال: بالله يا سيدى، كيف قالت، فقد والله صدّعتنا، فقال له: فضولك، قل كما تحسن.
وضحك أهل المجلس، وصار طنزا [٣]، واندفعت الخصومة ذلك اليوم.
стр. 1350
٩٢٦ - أبو عبد الله النحوىّ الفزارىّ المغربىّ «١»
من إفريقيّة، وبها كان متصدّرا لإفادة هذا الفنّ: وكان مذكورا في وقته، وذلك في زمن بنى باديس [١]، وله شعر منه:
جعلت مغيب عينك عن جفونى ... يغيب كل مخلوق سواكا
أحين علمت أنّك نور عينى ... وأنى لا أرى حتى أراكا!
٩٢٧ - أبو عدنان، وهو عبد الرحمن بن عبد الأعلى السلمىّ «٢»
ويقال: اسمه ورد بن حكيم، وكنيته أشهر من اسمه، كان عالما باللّغة، راوية لأبى البيداء الرّياحىّ، بصرىّ شاعر، وصنّف كتبا في اللغة، منها:
كتاب «القوس». كتاب «غريب الحديث» وترجمته: «ما جاء في الحديث المأثور عن النبى ﷺ ، مفسّرا على ما نشر العلماء».
وقال ابن غياض الشّامى الكفر طابىّ [٢] النحوىّ، ونقلت من خطه من تذكرته [٣]:
أبو عدنان اللّغوىّ، له «غريب ما جاء من الحديث عن النبى ﷺ ».
رأيت نسخة بالرّىّ على ظهرها: «ذكر أبو عدنان أنّ كنيته أبو محمد، وأن أبا عدنان لقب له، وهو أبو عدنان عبد الرحمن بن عبد الأعلى بن ميمون، مولى موسى ابن عبد الله بن حازم السّلمىّ وقد يقال: أبو عدنان السّلمىّ، فكأنه ينسب إلى مواليه».
стр. 1351
٩٢٨ - أبو العميثل «١»
أعرابىّ، واسمه عبد الله بن خالد [١]، مولى جعفر بن سليمان، وكان يؤدّب [ولد [٢]] عبد الله بن طاهر بخراسان، وقيل: أصله من الرىّ، يفخّم [٣] كلامه ويعربه، وكان يقول: إنّى مولى بنى هاشم، واسم جدّه سعد مولى العباس ابن عبد المطلب [٤].
وكانت [٥] له شوارب. وقبّل يد ابن طاهر يوما فجزع من شواربه، فقال أبو العميثل على الفور: شوك القنفذ لا يؤلم الأسد، وأعجبه قوله، وأمر له بجائزة سنيّة [٥].
ولمّا ورد أبو تمّام على ابن طاهر بخراسان، وجده وقد أقام أبا العميثل لتصفّح قصائد الشّعراء قبل إنشادها، فمن استجاد شعره أذن له في الدّخول والإنشاد، فاستنشد أبا تمّام فأنشده، فقال له أبو العميثل: لم لا تقول ما يفهم؟ فقال له أبو تمام على الفور: لم لا تفهم ما يقال! فألقمه حجرا، وتحاماه وسأل عنه فعرف مكانه، واعتذر إليه وقدّمه للإنشاد على القوم.
стр. 1352
وحضر أبو العميثل باب عبد الله بن طاهر [١] يوما فحجب، فقال:
سأترك هذا الباب مادام إذنه ... على ما أرى حتى يخفّ قليلا
إذا لم أجد يوما إلى الإذن سلّما ... وجدت إلى ترك اللّقاء سبيلا
فبلغ ذلك عبد الله بن طاهر فأنكره، وأمر بإيصاله على أىّ حال كان.
وتوفّى أبو العميثل سنة أربعين ومائتين. وصنّف كتبا منها: كتاب «ما اتّفق لفظه واختلف معناه». كتاب «التّشابه». كتاب «الأبيات السائرة».
كتاب «معانى الشعر [٢]».
٩٢٩ - أبو عبيد أحمد بن محمد بن أبى عبيد العبدىّ الأديب الهروىّ «١»
صاحب أبى منصور الأزهرىّ، كان مؤدّبا بهراة. وصحب أبا منصور الأزهرىّ، واستفاد منه وأكثر، وصنّف كتاب «الغربين [٣] القرآن والحديث» وهو كتاب قد سار مسير الشّمس في الآفاق، وأخذ عنه العلماء، وتزاحم على
стр. 1353
روايته الفهماء، ومن أشهر من أخبر عنه أبو عمرو عبد الواحد بن أحمد بن القاسم المليجى، ورواه عن المليجى بالإجازة أبو عبد الله محمد بن نصر الحميدىّ الأندلسىّ نزيل بغداد، ورواه عن المليجى أيضا إجازة أبو القاسم زاهر بن طاهر الشحامىّ النّيسابورىّ، ورواه الشحامىّ أيضا عن أبى عثمان الصّابونىّ، عن أبى عبيد المصنّف. وسمعه من زاهر بن طاهر الشحامىّ الإمام أبو محمد عبد الله بن أحمد ابن الخشّاب، ورواه الناس عنه رضى الله عنه وأرضاه.
وقيل: إنّ أبا عبيد كان يحبّ البذلة [١]، ويتناول في الخلوة، ويعاشر أهل الأدب في مجالس اللّذة والطرب؛ عفا الله عنه.
وقد أشار الباخرزىّ في ترجمة بعض أدباء خراسان إلى شىء من ذلك، والله أعلم.
مات أبو عبيد في حدود سنة أربعمائة أو بعدها بقليل، والله أعلم.
٩٣٠ - أبو عثمان الأشناندانىّ اللغوى الراوية «١»
بصرىّ المنزل، روى عنه أبو بكر بن دريد بالبصرة، وكان واسع الرواية، وقد ذكرته في موضع اسمه [٢] أيضا.
وله من الكتب كتاب «معانى الشعر [٣]». كتاب «الأبيات الفريده».
стр. 1354
٩٣١ - أبو علقمة النحوىّ «١»
نحوىّ قديم العهد يعرف اللّغة معرفة جميلة، وهو مشتهر بكنيته، وإن مرّ له فى هذا التصنيف ذكر فهذا الموضع أولى به، كان يتقعّر في كلامه، ويتعمّد الغريب الحوشىّ.
قال ابن خالويه ﵀: ذكر الخليل في كتاب العين أن أبا علقمة النحوىّ دعا حجّاما يحجمه، فقال: انظر ما آمرك به فاصنعه، اتّق غسل المحاجم [١]، واشدد قصب الملازم [٢]، وأرهف ظبات المشارط [٣]، وشرشر الوضع [٤]، وأخفّ القطع [٥]، اتّئد ولا تربع، وارفق ولا تفسخ، وليكن شرطك نهزا، وصقلك ليّنا، أى قصعك، ولا تردّن أتيّا، ولا تكرهنّ أبيّا، حتى إذا الدم آل إلى غاية، وصرت من سكبه إلى نهاية، فأحسن المسح، وقم عنّى فتنّح، فقال الحجّام: أعزّك الله! هذه صفة الحروب، ولا الله ما باشرتها قطّ، وتناول جونته وانصرف [٦].
стр. 1355
٩٣٢ - أبو على السنجىّ القيروانىّ المكفوف النّحوىّ «١»
من تلاميذ أبى محمد المكفوف، وكان متصدّرا لإفادة هذا الشأن، وطال عمره، وأدرك رجال سحنون [١]، وأخذ عنهم.
٩٣٣ - أبو على الحرمازىّ «٢»
اسمه الحسن بن علىّ؛ كذا سماه محمد بن داود، عن إبراهيم بن سعد الأعرابىّ [٢].
بدوىّ راوية، قدم البصرة ونزلها. منسوب إلى حرماز بن مالك بن عمرو بن تميم.
وقيل: إنه كان ينزل ببنى حرماز، فنسب إليهم. ومن تصنيفه كتاب «خلق الإنسان [٣]».
٩٣٤ - أبو عرار «٣»
أعرابى من بنى عجل، فصيح، ويقال: إنه قريب من أبى مالك في غزارة علم اللغة؛ وكان شاعرا، وأخذ الناس عنه اللّغة، ولم يضف شيئا، وجاء جنّاد [٤].
وإسحاق بن الجصّاص إلى أبى عرار، فقال له جنّاد: اسمع شيئا قلته وأجزه، فقال: قل، فقال جنّاد [٥]:
стр. 1356
إن كنت لا تدرين ما الموت فانظرى ... إلى دير هند كيف خطّت مقابره
وقال إسحاق:
ترى عجبا ممّا قضى الله فيهم ... رهائن حتف أوجبته مقادره
فقال أبو عرار:
بيوت ترى أقفالها فوق أهلها ... ومجمع زور لا يكلّم زائره
٩٣٥ - أبو الفضل النّوشجانىّ «١»
نزيل نيسابور، ذكره الباخرزىّ وسجع له، فقال: هو من علية الأدباء، والعارفين بلسان العرب العرباء، وإن كان في الشعر من المقلّين، فهو في اللّغة من المستقلّين؛ وإقلال مع استقلال: خير من إكثار مع إهجار؛ حدّثنى الأديب أبو القاسم مهدىّ بن أحمد أيّده الله، قال: حدّثنا شيخنا محمد بن أبى يوسف الإسفراريينى، قال: حملنى أبى إلى دار الشيخ أبى عبيد الهروىّ، وحطّ رحلى عنده؛ قال: فأضافه جماعة من الفضلاء، وكان يسقيهم ويراضعهم لبان الكأس، فسأل أبّا الفضل النّوشجانىّ، فقال: بلغنى أنّك كنت تخدم بعض الأماثل، فهل حظيت منه بطائل! فقال: لا، ولكنى هجوته ببيتين صنعتهما فيه، هما:
إذا ما لم يكن جدواى منكم ... سوى مرق، وذا أيضا بمنّه
فلست ببائع أدبى بحسوى ... رءوسكم كما كنتم أجنّه
٩٣٦ - أبو الفتح بن الأشرس النحوىّ النيسابورىّ «٢»
كنيته أغلب من اسمه، قال القاضي أبو جعفر محمد بن أبى إسحاق البحّاثىّ النّيسابورىّ [١]: حدّثنى الحاكم أبو سعد بن دوست، عن أبى الفتح هذا، أنّه كان
стр. 1357
من ناحية الكرخ [١]، وكان يؤدّب بنيسابور، ويختلف إلى أبى بكر الخوارزمىّ، ثم ارتحل إلى مدينة السلام، قال: فرأيت كتابا بخطّ يده، وقد كتب فيه إلى بعض أصدقائه: أذكر في إثنائه أنّه ليس اليوم بخراسان من يقوم بكتاب اختيار [٢] فصيح الكلام لثعلب، وألفاظ الكتبة لعبد الرحمن بن عيسى- قال الحاكم أبو سعد ابن دوست: وكان الخوارزمى يومئذ حيّا يرزق، والألسنة بفضله تنطق- وهذان الكتابان من زغب فراخ الكتب، فأنكر معرفة أهل خراسان بهما، فما ظنّك بالقشاعم اللّقمانية من أمهاتها [٣]! قلت: ورأيت له خطّا قريبا في الجودة، غاية في الصّحّة، واسمه بين العلماء إلى زمننا هذا رفيع، وصنعه في الضبط والإتقان صنيع [٤]، ولقد رأيت بخطه نسخة من كتاب سيبويه من ملكها من العلماء ضاهى بملكها ملك آل بويه، وخطّه مما تقع المنافسة فيه، ومتى فات عالما تحصيله لم يقم عنده شىء مقامه في تلافيه، وقد مرّ ذكره في هذا الكتاب، وإنما ذكرته هاهنا لاشتهار، بالكنية.
وله شعر متوسّط، منه ما قاله يهجو شيخه أبا الحسن الأهوازىّ:
يا عجبا لشيخنا بالأهواز ... يزهى علينا وهو في هوّاز [٥].
وله أيضا:
كأنما الأغصان لمّا علا ... فروعها قطر الندى تترى [٦].
ولاحت الشمس عليها ضحى ... زبرجد قد أتمر الدّرّا
стр. 1358
قوله: «أعمر الدرا» لا يستقيم في النّحو، لا يقال: أثمرت النخلة الثّمر، وإنما يقال: «ثمرت ثمرا» بغير ألف ولام، يعنى أثمرت بالثمر [١].
وكتب من بغداد إلى أبى نصر الحداد بنيسابور:
ربّ غلام صار في ... بغداد إحدى الفتن
رقعت خرق ظهره ... برقعة من بدنى
واسم أبى الفتح بن أشرس محمد بن محمد بن أحمد بن أشرس.
وصنّف في النّحو كتابا متوسّطا في مقداره سمّاه، كتاب «التنبيه»، وهو كتاب حسن في نوعه، رأيت منه نسخة بخطّ السّمسمىّ اللغوىّ- وملكتها ولله المنّة- وعليها بخط ابن فاخر النّحوىّ البغدادى ما صورته: قرأت كتاب التنبيه في النّحو لأبى الفتح النيسابورى، قراءة تفهم وتفقّه، من أصل السمسمىّ وبخطّه، على شيخىّ أبوى القاسم عبيد الله وعبد الواحد، ابنى العلمين: الرّقى وابن برهان الأسدى رحمهما الله في سنة سبع وأربعين وأربعمائة، وقالا لى:
قرأناه من أوّله إلى آخره، على مصنّفه أبى الفتح محمد بن محمد بن أحمد بن أشرس النيسابورىّ، ﵀ في سنة أربعمائة. وقال لنا: صنّفت هذا الكتاب لابن الأجّل أبى الخطاب صاحب بهاء الدولة، وأنفذته إليه، فوقف أباه عليه، فحمل إلىّ ما قدره خمسمائة دينارا من عين وورق وثوب وطيب، ثم شرع في قراءته علىّ فلقّنته سطرا منه، فعرضه على أبيه، فحمل إلىّ مثل ما حمل إلىّ عند إنفاذى، وأتى إليه. فكمّل العطيّة ألفا. قالا: وعاتبه بعض من يقع عتبه موقعا في موارده شيخه أبو الفتح عثمان بن جنّى في التّسمية بالتنبيه، فاعتذر عن ذلك بأن قال: والله
стр. 1359
ما سمّيته بذلك، وإنما سمّاه الأجلّ أبو الخطاب به، كما وقف عليه بقول امر به، فسمع منه، وتوقيع خطّه عليه، فأثر عنه، فأقررته عليه لما في الوفاق من القربة إليه، والحظوة لديه. قال لى شيخنا أبو القاسم بن برهان ﵀: والّذى دعانى إلى قراءة هذا الكتاب على أبى الفتح ﵀، وحدانى عليها على اشتغالى فى الوقت بما هو أهمّ، منها أنّ شيخنا أبا الحسن علىّ بن عبيد الله السّمسمىّ ﵀ بلّغه أن أستاذ الأستاذين أبا العباس بن الثلاج ركب إلى أبى الفتح متعهّدا، فأكرم مورده، وأهدى اليه هذا الكتاب بخطّه، تحفة ولطفا في أثمان المنصورى، فاستعاره منه على يدى وتصفّحه وأعجب به، وعظم عنده، فنسخ منه هذه النسخة عنها لنفسه، وقابلنى يقرؤها وأنا أنظر في الأصل، قال لى عند إنهائها: انسخه بخطّك، وأقرؤه عليك، وأستبين غوامضه منه، فامتثلت أمره.
وقال لى شيخنا أبو القاسم الرّقىّ: والّذى دعانى إلى قراءة هذا الكتاب على أبى الفتح ﵀ وحدانى عليها، أنّ محبة أبى القاسم بن برهان لهذا الكتاب وقراءته أعدتانى، فأحببته حبّه، وقرأته قراه ة أبى القاسم نفاسة أن ينفرد ويبخسه.
انتهت الحكاية.
٩٣٧ - أبو الفتح بن المقدّر الأصبهانى النحوىّ «١»
واسمه منصور بن محمد، وكنيته أشهر، وتعريفه بابن المقدّر أعرف.
كان نحويّا أديبا فاضلا، استوطن بغداد، وأقرأ بها العربيّة، وتصدّر لذلك، وخالط الأجلّاء بها، وغشيهم وغشوه للاستفادة، قال هلال بن المحسّن
стр. 1360
ابن إبراهيم بن هلال الصابى في كتابه: اعتللت في ذى القعدة وذى الحجّة من سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، ووقع اليأس منّى فيها، وأشرفت على الخطّة الصعبة منها، ثم تفضّل الله تعالى في المحرّم بالكفاية، وزوال الحمى وإقبال العافية، وحضرنى أبو الفتح منصور بن محمد المقرئ الأصبهانى النحوىّ في يوم الجمعة الثانى عشر منه، فقال لى: رأيت البارحة في منامى رجلا يقول لى: إلى أين تمضى؟ قلت: إلى فلان- أعنيك- مهّنئا له بصلاحه واستقلاله، فقال لى: قل له: اكتب فى تقويمك وتاريخك: ولد هلال بن المحّسن في المحرم سنة ست وثلاثين وأربعمائة، وانتبهت وجئتك لأعرّفك بذلك وأبشّرك به.
وتوفّى أبو الفتح منصور بن محمد هذا في يوم السبت لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة.
٩٣٨ - أبو الفهد «١»
نحوىّ بصرىّ، قرأ على الزّجّاج كتاب سيبويه مرتين، وكان فيه بله وتغفّل. قال له الزجاج وقد قرأ عليه كتاب سيبويه دفعة ثانية: يا أبا الفهد، أنت في الدّفعة الأولى أحسن حالا منك في الدّفعة الثانية.
وصنّف كتاب «الإيضاح» فى النحو.
٩٣٩ - أبو الفوارس المروزىّ اللغوىّ «٢»
- واسمه داود بن محمد بن صالح. استوطن مصر، وتصدّر بها للإفادة، واستفاد منه النّاس.
وتوفّى بمصر ﵀ سنة ثلاث وثمانين ومائتين.
стр. 1361
٩٤٠ - أبو القاسم العطار النحوى الأندلسى «١»
أحد نحاة إشبيليّة وأدبائها وظرفائها الخالعين العذار، لا يقبل ملاما في مدام، ولا يرجعه عتب عن الغرام في غلام، وكان له شعر يشعر بغزير أدبه وفضله، ونبل نظم يدّل على انتظام نبله، ولم يزل متصدّرا بإشبيليّه لإفادة العربيّة، وذلك بعد سنة خمسمائة.
فمن شعره قوله في نهر:
ركبنا على اسم الله نهرا كأنّه ... حباب [١] على عطفيه وشى حباب
وإلّا حسام جال فيه فرنده ... له من مديد الظل أىّ قراب
وله أيضا:
عبرنا سماء النهر والجّو مشرق ... وليس له إلا الحباب نجوم [٢].
وقد ألبسته الأيك برد ظلاله ... وللشمس في تلك البروج رقوم [٣].
٩٤١ - أبو القاسم الدقّاق النحوىّ البغدادىّ «٢»
نحوىّ متصدّر، أدرك صدور هذا العلم، كأبى سعيد وأبى علىّ وعلىّ بن عيسى ابن علىّ الرّمانىّ، ومن تخلّل زمانهم، وأخذ عنهم وأكثر، وتصدّر لإفادة هذا النوع، ولم يزل على ذلك إلى أن توفّى في يوم الخميس لخمس بقين من شعبان سنة خمس عشرة وأربعمائة ببغداد.
ذكر ذلك من وفياته هلال بن المحسّن في كتابه.
стр. 1362
٩٤٢ - أبو القاسم بن فيّره بن أبى القاسم الرّعبنى الشاطبىّ الأندلسى المكفوف المقرئ النحوى اللغوى «١»
ولد بشاطبة، إحدى ثغور الأندلس، فى آخر سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، وبها نشأ، وقرأ القرآن وتعلّم النحو واللغة؛ وتفننّ فى قراءة القرآن والقراءات وهو حدث، وقرأ الناس عليه في بلده، واستفادوا منه قبل سن التكهّل [١].
أخبرنى المحيىّ [٢] بن سراقة الشاطبىّ، قال: قال لى أبى: إننى قرأت القرآن على أبى القاسم بن فيّره بشاطبة. ورحل أبو القاسم إلى المشرق للحجّ، واستوطن مصر، وتصدّر في جامع عمرو بن العاص للإقراء والإفادة، وتزوّج إلى قوم يعرفون ببنى الحميرىّ. ثم نقله الفاضل عبد الرحيم بن علىّ البيسانى إلى مدرسته الّتى أنشأها بالمعزّية القاهرة، وأفرد له فيها حجرة لطيفة مرخّمة على يسار الدّاخل من الباب؛ وكان مقيما بها للإقراء والإفادة، وأفرد لأهله دارا أخرى خارج المدرسة، ولم يزل على ذلك إلى حين وفاته ﵀.
стр. 1363
كان ﵀ عالما بكتاب الله تعالى؛ من قراءته وتفسيره. وبحديث رسول الله ﷺ مبرّزا فيه، وكان إذا قرئ عليه البخارىّ ومسلم والموطّأ، تصحّح النّسخ من حفظه، ويملى النكت على الموضع المحتاج إلى ذلك فيها. وذكر أنّه نظم في كتاب «التمهيد» لابن عبد البرّ ﵀ قصيدة داليّة في خمسمائة بيت، من حفظها أحاط بالكتاب علما. وكان مبرّزا في علم النحو والعربية. عالما بعلم الرؤيا، حسن المقاصد، مخلصا فيها، يقول ويفعل ونظم القصيدة الطويلة في القراءات، أودعها كتاب «التيسير» فى القراءات تسهيلا لحفطه؛ وعليها أكثر القراء إلى اليوم، وقد شرحت في مجلدين، شرحها بعض تلاميذه، وقال ﵀: لا يقرأ أحد قصيدتى هذه إلا ونفعه الله بها، لأنّى نظمتها لله تعالى. وكان يجتنب فضول القول، ولا يتكلّم في سائر أوقاته إلا بما تدعو إليه ضرورة، ولا يجلس للإقراء إلا على طهارة، وفي هيئة حسنة، وخضوع واستكانة، ويمنع جلساءه من الخوض والحديث إلّا في العلم والقرآن، وكان يعتلّ العلّة الشديدة ولا يشتكى ولا يتأوّه، وإذا سئل عن حاله قال:
العافية، ولا يزيد على ذلك.
وذكر له يوما جامع مصر، وقيل: قد قيل إنّ الأذان يسمع فيه من غير المؤذّنين، ولا يدرى ما هو! فقال: قد سمعته مرارا لا أحصيها عند الزوال.
وقال يوما: جرت بينى وبين الشيطان مخاطبة، فقال لى: [إن [١]] فعلت كذا فسأهلكك، فقلت له: والله ما أبالى بك!
стр. 1364
وقال يوما: كنت في طريق، وتخلّف عنى من كان معى وأنا على الدابّة، وأقبل اثنان، فسّبنى أحدهما سبّا قبيحا، وأقبلت على الاستعاذة وبقى ما يشاء الله، ثم قال لى الآخر: دعه، وفي تلك الحال لحقنى من كان معى، فأخبرته بذلك، فطلبه يمينا وشمالا فلم يجد أحدا.
وكان ﵀ يعذل أصحابه فى السرّ على أشياء لا يعلمها منهم إلا الله ، وكان يجلس إليه من لم يعرفه فلا يرتاب في أنّه مبصر، لأنه لذكائه لا يظهر منه ما يظهر من الأعمى في حركاته.
أخذ القراءات في الأندلس عن الشيخ الإمام الزاهد أبى الحسن بن هذيل، عن أبى داود، عن أبى عمرو الدّانى. وأخذها أيضا عن أبى عبد الله محمد ابن أبى العاص النقرىّ، وكتبا له بذلك له خطهما، وطوّلا في الذى كتباه تطويلا يدل علىّ الاعتناء به. فأما خطّ النقرى له فكان في شهر ربيع الآخر عام خمسة وخمسين وخمسمائة.
وله أشعار مأثورة عنه في ظاءات القرآن، وفي مواضع الصّرف، وفي نقط المصحف وخطّه، وفي أنواع من المواعظ ﵀.
مات في يوم الأحد بعد صلاة العصر، وهو اليوم الثامن من بعد العشرين من جمادى الآخرة، سنة تسعين وخمسمائة، ودفن يوم الاثنين في المقبرة المعروفة بسارية على جانب الخندق في تربة البيسانىّ، وصلّى عليه الشيخ أبو إسحاق المعروف بالعراقىّ إمام جامع مصر يومئذ.
стр. 1365
٩٤٣ - أبو القاسم بن أبى منصور النحوى الحلبى المعروف بابن الحبرانىّ «١»
واسمه سعيد، وكنيته أشهر. قرأ النّحو بحلب على أبى الرجاء بن حرب النحوىّ، وطالع وبحث، وحصل من العوامل على طرف جيد، وحفظ جزءا متوفّرا من الأبيات الشواهد على العربية، وحفظ شيئا من اللّغة، ورحل إلى دمشق، واجتمع بالتّاج زيد بن الحسن بن زيد الكندىّ، وحاضره وناظره، وسألته عنه، فقال:
ما أعجبنى نحوه، قال: ولقد سألته عن أشياء غلط في الجواب عنها- يعنى الكندىّ- قال: فقلت له: الأمر بخلاف ذلك، فكابر وتضجّر، وقال: من يقول غير هذا؟ فقلت: أبو الفتح بن جنّى، قد ذكره في كتاب «سر الصّناعة». فأخذ «سر الصناعة»، وطالعها فوجد القول ما قلته، فكان جوابه أن قال: فد كنت أظنّ أنّ ابن جنّى محقّق فيما يقوله إلى هذه الساعة، وقد فسد رأيى فيه.
وكان أبو القاسم هذا يذكر نسبه إلى أخى البحترى الشاعر من طيّئ، ووقفت عليه، فرأيت التلفيق بيّنا لطوله، وكان إذا لوجج في السؤال تضجّر وتشيّط لضيق عطنه، وربّما سئل عن المسألة، فسارع إلى الجواب ويخطئ، فإذا ردّ عليه الخطأ عزّ عليه واستوحش، وربما انقطع عن ذلك المجلس.
فمما جرى لى معه أنه قال يوما: الحلىّ نبت ويا بسه النّصىّ، فقلت له: الأمر بالعكس، وإنما هو النّصىّ [١] ويابسه الحلىّ، فكابر فأريته إيّاه في كتاب «النبات» لأبى حنيفة، فعزّ عليه غلطه ووجم، وانقطع عنّى مدّة.
стр. 1366
وكان إذا أحرم للصّلاة كسر الهمزة من «أكبر» فسألته عن ذلك، فأنكر كسرها، فقلت له: قلها، فقالها بكسر الهمزة، وشهده جماعة عندى يقول ذلك، فاجتهدنا به أن يقولها مفتوحة، فما تطوّع لسانه بها، فاعتددنا ذلك من النّوادر، وكونه لا يفهم أنّه ينطق بها مكسورة، وهو يظنها مفتوحة.
وكان شديد الطّلب للدنيا، يدخل في دنيّات الأمور، ويعامل المعاملات المخالفة للشريعة، ويحتمل من ضيق العيش في المأكل والمشرب والملبس ما لا يوجد من مثله، إلى أن حصّل جملة من الدنيا، ما انتفع بها، وخلّفها لولده. ولقد شاهدته فى الأيام شديدة البرد، وهو رقيق الملبوس، يقاسى من ألم البرد ما يظهر أثره عليه.
وعدته مرّة في مرضه، فرأيت منزله على جودة بنيانه، وهو في غاية من الزّراية في المفرش والملبس. ورأيته في أوّل أمره وهو على خلاف كلّ هذا، فإنّنى شاهدته عند ورودى حلب في سنة ثمان وتسعين، وهو حسن البزّة والمخدوم والمركوب. ثم نسخ الله ذلك بما ذكرته، بعد مدّة ليست بالطّويلة.
وتصدّر بجامع حلب برزق قرّر له من وقف الجامع لإقراء القرآن والعربيّة.
وكان بخيلا بما عنده من ذلك، يصارف فيما يذكره وفي أوقات حضوره، فما استفاد منه أحد، ولا ظهر له تلميذ معروف، ولم يزل على جدّه في الكدّ، وتعرّضه للطلب من أكابر النّاس بحلب لغير حاجة، إلى أن ذهب لسبيله بالوفاة في يوم الاثنين لثمان خلون من رجب سنة ثمان وعشرين وستمائة.
стр. 1367
وكان له شعر أردأ من شعر النحاة، فيه تكلّف وجسأة [١] وتصنّع يذهب روق النظم، يمتدح به لطلب الازدياد.
وكان إذا تلا القرآن تلاه بصوت غير شج، ويتصنّع الحروف من مخارجها، فيزيد في ذلك على الواجب، ويرفع به صوته، غير أنه كان شديد الاجتهاد فى طلب الفوائد من صفحات الصحف، فلازم المطالعة ليلا ونهارا، وتلزّم الحفظ لبعض ما يمرّ به في أثناء ذلك.
ولقد حكى لى الشريف أبو هاشم بن أبى حامد بن أبى جعفر الهاشمىّ الحلبىّ صديقى ﵀، قال: أخبرنى جار له، قال: رأيت ابن الحبرانىّ النحوىّ في زمن الصيف، يقوم في الليل الأخير في سطحه، ويقد سراجا في موضع خال من الهواء، ويقعد للمطالعة وقتا طويلا دائما في كلّ ليلة، لا يشغله الحرّ ولا القرّ عن المطالعة والاستفادة.
فأمّا شعره فإننى وجدت قصيدة له، وقد ألحقتها بهذا الموضع، وقد ترجم عليها «خدمة المملوك ابن الحبرانى النحوىّ»، وهى:
ليهنك النّصر والتأييد والظّفر ... الله واقيك، لا التحصين والخدر
إن العدا أضمروا كيدا تكاد له السّ ... بع السموات والأفلاك تنفطر
فردّه الله ردّا في نحورهم ... فليتهم قبل أن همّوا به نحروا
فكم أرادوا به مكرا فما بلغوا ... قدما، وكم أضمروا سوءا فما قدروا
لطف من الله بالإسلام سلّمه ... ونعمة لا يؤدّى شكرها البشر
قضى الله أن يلقوا منّيتهم ... فلا يرى لهم عين ولا أثر
стр. 1368
أرى وشرى لمن عادى وسالمه ... ففى كلا راحتيه النّفع والضرر
لقد أفادك حسن الظّنّ مع ثقة ... بالله مالا يفيد البيض والسّمر
سلّمت أمرك نحو الله معتصما ... بالله فانزاح عنك الخوف والخور
لبست من جنن التّقوى محصّنة ... فليس ينفذها جنّ ولا بشر
إن الرعيّة راموا في زمانهم ... عدلا وأمنا فبالأمرين قد ظفروا
أصبحت قد سست دنياهم ودينهم ... كأنّما ساسهم في أمرهم عمر
قد أسعد الله قوما صار أمرهم ... إلى أتابك، نعم الكهف والوزر
أضحوا بعدل شهاب الدين في نعم ... ما إن يؤدّى لها حقّ وإن شكروا
لمثل ذا فلنصم لله ثم نقم ... له الصلاة نعم، ولتنذر النّذر
فليسألوا الله ربّ العرش يحرسهم ... من أن يغيرهم عمّا بهم غير
قرّب مجيئك واشملهم بأنعمك ال ... غرّا لجسام فهم في الدولة الغرر
ولاؤهم لك محض لم يشبه خنا ... وحبّهم لك صفو ما به كدر
واسعد بآياتك الزهر التى افتخرت ... بما سرت من معالى ذكرها السّير
بها الزّمان ربيع والحيا عدن ... والورد عذب وليل كلّه سحر
وعشت ما ناح قمرىّ على فنن ... ودمت ما لاح فى جنح الدّجى قمر
منّعما بالعزيز الملك مقترنا ... بمطلب العزّ في عليائه الظّفر
فى نعمة جلّ ما افترّت مباسمها ... عنه وقل على خبر بها الخبر
وجاد ربعك من صوب الدوام حيا ... يحيا به البدو في الآفاق والحضر
стр. 1369
ما ظال للمجتلى وجه المنى أمل ... وطاب للمجتنى غرس العلا ثمر
كن واثقا من دعائى بالإجابة إنّى ... قطّ لم أدع إلّا ساعد القدر
فما عدنك صروف الدهر وانصرفت ... فكلّ ذنب لها من بعد مغتفر
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.
٩٤٤ - أبو القاسم بن أحمد بن الموفق اللورقىّ الأندلسى النحوىّ المعروف «١» بالعلم
نحوىّ فاضل عالم، ذكىّ النّفس، له مشاركة حسنة في المنطق وعلم الكلام.
قرأ الأدب في الأندلس على مشايخ وقتة، وصحب جماعة من أهل العلم هناك، كابن المره، وابن عميرة، ومن يجرى مجراهم. ورحل عن الأندلس إلى الشرق، يطلب الفوائد والتزيّد منها، وحجّ ودخل بغداد، واجتمع بأبى البقاء النّحوىّ وطبقته، واستفاد منهم، ثم خرج إلى الشام، وقطن حلب، وتصدّر بها لإقراء النحو برهة، وكان قد اجتمع في طريقه من الغرب ببعض مدن برّ العدوة بأبى موسى الجزولىّ النحوىّ، وسأل عن شىء في «مقدّمته»، فبيّنه له.
ولمّا سكن حلب شرح «المقدمة [١] الجزولية» شرحا كافيا، أحسن فيه، وتكلّم على غوامضه ومعانيه، وشرح كتاب «المفصّل [٢]» للزمخشرى شرحا استوفى فيه القول، لا يقصر أن يكون في مقدار كتاب أبى سعيد السّيرافىّ في شرح سيبويه، واستعان فى عبارته ببعض عبارة المتكلّمين، وكان أقدر على ذلك من غيره [٣].
стр. 1370
ولمّا ضجر من المقام بحلب لبله الطالب وقلّة الطلب، رحل إلى مدينة دمشق وأقام بها، وتصدّر هناك لإقراء للنّحو والعربية، وسلّمت إليه خزانة الكتب بالجامع فتولّاها، وأحسن الولاية فيها، وأقام بالمدرسة العزيزية للاشتغال بالفقه.
وهو أنبه من رأيته، وأحضر ذهنا، وحاله مستمرّ إلى حين تسطير هذه التّرجمة فى شعبان سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، أمتعه الله بالحياة، وأمتع منه الفوائد.
وسألته عن موجب رحلته، فقال: أكبر الأسباب فيها توديع من أعرفه، فإنّ الأجل قريب، وسألته عمّا استفاده بعدى من العلوم، فقال: حللت «إقليدس» وبعض المتوسّطات، وشرعت في «المجسطىّ» وما يتعلّق به، وفي حل الزّيج.
وذكر أنّه حصل في النحو فوائد مغربيّة، قدم بها رجل من أصحاب أبى علىّ عمر الشّلوبين، ومات بدمشق ﵀، وأبيعت في تركته. وذكر أنّه ألحق منها شيئا بالشرحين الّلذين له، وهو «شرح الجزولية» و «شرح المفصّل»، ووعدنى عند عوده بإضافة ما صنّفه من ذلك إلى الشرحين المتقدّمين له عندى.
وذكر أنه حصّل الشرح المستوفى للجزولية من تصنيف عمر الشّلوبينىّ، وأن رجلا مغربيّا أحضره إليه، وكان ضنينا به، وطلب منه في حالة ذلك أن يقرئه كتاب «الملخّص» لابن الخطيب الرّازىّ المعروف بالفخر، فبهذا الطريق حصل انتساخها منه بعد منعه لها. وفارقنى من حلب متوجّها إلى بغداد في يوم الخميس العشرين من شعبان سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، قدّر الله له السلامة والعافية.